والصحيح في هذه المسألة: أنه لا يقع طلاقه سواء كان معذورًا أم غير معذور؛ وعلى هذا فطلاق السكران لا يقع.
ودليل ذلك أن الحكم في الطلاق مرتب على عقله، أي على عقل الطلاق، والسكران لا يعقل الطلاق، ولا يدري ما يقول بنص القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]، والسكران لا يعلم ما يقول، والطلاق إنما يكون من شخص يعقله ويريده.
وقول بعض أهل العلم: إننا نُوقِع الطلاق عليه عقوبة له، فيقال: هذا غلط؛ لأن عقوبة السكران بالجلد، ولا يجوز أن نزيد على العقوبة التي جاءت بها السنة، ثم إن الطلاق إذا جعلناه عقوبةً على هذا السكران فهي عقوبة متعدية إلى مَنْ؟ إلى الزوجة، وقد يكون معها أولاد، وقد تكون هذه آخر طلقة، فيكون في هذا ضرر كثير.
فالصواب أنه لا يقع طلاق السكران، وهذا هو الذي رجع إليه الإمام أحمد أخيرًا، فقد قال رضي الله عنه ورحمه: كنتُ أقول بوقوع طلاق السكران حتى تبينته -يعني: حتى فكرت فيه وتبين لي- فرأيت أنه إذا وقع الطلاق أتيت خصلتين؛ حرمتها على زوجها وأحللتها لغيره، وإذا لم يقع الطلاق أتيت خصلة واحدة؛ وهي أنني أحللتها لزوجها لو قُدِّر أنها طلقت.
وهذا نص صريح من الإمام أحمد على رجوعه عن القول بوقوع طلاق السكران.
لكن لو فُرِض أن هذا الرجل يسكر كل يوم، ويطلق كلما سكر، فهل الأولى أن نُوقع الطلاق أو لا؟
نقول: الأولى ألا نوقع، لكننا لا نُفتيه على طول بأن طلاقه لم يقع، بل نحصره مدة طويلة شهرًا أو شهرين أو ثلاثة، وهذا لا يضر؛ لأنه ليس هناك طلاق حتى نقول: يُخشى أن تنقضي العدة، بل نُؤجِّل الأمر عليه حتى يضيق ويتأدب ويتألم؛ لأن كوننا نقول لهذا الرجل اللي سكر وطلق زوجته وجاء يستفتي: لا طلاق عليك؛ لا يهمه أن يسكر مرة أخرى، لكن إذا قلنا: لا نفتيك، أنت فعلتَ محرمًا ولا عذر لك، ولا نفتيك بأنه لا يقع الطلاق، وكلما جاء رددناه، حتى ينحصر ويعلم أنه قد ارتكب أمرًا عظيمًا.
ثم قال: (ومن أُكرِه عليه) أي على الطلاق (ظلمًا) لا عدلًا (بإيلام له) إلى آخره.
من أُكره على الطلاق فطلَّق تبعًا للإكراه، نظرنا إن كان هذا الإكراه بحق فالطلاق واقع، وإن كان بغير حق فالطلاق غير واقع؛ مثال الأول؛ الإكراه بحق: المولي الذي آلى ألا يطأ زوجته سنة، فهذا نقول له: إذا تمت أربعة أشهر، نقول: إما أن تُطلق وإما أن ترجع إلى زوجتك وتجامعها.
نقول لهذا المولي الذي آلى ألا يجامع زوجته لمدة سنة إذا تمت أربعة أشهر: إما أن ترجع إلى زوجتك، وإما أن تطلق.
فقال: لا أرجع ولا أطلق، فنلزمه أن يُطلق، فطلق لإلزامنا له بالطلاق، هل يقع الطلاق أو لا؟
طلبة: يقع.
الشيخ: يقع؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: مُكره؟ نعم، مُكره، لكنه مكره بحق، والمؤلف رحمه الله يقول: (من أُكره عليه ظلمًا)، وهذا أُكره بحق.
ولو أن زوجًا أمسكه شخص، وقال: طلِّق زوجتك، سواء كان أباها أو أخاها أو أحدًا من أوليائها، أو رجلًا أجنبيًّا، طلِّق زوجتك، فأبى، فجعل يضربه ويؤلمه، فطلق، فهل يقع الطلاق؟ لا يقع؛ لأن هذا الإكراه بغير حق.
كيفية الإكراه؟ قال: (بإيلام له أو لولده)، (إيلام له) يعني جعل هذا الرجل يؤلمه؛ إما بعصر بطنه، أو عصر أنثييه، أو ضمه ضمًّا شديدًا يكتم نفسه، أو يضربه بإيلام، يؤلمه؛ هذا مُكره، أو يؤلم ولده، ومثلًا هذا الزوج معه ولد، فقيل له: طلِّق زوجتك، قال: لا أطلقها، فأخذوا الولد، وجعلوا يعصرون الولد، ويضربونه، ويؤلمونه، فطلَّق من أجل أن يفتك ولده، ماذا تقولون؟ لا يقع الطلاق؛ لأن هذا إكراه بالإيلام، فإذا طلق فإنه لا يقع الطلاق.
طيب، إذا حضر أبو المرأة وأبو الزوج والجماعة -كبار الجماعة- وقالوا للزوج: طلِّق، وكان يحب زوجته، ولزموا عليه كثيرًا حتى طلق إرضاءً لهم، هل يكون مكرهًا أو لا؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: المؤلف فسر الإكراه (بإيلام له أو لولده)، هذا ليس بإكراه، بعض الناس يأتي يستفتي يقول: أنا ما طلقتها إلا مكرهًا، حضر أبوها، وحضر أبي، وحضر فلان وفلان، وأمروني أن أُطلِّق، فاستحييت فطلقت.
فيُقال: هذا ليس بإكراه، لماذا لم تصمم وتقول: أنا أحب زوجتي، وزوجتي ليس فيها مطعن في دينها ولا خلقها، ولا أُطلِّق؟ إذن هذا ليس بإكراه، حتى وإن كان الرجل طلق خجلًا وحياءً من أبيه وأبي زوجته وكبار الجماعة، فإن هذا لا يُعتبر إكراهًا؛ لإمكانه أن يصر على عدم الطلاق.
قال المؤلف رحمه الله: (أو أخذ مال يضره) يعني معناه استولى شخص على ماله، ولتكن السيارة، قال: يلَّا طلِّق زوجتك وإلا أحرقت السيارة الآن.
فطلَّق، أيقع الطلاق؟
طالب: لا يقع.
الشيخ: لا يقع الطلاق؟
طالب: إذا كان يضره يا شيخ؟
الشيخ: معلوم يضره، سيارته التي يمشي عليها، ويذهب إليها، وأيضًا هي قيمتها عالية.
طالب: يقع.
طالب آخر: على قول المؤلف لا يقع.
طالب: لا يقع.
الشيخ: لا يقع الطلاق؛ لأن هذا المال يضره لا شك.
أخذ منه قلمًا قيمته ريال، وقال: طلِّق وإلا كسرت القلم أمامك، فطلَّق، يقع أو لا يقع؟
طلبة: يقع.
الشيخ: ليش؟ لأن هذا لا يضر، قلم بنصف ريال لا يضر.
فالحاصل الآن: أخذ المال ميزانه الضرر، الضرب ونحوه ميزانه الإيلام.
فيقول المؤلف: (أو هدده بأحدها قادر يظن إيقاعه به).
(هدده بأحدها) أي: بالضرب المؤلم، أو بأخذ المال.
(قادر يظن) أي الزوج المطلق (إيقاعه به، فطلَّق، لم يقع) يعني هذا لم يضربه، ولم يؤلمه، ولم يأخذ المال، لكنه قال: إن لم تُطلق فعلتُ بك كذا وكذا، فطلَّق، أيكون مُكرهًا؟ نعم، مكره، يكون مكرهًا لا شك؛ لأن الزوج الآن يعتقد في ظنه أن هذا المهدِّد سوف يفعل ما هدد به.
طيب، لو هدده بذلك شخص، قال: إما أن تُطلق وإما أن أعصرك حتى تهلك، والزوج رجل كبير قوي، والمهدِّد صغير، يمكن للزوج أن يأخذه بيد واحدة، ويرمي به، فهدده بذلك، ثم طلق، يقع الطلاق أو لا؟
طلبة: يقع.
الشيخ: ليش؟ لأنه غير قادر على تنفيذ ما هدد به.
فالحاصل أنه إذا وقع الإيلام فعلًا أو أخذ المال فعلًا فهو إكراه، وإذا هُدِّد بذلك نظرت؛ فيه التفصيل: إن كان المهدد قادرًا على أن يفعل، فهو إكراه ولَّا غير إكراه؟ إكراه ولا يقع به الطلاق، وإن كان غير قادر فإنه ليس بإكراه، ويقع الطلاق.
لكن المؤلف رحمه الله يقول: (فطلق تبعًا لقوله لم يقع) هذه نقطة مهمة، المؤلف رحمه الله اشترط في الإكراه أن يُطلِّق تبعًا لقول المكره بأن طلق يريد بذلك دفع الإكراه فقط، فإنه لا يقع الطلاق، فإن أراد إيقاع الطلاق؛ لأنه مُكره فإنه يقع.
