الشيخ: تعزية أقارب الميت فرض كفاية؟
طالب: سنة.
الشيخ: سنة؟ تعزية أقارب الميت سنة؟ وأين أنت، ما أنت معنا؟
طالب: يُسَنُّ تعزية المصاب بالميت، وليس كل أقاربه، فقد يكون من أقاربه..
الشيخ: الحكم معلَّق بالمصاب، كذا؟ إذن تعزية المصاب، سواء من الأقارب أو من غير الأقارب، لا مَن لم يُصَب ولو كان من الأقارب.
كيف يُعَزَّى المصاب؟
طالب: أحسن الله إليك، أحسن ما يُعَزَّى به ما عزى به النبي صلى الله عليه وسلم حينما أرسل له إحدى بناته، وكان عندها ابن في النزع، فقال للرسول: «مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ، فَإِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى».
الشيخ: تمام، أحسن صيغة للتعزية ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ» (18)، وهل يُجْتَمَع لها ويُتَلَقَّى الوفود من كل جانب؟
طالب: ما بحثناه.
الشيخ: نعم، ما بحثناه.
طالب: بحثناه.
الشيخ: يلّا، اللي يقول: بحثناه، يأتي بما بحثنا.
طالب: الصحابة يعدونها من النياحة، ومن البدع.
الشيخ: كانوا يعدون صُنْعَ الطعام والاجتماع عليه من النياحة، وصرح بعض العلماء بأنها بدعة، هذا إذا خلت مما يخالطها من فعل بعض الناس؛ اجتماع رجال ونساء، وصياح وعويل، وقارئ يقرأ، وما أشبه ذلك، حتى إنك تمر بالدار وكأنها دار عرس، فهذا لا شك أنه مُنْكَر، وأنه يجب على طلبة العلم أن يُنَبِّهُوا العامة عليه حتى يتركوه.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويحرم الندب).
طالب: هل يجوز البكاء؟
الشيخ: ويجوز البكاء على الميت؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكى على ابنه إبراهيم، وقال: «الْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا -أَوْ قَالَ: الرَّبَّ- وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ» (19)، وبكى عند قبر إحدى بناته وهي تُدْفَن.
ولكن هذا في البكاء الذي تمليه الطبيعة، ولا يتكلفه الإنسان، فأما الدعاء المتكلَّف فأخشى أن يكون من النياحة التي يُحْمَل عليها قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» (20)، «إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ» يعني في قبره، «بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ»، فإن هذا الحديث صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد اختلف العلماء في تخريج هذا الحديث، وقالوا: كيف يُعَذَّبُ الإنسان على عمل غيره، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]، ولأن تعذيب الإنسان بعمل غيره ظلم له؛ فإنه عقوبة لغير الظالم بفعل الظالم، وهذا ينافي عدل الله وحكمة الله عز وجل، فكيف يكون هذا الأمر؟
وأجيب بأجوبة، منها: أن هذا في حق مَن أوصى به، أي قال لأهله: إذا مِتُّ فابكوني.
وقيل: هذا في حق مَن كانت عادتهم، أي من كان في قوم عادتهم البكاء ولم ينهَ أهله عنه، فيكون كأنه أَقَرَّهُم على ما اعتاده الناس من هذا الأمر.
وقيل: إن هذا في الكافر يعذَّب ببكاء أهله عليه.
وقيل: إن التعذيب ليس تعذيب عقوبة، ولكنه تعذيب ألم، تعذيب مَلَلٍ وشبهه، ولا يلزم من التعذيب الذي من هذا النوع أن يكون عقوبة، ويشهد لذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ» (21)، مع أن المسافر لا يعاقَب، لكنه يهتم للشيء ويتألم به، فهكذا الميت يعلم ببكاء أهله عليه فيتألم ويتعذب رحمةً بهم، وكونهم يبكون عليه، وليس هذا من باب العقوبة.
وهذا الجواب هو أحسن الأجوبة؛ أن يقال: إن العذاب لا يلزم منه العقوبة، ولا يراد به العقوبة، ويؤتى بالشاهد أن السفر قطعة من العذاب، ولكن هذا في غير البكاء الذي تمليه الطبيعة، ويحصل للإنسان بدون اختيار، فإن مثل هذا لا يؤلم أحدًا؛ لأنه مما جرت به العادة، حتى الإنسان لا يتألم إذا رأى المصاب يبكي هذا البكاء المعتاد، وإنما يتألم إذا بكى بكاء متكلَّفًا أو زائدًا عن العادة، فإنه يتألم ويرحم هذا الباكي.
إذن البكاء على الميت حكمه الجواز إذا كان مما أملته الطبيعة لا متكلَّفًا، فإن كان متكلَّفًا فإني أخشى أن يكون من النياحة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم الندب).
بقينا قبل أن نتجاوز البكاء، هل يجوز للمصاب أن يُحِدَّ على الميت بأن يترك تجارته، أو يترك ثياب الزينة، أو يترك الخروج للنزهة، أو ما أشبه ذلك؟
والجواب: أن هذا جائز في حدود ثلاثة أيام فأقل، إلا على الزوجة، فإنه يجب عليها أن تُحِدَّ مدة العدة؛ أربعة أشهر وعشرة أيام، إن لم تكن حاملًا، وإلى وضع الحمل إن كانت حاملًا.
وإنما جاز هذا الإحداد لغير الزوجة لإعطاء النفوس بعض الشيء مما يُهَوِّن عليها المصيبة؛ لأن الإنسان إذا أصيب ثم كُبِتَ بأن قيل: اخرج وامشِ على ما أنت عليه، فإنه ربما تبقى المصيبة في قلبه.
ولهذا يقال: إن من جملة الأدب والتربية بالنسبة للصبيان أنه إذا أراد أن يصيح خَلُّوه يصيح أحسن، من أجل أن يرتاح؛ لأنه يُخْرِج ما في قلبه، وهو وإن صاح مدة قصيرة ثم سكت بنفسه فإنه يذهب ما في نفسه، لكن لو سَكَّتَّه أنت صار عنده كَبْتٌ وانكماش نفسي.
فكذلك رَخَّصَ الشرع للإنسان أن يُحِدَّ دون الثلاث، أما ما زاد على الثلاث فلا يجوز إلا لذات الزوج.
لكن هل يجوز أن يُحِدَّ في أمر يلحقه به ضرر، أو يلحق عائلته به ضرر، مثل أن يكون رجلًا مُتَّجِرًا، ولو عطَّل التجارة لتضررت كفايته؟ نقول: لا، هذا ليس مباحًا، فهو إما مكروه وإما مُحَرَّم.
يقول: (ويحرُم الندب، والنياحة، وشق الثوب، ولطم الخد، ونحوه)، (يحرم الندب)، الندب هو تعداد محاسن الميت، لكن بحرف النُّدْبَة وهي: وا، فيقول: وا سيداه، وا مَن يأتي لنا بالطعام والشراب، وا مَن يخرج بنا للنزهة، وا من يفعل كذا وكذا، هذا الندب، وإنما سُمِّيَ ندبًا كأن هذا المصاب نَدَبَهُ ليحضر، بحرف موضوع للندبة، وهي وا، كما قال ابن مالك في الألفية:
.......... وَوَا لِمَنْ نُدِبْ
..................................
وأما النياحة فهي أن يبكي ويندب برنة تشبه نياحة الحمام؛ لأن هذا يُشْعِرُ بأن هذا الرجل أو هذا المصاب مُتَسَخِّط من قضاء الله وقدره، فلهذا ورد الوعيد الشديد على مَن فَعَلَ ذلك، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (22)، نسأل الله العافية.
وإنما خص النائحة؛ لأن النياحة غالبًا في النساء لضعفهن، وإلا فالرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت.
وكذلك يحرم شق الثوب، كما يجري من بعض المصابين يشقون ثيابهم، إما من أسفل، وإما من فوق، وكان من المعتاد عند بعض الناس أنه يشق جيبه هكذا، إشارة إلى أنه عجز عن تحمل الصبر على هذه المصيبة.
كذلك لطم الخد، كيف لطم الخد؟ يعني أن تلطم خد المصاب؟
طالب: خد نفسك.
الشيخ: لا، أن تلطم خد نفسك؛ لأن بعض المصابين من شدة إصابته يأخذ يلطم نفسه يضرب بخده الأيمن ثم الأيسر، ثم الأيمن ثم الأيسر، كأنما يصنع خُبْزَهُ، هذا حرام ولا يجوز، وكذلك أيضًا لو لطم غير الخد، بأن لطم الرأس، أو ضرب برأسه الجدار، وما أشبه ذلك، فكل هذا من المحرَّم.
ومن ذلك أيضًا يقول المؤلف: (ونحوه)، مثل نتف الشعر، يأخذ بشعر رأسه وينتفه؛ لأن هذا كله يدل على تَسَخُّطِهِ من هذا، وقد تَبَرَّأَ النبي صلى الله عليه وسلم من أمثال هؤلاء.
ويَحْرُمُ الندْبُ والنياحةُ وشَقُّ الثوبِ ولَطْمُ الْخَدِّ ونحوُه.
لكن هل يجوز أن يُحِدَّ في أمر يلحقه به ضرر، أو يلحق عائلته به ضرر، مثل أن يكون رجلًا مُتَّجِرًا، ولو عطَّل التجارة لتضررت كفايته؟ نقول: لا، هذا ليس مباحًا، فهو إما مكروه وإما مُحَرَّم.
يقول: (ويحرُم الندب، والنياحة، وشق الثوب، ولطم الخد، ونحوه)، (يحرم الندب)، الندب هو تعداد محاسن الميت، لكن بحرف النُّدْبَة وهي: وا، فيقول: وا سيداه، وا مَن يأتي لنا بالطعام والشراب، وا مَن يخرج بنا للنزهة، وا من يفعل كذا وكذا، هذا الندب، وإنما سُمِّيَ ندبًا كأن هذا المصاب نَدَبَهُ ليحضر، بحرف موضوع للندبة، وهي وا، كما قال ابن مالك في الألفية:
.......... وَوَا لِمَنْ نُدِبْ
..................................
وأما النياحة فهي أن يبكي ويندب برنة تشبه نياحة الحمام؛ لأن هذا يُشْعِرُ بأن هذا الرجل أو هذا المصاب مُتَسَخِّط من قضاء الله وقدره، فلهذا ورد الوعيد الشديد على مَن فَعَلَ ذلك، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» (1)، نسأل الله العافية.
وإنما خص النائحة؛ لأن النياحة غالبًا في النساء لضعفهن، وإلا فالرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت.
وكذلك يحرم شق الثوب، كما يجري من بعض المصابين يشقون ثيابهم، إما من أسفل، وإما من فوق، وكان من المعتاد عند بعض الناس أنه يشق جيبه هكذا، إشارة إلى أنه عجز عن تحمل الصبر على هذه المصيبة.
كذلك لطم الخد، كيف لطم الخد؟ يعني أن تلطم خد المصاب؟
طالب: خد نفسك.
