البيان والتحصيلصفحات 461-500
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجامع الرابع

صفحات 461-500
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن رشد الجد
الكتاب
البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
المؤلف
أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
الناشر
دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
الطبعة
الثانية، 1408 هـ - 1988 م
عدد الأجزاء
20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

أموالهم تبعا لهم، ألا ترى إلى قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مكة حرام محرم لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار» ، ولا خلاف أنه لم يكن فيها غنيمة، فالإجماع على ذلك يقضي بصحة قول من أجاز بيع دورها وكراءها، إذ لا فرق بين الأموال والرباع.
وأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن يوقف أبو سفيان بخطم الوادي ليرى جيوش الله تعالى، ففعل العباس ذلك وأراه القبائل قبيلة قبيلة إلى أن جاء مركب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المهاجرين والأنصار كلهم في الدروع والبيض، فقال أبو سفيان: من هؤلاء؟ قال: هذا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المهاجرين والأنصار، فقال: والله ما لأحد بهؤلاء قبل، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، فقال العباس: يا أبا سفيان، إنها النبوءة، قال: نعم إذا تم، قال له العباس: يا أبا سفيان النجاء إلى قومك، فأسرع أبو سفيان فأتى مكة فعرفهم بما أحاط بهم، وأخبرهم بتأمين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من دخل داره أو المسجد ودار أبي سفيان ... قوم ليقاتلوا، فبلغ ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فرتب الجيوش، وجعل الزبير على الميمنة وخالد بن الوليد على الميسرة، وأمر الزبير بالدخول من كداء في أعلى مكة، والوليد ابن الليط أسفل مكة، وجعل الراية بيد سعد بن عبادة، فكان من قوله: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، فقال له العباس: يا رسول الله

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، هلكت قريش، لا قريش بعد اليوم، إن سعد بن عبادة قال كذا وكذا، إنه حنق على قريش، ولا بد أن يستأصلهم، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن تنزع الراية من يد سعد بن عبادة، وتدفع إلى علي، وقيل: بل إلى الزبير، وقيل: بل إلى ابنه قيس بن سعد لئلا يجد في نفسه سعد شيئا، وأمرهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقتال من قاتلهم، وكان عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وقد جمعوا جمعا بالحندمة ليقاتلوا فناوشهم أصحاب خالد، فأصيب من المسلمين رجلان، ومن المشركين ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا، ولهذا قال من قال من أهل العلم: إن مكة افتتحت عنوة؛ إذ هذا هو حكم العنوة.
    ولما دخل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة طاف بالكعبة وأخذ مفتاحها من عثمان بن طلحة، فدخلها وصلى فيها، ثم خرج ورد المفتاح إلى عثمان بن طلحة وأبقى له حجابة البيت، وقال: خذوها تالدة إلى يوم القيامة، وأمر - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بكسر الصور التي داخل الكعبة وخارجها وحولها، وكسر الأصنام التي حول الكعبة وبمكة كلها، وكانت الأصنام مشدودة بالرصاص، فكان يشير إليها بقضيب في يده، فكلما أشار إلى واحد منها خر لوجهه، وكان يقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: 81] ، وأذن له بلال على ظهر الكعبة، وخطب ثاني يوم الفتح خطبته المشهورة المعروفة، ثم بعث - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السرايا حول الكعبة يدعو إلى الإسلام، ولم يأمرهم بقتال، وكان أحد أمراء تلك السرايا خالد بن الوليد، خرج إلى بني جذيمة فقتل

منهم وسبى، وقد كانوا أسلموا فلم يقبل خالد قولهم وإقرارهم بالإسلام، فوداهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبعث علي بن أبي طالب بمال إليهم فودى لهم جميع قتلاهم، ورد إليهم ما أخذ لهم، وقال لهم علي بن أبي طالب: انظروا إن فقدتم عقالا أديته، بهذا أمرني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وكان فتح مكة فيما قاله مالك في هذه الرواية في سبعة عشر يوما من رمضان، وقد قيل: إن فتحها كان لعشر بقين من رمضان، سنة ثمان من الهجرة كما ذكرناه.
وفي هذه السنة كانت غزوة حنين، وذلك أن هوازن لما بلغهم فتح مكة جمعهم مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه قومه من بني نصر وبنو جشم وبنو سعد وثقيف وطائفة من بني هلال بن عامر وحملت بنو جشم مع أنفسهم شيخهم وكبيرهم دريد بن الصمة، وهو يومئذ شيخ كبير لا ينتفع به في غير رأيه، فحملوه في هودج لضعف جسمه، وكانت الرياسة في جميع العسكر إلى مالك بن عوف النصري، فحشر الناس وساق مع الكفار أموالهم وماشيتهم ونساءهم وأولادهم، وزعم أن نفوسهم تُحْمَى بذلك وأن شوكتهم تشتد به، فنزلوا بأوطاس، فقال لهم دريد بن الصمة: ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاة؟ قالوا: ساق ذلك مالك مع الناس ليقاتلوا عنهم، فقال لهم دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء يا مالك؟ إنه إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسلاحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك.
وأخبر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بما شاهد منهم فعزم

رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على قصدهم، واستعار من صفوان بن أمية دروعا، قيل: مائة، وقيل: أربعمائة، وخرج في اثني عشر ألفا من المسلمين، منهم عشرة آلاف صحبوه من المدينة، وألفان من مسلمة الفتح، إلى ما انضاف إليه من الأعراب من بني سليم وبني كلاب وغيرهم، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد، ونهض - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى أتى وادي حنين، وهو من أودية تهامة، وقد كانت هوازن قد كمنت في جنبتي الوادي، وذلك في غبش الصبح فحملت على المسلمين حملة رجل واحد، وثبت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وثبت معه أبو بكر وعمر، ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس والفضل بن العباس وقثم بن العباس وأبو سفيان ابن الحارث وابنه جعفر بن أبي سفيان، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على بغلته الشهباء، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول: «يا أيها الناس إلى أين؟ أيها الناس أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله» وأمر العباس وكان جهير الصوت أن ينادي: يا معشر الأنصار، يا أصحاب الشجرة، يا معشر المهاجرين، يا آل الخزرج، كانت الدعوة أولا يا آل الأنصار، ثم خصصت آخرا بآل الخزرج؛ لأنهم كانوا أصبر عند القتال على ما ذكر، فلما ذهبوا ليرجعوا كان الرجل منهم لا يستطيع أن ينفذ بعيره لكثرة الأعراب المنهزمين فكان يلبس درعه، ويأخذ سيفه ومجنه ويقتحم عن بعيره ويكر راجعا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، حتى إذا اجتمعوا حواليه مائة رجل أو نحوهم استقبلوا هوازن بالضرب، واشتد الحرب وكثر الطعن والجلاد، فقام رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في ركائبه، ونظر إلى مجتاد القوم، فقال: الآن قد حمي الوطيس، وضرب علي ابن أبي طالب

عرقوب جمل صاحب الراية أو فرسه فصرعه، ولحق به رجل من الأنصار فاشتركا في قتله، وأخذ الراية علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وقذف الله عز وجل في قلوب هوازن الرعب حين وصلوا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ واجههم وواجهوه صاح بهم صيحة ورمى في وجوههم بالحصى فلم يملكوا أنفسهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: 17] ، قال بعض من أسلم من المشركين ممن شهد حنينا، وقد سئل عن يوم حنين: لقينا المسلمين فما لبثنا أن هزمناهم واتبعناهم حتى أتينا إلى رجل راكب على بغلة بيضا، فلما رآنا زجرنا زجرة وانتهرنا وأخذ بكفه حصى أو ترابا، فرمى به، وقال: «شاهت الوجوه» ، فلم تبق عين إلا دخلها من ذلك، وما ملكنا أنفسنا أن رجعنا على أعقابنا، وما استوفى رجوع المسلمين إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا وأسرى هوازن بين يديه، واستحر القتل في بني مالك، فقتل منهم خاصة يومئذ سبعون رجلا منهم، ورئيسهم والخمار، وأخوه عثمان ابنا عبد الله بن ربيعة، وأدرك ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة فقتله، وقيل: إنه أسر، فأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقتله لمشاهدته الحرب وموضع رأيه فيها، ولما انقضى القتل نادى منادي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه» ، وكانت وقعة هوازن يوم حنين في أول شوال من السنة، وترك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قسم الغنائم من الأموال والنساء

