الشيخ: لا، عندهم على العتبة؛ عتبة الباب.
كذلك أيضًا لا يجوز إخراج الميزاب.
طالب: مزراب.
الشيخ: ميزاب، ويش هو الميزاب؟ المثعب، وعند بعض الناس يسمونه مِرْزَاب، يبدِّلون الياء راءً.
طالب: الراء ميمًا.
الشيخ: مِرْزَام؟ لعلها بحرانية، على كل حال معروف، لا يجوز إخراج الميزاب على الأسواق النافذة، وين تروح سيول الناس، يدبّرها بكيفه، أما يخرجها على السوق فلا.
هذه مسائل أربعة، على المذهب لا تجوز، إلا بإذن الإمام، فإن أذن الإمام بذلك جاز بشرط ألَّا يكون في ذلك ضرر، فعليه يكون إطلاق المؤلف رحمه..
لأنه عقبه قال: (ولا يفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك بلا إذن المستحق).
على كل حال هذه الأربعة يجوز إخراجها بشرطين: أحدهما إذن الإمام أو نائبه، ونائب الإمام الآن عندنا في عُرْفِنا رئيس البلدية ما (... ) فيها شيء.
والشرط الثاني: ألَّا يكون في ذلك ضرر، فإن كان في ذلك ضرر فممنوع، مثل أن يُخْرِج ساباطًا قريبًا إلى الأرض، فهذا لا يجوز ولو أذن الإمام، لماذا؟ لما فيه من أذية الناس، يمكن يضرب رؤوسهم إذا كانوا مثلًا على الجمل، أو إذا كان أدنى إلى الأرض، فعاد يضرب رؤوسهم ويمشي، فهذا لا يجوز؛ لما فيه من الضرر.
الميزاب كذلك لا يُخْرِجُه إلا بإذن الإمام، والشرط الثاني: ألَّا يكون فيه ضرر، فإن استأذن من الإمام أن يُخْرِج ميزابًا قريبًا بحيث يضرب الرؤوس عند المشي حوله فإن ذلك لا يجوز.
وظاهر كلامه أن الدَّكَّة تجوز بإذن الإمام، والصحيح أنها لا تجوز ولا بإذن الإمام؛ لأن فيها ضررًا على كل حال، إذ إنها تضيِّق الطريق، وربما يأتي الإنسان وهو غافل فيصطدم بها، حتى إن بعض العلماء يقول: إنه لا يجوز أن يُكْثِر من طين الجدار حتى يُضَيِّق السوق، ويش يسمون هذا، تلييص؟
يقول: ما يجوز يزيد في اللياصة؛ لأن هذا يضيِّق السوق، ولو كان بقدر حبة شعير، حقيقة «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (7)، أنا مثلًا حَدِّي إلى هذا، وبراح أزوّد في اللياصة حتى آخذ مثلًا عشرين سنتي، أو ما أشبه ذلك، ليش؟ ويش بحل لي هذا؟ ييجي واحد بعده يأخذ.
وكما لا يجوز لأهل البيوت أن يأخذوا شيئًا من السوق، لا يجوز أيضًا لولي الأمر أن يأخذ شيئًا من بيوت الناس، وهو ما يسمى (... ) فإن هذا حرام، ولا يجوز لأحد أن يأخذ ملك المسلمين بأي حجة من الحجج إلا إذا دعت الحاجة إلى توسيع الشارع، فحينئذٍ يؤخَذ لكن يُعَوَّض عنه، أما أن يُجبَر الناس على أن يرتدوا مترين ويخرجوها إلى السوق فهذا محرَّم، ولا شك أنه إثم وأنه غصب، فلا يجوز.
فنحن نقول للناس: لا تتجاوزوا وتعتدوا على الطريق، ولا يعتدي أحد عليكم فيأخذ من بيوتكم، الحق أحق أن يُتَّبَع.
وعلم من كلام المؤلف أن الميزاب لا يجوز إخراجه إلا بإذن الإمام، لكن قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: إن هذا خلاف السنة، وأن السنة جرت بأن الناس يخرجون ميازيبهم إلى السوق بدون أن يستأذنوا من الحاكم، وهذا هو الصحيح، والعمل عليه إلى يومنا هذا، فإن الناس إذا عمروا البيوت يخرجون الميازيب إلى الأسواق.
لكن هنا مسألة يجب التفطن لها، وهي أنه إذا كان الشارع ضيقًا فإنه لا يُوجَّه خرير الميزاب إلى الأمام؛ لأنه إذا وجه إلى الأمام وزادت السيول فإن السيل سوف يندفع بقوة حتى يضرب على جدار الجار فيفسده، أو على بيته أيضًا أحيانًا فيؤذيه، ففي مثل هذه الحال يصرف اتجاه السيل إلى اليمين أو الشمال بأن يُجعل الميزاب مسدودًا من الأمام حتى ينصرف لليمين والشمال، وهذا معروف، في الوقت الأخير أيضًا لما جاءت العماير هذه والمسلَّحات صاروا يجعلون الميازيب..
طالب: للأمام.
طالب آخر: داخل البيت.
الشيخ: لا، ما هو داخل البيت، خارج، لكن على الجدار في أنبوبة تكون مثبتة في الجدار، وحينئذٍ يكون الضرر فيها معدومًا.
قال المؤلف: (ولا يفعل ذلك في ملك جار ودرب مشترك بلا إذن المستحق) (ولا يفعل ذلك) المشار إليه؟
طلبة: ما سبق.
الشيخ: ما سبق، والذي سبق إخراج الرَّوْشَن، والساباط، والدَّكَّة، والميزاب.
(في ملك جار إلا بإذنه) مثال ذلك: بيتي جداره إلى جاري، فأردت أن أُخرج رَوْشَنًا، فمنعني الجار، هل يحرم عَلَيَّ إخراجه؟
طالب: إي نعم، يحرُم الجدار.
الشيخ: ليش؟
الطالب: الطريق بيضيق.
الشيخ: لأن الهواء تابعٌ.
طالب: للقرار.
الشيخ: للقرار، فجاري أرضه له إلى السماء وإلى أسفل الأرض، فليس لي أن أُخْرِجَ الرَّوْشَن.
والساباط من باب أولى؛ لأن الساباط يتصل إلى الجدار، يدخل على بيت الجار إلى جداره الثاني.
الدَّكَّة: كذلك أيضًا ما يمكن.
الميزاب: أريد أن أجعل الميزاب على بيت جاري؛ لأنه ما بيني وبينه إلا الجدار، لا يجوز إلا بإذنه.
هل يجوز أن أفتح بابًا لغير الاستطراق بيني وبين جاري؟ الدِّرِيشة، يجوز ولَّا لا؟
طالب: بإذنه.
طلبة: بالتراضي.
الشيخ: يجوز، سواءً رضي ولَّا ما رضي، لكن بشرط ألَّا أكون بذلك مشرفًا عليه بحيث يكون الجدار -جدار الدِّرِيشة- قصيرًا، إذا وقفت نظرت إلى بيت الجار، هذا لا يجوز، فأما إذا كان رفيعًا فلي أن أفتح هذا؛ لأنه إذا كان لي أن أقف أو أن أنهي الجدار إلى هذا الحد فأنا إذا فتحت الدريشة فقد أنهيت بعض الجدار إلى هذا الحد، إي نعم.
يقول: (ودرب مشترَك) ما هو الدرب المشترك؟ السوق المسدود.
(مشترك) بين من؟
طالب: بين الجيران.
الشيخ: بين أهله الذين أبوابهم عليه، مثال ذلك: هذا مثلًا سوق سد فيه ثلاثة أبواب من الشرق، وثلاثة أبواب من الغرب، وباب من الأمام، السوق الآن متجه إلى الشمال، الشمالي منه فيه باب على بيت، والشرقي والغربي في كل جانب ثلاثة أبواب، هذا مشترك بين كم؟
طلبة: سبعة.
الشيخ: بين سبعة شركاء، لكن شراكتهم مختلفة، الذي بابه في أول السوق شريك في هذا الدرب إلى بابه فقط، فلا يتصرف فيما وراءه، والثاني: إلى بابه، والثالث: إلى بابه، والرايِس الرابع إلى آخر السوق، كل السوق.
وعلى هذا فالأول -اللي بابه هو الأول عند مدخل السوق- لا يملك نقل بابه إلى أسفل السوق إلا بإذن شركائه، لماذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لأنه مشترك، وما وراء بابه ليس له فيه حق حتى يستأذن من شركائه.
ولهذا قال: (ولا يفعل ذلك في ملك جار ودربٍ مشترَك بلا إذن المستحِقّ)
عندي: (ويجوز نقل بابٍ في دربٍ غير نافذ إلى أوله بلا ضرر لا إلى داخل إن لم يأذن من فوقه)، إي نعم، اللي في الآخر بابه في الآخر يجوز ينقله إلى أول السوق؟ نعم؛ لأن له حقًّا فيه، ولا يجوز إلى آخر السوق إلا بإذن المستحِقّ.
إذن أمكنهم في هذا السوق من؟
طلبة: الأخير.
الشيخ: الأخير، هذا هو أمكنهم، له أن ينقل بابه لما شاء، أما الآخرون فكلٌّ يملك إلى بابه فقط.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، لا يا أخي، اللي بيته مرتفع، يقال: دَكَّتَك بوسط دارك (... ).
يجوز.
يقول: (على حائط جاره إلا عند الضرورة) الضرورة بيَّنَها بقوله: (إذا لم يمكنه التسقيف إلا به)، هذه المسألة نعبر عنها: هل يجوز للجار أن يضع خشبه على حائط جاره أو لا يجوز؟
الجواب: إن أذن الجار جاز مطلقًا، سواءٌ اضطر إلى ذلك أم لم يضطر، وسواءٌ كان على الجدار ضرر أم لم يكن، لماذا؟ لأن الجدار ملكٌ للجار، فإذا أذن بوضع الشيء عليه فلا بأس، ولا أحد يحول بينه وبين ماله، وأما إذا لم يأذن فإنه لا يجوز أن يضع الخشب إلا بشرطين:
الشرط الأول: الضرورة إلى وضعه، والشرط الثاني: ألا يكون على الجدار ضرر.
الشرط الأول: الضرورة إلى وضعه، كيف الضرورة؟ الضرورة ألَّا يمكن التسقيف إلا بوضعه، يعني بأن تكون الخشب مثلًا تمتد من الشمال إلى الجنوب، وجدار الجار شمال، والخشب لا يمكن أن يمتد من الشرق إلى الغرب؛ لأن من الشرق إلى الغرب طويل والخشبة اللي عندي قصيرة، فلا يمكن أن تمتد إلا من الشمال إلى الجنوب، هذه ضرورة لا يمكن أن يسقف إلا إذا وضعتها على جدار الجار.
ننظر هل يتحقق الشرط الثاني وهو: انتفاء الضرر عن الجدار، فإن كان يضر الجدار بحيث يكون الخشب متينًا والجدار خفيفًا، يعني ليس بعريض، فهنا إذا وضعنا عليه الخشب الثقيل هذا وهو جدار رقيق فإنه يتضرر بلا شك، ربما يسقط، فهنا لا يجوز الوضع إذا كان يتضرر، فإن لم يكن يتضرر وكان محتاجًا إليه فإنه يضعه على الجدار.
فإن قال الجار: أَخْرِج عمودين واجعل بينهما جسرًا وضع الخشب عليه من داخل بيتك، يلزمه ولَّا ما يلزمه؟
طلبة: ما يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأننا لو قلنا: إن هذا يلزمه، لم يبق للحديث الذي ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام معنى من المعاني أبدًا.
الدليل على أنه يضع الخشب على الجدار، وأن الجار لا يجوز له المنع قوله عليه الصلاة والسلام: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ»، «لَا يَمْنَعَنَّ»، وهذا نهي، والأصل في النهي؟ التحريم، قال راوي الحديث أبو هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم (5)، (بها) قال بعض الشراح: أي بهذه السُّنَّة، (بين أكتافكم) أي: لأحَمِّلَنَّكم إياها؛ لأن الإنسان يحمل الشيء بين أكتافه يضعه على متنه، وقيل: المعنى: (لأرمين بها) أي: بالخشب، (بين أكتافكم)، يعني: إن لم تمكِّنُوه من وضع الخشب على الجدار فأنا أخليه يضعه على كتفك، وهذا كقول عمر رضي الله عنه: لأُجْرِيَنَّ الماء ولو على بطنك (8).
وإنما قال أبو هريرة ذلك لأنه كان أميرًا على المدينة رضي الله عنه، والأمير له السلطة أن يُلْزِم الناس بما تقتضيه الأدلة الشرعية.