الشيخ: لا، أن تلطم خد نفسك؛ لأن بعض المصابين من شدة إصابته يأخذ يلطم نفسه يضرب بخده الأيمن ثم الأيسر، ثم الأيمن ثم الأيسر، كأنما يصنع خُبْزَهُ، هذا حرام ولا يجوز، وكذلك أيضًا لو لطم غير الخد، بأن لطم الرأس، أو ضرب برأسه الجدار، وما أشبه ذلك، فكل هذا من المحرَّم.
ومن ذلك أيضًا يقول المؤلف: (ونحوه)، مثل نتف الشعر، يأخذ بشعر رأسه وينتفه؛ لأن هذا كله يدل على تَسَخُّطِهِ من هذا، وقد تَبَرَّأَ النبي صلى الله عليه وسلم من أمثال هؤلاء، فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» (2)، مثل أن يقول: يا ويلاه، يا ثبوراه! ! وما أشبهه؛ لأنه ينبئ عن التسخط، وليعلم أن الناس إزاء المصيبة على درجات: الشاكر، والراضي، والصابر، والجازع، أربع درجات، الشاكر؟
طلبة: والراضي.
الشيخ: والراضي، والصابر، والجازع.
أما الجازع فقد فعل محرَّمًا، وتسَخَّط من قضاء رب العالمين الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، وله الملك يفعل ما يشاء.
وأما الصابر فقد قام بالواجب، والصابر هو الذي يتحمل المصيبة، يعني يرى أنها مُرَّة وشاقة وصعبة، ويكره وقوعها، ولكنه يتحمل ويحبس نَفْسَه عن الشيء المحرَّم، وهذا واجب، الصبر واجب.
وأما الراضي فهو الذي لا يهتم بهذه المصيبة، يرى أنها من عند الله فيرضى رضا تامًّا، ولا يكون في قلبه تحسُّر أو ندم عليها؛ لأنه راضٍ رضًا تامًّا، وحاله أعلى من حال الصابر، ولهذا كان الرضا مستحبًّا وليس بواجب.
الرابعة؟
طلبة: الشاكر.
الشيخ: مقام الشكر أن يشكر الله على هذه المصيبة، ولكن كيف يشكر الله على هذه المصيبة، وهي مصيبة، يشكر الله على هذه المصيبة من وجهين:
الوجه الأول: أن ينظر إلى مَن أصيب بما هو أعظم، فيشكر الله أن لم يُصَبْ بمثله، وعلى هذا جاء الحديث: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، وَانْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ» (3).
فلو أن قومًا في سيارة أصيبوا بحادث فمات واحد منهم، وتكسَّر آخر، وانجرح ثالث، وسلِم الرابع، الثالث يشكر الله أن لم يتكسَّر، والمتكسِّر يشكر الله أن لم يَمُت، فيُقَدِّر المصيبة بما هو أعظم منها، وحينئذ يشكر الله عليها، هذا وجه.
الوجه الثاني: أن ينظر ما الذي حصل له بهذه المصيبة من تكفير السيئات، ورفعة الدرجات إذا صبر، فيقول: ما في الآخرة خير مما في الدنيا، فيشكر الله ويقول: أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، الأمثل فالأمثل، فيقول: هذا أرجو أن أكون به صالحًا، أشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة.
ويُذْكَر أن رابعة العدوية أُصِيبَت في أصبعها ولم تُحَرِّك شيئًا، لم تحرِّك ساكنًا، فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرِها أَنْسَتْنِي مرارة صبرها.
شوف التقدير، المقابَلة، فمقام الناس عند المصائب على هذه الوجوه الأربعة، ثم؟
طالب: (... ).
الشيخ: حكم أيش؟
الطالب: الشكر.
الشيخ: الشكر على المصيبة مستحب؛ لأنه فوق الرضا؛ لأن الشاكر راضٍ وزيادة.
انتهى الكلام على الصلاة، ونبدأ الآن في كتاب الزكاة، والعلماء رحمهم الله يُتَرْجِمُون بكتاب في الأجناس، وبالباب في الأنواع، وبالفصول في المسائل.
ومعلوم أن الزكاة جنس غير الصلاة، في الصلاة يقول: باب الاستسقاء، باب الكسوف، باب التطوع، وهكذا، هذه أنواع، في الفصول يذكر مثلًا: باب صلاة التطوع، يذكر الوتر، وإذا انتهى منه قال: فصل: وتُسَنُّ الرواتب، وهكذا، فالفصول للمسائل، والأبواب؟ للأنواع، والكتب للأجناس، هذا هو الأصل، وقد يختلف الحال.
﴿كتاب الزكاة﴾ تَجِبُ بشروطٍ خمسةٍ؛ حُرِّيَّةٌ، وإسلامٌ، ومِلْكُ نِصابٍ، واستقرارُه، ومُضِيُّ الحولِ في غيرِ الْمُعَشَّرِ، إلا نِتاجَ السائمةِ، ورِبْحَ التجارةِ ولو لم يَبلُغْ نِصابًا، فإنَّ حَوْلَهما حَوْلُ أصلِهما إن كان نِصابًا، وإلا فمِن كَمالِه، ومَن كان له دَيْنٌ أو حَقٌّ من صَداقٍ وغيرِه على مَلْئٍ أو غيرِه أَدَّى زَكاتَه إذا قَبَضَه لِمَا مَضَى،
مدخل
الشيخ: انتهى الكلام على الصلاة، ونبدأ الآن بكتاب الزكاة.
طالب: يقول فيه: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ» (1).
الشيخ: نعم، والعلماء -رحمهم الله- يترجمون بـ (بكتاب) في الأجناس، وبـ (الباب) في الأنواع، وبـ (الفصول) في المسائل.
ومعلوم أن الزكاة جنس غير الصلاة، في الصلاة يقول: باب الاستسقاء، باب الكسوف، باب التطوع، وهكذا، هذه أنواع.
في الفصول يذكر مثلًا باب صلاة التطوع، يذكر الوتر، وإذا انتهى منه، قال: فصلٌ: وتسن الرواتب، وهكذا، فالفصول للمسائل، والأبواب للأنواع، والكتب؟
الطلبة: للأجناس.
الشيخ: للأجناس، هذا هو الأصل، وقد يختلف الحال.
ثم قال المؤلف: (كتاب الزكاة) كتاب الزكاة عبر عنه، أو ترجم له بـ (كتاب)؛ لأنه جنس مستقل، والزكاة -كما لا يخفى علينا جميعًا- أهم أركان الإسلام بعد الصلاة، والله سبحانه وتعالى يقرنها كثيرًا بالصلاة في كتابه، وقد ثبت عن الإمام أحمد رحمه الله في إحدى الروايات عنه أن تاركها بخلًا يكفر كتارك الصلاة.
ولكن الصحيح أن تاركها لا يكفر، والذين كفَّروا تاركها، أو كفَّروا مانعها بخلًا، قالوا: إن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]، فرتب ثبوت الأخوة على هذه الأوصاف الثلاثة: إن تابوا من الشرك، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ولا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا إذا خرج الإنسان من الدين، أما إذا فعل الكبائر فهو أخ لنا، وإن فعل الكبيرة، فها هو القاتل عمدًا قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178] ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ مَنْ أخوه؟ الطلبة: (... ). الشيخ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ أخوه المقتول، والضمير يعود على القاتل، فجعل الله المقتول أخًا للقاتل.
وقال الله تعالى في المقتتلين من المؤمنين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] مع أن قتل المؤمن وقتاله من كبائر الذنوب، فلا يمكن أن تنتفي الأخوة في الدين إلا بكفر، فقال هؤلاء العلماء: إن الله تعالى رتَّب الأخوة في الدين على هذه الأوصاف الثلاثة، إن تابوا؛ يعني من الشرك، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين، ولا شك أن هذا القول له وجه جيد في الاستدلال بهذه الآية، لكن هذه الآية دل حديث أبي هريرة الثابت في صحيح مسلم على أن الزكاة ليس حكمها حكم الصلاة؛ حيث ذكر النبي عليه الصلاة والسلام مانع زكاة الذهب والفضة، وذكر عقوبته، ثم قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ؛ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (2) فقال: «يَرَى سَبِيلَهُ؛ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»، ولو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة.
فإن قال قائل: إذا قلتم هكذا وأدخلتم التخصيص على الآية -آية التوبة- فلماذا لا تقولون ذلك في تارك الصلاة؟ لأن الحكم واحد ﴿إِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11]؟
فالجواب عن ذلك أن تارك الصلاة وردت فيه نصوص تدل على كفره؛ فمن أجل ذلك حكمنا بالكفر؛ لأن هذه النصوص الواردة في كفر تارك الصلاة نصوص قائمة، وليس لها معارض مقاوم، كل ما قيل في المعارضات فإنها لا تقاومها لا صحة لا دلالة، يعني لا ثبوتًا ولا دلالة، وغاية ما يعارِضون به النصوص الدالة على كُفر تارك الصلاة؛ إما إجمال أو عموم أو شيء مقيد بحالة مخصوصة، أما أن يوجد دليل يقول: من ترك الصلاة فهو مؤمن، أو من ترك الصلاة فله الجنة، أو من لم يصلِّ فهو مؤمن، أو من لم يُصلِّ فهو في الجنة فهذا لا يوجد أبدًا، فإذا كان كذلك، فلماذا نحمل النصوص الدالة على كُفْر تارك الصلاة على الكفر الأصغر مع أنه لا دليل على هذا الحمل؟ أما لو جاءت الأدلة تقول: من لم يُصلِّ فهو مؤمن، أو من لم يصلِّ فهو في الجنة لقلنا: يجب أن نحمل النصوص المطلقة للكفر على تارك الصلاة على أيش؟ الطلبة: (... ). الشيخ: على الكفر الأصغر، لكن ما فيه دليل أبدًا، الأدلة قسمناها إلى خمسة أقسام؛ إما أنه لا دليل فيها أصلًا، مثل استدلال بعضهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]؛ لأننا نقول: إن ترك الصلاة شرك، كما في حديث جابر في مسلم: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (3). وإما أنها عامة، ومعلوم أن العام يخصص بالخاص، هذه طريقة أهل العلم، مثل: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (4)، هذا عام يُخصَّص بتارك الصلاة، ويُخصَّص أيضًا بجاحد بعض الأشياء، الجاحد لو جحد آية من القرآن كفر وهو يقول: لا إله إلا الله.
أو أنها مقيدة بوصف لا يمكن معه ترك الصلاة مثل حديث عتبان: «يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» (5)، وهل من المعقول أن رجلًا يقول: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله أن يحافظ على ترك الصلاة؟ أبدًا، لو كان صادقًا في ابتغاء وجه الله ما حافظ على ترك الصلاة، يقول: لا إله إلا الله، أبتغي بذلك وجه الله، ولا أصلي، هذا ما هو معقول؟ !