والذراري فلم يقسمها حتى أتي الطائف.
وفي هذه السنة كانت غزوة الطائف، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انصرف من حنين إلى الطائف ولم ينصرف إلى مكة ولا عرج على شيء إلا على غزو الطائف قبل أن يقسم غنائم حنين وقبل كل شيء، فسلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في طريقه إلى الطائف على الجعرانة أخذ على قرن وابتنى في طريقه ذلك مسجدا وصلى فيه، ووجد في طريقه ذلك حصنا لمالك بن عوف النصري فأمر بهدمه، ثم نزل - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقرب الطائف بواد يقال له العقيق، فتحصنت ثقيف، وحاربهم المسلمون، وحصن ثقيف لا مثل له في حصون العرب، فأصيب من المسلمين رجال بالنبل، فزال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من ذلك المنزل إلى موضع المسجد المعروف اليوم، فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة، وقيل: بضع عشرة ليلة، وقيل: عشرين يوما، وأمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنصب المنجنيق على الطائف ورماهم به، ونزل قوم من تحت الربابات من سور الطائف فرارا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فصب عليهم أهل الطائف سكك الحديد المحماة، ورموهم بالنبل، فأصابوا منهم قوما، ونجى آخرون، منهم أبو بكرة - رَحِمَهُ اللَّهُ - وعبيد بن عبيد.
أهل الطائف منهم الأزرق والد نافع بن الأزرق الخارجي المنسوب إليه الأزارقة.
وأمر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بقطع أعناب أهل الطائف إلا

قطعة عنب كانت للأسود بن مسعود ولابنه في ماله، وكانت تبعد عن الطائف، وسأله الكف عنها، فكف عنها.
«ولما انصرف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الطائف إلى الجعرانة على مقربة من حنين وقسم الغنائم هناك أتاه وفد هوازن مسلمين راغبين في العطف عليهم والإحسان إليهم، فقال لهم: " قد كنت استأنيت بكم وقد وقعت المقاسم وعندي من ترون، فاختاروا إما ذراريكم ونساؤكم وإما أموالكم، فاختاروا العيال والذرية، قالوا: لا نعدل بالأنساب شيئا، فقال لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إذا صليت الظهر فتكلموا واطلبوا حتى أكلم الناس في أمركم، فلما صلى الظهر تكلموا وقالوا: نستشفع برسول الله على المسلمين وبالمسلمين على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: أما ما كان لي ولبني عبد المطلب وبني هاشم فهو لكم، وقال المهاجرون والأنصار: وأما ما كان لنا فهو لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن في قومهما أن يردوا عليهم مما وقع لهم في سهمانهم، وامتنع العباس ابن مرداس وطمع أن يساعده قومه كما ساعد الأقرع وعيينة قومهما، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: من ضن منكم بما في يديه فإنا نعوضه منه» فرد عليهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نساءهم وأبناءهم، وعوض من لم تطب نفسه بترك نصيبه أعواضا رضوا بها، وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف إنسان فيهن الشيماء أخت النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - من الرضاعة، وهي بنت الحارث بن عبد العزى من بني سعد بن بكر بنت حليمة السعدية، فأكرمها رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأعطاها وأحسن إليها، ورجعت

إلى بلادها مسرورة بدينها وما أفاء الله عليها، وقسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الأموال بين المسلمين، وأعطى المؤلفة قلوبهم من قريش وغيرهم، وأعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس وأبا سفيان ابن حرب وابنه معاوية وحكيم بن حزام والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزى، وصفوان بن أمية، ومالك بن عوف، والعلاء بن حارثة، فهؤلاء أصحاب المئين، وأعطى رجالا من قريش دون المائة، منهم سعيد بن يربوع أعطاه خمسين بعيرا، وأعطى عباس بن مرداس أباعر قليلة فسخطها، وقال في ذلك أبياتا، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اقطعوا عني لسانه» ، فأعطوه حتى رضي، فكان ذلك قطع لسانه.
قال موسى بن عقبة: «ولما قسم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الغنائم أو ما شاء الله منها فأكثر لأهل مكة من قريش القسم، وأجزل لهم العطاء، وقسم لغيرهم ممن خرج إلى حنين استيلافا لهم، حتى إنه ليعطي الرجل الواحد مائة ناقة، والآخر ألف شاة، وزوى كثيرا من القسم عن أصحابه، فوجدت الأنصار في أنفسها من ذلك، وقالوا: نحن أصحاب كل موطن شدة وبلاء ثم آثر علينا قومه وقسم فيها قسما لم يقسمه لنا، وما نراه فعل ذلك إلا وهو يريد الإقامة بين ظهرانيهم، فلما بلغ ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتاهم في مجلسهم فجمعهم، وقال: " من كان هنا من غير الأنصار فليرجع إلى رحله "، فتشهد ثم قال: " حدثت أنكم عتبتم في المغانم أن آثرت بها أناسا أستألفهم على الإسلام، ولعلهم يفقهون، وقد جعل الله في قلوبكم الإيمان وخصكم بالكرامة، وسماكم بأحسن الأسماء، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالغنائم وترجعون برسول الله؟ فوالله لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وسلكتم واديا لسلكت واديكم، فارضوا، فأنتم الشعار، والناس دثار "، فلما سمعوا مقالة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بكوا، فكثر بكاؤهم، وقالوا: الله ورسوله أمن وأفضل، فقال: " ارجعوا إلي فيما أعلمتكم به "، قالوا: وجدتنا يا رسول الله في ظلمات، فأخرجنا الله بك منها إلى النور، ووجدتنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك منها، ووجدتنا ضالين فهدانا الله بك، ووجدتنا أذلة قليلا، فأعزنا الله بك وكثرنا، فرضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، افعل ما شئت يا رسول الله في حل محلل.
فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أما والله لو جئتموني بغير هذا لقلت صدقتم، لو قلتم ألم تأتنا طريدا فآويناك؟ ومكذبا فصدقناك؟ ومخذولا فنصرناك؟ لقلت: صدقتم "، فقالت الأنصار: بل لله ولرسوله علينا وعلى غيرنا المن والفضل، ثم بكوا الثانية وكثر بكاؤهم، وبكى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - معهم ورضي عنهم» وكانوا بالذي سمعوا من رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من القول أقر عينا وأشد اغتباطا منهم بالمال.
وقد اختلف فيما أعطى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذلك اليوم للمؤلفة قلوبهم وغيرهم، هل كان من الخمس أو من خمس الخمس، أو من رأس الغنيمة، والأظهر أنه كان من رأس الغنيمة، إذ لو كان من الخمس أو من خمس الخمس لما وجدت الأنصار في أنفسها من ذلك ما وجدت، ولما قالت له: افعل ما

شئت يا رسول الله في حل محلل، إذ التحليل إنما يكون فيما أعطى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الأربعة الأخماس الواجبة للغانمين، وأما الخمس فلا حق لهم فيه إلا أن ينفلهم شيئا باجتهاده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وقد اختلف أهل العلم فيما ينفله الإمام، فقالت طائفة من العلماء: لا يكون إلا من خمس الخمس، وقالت طائفة: لا يكون إلا من الخمس، وقالت طائفة منهم: لا ينفل من الغنيمة إلا بعد الخمس، وهذا الاختلاف على اختلافهم في قوله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] الآية، هل هي مخصوصة للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أو عامة محكمة أو هي منسوخة بآية الغنيمة، قوله عز وجل: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الآية، وعلى الاختلاف في الخمس هل يقسم بالاجتهاد فيمن سمى الله في الآية وفي غيرهم أو يقسم بالسوية بين من سمى الله في الآية دون غيرهم.
فمن رأى آية الأنفال عامة محكمة غير منسوخة وأن الخمس يقسم على الاجتهاد - قال: إن الإمام ينفل من رأس الغنيمة.
ومن رآها عامة محكمة غير منسوخة، وأن الخمس يقسم بالسوية أخماسا بين من سمى الله بالآية دون غيرهم - قال: إن الإمام ينفل من الغنيمة بعد الخمس.
ومن رآها منسوخة وأن الخمس بالاجتهاد فيمن سمى الله في

