الشيخ: لكن أيش المعتبر تكبيرة الإحرام أو ركعة؟
الطالب: (... ) يا شيخ، إدراك ركعة؟
الشيخ: المعتبر على كلام المؤلف؟
طالب: على كلام المؤلف تكبيرة.
الشيخ: تكبيرة الإحرام، فإذا طهُرت مثلًا قبل غروب الشمس بمقدار تكبيرة الإحرام لزمها صلاة الظهر والعصر، فيه قول آخر؟
طالب: إدراك ركعة.
الشيخ: المعتبر إدراك ركعة.
طيب، دليله؟
الطالب: حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْفَجْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ» (3).
الشيخ: ما فيها شيء عام، إحنا (... ) صلاة ما هي بالعصر أو الفجر.
الطالب: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (1).
الشيخ: صح، إي، هل هناك قول آخر في أنه لا يلزمها إلا قضاء الصلاة التي زال المانع في وقتها؟
طالب: إذا وُجِدَ التكليف وزال المانع فإنه لا يلزمها إلا العصر.
الشيخ: كيف إلا العصر؟ ما جبنا مثالًا الآن حتى تقول العصر.
الطالب: إذا مثلًا وُجِد التكليف في وقت العصر..
الشيخ: لا، تجيب مثال.
الطالب: ما يلزمه إلا الصلاة التي وُجِد التكليف فيها.
الشيخ: وُجِدَ التكليف في وقتها، وأما ما قبلها؟
الطالب: لا يلزمه.
الشيخ: فلا يلزمه، ما هو الدليل على هذا؟
طالب: لأن الذمة..
الشيخ: هذا تعليل.
طالب: قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» (1)، ولم يقل: هو أدرك الصلاة التي قبلها.
الشيخ: صح، هذا دليل، تعليل؛ لأن وقت الصلاة الأولى قد انقضى قبل أن تنشغل ذمته بهذا الواجب.
دليل ثالث: القياس على المسألة الأولى؛ أنه لو زال التكليف بعد أن دخل وقت الصلاة التي تُجْمَع لما بعدها لم يلزمه إلا الصلاة التي أدرك وقتها فقط، فهما سواء، هذا وهذا كلاهما سواء، وأما الأثر المروي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس رضي الله عنهم فهذا رأيهما وليس محل إجماع.
طالب: ضعيفان.
الشيخ: إذا كانا ضعيفين فالحمد لله.
الطالب: (... ) بأنهما ضعيفان.
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، على كل حال، هذا مما يزيدنا قوة في الأخذ بالقول الصحيح، وإن كان الإمام أحمد استدل بذلك، والاستدلال بهما يدل على أنهما صحيحان عنده، لكن الحمد لله بعد تضعيفهما يوهن من القول بهما، على كل حال إذن نقول: خلاصة القول في هذه المسألة لأجل ما تشتبه عليكم: عندنا إذا طرأ التكليف وزال المانع، والثاني: إذا زال التكليف وطرأ المانع، هما متقابلان، ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نقول: إذا طرأ التكليف وزال المانع فالمذهب المعتبَر مقدار تحريمة، والقول الثاني: المعتبَر مقدار ركعة، والقول الثالث: المعتبَر تضايق وقت الصلاة التي حصل ذلك فيها، فلو طرأ المانع وقد بقي من وقت الصلاة أكثر من فعلها، فعلى هذا القول الأخير لا تُقْضَى، وكذلك لو زال التكليف بأن جُنَّ الإنسان في أثناء الوقت، فإنه إذا زال التكليف قبل زمن أكثر مِن فعل الصلاة فإنه لا يلزمه هذه المسألة، أعني طروء المانع وزوال التكليف.
المسألة الثانية: عكسها، وهي زوال المانع، ويش بعد؟ وطروء التكليف.
طلبة: (... ).
الشيخ: زوال المانع بأن تطهر المرأة في أثناء الوقت، والثاني طروء التكليف، مثال ذلك -زوال المانع- امرأة طهرت من الحيض قبل أن يخرج الوقت بمقدار تكبيرة الإحرام، تقول: على المذهب يلزمها قضاء الصلاة، وإن كان لها مجموعة قبلها لزمها قضاء الصلاة التي تُجْمَع إليها.
على القول الثاني: المعتبَر مقدار ركعة، وكذلك لو طرأ التكليف، بمعنى لو أن هذا الرجل المجنون عَقَل قبل غروب الشمس بمقدار ركعة، لزمه أن يصلي العصر، بمقدار تكبيرة الإحرام؛ لم يلزمه على القول بأن المعتبر ركعة، ولزمه على القول بأن المعتبَر تكبيرة الإحرام.
وكلام المؤلف في هذا واضح، انظر ماذا يقول: (وإن أدرك مكلَّف من وقتها قدر التحريمة، ثم زال تكليفه)، هذا أيش نقول فيه؟ زوال التكليف.
(أو حاضت، ثم كُلِّف وطَهُرت، قَضَوْها).
طلبة: (... ).
الشيخ: ثم قال: (ومن صار أهلًا لوجوبها)، هذه المسألة الثانية عكسها، (قبل خروج وقتها) إما بزوال المانع وإما بطروء التكليف، (لزمته وما يُجْمَع إليها قبلها).
والصحيح أن المعتبَر ركعة، وأنه لا يلزمه ما يُجْمَع إليها قبلها، كما لا يلزمه ما يُجْمَع إليها بعدها، هذا هو الصحيح.
إلا أن مسألة طروء المانع وزوال التكليف القول بأن المعتبر تضايق الوقت قلنا: إنه قول قوي جدًّا، لكن ربط ذلك بالركعة أحوط.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا)، يجب قضاء الفوائت؛ الفوائت جمع فائتة، والفائتة كل عبادة مُوَقَّتَة خرجت وقتها فهي فائتة، سواء كانت نفلًا؛ كالوتر، أو فرضًا؛ كالصلوات الخمس.
فكل عبادة مُوَقَّتَة تُفْعَل بعد وقتها أو خرج وقتها قبل فعلها فهي فائتة، وتسمى حينئذ مَقْضِيَّة، ولهذا قال: يجب قضاء، ولم يقل: يجب أداء؛ لأن الأداء ما فُعِلَ بوقته، والقضاء ما فُعِلَ بعد وقته، والإعادة ما فُعِلَ ثانية في وقته، فهذا ثلاثة أشياء: قضاء، وأداء، وإعادة؛ القضاء ما فُعِلَ بعد الوقت، والأداء ما فُعِلَ في الوقت، والإعادة ما فُعِلَ ثانية في الوقت، مثلًا لو صَلَّيْتَ الظهر في مسجدك، وأتيت إلى مسجد جماعة وصلَّيْت معهم، تُسَمَّى هذه؟
طلبة: إعادة.
الشيخ: تسمى إعادة.
يجب قضاء الفوائت، عندنا قضاء لماذا سَمَّيناه قضاءً؟ لأنه بعد الوقت، فائتة؛ لأنها خرج وقتها قبل فعلها، فتكون فائتة.
قوله: (يجب) الوجوب مَرَّ علينا في أصول الفقه أنه ما أُمِرَ به على وجه الإلزام.
هذا الواجب، والوجوب بمعنى الإلزام.
ودليل وجوب القضاء: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (4)، واللام في قوله: «فَلْيُصَلِّهَا» للأمر، والأمر للوجوب.
ولأن هذا الإنسان الذي فاتته العبادة شُغِلَت ذِمَّتُه بها، فوجب عليه أداؤها؛ لأنها كانت دَيْنًا، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام في المرأة التي سألته هل تحج عن أمها، قال: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا اللَّهَ، فاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ» (5)، فصار لدينا دليل، أيش بعد؟ وتعليل.
الدليل: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، التعليل؛ لأن ذمته قد شُغِلَت بها فهي دَيْن عليه، والدين يجب قضاؤه.
وقوله: (يجب قضاء الفوائت)، ظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن يدعها عمدًا بلا عذر، أو يدعها لعذر، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم؛ أن قضاء الفوائت واجب، سواء تركها لعذر أم لغير عذر، يعني: حتى المتعمِّد الذي تعمَّد إخراج الصلاة عن وقتها يقال: إنك آثِم وعليك القضاء، وهذا مذهب الأئمة الأربعة، وقول جمهور أهل العلم.
والقول الثاني في المسألة: أنه إذا فاتت العبادة الْمُوَقَّتَة عن وقتها لعذر قُضِيَت، وإن فاتت لغير عذر فلا قضاء، لا تخفيفًا عن المؤخِّر، ولكن تنكيلًا به وسخطًا لفعله، وهناك فرق بين التخفيف، وبين التنكيل والسخط، فنحن نقول لمن تركها عمدًا: لا تَقْضِ؛ لأنك لو تقضي ألف مرة ما قَبِلَ الله منك حتى ولو تُبْتَ، إذا تبت فأحْسِن العمل.
حجة القائلين بأنه يقضي ولو كان لغير عذر، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، فإذا كان المعذور بنوم أو نسيان يلزمه القضاء، فغير المعذور من باب أولى.
وقالوا أيضًا: إنه لما ترك الصلاة حتى خرج وقتها كانت دَيْنًا عليه، والدَّيْن لا وقت له، يجب على الإنسان أن يقضيه فورًا، ولو خرج وقته، أرأيت لو كان بينك وبين شخص معاملة يحل الدَّيْن فيها في أول ليلة من شهر ربيع الأول، ثم جاءت الليلة ولم تُوفِ، هل يسقط؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، يبقى في ذمتك حتى تُوفِيَه ولو بعد حين، وقد سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم العبادات دَيْنًا، فإذا كان سمَّاها دَيْنًا فإنه يجب قضاؤها ولو تركها لغير عذر.
أما الذين قالوا بعدم الوجوب إذا كان لغير عذر فقالوا: لأن هذه الصلاة الْمُوَقَّتَة محدودة أولًا وآخرًا، والمحدود موصوف بهذا الوقت، يعني صلاة في هذا الوقت، فإذا أخرجها عنه بلا عذر فقد صلَّاها على غير الوصف الذي فُرِضَت عليه، أليس كذلك؟ فَتَرَك واجبًا من واجباتها عمدًا فلا تصح، كما لو صلَّى بغير وضوء عمدًا بلا عذر فإنه لا يصح.
هذا أيضًا إذا أخرجها عن وقتها عمدًا بلا عذر فإنها لا تصح؛ لأنها صلاة موصوفة بماذا؟ بالوقت؛ لأنها من كذا إلى كذا، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
ثانيا: إذا أخرجها عن وقتها لغير عذر، فقد فعلها على وجه لم يُؤْمَر به، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (6)، وهذا نص صريح عام، «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا»، أيُّ عمل يكون؛ لأنه نكرة في سياق الشرط، فكان للعموم، «فَهُوَ رَدٌّ»، أي: مردود.
ثالثًا: أنه لو صلى قبل الوقت متعمِّدًا فصلاته باطلة بالاتفاق، حتى أنتم تقولون: صلاته باطلة، فأي فرق بين ما إذا فعلها قبل الوقت أو فعلها بعده، فإن كل واحد منهما قد تعدَّى حدود الله عز وجل، وأخرج العبادة عن وقتها، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229].