أو يكون مقيدًا بحال يُعذر فيها كحديث حذيفة في قوم اندرس الإسلام فيهم، ولم يعرفوا عن الإسلام شيئًا إلا قول: لا إله إلا الله، فهؤلاء لا شك أنهم ما داموا ينتمون للإسلام، ولكن لم يعرفوا من الإسلام إلا هذه الكلمة العظيمة فهم معذورون ومستحقون لدخول الجنة؛ لأن هذا غاية ما يمكنهم، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
وأما حديث الشفاعة في «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ» (6)، فإن من العجب أن يستدل به هؤلاء على أن تارك الصلاة لا يكفر، وهم لا يستدلون به على أن تارك كلمة التوحيد لا يكفر، أعظم الخير، وأخير الخير قول: لا إله إلا الله، وهم لا يقولون بأن من ترك (لا إله إلا الله) يخرج من النار.
فنقول: إذا أخذتم بعموم هذا الحديث فخذوا به في حق أنفسكم وفي حق غيركم، قولوا: لم يعمل خيرًا قط، ومن الخير قول: لا إله إلا الله، أخرِجوا من لم يقل لا إله إلا الله من النار على كلامكم، فإذا كان عندنا دليل يدل على كفر تارك الصلاة، فنقول: هذا كافر أصلًا، والكافر لا تنفعه شفاعة الشافعين، سواء عمل خيرًا أم لم يعمل خيرًا.
والمسألة واضحة جدًّا، ولكن كما قلت وأكرر -وأسأل الله أن يعينني أيضًا على تنفيذ ما أقول- أن الإنسان يستدل قبل أن يغتر، يعني بعض العلماء تعاظم أن نقول لرجل يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن الله رب العالمين، وهو الواحد، ولا أشرك به شيئًا، وبيده ملكوت السماوات والأرض، ولكن لا أصلي، تعاظم أن نقول لهذا: إنه كافر، وما لنا لا نقول: كافر، وقد كفره الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ! أرحم الخلق بالخلق رسول الله، وقال: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (7)، وقال: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (8)، ثم كلام رب العالمين: ﴿إِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 11].
نحن لا نحكم على أحد لا بإيمان ولا بكفر، ولا بفجور، ولا ببر، ولا على عمل أنه حلال أو حرام أو واجب إلا بكتاب الله وسنة رسوله، ليس الحكم إلينا، الحكم إلى الله ورسوله، فإذا حكم الله على شخص بالكفر، فإنا لا نتهيب أن نقول: هو كافر، لا نتهيب.
فالمسألة عند التأمل واضحة، لكن الإنسان يستكبرها ويستعظمها، ثم يحاول أن يؤول النصوص، أو يستدل بنصوص لا دلالة فيها.
بقي عندنا القسم الخامس من الأدلة التي عارضوا بها الأدلة القائمة: أحاديث ضعيفة، ومعلوم أن الضعيف لا يقاوِم الصحيح، هذا أمر مُتَّفق عليه، فإذا كان لدينا أحاديث ضعيفة وأحاديث صحيحة فالواجب علينا أن نأخذ بالأحاديث الصحيحة.
طالب: لماذا لا نأخذ بالحديث الذي في صحيح مسلم على أن تارك الزكاة تركها تهاونًا وتكاسلًا، ونجعل الآية نحملها على أن تاركها بخلًا كما قال الإمام نبقي الآية على عمومها؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: آية التوبة.
الشيخ: تارك الصلاة بخلًا؟
الطالب: نتكلم عن الزكاة.
الشيخ: إي.
الطالب: إجمالًا لا نجعل الآية على من تركها بخلًا الزكاة، فنبقي الآية على عمومها، ونحمل الحديث الذي في صحيح مسلم على تاركها بخلًا أو تهاونًا وكسلًا.
الشيخ: أما الحديث في مسلم يقول: «لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ».
الطالب: الثاني.
الشيخ: يقول: لماذا لا نحمل الآية على من تركها بخلًا؛ حديث مسلم: «عَلَى مَنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا»، يعني لأن التارك بخلًا ليس عنده نية أن يزكي، والتارك تهاونًا عنده نية، لكن يقول: غدًا أو بكرة، أو بعد غد، أو ما أشبه ذلك، فالحديث يقول: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا» (2) ولم يقيده.
طالب: يا شيخ -حفظكم الله- (... ) الحادة على زوجها، وكانت حاملًا، ونقصت عدتها إذا كانت الحمل أربعة أشهر وعشرًا، هل تكمل مباشرة بعد الحمل؟
الشيخ: المرأة إذا مات عنها زوجها وهي حامل، ووضعت قبل أن يغسلوه انقضت عِدَّتها.
الطالب: قضت الحمل.
الشيخ: انقضت عدتها خلاص، لها أن تتزوج قبل أن يُصلى على زوجها.
طالب: روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه قال: أدركت الناس لا يعزون في أنثى إلا أن تكون أمًّا.
الشيخ: إي.
الطالب: فما هو القول؟
الشيخ: والله هذا قول ضعيف إذا صح عنه، النصوص عامة في المصاب.
طالب: شيخنا، الرسول صلى الله عليه وسلم إذا قال قائل: قولكم الآن ما هي الخلافة؟
الشيخ: أظن أنت تسأل عن «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ» (1)؟
الطالب: لا.
الشيخ: راح؟
الطالب: دا سؤال ثانٍ، «الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه» يكون ظاهر هذا النص يدل على أنه يُعذَّب، ويشهد لهذا ما جاء أيضًا من طريق آخر عند مسلم: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (9). فلو قال قائل: إن هذا العذاب حقيقي وليس المقصود به الألم والحلم؟
الشيخ: والله على كل حال، هذا الظاهر الذي قلت يعارض قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] فإما أن يُحمل على ما قال العلماء من أوصى به، أو من رضي به، أو ما أشبه ذلك، أو على أنه عذاب الألم.
الطالب: كيف يوجه يوم القيامة؟
الشيخ: والله ما أدري عن صحة اللفظة، لازم تحققها لنا.
الطالب: موجود قطعًا.
الشيخ: ما يخالف، جِبها لنا إن شاء الله ونشوف.
(... ) يا شيخ والصابر الآن، أليس يدخل فيها الراضي والشاكر؟
الشيخ: لا، الصابر -كما قلت لكم- الفرق أن الصابر متألم، لكن لا يفعل ما يسخط الرب
طالب: الرسول قال: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ» (1).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: صبر أو ما صبر.
الشيخ: نعم، هذا الواجب.
طالب: يا شيخ، الحداد يا شيخ، ما ورد فيه من السنة (... )؟
الشيخ: الحداد أيش؟
الطالب: الحداد.
الشيخ: الحداد على الزوج ولَّا على غير ذلك؟
الطالب: على غير ذلك.
الشيخ: إي نعم ورد فيه: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» (10).
الطالب: على غير الزوج؟
الشيخ: إي، غير الزوج فوق ثلاث، حرام فوق ثلاث ومن الثلاث فأقل جائز.
شروط وجوب الزكاة
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب الزكاة
تجب بشروط خمسة: حريةٌ، وإسلامٌ، ومِلكُ نصاب، واستقرارُه، ومُضيُّ الحولِ في غير الْمُعَشَّر إلا نتاج السائمة، ورِبح التجارة، ولو لم يبلغ نصابًا، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصابًا، وإلا فمن كماله.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هي الزكاة في اللغة؟
طالب: النماء والزيادة.
الشيخ: النماء والزيادة، طيب وفي الشرع؟
الزكاة في اللغة: النماء، يقال: زكا الزرع إذا نما وزاد.
أما في الشرع: فهي مال أو نصيب مقدر في مال معين، نصيب مقدر شرعًا في مال معين يصرف لطائفة مخصوصة، وحكمها الوجوب، ومنزلتها من الدين أنها أحد أركان الإسلام، وأهم أركان الإسلام بعد الصلاة، ومن جحد وجوبها ممن عاش بين المسلمين فإنه كافر؛ لأنه مكذِّب لله ورسوله وإجماع المسلمين، سواء أخرجها أم لم يُخرجها، ومن أقرَّ بوجوبها، وتهاون في إخراجها، وبخل بها فأصح قولي العلماء: أنه فاسِق، ولكنه ليس بكافر.
لحديث أبي هريرة رضي الله عنه في مانع الزكاة ذكر تعذيبه يوم القيامة: «حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إِمّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» (2).
وهذا يدل على أنه ليس بكافر؛ إذ لو كان كافرًا لم يكن له سبيل إلى الجنة، ولكنها لا تجب في كل مال، الأخ (... ) تجب في المال النامي حقيقة أو تقديرًا؛ يعني في المال الذي ينمو ويزيد حقيقة أو تقديرًا؛ فالنمو حقيقة كماشية بهيمة الأنعام، والزروع والثمار، وعروض التجارة، والنامي تقديرًا كالذهب والفضة إذا لم يشتغل فيهما بالتجارة، فإنهما وإن كانا راكدين، لكنهما في تقدير النامي؛ لأنه متى شاء اتجر بهما.
والأموال الزكوية خمسة أصناف: الذهب، والفضة، وعروض التجارة، وبهيمة الأنعام، والخارج من الأرض بجميع أصنافها، هذه هي الأموال الزكوية، يعيدها علينا حكمة الله.
الطالب: الذهب، والفضة، وبهيمة الأنعام، وما خرج من الأرض، وعروض التجارة.
الشيخ: وعروض التجارة، هذه هي خمسة، هناك أشياء مختلف فيها كالعسل مثلًا، هل فيه الزكاة أو ليس فيه زكاة؟ وكالركاز هل الواجب فيه زكاة أو غير زكاة؟ وسيأتي إن شاء الله فيها البحث.
ولكنها لا تجب إلا بشروط، ومن حكمة الله عز وجل وإتقانه في فرضه وشرائعه، أنه جعل لها شروطًا؛ يعني أوصافًا معينة لا تجب إلا بوجودها؛ لتكون الشرائع منضبطة، لا فوضى؛ إذ لو لم يكن هناك شروط لكان كل واحد يُقدِّر أن هذا واجب، وهذا غير واجب، فإذا أُتقنت الفرائض بالشروط، وحُدِّدت لم يبقَ هناك فوضى، صار الناس على عِلم وبصيرة، متى وُجدت الشروط في شيء ثبت، ومتى انتفت انتفى.
ثم إن هناك موانع أيضًا تمنع وجوب الزكاة مع وجود الشروط؛ لأن جميع الأشياء لا تتم إلا بشروطها وانتفاء موانعها، وسيأتي إن شاء الله بيان الموانع، وما اختلف فيه وما اتفق عليه.
يقول: (تجب بشروط خمسة: حريةٌ، وإسلامٌ، ومِلكُ النصاب، واستقرارُه، ومُضِيُّ الحول، هذه شروط خمسة):
الأول: الحرية، وضدها الرِّق، فلا تجب الزكاة على رقيق؛ أي على عبد؛ وذلك لأنه لا يملك، فالمال الذي بيده لسيده.
ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ» (11).