مثال ذلك: هذا الرجل الذي أخذه الظالم وآلمه بالضرب طلق زوجته، في حال طلاقه إياها لم يتصور إلا أنه طلقها فعلًا، على كلام المؤلف يكون الطلاق واقعًا؛ لأنه قصد إيقاع الطلاق، أما إذا كان أراد بذلك أن يسلم من الأذى والإيلام؛ يعني دفع الإكراه فقط؛ فإنه لا يقع.
يعني فالمؤلف رحمه الله يفرق بين أن يطلق لدفع الإكراه، أو أن يطلق من الإكراه؛ إن كان طلَّق لدفع الإكراه فهو قد قصد دفع الإكراه، ما قصد الطلاق، والأعمال بالنيات، وإن طلق من أجل الإكراه فقد قصد الطلاق، لكن اللي حمله على الطلاق هو الإكراه، فيكون بذلك مُطلِّقًا ويقع الطلاق.
هذا التفصيل في كلام المؤلف، لكن القول الراجح: أنه لا يقع الطلاق سواء أراد التخلص من الإكراه أم أراد الطلاق من أجل الإكراه.
الصواب أن حكم المسألتين واحد؛ لأن العلة هي أنه طلق مغلقًا عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (8)، وهذا الرجل لولا هذا الإكراه ما طلق، فالصواب إذن أنه لا فرق بين الصورتين.
والأخ يبين لنا الصورتين، الفرق بينهما؟
طالب: الصورتان إما أنه يقع ويريد..
الشيخ: إما أن يطلق.
الطالب: إما أن يطلق، وينوي بذلك دفع الإكراه، فهذا لا يقع.
الشيخ: نعم، إما أن يطلق مريدًا دفع الإكراه، فهذا لا يقع؛ لأنه لم ينوِ الطلاق.
الطالب: وأما إذا طلق وهو يريد بفعله التطليق فيقع الطلاق.
الشيخ: وإن طلق من أجل الإكراه؛ يعني أنه لما أكره طلَّق، وهو لولا الإكراه ما طلق، فهذا على كلام المؤلف يقع الطلاق؛ لأنه هنا قال: (فطلق تبعًا لقوله) لا قصدًا للطلاق، فصار كلام المؤلف يريد تفصيلًا، والقول الراجح أنه لا تفصيل فيه، وأن الطلاق لا يقع سواء أراد بذلك دفع الإكراه أو أراد الطلاق؛ لأنه إن أراد دفع الإكراه فإنه لم ينوِ الطلاق، والأعمال بالنيات، وإن طلق من أجل الإكراه فقد طلق مغلقًا عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (8).
طالب: شيخ، عفا الله عنك، الصورة الثانية ما تبينت؟
الشيخ: أيهما؟
الطالب: الصورة الثانية في صورتي الإكراه؛ الصورة الأولى تخلصًا من الإكراه، فقلنا: إنه لا يقع.
الشيخ: نعم.
الطالب: والصورة الثانية أنه طلَّق تبعًا للإكراه، هل (... )؟
الشيخ: لا، ما هو تبع، طلَّق يريد الطلاق، لكن من أجل أنه أُكره عليه.
الطالب: طيب، لماذا يطلق في هذه الحال؟
الشيخ: نعم، هو طلق، قيل له: طلِّق وإلا حبسناك، أو ضربناك، أو أخذنا مالك.
الطالب: إذن هو أيضًا يُطلِّق من أجل الخلاص من هذه العقوبة التي (... ).
الشيخ: لا، هو طلق يريد الطلاق، لكن لأنه أُكره عليه، وأما الصورة الأولى فهو لم يُطلِّق يريد الطلاق، لكن أراد الفكاك من هؤلاء الذين أكرهوه، ففرق بين الإرادتين؛ هذا أراد التخلص من الإكراه، وهذا أراد الطلاق؛ لأنه أُكره عليه.
طالب: شيخ، المؤلي إذا قال له القاضي: تطلق أو ترجع إلى أهلك، فيرجع يا شيخ في أربعة أشهر؟
الشيخ: إي نعم، يقول: المؤلي إذا قال له القاضي: إما أن ترجع لأهلك وإلا طلقنا عليك، أو تطلق أنت إجبارًا؟ إذا رجع مثلًا يومًا من الأيام، وجامع زوجته، ثم آلى ثانية؟ هذا نقول: على رأي من يرى أن الوطء لا يجب على الزوج إلا في أربعة أشهر، نقول: هذا قام بالواجب.
ولكن القول الصحيح أنه يجب عليه الوطء حسب العرف، وبناءً على هذا نقول: إذا آلى مرة ثانية، وعرفنا أن قصده الإضرار بالزوجة، فسخنا النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].
طالب: شيخ، بالنسبة لطلاق السكران، بعض العلماء يفرق بين الطافح الذي ذهب عقله بالكلية، وبين من لا يزال في عقله شيء، ولكن سكران، يُطلق أنه سكران، ولكن بقي في عقله بقية؟
الشيخ: لا وجه لهذا التفريق؛ لأن الذي ليس سكره تامًّا لا يعلم ما يقول، كأنه في حلم ما يعلم.
الطالب: لكن يا شيخ، لو علم ما يقول، لكن ظاهره السكر.
الشيخ: السكران لا يقع طلاقه مطلقًا، الطلاق ليس بالأمر الهين، ولا ينبغي أن يُقال: نحتاط؛ لأن الاحتياط في بقاء المرأة ليس في الطلاق، والورَع في بقاء المرأة ليس في الطلاق؛ لأنك إذا حكمت بالطلاق وهو لم يقع أحللها للناس، وتزوجها الناس وهي ذات زوج، ولهذا أشار الإمام أحمد رحمه الله -فيما سقت لكم قبل قليل- إلى أننا إذا حكمنا بالطلاق أتينا خصلتين؛ منعناها من زوجها الذي الأصل بقاء نكاحه، وأحللناها لغيره.
ولهذا من قال: إن مسائل الشك الورع فيها التزام الطلاق، فإن قوله مردود، بل الورع في مسائل الشك هو إبقاء الزوجة، هذا هو الورع؛ لأن المسألة ما هي هيِّنة، المسألة أنك ستحرمها من زوجها وأولادها وتُحلها لآخر، أين الورع في هذا؟ ! لكن إذا أبقيتها مع زوجها ما فيه شيء، بقيت على الأصل.
فالصواب أن جميع مسائل الشك في الطلاق، الأصل فيها بقاء النكاح؛ لأن هذا هو الورع وهو الحق، إي نعم (... )
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويقع الطلاق في نكاح مختلَف فيه، ومن الغضبان ووكيله كهو، ويُطلِّق واحدةً، ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتًا وعددًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
طلاق المكره، هل يقع أو لا يقع؟
طالب: لا يقع يا شيخ.
الشيخ: لا يقع مطلقًا؟
الطالب: إذا كان أكره يعني بغير حق، أما إذا أكره بحق (... ).
الشيخ: إن أكره بحق وقع، وبغير حق لا يقع مطلقًا.
طالب: شيخ، إذا كان لإيلام له أو لولده.
الشيخ: لا، هذا كيفية الإكراه.
طالب: أقول: يعني بالنسبة على ما مشى عليه صاحب الكتاب نقول: إن كان معذورًا فلا يقع، وإن كان..
الشيخ: هو مُكره الآن مكره.
الطالب: مكره؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: المفترض المكره يعني هو ينقسم إلى قسمين: إكراه بحق، وإكراه بغير حق.
الشيخ: إي نعم، الإكراه بحق يقع.
الطالب: الإكراه بحق يقع.
الشيخ: طيب، انتهينا منها وقالها زميلك.
الطالب: بغير حق لا يقع.
الشيخ: مطلقًا؟ هذا هو السؤال: إذا أكره بغير حق فهل يقع أو لا مطلقًا أو فيه التفصيل؟
الطالب: فيه التفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
الطالب: يعني إن كان الإكراه، يعني بعض الناس قد يفهم أن هذه المسألة من الإكراه وليس فيها إكراه، فإذا كان مثلًا يعني..
الشيخ: ما صح التفصيل هذا؛ لأن كلامنا إذا تأكدنا أنه إكراه.
الطالب: إذا كان إكراه يعني لا يقع.
الشيخ: طيب.
طالب: فيه قسمان؛ إذا كان بحق أو بغير حق.
الشيخ: انتهينا يا أخي، اترك بحق هذه لا تجينا أبدًا.
الطالب: أما إن كان بغير حق فهذا أيضًا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: أن يكون دفعًا للإكراه، والقسم الثاني: أن يكون من أجل الإكراه.
الشيخ: نعم، يعني أن يريد الطلاق من أجل الإكراه، والأول ما أراد الطلاق، وإنما أراد دفع الإكراه.
الطالب: بعض العلماء قالوا: الأول يقع دون الثاني، والصحيح..
الشيخ: الأول ما هو؟
الطالب: الأول أن يُطلِّق دفعًا للإكراه، يقولون: هذا ما يقع.