على كل حال الحديث فيه النهي: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ عَلَى جِدَارِهِ».
لو قال صاحب الجدار: لا تضع الخشب حتى تُسَلِّم نصف قيمة الجدار، يلزمه أن يسلِّمها ولَّا لا؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأن الجدار ملك لبانيه، وهذا الجار إن رضي أن يكون شريكًا له في هذا الجدار ويشتريه منه فله ذلك، وإن لم يرضَ فإنه لا يُجْبَر، وبناءً على ذلك فإن ما يُعْرَف عند الناس بالمباناة لا تَحِلّ للجار، يعني بعض الناس إذا بنى بيته ثم جاء جاره وبنى، يقول: أعطني نصف تكاليف الجدار، هذا حرام عليه؛ لأنك إنما بنيت الجدار على أنه لك، ملكك، فما الذي يُحِلّ لك أن تأخذ نصف تكاليفه من هذا الجار؟ نعم، إن علمنا أن الجار تباطأ في البناء وتأخر علشان ذاك يبني فحينئذٍ نلزمه بأن يدفع القيمة؛ لأننا لو لم نلزمه لكان كل واحد يبغي يبني يقول: بسكت عشان صاحبي يقيم الجدار و (... ) من تكاليفه، وتكاليف الجدار ربما تكون مثلًا بعشرة آلاف ريال أو أكثر أو أقل حسب الحال.
إذا قال قائل: ما هي الحكمة في أن الشارع يُجْبِر صاحب الجدار على أن يُمَكِّن جاره من وضع الخشب على جداره؟
الجواب: أن الحكمة أن في هذا منفعة للجار بدون ضرر على جدارك، بل إن فيه مصلحة للجدار، ويش هي المصلحة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يمسكه، يثبِّته أكثر ويقيه الأمطار والشمس التي قد تؤثر عليه، ففيه فائدة للجار، وفائدة لمالك الجدار، وليس هناك ضرر، ولهذا اشترطنا لجواز الوضع ألا يكون فيه ضرر على الجدار.
قال المؤلف: (وكذلك المسجد وغيره) يعني ومثل جدار الجار جدار المسجد، فإن لجار المسجد أن يضع الخشب على جدار المسجد، أو أن يغرزها فيه غرزًا، إذا كان الجدار طويلًا والسقف دونه فلي أن أحفر في الجدار وأغرزها.
وقوله: (وغيره) يعني كالرباط والمدارس وبيوت الأيتام، وما أشبه ذلك، فإن حكمها حكم الجار، بمعنى أننا نضع عليها الخشب بالشرطين السابقين، وهما: الضرورة إلى وضع الخشب، وعدم الضرر على الجدار.
قال: (وإذا انهدم جدارهما أو خِيفَ ضرره فطلب أحدهما أن يعمره الآخر معه أُجْبِرَ عليه)، هذا إذا كان هناك جدار مشترك، ما هو جدار جار، جدار مشترك، انهدم، فطلب أحد الشريكين من الآخر أن يعمره معه، فقال الشريك: أنا ما بعامره؛ لأن بيتي الآن لا يُسكَن ولا أنتفع به، ولا عَلَيَّ منه، ينهدم الجدار أو لا ينهدم، فقال الشريك للجار: لازم نعمره، أنا بانتفع ببيتي، ولا يمكن يكون بيتي هكذا مفتوحًا، يُجْبَر الآخر ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه (... ).
الشيخ: لأن الضرر تجب إزالته، وهذا ضرر، كون بيتي يبقى مفتوحًا ليس عليه جدار هذا ضرر، والجدار بيني وبينك.
فإن قال الشريك: اعمر الجدار أنت وأنا ما أبغيه، حقي منه لك، يلزمه القبول ولَّا لا؟
طلبة: لا يلزمه.
طالب آخر: إذا رضي.
الشيخ: إذا رضي ما صار.. هذا برضا.
طالب: تنازل عن حقه.
الشيخ: إي تنازل، لكن الآن أنا ما أبغي التنازل، قيمة الجدار التي (... ) الجدار لك (... ).
طلبة: (... ).
الشيخ: نقول: لا، إذا قال: خذ حقي لك ما أبغيه، نقول: إن رضي الجار وعَمَرَه على أن الجدار ملكه فلا بأس، وإن لم يَرْضَ فإنك تُجْبَر على دفع حصتك من هذا الجدار، ولا يُلزم بها الآخر.
وقول المؤلف: (أو خيف ضرره) يعني: بقي الجدار لم ينهدم لكن خِيفَ ضرره، كيف يُخَاف ضرره؟
طالب: أن ينهدم.
الشيخ: ما انهدم، الآن الجدار قائم.
طالب: يكون متشققًا.
الشيخ: إي.
الطالب: أو ضعيفًا.
الشيخ: يكون متشققًا مثلًا يُخْشَى سقوطه، متشقق طولًا أو عرضًا؟
طلبة: عرضًا.
طلبة: طولًا.
الشيخ: أين العيب؟
طلبة: عرضًا.
الشيخ: طول ولَّا عرض؟
طلبة: ما فيه عيب.
الشيخ: لا، يعني إذا كان هكذا؟
طالب: كله عيب.
الشيخ: هذا ما هو عيب؟ ولا صار فوق، يعني من السماء إلى الأرض.
طلبة: كله عيب.
الشيخ: إي، كلكم لا تعرفون البناء.
طلبة: كله عيب.
الشيخ: يقولون: إذا كان طولًا فهو ما هو عيب، إذا كان عرضًا فهو عيب.
ويقولون على ذلك مثلًا: شَقّ الطول يفني جيول -جيول جمع جيل- يعني ما هو عيب، تبقى مدة طويلة ما يتأثر الجدار، وشق العرض يورِد الأرض، يعني يسقط الجدار ولَّا لا؟
طلبة: يسقط.
الشيخ: يسقط، وهذا هو الواقع، إذا كان الشق عرضًا فإنه عيب يُخْشَى منه، وإذا كان طولًا فليس بعيب، وهذا بالنسبة لبيوت الطين، ولهذا تجد بعض البيوت ينشق طولًا ويبقى مدة طويلة ما يتأثر، ولكن إذا انشق عرضًا فهو موشك للسقوط.
أما بالنسبة للمسلح فالظاهر أن المسلح كله عيب، سواء طولًا ولَّا عرضًا، لكن العرض أخطر، إلا إذا كان فيه جسر فوق، أحيانًا يكون فيه جسر فوق فالشق هذا ما يؤثر الظاهر.
طالب: الحجر يكون الشق المرتفع بالنسبة إلى الأرض أخطر من العرض.
الشيخ: لا.
الطالب: (... )
الشيخ: أنت لا تعرف البناء، ادرس أولًا قواعد البناء وبعدين ناقش.
الطالب: أعرفه تمامًا.
الشيخ: ما تعرفه تمامًا، إن كنت تعرفه تمامًا فهو لا يعرفك تمامًا.
المهم على كل حال: (إذا خِيفَ ضرره) بماذا؟
طلبة: السقوط.
الشيخ: خِيفَ أن يسقط، قال الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: 77]، ففي هذه الحال إذا طلب أحدهما من الآخر أن يعمِّره أُجْبِرَ عليه كما سبق.
قال: (وكذلك النهر والدولاب والقناة).
(النهر) يعني: إذا كان بين أراضيهما نهر يُسْقَى منه الزروع، فخرب النهر بكثرة الطين، وخُشِيَ أن ينسد، فطلب أحدهما من الآخر أن يزيل عنه هذه الأطيان ويعمره، يُجْبَر ولَّا لا؟
يُجْبَر؛ لأنه مشترك، فإذا قال أحدهما للثاني: أنا لا أريد زراعة أرضي ولا أريد الماء، قلنا: تُجْبَر على أن تسدد الحصة، فإن شئت انتفِع به، وإن شئت لا تنتفع.
وكذلك أيضًا: (الدولاب) توضَع فيه الكتب؟
طلبة: لا.
الشيخ: دولاب الماء، ما هو دولاب الماء؟ الدولاب -دولاب الماء- هو دالُوب الماء، باقي مشكل.
طالب: الذي تُخْرِج به الماء من هذا الماء.
الشيخ: يعني الدلو؟
طلبة: لا (... ) المروحة (... ).
الشيخ: مروحة؟ أنا رأيته، لكن الآن ما هو موجود عندنا، لكن رأيته سابقًا، هو عبارة عن أقراص، ولا أدري تعرفون أقراص ولَّا لا؟ صفائح مثل التنك لكن مفتوحة في سلسلة، هذه السلسلة يديرها عجلة كبيرة، وهذه العجلة لها أتراس تتداخل بعضها في بعض تتصل بعجلة عرض هكذا، والعجلة هذه فيها محور يقوده إما خيل، وإما بغال، وإما حمير، وإما إبل، تدور هكذا، طبعًا إذا دارت هذه الرحى وفيها كما قلت أتراس ستدور الثانية، لكن الثانية تدور هكذا، وهذه الأواني اللي في السلسلة تنزل تغرف الماء وهي خارجة، وإذا نزلت يتفرغ منها الماء ثم يخرج إلى الزرع، هذا الدولاب.
طالب: مثل السواني.
الشيخ: لا، ما هي السواني، غير السواني، هذه آلة.
طلبة: مثل الساقية يا شيخ.
الشيخ: يسمونها ساقية عندكم؟ إي، هذا الدولاب معروف الآن ولَّا غير معروف؟
طلبة: معروف.
الشيخ: معروف، زين الحمد لله، إذا خرب هذا الدولاب المشترك وطلب أحد الشريكين من الآخر أن يعمره أُلْزِم بذلك المشترَك.
(القناة) ويش هي القناة؟
طلبة: هي ممر مائي.
الشيخ: القناة هي التي نسميها مواسير، يوجد في بعض البلاد يكون الماء قويًّا من الأسفل، تُغْرَز القناة ثم يخرج الماء بدون أي شيء، يخرج الماء نابعًا كالعيون، فإذا خربت القناة ونزل الماء، وطلب أحد الشريكين من الآخر أن يعمر القناة وجب عليه أن يعمرها.
لو لم تخرب لكن احتاج أحد الشريكين إلى زيادة الماء، فطلب من الشريك الآخر أن يعمر ليزداد الماء، فهل يلزم الآخر أن يعمرها؟
طلبة: لا يلزم.
الشيخ: لا؛ لأن هذا زيادة منفعة، والأول دفع مضرة، ففي دفع المضرة يُجْبَر الممتنع، وفي تحصيل المنفعة لا يُجْبَر الممتنع.
نظير ذلك في الجدار لو أن أحد الشريكين قال للآخر: شوف جيراننا كلهم رَخَّمُوا جدرانهم، واحنا جدارنا بين ها الجدران غير لائق، لونه أشهب، واللياصة فيه مخشرمة ما هي جيدة، ونريد أن نُرَخِّمَه كما رَخَّمَ الجيران، فقال الشريك: لا، لا أريد ذلك، يُجْبَر ولا ما يُجْبَر؟
طلبة: لا يُجْبَر.
الشيخ: ليش؟
طالب: تحصيل منفعة.
الشيخ: لأن هذا تحصيل منفعة، فإذا كان الأمر من باب تحصيل المنفعة فإن الممتنع لا يُجْبَر، إن كان من باب دفع المضرة فإن الممتنع يُجْبَر.
فيما سبق كان الناس يستقون من الآبار، وكانت البئر قد تكون مشتركة بين جماعة، فينزل الماء، فإذا احتاجت البئر إلى حفر وطلب أحد الشريكين الآخرَ أن يحفر معه يُجْبَر ولَّا لا؟ يُجْبَر؛ لأن هذا لدفع مضرة.
فالقاعدة عندنا الآن: أن ما كان لدفع مضرة فإن الآخر يُجْبَر عليه، وما كان لتحصيل منفعة زائدة فإن الآخر لا يُجْبَر عليه.
عندي يقول: مَن له عُلْوٌ لم يلزمه عمارة سفله إذا انهدم، بل يُجْبَر عليه مالكه، هذا يُتَصَوَّر؟
مَن له عَلْوٌ فانهدم الأسفل، فإنه لا يُجْبَر صاحب العلو على بناء الأسفل.
طالب: إذا انهدم الأسفل يعني..
الشيخ: بل يُلْزَم مالك الأسفل، أقول: هل يُتَصَوَّر هذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، يُتَصَوَّر، كيف؟ يعني: يمكن واحد يشتري الدور الأعلى، ولَّا لا؟ وواحد في الدور الأرضي الأسفل، تكون هذه عمارة مكوَّنة من دورين أعلى وأسفل، الأسفل لشخص، والأعلى لشخص آخر، انهدم الأسفل، الأعلى ينهدم ولَّا لا؟ معلوم بينهدم، فقال: الأعلى للأسفل: اعمر لي الأسفل، قال: لا، ما أعمره، الأسفل عماد بيتك وأنت اللي تعمره، أنا ما أبغي، (... ) هذا، أبغي أرحل إلى محل آخر، يُجْبَر صاحب الأسفل ولَّا لا؟
طالب: نعم يُجْبَر.