قال: «مَالُهُ» يعني الذي بيده «لِلَّذِي بَاعَهُ» لا له، فيكون بمنزلة الفقير الذي ليس عنده مال، والفقير لا تجب عليه بالاتفاق.
الثاني: إسلام، وضده الكفر؛ فلا تجب على كافر، سواء كان مرتدًّا أم أصليًّا؛ لأن الزكاة طهرة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103]، والكافر نجس، لو طُهِّر بماء البحر، وبملء الأرض ذهبًا لم يطهُر حتى يتوب من كفره، وإذا قلنا: إن الكافر لا تجب عليه الزكاة، فلا يعني ذلك أنه لا يُحاسب عليها، بل يحاسب يوم القيامة، لكنها لا تجب عليه؛ بمعنى أننا لا نلزمه بها حتى يسلم.
ودليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين بعث معاذًا إلى اليمن: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً» بعد أن ذكر التوحيد، والصلاة قال: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ» (12).
ومن القرآن: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: 54]، فإذا كانت لا تُقبل فلا فائدة في إلزامهم بها، ولكنهم يُحاسَبون عليها يوم القيامة، ويُعذَّبون عليها.
ودليل ذلك قوله تعالى عن المجرمين: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾، هذا ترك الصلاة ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾، هذا ترك الزكاة، ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر 42 - 46]، فلولا أنهم عُوقِبوا على ترْك الصلاة، وترك إطعام المسكين ما ذكروا ذلك سببًا في دخولهم النار.
الثالث: مُلك نصاب، ما النصاب؟ النصاب: القدر الذي رتب الشارع وجوب الزكاة على بلوغه، وهو يختلف، فلا بد أن يملك نصابًا، فلو لم يملك شيئًا كالفقير فلا شيء عليه، ولو ملك دون النصاب فلا شيء عليه، فإذا قُدِّر أن شخصًا ما لا يتوفر عنده عند تمام الحول إلا نصف نصاب، فليس عليه زكاة وذلك لأنه لم يملك النصاب.
الرابع: استقراره، استقرار الملك، يعني بأن يكون المالك للشيء يملكه ملكًا مُستقرًّا، ومعنى كونه مستقرًّا أنه ليس بعرضة للتلف، فإن كان بعُرضة للتلف وعدم التمكن فلا زكاة فيه.
ومثلوا لذلك بالأجرة (أجرة البيت) قبل تمام المدة فإنها ليست مستقرة؛ لأنه من الجائز أن ينهدم البيت وتنفسخ الأجرة، إذا انهدم البيت انفسخت الأجرة.
ومثلوا لذلك أيضًا بدين الكتابة؛ يعني السيد إذا باع على عبده نفسه بدراهم، وبقيت عند العبد سنة فإنه لا زكاة فيها، لماذا؟ لأن العبد يملك تعجيز نفسه، فيقول: لا أستطيع أن أوفي، وإذا كان لا يستطيع أن يوفي، فإنه يسقط عنه المال الذي اشترى نفسه به، فيكون الدين حينئذٍ غير مستقر، لا بد أن يكون مستقرًّا بحيث يأمن صاحبه تلفه.
الخامس: مضي الحول يعني تمامه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (13) أخرجه ابن ماجه؛ ولأننا إن لم نُقدِّر زمنًا، فهل نقول: كل يوم تزكي، أو كل شهر، أو كل أسبوع، أو كل عشرة أعوام، فلا بد من تقدير، والحول قدرًا يكون به الربح مطردًا غالبًا، وتكون فيه الثمار، ويكون فيه النماء في المواشي في الغالب، فلهذا قُدِّر بالحول.
قال المؤلف: يستثنى من الحول ثلاثة أشياء أو أكثر قال: (في غير الْمُعَشَّر) يريد بذلك الخارج من الأرض، وسُمِّي معشرًا لوجوب العشر أو نصفه فيه، فالحبوب والثمار لا يُشترط لها تمام الحول، ولذلك يزرع الإنسان الأرض، ويكتمل الزرع في كم؟
طالب: في أربعة.
الشيخ: في أربعة شهور، أو ستة شهور، وتجب فيه الزكاة مع أنه لم يتم له سنة.
وكذلك يقول: (نتاج السائمة) أيضًا لا يُشترط فيه تمام الحول، مثال ذلك: رجلٌ عنده أربعون شاةً فيها الزكاة، أليس كذلك؟ هذه الأربعون وَلَدت في نصف الحول على ولَدين وثلاثة، تكون على ثلاثة أولاد أو أكثر، على ثلاثة وأربعة، على ثلاثة وأربعة في نصف الحول، كم يجب فيها؟ إذا ولدت على ثلاثة، وهي أربعون صارت مئة وعشرين، خلِّ واحدة منها ولدت أربعة.
الطلبة: مئة وواحد وعشرين.
الشيخ: مئة وواحد وعشرون، كم في مئة وواحد وعشرين؟
الطلبة: شاتان.
الشيخ: شاتان، فيجب فيها شاتان مع أن النماء لم يحل عليه الحول؛ لكنه تبع.
الثالث: (ورِبح التجارة) أيضًا لا يُشترط فيه تمام الحول، بل يكون تبعًا لرأس المال، فإذا قدَّرنا شخصًا اشترى أرضًا بمئة ألف، وقبل تمام السنة صارت تساوي مئتين؛ كم يزكي؟
الطلبة: مئتين.
الشيخ: مئتين، مع أن المئة الثانية لم يتم عليها الحول، لكنها ربح للمئة الأولى؛ فيتبع الأصل، كم هذه؟
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة أشياء: المعشرات والثاني: نتاج السائمة، والثالث: ربح التجارة.
الرابع: الرِّكاز، وهو ما يوجد من دفن الجاهلية، فهذا فيه الزكاة، فيه الخمس بمجرد وجوده، بمجرد ما تجده فيه الخمس، وهو زكاة على المشهور من المذهب، وقيل: إنه فيء، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكره.
الخامس: المعدِن، لو أن إنسانًا عثر على معدن؛ ذهب أو فضة، واستخرج منه نصابًا فإنه يجب أداء زكاته فورًا قبل أن يتم عليه الحول، هذه خمسة أشياء لا يشترط فيها تمام الحول، الأول؟
الطلبة: المعشَّرات.
الشيخ: المشعرات، الثاني: نتاج السائمة، الثالث: ربح التجارة، الرابع الركاز، الخامس: المعدن، هذه لا يُشترط لها الحول.
والأدلة واضحة، أما الأول المعشر، فلقول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] سواء تم له سنة أم لم يتم.
وأما نتاج السائمة، فلأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبعث السُّعاة لأخذ زكاة السائمة وفيها الصغار والكبار، ولا يستفصل أهلها فيقول: متى ولدت هذه؟ بل يحسبونها على عدد رؤوسها، ثم يخرجون زكاتها.
وأما عروض التجارة؛ ربح التجارة فكذلك؛ لأن المسلمين يؤدون الزكاة إذا جاء وقت أدائها دون أن يحذفوا منها الربح؛ ولأن الربح فرع، والفرع يتبع الأصل، وأما الركاز فلقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَفِي الرِّكَازُ الْخُمُسُ» (14)، ولم يقل: بعد الحول؛ ولأن وجوده يشبه الحصول على الثمار، والثمار تجب الزكاة فيها من حين؟
الطلبة: الحصول عليها.
الشيخ: الحصول عليها، الحصاد فهو يشبهها، وأما المعدن فهو أشبه بالثمار من غيرها فهي تُؤدَّى زكاته من حين أن يجده، كذلك العسل أضيفه إلى ذلك إذا قلنا بأنه تجب فيه الزكاة.
الخامس: مضي الحول في غير الْمُعشَّر إلا نتاج السائمة ورِبح التجارة ولو لم يبلغ نصابًا فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصابًا، وإلا فمن كماله، فإذا كان عنده خمس وثلاثون شاة ليس فيها زكاة؛ لأن النصاب؟
الطلبة: أربعون شاة.
الشيخ: أربعون أقله، وفي أثناء الحول نُتجت كل واحدة منها بسخلة، متى نحسب الحول؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: من تمام النصاب ذكرنا كم؟
الطلبة: خمسة وثلاثين.
الشيخ: خمس وثلاثون شاة، فإذا ولدت منها خمسًا على سخل السخلة من حين ما تلد الخمس السخلات يتم النصاب فيبدأ الحول، ولهذا قال: (وإلا فمن كماله).
لو أن رجلًا اتجر بمئة ألف ريال، وفي أثناء الحول ربحت خمسين ألفًا، فهل نُزكي الخمسين إذا تم حول المئة، أو إذا تم حولها من الربح؟
الطلبة: المال الأول.
الشيخ: الأول طيب.
مثال آخر: رجل عنده مئة ألف، وفي أثناء الحول ورث من قريب له خمسين ألفًا، فهل نزكي الخمسين الألف مع المئة أو إذا تم حولها؟
الطلبة: إذا تم حولها.
الشيخ: إذا تم حولها.
فإذا قال قائل: ما الفرق؟
قلنا الفرق؛ لأن الربح، فرع عن رأس المال فتبعه في الحول، وأما الإرث فهو ابتداء ملكه، فاعتبر حوله بنفسه.
إذا كان شخص عنده من الدراهم أقل من النصاب، وفي أثناء الحوْل مات له قريب، فورث منه خمسين ألفًا، فهل يبتدئ الحول من ملك الخمسين ألفًا في الخمسين، وفي الدراهم السابقة، أو يبتدئ الحول في الدراهم السابقة من حين ملكها، وفي الخمسين من حين ملكها؟
الطلبة: من حين ملكها الأول.
الشيخ: الأول؛ لأن الدراهم الأولى أقل من النصاب، فليس فيها زكاة، لكن لما تم النصاب بإرث الخمسين ضممنا الأولى إلى الثانية، وصار الحول واحدًا، انتبهوا يا جماعة؛ لأن هذه قد تشكل على بعض الناس، يظن أنه إذا أتممنا النصاب بنينا على حول ما دون النصاب، وليس كذلك، وإنما يبتدئ الحول من كمال النصاب.
الشروط الآن خمسة: الحرية، الإسلام، ملك النصاب.
الطلبة: استقرار الملك.
الشيخ: استقرار الملك.
الطلبة: مضي الحول.
الشيخ: مضي الحول، إلا في خمسة أشياء: المعشرات.
الطلبة: نتاج السائمة، وقال: ربح التجارة.
الشيخ: ربح التجارة، نتاج السائمة.
الطلبة: الركاز.
الشيخ: الركاز، المعدن.
الطلبة: والعسل.
الشيخ: والعسل، على القول بوجوب الزكاة فيه، هذه الشروط.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُشترط البلوغ ولا العقل، أنه لا يشترط لوجوب الزكاة البلوغ ولا العقل، وعلى هذا فتجب الزكاة في مال الصبي وفي مال المجنون، وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم.