أما الثاني، وهو أنه إذا طلق من أجل الإكراه فهذا يقع، والصحيح أنه (... ).
الشيخ: طيب، المهم الآن نبينها لكم، بارك الله فيكم؛ على رأي المؤلف رحمه الله، إذا أكره على الطلاق وطلق؛ إن كان طلَّق تبعًا لقول المكره لا قصدًا للطلاق؛ يعني أنه أراد دفع الإكراه فقط، فإنه لا يقع؛ لأن الرجل ما أراد، لكن أراد أن يتخلص من هذا الذي أكرهه، وقال: زوجته طالق، هذا لا يقع؛ لأنه لم يرد الطلاق، وإنما قال لفظ الطلاق بناءً على إكراه هذا الرجل.
والحال الثانية: أن يُطلِّق، يريد الطلاق ليدفع به الإكراه، فهذا -على كلام المؤلف- يقع الطلاق؛ لأنه أراد الطلاق.
والقول الصحيح أنه لا يقع الطلاق؛ لعموم الأدلة الدالة على أن المكرَه لا حُكم لفعله ولا لقوله.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويقع الطلاق في نكاح مختلَف فيه)، الطلاق يقع (في نكاح مختلف فيه)، يعني في صحته؛ وذلك أن الأنكحة ثلاثة أنواعه: نوع متفق على صحته، ونوع متفق على بطلانه، ونوع مختلَف فيه.
المتفق على صحته لا شك أن الطلاق يقع فيه، مثل أن يعقد عقد نكاح تام الشروط منتفي الموانع، فهذا متفق على صحته، إذا طلق فالطلاق يقع ولا إشكال فيه، مثل أن يتزوج امرأة أجنبية منه برضاها ووليها والشهادة وغير ذلك من شروط النكاح الذي تمت شروطه وانتفت موانعه، فالطلاق في هذا النكاح واقع لا إشكال فيه.
الثاني: أن يكون الطلاق في نكاح اتُّفق على بطلانه، كأن يتزوج امرأة في عدتها، فإذا تزوج امرأة في عدتها فالنكاح باطِل بالإجماع، فهذا لا يقع فيه الطلاق؛ لأن وقوع الطلاق فرع عن صحة النكاح، والنكاح هنا باطل.
فإذا جاءنا رجل يستفتي بأنه تزوج امرأة في عدتها، فإننا لا نقول له: طلِّق، ليش؟
طالب: ليست زوجة.
الشيخ: لأن النكاح غير صحيح أصلًا، بل نفرق بينه وبينها.
مثال آخر: إنسان تزوج امرأة، وبعد عقد النكاح شهدت امرأة ثقة بأنها أرضعتهما، أي أرضعت الزوج والزوجة، فالنكاح هنا؟ باطل، لماذا؟ لأن العلماء مجمعون على هذا، على أن الأخت من الرضاع لا يصح نكاحها، فالنكاح هنا باطل.
هل نقول لهذا الرجل: طلِّق المرأة؟ لأن الطلاق فرع عن صحة النكاح، بل نفرق بينهما رأسًا بدون طلاق.
بقي القسم الثالث: النكاح المختلف فيه؛ قد يكون المتزوج يعتقد صحته، فإن كان يعتقد صحته فحكمه حكم النكاح الصحيح، وإن كان يعتقد فساده فحكمه حكم النكاح الباطل.
طيب، إذا كان يعتقد صحته والقاضي الذي تنازعوا عنده يعتقد فساده، فهنا نقول للزوج: طلِّق، فإذا طلَّق فلا إشكال فيه.
لماذا؟ لأنه يعتقد صحة العقد، فطلاقه في محله.
وإذا كان المتزوج يعتقد فساده، لكن بعض العلماء يرى أنه صحيح، فإننا نقول: طلِّق.
فإذا قال: أنا أعتقد الفساد، كيف تأمروني أُطلِّق؟ قلنا: طلق من أجل الخلاف بين العلماء، حتى تحل للزوج الثاني بِلا إشكال.
طيب، مثال ذلك: رجل تزوج امرأة، وعقد له عليها رجل أجنبي منها، والولي شرط لصحة النكاح على القول الراجح، وفيه خلاف، هذا الذي تزوجها بلا ولي تزوجها يعتقد أن الذي زوجه وليها، فلما تبين له أنه غير وليها صار النكاح في اعتقاده باطلًا، نقول: طلِّق، قال: لا أطلق، أطلق في نكاح أعتقد أنه غير صحيح؟ الحجة في ظاهرها صحيحة قوية، لكن نقول: طلِّق؛ لأنه ربما يأتي إنسان يرى أن النكاح بلا ولي جائز، وحينئذٍ يعتقد أنها في عصمتك حتى الآن، فإذا طلقت استراحت المرأة واستراح أهلها.
واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: الجواب يتعقل، واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: الأخ؟
طالب: أعدها يا شيخ.
الشيخ: أنا لا أسمح لإنسان أقول هو واضح؟ ويسكت وهو غير متضح؛ لأنه ما هو طالب علم، أما إذا لم أستفهم أقول هو واضح ولَّا لا؟ ما عليه، إن فهم فهو فاهم وإلا هو وشأنه، لكن إذا كررنا بأن نقول: أنت فاهم، لازم أنه يكون صريحًا ويقول: ما فهمت.
المثال مرة ثانية: رجل تزوج امرأة، وعقد له عليها شخص أجنبي منها، لا هو عمها ولا أخوها ولا أبوها، وهو يعتقد أنه وليها، تبين أن الرجل غير ولي، أجنبي، الزوج يعتقد أن النكاح بلا ولي فاسد، هل يمكن واحد يزوج امرأة ويقول: أنا وليها وهو غير ولي؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هو شرعًا، هل يمكن شرعًا؟ ما يمكن، لكن هل يمكن وقوعه؟ يمكن يزوجه، ما أكثر المتحيلين! يقول: هذه أختي، ولا بنتي، ولا ما أشبه ذلك، وتزوج، وذاك بيعطيه عشرين ريالًا أو ثلاثين ريالًا علشان هو قريب الزوجة.
على كل حال القضية الآن: رجل تزوج امرأة بولي أجنبي، غير ولي في الواقع، لكن هو قال: إنه وليها، فتزوجها، ثم تبين أنه أجنبي والزوج يعتقد أنه لا نكاح إلا بولي، النكاح عند الزوج الآن فاسد، كذا؟
قيل له: طلِّق؛ لأن الزوج الآن لما علم أن العاقد أجنبي ما هو راح يستحلها، يعتقد أنها أجنبية منه.
قيل له: طلِّق، قال: ما أنا مطلِّق، أطلق امرأة أنا أصلًا ما نكحتها؟ نقول: طلِّق، علشان أيش؟ لئلا يأتي إنسان ويقول: النكاح بلا ولي صحيح، وإذا كان بلا ولي صحيح بقيت المرأة في حبال الرجل الأول إذا لم يطلقها.
هذا معنى قول المؤلف: (يقع الطلاق في نكاح مختلَف فيه).
أمثلة للنكاح المختلف فيه، ما أكثر الأمثلة: إذا رضعت المرأة من أم الزوج مرة واحدة، بعض العلماء يقول: إنها لا تحل له؛ لأنها أخته، وبعض العلماء يقول: تحل له؛ لأنها ليست أختًا له.
من الذين يقولون: لا تحل له؛ لأنها أخته؟ هم الذين يقولون: إن الرضاع لا يحتاج إلى عدد، وأن مجرد إرضاع المرأة الطفلة تكون أُمًّا لها.
إنسان تزوج امرأة قد رضعت من أمه ثلاث مرات، النكاح مختلف فيه؛ لأن بعض العلماء يقولون: إذا رضعت ثلاث مرات صارت بنتًا للمرضعة، وبعض العلماء يقولون: لا تكون بنتًا لها إلا إذا رضعت خمس رضعات.
إذن النكاح هنا مختلَف فيه.
رجل تزوج امرأة بِلا ولي، لكنها امرأة عاقلة رشيدة تعرف اللي ينفعها من اللي يضرها، وتزوجها بلا ولي.
ما تقولون في النكاح؟ مختلَف فيه، بعض العلماء يقول: الولي ليس بشرط، فالنكاح صحيح.
وبعض العلماء يقول: إنه لا بد من ولي فالنكاح غير صحيح.
وأنا أحكي الأقوال دون الترجيح؛ لأنه ليس هذا محل ترجيح، وإلا من المعلوم أن الرضاع لا يحرم إلا إذا كان خمس رضعات، وأن النكاح لا يصح إلا بولي.
هذا نكاح مختلف فيه.
طيب، تزوج امرأة بولي وبجميع الشروط إلا أنه بلا شهود؟ النكاح مختلَف فيه، بعض العلماء يقول: يصح، وبعضهم يقول: لا يصح إلا بشهود.
المهم أن النكاح المختلَف فيه كثير جدًّا، يعني قد يظن طالب العلم أول ما يظن أن النكاح المختلف فيه قليل، ولكن هو كثير؛ قد يختلف الناس في صفة العقد أو في أركانه أو في شروطه، وهذا كثير.