الآية وفي غيرهم، قال: إن الإمام إنما ينفل من الخمس، وهو مذهب مالك.
ومن رآها منسوخة وأن الخمس يقسم بالسوية أخماسا بين من سمى الله في آية الخمس، قال: إن النفل إنما يكون من خمس الخمس.
وفي هذا العام اعتمر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الجعرانة، وذلك أنه لما أتى على قسمة الغنائم خرج منها إلى مكة معتمرا، وأمر ببقايا الفيء فخمس بناحية الظهران، فلما فرغ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من عمرته استخلف على مكة عتاب بن أسيد ورجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة، وكان خروجه منها لعشر خلون من رمضان، فكانت مدة مغيبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مذ خرج من المدينة إلى مكة فافتتحها وأوقع بهوازن بحنين وحارب الطائف واعتمر إلى أن رجع إلى المدينة شهرين وأربعة عشر يوما.
وانهزم يوم حنين مالك بن عوف رئيس جيش المشركين، فلحق في انهزامه بالطائف كافرا، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو أتاني مسلما لرددت إليه أهله وماله» فبلغه ذلك فلحق برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد خرج من الجعرانة فأسلم وأعطاه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم، وهو أحدهم ومعدود فيهم، واستعمله على من أسلم من قومه ومن قبائل قيس، وأمره بمناورة ثقيف، ففعل وضيق عليهم

وحسن إسلامه وإسلام المؤلفة قلوبهم حاشى عيينة بن حصن فلم يزل مغموزا عليه.
وسائر المؤلفة متفاضلون، منهم الخير الفاضل المجتمع على فضله كالحارث بن هشام وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، ومنهم دون ذلك، وقد فضل الله النبيين وسائر عباده المؤمنين بعضهم على بعض، وهو أعلم بهم.
وأقام الحج للناس عتاب بن أسيد في تلك السنة، وهو أول أمير أقام الحج في الإسلام، وكان خيرا فاضلا ورعا.

أحداث السنة التاسعة من الهجرة

وفي السنة التاسعة كانت غزوة تبوك، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما انصرف من عمرته بعد فتح مكة وغزوة حنين وحصار الطائف أقام بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأولى وجمادى الآخرة، وخرج في رجب من سنة تسع بالمسلمين إلى غزو الروم، وهي آخر غزاة غزاها - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنفسه، وكان خروجه إلى تلك الغزوة في حر شديد حين طاب أول التمر في عام جدب، وكان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا يكاد يخرج غازيا إلى وجه إلا ورى بغيره، إلا غزوه تبوك فإنه بينها للناس لبعد المسافة ونفقه المال والمشقة وقوة العدو المقصود إليه، فتأخر الجد بن قيس من بني سلمة، وكان متهما بالنفاق، فاستأذن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في البقاء وهو غني قوي فأذن له وأعرض عنه، فنزلت فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49] .

وفي هذه الغزاة أتى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - البكاءون، وهم سبعة فاستحملوه فلم يكن عنده ما يحملهم عليه، فـ ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: 92] فسموا البكائين.
وأنفق فيها ناس من المسلمين، فأنفق عثمان - رَحِمَهُ اللَّهُ - نفقة عظيمة جهز بها جماعة من المعسرين.
روي أنه حمل في هذه الغزاة على تسعمائة بعير ومائة فرس، وجهزهم حتى لم يفقدوا عقالا ولا شكالا.
وروي أنه أنفق فيها ألف دينار، وخرج عبد الله بن أبي ابن سلول بعسكره فضربه على باب المدينة أيضا، فكان عسكره فيما زعموا ليس بأقل العسكرين، وهو يظهر الغزاة مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما نهض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تخلف فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، وكانوا نيفا وثمانين رجلا خلفهم سوء نياتهم ونفاقهم.
وتخلف في هذه الغزاة من صالح المسلمين ثلاثة رجال، وهم كعب بن مالك الشاعر من بني سلمة، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية الواقفي، وتفقدهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بعد يوم أو يومين، فقيل له: تخلفوا، فعجب

من ذلك للذي يعرف من إيمانهم وفضلهم وعز ذلك عليه، وفيهم نزلت: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: 118] الآية، وحديثهم مشهور معروف.
ونهض رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فخطر على حجر ثمود، فأمر أصحابه ألا يتوضئوا من بئر ثمود، ولا يعجنوا بمائها خبزا، وأمر بما عجن بمائها أن يطرح للإبل، وأمرهم أن يستعملوا في جميع ما يحتاجون إليه ماء بئر الناقة وأن لا يدخلوا بيوت ثمود المعذبين إلا باكين أن يصيبهم مثل ما أصابهم، وقام - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ثمود بضع عشرة ليلة، ولم يتجاوزها ثم انصرف.
وكانت في هذه الغزاة آيات بينات وعلامات للنبوءة مشهورات.
منها أنه كان في طريقه ماء قليل فنهى أن يسبق إليه أحد فسبق إليه رجلان، فاستنفذا ما فيه، فسبهما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم أمرهم فجمعوا من بقية ذلك الماء، غرفوا منه بأيديهم قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، فغسل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير جاشت به، كفى الجيش كله، وأخبر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أن ذلك الموضع سيملأ جنانا.
وبنى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين تبوك والمدينة مساجد نحو

ستة عشر مسجدا أولها مسجد بناه بتبوك وآخرها مسجد بذي خشب [وفي هذه السنة كان إسلام ثقيف] ولما انصرف رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من تبوك وكان انصرافه في رمضان رأت ثقيف أنهم لا طاقة لهم بما هم فيه من خلاف جميع العرب، فوفدوا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رسلا منهم بإسلامهم، فخرجوا حتى قدموا المدينة، فكان أول من رآهم بقناة المغيرة بن شعبة، وكان يرعى بها ركاب أصحاب رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نوبته، فترك الركاب عندهم ونهض مسرعا إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ليبشره بقدوم ثقيف للإسلام، فلقي أبا بكر الصديق فسأله عن شأنه، فأخبره، فأقسم عليه أن يؤثره بتبشير رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك، فأجابه المغيرة إلى ذلك، فذهب أبو بكر بالبشارة إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بذلك، ورجع المغيرة إلى قوم ثقيف، فجاء معهم إلى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وأعلمهم كيف يحيونه إذا قدموا عليه، فلم يفعلوا وحيوه بتحية الجاهلية، فضرب لهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبة في ناحية المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يختلف بينهم وبين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو الذي كتب لهم الكتاب، فسألوا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قبل أن يكتب لهم كتابهم أن يترك لهم الطاغية وهي اللات لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم من ذلك رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فسألوه ألا يهدموا أوثانهم بأيديهم فأجابهم إلى ذلك، وأعفاهم من أن يكسروها بأيديهم، وقالوا: إنما أردنا أن نسلم بتركها من سفهائها ونسائنا، وخفنا أن نروع قومنا بهدمها حتى ندخلهم الإسلام، وقد كانوا سألوه

مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، فقال لهم: لا خير في دين لا صلاة فيه، فكتب لهم كتابهم وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص، وأمره أن يعلمهم القرآن وشرائع الإسلام، وأن يصلي بهم وأن يعذرهم بأضعفهم ولا يطول عليهم، ولا يتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا وبعث معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الأوثان الطاغية وغيرها، فهدمها وأخذ مالها وحليها، وخرج نساء ثقيف حسرى يبكين اللات وينحن عليها.
وفي هذه السنة كانت حجة أبي بكر الصديق، وذلك أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما انصرف من تبوك أراد الحج، ثم قال: إنه يحضر البيت غدا مشركون يطوفون بالبيت عراة، فلا أحب الحج حتى لا يكون ذلك، فأرسل أبا بكر ثم أردفه عليا لينبذ إلى كل ذي عهد عهده ويعهد إليهم ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ... إلى سائر ما أمره أن ينادي به في كل موطن من مواطن الحج، فأقام الحج في ذلك العام سنة تسع أبو بكر، ثم حج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من قابل حجته التي لم يحج من المدينة غيرها، فوقعت حجة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في العام المقبل في ذي الحجة، فقال: «إن الزمان قد استدار » الحديث، فثبت الحج في ذي الحجة إلى يوم القيامة، فلما كان يوم النحر في حجة أبي بكر قام عَلِيٌّ فأذن في الناس بالذي أمره به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «أيها الناس، إنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، وأجل الناس أربعة أشهر من يوم أذن فيهم ليرجع كل قوم إلى مأمنهم وبلادهم ثم لا عهد لمشرك ولا ذمة إلا أحد كان له عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عهد إلى مدة» ، ثم قدما على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلم يحج بعد العام مشرك ولا طاف به عريان.
وفي هذه السنة وسنة عشر بعده، قدمت وفود العرب على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للدخول في الإسلام، وذلك أنه لما فتح الله على رسوله - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مكة وأظهره يوم حنين، وانصرف من تبوك، وأسلمت ثقيف أقبلت إليه وفود العرب من كل وجه يدخلون في دين الله أفواجا، وكل من قدم عليه قدم راغبا في الإسلام إلا عامر بن الطفيل وأربد بن قيس في وفد بني عامر وإلا مسيلمة في وفد بني حنيفة.
فإن عامر بن الطفيل وأربد بن قيس فإنهما قدما عليه في وفد عامر بن صعصعة، وقد أضمرا الفتك برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - والغدر به، فكان عامر بن الطفيل قد قال لأربد: إني سأشغله بالكلام عنك، فإذا فعلت فاعله بالسيف، ثم جعل يسأله سؤال الأحمق ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول له: «لا أجيبك في شيء مما سألت عنه حتى تؤمن بالله ورسوله.» فأنزل الله على أربد البهتة والرعب فلم يرفع يدا، فلما يئس منه عامر، قال: يا محمد والله لأملأنها عليك رجالا، فلما وليا قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «اللهم اكفني عامر بن الطفيل وأربد بن قيس» ، فلما كان في بعض الطريق بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه

فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول، فجعل يقول: غدة البكر أو غدة البعير وموتا في بيت سلولية، ووصل أربد إلى بلده، فأنزل الله عليه صاعقة، وكان على جمل قد ركبه في حاجة له فأحرقه الله هو وجمله بالصاعقة.
وأما مسيلمة فقدم على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في وفد بني حنيفة، فروي أنه دخل مع قومه على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهم يسترونه بالثياب، فكلمه فأجابه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إنك لو سألتني هذا العسيف - لعسيف كان معه من سعف النخل- ما أعطيتكه» ، وأسلم قومه ثم انصرفوا عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله مسيلمة وادعى النبوة، وقال: قد أشركني في أمره، واتبعه أكثر قومه، وجعل يسجع لهم أسجاعا يضاهي بها القرآن، وأحل لهم الخمر والزنا، وأسقط عنهم الصلاة، فمن سجعه قوله: لقد أنعم الله على الحبلى أخرج منها نسمة تسعى من بين صفا ووحشى، ومثل هذا من سجعه لعنه الله، واتبعه بنو حنيفة إلا ثمامة بن أثال الحنفي، فإنه بقي على الإيمان بالله ورسوله ولم يرتد مع قومه.

أحداث السنة العاشرة من الهجرة

وفي السنة العاشرة كانت حجة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما دخل عليه ذو القعدة منها تجهز للحج، وأمر الناس بالجهاز، وخرج لخمس بقين من ذي القعدة، واستعمل على المدينة أبا دجانة الشاعري، وقيل: سباع بن عرفطة الغفاري، ولم يحج

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا ثلاث حجات، اثنتان بمكة وواحدة بعد فرض الحج عليه من المدينة.
    ومن أحسن حديث روي في صفة حجه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأتمه حديث جابر بن عبد الله، خرجه أصحاب الصحيح، مسلم وغيره، وقطعه مالك في موطئه، فذكر في كل باب منه ما احتاج إليه، وكذا فعل البخاري.
    وحديث جابر بن عبد الله رواية جعفر بن محمد عن أبيه، قال: «دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يومئذ قد ذهب بصره، فسأل عن القوم حتى انتهى إلي، فقلت: أنا محمد بن علي بن حسين، وأنا يومئذ غلام شاب، فرحب بي وَسَهَّلَ ودعا لي، فقالوا: جئناك نسألك، فقال لي: سل عما شئت يا ابن أخي، فقلت: أخبرني عن حج رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال بيده وعقد تسعا، ثم قال: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة: إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حاج فقدم المدينة بشر كثير، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ويعمل مثل عمله، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كيف تصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي، فصلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في المسجد، ثم ركب القصواء، حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نظرت إلى ما مد بصري بين يديه من راكب وماش وعن يمينه وعن يساره مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بين أظهرنا ينزل عليه القرآن، وهو يعرف تأويله، فما عمل من شيء عملنا مثله، فأهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
    وَأَهَّلَ الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد عليهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شيئا منه، ولزم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تلبيته» الحديث بطوله على ما قد ذكرناه في الحج من المقدمات.

أحداث السنة الحادية عشرة من الهجرة

وفي السنة الحادية عشرة توفي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضحى يوم الإثنين من ربيع الأول في الوقت الذي دخل فيه المدينة في هجرته إليها من مكة، فكانت وفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على رأس عشر سنين من الهجرة، ودفن يوم الثلاثاء، وقيل: ليلة الأربعاء، ولم يحضر غسله وتكفينه إلا أهل بيته، غسله علي بن أبي طالب، وكان الفضل بن العباس يصب عليه الماء، والعباس يعينهم، وحضرهم شقران مولاه.
ولم يصدق عمر بموته وأنه مات وأنكر على من قال ذلك، وخرج إلى المسجد فخطب الناس، وقال في خطبته: إن المنافقين يقولون إن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مات، والله ما مات رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ولكنه ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم، والله ليرجعن كما رجع موسى، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مات.

وأتى أبو بكر بيت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكشف له عن وجهه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقبله وأيقن بموته، ثم خرج فوجد عمر يقول تلك المقالة، فقال له: اجلس، فأبى عمر، ثم قال له: اجلس، فأبى، فتنحى عنه وقام خطيبا، فانصرف الناس إليه وتركوا عمر، قال أبو بكر: أما بعد فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144] الآية، قال عمر: فلما سمعتها من أبي بكر عرفت ما وقعت فيه، وكأنني لم أسمعها قبل، ثم اجتمع المهاجرون والأنصار في سقيفة بني ساعدة فبايعوا أبا بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، ثم بايعوه بيعة أخرى من الغد على ملأ منهم ورضا، فكشف الله به الكربة من أهل الردة، وقام به الدين، والحمد لله رب العالمين.
ولما أنزل الله على النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: 1] علم أنه قد نعيت إليه نفسه، وسأل عُمَرٌ ابْنَ عباسٍ عن هذه السورة، فقال: يقول له: اعلم أنك ستموت عند ذلك، فقال له عمر: لله درك يا ابن عباس، إعجابا بقوله، وقد كان سأل عنها غيره من كبار الصحابة فلم يقولوا ذلك.
ولما دنت وفاته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أخذه وجعه في بيت ميمونة، فخرج إلى أهل أحد، فصلى عليهم صلاته على الميت، وكان أول ما يشكو في علته الصداع، فيقول: وارأساه، ثم لما