ووجه الخلاف أن من جعلها من العبادات المحضة قال: إن الصغير والمجنون ليسا من أهل العبادة كالصلاة، فإذا كانت الصلاة لا تجب على المجنون والصغير، فالزكاة من باب أوْلى، ومن جعل الزكاة من حق المال، يعني أنها واجب في المال لأهل الزكاة، قال: إنه لا يُشترط البلوغ والعقل؛ لأن هذا حكم رُتِّب على وجود شرطه، وهو بلوغ النصاب، فإذا وُجِد وجبت الزكاة، ولا يُشترط في ذلك التكليف؛ فتجب في مال الصبي وفي مال المجنون.
وهذا القول أصح، أن الزكاة من حقوق المال، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، فالمدار على المال لا على المتموِّل، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حين بعث معاذًا إلى اليمن: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ» (12) في أموالهم، فجعل محل الزكاة المال.
وبناءً على ذلك لا يشترط التكليف؛ أي أن يكون بالغًا عاقلًا، فتجب في مال الصبي والمجنون، ولنا أن نعلل أيضًا؛ لأن الزكاة حق لآدمي، فاستوى في وجوب أدائه المكلَّف وغير المكلف، كما لو أتلف الصغير مال إنسان فإننا نلزمه بضمانه مع أنه غير مُكلَّف.
والقول هذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وخالف أبو حنيفة في هذا وقال: إن الصغير والمجنون لا زكاة في مالهما.
فإذا قال قائل: إذا أوجبنا الزكاة في مال الصبي والمجنون فهذا يؤدي إلى نقصه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].
فالجواب أن يقال: إن هذا نقص، هو في الحقيقة كمال وزيادة؛ لأن الزكاة تطهِّر وتنمِّي المال، فهي وإن كانت نقصًا حسًّا، لكنها كمال وزيادة معنى، ولا يرد، ثم إنه منقوض بوجوب النفقة عليهما، لو كان مال الصبي والمجنون تجب فيه النفقة لزوجة المجنون مثلًا، أليس ينقص؟ ينقص ولو كان المجنون أبًا له أولاد وجب أن ننفق على أولاده من ماله، ولو كان الصغير أبًا وله أولاد وجب أن ننفق على أولاده من ماله.
الطلبة: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: إي نعم، إذا جاءه أولاد فهو كبير مُكلَّف، لا يمكن أن يأتي أولاد إلا بعد التكليف.
الخلاصة الآن أن القول بوجوب الزكاة في مال الصغير والمجنون هو الصواب، وأما مسألة النقص فغير ورادة، الجواب عن الآية: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. نقول: الزكاة من الأحسن لا شك.
فإن قال قائل: إذا قلتم: إن الزكاة من الأحسن فالصدقة أيضًا من الأحسن، فهل تجيزون أن تتصدقوا بمال اليتيم والمجنون؟
الجواب: لا، إذن كيف تقولون هذا أحسن وفي الصدقة ليس أحسن؟ نقول: لأن الصدقة محض تبرع، لا تنشغل الذمة بتركه، والزكاة فريضة تنشغل الذمة بتركها، فهذا هو الفرق، ولهذا لو غلت مواد الإنفاق، وصارت غالية الثوب هذا الكتان بمئة ريال، والثوب من الخيش بعشرة ريالات، نشتري لليتيم هي بخيش ولا ثياب كتان؟
الطلبة: كتان.
الشيخ: الثاني، الكتان؛ لأن هذا هو المعتاد، فإذا كان كذلك فنقول: الزكاة من باب أولى أن نخرجها من مال اليتيم؛ لأنها أبلغ من أن نُخرج من ماله لثوب يلبسه، (وإلا فمن كماله).
ثم قال: (ومن كان له دينٌ أو حق من صداق أو غيره على ملي أو غيره أدى زكاته إذا قبضه لما مضى)، هذه مسألة أيضًا من مسائل الخلاف.
(من كان له دين أو حق) الدَّيْن: ما ثبت في الذمة من قرض، وثمن مبيع، وأجرة، وغير ذلك، كل ما ثبت في ذمة الغير لك فهو دَيْن.
(أو حق) من الحقوق كعارية عنده، وكوديعة، وغير ذلك من الحقوق.
(من صداق أو غيره) صداق، لمن الصداق؟
الطلبة: للزوجة.
الشيخ: للزوجة.
(وغيره) غير الصداق، كعِوض الخلع الثابت للزوج.
(على ملي أو غيره) (الملي) الغني، (أو غيره) الفقير، ونزيد (وعلى باذل أو مماطل)، فإنه يجب عليه أن يزكيه إذا قبضه لما مضى، فلو كان مثلًا له مئتا درهم على أربعة أشخاص، على كل واحد خمسون درهمًا، وبقيت عنده سنوات، ولما قبضها وإذا زكاتها أكثر منها، ماذا نقول؟
نقول: أدِّ زكاتها ولو كانت أكثر منها، إذا كان عندك مال يُكمِّل النصاب، أما إذا لم يكن لك مال سواها، في أول سنة تنقص النصاب، ولا يجب فيها شيء.
انتبهوا، نأخذ أمثله على هذا، رجل باع أرضًا على شخص بمئة ألف والشخص فقير، وبقيت مئة ألف عنده عشر سنوات ثم قبضها، كم يؤديها؟
الطلبة: عشر سنوات.
الشيخ: عشر سنوات، يقول: زكَّاه لما مضى، هو يقول زكاه؟
الطلبة: يقول: أدَّى زكاته لما مضى.
الشيخ: أدَّى زكاته لما مضى، أدى زكاته.
الطلبة: إذا قبضه.
الشيخ: إذا قبضه، نعم، أنا قلت: فقط مثال المقبوض، رجل باع أرضًا بمئة ألف على شخص، وبقي ثمنها عنده عشر سنوات، ثم قبضه فإنه يؤدي زكاته لما مضى، واستفدنا من قوله: (أدَّى) أن هذه الزكاة أداء، وليست قضاء، مئة ألف، كم فيها من الزكاة؟
طالب: (... ) ألفين وخمس مئة.
الشيخ: ألفين وخمس مئة، على عشر سنوات؟
الطلبة: خمس وعشرين ألفًا.
الشيخ: خمسة وعشرون ألفًا.
الطلبة: (... )؟
الشيخ: لا، عنده مال، لو كان عنده غيره حذفنا؛ لأن الزكاة تكون دينًا عليه، والدين يسقط الزكاة، لكن عنده مال يؤدي عنها خمسة وعشرين ألفًا، صارت زكاتها الآن الربع كاملًا، وزكاة الدراهم رُبع العشر؛ وذلك لأنه يؤديها لكل ما مضى.
مثال آخر: رجل أجَّر بيته على شخص بألف درهم، وانتهت المدة السنة، وجعل المستأجِر يماطل حتى بقيت عنده عشر سنوات، كم زكاة الألف كل سنة؟
الطلبة: خمسة وعشرين.
الشيخ: خمسة وعشرين، وهي بقت عنده كم؟
الطلبة: عشر.
الشيخ: عشر سنوات، يكون زكاته؟
الطلبة: مئتين وخمسين.
الشيخ: مئتين وخمسين، مئتين وخمسين وهي ألف؛ يعني الربع، كل هذا بناء على ما مشى عليه المؤلف.
امرأة تزوجها رجل على صداق قدره عشرون ألفًا، لكنه لم يُسلِّم الصداق، وبقيت الزوجة عنده عشر سنوات، ثم أعطاها المهر، كم زكاته في العشر سنوات وهو عشرون ألفًا؟ خمسة آلاف، الربع، وهلُمَّ جرًّا، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، على أن الدَّيْن تجب الزكاة فيه كل السنوات، سواء كان على مليٍّ باذل، أو على فقير، أو على مليٍّ مماطل، أو على غني باذل، يقول: متى شئت أعطيتك إياه، وسواء كان مؤجلًا أم حالًّا، كل الديون فيها الزكاة كل سنة، ولكن لا يجب عليه أداؤها إلا إذا قبض الدَّيْن، وهذا أحد الأقوال في المسألة.
والقول الثاني: إن كان الدَّيْن على مُعْسِر فلا زكاة فيه، لو بقي عشرين سنة، وإن كان على مُوسر باذِل، ففيه الزكاة كل سنة كالمذهب.
والقول الثالث: لا زكاة في الدين مطلقًا سواء كان على غني أو على غير غني؛ لأن الدَّيْن في ذمة الغيب، ليس في يدك حتى يكون في جملة مالك، فلا زكاة في الدَّيْن حتى يقبضه، وإذا قبضه هل يؤدي الزكاة سنة القبض حالًا أو ينتظر حتى يتم الحول، فإن هلك المال قبل تمام الحول فلا زكاة فيه؟
نقول: إذا كان على غني فالصحيح أنه تجب الزكاة فيه كل سنة، ولكن يؤديها إذا قبض الدَّيْن، أما إذا كان على مُعْسِر فلا زكاة عليه، ولو بقي عشر سنوات، ولكن إذا قبضه يُزكِّيه مرة واحدة لسنة القبض، ثم كلما دارت عليه السنة يُزكِّيه.
والقول الثاني في هذه المسألة يقول: لا يزكيها أول ما يقبضه، ولكن إذا تم عليه الحوْل زكَّاه، وعلى هذا فيستأنف الحول مِنْ؟
الطلبة: مِنْ قبضه.
الشيخ: مِن قبضه.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لزكاة النقود.. العاقل؟
الشيخ: إي الراجح، الراجح أنه تجب الزكاة فيه سنة القبض؛ لأن أقل ما نقول فيه أنه يشبه الثمار التي حصل عليها فيزكِّيه سنة القبض، ثم كلما دار عليه الحول زكَّاه.
طالب: بالنسبة لغير (... ) فإنا رجحنا بأن الصحيح أن الزكاة تجب في أموالهم.
الشيخ: نعم.
الطالب: نرجح هذا، وأن المكلف مخاطب بهذا الفعل، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَآتُوا الزَّكَاة﴾ [البقرة: 43]، وقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103] وهذا خطاب، والمجنون والصغير غير مخاطب، ما دون التطهير والتزكية تكون من الذنوب، والمجنون ليس عليه ذنب، ولا نستطيع أن نوجب عليه الحد.
الشيخ: صحيح، هذا إيراد مهم هذا، لكن العمومات الأخرى، مثل: «أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ» (12)، العمومات الأخرى تدل على الوجوب مطلقًا، يكون كلمة ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ بناءً على الأغلب، أن الأغلب أن الأموال في قوم مكلفين يحتاجون إلى تطهير، على أن الصبي ولا سيما المميِّز له بعض الآداب الْمخِلَّة والأعمال السيئة يحتاج إلى تطهير؛ ولهذا أُمرنا أن نأمره بالصلاة.
طالب: رجل عنده مال، ولم يبلغ النصاب، ثم أتاه مال من ميراث، فكمل النصاب، فتجب الزكاة؟
الشيخ: تجب إذا تم الحول من؟
الطالب: من المال الأول.
الشيخ: لا، من المال الثاني.
الطالب: ليس من المال الأول؟
الشيخ: لا، المال الذي لم يبلغ النصاب ما فيه زكاة.