رابعًا: أن هذا الرجل إذا أخَّرها عن وقتها فإنه ظالم مُعْتَدٍ، وإذا كان ظالمًا معتديًا فالله لا يحب المعتدين، ولا يحب الظالمين، فكيف يُوصَف هذا الرجل الذي لا يحبه الله لعدوانه وظلمه، بأنه قريب من الله متقرِّب إليه؟ ! هذا خلاف ما تقتضيه العقول والفِطَر السليمة، وهذا القول كما ترى قول قوي جدًّا.
أما قولهم: إنه إذا كان وقتًا للمعذور فغير المعذور من باب أولى فممنوع؛ لأن المعذور معذور، ولا يتمكن من الفعل في الوقت، فلما لم يتمكن لم يكلّف إلا ما يستطيع، أما هذا الرجل الغير معذور فهو أيش؟ قادر على الفعل مكلَّف به، فخالَف واستكبَر ولم يفعل.
فقياس هذا على هذا من أبعد القياس، والمسألة ليست مسألة أنه عُذر أو ما عُذر، نقول: نعم، المعذور وقت الصلاة في حقه عند زوال عذره، كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا.
إذن نقول: هذا قياس فاسد غير صحيح، مع مخالفته لعموم النصوص، كـ «مَنْ عَمِل عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (6)، ومع أنه مخالف للقياس فيما إذا صلى قبل دخول الوقت.
فالصواب أن مَنْ تَرَك الصلاة عمدًا حتى على القول بأنه لا يكفر كما لو كان يصلي ويُخَلِّي، فإنه لا يقضيها، ولكن يجب عليه أن يكون هذا الفعل دائمًا نُصْبَ عينيه، وأن يُكْثِر من الطاعات والأعمال الصالحة لعلها تُكَفِّر ما حصل منه من إضاعة الوقت.
قال المؤلف رحمه الله: (ويجب قضاء الفوائت).
يُستفاد منه: أنه يقضي الصلاة الفائتة على صفتها؛ لأن القضاء يحكي الأداء، هذه القاعدة المعروفة، فعلى هذا إذا قضى صلاة ليل في النهار جهر فيها بالقراءة، وإذا قضى صلاة نهار في ليل أَسَرَّ فيها بالقراءة؛ لأن القضاء يحكي الأداء.
ولقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (4)، وكما أن الأمر عائد إلى ذات الصلاة، فهو عائد إلى صفة الصلاة أيضًا، ومن صفاتها الجهر بالقراءة في الليل، والسر في القراءة في النهار.
وهذا أيضًا هو الذي جاءت به السنة كما في حديث أبي قتادة في نومهم عن صلاة الصُّبح مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فصلَّاها كما كان يصليها كُلَّ يوم (7).
ويُستفاد منه أيضًا: أنه تُشْرَع فيها الجماعة إذا كانوا جمعًا، كيف ذلك؟ لأن القضاء يحكي الأداء، فكما أنهم لو صَلَّوْها في الوقت صَلَّوْها جماعة، فكذلك إذا قَضَوْها فإنهم يصلونها جماعة، وهذا أيضًا هو الذي جاءت به السنة في حديث أبي قتادة، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بلالًا فأذَّن، ثم صلَّى ركعتي الفجر، ثم صَلَّى الفجرَ جماعة (8).
(ويجب فورًا قضاء الفوائت)، الفور معناه المبادرة بالشيء، كما قال تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ [آل عمران: 125]، فالفَوْر معناه الشيء المبادِر، فمعنى (فورًا) أي: يجب أن يبادِر بقضاء الفوائت، وهنا دليل وتعليل.
أما الدليل فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (4)، «فَلْيُصَلِّهَا»، اللام للأمر، متى؟ «إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا يدل على أنها تُقْضَى فور الذِّكْر، من يوم يذكر يصلي، من يوم يستيقظ يصلي، هذا دليل، «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا».
تعليل: ولأن هذا دَيْن واجب عليه، والواجب المبادَرة به؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له إذا أَخَّرَ.
ولأن الإنسان إذا عَوَّدَ نفسه التهاون والتكاسل في الطاعات اعتادت هذا، وصار ذلك خُلُقًا له، فإذن لا بد من المبادرة.
ممكن أيضًا نستدل بقوله: «فَلْيُصَلِّهَا»، اللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب والفورية، كما مر علينا في الأصول.
فإن قلت: أليس النبي صلى الله عليه وسلم لما استيقظ أمرهم أن يرتحلوا من مكانهم إلى مكانٍ آخر؟ (9)
فالجواب: بلى، لكنه عَلَّلَ ذلك بأنه «مَكَانٌ حَضَرَهُمْ فِيهِ الشَّيْطَانُ» (9)، فلا ينبغي أن يُصَلَّى في أماكن حضور الشياطين، ولهذا نُهِيَ عن الصلاة في الحمَّام؛ لأنه مأوى الشياطين، وفي الْحُشِّ، وما أشبه ذلك، بل وفي أعطان الإبل، نُهِيَ أن يصلَّى فيها؛ لأنها خُلِقَت من الشياطين.
وليس معناه: مادتها من الشياطين، لا، خُلِقَت من الشياطين؛ لأن فيها خُلُقًا كبيرًا من أخلاق الشياطين، وإذا كان في المخلوق خُلُق كبير من شيء معيَّن نُسِبَ إليه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37]، مع أنه خُلِقَ من تراب، لكن لما كانت طبيعته العجلة صار كأنه ناشئ منها، كأنها عنصر وجوده.
إذن، إذا قال قائل: كيف نجيب عن هذا الحديث؟ فالجواب أن الرسول عليه الصلاة والسلام علَّل ذلك بأنه موطِن حضر فيه الشياطين، فلا ينبغي أن يُصَلَّى في أماكن يكون فيه حضور الشياطين، وهذا لا يدل على عدم وجوب الفورية، وإن كان بعض العلماء قال بعدم وجوب الفورية لهذا الحديث.
طالب: شيخ، يوجد يا شيخ جيران هنا ناس يصلون في محل (... ) تارة يتركون الصلاة وتارة يصلوها، ونحن ننصحهم دائمًا، يا شيخ، ما أدري يعني هل يستمرون على هذا الشيء؛ لأني أراهم دائمًا يتكرر منهم هذا الشيء؟
الشيخ: بَلِّغُوا عنهم.
طالب: شيخ، إذا قضى مثلًا صلاة الفجر، إذا ناموا عنها مثلًا جماعة، فِعْل الرسول، هل يُثَوِّبُون في الأذان ولَّا لا؟ الشيخ: هو الظاهر أنه يثوب؛ لأن هذا للفجر.
طالب: شيخ، قول من قال من العلماء: إن صلاة العشاء إذا قُضِيَت فإن الجهر بها غير مشروع؛ لأن الجهر مقصود به إسماع الآخرين، أما إذا كان سيقضيها منفرِدًا يشغل الناس؟
الشيخ: منفردًا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: هو أصلًا الجهر ما هو مشروع إلا في الجماعة حتى لو أداها في الوقت منفردًا ما هو مشروع له أن يقرأ.
طالب: ما هو دليل شيخ الإسلام عندما جعل مناط الوجوب تضايق الوقت؟
الشيخ: هو هذا الدليل اللي قلته لك، ذكرنا ثلاثة أدلة أظن.
طالب: شيخ، اللي ما يستطيع (... ) الدين يعني ونقول: من أدرك ركعة من صلاة؟
الشيخ: يقول رحمه الله: إن الإنسان إذا كانت لم يتضايق فهو غير ملزَم بها الآن، فما دام غير ملزَم كيف نُلْزِمُه بالقضاء ونحن لا نُلْزِمُه بالفعل بالأداء، يعني هو الآن ما دام الوقت لم يَضِق فإننا لا نُلْزِمُه أن يؤديها، فإذا لم تلزم أداءً لم تلزَم قضاءً، والله تعالى قد وَسَّع عليه.
طالب: يا شيخ إذا تضايق الوقت هو (... ) هناك ما نلزمه بالقضاء لأنه حتى الآن ما خرج وقت صلاة.. ؟
الشيخ: كيف؟ لا، إذا تضايق نلزمه بالأداء، إذا تضايق ما يجوز أن يؤخِّر ولو جزءًا واحدًا من وقتها.
الطالب: ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة.
ومنها: ستر العورة، فيجب بما لا يصف بشرتها، وعورةُ رجلٍ وأمةِ وأمِّ ولد ومُعْتَقٍ بعضُها من السُّرَّة إلى الرُّكْبة، وكل الحرة عورة إلا وجهها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ما حكم قضاء الفوائت؟
طالب: واجب يا شيخ.
الشيخ: واجب؟ قضاء الفوائت واجب؟
طالب: يجب عليه القضاء.
الشيخ: واجب؟
طالب: فرض يعني.
الشيخ: أو فرض يعني، لازم؟
طالب: (... ).
الشيخ: تقييد.
الطالب: (... ).
الشيخ: كيف؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: إذا كانت هذه الفرائض يعني لرجل قبل أن يتوب إلى الله..
الشيخ: لا.
طالب: يجب قضاء الفوائت مطلقًا.
الشيخ: يجب.
الطالب: يجب وجوبًا مطلَقًا.
الشيخ: قضاء الفوائت يجب؟
طالب: لا يا شيخ، إن كان فرضًا يجب، وإن كان نفلًا يُسْتَحَبُّ.
الشيخ: إي، صح.
طالب: كلام المؤلف على أنه واجب.
طالب آخر: المؤلف يا شيخ؟
الشيخ: المهم ما علينا، أنا أسألكم عن قضاء الفوائت، إذن نقول: إذا كانت الفوائت مستحبة فالقضاء مستحب، وإلَّا فلا.
ما حكم قضاء الفرائض؟
طالب: واجب.
الشيخ: واجب، الدليل؟
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (4).
الشيخ: نعم، أحسنت، هذا دليل، التعليل؟
طالب: التعليل لأن الذمة انشغلت به (... ) كالدين يجب عليه القضاء.
الشيخ: أحسنت، الذمة مشغولة بها لا تبرأ إلا بالقضاء، فكان ذلك واجبًا.
كلام المؤلف (يجب قضاء الفوائت) هل يشمل الفوائت عمدًا أو لعذر؟
طالب: يشمل عمدًا؛ بعذر وبغير عذر.
الشيخ: بعذر أو بغير عذر، وهذا هو المشهور من المذهب، ومذهب الأئمة الأربعة.
حجة القائلين بوجوب قضاء الفوائت سواء كان عمدًا أو غير عمد؟
طالب: أنه ما دام المعذور يقضي الصلاة، فمن باب أولى الذي تركها عمدًا يقضيها.
الشيخ: نعم أحسنت، والمعذور كما سمعنا في الحديث، هل هناك قول آخر؟
طالب: نعم، قول آخر أن الذي يترك الصلاة عمدًا لا قضاء عليه.
الشيخ: لا قضاء عليه تخفيفًا؟
الطالب: لا (... ).
الشيخ: ليس من باب التخفيف، ولكن من باب؟
الطالب: من باب التعنيف له.
الشيخ: نعم، ما دليل هؤلاء؟
الطالب: دليلهم قالوا: إن هذا تركها..
