الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن رشد الجد
- الكتاب
- البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة
- المؤلف
- أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي (المتوفى: 520هـ)حققه: د محمد حجي وآخرون
- الناشر
- دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان
- الطبعة
- الثانية، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 20 (18 ومجلدان للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
في الحديث هل يؤخذ به دون أن ينظر فيه قال وسئل مالك عمن أخذ بحديث حدثه به ثقة من أصحاب رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أتراه من ذلك في سعة؟ فقال لا والله حتى يصيب الحق، وما الحق إلا واحد، قولان مختلفان يكونان صوابين جميعا، ما الحق والصواب إلا واحد.
قال محمد بن رشد: قوله إن من حدث بحديث أسنده إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فليس في سعة من الأخذ به حتى يصيب الحق في ذلك، يريد بأن يعلم أن العمل على ظاهر الحديث، إذ قد يكون منسوخا بحديث غيره أو يكون ظاهره مخالفا للأصول فيتأول على ما يوافق الأصول، أو
يعارضه القياس أو يخالفه العمل المتصل، إذ لا يمكن أن يتصل العمل من السلف بخلاف الحديث المرفوع إلا وقد علموا النسخ فيه وقامت عندهم الحجة بتركه.
وأما قوله ما الحق إلا واحد إلى آخر قوله، فيحتمل أن يعاد إلى ما سأله عنه من الأخذ بالحديث المروي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دون أن ينظر فيه إذا كان العلماء قد قالوا بخلافه، فيكون قوله صحيحا لا اختلاف فيه، إذ لا يجوز لأحد أن يقول أنا آخذ بما روي عن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وإن كان العلماء قد خالفوه ولم يأخذوا به؛ لأنهم لن يتركوه إلا لما هو أولى منه.
وأما إن اختلف العلماء في الأخذ به لتقديمه على القياس وعمل أهل المدينة وفي تركه لتقديم القياس وعمل أهل المدينة عليه فاختلافهم فيه كاختلافهم من جهة النظر والاجتهاد فيما لا نص فيه ولا إجماع.
وقد اختلف هل كلهم مصيب عند الله؟ أو لا يدرى هل أصاب أحدهم الحق عند الله أو أخطؤوه جميعا.
وقد تؤول القولان جميعا على مذهب مالك ورويا أيضا عن أبي حنيفة وعن أبي الحسن الأشعري، والصحيح [عنه] أن كل مجتهد مصيب، وإلى هذا ذهب القاضي أبو بكر الباقلاني، وعليه أصحاب الشافعي، وهو الحق والصواب؛ لأن المجتهد إذا اجتهد فيما لا نص فيه ولا إجماع فأداه اجتهاده إلى تحليل أو تحريم يعلم قطعا أنه متعبد بما أداه اجتهاده إليه من ذلك مأمور به، ولا يصح أن يأمر الله تعالى بشيء وبتعبده به وهو خطأ عنده، وبالله التوفيق.
ما توقعه الأنصار من إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بمكة
فيما توقعه الأنصار من إقامة النبي
- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة قال مالك: وزعم يحيى بن سعيد قال: لما فتح الله عز
وجل على رسوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مكة وقام على الصفا كأنه يدعو، قالت الأنصار وهم قد أحدقوا به أو غيرهم من أصحابه، أنا الشاك، قالوا أتراه إذ فتح الله عليه وأقر عينه مقيما بأرضه.
فلما فرغ رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: ما قلتم؟ قالوا قلنا كذا وكذا، فقال رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «معاذ الله المحيا محياكم والممات مماتكم.
» قال محمد بن رشد: إنما لم يقم رسول الله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمكة؛ لأنها الأرض التي هاجر منها لله عز وجل، فلم يكن ليرجع فيما قد تركه لله تعالى.
وقد قال- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار،» وقال- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في حجة الوداع: «لا يقيمن مهاجر بمكة بعد قضاء نسكه فوق ثلاث» وبالله التوفيق.
انتهى الجزء السابع والحمد لله.