طالب: يقول: إذا تأخر يعني في إخراج النصاب دار عليه الحول تأخر.
الشيخ: إخراج الزكاة؟
الطالب: نعم، إخراج الزكاة، إنسان معتاد أن يخرجها في رمضان وأخرجها فيه ذي الحجة.
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله في باب الزكاة أنه ما يجوز تأخيرها.
طالب: أحسن الله إليك، اللي يحصل اليوم اعتماد النصاب، ماذا تراه؟
الشيخ: أقل شيء، النصاب مئتا درهم، إذا صار مئة وتسعين فلا زكاة.
الطالب: إذا صار مئة وخمسة وتسعين.
الشيخ: إذا صار مئة وخمسة وتسعين، أو مئة وتسعين فلا زكاة.
الطالب: حتى يتم؟
الشيخ: حتى يتم.
الطالب: طيب يا شيخ، استدلال العلماء الحبة والحبتين؟
الشيخ: ما له وجه.
طالب: أحسن الله إليك، المسألة نقيسها على من كان له دَيْن أن يقضيه إذا قبضه ليس عليه إكراه إذا أسلم.
الشيخ: لا، الكافر إذا أسلم، لا يزكي عن ما مضى؛ لأنه ليس من أهل الوجوب أصلًا.
الطالب: فكيف يخاطب؟
الشيخ: يخاطب، يعاقب عليه في الآخرة، أما في الدنيا ما يخاطب، إذا أسلم يبتدئ الحول من جديد.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، إذا كان للرجل مال يدخره بدون أن يعمله في تجارة أو غيره، فجعل يؤدي زكاته كل حول، فهل يؤدي زكاته حتى ينقص ماله عن النصاب؟
الشيخ: إي نعم، يؤديه حتى ينقص عن النصاب، لا بد من هذا.
الطالب: إذا كان رجل يملك مئة ألف قبضها من سبيل، فهل يزكي خمسة وعشرين ألفًا، أو يزكي الأول مثلما لو زكَّى كل سنة قادمة؛ يعني لو زكَّى كل سنة نقص عن الخمسة وعشرين ألفًا؟
الشيخ: نعم، هو إذا كان عنده مال، فهو يزكيه كل سنة تامة، أما إذا لم يكن عنده سواها فهي كل سنة ستنقص، فيحسب النقص، يحسب النقص مثلًا أول سنة، كم زكاته؟
طالب: مئتين وتسعين.
الشيخ: تاني سنة يكون سبعة وتسعين وخمس.
الطالب: يزكي سبعة وتسعين (... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: إذا لم يفعل؟
الشيخ: لا، ما تصير إذا كان ما عنده غيره، أما إذا كان عنده غيره فإنه يبقى المال لا ينقص، يبقى غير ناقص حتى لو لم يكن عنده غيرها ينبني هذا على الخلاف في مسألة الدين، هل إذا كان على الإنسان دين ينقص النصاب أو ينقص المال، هل يحسب عليه، ويلغى ما يقاله من الزكاة أو لا؟ سيأتينا إن شاء الله تعالى.
طالب: أولًا: بالنسبة للمجنون والصغير إذا كان لهم دين وبعد عشر سنوات أخذ على الدين، ما يجب عليهم الزكاة؟
الشيخ: إي، لا فرق بين الصغير والمجنون والبالغ والعاقل.
الطالب: الخلاف يا شيخ لا يعفو عنهم؟
الشيخ: كيف؟ لا، ما يعفو عنهم، لكن الصحيح -مثلما قلت- أنه إذا كان الدين على غير مليء باذل فلا زكاة فيه.
طالب: كيف يعاقبون الكفار بترك الواجبات؛ لأنهم ليسوا مسلمين؟
الشيخ: نعم؛ لأن الواجب عليهم الإسلام، لكن لا نخاطبهم بها في الدنيا لعدم وجود الأصل، وإلا واجب عليهم الإسلام وفروع الإسلام.
طالب: هل يزيد في تعذيبهم؟
الشيخ: إي، يزيد في تعذيبهم، بل إنهم إذا أكلوا أو شربوا عُذِّبوا على الأكل والشرب.
طالب: أليسوا مخلدين في النار؟
الشيخ: لا، التخليد يختلف في قوة العذاب وشدته.
الركاز، ما هو الركاز؟ الركاز يعني المدفون، هذا الركاز، وهو الذي يوجد من دفن الجاهلية، أي من دَفْن الكفار سابقًا، وأما ما يوجد من دفن المسلمين فإنه لُقطة، لكن ما يوجد من دفن الكفار سابقًا هو رِكاز، يملكه آخذه، يملكه واجده، وإذا ملكه وجب عليه الخمس؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» (14)، هذا الخمس هل مصرفه زكاة؟ أو مصرفه مصرف الفيء؟ في هذا خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إن مصرفه مصرف الفيء يجعل في بيت المال للمصالح العامة، ومنهم من قال: إن مصرفه مصرف الزكاة يقسم في مَنْ؟ في أهل الزكاة.
وأصل اختلافهم، اختلافهم في (أل)، هل هي لبيان المقدار أو هي للعهد الذهني؟ إن كانت للعهد الذهني فالمراد بالخمس الفيء؛ يعني الخمس اللي تعرفون مصرفه، وإن كانت (أل) لبيان المقدار فهي زكاة، وفي المعروف عندنا في المذهب الحنبلي أنها زكاة، فيكون داخلًا في الاستثناء خمسة.
الطلبة: المعادن، المعدن.
الشيخ: المعدن، المعادن، معادن الذهب والفضة، أو معادن غيرهما إذا قصد به التجارة؛ يعني المعادن غير الذهب والفضة لازم أن نشترط إذا قصد التجارة؛ لأنها لا تكون، لا تجب فيها الزكاة إلا إذا كانت عروضًا، ولا تكون عروضًا إلا بالنية.
رجل عثر على معدن ذهب، ومعدن الذهب غالٍ أو رخيص؟ غالٍ، الذهب يُذهب العقل.
نقول: عثر على معدن ذهب واستخرجه، وأخرج منه عشرة كيلوات، فيها زكاة؟ متى؟ إذا تم الحول؟ لا، من حين أن يجدها؛ لأنها نظير الخارج من الأرض من حين حصاده، فهذا حصاد المعدن، وذاك حصاد الثمار، فتجب الزكاة من حينه، كم زكاة الذهب؟
الطلبة: ربع العشر.
الشيخ: ربع العشر، يخرج من خمسة كيلو كم؟ ربع العُشر كم؟
الطلبة: (... ).
طالب: مئة وخمسة وعشرين جرامًا.
الشيخ: طيب أخرج أربعين كيلو، ما يخالف، ما دام مسألة فرضية، أخرج أربعين كم يلزم؟
الطلبة: كيلو.
الشيخ: ربع العشر كيلو، فيُخرج ربع العشر فورًا، فيه شيء آخر في غير هذه الخمسة؟
الطلبة: العسل.
الشيخ: العسل، على القول بوجوبه من حين أن يجنيه يجب عليه إخراج زكاته.
طالب: المعدن.
الشيخ: هيأ الله لك معدنًا.
الطالب: بقي العسل (... ).
الشيخ: يجينا إن شاء الله من كلام المؤلف.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في الركاز اللي ما يعرف هل هو من دفن الجاهلية، أو من دفن الإسلام؟ يحكم على أنه؟
الشيخ: على أنه من دفن الإسلام لقطة، يُعرِّفه سنة، وإذا لم يجئ أحد فهو له، ولا يخرج الخمس.
طالب: الاستقرار يا شيخ، لماذا قلنا بعدم الاستقرار، وهنا نقول بعدم مضي الحول؟
الشيخ: لا، حتى لو مضى عليه حول، أنا قلت لك: لو ربح من أول يوم.
الطالب: لكن الآن (... )؟
الشيخ: لا، لو ملكه من أول يوم.
طالب: وضح في المال مثلًا، نريد أن نعطيه لإنسان أو غيره ومضى عليه الحول.
الشيخ: وديعة يعني أعطاه..
الطالب: ولكن الربح لم يعتد بنقصه.
الشيخ: إي نعم، لكنه مضى حول ولم يرَ فلانًا، فهو ملك الأول.
الطالب: يجوز فيه؟
الشيخ: إي، فيه زكاة، في ملكه، لو مات هذا الذي نوى أن يعطي المال فلانًا، هل يُورث المال؟
الطالب: لا.
الشيخ: لا؟ !
الطالب: ليش إذا كان من باب الهبة مثلًا؟
الشيخ: أنا أحصيت مالًا ألف ريال، أريده لفقير، ولكن الفقير ما حضر، ما رأيته هل يخرج عن ملكه ولَّا لا؟ ما يخرج، إذن فيها الزكاة عليَّ أنا.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، ذكرتم مثلما الحول ليس فيه (... ) أربعين، أقول -أحسن الله إليك-: ما ممكن يستدل بحديث ابن عمر: «لَيْسَ فِي مَالٍ زَكَاةٌ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ» (15). هذا ثابت عن ابن عمر، وهذا أيضًا ممن ليس المشكلة فيه مجال فيكون له حكم الرفع.
الشيخ: لا، فيه مجال، المجال أن الإنسان تمام النماء لا يكون إلا في حول وعجز الفقراء، أيضًا تكون في حول، وكما قلنا: لو عجلت الزكاة فيما دون الحول أجحفنا بالغني ولو أخَّرناها أجحفنا بالفقير.
طالب: لكن ما يستفاد هذا؟
الشيخ: على كل حال، هو قول الصحابي، يستفاد منه لا شك.
طالب: يا شيخ، قلنا: إن القول الصحيح في مانع الزكاة أنه لا يكفر، كيف نخرج قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 6، 7]؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طالب: السؤال يا شيخ؟
الشيخ: يقول: إذا قلنا: إن مانع الزكاة بخلًا لا يكفر، كيف نُخرِّج قول الله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾؟
طالب: (... ) تكملة الآية تبين ذلك، تبين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون.
الشيخ: نعم، والمراد بالزكاة هنا -عند أكثر العلماء- زكاة النفس، لكن بعض العلماء قال: هي زكاة المال، والأكثر على أنها زكاة النفس؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].
طالب: جزاك الله خيرًا، ذكرت أن المجنون.
الشيخ: فات خمسة؟
الطالب: ما فات خمسة، فات اثنان، أن الزكاة حق المال، وذكرت الآية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] الآية تكملتها ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ يعني أرجع إلى أشخاص يعني نفس الشخص وليس إلى المال.
الطالب: وحديث بعْث معاذ إلى اليمن كان أمرًا مكلفًا به ناس معنيون؛ يعني من أمر بالتكليف ليس..
الشيخ: كأنك تريد أن ترجح أن الزكاة لا تجوز من مال الصبي والمجنون؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا، هذا ما هو صحيح؛ لأن قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ألا يمكن أن يُطهَّر الصبي؟ يمكن تطهر أخلاقه، ويجعل الله ذلك سببًا في حسن أخلاقه، وإلا نعم من جهة الذنوب ليس عليه ذنوب، وكذلك المجنون ربما يكون هذا سببًا لرد عقله عليه.