الشيخ: ما دليلهم؟
الطالب: دليلهم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: 5].
الشيخ: لا.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة رضي الله عنها: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (10).
الشيخ: لا؛ لأن مَن أحدث هذا في البدعة.
طالب: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌ» (6).
الشيخ: أحسنت، وهذا الذي أَخَّرَ الصلاة لغير عذر عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا.
كيف نرد على استدلالهم؟
طالب: في استدلال الذين قالوا بأن..
الشيخ: بأنه يقضي المتعمِّد؛ لأنه إذا قضى المعذور فالمتعمِّد من باب أولى.
الطالب: نقول: إن هذا شغله العذر عن إبراء الذمة، ولكن غير المعذور لم يكن له عذر أو شيء من هذا القبيل، النبي صلى الله عليه وسلم خَصَّ الحديث بالمعذور فقط.
الشيخ: ولا يقاس عليه؟
الطالب: ولا يقاس عليه الغير معذور.
الشيخ: أحسنت، قلنا: إن هذا القول اللي هو اختيار شيخ الإسلام القول الراجح، رجَّحْنَاه.
يقول المؤلف (فورًا)، أيش معنى (فَوْرًا)؟
طالب: يعني المبالغة بالشيء.
الشيخ: المبالغة بالشيء، هل هناك دليل على وجوب الفورية في قضاء الفوائت؟
الطالب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103].
طالب آخر: تعليل، «فليُصَلِّها»، قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (4).
الشيخ: «إِذَا ذَكَرَهَا»، فقيَّد وجوب الصلاة بما إذا ذكرها، كذا ولَّا لا؟ صحيح يا جماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولهذا لا نقول: إنه إذا ذكرها يكون الوقت موسَّعًا في حقِّه كما نقول في الأداء، بل هو مُضَيَّق من يوم يذكرها يجب أن يبادر إلى قضائها.
المؤلف يقول: (يجب قضاء الفوائت)، كيف يقضيها من حيث الصفة؟
طالب: قلنا: يقضيها الجهرية جهرية والسرية سرية.
الشيخ: والرباعية؟
الطالب: والرباعية رباعية.
الشيخ: والثنائية؟
الطالب: كذا.
الشيخ: كذا؟
الطالب: إي نعم.
طالب آخر: يقضي الصلاة على صفتها.
الشيخ: على صفتها، كما قال.
الطالب: الصلاة السرية..
الشيخ: السرية يقصيها سرًّا، والجهرية يقضيها جهرًا، والثنائية اثنين، والرباعية رباعية.
لو أنه ذكر صلاة سَفَرٍ في حَضَرٍ؟
طالب: يصليها على حضر.
الشيخ: على حضر ولَّا على سفر؟
الطالب: ما فيه عذر أنه يقصر.
الشيخ: كيف؟ نسي.
الطالب: إي، صح، لكن ما فيه عذر أنه يصليها قصرًا.
الشيخ: أنا ما أبغي أصلي من جديد، الصلاة مقضية.
طالب: يقضيها يا شيخ كما هي.
الشيخ: أيش أربع ولا ثنتين؟
الطالب: لا، أربعًا.
الشيخ: أربعة، إذن ما قضاها كما هي.
الطالب: لا هي أساسًا أربعة، لكن لعذر السفر..
الشيخ: المهم أنها وَجَبَت عليه رباعية ولا ثنائية؟
الطالب: وجبت ثنائية.
الشيخ: طيب، كيف يقضيها؟
الطالب: يقضيها رباعية.
الشيخ: خطأ هذا، ما هو صحيح.
طالب: المذهب يقضيها رباعية، والصحيح أنه يقضيها..
الشيخ: لكن اللي يقتضيه الحديث: «فَلْيُصَلِّهَا» (4)؟
الطالب: يقضيها ثنائية.
الشيخ: ثنائية، وبالعكس؛ لو ذكر صلاة حضر في سفر؟
الطالب: حضر في سفر يقضيها رباعية؛ لأنها وجبت في ذمته رباعية.
الشيخ: صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صح، هذا مقتضى الحديث.
هل تُقْضَى جماعةً أو فُرَادَى؟ يعني لو فرضنا أن أناسًا ناموا عن صلاة الفجر في السفر، هل يقضونها جماعة أو فُرَادَى؟
طالب: يقضونها جماعة.
الشيخ: جماعة؟ ممكن أن تأخذها من حديث؟
طالب: حديث أبي قتادة لما نام النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة حتى طلعت الشمس فَقَضَوْهَا (7).
الشيخ: قضوها جماعة، صحيح، بل ربما نأخذها من قوله: «فَلْيُصَلِّهَا».
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن نقول: يصلها على الصفة اللي هي عليها، فإذا كانت مما يُشْرَع له الجماعة صلَّاها جماعة، أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويجب فورًا قضاء الفوائت مُرَتِّبًا)، يعني يبدأ بها بالترتيب، فإذا كان عليه خمس صلوات تَبْتَدِئ بالظهر، صلى الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم الفجر؛ لأنها خمس.
الدليل ممكن أن نأخذها من قوله: «فَلْيُصَلِّهَا» (4)؛ لأن هذا يشمل عين الصلاة، وكيفية الصلاة، وكذلك يشمل مكان الصلاة، وإذا شمل مكانها لزم أن تكون في موضعها الترتيبي، فمثلًا: الظهر يصليها بين الفجر وأيش؟ والعصر، وحينئذ يكون صلَّاها، وكذلك المغرب بين العصر والعشاء.
إذن هذا الحديث: «فَلْيُصَلِّهَا» ما شاء الله مبروك يؤخَذ منه حتى وجوب الترتيب؛ لأنه إذا صلاها على ما هي عليه يلزم أن تكون في مكانها، وكذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فاته خمس صلوات في الخندق، فقضاها مُرَتَّبَة (11)، وكذلك في الجمع، كان يجمع بين الصلاتين، فيبدأ بالأُوْلَى (12)، فكل هذه الأدلة تدل على أنه يجب الترتيب في قضاء الفوائت.
هل يسقط الترتيب بعذر من الأعذار؟
قال المؤلف رحمه الله: (ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، ذكر المؤلف أنه يسقط بشيئين:
أولًا: النسيان، فلو كان عليه خمس فرائض تبتدئ من الظهر، فنسي فبدأ بالفجر مع أنها هي الأخيرة، نقول: قضاؤه صحيح؛ لأنه نسي، لو بدأ بالعصر قبل الظهر نسيانًا صح القضاء؛ لأنه يسقط بالنسيان.
ما هو الدليل؟ الدليل عموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وربما يُسْتَدَلُّ بتقديم الأنساك بعضها على بعض في يوم النحر، حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: «لَا حَرَجَ» (13)، ولكن الاستدلال بهذا فيه نظر؛ لأن العبادات في الحج من غير جنس واحد، ولأن الترتيب بينها يسقط بالنسيان والعمد، وحينئذ لا يصح القياس.
إذن نأخذه من عموم قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].
ثانيا: خشية -شوف الإضافات، هذه العبارة- (خشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، إضافات، كم؟
طالب: أربع.
الشيخ: (خشية) مضاف، (خروج) مضاف، (خروج) مضاف، (وقت) مضاف، (وقت) مضاف، و (اختيار) مضاف، (اختيار) مضاف، و (الحاضرة) مضاف، كم صارت؟ خمس.
طالب: الحاضرة مضاف إليه يا شيخ.
الشيخ: إي، مضاف إليه، إي نعم.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يخالف، (خشية) واحدة، (خروج) اثنين، (وقت) ثلاثة، (اختيار) أربعة، أربع إضافات.
مثل هذا عند البلاغيين يقولون إنه خارج عن البلاغة؛ لكثرة الإضافات، لكن نقول: إذا كان لا يتضح المعنى إلا بذلك فليس خارجًا عن البلاغة، صحيح يمكن أن يعدل المؤلف عن هذا فيقول: وإذا خشي أن يخرج وقت الحاضرة المختار، يمكن يعبِّر هكذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن، وإذا خشي أن يخرج وقت الحاضرة المختار.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، بس هذه ما فيها إضافات.
على كل حال المعنى أنه إذا كان يخشى أن يخرج وقت اختيار الحاضرة فإنه يسقط الترتيب، وإذا خشي أن يخرج الوقت كله من باب أولى، وليس عندنا وقت ضرورة على القول الراجح، إلا في صلاة العصر؛ لأنه سبق لنا أن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، وأما من جعله ينتهي بطلوع الفجر فيجعل ما بين نصف الليل وطلوع الفجر وقت ضرورة.
على كل حال هذا رجل ذكر أن عليه فائتة، وقد بقي على أن يكون ظِلُّ كل شيء مثليه ما لا يتسع للفائتة والحاضرة، ماذا نقول؟ نقول: قَدِّم الحاضرة.
ورجل آخر ذكر فائتة وقد بقي على طلوع الشمس ما لا يتسع لصلاة الفائتة والفجر، نقول: قَدِّم الحاضرة، وهي الفجر.
لماذا؟ لأنك لو أخَّرْتَها لزم أن تكون كلتا الصلاتين قضاءً، وإذا قَدَّمْت الحاضرة صارت المقضيَّة قضاءً والحاضرة أداءً، وأديتها في الوقت الذي أمر الله سبحانه وتعالى أن تؤدَّى فيه، عرفتم؟ فهذا وجه وجوب تقديم الحاضرة.
وجه وجوبه إذن أن الله أوجب أن تصلَّى هذه الحاضرة أيش؟ في وقتها، فإذا صليت غيرها أخرجتها عن الوقت.
ثانيًا: أنك إذا قدَّمْتَ الفائتة لم تستفد شيئًا، بل تضرَّرْتَ؛ لأنك إذا قدَّمْتَ الفائتة صارت كلتا الصلاتين قضاءً، وإذا بدأت بالحاضرة صارت الحاضرة أداءً والثانية قضاءً، وهذا أولى بلا شك.
هل يسقط بغير ذلك؟ نقول: نعم، يسقط، بما لا يمكن قضاؤه على وجه الانفراد، كصلاة الجمعة؛ فإنه لو ذكر أن عليه فائتة بعد أن أُقِيمَت صلاة الجمعة، ولا يتمكن من قضائها وإدراك الجمعة، فإنه يبدأ بالجمعة؛ لأن فوات الجمعة كفوات الوقت، فوات جماعة الجمعة كفوات الوقت؛ لأنها لو فاتت الجماعة عليك فاتتك الجمعة، لا يمكن أن تصلِّيَها جمعة بعد فوات الجماعة فيها، هذا ثلاثة.
هل يسقط بالجهل؟ لو جاءنا رجل يسأل يقول: أنا والله عليَّ فوائت، عليَّ صلاة الظهر والعصر والمغرب، وإني ما أدري، فبدأت بصلاة المغرب، ثم بالعصر، ثم بالظهر؟
نقول: كلام المؤلف يدل على أنه لا يسقط؛ لأنه لم يذكر إلا النسيان، والجاهل قد يكون مفرِّطًا بترك التعلُّم فلا يُعْذَر، وعلى هذا فنقول لهذا الرجل الذي سألنا فقدَّم المغرب، ثم العصر، ثم الظهر، نقول: أَعِد أيش؟
طالب: الظهر.