اشتد وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيت عائشة، فأذن له في ذلك، ومرض فيه إلى أن مات فيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وكان يقول لعائشة في مرضه ذلك: «يا عائشة ما زلت أجد ألم الطعام الذي أكلته بخيبر، وما زالت تلك الأكلة تعادني، فهذا أوان قطعت أبهري» . وأوصاهم في مرضه بثلاث: أن يجيزوا الوفد بنحو ما كان يجيزهم به، وألا يتركوا في جزيرة العرب دينين، «أخرجوا منها المشركين، والله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم، فأحسنوا إليهم» ، وقال: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، وقال لهم: «هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلون بعده أبدا "، فاختلفوا وتنازعوا واختصموا، فقال: " قوموا عني، فإنه لا ينبغي عندي تنازع» ، وكان عمر القائل حينئذ: قد غلب عليه وجعه، وربما صح، وعندكم القرآن، فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وبين أن يكتب ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم.
وكان يقول في صحته: " «ما يموت نبي حتى يخير ويرى مقعده» ، روته عائشة، قالت: «فلما اشتد مرضه جعل يقول: " مع الرفيق الأعلى، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» ، فعرفت أنه ذاهب، ولما عجز عن الخروج إلى المسجد قال: «مروا أبا بكر فليصل للناس» ، وقال في مرضه: «أهريقوا عَلَيَّ من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس» ، فأجلس في مخضب لحفظه، ثم صب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إليهم بيده أن حسبكم، ثم خرج إلى الناس وأبو بكر يصلي للناس، فتأخر أبو بكر وتقدم النبي عليه

السلام فصلى وصلى أبو بكر بصلاة النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، والناس بصلاة أبي بكر، وقد اختلف من كان الإمام للناس منهما في تلك الصلاة على ما قد مضى بيانه والقول فيه في رسم سن من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، ولما اشتد مرضه به جعل يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن للموت لسكرات، الرفيق الأعلى» ، فلم يزل يقولها حتى مات - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وشرف وكرم.

[تفسير وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا]

في تفسير ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: 10] وسئل مالك: عن تفسير ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: 10] ، قال: ذهاب العقل في رأيي، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: 10] ، والإنسان إذا أهمه الشيء لم يكد يذكر معه شيئا غيره، حتى إن المريض ليمرض فما يكاد يذكر غير مرضه الذي هو فيه.
[قال القاضي] : قوله في تفسير ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص: 10] بأنه ذهاب العقل، معناه: أنها أصبحت دالهة على ولدها ذاهلة عن كل شيء سواه، كالمريض إذا اشتد به المرض يذهل عن كل شيء إلا عن مرضه، ومن ذهل عن شيء فلم يفعله، وهذا هو معنى ما روي عن ابن عباس من أنه قال: المعنى في ذلك أصبح فؤاد أم موسى فارغا من كل شيء إلا من ذكر ابنها، وقال ابن

زيد: إنما أصبح فؤاد أم موسى فارغا من الوحي الذي أوحى الله إليها أن تلقيه في اليم، وقال لها: ﴿وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 7] فنسيت عهد الله إليها بذلك؛ لأن الشيطان أنساها ذلك، فقال لها: يا أم موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فيكون لك أجره وثوابه وتوليت قتله فألقيته في اليم وغرقته، فحزنت لذلك فنسيت عهد الله إليها أنه يرده إليها ويجعله من المرسلين.
وقد قيل: معناه: أنه أصبح فؤاد أم موسى فارغا من الحزن لعلمها أنه لم يغرق ابنها بما وعدها الله به.
فهي ثلاثة أقوال: أحدها: هذا.
والثاني: أنه أصبح فارغا ممن عدى الحزن على ابنها.
والثالث: أنه أصبح فارغا من الوحي، وكذلك اختلف في الهاء من قوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: 10] ، فقيل: إنها عائدة على ابنها، إن كادت لتقول: يا بنياه من شدة الحزن عليه، وقيل: إنها عائدة على الوحي الذي أوحي إليها به في أمره إن كادت لتبديه، وقيل: إنها ضاق صدرها لما نسب إلى فرعون، فقيل: هو ابن فرعون، فكادت تقول: هو ابني، فتبدي به وتخبر بأمره وتظهره، وبالله التوفيق.

الاستنجاء بالأحجار

في مرور العمل بترك الاستنجاء بالأحجار قال مالك: وبلغني أن ابن شهاب قال لابن هرمز، وكان يكلمه، فقال له ابن شهاب: نشدتك الله، أما علمت أن الناس كانوا يتوضئون فيما مضى ولا يكونون يستنجون بالماء؟ فسكت ابن هرمز فلم يجبه بشيء، فقيل لمالك: لم؟ قال: لم يحب أن يقول له نعم، وهو أمر قد ترك فتركه ولم يجبه.
قال محمد بن رشد: لا اختلاف في أن من اكتفي في استنجائه بالأحجار دون الماء فصلى أن صلاته تامة ولا إعادة عليه في وقت ولا غيره؛

لما جاء من أن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - سئل عن الاستطابة، فقال: «أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟» ، إلا أن الماء أطهر وأطيب، ومن قدر على الجمع بين الأحجار والماء فهو أولى وأحسن، وقد كان أهل قباء يفعلون ذلك، فنزلت فيهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108] . قال ابن حبيب: لا نبيح اليوم الاستنجاء إلا لمن عدم الماء، لأنه أمر قد ترك وجرى العمل بخلافه على ما قاله ابن هرمز، وبالله التوفيق.

أمر الرجل بإقباله على ما يعنيه

في أمر الرجل بإقباله على ما يعنيه قال: وسمعت مالكا، يقول: دخل رجل على عبد الله بن عمر وهو يخصف نعله، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، لو ألقيت هذا النعل وأخذت أخرى جديدة، فقال له: نعلي جاءت بك هاهنا؟ أقبل على حاجتك.
قال محمد بن رشد: إنما قال له ابن عمر ذلك لقول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» ، وهذا ما لا يعنيه، وبالله التوفيق.

تخفيف الله عن عباده فيما افترضه عليهم

في تخفيف الله عن عباده فيما افترضه عليهم قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: لو أن الله فرض على خلقه بقدر عظمته ما أطاقها سماء ولا أرض ولا جبال، ولكن الله خفف عنهم.

قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين يشهد به القرآن ويعتقده كل مؤمن بالله تعالى، إذ لا يفي بحق عظمة الله أحد، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] ، وقال عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] ، وقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] ، وبالله التوفيق.

فضل الله عز وجل على من زهد في الدنيا

في فضل الله عز وجل على من زهد في الدنيا قال: وسمعت مالكا يقول: سمعت أنه يقال: ما زهد عبد واتقى الله إلا أنطقه الله بالحكمة.
قال محمد بن رشد: هذا، والله أعلم لأن من اتقى الله وزهد في الدنيا صح نظره في الأمور بتقوى الله تعالى فيها، فوفق للحق وأنطق بالحكمة، فضل من الله تعالى فيها عليه في ذلك، من ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب من أنه كان يرى الرأي بقلبه ويقول الشيء بلسانه فيوافق الحق فيه كموافقته ما نزل في القرآن في الخمر وفي أسرى بدر وفي الحجاب في مقام إبراهيم، على ما جاء في ذلك كله، وبالله التوفيق.

إشفاق عمرو بن العاص مما دخل فيه من حرب معاوية لعلي

في إشفاق عمرو بن العاص مما دخل فيه من حرب معاوية لعلي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: وسمعت مالكا يقول: كان عمرو بن العاص يقاتل علي بن أبي طالب، فإذا انتصف النهار ضرب سرادقا يستريح فيه ويفرق الناس يستريحون، فيحمل الناس قتلاهم في الأكسية فيقول

عمرو: من هذا؟ فيقال له: فلان، ويقول: من هذا؟ فيقال له: فلان، فقال عمرو: كم من أحسن في الله قد قتله فلان وفلان، يريد عليا ومعاوية، وما يريان أنهما يديان من دمه بشيء ثم يبكي.
قال محمد بن رشد: قول عمرو بن العاص وما يريان أنهما يديان من دمه بشيء، هو كما حكي عنهما من أن كل واحد منهما اعتقد باجتهاده أنه مصيب عند الله تعالى في فعله، فلا حرج عليه في ذلك إذ كان فرضه هو الذي أداه اجتهاده إليه من ذلك، فللمصيب منهما -وهو عندنا عَلِيٌّ - أجران، وللمخطئ منهما -وهو عندنا معاوية - أجر واحد، وكذلك حكم من اتبع كل واحد منهما وقاتل معه، هذا الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده فيما شجر بينهم؛ لأن الله تعالى قد أثنى عليهم في كتابه، وعلى لسان رسوله، فقال عز من قائل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110] ، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] أي: خيارا عدولا، وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29] الآية، وقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم» .