الشيخ: يُجْبَر، نعم لازم، يقول: إذا كنت لا تريده أَقِم الأعمدة لي والجسور والسقف، وبكيفك تسكن أو ما تسكن، فيُجْبَر على أن يعمر؛ لأنه مالكه.
فإذا قال: لك الأرض خلاص ما أبغيها، أنا ما أنا بعامر لك ولا بالأرض، اعمر على الأرض، ويش تقولون؟
هل يُجْبَر صاحب العلو على قبول الأرض ويقول: أنت الآن اعمر على الأرض، أو لا يُجْبَر؟
طالب: قد يكون البناء أكثر ثمنًا من الأرض.
الشيخ: ما هكذا، ما هو على كل حال.. لا، المعروف أنه كلما ارتفع البناء زادت قيمته، هنا نشوف أيهما أحسن؛ أن يسكن الإنسان فوق ولَّا في الأسفل؟
طلبة: في الأسفل.
الشيخ: الأسفل أحسن من وجه، وأَشْيَن من وجه، من جهة الشَّرَحِيّة والنفاة فوق أحسن بلا شك وأبعد عن الرطوبة وأبعد عن الأرض..
(بابُ الْحَجْرِ)
ومَن لم يَقْدِرْ على وَفاءِ شيءٍ من دَيْنِه لم يُطالَبْ به وحُرِمَ حَبْسُه، ومَن مالُه قَدْرُ دَيْنِه لم يُحْجَرْ عليه, وأُمِرَ بوَفائِه, فإنْ أَبَى حُبِسَ بطَلَبِ رَبِّه، فإن أَصَرَّ ولم يَبِعْ مالَه باعَه الحاكِمُ وقَضاهُ ولا يَطْلُبُ بِمُؤَجَّلٍ، ومَن مالُه لا يَفِي بما عليه حالًا وَجَبَ الْحَجْرُ عليه بسؤالِ غُرمائِه أو بعضِهم، ويُسْتَحَبُّ إظهارُه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُه في مالِه بعدَ الْحَجْرِ ولا إقرارُه عليه، ومَن باعَه أو أَقْرَضَه شيئًا بعدَه رَجَعَ فيه إن جَهِلَ حَجْرَه وإلا فلا، وإن تَصَرَّفَ في ذِمَّتِه أو أَقَرَّ بدَيْنٍ أو جِنايةٍ تُوجِبُ قَوَدًا أو مالًا صَحَّ ويُطالَبُ به بعدَ فكِّ الْحَجْرِ عنه، ويَبيعُ الحاكمُ مالَه ويَقْسِمُ ثَمَنَه بقَدْرِ دُيونِ غُرمائِه، ولا يَحِلُّ مُؤَجَّلٌ بفَلَسٍ ولا بموتٍ إن وَثِقَ وَرَثَتُه برَهْنٍ أو كَفيلٍ مَلِيءٍ، وإن ظَهَرَ غَريمٌ بعدَ القِسمةِ رَجَعَ على الغُرماءِ بقِسطِه، ولا يَفُكُّ حَجْرَه إلا حاكمٌ.
(فصلٌ)
ويُحْجَرُ على السفيهِ والصغيرِ والمجنونِ لِحَظِّهم، ومَن أعطاهم مالَه بَيْعًا أو قَرْضًا رَجَعَ بعينِه وإن أَتْلَفُوه لم يَضْمَنُوا، ويَلْزَمُهم أَرْشُ الجِنايةِ وضَمانُ مالِ مَن لم يَدْفَعْهُ إليهم، وإن تَمَّ لصغيرٍ خمسَ عشرةَ سنةً أو نَبَتَ حولَ قُبُلِه شَعْرٌ خَشِنٌ
فالأسفل أحسن له، إذن ما دام الأسفل ليس الأحسن مطلقًا فإنه لا يُجبر عليه، بل يعود إلى رضاه، إن رضي وإلا فله الحق بمطالبتة بالبناء، أما لو كان الأسفل أحسن مطلقًا فإننا نلزمه؛ لأنه إذا أبى أن يقبل مع أنه أحسن مطلقًا علمنا أنه يريد بذلك أيش؟ المضارة ولَّا لا؟ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (1)، كون هذا الرجل يقول: خذ الأرض لك وابنِ والبناء الأسفل أحسن وأسهل.
كيف تأبى؟ لولا أنك تريد المضارة ما أبيت، وحينئذٍ نقول في مثل هذه الحال: يُجبر على القبول وإلا (... ).
طيب، فيه عندي: (ويلزم الأعلى سترةٌ تمنع مشارفةَ الأسفل) وهذه مسألة شرعية إنسانية كما يقولون، (يلزم الأعلى سترةٌ تمنع مشارفة الأسفل) أيش لون هذه؟ يعني مثلًا أنا لي بيتي مرتفع يجب أن أبني جدارًا يمنع مشارفة الأسفل، إذا قال: متى يمنع مشارفة الأسفل.
كم من متر؟
طلبة: مترين ولّا ثلاثة.
الشيخ: متر، طيب مترين حتى يسلمه ويشوف (... ).
طلبة: (... ) لو كان أربعة أمتار.
الشيخ: أربعة أمتار، يجيب سلم ستة متر، العلماء يقولون: العبرة بذلك قامة الرجل.
والمراد من قامة الرجل المتوسط لا القصير ولا الطويل، فلا بد أن يضع جدارًا إذا وقف الإنسان لا يُشْرِف على جاره.
إذا كان الجار ليس لاصقًا لي، بيني وبينه سور لكن بيتي يُطِلُّ عليه، يلزمني أن أضع السترة ولّا لا؟ إي يلزم، هو ليس من باب أولى، لكن يلزم؛ لأن هذا ضرر على الجيران، ومثل ذلك الدرايش، تعرفون الدرايش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: النوافذ، الشبابيك، هات لغات.
طالب: الفُرَج.
الشيخ: الفرج، الطاقة، لا بد أن يكون جدارها رفيعًا، فإن كان غير رفيع فإنه لا يجوز، لا بد أن يرتفع.
إذا قال قائل: أنا ما أنا برافع جدار النافذة هذه، ما أنا برافع، لكن بحط زجاج مثلج، الزجاج المثلج يمنع ولّا ما يمنع الرؤية؟
طلبة: يمنع.
الشيخ: فقال الجار الزجاج المثلج إن كانت أبوابه متحرِّكة فهو يمكن تبقى مفتوحة وتشاهد، وإن كانت ثابتة ما لها أبواب ثابتة فصحيح أن هذا قد يمنع، لكن يقول: الزجاج قابل للكسر، لو يأتي بَرَد من السحاب ومعه هواء وتضرب الحبة هذه الزجاجة كسرتها، أو يجيء واحد يعبث في الحصى ويضرب الزجاج انكسر، طيب (... ) أنت الآن عندك صبيان هنا في الشارع، صبيان عندهم جرأة كل يوم فاض عين الزجاجة، أبغي يطالبك كل يوم (... ) الزجاجة، تبغي تقول: إذا زينتها اليوم كسروها غدًا، ويش تقولون في هذه المسألة؟
طالب: (... ).
الشيخ: أنا والله أتوقف في هذا، يعني كون النافذة نازلة ولو كانت فيها يعني زجاج مثلج، يعني هذا قابل للكسر، وإذا انكسر وجد الإشراف، وكوني بقيت كل يوم أنا وياك أقول: يلَّا صلح الزجاج هذا، فيه صعوبة، وفيه نزاع وعداوة وبغضاء.
(... ).
[باب الحجر]
الحجر في اللغة: المنع والتضييق، ومنه سُمِّي العقل حِجرًا ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر: 5] أي: لذي عقل؛ لأن العقل يمنع صاحبه من فعل ما لا ينبغي فعله، فهو في اللغة: المنع.
وأما في الشرع: فهو منع الإنسان من التصرُّف في ماله أو في ماله وذمته.
هذا هو الحجر.
ثم إن الحجر ينقسم إلى قسمين: حجرٌ لحظِّ المحجور عليه، وحجرٌ لحظ غيره، فإن كان لحظ المحجور عليه فهو مَنْعٌ له من التصرف في ماله وذمته، وإن كان لحظ غيره فهو منع من التصرف في ماله فقط.
للمرة الثانية أقول: الحجر لغة: المنع والتضييق، واصطلاحًا منع الإنسان من التصرف في ماله وذمته أو في ماله فقط، ثم هو قسمان: حجر لحظ الغير، وحجر لحظ النفس، فإن كان لحظ الغير فهو أيش؟ حجرٌ في المال فقط، وإن كان لحظ النفس فهو حجر في المال والذمة؛ مثال ذلك: الصغير محجور عليه، ما يتصرف في ماله، وفي ذمته يتصرف؟ لا؛ لأنه محجور عليه لحظ نفسه، (في ذمته) يعني: ما يذهب الصغير مثلًا ويشتري شيئًا في ذمته، ولا يبيع شيئًا من ماله معينًا، فهو محجورٌ عليه في ماله وفي ذمته.
إذا كان الإنسان مدينًا ودينه أكثر من ماله حُجِرَ عليه، لمصلحة مَن؟ لمصلحة الغرماء، هذا يُمنع من التصرف في ماله، ولا يُمنع من التصرف في ذمته؛ يعني: لو استدان من أحدٍ شيئًا فله ذلك؛ لأنه محجور عليه لحظ غيره.
يقول المؤلف رحمه الله: (ومن لم يقدر على وفاء شيء من دَينه لم يُطالَب به وحَرُم حبسه، ومن له قدرة على وفاء دينه لم يحجر عليه وأُمر بوفائه، فإن أبى حُبس في طلب رَبِّه، ومَنْ ماله لا يفي بما عليه وجب الحجر عليه).
ذكر المؤلف الآن ثلاث حالات، المدين يعني الذي يُطلب له ثلاث حالات:
إما ألا يكون عنده شيء؛ فهذا لا يجوز مطالبته ولا حبسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، ومن طالبه مُنع من مطالبته فإن أصرَّ إلا أن يطالبه ويضيِّق عليه حُبس، من اللي يُحبس؟ الطالب؛ لأنه عاصٍ لله عز وجل، وبهذا نعرف ظلم وجور أولئك الذين يطالبون الفقراء بوفاء الدين حتى يلجئوهم إلى أن يستدينوا مرة ثانية فيزداد الدين عليهم، هؤلاء أهل للشح والجشع والطمع الذين ليس عندهم رحمة للمخلوق ولا خوفٌ من الخالق يجب أن يؤدَّبوا على فعلهم، يجب أن يؤدبوا ويضربوا ويحبسوا؛ حتى لا يطالبوا هؤلاء الفقراء بأمر لا يستطيعونه.
استمع إلى كلام المؤلف قال: (ومن لم يقدر على وفاء شيء من دينه لم يُطالب به وحَرُم حبسُه) معلوم؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (نظرة) يعني: فعليكم نظرة، أو فالواجب نظرة أي: إنظارٌ إلى ميسرة، ولا يحل للحاكم الشرعي أن يحكم بحبسه أي: حبس المطلوب؛ لأن حبسه هل فيه فائدة؟ أبدًا لا يزيد الأمر إلا شدة، دعْه يطلب الرزق في أرض الله فلعله أن يوفي، أما أن تحبسه، فما الفائدة؟
فيحرم على القاضي أن يحبسه، بل ويحرم على القاضي سماع الدعوى في مطالبته متى تبيَّن له أنه فقير، ويجب على القاضي إذا نهى مَنْ له الدين عن الطلب وأصر يجب على القاضي أن يحبس أو أن يؤدب هذا المطالِب، لماذا؟ لأنه فعل معصية، وقد قال العلماء: التعزير واجبٌ في كل معصيةٍ لا حدَّ فيها ولا كفارة.
لكن لو ادعى العُسرة وهذه هي المشكلة الآن في عصرنا الحاضر يدعي العسرة وهو كاذب، هذه هي المشكلة، فهل نقبل منه إن ادعي العسرة، نقبل منه أنه معسِر أو لا بد من بينة؟ لا بد من بينة؛ ولهذا عندي في الشرح: (إن ادعى العسرة ودينه عن عوض أو لا، وعُرِفَ له مال سابق أو كان أقر بالملاءة حُبِسَ إن لم يكن بينة تخبر باطنَ حاله وإلا حُلِّف).