الشيخ: لا، أَعِد العصر ثم المغرب، أما الظهر لا يعيدها؛ لأنها في مكانها.
وهكذا كل شيء فيه الترتيب إذا عَكَسْتَ فآخر شيء لا تعيده؛ لأنه يكون هو أول شيء؛ لأن الذي قدمته هو الذي ما صح، أما الذي كان هو الآخِر فيصح، اللهم إلا كان عبادة واحدة، كما لو سجد قبل أن يركع فلا بد من إعادة السجود بعد الركوع.
على كل حال نقول: حتى لو سجد قبل أن يركع، فإذا ركع قلنا: لا تعِد الركوع، إذن لا يُسْتَثْنَى شيء من هذه القاعدة، صار يسقط بالجهل ولَّا لا؟ على كلام المؤلف لا يسقط بالجهل، فنقول لهذا الذي سأل حيث صلى المغرب، ثم العصر، ثم الظهر: أَعِد العصر والمغرب، ولو كان جاهلًا.
وقال بعض العلماء: بل يسقط بالجهل؛ لأن الجهل أخو النسيان في كتاب الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (14)، فإذا كان هذا جاهلًا فإنه لا يضره، ونقول: صلاتك صحيحة.
وهذا القول هو الصواب؛ لأن العذر واحد، وكثير من الناس لا يطرأ على باله أن الأمر فيه خلاف، يعني فيه ضرر عليه، فيقدِّم بعضًا على بعض.
هل يُعْذَر بترك الجماعة، أو بخوف فوت الجماعة؟ يعني: هل يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة؟
المذهب: لا يسقط، فنقول: ابدأ بالفائتة، ثم صَلِّ الحاضرة مع الجماعة إن أدركتها، وإلا فلا شيء عليك.
وذهب بعض العلماء إلى أن الترتيب يسقط بخوف فوت الجماعة، لا سيما على القول بأن الجماعة شرط لصحة الصلاة، قال: فيجب أن يقدِّم الصلاة الحاضرة بالجماعة ثم يصلِّي الفائتة.
وهذا -أعني القول بأنه يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة- مبني على القول بأنه لا يصح أن يصلي خلف مَن يصلي صلاة أخرى، أما على القول بالجواز فنقول: ادخل معهم في الجماعة، وانْوِ بها الصلاة التي عليك؛ الفائتةَ.
مثلًا: لو كان عليك الظهر وجئت وهم يصلون العصر، فإنا نقول على القول الراجح: ادخل معهم بنية الظهر، واختلاف النية لا تضر، لكن على القول بأن اختلاف النية يضر، يقول: لا يسقط الترتيب بخوف فوت الجماعة، كما هو المذهب.
فصار عندنا خمسة أشياء:
النسيان، وخوف خروج الوقت المختار أو غير المختار، خوف فوات الجمعة، خوف فوات الجماعة، الجهل.
المذهب: يُعْذَر بالثلاثة الأول، وهي: النسيان، وخوف فوت الوقت، وخوف فوت الجمعة، وأما الرابع والخامس فلا يُعْذَر فيه.
والصحيح أنه يعذر فيه، فيسقط الترتيب بخمسة أشياء: النسيان، والجهل، وخوف فوت الجمعة، وخوف فوت الجماعة, وخشية خروج وقت الصلاة، خمسة.
(وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة)، ثم قال: (ومنها)، أي: من شروط الصلاة (ستر العورة)، الستر بمعنى التغطية.
والعورة: ما يسوء الإنسانَ إخراجُه والنظر إليه؛ لأنها من (العَوَر) وهو العيب، وكل شيء يسوؤك النظر إليه، فإن النظر إليه يعتبر من العيب، هذه هي العورة.
وتختلف العورة، ولكن الآن سنناقش هذا التعبير (ستر العورة)، هل جاء في الكتاب والسنة كلمة (ستر العورة) فيما يتعلق بالصلاة أو لا؟
الجواب: لا، ما جاء كلمة (ستر العورة)، ومن أجل أنه لم يأت ينبغي ألَّا نعبِّر إلا بما جاء في القرآن والسنة في مثل هذا الباب، ونظير هذا التعبير الذي أوهم تعبيرُ بعضهم بلبس المخيط بدلًا عن القميص، والسراويل، والبرانس، والعمامة، إلى آخره.
لما قال العلماء: (ستر العورة)، اشتبه على بعض الناس عورة الصلاة وعورة النظر، واختلطت عليهم، حتى جعل بعضهم هذه وهذه سواء، والأمر ليس كذلك، فبين عورة الصلاة وعورة النظر فرق، العورتان لا تتَّفقان طردًا ولا عكسًا، كما سيتبين إن شاء الله.
إذن فلو عُبِّرَ بما جاء في القرآن أو السنة لكان أسلم، الذي جاء في القرآن: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، فأمر الله تعالى أن نتزين ونتجمل عند ملاقاته سبحانه وتعالى والوقوف بين يديه، وإذا كان الإنسان يستحي أن يقابل ملكًا من الملوك بثياب رثَّة، أو نصف بدنه ظاهر، فكيف لا يستحي من أن يقف بين يدي ملك الملوك عز وجل بثياب غير مطلوب منه أن يلبسها؟ ! ولهذا قال عبد الله بن عمر لمولاه نافع، وقد رآه يصلِّي حاسرًا رأسه، قال له: غَطِّ رأسك، هل تخرج إلى النَّاس وأنت حاسر الرَّأس؟ قال: لا، ما أخرج إلى الناس وأنا حاسر الرأس، قال: فاللَّهُ أحقُّ أن تتجمَّلَ له (15)، وهذا صحيح بالنسبة لمن عادتهم ألَّا يحسروا عن رؤوسهم، ما يمكن الواحد يخرج حاسر الرأس أمام الناس.
إذن فاتخاذ الزينة غير ستر العورة، ونقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (16)، وعاتق الرجل ليس بعورة بالاتفاق، ومع ذلك أَمَرَ النبي عليه الصلاة والسلام بستره، قال: «لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ»، فدل هذا على أن مناط الحكم ليس ستر العورة.
وقال صلى الله عليه وسلم لجابر في الثوب: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ» (17)، ومعلوم أنه لا يُشْتَرَط لستر العورة أن يلتحف الإنسان، بل ربما يكون فيه وَزْرَة تغطي ما يجب ستره في غير الصلاة.
إذن فليس مناط الحكم أيش؟ ستر العورة، إنما مناط الحكم اتخاذ الزينة، هذا هو الذي أمر الله به، وهو الذي دَلَّت عليه السنة، ومن أجل هذا التعبير التبس على بعض العلماء، وجعلوا المسألة -مسألة العورة- هنا كمسألة العورة هناك في باب النظر، وهما يختلافان، هذا من حيث التعبير بكلمة (ستر العورة).
ما هو الدليل على أنه من شرط صحة الصلاة ستر العورة؟
الدليل: قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (17)، فلا بد من الاتزار، وإذا كان واجبًا في العبادة فكل واجب في العبادة شرط لصحتها، القاعدة الشرعية: أن كل واجب في العبادة فهو شرط لصحتها، فإذا تركه الإنسان عمدًا بطلت هذه العبادة؛ ولهذا لو ترك الإنسان التشهد الأول أو الأخير في الصلاة متعمِّدًا بطلت صلاته، حتى في الواجبات، لو تركها متعمِّدًا بطلت الصلاة.
ولهذا نقول: لا شك أن ستر العورة شرط لصحة الصلاة، وأن مَن صلى من غير أن يلبس ما يستر به العورة، أو ما يجب ستره على الأصح، فإن صلاته باطلة.
وقد نقل ابن عبد البر إجماع العلماء على أن مَن صلى عريانًا مع قدرته على اللباس فصلاته باطلة.
وكذلك نقله شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أن العلماء اتفقوا على أن الإنسان الذي يصلي عريانًا وهو قادر على اللباس فصلاته باطلة.
فيكون قد اجتمع في هذا الكتاب والسنة والإجماع.
العورة؛ قال المؤلِّف: (فيجب بما لا يصف بشرتها)، (يجب) الفاعل يعود على ستر العورة، يعني: فيجب ستر العورة بما، هذه الـ (ما)، ما نوعها؟
طلبة: موصولة.
الشيخ: يعني: بالذي، ويجوز أن نجعلها نكرة موصوفة، أي: بثوب لا يصف بشرته.
هذا واحد، يعني: يشترط للساتر أن لا يصف البشرة، لا أن لا يُبَيِّن العضو، ووصف الشيء ذِكْرُ صفاته، والثوب لا يصف، هل الثوب يصف يقول لك مثلًا: ترى إن لون الجلد الذي تحتي أسود، أو إن لونه أحمر، أو إن لونه أبيض، ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: نطقًا لا يصف، لكن يصفه حالًا بلسان الحال، فإذا كان هذا الثوب الذي على البدن يُبَيِّن تمامًا لون الجلد، يُبَنِّه بيانًا واضحًا، فإن هذا ليس بساتر.
أما إذا كان يُبَيِّن منتهى السروال من بقية العضو فهذا ساتر، لكن إذا كان يُبَيِّن لون الجلد فهذا غير ساتر، فلا يصح الستر به.
طالب: مثلًا رجل يصلي بالليل وعليه مثلا فانلة وسروال، هل يكفيه هذا ولَّا لازم يلبس ثيابه؟
الشيخ: لا، يكفي هذا.
الطالب: لكن ما يخرج إلى الناس، يعني إذا قِسْنَا على..
الشيخ: لعل ابن عمر رضي الله عنه قال هذا ليُنَبِّه نافعًا، ما هو بشرط.
طالب: كيف يسقط بالجهل أو بالنسيان وهو واجب، والواجبات لا تسقط؟
الشيخ: أيهم.
الطالب: الترتيب بين الفوائت، فهو واجب، والقاعدة أن الواجب لا يسقط؟
الشيخ: يقول: هذا ليس واجبًا في نفس العبادة، لكن بينها، ما هو في نفسها، ولَّا العبادة نفسها وُجِدَت كاملة، لكن بين العبادة والأخرى فهو يشبه الواجب لها لا فيها.
طالب: شيخ، إذا واحد لبس شيئًا يعني ساترًا للعورة، ولكن لا يسمى زينة عُرفًا، فصلى به مع وجود لبس عنده زينة، ولكن تركه وصلى..
الشيخ: هذا نقول: أما مع وجود ما هو زينة ففي النفس من صحة الصلاة شيء، يعني لو جاب خِصَّاف، تعرف الخِصَّاف؟
طالب: لا.
الشيخ: الخِصَّاف خَصْف سعف النخل، ما تعرفه؟
طالب: الخوص.
طالب آخر: لا.
الشيخ: تعرف السُّفرة اللي من خوص النخل؟
طالب: نعم.
الشيخ: جاب سُفْر ولَفَّه على بدنه وقام يصلي، هذه مع وجود الزينة المعتادة والله في نفسي من هذا شيء، لكن مع عدم ذلك نقول: اتقوا الله ما استطعتم.