إذن الطلاق في نكاح مختلَف فيه نقول: هو صحيح واقع حتى عند من لا يعتقد الصحة لأجل أن تبقى المرأة حلالًا للأزواج بعده بدون شبهة.
طالب: الزواج المتفق عليه، هل (... ) المتفق عليه؟
الشيخ: ذكرناه يا أخي بالأول، مثلنا بمثالين بالأول، لكن ما أدري أنت..
الطالب: ذكرنا اللي (... ).
الشيخ: ذكرنا إذا تبين أنها أخته من الرضاع، أو أنه تزوجها في العدة.
هذه متفق على أنه لا يصح.
قال: (ومن الغضبان) يعني ويقع الطلاق من الغضبان، والغضب من يفسره لي؟
قال أهل الكلام: هو غليان دم القلب لطلب الانتقام.
عرفتموه الآن؟ هل أحد منكم الآن تصور الغضب؟ هل أنتم الآن تصورتم الغضب؟ لو جاء إنسان يعرفكم الغضب بدون أن تكونوا عرفتموه من قبل، وقال: غليان دم القلب لطلب الانتقام، هل عرفتموه؟
طلبة: لا.
الشيخ: يقول: أنا ما أحس أن قلبي الآن على جمر يغلي، الظاهر أن هذا التعريف لم يزده إلا جهالة وغموضًا، ولهذا لو قلنا: الغضب معروف، لكان أوضح.
ويعرف بعلاماته التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام، حيث قال: «إِنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ يُلْقِيهَا الشَّيْطَانُ فِي قَلْبِ الْإِنْسَانِ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى انْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ وَاحْمِرَارِ وَجْهِهِ؟ » (9) أو ما أشبه ذلك، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فعرفه النبي عليه الصلاة والسلام بأصله ونتائجه؛ أصله: جمرة يُلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، حرارة يجدها الإنسان في نفسه.
ثم تنتفخ الأوداج؛ يعني العروق، ويحمر الوجه، وربما ينتشر الشعر يقف، وتجد الإنسان نفسه كأنه يغلي، هذا الغضب، وإن شئت ألا تُطيل على نفسك فقل: الغضب معروف، والحمد لله.
إذا غضب الإنسان على زوجته وطلقها في حال الغضب، يقول المؤلف: إن الطلاق يقع؛ لأن الرجل طلق، ولم يُكره، وهو يعرف معنى الطلاق، فيكون الطلاق واقعًا.
والحكم نافذ مع الغضب بنص السنة، فقد حكم النبي صلى الله عليه وسلم بين الزبير ورجل من الأنصار في ماء، في ماء المطر، فقال الرجل المحكوم عليه: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟ يعني: حكمت له لأنه ابن عمتك! ! فغضب النبي عليه الصلاة والسلام وقال: «يَا زُبَيْرُ، اسْقِ حَتَّى يَصِلَ الْمَاءُ الْجَدْرَ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ إِلَى جَارِكَ» (10). هنا نفذ الحكم أو لم ينفذ؟ نفذ مع الغضب، فإذا نفذ الحكم مع الغضب وهو بين الناس، فالحكم بين الإنسان وبين زوجته من باب أولى، فيقع طلاق الغضبان.
والغالب أن الطلاق ما يقع إلا لسبب، يصحبه الغضب، ثم يُطلِّق، لا تجد إنسانًا يطلق زوجته وهو راضٍ عنها.
طيب، أفادنا المؤلف رحمه الله أن الطلاق يقع من الغضبان، وأطلق، فلا فرْق عنده بين الغضب الشديد والغضب الخفيف، وذهب بعض العلماء إلى التفصيل في ذلك.
وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن الغضب ثلاث درجات: أولى، ووسطى، وعليا؛ أما الدرجة العليا، قال: فلا يقع فيها الطلاق بالاتفاق، العليا، والعليا هي أن يصل الإنسان إلى درجة لا يدري ما يقول، ولا يدري أهو إنسان أو ملك، ولا يدري أهو في السماء أو الأرض، ولا يدري هل الزوجة زوجة أو سيارة.
يعني يفقد شعوره بالكلية.
وهل يقع هذا ولَّا ما يقع؟ يقع، بعض الناس عصبي، يصل به الغضب إلى هذه الدرجة.
يقول ابن القيم: هذا لا يقع طلاقه بالاتفاق.
فالدرجة العليا من الغضب لا يقع فيها الطلاق، الدرجة الأولى أول ما يبدأ به الغضب يقول: إن الطلاق يقع فيها بالاتفاق؛ لأنه لا يخلو أحد من الغضب، ولو قلنا بأن طلاق الغضبان -ولو يسيرًا- لا يقع لحصلت الفوضى في الطلاق.
الدرجة الثانية هي الدرجة الوسطى: الإنسان يعي ما يقول، ويدري أنه في الأرض، ويدري أنه يخاطب زوجته، لكن الغضب لشدته ألجأه إلى أن يطلق.
فهذا فيه خلاف: من العلماء من يقول: إنه لا يقع الطلاق، ومنهم من يقول: إنه يقع الطلاق.
أي القولين أخذ به المؤلف؟ أنه يقع أو لا يقع؟ يقع.
هذا محل خلاف بين العلماء، فمنهم من يقول: إن هذا ملجأ إلى الطلاق، فلا طلاق عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (11)، وهذا مغلق عليه، وجد من نفسه أن شيئًا يضغط عليه ليطلق، وأنه في حال لا يتحمل البقاء مع زوجته، وإلا هو يعي ما يقول.
فهذا محل خلاف؛ من العلماء من يقول: إنه لا يقع طلاقه، ومنهم من يقول: إنه يقع.
على كل حال هذا محل خلاف بين العلماء، والذي يظهر لي أنه لا يقع الطلاق فيه، كما هو اختيار ابن القيم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من العلماء، واستدلوا بالحديث الذي ذكرته لكم، وهو: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ».
فهو نظريًّا هو القول الراجح؛ لأنه كالْمُكرَه، لكن عمليًّا وتربويًّا، هل نقول بالفتوى به، أو نمنع الفتوى به إلا في حالات معينة نعرف فيها صدق الزوج؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، لا شك أنه الثاني؛ لأننا لو أطلقنا القول بأن طلاق الغضبان لا يقع لامتلأت مجالسنا ممن يقول: أنا غضبت وطلَّقت.
وهو لا يُفرِّق بين الدرجة الأولى والدرجة الثانية، فيقع التلاعب؛ ولهذا إطلاق الفتوى به؛ أي بعدم وقوع الطلاق من الغضبان يؤدي إلى أن يتتايع الناس في الطلاق.
فإذا رأى الإنسان من الزوج أنه رجل مستقيم لا يمكن أن يتهاون، فحينئذٍ يتوجه القول بالفتوى أنه لا يقع الطلاق، وإذا رأى من سيم الرجل أنه متهاون يريد أن ترجع إليه زوجته بأي سبيل، فهنا ينبغي أن نُفتي بوقوع الطلاق، وهذا من باب سياسة الخلق، والسياسة لها شأن عظيم في الشريعة الإسلامية، حتى في الأمور الحسية السياسة لها شأن عظيم، ربما نمنع هذا الرجل من أكل هذا الطعام المعين وهو حلال الطعام لأنه يضره، ولا نمنع الآخر؛ لأنه لا يضره.
فمثل السياسة والتربية أمر -أيها الطلبة- يجب التفطن له، وألا تكون الفتوى مطلقة هكذا في كل زمان ومكان.
ولا يخفى علينا السياسة العمرية أن عمر رضي الله عنه منع الرجل من الرجوع إلى زوجته إذا طلقها ثلاثًا؛ لأنه حرام، فكثر من الناس، فمنعهم من المراجعة، وقال: أرى الناس تتايعوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه (6).
فالسياسة أمر مهم؛ ولهذا مر بي أن رجلًا أفتى ابنه بمسألة -نسيتها- فكأن الابن توقف، فقال: إما أن تفعل وإلا أفتيتك بقول فلان الذي هو أشد من القول الأول، مما يدل على أن السياسة؛ سياسة الناس في الأمور الشرعية لا بأس بها.
من ذلك مثلًا ما صار يدندن به بعض الطلبة من أن تارك الواجب في الحج ليس عليه شيء، وقال: إنه لا دليل على ذلك إلا الأثر عن ابن عباس: من ترك شيئًا من نسكه أو نسيه فليهرق دمًا (12)، وهذا ليس بصريح في الوجوب؛ لجواز أن يكون ابن عباس أراد بالأمر الاستحباب والندب، وليس مطردًا أيضًا؛ لأنه يقول: من ترك شيئًا من نسكه، وهذا فيه أنساك كثيرة ما فيها دم، فلماذا نوجب على الناس أن يذبحوا فدية إذا تركوا الواجب، وهذا إضاعة لأموالهم في أمر غير أمر واضح؟ لأن الرجل سيشتري الفدية بأربع مئة ريال خمس مئة ريال أقل أكثر، فلماذا نلزمه بإضاعة ماله بدون سبب شرعي؟ فيدندن حول هذا.