إذا ادعى العسرة وليس هناك قرينة تدل على أنه موسر فإنه يُحلَّف ويُخلَّى، فإن كان هناك قرينة تدل على أنه موسر مثل أن يكون دينه عن قرضٍ استقرضه مني، ولم تمض مدة يوفي فيها هذا القرض أو كان دينه عن عوضِ شيء اشتراه ولم تمض مدة على سلفه، المهم إذا دلت قرينة على أنه غير معسر فلا بد من بينة، وإن لم يكن قرينة حُلِّف وخُلِّيَ.
ثم قال المؤلف المسألة الثانية: (ومَنْ له قُدْرَة على وفاء دينه لم يُحْجَر عليه).
طالب: ومن ماله قدر.
الشيخ: ومن له قدرة على وفاء دينه.
طلبة: ومن ماله قدر دينه.
طلبة: ومن له قدرة.
الشيخ: ما يخالف، اللي ماله قدر دينه له قدرة على وفاء دينه صح ولّا لا؟ إذا كان ماله قدر دينه فله قدرة.
المهم أن الذي ماله قدر دينه فإننا لا نحجر عليه، لماذا؟
لأنه لا داعي للحجر عليه، والأصل أن جائز التصرف يباح له أن يتصرف، وهذا الرجل رجل بالغ حر رشيد لا يمكن أن نمنعه من التصرف في ماله فلا نحجر عليه، ولكن ماذا نصنع؟
إذا كان دينه حالًّا يقول المؤلف: (لم يُحجَر عليه وأمر بوفائه) نعم أُمِرَ بوفائه، وفاء أي شيء؟
طلبة: (... ).
الشيخ: وفاء الدين، أمر بوفاء الدين، ويُلْزَم بالوفاء ولّا لا؟ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (2) فإذا كان ظلمًا وجب أن نزيل الظلم فيُأْمَر بوفائه.
لو أن الرجل لما أمرناه بالوفاء سافر، هرب، فهل يجوز أن يترخص برُخَصِ السفر؟
يقول العلماء الذين يشترطون ألا يكون السفر سفر معصية يقولون: إن هذا لا يترخص فلا يفطر في رمضان ولا يقصر الصلاة ولا يمسح على الخفين ثلاثًا لأن سفره؟
طلبة: معصية.
الشيخ: سفر معصية؛ إذ أن الواجب عليه أن يبقى ليوفي الدين، أفهمتم الآن؟
أما من يرون أن السفر تثبت أحكامه وإن كان سفر معصية كأبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية فإنهم يقولون: إن هذا يترخص لكنه آثم.
(فإن أبى) قلنا له: أوفِ الدين.
قال: لا، ما أنا موفٍ ولا بدي ما أعطي، بكرة، جينا بكرة، قال: بعد بكرة، بعد بكرة قال: جينا بعد يومين، جينا بعد يومين قال: بعد أربعة أيام وهكذا.
يقول المؤلف: (فإن أبى حُبِسَ بطلبِّ ربه) (حُبس) من يحبسه؟ الحاكم، (بطلب ربِّه) أي: رب الدين؛ يعني: إذا قال: احبسوه حبسناه، فإن لم يقل: احبسوه تركناه؛ لأن الحق له، ليس هذا حقًّا لله لا بد منه، بل هو حق للمخلوق، فإذا لم يطالِب بحبسه لم نحبسه.
الدليل على الحبس قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيُّ الْوَاجِدِ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (3) «لَيُّ»: بمعنى مطل، و «الْوَاجِدِ»: القادر على الوفاء، «ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» عرضه يعني: أن نذهب إلى الأمير ونقول: هذا رجل مماطل (... ) لا يوفي، هذا عِيبَة ولَّا لا؟ عِيبة، لكنها حلال؛ لأنها شكوى، «وَعُقُوبَتَهُ» -الحديث هنا يقول-: عقوبته، ولم يبين نوع العقوبة، بعض العلماء يقول: المراد بالعقوبة الحبس، وعندي أن الحديث ينبغي أن يكون على ظاهره وعلى إطلاقه، وأن يراد بالعقوبة: ما تجعله يُوفي ما عليه، قد يكون الحبس أنكى له فيبادر بالوفاء، وقد يكون الضرب أنكى له فيبادر بالقضاء، وقد يكون التشهير به أنكى له فيبادر بالقضاء.
قد يقول هذا الرجل: أنا والله في بيتي ما عندي طعام (... )؛ خبز يابس وفول، ما فيه دهن وما أشبه ذلك، أنا أحب أني أُحبَس؛ لأن الحبس يأكل أكلًا طيبًا ويُكرَّم، يقول: ما يخالف، الله (... ) هذا المكان فندق، وفيه كل شيء طيب، (... ) الحبس، هل نقول: إن هذا يزيده أو يُحَرِّصه على وفاء الدين؟ لا.
وقد يكون بعض الناس إذا جئنا به أمام الناس وشهَّرنا له في مجالس الناس أشد عليه من كل شيء.
فالصحيح أن العقوبة هنا مطلقة ترجع إلى من؟ إلى اجتهاد القاضي، أيّ عقوبة يقررها عليه فليفعل، هذا متى؟ إذا كان مالُه قدرَ دينه؛ لأنه لا حاجة للحجر، يؤمر بالقضاء فإن أبى وطلب صاحب الحق أن يُحبس حُبس على كلام المؤلف، أو إذا طلب أن يُعاقََب عوقب بما يراه القاضي على القول الثاني.
(فإن أصرَّ)؛ حبسناه ما فيه فائدة، ضربناه ما فيه فائدة، وبخناه عند الناس ما فيه فائدة، كل شيء نسويه به، يقول: افعلوا ما شئتم فلن أوفيَ، ماذا نقول؟ قال المؤلف: (فإن أصرَّ ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه).
إن أصر أن يوفي وأصر أن يبيع ماله للوفاء؛ لأن عليه دراهم والمال اللي عنده الآن عروض (... ) فإن القاضي يبيعها؛ لأن القاضي وَلِيُّ لمن لم يقم بالحق، وهذه من فوائد القضاة يبيع ماله ويوفي دينه.
هل يصح التصرف حينئذٍ؟ يجوز أني أشتري أنا، يجوز؟
طلبة: نعم يجوز.
الشيخ: كيف يجوز، وهذا الرجل ما رضي؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لكنه بِيعَ بحق، والبيع ما يصح إذا كان مكرَهًا بغير حق.
أما إذا كان بحق فلا بأس به، ومن ثَمَّ ننتقل إلى مسألة مشكلة وهو ما تأخذه الحكومة تعزيرًا، هل يجوز لنا أن نشتريه إذا عُرِضَ للبيع؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مثل؟
طلبة: السيارات.
الشيخ: السيارات اللي بتتصادر في المرور مثلًا أو غيرها فإنه يجوز لنا أن نشتريها؛ لأن هذه أُخذت بحق، وما أُخذ بحق فإنه يجوز أن يُشترى، ومثل الأراضي اللي تأخذها إذا كان بحقٍّ، أما إذا كان بغير حق فلا يجوز أن يُشترى منها (... ).
أو مالٌ أقل أو مالٌ أكثر، كذا؟ إذا لم يكن عنده شيء، ما الحكم؟ (... ).
كل ما سمعتم (الحاكم) في كلام الفقهاء المراد به؟
طلبة: القاضي.
الشيخ: القاضي.
قال: (ولا يُطالب بمؤجل).
(لا يُطالب) الضمير يعود على المدين سواءً كان موسرًا أم معسرًا، (بمؤجل) أي بدينٍ مؤجَّل؛ لأن مطالبته بمؤجل ظلمٌ له؛ إذ من حقه أن ينتفع بماله الذي في يده حتى يَحِلَّ؟
طلبة: الدين.
الشيخ: أجل الدين، وقول المؤلف (بمؤجل) ظاهره سواء كان التأجيل إلى أمدٍ قريب أو إلى أمدٍ بعيد فإنه لا يُطالب به، لماذا؟
قلت: لأن له الحق أن يتصرف في ماله الذي بيده حتى يَحلَّ أجل الدين، والذي أجَّل الدين من؟
صاحب الدين وهو صاحب الحق.
إذا قال صاحب الحق أنا أطالبه الآن بالدين؛ لأني أخشى أن يتصرف فيه في المستقبل تصرفًا يضر بي، قلنا: ليس لك الحق، فإن كان فيما بعد حل الدين وكان المال الذي عنده لا يفي بما عليه حجرنا عليه.
قال المؤلف: (ومن ماله لا يفي بما عليه حالًّا وجب الحجر عليه).
(ومن ماله لا يفي بما عليه) أفادنا المؤلف رحمه الله أن المال موجود لكن لا يفي بما عليه فالديون أكثر من المال؛ لأنه إذا كان يمكن أن يوفي من ماله فقد سبق، لكن إذا كان عنده مال ولا يفي بما عليه حالًّا وجب الحجر عليه، فإن كان عنده مال لا يفي بما عليه مؤجلًا فإنه لا يُحجر عليه؛ لأننا قلنا قبل قليل: إنه لا يُطالب بالدين المؤجل حتى يحل أجله.
قال المؤلف: (وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم) وجب على من؟
طلبة: القاضي.
الشيخ: على القاضي، وجب على القاضي الحجر عليه، والحجر عليه هو منعه من التصرف في ماله لا في ذمته هذا الحجر عليه.
يمنعه من التصرف في ماله لا في ذمته فلا يبيع ولا يشتري ولا يهب ولا يوقف ولا يرهن ولا يفعل أي شيءٍ، كان يُحجر عليه في ماله لكن (بسؤال غرمائه أو بعضهم) لا بد أن يسألوه، يسألوا أيش؟
طالب: المال.
الشيخ: يسألوا الحجر، فإن لم يقولوا للحاكم: احجر عليه لم يجب عليه حتى وإن كان دينه أكثر من ماله؛ لأن الحق للدائن فإذا لم يُطالب بالحجر فإننا لا نحجر عليه.
ما هو الدليل على الحَجر؟ الدليل على هذا أثرٌ ونظر؛ أما الأثر: فهو ما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حجر على معاذٍ وباع ماله (4).
وأما النظر: فلأن في الحجر عليه حماية لحق الدائن وحماية لذمة المدين أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: حماية لحق الدائن حتى يُعطى حقه أو بعضه، وحماية لذمة المدين لئلا تبقى ذمته معلقة مشغولة بالدين دائمًا، وهذه مصلحة كبرى عظيمة للدائن والمدين؛ فكان مقتضى النظر الصحيح أن يثبت الحجر.
يقول المؤلف: (ويُسْتَحب إظهاره) أي: إظهار الحجر؛ يعني: أن يُعلن إما في الجرائد، أو المجلات، أو في الأسواق، عند أبواب المساجد، أو يُكتب إعلان على دكان مثلًا بأن هذا محجورٌ عليه وإنما استُحِب إظهاره لفائدتين:
الفائدة الأولى: ليظهر مَن له دين عند هذا الرجل؛ لأنه إذا اشتهر أنه حجر عليه فأهل الدين سيأتون.
الفائدة الثانية: لأجل ألا يتصرف أحد معه في هذا المال الذي عنده؛ لأن تصرفه في ماله بعد الحجر، ويش حكمه؟ باطل لا يصح، فإظهار الحجر سنة تُستحب كما قال المؤلف لما فيه من الفائدة للمحجور عليه وللغرماء ولغيرهم من الناس؛ المحجور عليه حتى يعلم الناس أنه قد حجر عليه، فمن له دين أقبل وطالب به، وهذا فائدة للمحجور عليه، وللدائن أيضًا ولغيرهم من الناس إذا علم الناس أنه قد حُجر عليه فإنهم لا يعاملونه؛ لأنه سيأتينا أن من عامله بعد الحجر فإن المعاملة معه غير صحيحة.
يقول: (ويُستحب إظهارُه ولا ينفذ تصرُّفه في ماله بعد الحجر ولا إقراره عليه).
(لا ينفذ تصرفه) أي: تصرُّف المدين (في ماله بعد الحجر)، مثاله: حجرنا على هذا الرجل المدين وقلنا: لا تتصرف في مالك فباع شيئًا من ذهب، مثلًا باع السيارة، باع البيت، باع المتاع فالبيع غير صحيح وغير نافذ، لماذا؟ لأنه محجور عليه فأصبحت أمواله مشغولة بحقوق من؟ بحقوق الغرماء فصار كالراهن يبيع الرهن، وبيع الرهن على ما سبق غير صحيح فتصرفه في ماله لا يصح.