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعورة رجل وأمة وأمِّ ولد ومُعْتَقٍ بعضُها من السُّرَّة إلى الركبة، وكل الحرة عورة إلا وجْهَهَا، ويستحب صلاته في ثوبين، ويكفي ستر عورته في النفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض وصلاتها في درع وخمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها، ومن انكشف بعض عورته وفحُش، أو صلى في ثوب محرَّم عليه أو نجس أعاد، لا مَن حُبِس في محل نجس.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الترتيب يسقط بخمسة أمور: الجهل، والنسيان، وخوف فوت الوقت، وخوف فوت الجمعة, وخوف فوت الجماعة، وسبق لنا أيضًا أن من شروط الصلاة؟
طالب: الوقت.
الشيخ: انتهينا من الوقت، وغير؟
طالب: ستر العورة.
الشيخ: ستر العورة.
وذكرنا له دليلًا من القرآن والسنة والإجماع؟
طالب: نعم، قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
الشيخ: هذا في القرآن، نريد دليلًا من السنة على أنه لا بد من اللباس في الصلاة؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم لجابر رضي الله عنه، معنى الحديث.. «إِذَا كَانَ الثَّوْبُ فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ».
(17)
الشيخ: فيه أيضًا حديث آخر؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (18).
الشيخ: نعم، الحديث الثالث؟
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ».
(19)
الشيخ: إلا بخمار، الإجماع، هل في المسألة إجماع على أن الإنسان إذا صلى وهو عريان قادر على الستر تبطل صلاته؟
طالب: نعم، قال بعض العلماء: إن فيه إجماعًا.
الشيخ: من الذي نقله؟
الطالب: ابن عبد البر.
الشيخ: وغيره؟
الطالب: (... ) الإفصاح.
الشيخ: وغيره؟
طالب: شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: شيخ الإسلام ابن تيمية، والظاهر يمكن صاحب المغني لكني ما راجعته، على كل حال المسألة ليس فيها إشكال في أنه يجب على الإنسان عند الصلاة أن يأخذ زينته ويلبس ثيابه.
هل العورة هنا كالعورة في باب النظر؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا؟
الطالب: تختلف.
الشيخ: تختلف، اذكر لي وجهين من الاختلاف طردًا وعكسًا؟
الطالب: أن في الصلاة الكتف ما يجوز يصلي والكتف مكشوف إذا كان يستطيع أن يغطيه، وفي غير الصلاة يجوز أن يكشفه.
الشيخ: صح، في النظر المرأة يجب أن تستر وجهها على القول الراجح، وفي الصلاة لا يجب، كذا؟ الأول طرد، والثاني عكس، يعني معناه أنه ليس سواء، وحينئذ ينبغي ألَّا نُعَبِّر هنا بستر العورة؛ لئلا يشتبه الأمر، وأن نُعَبِّر بأخذ الزينة أو باللباس أو ما أشبه ذلك، أنه لا بد للصلاة من لباس.
قال المؤلف: (يجب بما لا يصف بشرتها)، (بما)، (ما) هذه ويش هي؟
طالب: بالذي.
الشيخ: ولا تصح إعرابًا آخر؟
فيَجِبُ بما لا يَصِفُ بَشَرَتَها، وَعَوْرَةُ رجلٍ وأَمَةٍ وأمِّ وَلَدٍ ومُعْتَقٍ بعضُها من السرَّةِ إلى الرُّكْبَةِ، وكلُّ الحرَّةِ عَورةٌ إلا وَجْهَها.
ويُسْتَحَبُّ صلاتُه في ثوبينِ، ويَكْفِي سَتْرُ عورتِه في النَّفْلِ ومع أحَدِ عاتِقَيْهِ في الفَرْضِ وصلاتُها في دِرْعٍ وخِمارٍ ومِلْحَفَةٍ.
ويُجْزِئُ سَتْرُ عَوْرَتِها، ومَن انْكَشَفَ بعضُ عَورتِه وفَحُشَ، أو صَلَّى في ثوبٍ مُحَرَّمٍ عليه
قال المؤلف: (يجب بما لا يصف بشرتها)
(بما) (ما) هذه ويش؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا تصح، إعراب آخر؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح.
طالب: تصح نكرة موصوفة.
الشيخ: تصح نكرة موصوفة؛ فيقال: بثوب لا يصف بشرتها.
طيب (بشرتها) الضمير قلنا: إنه يعود إلى العورة، طيب ما معنى وصف البشرة؟
طالب: ألا يبين ما تحت الثوب.
الشيخ: نعم، هل المراد بيان ظله، ولّا المراد بيان لونه؟
طالب: بيان ظله.
الشيخ: ظله، إي.
طالب: بيان لونه.
الشيخ: بيان لونه.
الطالب: إذا كان أبيض أو أسود.
الشيخ: طيب، بيان اللون؛ يعني اللون يكون رهيفًا (... ) بحيث إنك تشوف الجلد من ورائه، حتى لو كان مثلًا اللباس أسود وضعته؛ لازم تشوف منها الجلد اللي تحته بلونه، أما مجرد الظل فهذا لا يشترط، ولهذا قلنا: لو كان على الإنسان ثوب تحت مثلًا وشاف حد الثوب من الجلد فقط ولم يتبين لون الجلد فهذا ساتر.
قوله: (بثوب لا يصف بشرتها) ذكرنا أنه يشترط في هذا الثوب شروط:
طالب: ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه طيب إذن سنذكرها الآن.
بثوب لا يصف البشرة، يشترط لهذا الثوب الساتر:
أولًا: ألا يصف البشرة كما قال المؤلف، ألا يصف البشرة فإن وصفها لم يجزئ؛ لأن الستر لا يحصل بدون ذلك، وعلى هذا فلو لبس ثوبًا من بلاستيك كالزجاج، هو يمنع وصول الماء ويمنع حتى الهواء ما يدخل، فإنها لا تصح؛ لأن ذلك لا (... ) بل هو يصف البشرة.
يشترط أيضًا: أن يكون طاهرًا، يشترط أن يكون طاهرًا، فإن كان نجسًا فإنه لا يصح أن يصلي به، ولو صلى به لم تصح صلاته، لا لعدم الستر، ولكن لأنه لا يجوز حمل النجس في الصلاة، الدليل؟
قالوا: الدليل: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، ثيابك (ثياب) مفعول مقدم لـ (طهر)، يعني طهر ثيابك، وهو ظاهر في أن المراد ثياب اللباس.
وقال بعض أهل العلم: ﴿ثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ يعني: عملك طهره من الشرك؛ لأن العمل لباس كما قال تعالى: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْر﴾ [الأعراف: 26]، فيكون المعنى تنقية العمل من الشرك، ولهذا قال بعدها: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]، فنقول: الآية تحتمل هذا وهذا، ولا يَمْتنع أن تحمل على المعنيين؛ لأنهما لا يتنافيان، وكل معنيين يحتملهما اللفظ القرآني أو اللفظ النبوي، ولا يتنافيان، فإنهما مرادان باللفظ.
فيه أيضا دليل آخر وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي إليه بصبي لم يأكل الطعام؛ فأجلسه في حجره - النبي عليه الصلاة والسلام - فبال الصبي في حجره، فدعا بماء فأتبعه إياه (1)، وهذا يدل على أنه لا بد أن يكون الثوب طاهرًا، ولهذا بادر النبي عليه الصلاة والسلام بذلك.
دليل ثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ذات يوم بأصحابه فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما سلم سألهم: لماذا خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا أَذًى» (2)، وهذا يدل على وجوب التنزه مما فيه النجاسة.
دليل رابع: إن أمكن أن نحمله حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقبرين يعذبان، وقال: «إِنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ» (3)، هذا فيه شيء من النظر والمناقشة.
دليل خامس: أن الله قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]، قالوا: فإذا أمر الله تعالى بتطهير المحل، وهو منفصل عن المصلي، فما بالك باللباس الذي هو متصل به، يكون الأمر بتطهيره من باب أولى.
طالب: (... ).
الشيخ: آيتان.
إذن نقول: فيه أدلة من القرآن والسنة ودليل من النظر وهو الأخير القياس، على أنه لا بد أن يكون الثوب المصلَّى به طاهرًا.
الشرط الثالث: أن يكون مباحًا، يعني: ليس بمحرم، والمحرم نوعان: محرم لذاته، ومحرم لكسبه، والمحرم لذاته: محرم لعينه، ومحرم لوصفه، فهذه ثلاثة أقسام: محرم لعينه، محرم لوصفه، محرم لكسبه.
المحرم لعينه كالحرير للرجل، فهذا حرام على الرجال، فلو صلى الرجل بثوب حرير، فصلاته بناءً على هذا الشرط باطلة؛ لأنه ستر عورته بثوب غير مأذون فيه، ومن عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فهو رد.
المحرم لوصفه: كالثوب المسبَل فيه، اللي فيه إسبال، فهذا رجل عليه ثوب مباح من قطن، ولكنه نزله إلى أسفل، فنقول: هذا محرم ليش؟
لوصفه؛ فلا تصح الصلاة فيه؛ لأنه غير مأذون فيه، وهو عاصٍ بلُبسه، فيبطل حكمه شرعًا، و «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (4).
المحرم لكسبه: أن يكون مغصوبًا، أو مسروقًا، مثل: رجل سرق ثوب إنسان وصلى فيه، نقول: الصلاة هنا غير صحيحة؛ لأنك سترت عورتك بثوب محرم عليك، فلا تصح صلاتك.
فصار إذن شروط الثوب الذي يُتخذ سترة في الصلاة شروطه ثلاثة:
أولًا: ألا يصف البشرة؛ لأن ما يصفها لا يحصل به الستر.
الثاني: أن يكون طاهرًا.
والثالث: أن يكون مباحًا.
أما الشرطان الأولان فواضحان، وأدلتهما ظاهرة.
أما الثالث فمحل خلاف بين العلماء، فإن من أهل العلم من يقول: إن الستر يحصل بالثوب المحرم، وهنا جهة النهي والأمر مختلفة؛ لأن المحرّم في هذا الثوب ليس لُبسه في الصلاة حتى نقول: إنه يعارض الأمر بِلُبسه في الصلاة.
انتبهوا للقاعدة: المحرم لُبس هذا الثوب مطلقًا، وعلى هذا فيكون مورد النهي غير مورد الأمر، أليس كذلك، ولا ما هو بواضح؟
يعني: لو قيل لك: لا تلبس الحرير في الصلاة، ثم لبسته، حينئذ لا تصح صلاتك؛ لأن مورد الأمر والنهي واحد، الأمر اتخاذ اللباس أو الزينة، والنهي عن لبس الحرير في الصلاة، لو كان الأمر كذلك لقلنا: إن الصلاة لا تصح لتعارض الأمر والنهي، لكن النهي خارج عن الصلاة، لا تلبس الحرير مطلقًا، وهذا الرجل لَبِسه، فهو آثم بلبسه لا شك، لكنه ليس على وجه يختص بالصلاة حتى نقول: إنه ينافيها.
وعلى هذا، فإذا صلى بثوب محرّم فصلاته صحيحة، لكنه آثم؛ لأنه متلبِّس بثوب محرم.