وبكاء عمرو بن العاص والله أعلم عند المرور بالقتلى عليه إنما هو مخافة أن يكون قد قصر في خاصة نفسه فيما يلزمه من بلوغ غاية الاجتهاد الذي أداه إلى أن معاوية الذي قاتل معه على الحق، وبالله تعالى التوفيق.

احتقار شأن المتكبرين من ملوك الدنيا ووعظهم

في احتقار شأن المتكبرين من ملوك الدنيا ووعظهم وسمعت مالكا يحدث عن عمه أبي سهيل بن مالك، أنه كان يقول: إن ملكا كان في بني إسرائيل، وأنه ركب يوما في مدينته، فركب في زي عظيم، فمر برجل قاعد على عمله لا يلتفت إليه، فلما رأى الملك ذلك قال له: ما لك لا تنظر إلي كما ينظر الناس إلي؟ فقال له الرجل: إني قد رأيت ملكا مثلك، وكان على هذه القرية، فمات هو ومسكين في يوم واحد، فدفنا فكان قبراهما جميعا في موضع واحد، فكنت أتعاهدهما فأعرفهما بقبريهما، ثم نسفت الريح قبريهما وكشفت عنهما فاختلط عظم هذا بعظم هذا، فما أعرف أحدهما من صاحبه، فلذلك لم يعجبني ما أنت فيه فأقبلت على عملي.
قال محمد بن رشد: هذا وشبهه مما ينبغي أن يوعظ به من كان فيه زهو بنفسه وإعجاب بحاله، وبالله التوفيق.

تواضع العلماء وجلوسهم في الأسواق

في تواضع العلماء وجلوسهم في الأسواق وعند أصحاب العباء قال: وحدثني مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: ما أخذت

أحاديث كثيرة من أحاديث سعيد بن المسيب إلا عند أصحاب العباء في السوق، وما أخذت من سالم بن عبد الله أحاديث كثيرة إلا في ظل المنارة التي في السوق، كان يقعد في ظلها، وسعيد عند أصحاب العباء، قال مالك: كان ذلك من شأن الناس يخرجون إلى السوق ويقعدون فيه.
قال محمد بن رشد: في هذا تواضع العلماء برضاهم بالدون من المجلس ومجالسة المساكين ودخول الأسواق، ومن تواضع لله رفعه الله.
ومن الحجة في جواز دخول الأسواق وأنه لا عيب في ذلك - قول الله عز وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 20] الآية [ردا لقول المشركين: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: 7] ، وبالله التوفيق] .

الجلوس في المساجد والاشتغال فيها بالعمل اليسير

في الجلوس في المساجد وجواز الاشتغال فيها بالعمل اليسير قال مالك: كان سعيد بن المسيب يحدث، وربما أخذ ثياب بعض من يقعد إليه فيذرعه وهو في المسجد، فقلت له: ثياب الناس؟ قال: نعم، وهو في المسجد، قال مالك: قال جعفر بن محمد، وكان عمر بن الخطاب يقعد في المسجد ويقعد إليه رجال يحدثهم عن الأجناد ويحدثونه بالأحاديث، والقاسم بن

محمد، فما يقولون له كيف تقول؟ ولا كيف يقول؟ كما يصنع أهل هذا الزمان.
قال محمد بن رشد: ما كان سعيد بن المسيب ربما فعله من ذرع ثياب بعض من كان يقعد إليه، المعنى في ذلك، والله أعلم: إنما فعله لوجه أراد معرفة مقداره من ثوب الرجل، وذلك جائز لا بأس به، فقد استحب مالك أن يقضي الرجل الذهب في المسجد إذا لم يكن على وجه التجارة والصرف، واستحب كتاب ذكر الحق فيه إلا أن يطول.
وقعود عمر بن الخطاب في المسجد مع رجال يحدثهم ويحدثونه كان فيما بين الظهر والعصر، وذلك جائز لا بأس به، إذ ليس ذلك من الأوقات المرغب في الصلاة فيها، فلا وجه لإنكار من أنكر ذلك، وقد مضى هذا قبل هذا في رسم حلف، وبالله تعالى التوفيق.

إشفاق ابن عمر من قتل عثمان

فيما بلغ إليه إشفاق ابن عمر من قتل عثمان قال: وسمعت مالكا يحدث: أن رجلا أهدى إلى عبد الله بن عمر صرة فيها جوارش، فقال له ابن عمر: ما هذه؟ قال: جوارش، إذا أكلت فكظك الطعام أكلته على إثره، فقال له ابن عمر: والله ما شبعت منذ قتل عثمان.
قال محمد بن رشد: حق لعبد الله بن عمر في فضله وخيره أن يبلغ الإشفاق منه من قتل عثمان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - هذا المبلغ، فإنه كان حدثا عظيما في الإسلام، لم يكن قبله ولا بعده مثله على ما سبق في أم الكتاب، وأنذر به النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وبالله التوفيق.

احتجاب النساء من الرجال

في احتجاب النساء من الرجال قال: وسمعت مالكا يحدث أن عائشة زوج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - دخل عليها رجل أعمى وأنها احتجبت منه، فقيل لها: يا أم المؤمنين إنه أعمى لا ينظر إليك؟ فقالت: ولكني أنظر إليه.
قال محمد بن رشد: قد روي «عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مع ميمونة.
قالت: فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "احتجبا منه"، فقلنا: يا رسول الله، أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ فقال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟» وهذا خاص في أزواج النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، بخلاف غيرهن من النساء، والله أعلم، بدليل «قول النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لفاطمة بنت قيس: اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك» فيصح للمرأة أن تنظر من الرجل الأجنبي إلى ما يصح للرجل أن ينظر إليه من ذوات محارمه، وقد قيل: إنه لا يصح للمرأة أن تنظر من الرجل إلا إلى ما يصح للرجل أن ينظر منها، على فعل عائشة في احتجابها من الرجل الأعمى، وعلى ظاهر قول الله عز وجل؛ لأنه قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: 31] كما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: 30] ، وليس ذلك بصحيح إذ قد بينت السنة في حديث فاطمة بنت قيس أن النساء في ذلك بخلاف الرجال، فتنظر المرأة من الرجل الأجنبي إلى ما ينظر إليه الرجل من ذوات محارمه، وتنظر المرأة من الرجل من ذوي محارمها إلى ما ينظر إليه الرجل من الرجل.
وكذلك تنظر المرأة من المرأة إلى ما ينظر إليه الرجل من الرجل، وقد

زدنا هذا المعنى بيانا في الجامع من مختصر الطحاوي، وبالله التوفيق.

مناغاة من باد من أهل الخربة على سبيل الاعتبار

في مناغاة من باد من أهل الخربة على سبيل الاعتبار قال: وسمعت مالك يحدث أن عامر بن عبد القيس كان يمر بالخربة فينادي فيها: يا خربة أين أهلك؟ مرارا، ثم يقول: بادوا وعامر بالإثر.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين ليس فيه ما يشكل، وبالله تعالى التوفيق.

ترك أكل طيب الطعام مخافة العادة

في ترك أكل طيب الطعام مخافة العادة قال مالك: بلغني أن عمر بن العزيز قدم طعاما ورجل قاعد يأكل معه، فأخذ الرجل يبطئ في الأكل وعمر يأكل، فقال له: ألا تأكل؟ فقال: إن ثم طعاما غيره، يريد الطعام الذي يعمل للناس، ويريد أنه أطيب، فأنت لا تأكل؟ فقال عمر: لو أكلت منه ما رأيت علي شيئا، ولكن لا أحب أن أعود نفسي.
قال محمد بن رشد: هذا من نحو قول عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "إياكم واللحم، فإن له ضراوة كضراوة الخمر "، فإنما نهى عمر ابن الخطاب عن اللحم، وترك عمر بن عبد العزيز أكل الطيب من الطعام مخافة أن يضرى ذلك، فيصير له عادة، لا من أجل أن ذلك يكره إذ

لا أجر في مجرد ترك لباس الحسن من اللباس وأكل الطيب من الطعام؛ لقول الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] ، وإنما يؤجر في ترك ذلك إذا تركه ابتغاء معنى من الخير يقصده بذلك وينويه به، وبالله تعالى التوفيق.