وقول المؤلف: (في ماله) يؤخذ منه أنه لو تصرف في ذمته فإن ذلك جائز، كيف يتصرف في ذمته؟
يعني: يشتري من إنسان شيئًا بدراهم في ذمته، ما فيه مانع؛ لأن المال الذي حُجر عليه الآن لا يتضرر بذلك.
أقر لفلان بأن في ذمته له كذا وكذا، يجوز ولّا لا؟
يجوز لكنه يطالب به بعد فك الحجر، وإنما جاز ذلك لأن الحجر عليه إنما هو في ماله فقط.
وقول المؤلف: (في ماله بعد الحجر) أفادنا رحمه الله أنه لو تصرف في ماله قبل الحجر فتصرفه صحيح، وظاهره ولو أضر بالغرماء، لكنه يحرم عليه.
مثال ذلك: رجل عنده ماله، الآن يساوي عشرة آلاف ريال وعليه دين يبلغ عشرين ألف ريال، الآن دينه أكثر من ماله، فهل ينفذ تصرفه في ماله ببيع وهبة وصدقة ووقف وما أشبه ذلك.
المذهب ينفذ؛ لأنه إلى الآن لم يُمنع من التصرف، ولهذا قال المؤلف يقول رحمه الله: (ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر) ففُهِمَ منه أن تصرفه في ماله قبل الحجر صحيح ونافذ، واختار شيخ الإسلام رحمه الله أن تصرفه قبل الحجر إن كان مُضِرًّا بالغرماء فهو غير صحيح ولا نافذ، وإن كان غير مضر فهو صحيح ونافذ، وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام أصح.
وجهه أن تصرفه في ماله تصرُّف يضر الغرماء حرام ولّا لا؟
طالب: حرام.
الشيخ: حرام حتى على المذهب، والشيء الحرام لا يجوز أن ينفذ؛ لأن تنفيذ ما حرم الله مضادة لله عز وجل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (5)، فإذا تصرف الإنسان في ماله قبل الحجر على وجه يضر بالغرماء فالصحيح ما ذهب إليه شيخ الإسلام أن التصرف باطل وغير نافذ.
مثاله: رجل الآن دينه أكثر من ماله فذهب يتصدق بالمال وتصدق على فقير بمئة ريال، هل هذا يضر بالغريم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يضر بالغريم، نقول: صدقتك الآن غير مقبولة ويجب عليك أن تردها؛ لأن هذا التصرف غير نافذ.
ورجل آخر كان عنده بيت، وكان دينه أكثر من ماله فأوقف هذا البيت؛ قال: هذا وقفٌ لله لأعمال البر، يصح ولّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: نعم قبل الحجر، على رأي شيخ الإسلام لا يصح؛ لأن هذا يضر بالغريم.
وعلى المذهب: يصح مع الإثم، والصواب: أنه لا يصح؛ لأن ما دمنا نقول: إنه حرام كيف ننفذه وهو حرام، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ».
خلاصة المقال الآن أن نقول: هل تصرف المحجور عليه نافذ أو لا؟ فيه تفصيل؛ إن كان في ذمته فنافذ، وفي ماله فليس بنافذ.
هل تصرف المدين الذي دينه مساوٍ لماله أو أكثر نافذ أو لا؟ المذهب نافذ مع التحريم، والقول الثاني: نعم، نافذ إلا أن يضر بالغرماء فإن أضر بهم فتصرفه غير صحيح، وهذا القول هو الصحيح.
إن تصرف بماله تصرفًا لا يضر بالغرماء كما لو تصرف فيه ببيعٍ وشراء يربح فيه فهذا نافذ ولا بأس به.
قال المؤلف: (ومن باعه أو أقرضه شيئًا بعده رجع فيه إن جهل حجره وإلا فلا) يعني: من باعه شيئًا أو أقرضه شيئًا.
الفرق بين البيع والقرض: البيع أن يأخذ عوضًا عما أعطاه، والقرض تبرع لكن يأخذ العوض متى؟ فيما بعد، ما فيه مبادلة، فالبيع مبادلة شيء بشيء، أما القرض فإنه يعتبر إرفاقًا بالشخص؛ يقرضه شيئًا ويأخذ بدله.
إذا باعه إنسان شيئًا بعد الحجر، فهل يصح هذا البيع أو لا يصح؟
والمراد باعه في ذمته ما هو بشيء من ماله؛ لأنه إذا باعه بشيء من ماله فقد سبق أنه لا يصلح، لكن في ذمته، إنسان باع عليك سيارة بعد الحجر.
فالجواب: إن كان هذا البائع يعلم بحجره فلا رجوع له، وإن كان لا يعلم فله الرجوع إن كان لا يعلم فله الرجوع بعين ماله الذي باعه، ففي المثال اللي ذكرناه لما باع على هذا المحجور عليه سيارة وهو لا يدري أنه محجور عليه فله أن يرجع ويأخذ السيارة؛ لأنه جاهل، أما إذا كان عالمًا فإنه لا يرجع بالسيارة.
لكن هل هذا الذي باع السيارة يرجع بثمنها ويُدْلِي مع الغرماء أو لا؟
الجواب: لا؛ لأنه سبق لنا قبل قليل أن تصرفه في ماله بعد الحجر غير صحيح؛ ولهذا يقول: (رجع فيه إن جهل حجره وإلا فلا).
أقرضه أي: أقرض المحجور عليه ألف ريال، فهل يرجع بها؟
نقول: فيه تفصيل؛ إن كان لم يعلم بأنه محجور عليه رجع به، وإن كان يعلم لم يرجع، وهل يدلي مع الغرماء؟
طلبة: لا يدلي.
الشيخ: لا يدلي؛ لأن نقول: إن هذا تصرف وقع بعد أن مُنع هذا من التصرف.
قال: (رجع فيه إن جهل حجره وإلا فلا)، ثم قال: (وإن تصرَّف في ذمته أو أقرَّ بدين أو جناية توجب قودًا أو مالًا صحَّ، ويُطالب به بعد فك الحجر).
(إن تصرَّف) أي: المحجور عليه (في ذمته)، أيش مثاله؟
تصرَّف في ذمته يعني: مثلًا اشترى شيئًا بدراهم فالشراء صحيح؛ لأن التصرف في الذمة، فإن اشترى شيئًا بشيءٍ معين من ماله فالشراء غير صحيح، والفرق بينهما أن الأول تصرف في ذمته والثاني تصرف في ماله وماله محجور عليه فيه لا يصح التصرف فيه، لكن الأول الذي باع للسيارة بعشرة آلاف مثلًا تصرف في ذمته، وهل يدلي مع الغرماء؟
لا، واستمع إلى كلام المؤلف يقول: (ويُطالَب به بعد فك الحجر عنه) أما الآن فلا يُطالَب؛ لأن حقه حدث بعد أن حجر عليه.
يقول المؤلف رحمه الله: (تصرف في ذمته أو أقرَّ بدين) بعد أن حجر عليه، وكانت الديون التي عليه مئة ألف ريال وحجرنا عليه في أثناء الحجر أقر لشخص قال: إن هذا الشخص يطلبني خمسين ألف ريال، إقراره صحيح ولّا غير صحيح؟ صحيح، لكن المقر له هل يدخل مع الغرماء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، وإنما يطالب بعد فك الحجر عنه، لماذا؟ لوجهين:
الوجه الأول: أن هذا التصرف وقع بعد الحجر، والتصرف بعد الحجر لا يمكن أن يصح فيما يتعلق بالمال.
الوجه الثاني: أن هذا المدين ربما يتفق مع شخص ويقول: سأقر لك بخمسين ألف ريال من أجل أن يشارك الغرماء، فإذا وزعت الدراهم وأخذ هذا المقر له الدراهم أعادها على من؟
طلبة: على المفلس.
الشيخ: على المفلس، في المثال الذي ذكرناه كان عليه مئة ألف ريال، فإذا أقر بالخمسين وقلنا: إن الذي أقر له بالخمسين يدخل مع الغرماء ستوزع هذه المئة على كم؟ على مئة وخمسين يعني: معناه ثلث ماله يكون لهذا المقَر له، ثم إذا انفك الحجر وانتهى كل شيء رجع المحجور عليه على هذا المقر له فصار في ذلك مفسدة.
مثال الجناية التي توجب القود: مثل أن يُقِرَّ بأن الذي قطع يد فلان مِنَ المفصل هو أنا هو المحجور عليه يقول: أنا الذي قطعت يد هذا الرجل من مفصلها، قطع اليد من المفصل يوجب القود ولَّا لا؟ يوجب القود إذا تمت الشروط، ولكن إن اختار المجني عليه المال عدلنا إلى المال.
فإذا أقرَّ المحجور عليه بجناية توجب القود كالمثال الذي ذكرت؛ أقر بأنه هو الذي قطع يد هذا الرجل من المفصل فإن الإقرار يصح، لكن المقَرَّ له إذا اختار الدية لا يشارك الغرماء؛ لأن هذا الإقرار صار بعد الحجر فلا يشارك الغرماء.
(أو جناية توجب مالًا).
مثال اللي توجب المال: القطع من دون المفصل يعني: لو قطعه من الذراع من هنا فلا قود فيه، وإنما يجب المال، كم من المال؟ إذا كان في الإنسان شيئان، فإن في أحدهما نصف الدية.
هذا قطع يدَه من نصف الذراع، ما فيه قود، فيه نصف الدية.
أقر لشخصٍ جاء مقطوع اليد، وقال: أنا الذي قطعت يده، يُقْبَل الإقرار ولّا لا؟ يقبل، ولكن متى يُطالَب به؟ يطالب بعد فك الحجر.
وظاهر كلام المؤلف لا فرق بين أن تكون الجناية جديدة أو قديمة، فلو فُرِضَ أن هذا الرجل أقر المحجور عليه بأنه هو الذي قطع يده أن يد هذا الرجل قد برئت من زمان، والحجر ماله إلا عشرة أيام فقط، فهنا نعلم أن القطع كان قبل الحجر، وأن الدية وجبت قبل الحجر، لكن نقول: شرط وجوب الدية هو الإقرار ولم يكن إلا بعد الحجر، واحتمال أن يكون المحجور عليه كاذبًا في إقراره وارد ولّا غير وارد؟ وارد؛ لأنه ربما يجي واحد من الناس مقطوعة يده من قديم يقول: تعال (... ) وأنت ادَّعِ عليَّ أنني أنا الذي قطعت يدك وسأقول: نعم أنا الذي قطعت يد هذا، إذا أقررت أنه قطع يده وقلنا: إنه يدخل مع الغرماء صار يزاحمهم في المال، فإذا انفك الحجر رَجَعْت وأخذت منه الدية، وهذا لا شك أنه موضع تهمة.
إذن نقول: إذا أقر بجناية توجب قودًا أو مالًا فالإقرار صحيح، لكن لا يطالب به إلا بعد فك الحجر؛ لأن ماله بعد الحجر صار مشغولًا للغرماء.
قال: (ويُطالَب به بعد فك الحجر) ثم قال: (ويبيع الحاكم ماله) يعني: بعد أن نحجر عليه ماذا نعمل؟
نشوف أولًا يقول: (يبيع الحاكم ماله) لكن بشرط ألا يكون من جنس الدين، فإن كان من جنس الدين فإنه لا يبيعه؛ مثال الذي من جنس الدين: لو كان هذا الرجل مطلوبًا بُرًّا، كل الذين يطلبونه يطلبونه برًّا، والمال اللي عنده الآن بُر هل نبيعه؟ ما نبيعه؛ أولًا: لأنه لا حاجة للبيع حينئذٍ.
ثانيًا: لأن البيع قد يضر هذا المحجور عليه، كيف يضره؟ ربما يباع الشيء بأقل من قيمته.
هذه واحدة.
والبيع يحتاج إلى نقل وتفريغ وإلى أجرة دلال، وهذا ضرر على المحجور عليه، فإذا كان المال الذي عنده من جنس الدين فإنه لا يباع، فقول المؤلف رحمه الله: (يبيع الحاكم ماله) (... ).
(يبيع الحاكم ماله) هذا إذا كان المال من غير جنس الدين، فإن كان من جنس الدين فلا حاجة لبيعه.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما شرحناها بارك الله فيك، هذا شرحناه في غير الغريم وغير المحجور عليه (... ).
(يبيع الحاكم ماله) إذا كان من غير جنس الدين، فإن كان من جنسه فلا حاجة لبيعه.
مثال ذلك: هذا رجل عليه مئة ألف ريال، وعنده خمسون ألف ريال وعنده سيارات وأمتعة وأوانٍ.
يبيع ويشتري، ما الذي يباع من ذلك؟
السلع، الأمتعة، والأواني، والسيارات، أما الخمسون ألف ريال فإنها لا تباع.