هل يشترط ألا يضره اللباس، يشترط ألا يضره؟
نعم؛ يشترط ألا يضره، افرض أن الثوب فيه مسامير أو خصاف، هل نُلزمه بأن يلبس هذا الذي يأكل جلده أو يُدميه؟
الجواب: لا؛ لأن الله تعالى لم يوجب على عباده ما يشق عليهم، ثم هو في أثناء صلاته هل يمكن أن يطمئن في صلاته؟ أبدًا ما يمكن يطمئن، كيف يمطمئن وهذا شاب عليه، لهذا يشترط ألا يضره.
لو فرض أن في جلده حساسية، لا يمكن أن يقبل أي ثوب، ولو أنه لبس ثوبًا لكان ما يصلي إلا صلاة يكون فيها مشغولًا جدًّا؟
فالجواب أنه يقال: إن الحرير يخفف هذه الحساسية، وأن الإنسان إذا كان في جسده حساسية ولبس الحرير، فإنه يَبرد عليه، حتى الحساسية تبرد عليه ما دام عليه هذا الثوب، وحينئذ نقول: اختر لنفسك ثوبًا من حرير، إذا تمكنت، وإذا لم تتمكن فصل على حسب الحال.
يقول المؤلف: (فيجب ما يصف بشرتها) وذكرنا الشروط أربعة الآن.
طالب: الراجح؟
الشيخ: نعم أيهم راجح؟
الطالب: الموضوع الأخير.
الشيخ: الأخير أنه ما يلزمه، أما بالنسبة للمحرّم عليه فالراجح أنها تصح الصلاة، تصح مع الإثم باللبس.
ثم بدأ المؤلف يفصل العورة، ونحن نقول: إن العورة على المذهب تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
مخففة ومغلظة ومتوسطة.
العورة في الصلاة على المشهور من مذهب الحنابلة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: مغلظة ومخففة ومتوسطة، فنبدأ بالمغلظة ثم المخففة، ثم نقول: ما عدا ذلك متوسطة.
نبدأ بالمخففة؛ المخففة: عورة الذكر من سبع إلى عشر سنوات، وهي الفرجان فقط، يعني إذا ستر قُبُله ودُبره فقد أجزأه الستر، وإن كانت أفخاده بادية، طيب هذا من؟
طلبة: من سبع إلى عشر سنوات.
الشيخ: هذا الذكر من سبع إلى عشر سنوات، وهذا أخف العورات.
المغلظة: عورة الحُرة البالغة، كُلها عورة إلا وجْهها، فإنه ليس بعورة في الصلاة، وإن كان عورة في النظر، ونحن نُضطر إلى أن نعبر بكلمة عورة ولو كنا في باب ستر ما يجب ستره في الصلاة؛ تبعًا للمؤلف، نقول: الحرة البالغة كلها عورة إلا وجهها، حتى لو صلت في بيتها وليس عندها أحد يجب أن تَستر كل شيء إلا وجهها.
المتوسطة: ما سوى ذلك، ما سوى ذلك فهي متوسطة، وحدُّها ما بين السرة والركبة، حدُّ العورة ما بين السرة والركبة، هذه المتوسطة، يدخل فيها الرجُل من عشر سنوات فصاعدًا، والحُرة دون البلوغ، والأَمة ولو بالغة.
ولّا لا؟
قال المؤلف: (وعورة رجل) يقول في آخر الكلام: (من السرة إلى الركبة).
هذا الرجل من عشر سنوات فما فوق، هذا من السرة إلى الركبة.
طيب هذا واحد، ثانيًا: (وعورة أَمَةٍ من السُرَّة إلى الركبة)، فلو صلت الأمة مكشوفة البدن ما عدا ما بين السرة والركبة، فصلاتها صحيحة، وإذا كان ليس عندها إلا سيدُها فلها أن تفعل ذلك؛ لأن سيدها ينظر منها ما شاء ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: 5، 6]. وإذا كان عندها امرأة؟
طالب: تصلي كذلك.
الشيخ: كذلك، ولكن في باب النظر هذه عورتها أيضًا -عورة الأمة- ما بين السرة والركبة، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله في باب النظر عارض هذه المسألة، كما عارض ابن حزم هذه المسألة في باب النظر وفي باب الصلاة، وقال: إن الأمة كالحرة؛ الطبيعة واحدة والخلقة واحدة، والرق وصف عارض خارج عن حقيقتها وماهيتها، وأتوا لنا بدليل يدل على التفريق وعلى العين والرأس، وأما أن تفرقوا بدون دليل مع أن الطبيعة واحدة، كل شيء واحد، فهذا لا يمكن.
في باب النظر قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن الإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كن لا يحتجبن كما يحتجب الحرائر؛ لأن الفتنة بهن أقلُّ، فهُن يشبهن القواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا، والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا قال الله فيهن: ﴿لَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: 60]، يقول: أما الإماء التُركيات الحسان الوجوه، فهذا لا يمكن أبدًا أن تكون كالإماء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ويجب عليها أن تستر كل بدنها عن النظر، في باب النظر.
وعلل ذلك بتعليل حقيقي مقبول، قال: لأن المقصود من الحجاب هو ستر ما تخاف به الفتنة، بخلاف الصلاة، ولهذا يجب على الإنسان أن يستر في الصلاة (... ) أحد، حتى لو كان خاليًا في مكان ما يطلع عليه إلا الله، يجب عليه الستر، لكن في باب النظر إنما يجب حيث ينظر الناس.
قال: فالعلة في هذا غير العلة في هذا، العلة في النظر ما هي؟
طلبة: خوف الفتنة.
الشيخ: خوف الفتنة، ولا فرق في هذا بين النساء الحرائر والنساء الإماء.
وما قاله صحيح بلا شك، وهو الذي يجب المصير إليه.
هذي الأمة، (وأم ولد) أم الولد: هي الأَمة التي أتت من سيدها بولد، تسمى أم ولد، وهل هي حُرة أو رَقيقة؟ هي رقيقة حتى يموت سيدها، فإذا مات سيدها عتَقَت بموته، فإذا أَولد السيد أمته فهي رقيقة، حكمها في (... ) حكم من؟ حكم الرقيقة، حكم الأمة، يعني عورتها من السرة إلى الركبة.
(ومعتَق بعضها) يعني نصفها حر ونصفها رقيق.
تصور هذا؟
طالب: المكاتب.
الشيخ: لا، المكاتب ما هو معتَق بعضه.
طالب: أثناء المكاتبة.
الشيخ: ولا أثناء المكاتبة؛ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
طلبة: (... ).
الشيخ: نشوف الشركة، رقيق بين رجلين، مملوك لهما، هو حر ولّا رقيق؟
طلبة: رقيق.
الشيخ: رقيق، وين مُعتق بعضه؟ أعتق أحدهما نصيبه، إذا أعتق أحدهما نصيبه عتق الباقي، وأُخذ من السيد المعتِق قيمته للمالك؛ لمالك النصف.
إذن لم يكن معتقًا بعضه لكن نقول: يمكن، إذا كان الذي أعتق نصيبه فقيرًا فإن المشهور من المذهب أنه لا يَعتق الباقي، وعلّلوا ذلك بأنه لو سرى العتق إلى الباقي تضرّر الشريك، كيف يتضرر الشريك؟ معناه أنه خرج من ملكه بدون عوض.
وأيضًا المعسر هذا لا يمكن أن نوجب عليه العتق وهو معسر؛ لأنه معسر، لو كان كفارة ما أوجبناها عليه فكيف وهو سريان؟
فهذا الفقير لا يمكن أن نسري عليه العتق؛ لأنه فقير، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولو قال قائل: لماذا لا يسري ويبقى دينًا في ذمته؟
قلنا: في هذا ضرر على مالك النصف وعلى الفقير أيضًا؛ أن تكون ذمته مشغولة، ولكن هناك قول آخر في المسألة، يقول: يُسْتسعى العبد، ويش معنى يستسعى؟ يقال له: اعمل لتحرر نفسك، فإذا كان العبد لا يستطيع أن يعمل؛ حينئذ يتصور أن يكون مُعْتَقًا بعضه.
وهناك صور أخرى لكن المهم أنه إذا وجد رقيق بعضه حر فإنه في هذه الحال لا يعطى حكم الحر، وإنما يعطى حكم الرقيق.
فإن قال قائل: لماذا لا تعطونه حكم الحر تغليبًا لجانب الحظر، واحتياطًا للواجب؟ فما الجواب؟
الجواب: لأن الشرط لم يتحقق، فالمسألة هنا ليست وجود مانع، بل هي فوات شرط، والشرط هو الحرية الكاملة، وهنا ليس هناك حرية كاملة، فالشرط لم يتم، وليس وجود مانع، بل فوات شرط، ولا بد من استتمام الشروط.
ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ» (5). إذن نقول: المعتق بعضه حكمه أيش؟ حكم الرقيق، إن كان ذَكرًا أو كان أنثى، وعلى هذا فالمرأة المعتق بعضها كأيش؟ كالأمة الخالصة.
قال: (من السرة إلى الركبة)، العبارة هذي تُخرِج السرة لا شك، لكن هل تُدخِل الركبة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: مر علينا في باب الإقراض ما بين دِرهم إلى عشرة، كم يلزم؟ على المذهب تسعة، المذهب تسعة فيدخلون ما بعد (إلى)؛ لأنهم يقولون: الغاية خارجة إذا وجد ابتداء الغاية، يعني إذا وجدت من إلى، أما إذا لم يوجد فالغاية خارجة، فهنا ما بين السرة إلى الركبة.
طالب: (... ).
الشيخ: خارجة، الركبة خارجة، مو على المذهب، على كلام المؤلف، على القاعدة.
الطالب: (من) يا شيخ.
الشيخ: لا إي، أحسنتم إي، طيب أنا أحسب يقول: ما بين السرة، طيب (من السرة إلى الركبة)، إذن السرة غير داخلة؛ لأنها خارج الغاية، الركبة داخلة على كلام المؤلف، وهذا أحد القولين في المسألة؛ أن الركبة من العورة، وعلى هذا فيجب أن يكون الستر نازلًا عن الركبة.
والقول الثاني: أن السرة والركبة داخلان، فيجب سترُ السرة وستر الركبة.
والثالث -وهو المشهور من المذهب- أن السرة والركبة لا يدخلان، وعلى هذا فالعبارة التي تُخرجهما أن يقال: ما بين السرة والركبة من أجل أن تخرج السرة والركبة، وهو كذلك، ولكن يرى بعض العلماء أن الفخذ ليس بعورة، ولكن يمكن ما (... ) نناقش فيه.
طالب: قول الشيخ: العورة المغلظة للمرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها، فهل يدخل القدمان؟
الشيخ: ما وصلناه في كتاب المؤلف.
طالب: (... ).
الشيخ: إي لأنه يمكن التبعض، (... ) يمكن التبعض، هذا ما يمكن التبعض، ما يمكن، نقول: النصف لا.
طالب: قول ابن حزم في الصلاة الأمة أن عورة..
الشيخ: كالحرة.
سيأتينا إن شاء الله في باب الحرة نشوف الموضوع.
طالب: إذا رأى المأموم الإمام قبل الصلاة وفي ثوبه نجاسة دخل في الصلاة ونسي يذكره قبل الصلاة؟
الشيخ: بقي ناسيًا حتى تمت الصلاة، ما عليه شيء لا هو ولا الإمام.