نحن نقول: لو قدَّرنا جدلًا أنه ليس فيه دليل، لكن أليس من سياسة الخلق أن يُلزموا بهذا القول الذي عليه جمهور العلماء؟ يعني ليس هذا قولًا شاذًّا حتى نقول: لا ينبغي سلوكه، لكنه قول عليه جمهور العلماء، أليس من الحكمة أن يُعمل بهذا القول من أجل سياسة الخلق وضبط الخلق؟ لأنه لو قيل للرجل الذي ترك الوقوف بعرفة إلى الغروب، يعني دفع قبل الغروب، ولم يبت في مزدلفة، ولم يرمِ الجمرات، ولم يبت في منًى، وأحرم من دون الميقات، وقلنا له: ليس عليك إلا الاستغفار والتوبة، هل هذا رادع؟ أعتقد أنه لا يردع، ولذلك إذا أفتينا إنسانًا في غير هذه المسألة وقلنا: عليك التوبة والاستغفار، قال: بس هذا؟ ! يعني كأنه يقول: إن شئت أملأ لك الدنيا كلها توبة واستغفارًا! ! فلهذا نقول: سياسة الأمة بإلزامهم بمقتضى الشرع أمر مهم، والحمد لله إذا قدَّرنا على أدنى تقدير أن هذا من باب التعزير بالمال، فالتعزير بالمال جائز شرعًا، ثبتت به السنة (13).
طالب: شيخ، بارك الله فيك، هل اليمين كالطلاق في الغضب لها درجات ثلاث، ولكن.. ؟
الشيخ: هذه ستأتينا إن شاء الله في تعليق الطلاق.
الطالب: نقول: إن طلاق الغضبان الأصل أنه يقع، إلا إذا أغلق عليه، ما يكون أجمع المسألة (... )؟
الشيخ: لا، التفصيل طيب، وهذا اعتراض خفي على طريقتنا.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، هذا هو، أنا أعرف أن أقول ما قلت أنت.
طالب: شيخ، لو طلق الأب -أبو الرجل- زوجة ابنه (... )؟
الشيخ: هذا مر علينا في أول كتاب الطلاق.
الطالب: قلنا: لو رضي الابن.
الشيخ: قلنا: إنه لا يصح الطلاق إلا من الزوج، وأن الأب لا يُطلِّق زوجة ابنه، والابن لا يُطلِّق زوجة أبيه، حتى لو فرضنا أن الأب خرف، وصار لا يعرف، ما يمكن أن تطلق.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، ما صور الإغلاق في غير الغضب، مثال؟
الشيخ: ما عندي الآن إلا الغضب (... )
طالب: ووكيله كهو، ويُطلِّق واحدةً، ومتى شاء، إلا أن يعين له وقتًا وعددًا، وامرأته كوكيله في طلاق نفسها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أن الطلاق يقع من الغضبان، وذكرنا أن الغضبان له كم؟ ثلاث حالات:
الأولى: ابتداء الغضب.
والثانية: انتهاؤه.
والثالثة: الوسط.
وذكرنا أن الخلاف إنما هو في الوسط، أما إذا بلغ منتهاه فإنه لا يقع الطلاق بلا نزاع، وأما في أوله فيقع الطلاق بلا نزاع.
الخلاف فيما بين ذلك، وقررنا أن القول الراجح أنه لا يقع طلاقه، لماذا؟ لأنه مغلوب على نفسه مضغوط عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (11).
وتطرقنا في طلاق الموسوس، وقلنا: إنه لا يقع، أظن؟
طلبة: لا، ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه، نذكره الآن.
طلاق الموسوس لا يقع؛ لأنه مغلوب على أمره، الموسوس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يُوسوس أنه طلق زوجته، ويتراءى له أنه طلقها، وأحيانًا إذا لبس ثوبه، قال: إني طلقت زوجتي، قلت: إن لبست ثوبي فهي طالق، بل إذا فتح المصحف قال: لعلي طلقت زوجتي.
هذا الرجل لو قال: امرأتي فلانة طالق، فليس عليه شيء، السبب؟ أنه مغلوب؛ لأن بعضهم يُصرِّح، بعض الموسوسين من شدة الضيق يصرح بأنه طلق من أجل الوسواس..
ووَكيلُهُ كهو، ويُطَلِّقُ واحدةً ومتى شاءَ إلا أن يُعَيِّنَ له وقتًا وعَددًا وامرأتُه كوكيلِه في طَلاقِ نَفْسِها.
(فصلٌ)
إذا طَلَّقَها مَرَّةً في طُهْرٍ لم يُجَامِعْ فيه وتَرَكَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها فهو سُنَّةٌ، فتَحْرُمُ الثلاثُ إِذَنْ، وإن طَلَّقَ مَن دَخَلَ بها في حَيْضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبِدْعَةٌ يَقَعُ وتُسَنُّ رَجْعَتُها، ولا سُنَّةَ ولا بِدعةَ لصغيرة وآيسة وغيرِ مدخولٍ بها ومَن بانَ حَمْلُها.
ووَكيلُهُ كهو، ويُطَلِّقُ واحدةً ومتى شاءَ إلا أن يُعَيِّنَ له وقتًا وعَددًا وامرأتُه كوكيلِه في طَلاقِ نَفْسِها.
(فصلٌ)
إذا طَلَّقَها مَرَّةً في طُهْرٍ لم يُجَامِعْ فيه وتَرَكَها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّتُها فهو سُنَّةٌ، فتَحْرُمُ الثلاثُ إِذَنْ، وإن طَلَّقَ مَن دَخَلَ بها في حَيْضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبِدْعَةٌ يَقَعُ وتُسَنُّ رَجْعَتُها، ولا سُنَّةَ ولا بِدعةَ لصغيرة وآيسة وغيرِ مدخولٍ بها
مغلوب على نفسه مضغوط عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (1).
وتطَرَّقْنا في طلاق الموسوس، وقلنا: إنه لا يقع، أظن؟
طلبة: لا، ما ذكرناه.
الشيخ: ما ذكرناه، نذكره الآن.
طلاق الموسوس لا يقع؛ لأنه مغلوب على أمره.
الموسوس -نسأل الله لنا ولكم العافية- يوسوِس أنه طلق زوجته، ويتراءى له أنه طلقها، وأحيانًا إذا لبس ثوبه قال: إني طلقت زوجتي، قلت: إن لَبِسْتُ ثوبي فهي طالق، بل إذا فتح المصحف قال: لعلي طلقت زوجتي.
هذا الرجل لو قال: امرأتي فلانة طالق، فليس عليه شيء، السبب؟ أنه مغلوب؛ لأن بعضهم يصرح، بعض الموسوسين من شدة الضيق يصرح بأنه طلق من أجل الوسواس.
تجده يقول: بلاش هذا القلق، هذا التعب النفسي.
إذن طلِّقْهَا، طلقها يا ولد واسترح، فيطلقها.
هل يمكن أن نقول: إن هذا يقع طلاقه؟ لا والله، ما نقول هذا، ولا يمكن أن نقول ذلك؛ لأن الرجل مغلوب على نفسه.
ونظيره في الوسواس بعض الناس يقول: إذا شك وهو متوضئ هل أحدث أو لا؟ قال: (... ) القلق، يلَّا، ثم يُضْرِط علشان أيش؟ ينتقض وضوؤه يقينًا.
وهذا غلط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطانا دواء خيرًا من ذلك، ماذا قال؟ قال: «لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (2)، يعني: دع الشك، لا تلتفت إليه حتى تتيقن.
هذا الرجل الموسوس إذا قال: أنا أحسست بحركة في الذَّكَر أو في الدبر، نقول: لا عبرة بهذا، أحسست ببرودة على رأس الذكر أو في داخل الفخذين فلعلي أحدثت، ماذا نقول له؟ نقول: لا حدث عليك، امض في سبيلك ولا تلتفت لهذا، الله عز وجل قد أراحك والحمد لله بشريعة سمحة يسيرة، لا تلتفت إلى هذا.
بعض الناس يصلي، وفي أثناء الصلاة يقول: والله ما أدري هل أنا كبرت للإحرام أو لا؟ فيقول: بلاش، أيش؟ ابدأ الصلاة من جديد، وإذا ابتدأها من جديد وفي أثنائها وَرَد عليه الشك وقال: إذن اقطع الشك باليقين، أبطِل صلاتك.
حتى إنه ليعيد الصلاة أكثر من أربعين مرة ويخرج الوقت وهو على هذا، نسأل الله السلامة والعافية.
مثل هؤلاء لا يُلتَفَت إلى ما يعتقدون إطلاقًا، والمهم لنا في هذا الباب هو أن طلاق الموسوس أيش؟ لا يقع.
لكن لو أن الموسوس أراد الطلاق حقيقة، وذهب إلى القاضي وكتب الطلاق، هل يقع أو لا؟ لا شك أنه يقع؛ لأن هذا أراده عن اختيار وعن إرادة صحيحة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ووكيلُِه كهو).