لو كان الدين الذي عليه دولارات، وعنده الآن خمسون ألف ريال سعودي وهذه السلع، يباع ولّا لا؟ تباع السلع، والريال السعودي؟
طلبة: دولارات.
الشيخ: عليه دولارات، ما عنده دولارات، عليه دولارات وعنده الآن دراهم سعودية.
طلبة: يصرف.
طالب آخر: يُصرف الريال، يتحول لـ..
الشيخ: إذن يُباع، الصرف بيع، تُباع الدراهم السعودية وتُحوَّل إلى دولارات، وتباع السيارات والأمتعة والسلع، تباع بدولار ولَّا بالدراهم السعودية؟
طلبة: دولارات.
الشيخ: يُنظر ما هو الأنفع إذا كان إذا باعها بدولارات صارت أنقص؛ لأن الناس ما عندهم دولارات فليبيعها بالدراهم، ثم نصرف الدراهم بعد ذلك إلى دولارات.
المهم أن الحاكم يبيع ماله إذا كان من غير جنس الدين، فإن كان من جنس الدين فلا حاجة لبيعه.
الحكم الثالث قال: (ويُقَسَّم ثمنه بقدر ديون غرمائه) (يقسم ثمنه) أي: ثمن المال الذي بيع أو الدراهم الموجودة بقدر ديون الغرماء، ولا فرق بين ما ثبت قريبًا وما ثبت بعيدًا، بمعنى أننا لا نقدم الدين الأول على الدين الثاني، فلو فرض أنه مدين لزيد منذ سنتين، ومدين لعمرو منذ سنة، فحق الرجلين واحد.
وقوله: (يقسمه بقدر ديون غرمائه) إذا كان أحدهم دينه ألف، والثاني دينه مئة، كيف نقسمه؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، كيف نقسم المال؟
الطالب: الغرماء كم؟
الشيخ: الغرماء اثنان؛ واحد دينه ألف، وواحد دينه مئة.
الطالب: (... ).
الشيخ: عنده الآن خمس مئة، كيف نعطيه؟
الطالب: نعطي لكل واحد (... ).
الشيخ: كيف، قل لي، عنده الآن خمس مئة، واحد يطلبه ألف، وواحد يطلبه مئة؟
الطالب: نعطي للي يطلبه مئة نعطيه..
الشيخ: إي نعم، واللي يطلبه ألف؟
الطالب: واللي يطلبه ألف، نعطيه أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة، هذا ظلم، ظلم عظيم، نعطيهم بالقسط بقدر ما (... ) بالقسط.
طالب: (... ).
الشيخ: بالنسبة يعني، بالنسبة، كيف النسبة؟
انسبوا الموجود إلى المطلوب، أُنسب الموجود إلى المطلوب وأعط كل واحد، مثل تلك النسبة هذا (... ) أن تنسب الموجود إلى المطلوب، وتعطي كل واحد من دينه بقدر تلك النسبة، فهنا خمس مئة نسبتها إلى أحد عشر خمسة من أحد عشر، نعطي كل واحد من دينة خمسة من أحد عشر.
مثال آخر: هذا رجل مطلوب، يطلبه شخص ثلاثة آلاف، وشخص خمسة آلاف، وشخص ألفين، كم من الجميع؟
طلبة: (... ).
الشيخ: عشرة، أول يطلبه خمسة، ما يخالف نبدأ من الأكثر، واحد يطلبه خمسة، والثاني يطلبه ثلاثة، والثالث يطلبه ألفين الجميع عشرة آلاف، لم نجد في ماله إلا خمسة آلاف، كيف نوزعه؟ انسب خمسة آلاف إلى عشرة آلاف تجدها؟
طلبة: النصف.
الشيخ: النصف، إذن أعط كل واحد من هؤلاء نصف دينه، أعط كل واحد نصف دينه؛ فنعطي صاحب الخمسة؟
طلبة: ألفين وخمس مئة.
الشيخ: ألفين وخمس مئة، ونعطي صاحب الألفين ألفًا، ونعطي صاحب الثلاثة ألف وخمس مئة.
الجميع خمسة آلاف، فهمتم كيف النسبة ولّا لا؟
هذا رجل يُطلب عشرة آلاف، ولم نجد عنده إلا خمسة آلاف ريال، العشرة؛ يطلبه واحد خمسة، وواحد ثلاثة، وواحد اثنان، كم من الجميع؟ عشرة آلاف، صح خمسة، وثلاثة، واثنان، الجميع عشرة، لم نجد عنده إلا خمسة آلاف ريال، على توزيع طلال نقول: الخمسة آلاف ريال لصاحب الخمسة آلاف ريال، والباقون ما لهم شيء.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) نعم، نعطي لصاحب الألفين ألفين ونعطي لصاحب الثلاثة ثلاثة آلاف، وصاحب الخمسة نقول: روح، هذا غير صحيح، الذي وجدنا الآن كم؟
طلبة: خمسة.
الشيخ: والمطلوب؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: عشرة، انسب الخمسة إلى العشرة: نصف، أعط كل واحد نصف دينه.
طالب: يعني: نأخذ أكبر عدد وننسب؟
الشيخ: انسب الموجود إلى المطلوب، وأعط كل واحد من الغرماء بمثل هذه النسبة، فإذا كان الموجود في ماله نصف المطلوب فلكل واحد من دينه النصف، إذا كان ربع المطلوب لكل واحد ربعه، إذا كان ثلثه لكل واحد ثلثه وهكذا.
رجل مطلوب؛ يطلبه واحد من الناس أربعين ريالًا، وآخر يطلبه عشرين ريالًا، وثالث يطلبه عشرة.
طالب: مئة وسبعين.
طلبة: سبعين.
الشيخ: سبعين (... )؛ أربعون وعشرون وعشرة سبعون، بعنا ماله، وحصلنا من بيع ماله سبعة ريالات فقط سبعة ريالات فقط، والمطلوب كم؟
طلبة: سبعون.
الشيخ: سبعون، انسب السبعة إلى السبعين.
طالب: كل واحد يأخذ عشرة.
الشيخ: اصبر، كمِّل، انسب بهداوة، عشر السبعين كل واحد يأخذ عُشر ماله، صاحب الأربعين نعطيه؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة ريالات؛ لأنها عشرٌ للأربعين، وصاحب العشرين؟
طلبة: ريالين.
الشيخ: ريالين؛ لأنها عشر للعشرين، وصاحب العشرة؟
طلبة: ريال.
الشيخ: ريال؛ لأنها عُشر العشرة وبهذا تمت الدراهم اللي عندي ولّا لا؟
لأن اللي عندي سبعة ريالات، أفهمتم الآن؟
يمكن أن نعرف لو كان واحد يطلبه تسع مئة وتسعة وتسعين، وآخر يطلبه ريال واحد فقط ووجدنا عنده عشرة ريالات، ويطلب الآن ألف واحد؛ يطلبه تسع مئة وتسعة وتسعين، وواحد يطلبه ريال واحد، ووجدنا عنده عشرة ريالات؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إي هذا، إي نعم، هنا عشرة ريالات (... ) ألف هللة أو لا؟
طلبة: ألف.
الشيخ: أو ألفين؟
طلبة: ألف.
الشيخ: ألف هللة، اللي له ريال كم يأخذ؟
طلبة: هللة واحدة.
الشيخ: هللة واحدة، والباقي لذاك، هذه النسبة تنفعكم جدًّا؛ يعني: تنسب أيش؟ الموجود إلى المطلوب، وتعطي كل واحد من دينه مثل تلك النسبة.
هذا ما نقله المؤلف: (ويُقَسَّم ثمنه بقدر ديون غرمائه).
فصارت الأحكام المتعلقة بالحجر التي ذكرها المؤلف كم؟ ثلاثة؛ منعه من التصرف في ماله، الثاني: بيع ماله إذا كان من غير جنس الدين، والثالث: قسم المال بقدر ديون الغرماء، وهذا واجب فورًا على الحاكم ما يُؤَخِّره.
ثم قال المؤلف: (ولا يحل مؤجَّل بفَلَس ولا بموت إن وثق ورثتُه برهنٍ أو كفيل مليء).
المؤجَّل لا يحل بالفلس؛ يعني: لو أن رجلًا فلس وحجرنا عليه ولشخصٍ آخر عليه دين مؤجل لا يحل إلا بعد سنة، فهل يحل هذا الدين المؤجل بتفليس المدين ولّا لا؟
يقول المؤلف: لا يحل؛ لأن حق الغريم غير ثابت الآن فلا يحل وعليه فيباع ماله ويقسم بين الغرماء الذين حلت ديونهم وصاحب الدين المؤجل ينتظر حتى ينتهي الأجل، لا يقول: هذا الرجل الذي له دين مؤجل لما فلس الرجل فحقي يحل لأشارك الغرماء؛ لأن الغرماء الآن سوف يقتسمون ماله ويخلص، (... ) وأنا حقي لا أريد أن يضيع فأنا أريد أو أطلب من القاضي أن يحل ديني لأجل أيش؟
طلبة: (... ) الغرماء.
الشيخ: أن أشارك الغرماء في المال الموجود لا سيما، وأن مالي قد يكون هذا الذي بيده أكثره هو مالي؛ لأن ديني مؤجل ما أخذه مني إلا قريبًا؛ نقول: لا، لا يحل؛ لأن الأجل حق لمن؟ حق للمدين.
وحق المدين لا يسقط بفلسه، بل أنت على حقك، وربما إذا حلَّ دينك يأتي الله تعالى برزق.
كذلك لا يحل مؤجَّلٌ بموت، لكن الموت اشترط المؤلف يقول: (إن وثق ورثته برهن أو كفيلٍ مليء).
هذا رجل مات وعليه دين يحل بعد سنة، إذا مات الإنسان أين يذهب ماله؟ ينتقل إلى ورثته، فصاحب الدين جاء إلينا وقال: إن المال انتقل إليكم وأخشى أن يحصل به تلاعب من الورثة، وأنا أريد أو أنا أطالب بديني، الآن ما دامت التركة موجودة؛ لأن حق الورثة لا يأتي إلا بعد قضاء الدين فأخشى أن يتلاعب الورثة بديني ويضيع، فأنا أطالب بحقي الآن، هل يحل ولّا لا؟
طالب: لا يحل.
الشيخ: يقول المؤلف: (لا يحل) لكن بشرط (إن وثق ورثته برهن) برهنٍ يحرز يعني، لما جاء إلى الورثة وقال: أنا الآن أنا أطلب ميتكم كذا وكذا من الدراهم وهي ما حلت، صحيح، لكن أخشى أن يضيع المال بينكم.
فقالوا: لا، حقك لن يضيع، سنرهنك شيئًا يحرز لك دينك.
قال: طيب، أرهنوني.
قالوا: نرهنك هذا البيت، بيت الميت، الدين مئة ألف، والبيت يساوي مئتين، يحل ولّا ما يحل؟
طلبة: ما يحل.
الشيخ: لماذا؟ لأن الرهن يكفي لقضاء الدين، فإن قالوا: نرهنك هذا البيت.
والدين مئة ألف، وهذا البيت يساوي عشرة آلاف ريال؛ فإنه يحل الدين، لماذا؟ لأن الرهن لا (... ) ما يكفي للدين، فهو يقول: أنا لن أطالب ما دامت التركة بين أيديكم، أطالبكم بديني.
مثال آخر: وهو قول: (أو كفيلٍ مليء): لما مات الميت، وعليه دين مؤجل جاء صاحب الدين يطلب من الورثة الدين، قالوا: دينك مؤجل، والمؤجل لا يحل بالموت، قال: إذن أعطوني كفيلًا؛ يعني: ضامنًا يضمن ديني إذا حل، قالوا: نعطيك، مَنِ الضامن؟ قالوا: الضامن فلان، رجل خَيِّر، طالب علم، صاحب صدق أمين، ذهب إليه قال: تضمن فلانًا؟ قال: نعم، أضمن الدين اللي على فلان إذا حل، فأنا ضامن، يحل ولّا ما يحل؟
طلبة: لا يحل.
الشيخ: لا؟
طالب: لأنه إذا كان مليئًا..
الشيخ: (... ) نشوف إذا كان مليئًا الرجل، هذا قلنا: إنه رجل طيب جيد صدوق حسن المعاملة فقال الورثة: هذا يضمن لك الدين، فقال تضمنه؟ قال: نعم أضمن لك الدين، هل يحل ولّا لا؟ ننظر إذا كان هذا الرجل مليئًا قُبِل يعني: لم يحل الدين، وإن كان غير مليء حلَّ الدين، إذا قال الورثة لصاحب الدين: هذا الرجل طيب، كل الناس يثقون به، قال: إي، لكن إذا حلَّ الدين، وهو ما عنده مال، ويش الفائدة من طيبته؟
قالوا: يضمن دينك هذا الرجل؛ رجل غني عنده أموال كثيرة أكثر من الدين مئة مرة، قال: تضمن، قال: نعم، لكن هذا الرجل مماطل ما (... )، يحل ولّا ما يحل؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يحل، يحل الدين المؤجل؛ لأن المليء كما قلنا فيما سبق: هو القادر؟ بماله وبدنه وقوله، وهذا الرجل غير مليء بقوله.