طالب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة، وكل الحرة عورة إلا وجهَها، ويستحب صلاته في ثوبين، ويكفي ستر عورته في النفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض، وصلاتها في درع وخمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها.
ومن انكشف بعض عورته وفحش..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن من شروط الصلاة لُبس الثياب، وأن هذا التعبير أولى من التعبير بستر العورة؛ لاختلاف الحكم بين ستر العورة وبين لبس الثياب، ولهذا البخاري بوب على ذلك بقوله: باب وجوب الثياب، أو قال: لبس الثياب في الصلاة، ثم استدل بالآية: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
وسبق لنا أن الناس ينقسمون فيما يجب ستره في الصلاة إلى ثلاثة أقسام، ويقال عند الفقهاء: إن العورات ثلاثة أقسام؟
طالب: مغلظة ومخففة وبينهما.
الشيخ: إي نعم، ومتوسطة.
طالب: المغلظة المرأة كلها عورة.
الشيخ: الحرة البالغة، والمخففة؟
الطالب: والمخففة ما بين السرة إلى..
الشيخ: عورة من؟
الطالب: عورة الصبي..
الشيخ: الذكر..
الطالب: إي.
الشيخ: مِن؟
الطالب: من السبعة..
الشيخ: إلى عشرة.
طيب، الفرجان؟
الطالب: والباقي (... ).
الشيخ: أحسنت، يدخل في المتوسط مَن؟
طالب: الرجل.
الشيخ: الرجل من إلى؟
الطالب: من السرة إلى الركبة.
الشيخ: سِنه؟
الطالب: من العاشرة.
الشيخ: نعم، من العاشرة فما فوق، كذا؟ ومَن؟
طالب: من العشر أيضا العبد؟
الشيخ: كلمة رجل يشمل الحر والعبد.
الطالب: الأمة.
الشيخ: الأمة الأنثى الأمة كالرجل ما بين السرة والركبة.
طيب، ومن؟
طالب: المراهقة.
الشيخ: يعني الصغيرة الحرة الصغيرة التي لم تبلغ، صح.
طالب: (... ).
الشيخ: لا.
الطالب: متوسطة.
الشيخ: إي متوسطة، الرجل والأمة والحرة غير البالغة.
طالب: المعتق بعضِها.
الشيخ: المعتق بعضُها.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا ما هي الحرمة.
طالب: أم ولد.
الشيخ: أم الولد، هل تعرف من هي أم الولد؟
الطالب: هي التي تنجب من سيدها، العبدة التي تنجب من سيدها.
الشيخ: الأمة التي تنجب من سيدها، أحسنت.
طيب، هل السرة والركبة داخلتان؟
طالب: على كلام المؤلف الركبة داخلة والسرة خارجة؛ على كلام المؤلف الركبة من العورة والسرة ليست من العورة.
الشيخ: كيف قال؟
الطالب: (من السرة إلى الركبة).
الشيخ: هو يقول كذا؟ (من السرة إلى الركبة).
ويش اللي داخل؟
الطالب: الركبة داخلة والسرة خارجة.
الشيخ: بناءً على أيش؟ فهمت من كلام المؤلف هذا بناء على أيش؟
الطالب: قاعدة لغوية.
الشيخ: ما هي؟ ما القاعدة اللغوية؟
الطالب: من إلى: الابتداء غير داخل والغاية داخلة.
العكس.
طالب آخر: بالعكس؟
الشيخ: على هذه القاعدة ما الذي يكون داخلًا في كلام المؤلف؟ السرة أم الركبة؟
طالب: السرة ابتداء الغاية داخلة، وأما النهاية فلا تدخل.
الشيخ: وهذا أحد الأقوال، والقول الثاني؟
طالب: الدرس هنا (... )..
الشيخ: لا الدرس لأني قلت لكم: ما بين السرة (... ) المؤلف من السرة.
فيه قول ثانٍ: أن السرة والركبة من العورة، وقول ثالث وهو المذهب: ليستا من العورة.
طيب الخلاف في هذا بسيط.
طالب: ما هو العكس (... ).
الشيخ: العكس اللي حصل إن قلنا: الركبة داخلة، والسرة غير داخلة.
الطالب: إي نعم والآن؟
الشيخ: نقول: السرة داخلة والركبة غير داخلة.
طالب: وهذا الصواب؟
الشيخ: هذا على كلام المؤلف، نحن شرحنا على أن عبارة المؤلف ما بين السرة والركبة.
قال المؤلف رحمه الله: (وكل الحرة عورة إلا وجهها).
كلُّ الحرة عورة، يعني في الصلاة إلا وجهها فليس بعورة، وليس هناك دليل واضح على هذه المسألة، ولهذا ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أن الحرة عورة إلا ما يبدو منها في بيتها، وهو الوجه والكفان والقدمان، وقال: إن النساء في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كن في البيوت يلبسن القمص، وليس لكل امرأة ثوبان، ولهذا إذا أصاب دم الحيض ثوبًا غسلته وصلت فيه، فتكون القدمان والكفان غير داخلات في العورة في الصلاة، لا في النظر.
وبناءً على أنه ليس هناك دليل تطمئن إليه النفس في هذه المسألة، فأنا أقلد شيخ الإسلام في هذه المسألة، وأقول: إن هذا هو الظاهر إن لم نجزم به؛ لأن المرأة حتى لو كان لها ثوب يضرب على الأرض، فإنها إذا سجدت سوف يظهر باطن قدمها ولا بد، وعلى كلام المؤلف لا بد أن يكون الثوب ساترًا لباطن القدمين وظاهرهما، وكذلك الكفان، لا يبقى إلا الوجه، والوجه حدُّه كحد الوجه في الوضوء تمامًا، يعني من منحنى الجبهة من فوق إلى أسفل اللحية من أسفل، ومن الأذن إلى الأذن، وعلى هذا فيجب عليها أن تتحفظ بالنسبة لشعر الرأس ألا يخرج؛ بناءً على أنه ما دام متصلًا فله حكم المتصل.
وقد مر علينا في قواعد ابن رجب أظن في القاعدة الثانية: أن المذهب في هذا مختلف، فمنهم من يقول: إن الشعر في حكم المنفصل، ومنهم من يقول: في حكم المتصل.
على كل حال الآن نفهم المذهب تمامًا، فصار المذهب العورة ثلاثة أقسام:
الحرة والبالغة كلها عورة، حتى يداها وقدماها.
وابن سبع إلى عشر الفرجان فقط، يعني الذكر من سبع سنين إلى عشر عورته الفرجان فقط.
وما سوى ذلك ما بين السرة والركبة.
وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية: أن عورة الرجل الفرجان فقط، أن عورة الرجل الفرجان.
وظاهر النقل أنه لا فرق بين الصلاة والنظر، وأن الرواية هذه ثابتة حتى في الصلاة، وأنه يمكن للرجل أن يصلي وهو لم يستر إلا السوءتين فقط، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله أبى ذلك وقال: أما في الصلاة فلا ينبغي أن يكون خلاف في أن الواجب ستر الفخذين، أما في النظر فالنظر شيء آخر، وهذا الذي ذكره هو القول الراجح المتعين.
ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم إذا كانت عليهم أُزُر قصيرة يعقدونها على مناكبهم حتى لا تنزل، وهذا يدل على أنهم يرون أن الصلاة لا بد فيها من ستر ما بين السرة والركبة، حتى وإن قلنا: إن الفخذ ليس بعورة.
وقال شيخ الإسلام: لا ينبغي أن يكون في هذا خلاف؛ في مسألة الصلاة.
وما قاله رحمه الله فهو صحيح، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (6)، وقال: «لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (7).
فالصلاة ليست مبنية لا طردًا ولا عكسًا على مسألة النظر، ولذلك تجد أن الرجل لو خلا بامرأته جاز أن ينظر إلى جميع بدنها، وأن تنظر إلى جميع بدنه، أليس كذلك؟ لكن لو صلت بحضرته فقط يجب عليها الستر، وكذلك لو صلى هو أيضًا يجب عليه الستر.
فالستر في الصلاة ليس مبنيًّا على العورة في النظر.
وبناءً على ذلك فنقول: الفخِذان في الصلاة لا بد من سترهما؛ لأن هذا أدنى ما يقال: إنه زينة، والله يقول: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ [الأعراف: 31].
وأما في النظر، فالنظر ما كان محاذيًا للسوءتين، فله حكمهما، يعني أعلى الفخذ العالي مرة له حكمهما، وأما ما فوق ذلك ما فوق السوءتين، وما دون ما يحاذيهما من الفخذ، فإن الذي يظهر من النصوص أنها ليست بعورة من حيث النظر؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان قد حسر عن فخذه (8)، وهو عليه الصلاة والسلام أشد الناس حياءً، لكن بالنسبة للشباب أرى أنه لا بد أن يستر الشاب فخذه كله وما دون السرة، لماذا؟
خوفًا من الفتنة، ولا تقل: إنه لا فتنة لأن الإنسان لن يفتتن بذكر مثله، نقول: إن هذا القول ليس بصواب، خلاف الواقع، فإن من الناس من يَفتتن بالشاب، ولو كان ذكرًا، ومن الناس من لا يهتم به، وكأنما ينظر إلى أحد من أولاده، لا يمكن أن يتمتع بالنظر إليه ولا يهتم به إطلاقًا، ومن الناس من حكى الله عنهم أنهم يأتون الرجال شهوةً ويدَعون ما خلق الله لهم من أزواجهم، يترك امرأته ولو كانت من أجمل النساء ليذهب إلى محل القذر والأذى -والعياذ بالله- فيأتي الرجل منه.
على كل حال أنا أرى أنه يجب أن يُستر بالنسبة للشباب ما بين السرة والركبة ولا بد، وإن قلنا: إنه ليس بعورة، لكن لخوف الفتنة، حتى إن بعض العلماء وأظن منهم النووي وشيخ الإسلام شروط، يقول: يجب على الشاب أن يحتجب كما تحتجب المرأة، وهذا على كل حال فيه تشتيت، لكن شيخ الإسلام يقول: يحرم النظر إليه إذا تمتع الإنسان بالنظر إليه أو تلذذ، إذا تمتع أو تلذذ فإنه يحرم عليه النظر؛ لأن هذا شر، وكم نظرة كما قال الإمام أحمد، كم نظرة أوقعت في قلب صاحبها البلابل.
يعني الأمور اللي تبلبله وتبهدله، وهذا صحيح.
طيب إذن لنا نظران بالنسبة للعورة:
النظر الأول: عورة الصلاة إن صح أن نسميها عورة.
النظر الثاني: عورة النظر، ما هو المقصود منها؟
المقصود منها: سد ذرائع الفتنة، هذا المقصود، سد ذرائع الفتنة.
ولهذا يجب أن يُستر ما لا يجب ستره في الصلاة؛ كالوجه مثلًا، على القول الراجح من أقوال أهل العلم، وممن اختار وجوب ستر الوجه شيخ الإسلام ابن تيمية، وكذلك يرى وجوب ستر القدمين والكفين بالنسبة للنظر؛ بناءً على أن العلة الافتتان، وأنه إنما وجب الستر درءًا لهذه الفتنة.