طالب: المضارَب (... ) مع المضارِب بعد مرور خمس سنوات مثلًا، هل يزكي على السنوات؟
الشيخ: لا، لا يزكي على ما مضى، يستأنف الحول.
طالب: شيخ، جزاكم الله خيرًا، لم تذكر المال الذي قلتم المال الذي ينمو حقيقة أو تقديرًا، ما المال الذي لا ينمو؟
الشيخ: ثيابك، سيارتك، بيتك، ساعتك، قلمك، كتبك.
الطالب: ما يعد للاقتناء؟
الشيخ: إي نعم، إلا حلي الذهب والفضة.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فيما يُستثنى مما يُشترط له الحول قال: (إلا نتاج السائمة وربح التجارة، فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصابًا، وإلا فمن كماله).
(نتاج السائمة) يعني أولادها، وربح التجارة معروف.
(فإن حولهما حول أصلهما إن كان نصابًا وإلا فمن كماله)، فإذا قدر أن عند شخص ما نصف نصاب، ومضى عليه ستة أشهر، ثم كمل نصابًا، وبعد مضي ثلاثة أشهر ربح مثله نصابًا، فمتى يبتدئ الحول؟ هل مما ملك أولًا أو بعد مضي ستة أشهر مما تم به النصاب؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ يعني يبتدئ الحول من الوقت الذي تم فيه النصاب إلى أن يدور عليه اثنا عشر شهرًا فيزكيه، أما الربح فإنه يتبع الأصل، يتبعه من حين كمل نصابًا.
وأما المستفاد بغير الربح كالرجل يرث مالًا، أو يُوهب له، أو المرأة تملك الصداق، أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يُضم إلى ما عنده من المال في الحول؛ لأنه مستقل وليس فرعًا له، فلو فُرض أن عند شخص مالًا ملكه في واحد محرم يبلغ النصاب، وفي ربيع الثاني تُوفِّي له ميت، وورث منه، فهل يُضم إلى الأول في الحول أو لا يضم؟
الطلبة: لا يضم.
الشيخ: لا يضم؛ لأنه ليس فرعًا له، هذا مال مبتدأ جديد.
طيب إذا كان الميراث دون النصاب، الميراث الذي ورثه في شهر ربيع دون النصاب، فهل يضم إلى الأول في تكميل النصاب، ويُبتدأ به حول من في ملكه أو لا؟
طالب: ما فيه ضم.
الشيخ: يقول العلماء: إنه يُضم في تكميل النصاب، ولا يُضم في الحول، الكلام معلوم ولا غير معلوم؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما فيه معلوم الظاهر.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب ما يخالف، ملك نصابًا في شهر محرم، محرم الذي بين ذي الحجة وصفر، معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم.
ملك نصابًا في شهر محرم، وفي شهر جمادى الثانية؛ أي بعد مضي ستة أشهر ورث مالًا جديدًا، ميراثًا، فهل يُبنى على الأول في الحول أو لا يبنى؟
الطلبة: لا يبنى.
الشيخ: لا يُبنى، ليش؟ لأنه مستقل، يحتاج إلى أن تدور عليه السنة.
هل يُبنى على الأول في النصاب؟ بمعنى لو كان الميراث الذي ورثه دون نصاب، فهل يضم إلى الأول وتجب فيه الزكاة، لكن لا تجب إلا بعد تمام حوله؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، إذن المال المستفاد لا يُضم إلى ما عنده في الحول، ويضم إلى ما عنده في النصاب، تمام؟ معلوم الآن ولَّا غير معلوم؟
الطلبة: معلوم.
الشيخ: إذا قدرنا أن النصاب مئتا درهم، وكان عنده مال ملكه في شهر محرم، وفي شهر جمادى الثانية ملك بالميراث مئة درهم، المئة الدرهم دون النصاب، أليس كذلك؟ فهل فيها زكاة أو لا؟
طالب: فيها زكاة.
الشيخ: فيها زكاة، وإن كانت دون النصاب، لماذا؟ لأنه كان عنده مال يبلغ النصاب، فتضم إلى المال، وتجب فيها الزكاة، لكن متى يُزكي المئة درهم؟ هل يزكيها عند تمام سنة الأول، أي في محرم، أو عند تمام سنتها في جمادى؟
الطلبة: في جمادى.
الشيخ: الثاني، يزكيها في جمادى، فالقاعدة إذن المال المستفاد غير الربح يُضم إلى ما عنده في النصاب، ولا يضم إلى ما عنده في الحول.
طالب: الفرق؟
الشيخ: الفرق؛ لأنه إذا ملكه فقد صار عنده الآن من ملكه إياه صار عنده نصاب ونصف مثلًا، إذا قدرنا عنده من الأول نصاب، وملك نصف نصاب صار عنده الآن نصاب ونصف، يبتدئ حول النصف من حين مُلكه، وأما الأول النصاب فقد ابتدأ حوله من حين ملكه.
أسألكم، قوله: (من كان له دَيْن أو حق) ما الفرق بين الدَّيْن والحق؟
طالب: الدين ما ثبت في الذمة.
الشيخ: نعم، ما ثبت في الذمة من قرض أو ثمن المبيع أو أجرة.
طالب: الحق مثلًا يكون شيئًا مكتوبًا أو..
الشيخ: يعني عين مغصوبة استولى عليها ظالم فأخذها.
(مِنْ صداق أو غيره)، ما هو الصداق؟
طالب: ما يدفعه الرجل عند زواجه بـ..
الشيخ: لزوجته بسبب عقد النكاح.
(أو غيره) غير الصداق؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، عوض الخلع، قيمة مُثلة، أرش الجناية.
المهم كل ما ثبت عند الغير، يقول: (يؤدي زكاته على مليء أو غيره) من هو المليء؟
طالب: الغني.
الشيخ: الغني، (أو غيره) الفقير، ولا فرق بين المليء الباذل والمليء المماطل، كما أنه لا فرق بين الغني والفقير.
يقول المؤلف: (أدى زكاته إذا قبضه) أدى زكاته إذا قبضه؛ يعني ولا يلزمه أن يؤدي زكاته قبل قبضه، فهو مرخص له أن يؤخر الزكاة حتى يقبضه.
فإن قال قائل: أليست الزكاة على الفور؟ فلماذا لا تلزمه الزكاة إذا تم الحول، ولو كان في ذمة الغير؟
فالجواب أن يقال: إنه وإن كان في ذمة الغير، لكنه فيه احتمال أن يتلف، أن يُعسر الذي عليه، أن يجحد نسيانًا أو ظلمًا، فلما كان هذا الاحتمال قائمًا رخصنا له أن يؤخر إخراج الزكاة حتى يقبضه، فإذا كان عند شخص ألف درهم، ومضى عليه عشر سنوات وجب عليه أن يخرج زكاة الألف كل عام، هذا الأصل، لكن يُرخَّص له أن يؤخر الزكاة حتى يقبضه، فإذا قبضه وكان عليه في كل سنة خمسة وعشرون درهمًا، كم يلزمه في عشر سنين؟
الطلبة: مئتان وخمسون.
الشيخ: مئتان وخمسون ريالًا يخرج زكاتها.
طالب: مع مراعاة الفارق الذي ينقص.
الشيخ: هذا ينبني على الدَّيْن، هل يسقط من الزكاة أو لا؟ إذن يؤدي زكاته لكل سنة، ولكن يُرخَّص له أن يؤخر إخراج الزكاة حتى يقبضه للاحتمال الذي ذكرت، ما هو الاحتمال؟
الطلبة: احتمال التلف.
الشيخ: التلف، الجحود نسيانًا أو ظلمًا، آفات تقضي على مال الثاني، الموت، المهم احتمال ألا يحصل عليه؛ فلأجل هذا رخَّصنا له أن يؤخر الزكاة، فإن أدى الزكاة قبل قبضه، قال: أنا أريد أن أخرج زكاة هذا الدَّيْن مع مالي لأستريح فله ذلك؟ نعم، له ذلك، بل قال أهل العلم: إن ذلك أفضل؛ لأن تأخيره إلى أن يقبضه من باب الرخصة والتسهيل، فإذا أحب أن يُخرج زكاته أداها، والزكاة إذا كان الدين على مليء باذل فوجوب الزكاة واضح؛ لأن المليء الباذل كالذي في صندوقك تمامًا، متى شئت قلت: أعطني فيعطيك، لكن إذا كان الدَّيْن على فقير، أو على مماطل لا يمكن أخذ الحق منه، أو كان المال ضائعًا، أو كان مسروقًا، ثم عثرت عليه بعد سنين، فالمذهب يجب إخراج زكاته؛ لأن الله مكَّنك منه.
لكن القول الثاني في المسألة أن ما كان على فقير أو مليء لا تمكنه مطالبته، أو نحو ذلك؛ فإنه لا زكاة فيه إلا إذا قبضه، وإذا قبضه، فهل يبتدئ به حولًا، أو لا يبتدئ به حولًا، في هذا خلاف، فمن العلماء من قال: يستأنف الحول، يبتدئ حولًا من جديد، حتى لو فُرض أنك أعطيت هذا المدين أعطيته الدين في آخر شهر من السنة؛ يعني لم يبقَ على زكاتك إلا شهر واحد، ثم أعطيت هذا الفقير، بعت عليه شيئًا وبقي دين في ذمته، يقول: لا زكاة عليه، استأنِف الحول، مع أنه مضى من سنتك كم؟
الطلبة: اثنا عشر.
الشيخ: أحد عشر شهرًا، مثال ذلك: رجل تاجر يبيع ويشتري، وكان يُزكِّي ماله في رمضان، فجاءه فقير في شعبان، فباع عليه سلعة بألف درهم، وبقيت الألف في ذمة الفقير لمدة عشر سنوات.
القول الصحيح أنه لا زكاة فيها هذه المدة، لكن إذا قبضها، فهل يستأنف حولًا جديدًا ونقول: لا زكاة عليك في هذا الألف حتى يتم عليك سنة، أو يزكيه سنة القبض؟
في هذا خلاف، مع أنه لم يبقَ عليه إلا لسنته التي دين فيها الفقير إلا سنة، يقول: ويستأنف شهرًا إلا شهرًا.
يقول: إنه يستأنف حولًا، ولكن الصحيح القول الثاني في المسألة، أنه يزكيه لما مضى سنة واحدة، وذكره في حاشية العنقري عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله وأحفاده، أنه يُزكَّى سنة، وهذا مذهب مالك، وهو أحوط؛ لأنه أشبه ما يكون بالثمرة، الثمرة إذا حصلتها تزكيها حين حصولها، وكذلك أشبه ما يكون بالأجرة، التي اختار شيخ الإسلام رحمه الله أن الزكاة واجبة فيها من حين القبض، ولو لم يتم عليه الحول؛ لأنها من جنس الثمار، تجب الزكاة فيها حين حصولها؛ ولأن من شرط وجوب الزكاة: القدرة على الأداء، فمتى قدر على الأداء زكَّى، وهذا الذي نرى أنه أقرب إلى الصواب أن يزكيها حين قَبْضِها لسنة واحدة فقط، لو بقيت عشر سنوات لا زكاة عليه فيها، ووجه ما ذكرنا أن هذا أشبه ما يكون بالثمرة والأجرة، فهذا أقوال العلماء في الدين.