ما جاء في سلمان الخير

قال: وسمعت مالكا يحدث: أن سلمان الخير خرج يطلب الدين قبل الإسلام، وأنه سبي بالشام فاستخدم ثم هرب فأخذ بوادي القرى فاشتري واستخدم ثم جلب إلى المدينة فبيع فابتاعه رجل من الأنصار، فكاتبه على مائتي ودية يغرسها ويقوم عليها حتى تبلغ، فقدم النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - على إثر ذلك المدينة، فأتى النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فأخبره بذلك، فقال له رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا أردت أن تغرسها فأتني فأعلمني» ، فلما أراد أن يفعل أتاه فأعلمه، فذهب معه فبرك له فيها، فما مات منها ودية واحدة، ثم أتي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بشيء فيه ثمر أو رطب، فقال له النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «ما هذا؟ " فقال له: صدقة، فقال له النبي صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه: "إني لا أقبل الصدقة» ، فرجع به، ثم أقام ما شاء الله ثم أتاه الثانية بمثله، فقال له النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ما هذا؟ قال: هو هدية، فأخذه النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - منه» وكان ذلك من سلمان اختبارا للنبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في صفته، كأنه إنما أراد بذلك الاختبار في صفته.

قال مالك: وكان سلمان بالعراق يعمل بيده الحوص فيعيش منه ولا يقبل من أحد شيئا، وإنه لم يكن له بيت، وإنما كان يستظل بظل الجدار، وإن رجلا قال له: أبني لك بيتا، قال له: ما لي به حاجة، فما زال الرجل يردد ذلك عليه ويأبى ذلك عليه، حتى قال له الرجل: أنا أعرف البيت الذي يوافقك، قال: فصفه لي، قال: أبني لك بيتا إذا قمت فيه أصاب سقفه رأسك، وإذا أنت مددت فيه رجلك أصابت حائطه، قال: نعم، فبناه له.
قال محمد بن رشد: سلمان الخير هذا هو سلمان الفارسي، ويعرف بسلمان الخير، يكنى أبا عبد الله، ويقال: إنه مولى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. روي من وجوه أنه اشتراه على العتق، أصله من فارس، وكان إذا قيل له: ابن مَنْ أنت؟ قال: أنا سلمان ابن الإسلام.
وروي عنه أنه قال: كنت من أبناء أساورة فارس.
وكان يطلب دين الله ويتبع من يرجو ذلك عنده، فدان بالنصرانية وغيرها، وقرأ الكتب وصبر في ذلك على مشقات نالته.
وروي: أنه تداوله في ذلك بضعة عشر ربا، من رب إلى رب حتى أفضى إلي النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَمَنَّ الله عليه بالإسلام، وكان خيرا فاضلا عالما زاهدا، دخل عليه قوم وهو أمير على المدائن بالعراق، وهو يعمل الخوص، فقيل له: لم تعمل هذا وأنت أمير يجري عليك رزق؟ فقال: إني أحب أن آكل من عمل يدي، وكان تعلم عمل الخوص بالمدينة عند بعض موالي الأنصار، وكان إذا خرج عطاؤه تصدق به، وكانت له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها، وأول مشاهده الخندق، وهو الذي أشار بحفره، فقال أبو سفيان وأصحابه؛ إذ رأوه: هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، وقد قيل: إنه شهد بدرا وأحدا، والأكثر أن أول مشاهده الخندق،

ولم يفته بعد ذلك مشهد مع النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -. وقال فيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لو كان الدين بالثريا لناله سلمان» ، وفي رواية أخرى: «لنالته رجال من فارس» ، وروي عن النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أنه قال: «أمرني ربي بحب أربعة، أخبرني أنه يحبهم: علي، وأبو ذر، والمقداد، وسلمان» ، وروي عن علي أنه قال: سلمان الفارسي مثل لقمان الحكيم، وتوفي سلمان - رَحِمَهُ اللَّهُ - في آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين، وقيل: بل توفي في أول سنة ست وثلاثين، وقيل: بل توفي في خلافة عمر، والأول أكثر، وبالله التوفيق.

سكنى المقابر للاعتبار

في سكنى المقابر للاعتبار قال مالك: بلغني أن رجلا سكن القبور، وأنه كلم في ذلك، فقال: إن لي جيران صدق ولا يؤذونني، وإن لي فيهم عبرة.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذا بين لا وجه للقول فيه، وبالله التوفيق.

ما كان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ترك التنعم بالمطاعم الطيبة

في ما كان عليه عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - من ترك التنعم بالمطاعم الطيبة قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب قال: آكل مما يأكل الناس وأشرب مما يشرب الناس وأستبقي دنياي لآخرتي، وذلك

حين أحدث الناس الخبيص الأحمر والأخضر، قال مالك: وكان عمر لا يأتيه مال إلا أظهره، ولا رسول إلا أنزله.
قال محمد بن رشد: المعنى في قول عمر بن الخطاب حين أحدث الناس الخبيص الأحمر والأخضر: آكل مما يأكل الناس وأستبقي دنياي لآخرتي، أي: لا أتنعم في مالي بأكل المطاعم الطيبة، فيكون ذلك سببا إلى أن أشح على فعل الخير منه الذي أجده في آخرتي، يبين ذلك قوله لجابر بن عبد الله، إذ أدركه ومعه حمال لحم، فقال: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين قرمنا إلى اللحم، فاشتريت لحما بدرهم، أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه عن جاره وابن عمه، أين تذهب هذه الآية عنكم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: 20] ؟ لأن الأجر ليس هو في مجرد شح الرجل على نفسه بما له في ترك أكل المطاعم الطيبة منه؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] ، وإنما هو في تركه ذلك ليواسي به ويفعل الخير منه، وقد روي عنه - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: لو شئت كنت أطيبكم طعاما وألينكم لباسا، ولكني أستبقي طيباتي.
ومعناه: أستبقيها لأوثرها غيري فأجد ذلك في آخرتي، فآكل الطيب من الطعام من المباح الذي لا وزر في فعله ولا أجر في مجرد تركه، وإذا لم يصرف الغني شيئا من ماله إلا في استمتاعه به في أكل الطيبات ولباس لين الثياب فالفقر خير له من الغنى إذا شكر الله عليه

كما يشكره على الغنى، وذكر أن عمر بن الخطاب لما قدم الشام صنع له طعام لم ير مثله، فقال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين باتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ فقال خالد بن الوليد: لهم الجنة، فاغرورقت عينا عمر بن الخطاب، فقال كلاما معناه: لئن كان حظنا من الدنيا الاستمتاع بحطامها، وذهبوا بالجنة لقد باينونا بونا بعيدا.
وسيرته - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أنه كان لا يأتيه مال إلا أظهره ولا رسول إلا أنزله - هي سيرة أهل العدل، وقد أوصى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فقال في وصيته: وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وبالله التوفيق.

الخصام لذي الهيئة وإتيان أبواب الأمراء

في كراهية الخصام لذي الهيئة وإتيان أبواب الأمراء قال مالك: بلغني أن عمر بن عبد العزيز عاتب رجلا له قدر في الحال، في خصومة خاصم فيها، فقال: إن لك قدرا وحالا، فلا أحب لك أن تخاصم، فإن ذلك مما يعيبك، قال مالك: يحضر فيحجب ويتنزه وينتهره الحرس ويجبر، وهذه مذلة لذوي الهيئة، وقال مالك: بلغني أن أبا الدرداء قيل له: تأتى باب معاوية فيحبسك ويصفحك؟ قال: اللهم غفرا، من يأت أبواب الأمراء يقول ويقعد.
قال محمد بن رشد: معنى يصفحك يمنعك ويحرمك، يقال صفحت الرجل إذا أعطيته، وأصفحته إذا منعته وحرمته، وفي الحديث: أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال في سائل منعه بعض أهله: «لعلكم أصفحتموه» ، والمعنى فيما قاله عمر بن عبد العزيز وأبو الدرداء بَيِّنٌ لا يفتقر إلى كلام، وبالله التوفيق.