وَكِيلُ مَنْ؟ وكيل الزوج كالزوج، يعني: لو قال شخص لإنسان: أنا لا أستطيع أن أقابل زوجتي الطلاق؛ لأنها امرأة حبيبة وقد أكرمتني وخدمتني، ولكني لا أريدها لا أحبها لا بد أن أطلق، لكني أكره أن أقابلها بالطلاق، فأنت يا فلان وكيلي في طلاقها وأنا سأسافر وأنت الوكيل، يجوز هذا أو لا يجوز؟ يجوز، يجوز للإنسان أن يوكل في الطلاق.
وإذا وكل شخصًا في الطلاق، فهل له أن يفسخ الوكالة؟
الجواب: نعم، له أن يفسخ الوكالة، قبل أن يطلق الوكيل.
فإن فسخ الوكالة قبل أن يطلق والوكيل لم يعلم فهل نقول: إن الطلاق لم يقع، أو نقول: إنه وقع؛ لأن الوكيل بنى على أصل لم يثبت زواله؟
في هذا رأيان للعلماء؛ منهم من قال: إنه إذا عزله وإن لم يعلم انعزل، فإذا طلَّق طلق وهو غير وكيل، ومنهم من يقول: إذا طلق قبل العلم بالعزل فإن المرأة تطلُق؛ لأنه بنى على أصل -وهو التوكيل- لم يثبت زواله.
والأقرب أنه لا يقع الطلاق؛ لأنه بفسخه الوكالة زال مُلك الوكيل أن يطلِّق، لكن لو ادَّعى بعد أن طلَّق الوكيلُ أنه عزله قبلُ فلا بد من بينة؛ ولهذا إذا عزل الوكيلَ فلا بد أن أيش؟ أن يُشهِد، حتى لا ينكر أهل الزوجة إذا كانوا يريدون الفراق؛ فراق الزوج.
وقوله: (ووكيلُه كهو).
هذا التعبير جائز في اصطلاح النحويين، وفيه استعارة ضمير الرفع لضمير الجر؛ لأن ضمير الجر في مثل هذا هو الهاء فقط، تقول: مررت به، وصلت إليه.
لكن لما تعذَّر وجودُ الضمير المتصل مع الكاف فإنه يُستعار أيش؟ ضمير الرفع، وإن كان ضمير المتصل قد يتصل بالكاف كما قاله ابن مالك:
..................................
كَذَا كَهَا وَنَحْوُهُ أَتَى
لكن الأكثر في اللغة العربية أن الكاف لا تدخل على ضمير متصل.
على كل حال أورد علينا إيرادًا قال: كيف يأتي ضمير الرفع في موضع ضمير الجر؟ ماذا نقول؟ نقول: هذا من باب الاستعارة، استعرنا ضمير الرفع لأيش؟ لضمير الجر.
(وكيلُه كهو)، وإذا كان كهو، هل يملك الوكيل أن يطلق الزوجة وهي حائض؟ لا، حتى لو علمنا أن زوجها لم يأتها من مدة سنوات، فإنه لا يملك أن يطلقها وهي حائض؛ لأن الوكيل فرعٌ عن الزوج، والزوج لا يجوز أن يطلق امرأته وهي حائض فكذلك الوكيل.
هل يملِكُ أن يطلق اثنتين أو ثلاثًا؟
يقول المؤلف: (ويطلق واحدة) فقط.
يعني: إذا وكَّله فلا يحل له أن يطلق طلقتين، فيقول للزوجة: أنت طالق طلقتين، حرام عليه، لماذا؟
أولًا: لأنه بدعة، والزوج نفسه لا يملكه.
وثانيًا: لأنه مُوكَّل، والوكالة تصدُق بأقل ما يقع عليه اسم الطلاق، فلا يجوز أن يطلق أكثر.
لو قال لزوجةِ مَنْ وكَّله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يملك هذا أو لا؟ لا؛ لأنه إذا لم يملك الثنتين لم يملك الثلاثة.
لكن لو فعل وقال للزوجة: أنت طالق، أنت طالق، هل نقول: إنه لم يقع الطلاق أو نقول: يقع بواحدة؟ لم يقع الطلاق؛ لأن الوكيل تصرَّف فيما لم يُؤْذَن له فيه، فلا يقع الطلاق.
كما لو أمره أن يبيع شيئًا فأجره؛ فإن الإجارة لا تصح.
(يطلق واحدة)، قال: (ومتى شاء) يعني: ويطلق متى شاء، سواء بادر بالطلاق أو أخره يومًا أو يومين، أو شهرًا أو شهرين، أو سنة أو سنتين، متى شاء طلَّق، لكن بشرط ألا يكون في حيض؛ لأن طلاق الحائض حرام على الزوج، والوكيل فرع عن الزوج.
لو طلقها في طُهْرٍ جامعَ فيه الزوجُ، يجوز أو لا يجوز؟ لا يجوز؛ وذلك لأن الزوج لا يملك ذلك وهو الأصل، فالفرع كذلك لا يملكه.
فصار الوكيل في الطلاق يطلِّق حيث جاز لموكله أن يطلق، ولا يزيد على واحدة.
قال: (إلا أن يُعيِّنَ له وقتًا وعددًا) (إلا أن يعين) الفاعل مَنْ؟ الزوج (له) أي للوكيل (وقتًا وعددًا) فيقول: وكَّلْتُك أن تطلق امرأتي مرتين، فيملك مرتين.
وكَّلتك أن تطلقها ثلاثًا، يملك ثلاثًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، وهل يملك اثنتين؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ويملك اثنتين؛ لأن من مَلَك الأكثر ملك الأقل، فإذا قال الزوج: أنا وكلتك بثلاث لأني أحب أن تبين مني، فيقول الوكيل: أهلًا وسهلًا، ماذا يصنع؟ هو طلق، يطلق الواحدة فتكون ثلاثًا؛ لأنه لم يفوِّت على الزوج شيئًا.
(إلا أن يعيِّن له وقتًا)، (وقتًا) يعني الزمن؛ فيقول: أنت وكيلٌ في طلاق زوجتي في هذا الشهر، فإذا انتهى الشهر يملك أن يطلِّق؟ لا.
أو أنت وكيلي في طلاق امرأتي في هذا الأسبوع، إذا انتهى الأسبوع لا يطلق؛ وذلك لأن تصرف الوكيل مبنيٌّ على أيش؟ على إذن الموكل، وإذا كان مبنيًّا على إذن الموكل تَقَيَّد بما أذن له فيه، وهذه قاعدة مهمة في كل الوكلاء سواء في الطلاق أو في النكاح أو في البيع أو الشراء أو التأجير أو الإجارة أو غير ذلك.
(وعددًا) مثَّلنا بها، فإن عين له وقتًا وعددًا تعين.
ونسأل الأخ: لو قال أنت وكيلي أن تطلق زوجتي بالأمس؟
طالب: (... )؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يطلِّق.
الشيخ: يطلق أمس؟
الطالب: يجوز للوكيل أن يطلق.
الشيخ: لا (... ) قال: أنت وكيلي تطلق زوجتي أمس؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه ما بدأت الوكالة.
الشيخ: لأن أمس قد مضى، ما يمكن الطلاق فيه، فهو تعليق الوكالة بأمر محال.
يقول:
أَمْسِ الَّذِي مَرَّ عَلَى قُرْبِهِ
يَعْجِزُ أَهْلُ الْأَرْضِ عَنْ رَدِّهِ
أمس القريب الآن لو اجتمعت الأمة كلها على أن تعيده ما تستطيع.
قال: (وامرأتُه كوكيلِه في طلاقِ نفسِها).
الله المستعان! يجوز أن يوكل امرأته في طلاق نفسها؟ نعم يجوز، ومتوقع ومتصور وسهل، تلح عليه زوجته أن يطلقها، فقال: أنت الوكيلة على نفسك، متى شئت فطلقي، نعم، لكن ماذا تقول إذا أرادت أن تطلق؟ هل تقول: طلقت زوجي؟ لا؛ لأن الزوجة ما تُطلِّق الزوج، لكن تقول: طلقت نفسي من زوجي، ولا بأس.
فصار الآن كلام المؤلف ليس أمرًا بعيدًا، (امرأتُه كوكيلِه في طلاقِ نفسِها) هذا أمر ليس ببعيد، بعض النساء يُلِحُّ على زوجها أن أيش؟ أن يطلِّقها، فيقول: أنت أميرة نفسك، أنت وكيلة، طلقي.
إذا قال: أنت وكيلة في طلاق نفسك، وكانت تريد البينونة من زوجها، فقالت: طلقت نفسي من زوجي ثلاثًا، أتملك ذلك؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ نقول: لأن الوكيل يتقيد بواحدة، إلا إذا قال: أنت وكيلة في طلاق نفسك مرة أو مرتين أو ثلاثة، فعلى ما قيل.
بعض العلماء يقول: لا يصح أن يوكل زوجته في طلاق نفسها للتضاد، يعني كيف هي تطلق نفسها؟ ! لكن الصواب ما قاله المؤلف؛ لأن امرأته بالغة عاقلة عالمة تعرف معنى الطلاق وتريد الطلاق.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل).
اعلم أن العلماء رحمهم الله يكتبون أبوابًا وفصولًا وكتابًا، تجدون أحيانًا كتاب الطهارة.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما هي موجودة، آخر الباب: (في طلاق نفسها).