أما بالنسبة للصلاة فالمقصود أخذ الزينة، وأن يكون على الإنسان ثياب، وهذا يختلف.
يقول المؤلف رحمه الله: (وتُستحب صلاتُه في ثوبينِ).
طالب: (... ).
الشيخ: ما يخالف، يجوز الوجهان؟ لأن صلاة مؤنث مجازي ولّا حقيقي؟
طالب: مجازي.
الشيخ: مجازي، وابن مالك يقول في التاء:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ
مُتَّصِل ٍأَوْ مُفْهِمٍ ذَاتَ حِرِ
أي: ذات فرج.
يعني: ما تلزم التاء إلا في الضمير، نعم، أو في المؤنث الحقيقي.
(تستحب صلاته في ثوبين)، يعني ينبغي للإنسان أن يصلي في ثوبين؛ لأنهما أستر، ومن الثوبين: الإزار والرداء.
والثوب الواحد إما أن يكون رداءً سابغًا يلتحف به، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صلى في ثوب واحد ملتحفًا به (9)، وإما أن يكون إزارًا، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى به، كما قال ذلك جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
فعلى كل حال نقول: الثوب الواحد مجزئ، سواءً كان ثوبًا سابغًا يلتحف به جميع بدنه أو كان إزارًا، وقد مر علينا أن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما صلى في إزار ورداؤه على المشجب، فذكّره رجل بذلك، فقال: فعلت هذا ليراه أحمقُ مِثْلُك.
أحمق يعني: جاهل، ما هو بالأحمق سيئ التصرف؛ لأن الأحمق هو الذي يرتكب الخطأ عن عمد، هذا الأحمق، والجاهل الذي يرتكبه عن جهل وعدم عمد.
المهم مراد جابر رضي الله عنه بالأحمق مُراده: الجاهل؛ لأنه ورد في لفظ آخر: ليراه الجاهلون.
على كل حال كان رداؤه على المشجب، وكان قادرًا على أن يصلي بالرداء مع الإزار، والمشجب ما هو؟
طالب: (... ) يعلق عليه.
الشيخ: المشجب: القنارة.
طلبة: (... ).
الشيخ: حتى القنارة ما تُعرف! ما هو هذا حد لفظي؟ ثلاثة أعواد تُقرَن رؤوسها، ويفتح ما بينها وتثبُت على الأرض.
طلبة: (... ).
الشيخ: يستعملون هادول اللي يقيسون الأرض أظن.
طلبة: (... ) الميزان.
الشيخ: حق الميزان، إي نعم.
المهم على كل حال أنه قد ثبت جواز الاقتصار على ثوب واحد، لكن الأفضل في ثوبين؛ لأنه أقرب إلى الستر وأحوط.
طالب: الفرق يا شيخ بين نظرة التلذذ والشهوة؟
الشيخ: التمتع يعني، التلذذ والشهوة واحد، التمتع غير يعني ينظر إليه ما هو قصده شهوة النكاح، لكن يتمتع، يعجبه ويسره، يتمتع بالنظر إليه.
الطالب: ممكن (... ).
الشيخ: لا.
الطالب: الإنسان إذا نظر للوجه الجميل ما يبغى ينظر للوجه القبيح؟
الشيخ: لا والله مو هو على كل حال، الإنسان اللي ما يلتفت للأمور ما يهمه، لكن لاحظ اللي بيتمتع يكون كالذي يأكل التفاح (... ) ينظر، نعم، فرق بين الإنسان يقول: والله أنا إذا شفت الوجه الجميل يعني ما أخشى منه، مثلًا ما أقشعر منه وما أشبه ذلك، لكن ما يتمتع بالنظر إليه، التمتع أنه يبقى ينظر إليه يتمتع بهذا الشيء، نقول: اصبر إلى أن تزوج إن كنت ما تزوجت وتمتع بالنظر إلى زوجتك.
طالب: المقصود الخشية يعني على النفس؟
الشيخ: إي الخشية على النفس، وأيضًا هذا ما يحل لك أنك تتمتع إليه، ما هو بمحل استمتاع لك، ما هو محل استمتاع، لكن بعض الصوفية يقول: أنا ما أنظر إليه علشانه، لكن أنظر إليه وأقول: سبحان الذي خلق هذا الوجه، ما ينظر للثاني القبيح ويقول: سبحان الذي خلق هذا الوجه.
طالب: شيخ (... ).
الشيخ: هذا بناء على المشهور من المذهب؛ لأن النساء الآن لا يُفْتَيْن إلا بالمشهور من المذهب، فلهذا لابد من ثوب يستر واسع كبير وينزل عشان عند السجود تتغطى قدماها.
طالب: الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله قال: إن السجود على شيء غير متصل بالبدن مكروه.
الشيخ: لا.
الطالب: المتصل بال (... ) مكروه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: بعض النساء يعني واضح أن شعر المرأة عورة.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو (... ) أحيانًا بعض النساء يعني يتحرزن والخمار ينزل لمنتصف الجبهة تسجد عليه.
الشيخ: والله على كل حال يسمح لها بالشيء الذي لا بد منه بس.
الطالب: يعني تطيل بقدر أن..
الشيخ: بقدر ما أنه يحصل تمام الستر.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، مر علينا في المذهب أن العورة ثلاثة أقسام: مخففة، ومتوسطة، ومغلظة، ما أدري ما هو الدليل على هذا التقسيم، وهل هو مُسلّم؟
الشيخ: (... ) إن هذه مسائل ما فيها دليل واضح، ما فيها دليل واضح أبدًا.
الطالب: (... ).
الشيخ: الشيء اللي ما عندنا فيه دليل يعني نقلدهم فيه، ما عندنا ويش نسوي مثل العامة إحنا في هذه المسالك.
طالب: شيخ، نفتي على حسب المذهب.
الشيخ: نفتي الأحوط ما دام الأمر في الإمكان، لكن لو جاءت تسألنا عنه بعد أن فعلته ما نقدر نقول: لا والله صلاتك بطلت لازم تعيدينها مثلًا أو الرجل نقول: صلاتك بطلت لازم تعيدها.
طالب: شيخ، ثبت في صحيح مسلم أن جابرًا رضي الله عنه كان يصلي ومعه شيء مثل المشجب حتى كانت ضيقة قليلًا (10)، وكان يلبسها يعني ما كان تارك، إذن يعني ما نقول: إنه افترش اللي أيش اسمه هذا، صلى بدون شيء.
الشيخ: لا هذي قضية ثانية.
الطالب: نفسها يا شيخ (... ) وهو على المشجب فقال في نفس الرواية: هل يراني أحمق.
الشيخ: هذه القضية الثانية.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويكفي ستر عورته في نفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض، وصلاتها في درع وخمار وملحفة، ويجزئ ستر عورتها، ومن انكشف بعض عورته وفحش، أو صلى في ثوب محرم عليه أو نجس، أعاد، لا من حُبس في محل نجس، ومن وجد كفاية عورته سترها، وإلا فالفرجين، فإن لم يكفهما فالدبر.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا بيان العورات وأقسامها، وأنه يُستحب أن يصلي في ثوبين؛ كالإزار والرداء والقميص والسروال، وما أشبهها؛ كما قال المؤلف: (تستحب صلاته في ثوبين).
وعُلم من قول المؤلف: (تستحب صلاته في ثوبين) أنه يجزئ الثوب الواحد، وهو كذلك؛ لأنه ثبت عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال في الثوب الواحد: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ» (11). وثبت عنه صلى الله عليه وسلم من فعله نفسه أنه «صلى في ثوب واحد ملتحفًا به» (9)، ولكن الأفضل الثوبان؛ لأنهما أبلغ في الستر، ولأنه صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا.
ثم ذكر صلى رجل في قميص ورداء، في قميص وإزار (12)، وذكر أشياء.
فدل هذا على أنه إذا كان في الإنسان سعة فالثوبان أحوط.
ويؤيد ما ذهب إليه عمر رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: أيصلي أحدنا في الثوب الواحد؟ فقال: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ » (13)، وهذا يدل على أن الثوب الواحد مجزئ، لكن إذا أوسع الله علينا فلنوسع؛ لأن قوله: «أَوَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ؟ » يدل على أنه ليس كل أحد من الناس له ثوبان، بل أكثر الناس في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم لهم على ثوب واحد.
وظاهر كلام المؤلف أن ستر الرأس ليس بسنة؛ لأنه قال: صل في ثوبين؛ إزار ورداء، قميص ورداء، وما أشبه ذلك، فظاهره أنه لا يُشرَع ستر الرأس.
وقد سبق لنا من حديث ابن عمر أنه قال لمولاه نافع: أتخرج إلى الناس حاسر الرأس؟ قال: لا.
قال: فالله عز وجل أحق أن يُستحيا منه (14). أو كلمةً هذا معناها.
وهو يدل على أن الأفضل ستر الرأس، ولكن إذا قسنا هذه المسألة، أو إذا طبقنا هذه المسألة على قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31] تبين لنا أن ستر الرأس أفضل في قوم يُعتبر ستر الرأس عندهم من أخذ الزينة، أما إذا كنا في قوم لا يعتبر ذلك من أخذ الزينة، فإنه لا يمكن أن نقول: إن ستره أفضل، ولا إن كشفه أفضل، لكن إذا كنا في قوم يفعلون ذلك فإن الأفضل ستر الرأس.
وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي في العمامة (15). والعمامة ساترة للرأس.
قال: (ويكفي ستر عورته في النفل)، يكفي ستر عورته أي: عورة الرجل في النفل، وهي ما بين السرة والركبة، إلا ابن سبع إلى عشر فهي أيش؟ الفرجان؛ القبل والدبر، فيكفي ستر العورة، وأما الزيادة فهو سنة.
قال: (في النفل)، يعني دون الفرض؛ لأن الفرض يحتاج إلى زيادة أخرى، يحتاج إلى زيادة في ستر العورة.
النفل كلُّ ما عدا الفرض، ثم إن الفرائض الصلوات الفريضة نوعان؛ صلاة مقيدة بوقت، وصلاة مقيدة بسبب.
الصلاة المقيدة بوقت مثل الصلوات الخمس.
طالب: الرواتب.
الشيخ: الرواتب فريضة ولّا نافلة؟ الرواتب فريضة؟ نافلة، أنت تتكلم الآن عن الفريضة.
الصلوات الخمس والجمعة، كذا؟ ويمكن نقول: صلاة العيدين، على القول بأنها فرض.
وصلاة موقتة أو مقيدة بسبب: كصلاة الجنازة؛ فإن صلاة الجنازة ليس لها وقت، لكنها مقيدة بسبب، وهي فرض، لكنها فرض كفاية كما هو معروف.
المهم أن صلاة النافلة يكفي فيها ستر العورة، أما الفريضة فقال المؤلف: (ومع أحد عاتقيه في الفرض).
العاتق: هو موضع الرداء من الرقبة، الرداء تحطه هكذا يكون الرداء موضعه بين الكتف والعُنق، هذا العاتق، ففي الفريضة لا بد أن تضيف إلى ستر العورة ستر أحد العاتقين الأيمن أو الأيسر، هذا في الفريضة، طيب الدليل؟