قال الورثة لصاحب الدين: يضمن دينك أبوك، فذهب إلى أبيه، وقال: تضمن ديني على فلان الميت، قال: نعم، هل يحل دينه ولَّا ما يحل؟
طلبة: يحل.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه لا يمكن مطالبته.
الشيخ: لأن أباه لا يمكن مطالبته، وهذا فليس بمليء، أما لو كان قادرًا على الوفاء بماله وقوله وبدنه فإن الدين لا يحل؛ لأن الأجل حقٌّ للميت موروث عنه، فالورثة ورثوا التركة بحقوقها ومن حقوقها الأجل.
قال المؤلف رحمه الله: (ولا بموتٍ إن وثَّق ورثتُه برهنٍ يحرز أو كفيل مليء، وإن ظهر غريم بعد القسمة رجع على الغرماء بقسطه) إن رجع غريم بعد القسمة، أي قسمة المال، يعني: هذا المفلس باع الحاكم ماله وقسَّم ثمنه على غرمائه، وبعد ذلك ظهر غريم، شوف كلمة (ظهر) تعطي أن هذا لم يتبين، (ظهر) بعد ذلك غريم، غريمٌ قد سبق دينه الحجر عليه فإنه يرجع على الغرماء بقسطه، يرجع على الغرماء بقسطه.
مثال ذلك: هذا رجل مدين، دينه أكثر مما عنده، فطلب الغرماء من الحاكم أن يحجر عليه، فحجر وباع ماله وقسمه بين الغرماء، ثم بعد ذلك ظهر غريم جديد ببينة على أنه يطلب المفلس دراهم قبل أن يحجر عليه، هل يضيع حقه ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، يرجع على الغرماء بقسطه، فإذا قدَّرنا أن الغرماء جميع ديونهم تبلغ خمس مئة وهذا الرجل الذي ظهر دينه خمس مئة، كم يرجع على كل غريم؟
طلبة: النصف.
الشيخ: بنصف المبلغ، بنصف ما أخذ؛ لأن دينه يساوي ديونهم؛ يعني: دينه نصف، وهم نصف، فيأخذ من كل إنسان نصف ما أخذ، وإذا كان أحدهم قد أخذ هلله كما في المثال الذي ذكرناه؟
طلبة: (... ).
الشيخ: نصف هللة، كيف هذا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، نعم، صحيح يشتري، تكسير الهللة ما هو ممكن، ولو كسرها ما صارت هللة، ولو كسرها انهلت وفسدت، لكن يُشترى بها شيء، نعم الهللة فيها خبزتين يا جماعة.
طلبة: لا، يا شيخ.
طالب: من يطالب بهللة؟
الشيخ: لا، الآن الحمد لله ما حد يطالب بالهللة، يمكن، ولا يطالب ولا بريال، لكن أنتم تعلمون أنه في زمن مضى أنه يُطالب بها، أنا أُخْبِرت: الكبريت هذا يحرج عليه المحرج يقول: أربعة بقرش، وواحدة بهللة، تعرفون الكبريت، هذه العلب وكان من الأول الهلل القرش أربع هلل، ما هو خمس، أربع هلل المحرج يطول حلقه بالسوق يقول: من يبغي الكبريت أربعة بقرش وواحد بهللة، صار الهللة لها قيمة، فيها كبريت كم فيه من عود؟
ستون عودًا، فالعود يوقد لك نارًا، إذا كان الواحد (... ) في اليوم مرتين، كم يسدها الكبريت؟ شهرًا كاملًا إذن له قيمة، لكن صحيح الآن ما لها قيمة، إنما المعروف على كل حال إذا وصلت الحد إلى هللة، لا يمكن كسرها فإنه يُشترى بها شيء ويقتسمانه.
أو نقول: خذ هذه الهللة أنت، ورد عليه ما يساوي نصف هللة، إي نعم، أو أنت خذ من هذا الذي أخذ الهللة ما يساوي نصف هللة؛ ولهذا قال: (رجع على الغرماء بقسطه).
قال: (ولا يفك حجره إلا حاكم) لا يَفُك حجره إلا حاكم يعني: أن هذا المحجور عليه لا يزول الحجر عليه هكذا، بل لا بد من قاضي يفك حجره.
العلة بذلك: قالوا: لأنه لما ثبت حجره بحكم الحاكم لم يرتفع إلا بحكم الحاكم.
(... ).
(ويحجر على السفيه والصغير والمجنون لحظِّهم) هذا هو القسم الثاني من أقسام الحجر، والقسم الأول المحجور عليه لحظ غيره، هذا هو المحجور لحظ نفسه وهم ثلاثة: السفيه والصغير والمجنون.
أما السفيه: فهو الذي لا يحسن التصرف في ماله هذا السفيه.
والصغير: هو الذي لم يبلغ.
والمجنون: هو الذي لا عقل له؛ فهؤلاء الثلاثة يحجر عليهم لحظهم أي: لمصلحتهم.
الذي لا يُحْسِن التصرف في ماله؛ قال العلماء: بأن يبذل ماله في حرام أو في غير فائدة يبذل ماله في الحرام أو في غير فائدة، مثل أن يبذله بشرب الخمر أو شرب الدخان أو الزنا أو ما أشبه ذلك من المحرمات هذا السفيه، أو في غير فائدة مثل أن يبذله بأشياء لا فائدة منها، مثل: يشتري جاز، تعلمون الجاز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: (... ) بدون فائدة، بس بده يشوف لهب النار مع الجاز، أو يشتري مفرقعات يشتري مفرقعات علشان يفرقع بها، هذا له فائدة ولّا لا؟ أو يكون كبير السن يشتري السيارات الصغيرة على بطاريات يلعب فيها وهوكبير السن، هذا غير فائدة ولّا لا؟ يعتبر هذا سفيهًا، أو يشتري بيضًا يلعب به القمار هذا من التصرف في غير فائدة ولَّا من التصرف المحرم؟ المحرم أي نعم، أما الصغير والمجنون فظاهر.
يقول: (يُحْجَر عليه) ولم يقل المؤلف: في أموالهم أو في ذممهم، بل أطلق فهؤلاء محجور عليهم في الأموال وفي الذمم؛ في الأموال بمعنى أنهم لا يتصرفون في أموالهم، وفي الذمم بمعنى أنهم لا يتصرفون في ذممهم؛ فلا يستقرضون ولا يشترون شيئًا بدين؛ لأنهم محجور عليهم في المال والذمة.
قال: (لحظِّهم) وهذا إشارة إلى الحكمة من الحجر عليهم وهو حظهم ومنفعتهم، فلسنا نحجر على هؤلاء من باب التضييق، ولكن من باب المصلحة.
قال المؤلف: (ومن أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا رجع بعينه، وإن أتلفوه لم يُضَمَّنوا) إذا أعطاهم ماله بيعًا فهو يرجع بعينه إن كان موجودًا، وإن أتلفوه فلا ضمان عليه؛ مثال ذلك: رجل باع على صغير شاةً، باع عليه شاة بخمس مئة ريال، فأخذ من الصغير خمس مئة ريال، والصغير أخذ الشاة ثم قتلها وتلفت، فما الواجب حينئذٍ؟
نقول للبائع: إن البيع غير صحيح، بيعك غير صحيح، وعليك أن ترد الخمس مئة إلى الصغير؛ لأن البيع غير صحيح، هو يقول: شاتي، نقول: شاتك رح خذها، قال: إنها جيفة مقتولة الآن، نقول: ما علمنا منك، أنت الذي سلطت الصغير على مالك، فلا شيء لك.
كذلك: إنسان باع على الصغير سمنًا أو عسلًا، باع عليه مثلًا قارورة عسل بمئة ريال، فأخذ المئة والصبي ذهب بالعسل ووزع على إخوانه أصحابه بالسوق، كل واحد فنجان من العسل وشربوه، فذهبنا إلى صاحب العسل وقلنا: أعطنا المئة ريال، العقد ما صح، فقال: أين عسلي؟ نقول: اتفضل العسل الآن، ما هو موجود أُتلف، هل عليهم الضمان؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، ليس عليهم الضمان، لماذا؟ لأنه هو الذي سلطه على ماله، هذا البيع.
القرض أيضًا لو أن أحدًا أقرض السفيه أو الصغير أو المجنون فإنه لا ضمان على الصغير ولا على السفيه ولا على المجنون، مثال ذلك: جاءني صبي صغير له عشر سنوات أعرفه وأعرف أباه قال: يا عم، سلفني ألف ريال؛ لأني (... ) نعم صحيح إنه (... ) الواقعية يمكن هذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أو يمكن (... ) أكثر من ألف.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، نعم، المهم على كل حال جاء وقال: أقرضني ألف ريال بأشتري (... ) ولا بأعمل عملًا أي: عمل، فأنا أعرف الصبي وأعرف أباه، قلت: اتفضل، أعطيته ألف ريال، الصبي أخذ الألف وذهب إلى المنتزهات والأندية وصار ينفق هذه الألف بهذه الأشياء، عرفتم، فجئت أطلب الصبي قال: أعطني الألف ريال، قال: والله ألف ريال ذهبت في رحلة، صرفت في رحلة، في التفرج على المنتزهات، على النوادي خلص، ماذا يصنع الذي أقرضه؟
ذهب إلى أبيه قال: إن ابنك استقرض مني ألف ريال، واسأله اسأل الابن، فسأله فقال: نعم، أخذت منه ألف ريال، يرجع على الأب ولَّا لا؟ لا يرجع، يرجع على الابن بمعنى أنه يكتب في ذمته ألف ريال؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليس عليه شيء، لماذا؟
لأنه هو الذي سلط هذا الصغير على ماله، والصغير محجور عليه فلا يصح تصرفه في ذمته، ولا في ماله، ولهذا قال: (ومن أعطاهم ماله بيعًا أو قرضًا رجع بعينه) يعني: لو كان هذه الدراهم باقية بعينها إلى الآن، ما بعد تصرف فيها، الصبي يرجع بها ولّا لا؟ يرجع؛ لأنها عين ماله.
والظاهر أنه يرجع كذلك لو اشترى بها شيئًا باقيًا، مثل المثال الأول الذي قلت: إنه اشترى بها دبابًا، والدباب موجود الآن يرجع به الذي أقرضه ولّا لا؟ يرجع؛ لأنه عوض ماله، لكن إذا أتلفوه، تلف صرفه في منتزهات وأندية وما أشبه ذلك فلا رجوع.
قول المؤلف: (ومن أعطاهم ماله) (مَنْ) هذه اسم شرط.
واسم الشرط من صيغ العموم، فهل يَعُم ما إذا كان المعطي مثل المعطَى؟
يعني: محجورًا عليه بمعنى أن صبيًّا أعطى صبيًّا مالًا فأتلفه، فهل يرجع الصبي المعطي على الآخذ؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يرجع؛ لأنه هو الذي سلَّطه على ماله، ولكن قد يقول قائل: إنه يرجع؛ لأن تصرف الصبي كذا تصرف؛ إذ إن الصبي الذي أعطاه محجور عليه أيضًا فتصرفه غير صحيح، ولكن المعنى الأول أقرب؛ لأن الصبي المعطي هو الذي سلطه على ماله، والحقيقة أن التفريط من ولي هذا الصبي؛ لأنه لا يجوز له أن يسلط الصبي على شيء من ماله، له أهمية بحيث يتلفه.
قال: (وإن أتلفوه لم يضمنوا ويلزمهم أرش الجناية) (أرش) بمعنى قرش في لغة؟
المراد بـ (أرش الجناية): ما يترتب عليها من ضمان، يعني أن هؤلاء الثلاثة وهم: السفيه والصغير ومن؟ والمجنون، لو جَنَوا على أحد فإن أرش الجناية واجب عليه، ويش معنى جنى على أحد؟
افرض أنه دهس رجلًا حتى انكسرت رجله، رجل المدهوس أو مات، فأرش الجناية على مَنْ؟ على هذا المحجور عليه، لكن إن كانت دية فالدية على عاقلته، وإن كان دون ثلث الدية فهو أيش؟ فعليه هو نفسه.