طالب: نشطبها؟
الشيخ: إي، اشطبوها، نعم.
أقول: العلماء في مؤلفاتهم يكتبون (كتاب)، ويكتبون (باب)، ويكتبون (فصل).
الكتاب للجنس، والباب للنوع، والفصل للأفراد؛ يعني أفراد هذا النوع.
فمثلًا (كتاب الطهارة) من أول باب المياه إلى آخر الحيض، كل ما يتعلق بالطهارة داخل تحت هذا العنوان؛ لأنه أيش؟ جنس.
باب الاستنجاء، باب الوضوء، باب الغسل، باب التيمم، باب إزالة النجاسة، باب الحيض، هذا أيش؟ هذا نوع؛ لأن طهارة الوضوء نوع وطهارة الغُسل نوع آخر.
في الغُسْل يكتب: موجبات الغسل، ثم يكتب: فصل في كيفية الغسل.
هذا للأفراد؛ أفراد هذا النوع.
هذا هو الأصل، أن يقال: الكتاب أيش؟
طلبة: للجنس.
الشيخ: والباب؟
الطلبة: للنوع.
الشيخ: والفصل؟
الطلبة: للأفراد.
الشيخ: للأفراد.
الآن (كتاب الطلاق) ولَّا (باب الطلاق) اللي معنا؟ (كتاب الطلاق)؛ لأن هذا جنس؛ جنس انفكاك الزوجة من الزوج.
قال: (فصل) في بيان ما هو الطلاق السُّنِّي والطلاق البدعي.
بيَّن ذلك رحمه الله، قال: (إذا طلَّقها مرةً في طُهْرٍ لم يُجامِعْها فيه، وتركَها حتى تنقضيَ عِدَّتُها فهو سُنَّةٌ).
هذا طلاق السنة: ما جمع هذه الأوصاف الثلاثة.
(مرة في طهر لم يجامعها فيه، وتركَها حتى تنقضيَ عِدَّتُها).
هذا طلاق السنة، مثل أن يقول لزوجته في طُهْرٍ لم يجامعها فيها: أنت طالق، كم هذا؟ واحدة، الطهر هل جامع أو لا؟ نحن قلنا لكم إنه لم يجامعها فيه، يعني: بعد ما حاضت، بعد يومين ثلاثة قبل أن يجامع طلقها مرة، تركها حتى تنقضي العدة.
هذا طلاق سنة.
فإن طلق مرتين، يعني قال: أنت طالق، أنت طالق، ولم يرد التوكيد، فليس بسنة.
إذا طلقها في طهر جامع فيه، فليس بسنة، يعني: جامعها بعد أن حاضت ثم طلقها؛ هذا ليس بسنة.
طلقها في طهر لم يجامع فيه، ولكن ألحقها في اليوم الثاني طلقة أخرى؛ سنة ولَّا بدعة؟ بدعة؛ إذن طلاق السنة ما اجتمع فيه ثلاثة أوصاف؛ الأول؟
طالب: أن يكون في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: أن يكون في طهر لم يجامعها فيه.
الوصف الثاني؟
طالب: الوصف الثاني أن يطلقها واحدة.
الشيخ: أن يطلقها واحدة.
الوصف الثالث؟
طالب: انقضاء العدة.
الشيخ: خطأ.
طالب: أن يتركها حتى تنقضي العدة.
الشيخ: نعم، أن يتركها حتى تنقضي العدة، ومعنى أن يتركها حتى تنقضي العدة ألا يكرر الطلاق عليها، فإن طلقها مثلًا اليوم مرة في طهر لم يجامع فيه، ثم بعد عشرة أيام طلقها ثانية، الطلقة الثانية تكون بدعة؛ لأنه لم يتركها حتى تنقضي العدة.
هذا هو طلاق السنة.
نرجع إلى المفهوم؛ إذا طلقها مرتين فهو بدعة، ثلاثًا؟ بدعة، لكن هل يحرُم أو لا؟
الصحيح أنه حرام؛ يحرم أن يطلق مرتين أو ثلاثًا.
وقال بعض أهل العلم: يُكرَه أن يطلق ثنتين ويحرم أن يطلق ثلاثًا.
وقال بعض العلماء: إنه يجوز أن يطلِّق مرتين وأن يطلق ثلاثًا، لكن هذا القول تأباه الأدلة، ولذلك عاقب عمر رضي الله عنه من طلق ثلاثًا بمنعه من الرجعة (3)، فهو حرام بلا شك، وفيه أيضًا حديث في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل طلق زوجته ثلاثًا فقام في الناس وقال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ ! » (4)، فالصواب أن طلاق الثلاث حرام، لكن طلاق الثنتين دائر بين الكراهة؛ لأنه خلاف السنة، وبين التحريم؛ لأنه ضيق على نفسه؛ إذ لولا هذه الطلقة الثانية لكان بقي له طلقتان، والآن لم يبق له إلا واحدة، فالصواب أن الطلاق مرتين حرام، لكن المرأة لا تَبِين به، إنما تَبِين بالثلاث.
بناء على ذلك، لو أنه طلق مرتين بعد طلقة سابقة فالطلقة الثانية تحرِّمها، فتكون حرامًا بلا شك لأنها تحرم.
لو طلَّق امرأة في طُهْرٍ جامعها فيه لكنها ممن لا يحيض، سنة ولَّا بدعة؟
طالب: لا سنة ولا بدعة.
الشيخ: لا سنة ولا بدعة، وأيش يصير؟
الطالب: يصير مباحًا، من قبيل المباح.
الشيخ: هو كما قال الأخ، يقولون: إن مَنْ لا تحيض لا سنة ولا بدعة في طلاقها؛ لأن السنة لا بد أن يكون لها مقابل بدعة، وهذه طلِّق متى شئت، التي لا تحيض طلِّقْها متى شئت ولو كنت قبل أن تغتسل من جنابتها.
فالعجوز التي انقطع حيضها، يجوز أن يطلقها؟
طالب: في أي وقت شاء.
الشيخ: في أي وقت؟
الطالب: في أي وقت شاء.
الشيخ: في أي وقت شاء؛ لأنها لا تحيض، والصغيرة التي لم تبدأ بالحيض كذلك، والتي أُجْرِي لها عملية استئصال الرحم كذلك يطلقها متى شاء؛ لأنه لا يمكن أن تحيض.
والمرأة المرضع؟ قولوا؟
طالب: (... ).
الشيخ: المرأة المرضع نقول: لا يطلقها حتى تحيض.
إذا قال: باق عليها سنة كاملة ويأتيها الحيض؛ لأن الطفل باق عليه سنة ويُفْطَم، وهذه المرأة لا تحيض إلا إذا فطمت الصبي، وباق سنة، وهو قد جامعها في البارحة وجرى بينهما نقاش وقال: لا بد أن أطلقها، ماذا نقول له؟ نقول: لا تطلِّق، حرام عليك.
قال: ما أستطيع أبقى سنة كاملة؛ لأنه لازم يبقى سنة كاملة حتى يأتيها الحيض، ثم تطهر من الحيض فيطلق.
نقول: لا بد أن تبقى اتباعًا لحدود الله.
فإذا قال: أبقى سنة؟ ! قلنا: وسنتين أيضًا، حتى يرجع عليها الحيض ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شئت فطلق؛ لأن هذه المرأة من ذوات الحيض، ليست صغيرة وليست آيسة.
طالب: (... ) وبعد فترة سافر هو إلى بلدته وإذا الرسالة لم تصل، وغيَّر نيته أن يرجع إلى البلد.
ما العمل؟
الشيخ: أعطيك العمل، رجل طلق زوجته في سفر، قال: زوجتي طالق، ثم قدم البلد قبل أن يصل زوجتَه الخبر، ماذا يكون؟ أجب.
طالب: (... ).
الشيخ: فهمت سؤالي ولَّا ما فهمت؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي، رجل طلق زوجته وهو مسافر، قال: زوجتي طالق، ثم وصل إلى البلد قبل أن يبلُغَها الخبر، ماذا يكون؟
طالب: يقع الطلاق.
الشيخ: يقع الطلاق؟
الطالب: إي.
الشيخ: نفس الشيء الكتابة؛ لأن الكتابة مجرد ما يكتب الإنسان: زوجتي طالق، تطلق.
طالب: شيخ -عفا الله عنك- التخيير (... )؟
الشيخ: يأتينا إن شاء الله، التخيير فيه تفصيل.
طالب: بارك الله فيك، بعض النساء تتأخرها الدورة، ممكن تجلس شهرين أو ثلاثًا لم تأتِ، فهل ينتظر حتى تأتي أم (... )؟
الشيخ: لا، إذا كان جامعها في هذا الطهر؟
الطالب: جامعها في هذا الطهر.
الشيخ: لا بد أن يبقى حتى يأتي الحيض وتطهر.
طالب: شيخ، عفا الله عنك، كيف يملك الوكيل (... ) مع أن الزوج نفسه لا يملك ذلك؟
الشيخ: لكنه يقع، فإذا كان يقع وقد أذن له فيه ملك هذا.