هل الهد في القرآن أو الترتيل أفضل

في الأفضل، هل الهد في القرآن أو الترتيل أفضل وسئل مالك: عن الهد في القرآن؟ فقال: من الناس من إذا هد كان أخف عليه، وإن رتل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن يهد، والناس في ذلك على حالهم فيما يخف عليهم، وذلك واسع.
قال محمد بن رشد: هذا بين على ما قاله من أنه من لم يقدر على الهد رتل، ومن لم يقدر على الترتيل هد، وأما من كان يقدر على الوجهين جميعا فالترتيل له أفضل؛ لقول الله عز وجل: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: 4] ، وفي الموطأ: وقد أتى رجل زيد بن ثابت، فقال له: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع، فقال له: حسن، ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إلي، وسلني: لم ذلك؟ قال: فإني أسألك، قال: لكي أتدبره عليه.

ما أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حرمه

في ما أحله رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أو حرمه، وفي مناداته لقرابته قال مالك: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في اليوم الذي مات فيه: «لا يمسك الناس علي شيئا، إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ويا صفية عمة رسول الله، اعملا لما عند الله، فإني لا أغني لكما من الله شيئا» . قال محمد بن رشد: يشهد بصحة هذا الحديث من قوله: لا

أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه - قول الله عز وجل في كتابه: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89] وقَوْله تَعَالَى فيه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] ، إلا أن منه نصا جليا ومنه مجملا متشابها خفيا، فبين النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ما أجمله الله في كتابه من الحلال والحرام وجميع الأحكام.
كما أمره الله تعالى في كتابه حيث يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44] . وإنما نادى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ابنته فاطمة وعمته صفية بما ناداهما به لما أمره العشائر به من قوله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214] ، وقد اختلف في تعيين عشيرته الأقربين الذين أمره الله بمناداتهم في هذه الآية وجعل لهم حقا في الفيء وخمس الغنيمة، وحرم عليهم الصدقة على سبعة أقوال قد ذكرناها محصلة مبينة في مسألة أفردناها لذكر ذلك، وبالله التوفيق.

ضنانة عبد الله بن عمر بنافع مولاه

في ضنانة عبد الله بن عمر بنافع مولاه قال مالك: بلغني أن عبد الله بن عمر أتى عبد الله بن جعفر ومعه نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال له: بعني هذا، قال: فكان عبد الله بن عمر بعد ذلك يقول لنافع: لا تأت معي، قال مالك: يخاف أن يفتنه بما يعطيه فيبيعه إياه، فلما خاف أمره ألا يأتي معه.
قال محمد بن رشد: قد بين مالك معنى نهيه إياه أن يأتي معه

إليه، ويحتمل أن يكون خاف أن يعيد سؤاله إياه ذلك فلا يجيبه إليه فيجد في نفسه من ذلك عليه، إذ كان عبد الله بن عمر والله أعلم ممن لا يفتتن فيه بكثرة الثمن، وبالله التوفيق.

قول عبد الله بن أبي ابن سلول لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة

في قول عبد الله بن أبي ابن سلول لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة قال: وسمعت مالكا يقول: قال عبد الله بن أبي ابن سلول لسعد بن معاذ في بني قريظة: إنهم أحد جناحي، وإنهم ثلاثمائة ذارع وستمائة حاسد، فقال له سعد: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم.
قال محمد بن رشد: لما ذهبت الأحزاب في غزاة الخندق ورجع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ووضع الناس سلاحهم عند صلاة الظهر، أتاه جبريل في صفة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة، فقال له: إن كنتم وضعتم سلاحكم فإن الملائكة لم تضع سلاحها، والله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم، فنادى منادي رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من كان سامعا مطيعا فلا يصل العصر إلا في بني قريظة» ، فحاصرهم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمسا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى النساء والذراري، فقتل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حيي بن أخطب وكعب بن أسد، قيل: في ستمائة أو سبعمائة استنزلهم، ثم قتلهم بالمدينة، واصطفى من نسائهم عمرة بنت قحافة، ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة، وهي نباتة امرأه الحكم القرظي التي طرحت الرحى على خلاد بن سويد فقتلته.
روي عن عائشة أنها قالت: إن كانت لعندي تضحك وتحدث، ورسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقتل رجالهم، إذ هتف هاتف:

فصول الكتاب · 70 فصل · 631 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول البيان والتحصيل · 631 صفحة
كتاب الوضوء
كتاب الصلاة الأول
كتاب الصلاة الثاني
كتاب الصلاة الثالث
كتاب الصلاة الرابع
كتاب الصلاة الخامس
كتاب الجنائز
كتاب الصيام والاعتكاف
كتاب زكاة الذهب والورق
كتاب زكاة الماشية
كتاب زكاة الحبوب والفطر
كتاب الجهاد الأول
كتاب الجهاد الثاني
كتاب النذور الأول
كتاب النذور الثاني
كتاب الحج الثاني
كتاب الاستبراء
كتاب التجارة إلى أرض الحرب
كتاب تضمين الصناع
كتاب النكاح الأول
كتاب النكاح الثاني
كتاب النكاح الثالث
كتاب النكاح الرابع
كتاب النكاح الخامس
كتاب الرضاعكتاب الظهار
كتاب التخيير والتمليك الأول
كتاب التخيير والتمليك الثاني
كتاب طلاق السنة الأول
كتاب طلاق السنة الثاني
كتاب الأيمان بالطلاق الأول
كتاب الأيمان بالطلاق الثالث
كتاب الأيمان بالطلاق الرابع
كتاب الإيلاءكتاب اللعان
كتاب الصرف الأول
كتاب الصرف الثاني
كتاب السلم والآجال الأول
كتاب السلم والآجال الثاني
كتاب جامع البيوع الأول
كتاب جامع البيوع الثاني
كتاب جامع البيوع الثالث
كتاب جامع البيوع الرابع
كتاب البضائع والوكالات الأول
كتاب البضائع والوكالات الثاني
كتاب العيوب الأول
كتاب العيوب الثانيكتاب المرابحةكتاب بيع الخيار
كتاب الجعل والإجارة
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب كراء الدور والأرضين
كتاب الرهون الأول
كتاب الرهون الثاني
كتاب الاستحقاق
كتاب الغصب
كتاب الحوالة والكفالة
كتاب الجامع الأول
كتاب المغازي
كتاب الجامع الثاني
كتاب الجامع الثالث
الحديث الذي جاء من أنه ما مات نبي حتى يؤمه رجل من قومه
كتاب الجامع الرابع
أحداث السنة التاسعة من الهجرةأحداث السنة العاشرة من الهجرةأحداث السنة الحادية عشرة من الهجرةالاستنجاء بالأحجارأمر الرجل بإقباله على ما يعنيهتخفيف الله عن عباده فيما افترضه عليهمفضل الله عز وجل على من زهد في الدنياإشفاق عمرو بن العاص مما دخل فيه من حرب معاوية لعلياحتقار شأن المتكبرين من ملوك الدنيا ووعظهمتواضع العلماء وجلوسهم في الأسواقالجلوس في المساجد والاشتغال فيها بالعمل اليسيرإشفاق ابن عمر من قتل عثماناحتجاب النساء من الرجالمناغاة من باد من أهل الخربة على سبيل الاعتبارترك أكل طيب الطعام مخافة العادةما جاء في سلمان الخيرسكنى المقابر للاعتبارما كان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ترك التنعم بالمطاعم الطيبةالخصام لذي الهيئة وإتيان أبواب الأمراءهل الهد في القرآن أو الترتيل أفضلما أحله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حرمهضنانة عبد الله بن عمر بنافع مولاهقول عبد الله بن أبي ابن سلول لسعد بن معاذ حين حكم في بني قريظة
كتاب الجامع الخامس
كتاب الجامع السادس
كتاب الجامع السابع
الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
كتاب الجامع الثامن
كتاب الجامع التاسع
الحديث في أخبار سعد بن معاذ في العرش
جارٍ التحميل