لو أن هذا الصبي جنى على فرس إنسان حتى كُسِرَ رجل الفرس يلزمه الضمان ولّا لا؟ يلزمه الضمان؛ لأن صاحب الفرس لم يسلطه عليه فيلزمه الضمان.
إذا قال قائل: كيف تُلْزِمونه بالضمان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ» (6)؟
نقول: هذا بالنسبة لحق الله، أما بالنسبة لحق المخلوق فإنهم يلزمون به، أرأيت لو أن نائمًا انقلب على شيء من مالك وأتلفه، هل يضمن ولّا لا؟ يضمن؛ لأن الإتلاف يستوي فيه العامد والمخطئ، والصغير والكبير.
قال المؤلف: (وإن أتلفوه لم يضمنه، ويلزمهم أيضًا ضمان مال من لم يدفعه إليه) (ضمان مال من لم يدفعه إليه) ويش معناه؟ يعني: لو أتلفوا مالًا لي لم أدفعه إليهم فعليهم الضمان، ويش مثاله؟ مثل: أتوا إلى دكان إنسان فأشعلوا به النار فاحترق ما فيه يضمنون ولَّا لا؟ يضمنون؛ لأنه ما دفعه إليهم ولا سلطهم عليه، أتوا إلى مطعم فنهبوا خبزًا ومرقًا ولحمًا وأكلوه يظمنونه؛ لأنه لم يسلطهم عليه، أما لو سلطهم عليه، مثل: هؤلاء الصبيان دخلوا في المطعم، وجلسوا على كرسي المائدة، وقالوا: أعطنا رزًا ولحمًا وإدامًا وخبزًا، وأعطاهم حتى شبعوا، فلما شبعوا قالوا: أكرمك الله، قال: أعطنا القيمة، قالوا: ما نعطيك، يلزمون بالضمان ولّا لا؟
طلبة: لا يلزمون.
الشيخ: ما يلزمون بالضمان؟
طلبة: يلزمون (... ).
الشيخ: المذهب لا يلزمون بالضمان؛ لأنه هو اللي سلَّطهم على ماله.
طالب: (... ).
الشيخ: وهذه مشكلة (... ) يعني: لو فُتح هذا الباب للناس، كان مثلًا الصبيان يملؤون المطاعم ويأكلون ما فيها، ويقولون: خلاص ما عندنا ضمان، لكن هذا فيه نظر، يعني: يجب أن يقال: إن مثل هذه الأمور يُلْزَمون بها، لكن إذا لم يكن عندهم مال، هل يؤخذ من وليهم؟ لا، لكن يبقى في ذممهم حتى يكبروا ويتجروا أو يتوظفوا، ويؤخذ منهم.
طالب: (... ).
الشيخ: إيه ما يخالف، لا يعطيه، وهذا هو الأولى لأصحاب المطاعم أن يحترزوا لأنفسهم إذا جاء مثل هؤلاء (... )، إذا لم يسلم يقول: ما عندنا شيء.
طالب: (... ).
الشيخ: يعني: صاحب المطعم يدخله، هيقول (... ) صاحب المطعم يخاطر (... ) نعطيك.
الطالب: (... ).
الشيخ: هذا بعدُ فاهم أنه تبرع، عاد يمكن فاهم أنها تبرع.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي صح، ما جاوبت السؤال، نعم، الإخوان يقولون: وما جاوبت السؤال.
يقول المؤلف رحمه الله: (يلزمه أرش الجناية وضمان من لم يدفعه إليهم)، إذن خلاصة المقام أن هؤلاء الثلاثة محجور عليهم في أموالهم وذممهم، وأن مَنْ سلَّطهم على ماله ببيع أو إجارة أو قرض أو غير ذلك، فإنه لا ضمان عليهم؛ لأنه هو الذي سلطهم على ماله، أما إن اعتدوا هم بأنفسهم فعليهم الضمان، فيلزمهم أرش الجناية وضمان من لم يدفعه إليهم، هذا خلاصة ما نقول في الحجر على هؤلاء الثلاثة.
نحن الآن محتاجون إلى بيان متى يزول الحجر عن هؤلاء؛ لأن الآن ثبت الحجر فمتى يزول؟ الصغير لا بد أن يبلغ، والمجنون لا بد أن يعقل، والسفيه لا بد أن يرشد.
بيَّن المؤلف متى يبلغ الصغير، فقال: (وإن تم لصغيرٍ خمس عشرة سنة) نقول: خمس عشر ولَّا خمسة عشر؟
طلبة: خمسة عشر.
الشيخ: إن قلنا: عامًا قلنا: خمسة عشر، وإن قلنا: سنة، قلنا: خمس عشرة؛ لأن الذي يلي المعدود على عكسه، الذي يلي المعدود في المركب على وفقه، والذي قبل على عكسه، العدد المركب يكون على عكس المعدود في الجزء الأول، وعلى وفق المعدود في الجزء الثاني فتقول: خمسة عشر رجلًا، وخمس عشرة امرأة، أفهمتم الآن؟ العدد المركب يكون على عكس المعدود في الجزء الأول.
طالب: إذا كان الجزء الأول (... ).
الشيخ: إي ويكون على وفقه في الجزء الثاني، تقول مثلًا: خمس عشرة أيش؟
طلبة: سنة.
الشيخ: سنةً، وتقول: خمسة عشر؟
طلبة: عامًا.
الشيخ: عامًا، في واحد يكون على وفق المعدود، في الجزأين فتقول: أحد عشر رجلًا، وتقول: إحدى عشرة امرأة، كذا ولَّا لا؟ وكذلك في الاثنين تقول: اثنتا عشرة امرأة، واثنا عشر رجلًا، فصار أحد المركب مع أحد، ومع اثنين موافق للمعدود في الجزأين، وثلاثة عشر وما فوق مخالف للمعدود، في الجزء الأول موافق له في الجزء الثاني؛ فتقول: ثلاثة عشر رجلًا وثلاث عشرة امرأةً.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، المركب قصدي.
الطالب: الخامس عشر.
الشيخ: نعم.
الطالب: مركب؟
الشيخ: لا، الخامس عشر هذا محلًّى بـ (أل).
يقول المؤلف: (وإن تمَّ لصغيرٍ خمس عشرة سنة بلغ) قال: (وإن تم) ولم يقل: وإن بلغ، وعلى هذا فمن له خمس عشرة سنة إلا يومًا فليس ببالغ، فرجل بلغ في الساعة الثانية عشرة صباحًا نقول: صلاة الفجر لا تجب عليه وصلاة الظهر تجب عليه؛ لأن صلاة الفجر قبل البلوغ، وصلاة الظهر بعد البلوغ؛ الدليل استدلوا بذلك بحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: عُرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني (7).
في الأول لم يجزه وفي الثاني أجازه، وهذا دليل على أنه في الثاني كان من الرجال، وفي الأول كان من الصبيان.
هذا واحد.
الثانية: قال: (أو نبت حول قُبُلِهِ شعرٌ خَشِن).
فإنه يكون بالغًا؛ لأن سعد بن معاذ رضي الله عنه حكم في بني قريظة أن من أنبت منهم قُتل، ومن لم ينبت فهو من الذرية فأقر النبي صلى الله عليه وسلم حكمه (8)، فدل ذلك على أن إنبات العانة علامة البلوغ.
وقول المؤلف: (نَبت) ظاهره أن النبات يكون طبيعيًّا، أما لو ادهن الإنسان بدهنٍ ينبت الشعر فإن (... ).
أو نَبَتَ حولَ قُبُلِه شَعْرٌ خَشِنٌ
أو أَنْزَلَ، أو عَقَلَ مجنونٌ ورَشَدَا، أو رَشَدَ سفيهٌ، زالَ حَجْرُهم بلا قَضاءٍ، وتَزيدُ الجاريةُ في البلوغَ بالحيضِ، وإن حَمَلَتْ حُكِمَ ببُلُوغِها، ولا يَنْفَكُّ الحجْرُ قبلَ شُروطِه، والرُّشْدُ الصلاحُ في المالِ بأن يَتَصَرَّفَ مِرارًا فَلا يُغْبَنُ غالبًا, ولا يَبْذُلُ مالَه في حرامٍ أو في غيرِ فائدةٍ، ولا يُدْفَعُ إليه حتى يُختَبَرَ قبلَ بُلوغِه بما يَليقُ به، ووَلِيُّهُم حالَ الْحَجْرِ الأبُ ثم وَصِيُّه ثم الحاكمُ، ولا يَتَصَرَّفُ لأحدِهم وَلِيُّه إلا بالأَحَظِ, ويَتَّجِرُ له مَجَّانًا، وله دَفْعُ مالِه مُضارَبَةً بجُزْءٍ من الربْحِ، ويَأكلُ الوَلِيُّ الفقيرُ من مالِ مُوَلِّيهِ الأقلَّ من كِفايتِه أو أُجْرَتِه مَجَّانًا, ويُقبلُ قولُ الوليِّ والحاكمِ بعدَ فكِّ الحَجْرِ في النفَقَةِ والضرورةِ والغِبطةِ والتلَفِ ودَفعِ المالِ، وما استدانَ العبدُ لَزِمَ سَيِّدَه إن أَذِنَ له، وإلا ففي رَقبتِه كاستيداعِه وأَرْشِ جِنايتِه وقِيمةِ مُتْلَفِه.
﴿باب الوكالة﴾:
تَصِحُّ بكلِّ قولٍ يَدُلُّ على الإِذْنِ، ويَصِحُّ القَبولُ على الفَوْرِ والتراخِي بكلِّ قولٍ أو فِعْلٍ دال عليه، ومَن له التَّصَرُّفُ في شيءٍ فله التَّوكيلُ والتوكُّلُ فيه،
لكنه ما بعد بلغ، هو الآن في الثالثة عشرة من عمره، قال: إني شايف إني ما بلغت، ما تَمِّيت خمس عشرة سنة، ولا احتلمت، ولا نبتت عانتي، قال: طيب، فذهب إلى الأطباء، وقال: أعطوني دُهنًا ينبت الشعر، فأعطوه ذلك، فجاء إلى وليه، وقال: تفضل، الآن بلغت، أعطني إياه، هل يُعطَى ماله؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه أنبت بعلاج، والمؤلف يقول: (أو نَبَت حول قُبُلِه)، نَبَت، فإذا أُنْبِتَ بعلاج فلا عبرة به، لو نبتت لحيته لا عانته؟
طالب: لا عبرة.
الشيخ: لا عبرة من باب أولى، نقول: لا عبرة لو نبت له لحية، لكن ما نبت له عانة، ولم يتم له خمس عشرة سنة، ولم يُنزِل فإنه ليس ببالغ؛ فالعبرة هي نبات العانة.
وقول المؤلف: (شعر خشن) احترازًا من الشعر الناعم الرقيق، فهذا ليس بعلامة على البلوغ؛ لأنه يكون في الإنسان من صغره فلا عبرة به، والله أعلم.
(... ) أَنْزَلَ يعني أَنْزَل مَنِيًّا؛ لكن بشرط أن يكون بشهوة إلا من نائم؛ لأن النائم لا يحس به، فإذا أنزل مَنِيًّا يقظةً أو منامًا بشهوة حُكم ببلوغه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 59]، ولقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6]، والإنسان يبلغ النكاح إذا أنزل، يعني صالح الآن للتزوُّج حيث يُنجب بهذا الإنزال.
إذن العلامة الثالثة وهذه الأخيرة بإجماع المسلمين أنها علامة على البلوغ، وأما العلامتان السابقتان ففيهما خلاف بين أهل العلم؛ ولكن الإنزال علامة بالاتفاق، فإذا أنزل فقد بلغ، لو أنزل بمحاولة الإنزال، بمعنى أنه عالج نفسه وحرَّك بدنه حتى أنزل، يعني بدون احتلام، يحصل بلوغ ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يحصل البلوغ، وكذلك لو قَبَّل امرأة أجنبية حرامٌ عليه تقبيلُها فإنه إذا أنزل بهذا يكون بالغًا، المهم أن وسيلة الإنزال لا يُشْتَرَط أن تكون مباحة، فمتى وُجِدَ الإنزال صار بالغًا.
قال المؤلف -رحمه الله-: (أو أنزل، أو عَقَلَ مجنونٌ) انتهى الكلام على الصغير، فصار الصغر يزول بواحد من أمور ثلاثة: تمام خمس عشرة سنة، إنبات الشعر الخشن حول القُبُل، الثالث الإنزال، ويكون هذا للرجال والنساء.
(... ) (أو عَقَلَ مجنونٌ) يعني ارتفع عنه الجنون، فإنه مع الرُّشد يزول عنه الْحَجْر، كيف نعرف عقله؟
طالب: بتصرفه.
الشيخ: بتمييزه وتصرفه.