من العلماء من فصَّل قال: الدين الذي يُؤمَّل وجوده والحصول عليه فيه الزكاة لكل ما مضى، إذا حصَّلته، مثل: الدين على الفقير يؤمَّل حصوله إذا اغتنى، وأما الضائع والضال والمدفون المنسي، وما أشبهه فلا زكاة فيه؛ لأنه لا يؤمل حصوله، لا سيما إذا طال زمن ضياعه، ولكن الصحيح المدار على ما قلنا؛ على أن ما كان على غني باذل فهو في حكم الموجود في صندوقك فعليك أيش؟
الطلبة: زكاته.
الشيخ: زكاته، لكنك بالخيار، إن شئت أدَّيْت زكاته مع مالك، وإن شئت أخَّرت زكاته حتى تقبضه، والثاني رخصة، والأول فضيلة، وأسرع في إبراء الذمة.
وأما ما كان على مماطل أو مليء لا يمكن الحصول على ما عنده فلا زكاة فيه؛ لأنك عاجز عنه، وفي رفع الزكاة عنك فائدة، وهي إنظار المعسر؛ إذ إن النفس لا تقبل أن يقال: إن عليك زكاة هذا المال عند المعسر، ويجب عليك إنظاره، أنت تقول: أنا ليش أنظره؟ ما دام عليَّ زكاته، أزكي كل سنة مالًا ليس في حوزتي، ولا في قبضتي، ولا في إمكاني أن أطالب به؛ لوجوب إنظار المعسر، فإذا أسقطنا عنه الزكاة كان في ذلك تيسير عليه، وكان فيه أيضًا تيسير على من؟
الطلبة: المدِين المعسر.
الشيخ: المعسر المدِين، ففيه مصلحتان، لكن الأحوط والأولى أن نلزمه بإخراج الزكاة سنة قبضه؛ أولًا: لأنه قد يكون مضى عليه قبل الدين أشهر من السنة، وثانيًا: أن هذا يشبه الثمار التي يجب إخراج زكاتها عند الحصول عليها، ومثل ذلك المال المدفون المنسي، لو أن شخصًا دفن ماله خوفًا من السُّرَّاق..
ولا زَكاةَ في مالِ مَن عليه دَينٌ يَنْقُصُ النصابَ، ولو كان المالُ ظاهرًا، وكَفَّارةٌ كدَيْنٍ، وإن مَلَكَ نِصابًا صغارًا انْعَقَدَ حولُه حينَ مَلَكَه، وإن نَقَصَ النصابَ في بعضِ الْحَولِ أو باعَه أو أَبْدَله بغيرِ جِنْسِه لا فِرارًا من الزكاةِ انْقَطَعَ الْحَوْلُ، وإن أَبْدَلَه بجِنْسِه بَنَى على حولِه،
الضائع، والضال، والمدفون المنسي، وما أشبهه فلا زكاة فيه؛ لأنه لا يؤمل حصوله، لا سيما إذا طال زمن غيابه، ولكن الصحيح المدار على ما قلنا، على أن ما كان على غني باذل فهو في حكم الموجود في صندوقك فعليك أيش؟
طلبة: زكاته.
الشيخ: زكاته، لكنك بالخيار، إن شئت أديت زكاته مع مالك، وإن شئت أخَّرت زكاته حتى تقبضه، والثاني رخصة، والأول فضيلة، وأسرع في إبراء الذمة، وأما ما كان على مماطل أو مليء لا يمكن الحصول على ما عنده فلا زكاة فيه؛ لأنك عاجز عنه، وفي رفع الزكاة عنه فائدة، وهي إنظار المعسر؛ إذ إن النفس لا تقبل أن يقال: إن عليك زكاة هذا المال عند المعسر، ويجب عليك إنظاره، أنت تقول: أنا ليش أنظره؟ ما دام عليَّ زكاة أزكي كل سنة مالًا ليس في حوزتي، ولا في قبضتي، ولا في إمكاني أن أطالب به؛ لوجوب إنظار المعسر، فإذا أسقطنا عنه الزكاة كان في ذلك تيسيرًا عليه، وكان فيه أيضًا تيسير على من؟
طلبة: المعسر.
الشيخ: المعسر المدِين، ففيه مصلحتان، لكن الأحوط والأولى أن يُلزمه بإخراج الزكاة سنة قبضه؛ أولًا: لأنه قد يكون مضى عليه قبل الدين أشهر من السنة، وثانيًا: أن هذا يشبه الثمار التي يجب إخراج زكاتها عند الحصول عليها.
ومثل ذلك المال المدفون المنسي، لو أن شخصًا دفن ماله خوفًا من السراق، ولم يجعل علامة، ثم نسي، وكان قد ضرب عليه البلاط في البيت، ونسي، ماذا نقول له؟
إذا كنت تريد أن تعثر عليه احفر البلاط كله، فقال: لا يمكنني هذا، نقول: إذا عثرت عليه فأدِّ الزكاة على القول الراجح سنة وجودك أو عثورك عليه فقط، بعض الناس يتحيل على إخفاء المال بالدفن، وبعض الناس يتحيل على إخفاء المال بالبناء عليه في الشبهه، ويجعله موضع لبنة، وسمعت أن بعض الناس يتحيل، نخبركم بهذا؟
طلبة: أيوه نعم.
الشيخ: يتحيل على إخفاء المال بأن يضعه في خزانات الماء، يمكن ولَّا لا؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: يمكن إذا كان في صندوق مغلق تمامًا الماء لا يؤثر عليه.
على كل حال للناس طرق في إخفاء الأموال، فإذا أخفاه ونسي هذا حكمه أنه مدة نسيانه لا زكاة عليه فيه؛ لأنه مال معجوز عن التصرف فيه.
بقي مسألة مهمة كثر السؤال عنها حين كسدت الأراضي، تعرفون الأراضي السلح مرة زادت جدًّا قيمتها فاشتراها إنسان في وقت الغلاء، ثم كسدت ولا وجد أحدًا يشتريها لا بقليل ولا بكثير، فهل عليه زكاة في مدة الكساد أو لا؟ قولوا.
طلبة: ليس عليه، والله أعلم، ليس عليه زكاة.
الشيخ: يرى بعض العلماء أنه لا شيء عليه في هذه الحال؛ لأن هذا يشبه الدَّيْن على المعسر في عدم التصرف فيه؛ لأن صاحب الأرض يقول: يا ناس، خلو أحد يشتريها بقليل أو كثير، ما وجد أحدًا، كل الناس هاربون عن العقارات، وإن كان يُرجى في المستقبل أن تتحرك الأشياء كما هو الواقع، لكن حين كسادها يقول: لا زكاة فيها حتى يتمكن من بيعها، فإذا باعها حينئذٍ قلنا له: زكِّ لما مضى أو لسنة البيع؟
طلبة: لسنة البيع.
الشيخ: لسنة البيع، وهذا في الحقيقة فيه تيسير على الأمة، وفيه موافقة للقواعد؛ لأن الرجل يقول: أنا لا أنتظر الزيادة، أنا أنتظر أحدًا يرفع لسانه للهاته يقول: بِع عليَّ، ما وجدت أحدًا، فماذا أصنع؟ والأرض نفسها ليست مالًا زكويًّا في ذاته حتى نقول: تجب عليك الزكاة في عينها.
أما الدراهم المبقاة في البنك، أو في الصندوق من أجل أن يشتري بها دارًا للسكنى، أو يجعلها صداقًا لزوجته مثلًا، فهي ما تزيد لا شك، لكن هل فيها زكاة أو لا؟ فيها الزكاة، لماذا؟ ما الفرق بينها وبين الأرض الكاسدة؟
طلبة: لأن الزكاة في عينها.
الشيخ: لأن الزكاة في الدراهم واجبة في عينها، وأما الزكاة في العروض فهي في قيمتها، وقيمتها حين الكساد غير مقدور عليها، فهي بمنزلة أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: الدين على المعسر.
طالب: هو غني (... )، هل الفقير (... )؟
الشيخ: ابحث، إي نعم اسأل.
طالب: أحسن الله إليكم، هل المال اللي نبحث عنه الذي سأل عنه الأخ يقول: ما يمكن أن يبحث عن هذا السؤال، ما يمكن أن يبحث عنه (... ).
الشيخ: إذا كان المال ما يمكن البحث عنه، فالأصل عدم وجود المانع، وأن زكاته واجبة.
طالب: الأصل براءة الذمة.
الشيخ: لا، المال حاصل ما هو بالأصل براء الذمة، الأصل براء الذمة لو كان ما عندنا مال، أما ونحن مالكون للنصاب، فالأصل وجوب الزكاة.
طالب: طيب إذا صار يقول: أنا ما أقدر، ما عندي شيء؟
الشيخ: خلاص ما أقدر، إذن ما صار مستورًا.
الطالب: أنا أعرف أن عنده كل شهر مثلًا ثمانية آلاف ريالات.
الشيخ: طيب ثمانية آلاف، يمكن عليه دين سابق، ولا ثمانية آلاف فيها خير وبركة، أكبر حمولة ما زكَّت ثمانية آلاف ريال بالشهر.
طالب: شيخ، قلنا: إن الأجرة فيما مضى ما تجب فيها الزكاة؛ لأنها غير مستقرة.
الشيخ: نعم.
الطالب: ذكرت قولًا لشيخ الإسلام يقول: فيها زكاة.
الشيخ: إي، فيها زكاة إذا قبضها؛ لأنه بعد قبضها تبين استقرارها وثبتت، فهي كالثمرة، لكن المشهور من المذهب خلاف ذلك، المشهور لا بد من تمام السنة.
طالب: يا شيخ، (... ) إلى المئة القادمة نصف الزكاة من (... ).
الشيخ: أيش؟
الطالب: نصف الزكاة من (... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: غير متاح (... ).
الشيخ: أنا بعت مثلًا بيتًا بمئة ألف.
الطالب: بعد عشر سنين (... ).
الشيخ: بعد عشر سنين؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ليش؟
طالب: (... ) من الزكاة.
الشيخ: إذا قلنا بعدم الوجوب ما حاجة إلى أن نسقط عنه، لكن إذا قلنا بوجوب الزكاة في الدين على المعسر، وأسقطنا عن هذا المعسر مقدار الزكاة فالمذهب لا يجوز؛ لأن إبراء المعسر من الزكاة لا يجوز، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أننا إذا قلنا بوجوبها في الدين على المعسر، وأسقط عن هذا المعسر مقدار زكاة الدين الذي في ذمته فلا بأس بها؛ لأن هذا مواساة، وهذا القول صحيح.