الطالب: يقع الطلاق على الطلاق ولم يراجعها؟
الشيخ: إي نعم، يقع الطلاق على الطلاق.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، هل يقع الطلاق ثلاثًا أو ثنتين على من ليس في حقه (... )؟ الشيخ: هذا سيأتينا الطلاق هل يتعدد بعدد ألفاظه أو لا.
طالب: شيخ، إذا كانت الزوجة صغيرة هل يجوز أن تكون وكيلة عن نفسها في الطلاق؟
الشيخ: هو ما مر علينا أنه يقع الطلاق من المميز الذي يعقله؟ الوكيل الذي يعقله يقع منه الطلاق، يعني: مَنْ صح طلاقُه صح أن يكون وكيلًا فيه.
طالب: المرأة المستحاضة؟
الشيخ: إي نعم، المستحاضة يجوز طلاقها.
الطالب: ليس في حقها سنة ولَّا بدعة؟
الشيخ: لا، في حقها سنة وبدعة؛ إذا حاضت – يعني: في الوقت الذي قلنا: إنه حيض - يكون بدعة، أما إذا كانت مستحاضة فهو سُنَّة، طلاقها طلاق سنة؛ لأنها من ذوات الحيض.
طالب: لو قالت المرأة: طلقت زوجي، هل هي (... )؟
الشيخ: إي، إذا قالت: طلقت زوجي، يقول: والآن أنا ربطك! !
الطالب: ما عنده قانون يا شيخ؟
الشيخ: لا، عنده شريعة الله.
الطالب: ما الضابط عند هؤلاء؟
الشيخ: لا، ما يجوز أبدًا ولا تَنْفَصِل منه؛ شرعًا لا تنفصل منه، نعم لو جعل لها الخيار فلا بأس، يعني: مثلًا إذا قال: لها الخيار، تزوجته على أن لها الخيار إن جاز له المُكْث وإلا فلها الخيار، لا بأس على قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وإلَّا فيها خلاف.
الطالب: يا شيخ، بارك الله فيك، القانون يخير طلاق المرأة (... )؟
الشيخ: دعني من القانون يا أخي، هذا كفر بشريعة الله.
الطالب: أقصد هي تطلق غصبًا عنه، ما يخيِّرها أبدًا؟
الشيخ: إذا طلقت غصبًا عنه يمسك بيدها ورجلها، عجيب!
طالب: أحسن الله إليكم، هل لو أن المرأة وُكِّلت من قبل أبيها في تزويج نفسها (... )؟ الشيخ: لا ما يصح، الطلاق غير النكاح.
يُذكَر أن رجلًا قال لامرأته: إن أذن الفجر قبل أن تكلميني فأنت طالق، ثم ندم على هذا، وقال: الآن صار الأمر بيد الزوجة، إذا شاءت سكتت إلى أذان الفجر.
فالرواية تقول: إن الرجل ذهب إلى أبي حنيفة رحمه الله، وأبو حنيفة قد أعطاه الله ذكاء مفرطًا، فقال له: أنا وقعت في ورطة: قلت لزوجتي: كذا وكذا، وأخشى أن تبقى صامتة حتى يؤذن الفجر فتطلق.
فقال له: اذهب إلى فلان المؤذن الذي يؤذن على طلوع الفجر، وقل له: امش امش طلع الفجر، امش أذن، واذهب إلى البيت، فذهب إلى الرجل المؤذن وقال: يا فلان، امش امش أذن، ما قال: طلع الفجر، يعني: ما فيه كذب، قال: امش امش أَذِّن.
الرجل المؤذن ظن أنه تأخر في أذان الفجر فبادر وأذن، وهو كان عند زوجته الذي علَّق الطلاق على أذانه، فلما أذَّن قالت: الحمد لله الذي أنجاني منك.
فقال لها: الحمد لله الذي ردَّني عليكِ! هذه حيلة، إي نعم (... ).
(وتَحرُمُ الثلاثُ.. )
طالب: وتَحرُمُ الثلاثُ إِذَنْ، وإن طلَّق مَنْ دخلَ بها في حيضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبدعةٌ يقعُ وتُسنُّ رَجعتُها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الطلاق الموافق للسُّنَّة؟
طالب: هو أن يطلق في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: لا، كمِّل، له أوصاف؟
الطالب: أوصاف؟
الشيخ: إي.
طالب: مرة واحدة.
الشيخ: أن يطلقها مرة واحدة.
الطالب: وأن يطلقها في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: في طهر، هذه اثنان.
الطالب: وألا (... ).
الشيخ: لم يجامع فيه؛ هذه ثلاثة.
الطالب: لا لا.
الشيخ: لا لا؟ ! بلى بلى.
الطالب: في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: إي، هذا كلام المؤلف.
الطالب: (... ) يا شيخ.
الشيخ: (... ).
الطالب: ثلاثة يا شيخ.
الشيخ: لا، أربعة.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، يكفي في طهر.
طالب: يتركها حتى تنقضي عدتها.
الشيخ: ويتركها حتى تنقضي عدتها.
طيب، إذن الطلاق الموافق للسنة ما جمع أربعة أوصاف: أن يكون مرة، أن يكون في طهر، ألا يكون جامعها في ذلك الطهر، الرابع: أن يَدَعَها حتى تنقضي عدتها.
حامل؟
طلبة: (... ).
الشيخ: الحامل سيأتينا إن شاء الله أنه لا يوصف طلاقها بالسنة ولا بدعة، وعلى هذا يطلق متى شاء.
رجل طلق امرأته طلقتين، فقال: أنت طالق اثنتين، أسُنَّة هو؟
طالب: لا، بدعة.
الشيخ: بدعة.
رجل قال لزوجته: أنت طالق، ثم قال: أنت طالق ثانيًا.
أسُنَّة أم بدعة؟
طالب: بدعة.
الشيخ: بدعة، تمام.
ثم يقول المؤلف رحمه الله: (وتحرُم الثلاث إذن).
(تحرُم الثلاث) مفرَّعة على قوله: (إذا طلقها مرة)، فالثلاث إذن مُحَرَّمة.
الدليل على هذا أن الطلاق الثلاث مِنْ تَعَدِّي حدود الله، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1]، ومن السُّنَّة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا فقام غضبان وقال: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ ! » (4) حتى استؤذن صلى الله عليه وسلم في قتله، أي قتل هذا الرجل.
فالثلاث محرمة، سواء قال: أنت طالق ثلاثًا، أو قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
وقوله: (إذن) أي: حين نقول إن السنة أن يطلقها مرة.
وبناء على هذا ينبغي أن يقال: إذا طلقها مرتين فهو حرام، وهذه المسألة – إذا طلقها مرتين – اختلف فيها العلماء رحمهم الله؛ فمنهم من قال: إنها مكروهة، ومنهم من قال: إنها حرام؛ فمن قال: إنها حرام، قال: إن في ذلك تضييقًا على الإنسان بدون حاجة.
كيف يكون تضييقًا؟ أنه يطلق مرتين ويبقى عليه مرة، ولو طلق مرة بقي عليه اثنتان.
فهو تضييق بلا حاجة.
ولأنه بدعة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (5).
وهذا الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الطلقتين حرامٌ كالثلاث، وهذا هو الحق إن شاء الله أنه لا يجوز للإنسان أن يطلق مرتين سواء قال: أنت طالق مرتين، أو قال: أنت طالق أنت طالق.
الثلاث؟ حرام أيضًا بدلالة القرآن والسنة، لكن لو طلَّق الثلاث فهل يقع ثلاثًا أو يقع واحدة أو لا يقع إطلاقًا؟ يعني: لو قال: أنت طالق ثلاثًا، أو قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهل يقع ثلاثًا أو يقع واحدة أو لا يقع؟
في هذا ثلاثة أقوال؛ قولان لأهل السنة وقول للرافضة؛ الرافضة قالوا: لا يقع الطلاق، إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو أنت طالق ثلاثًا، لم يقع الطلاق.
لماذا؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (6)، وطلاق الثلاث ليس عليه أمر الله ورسوله، فيكون مردودًا لاغيًا.
ولا شك أن قولهم واستدلالهم بهذا الحديث قوي لولا أنه يعارض حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان الطلاق الثلاث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة (3). فيقال: إن قوله «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» يُسْتَثْنَى منه الطلاق، الطلاق ثبتت السنة بأن الطلاق الثلاث يقع أيش؟ واحدة.
القول الثاني -وهو لأهل السنة- يقولون: إن الثلاث تقع ثلاثًا وتبين بها المرأة، وهذا هو الذي عليه جمهور الأمة والأئمة، فإذا قال: أنت طالق ثلاثًا بانت منه، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، بانت منه، يعني أن الثلاث تقع ثلاثًا، سواء بكلمة واحدة أو بكلمتين، وهذا هو الذي عليه جمهور الأمة والأئمة.
وقال بعض العلماء وهم قليلون لكن قولهم حق؛ أنه يقع واحدة، سواء قال: أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، لا فرق.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: إنه يقع واحدة.
دليل ذلك القرآن والسنة؛ أما القرآن فإن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، والطلاق الثاني يقع لغير العدة؛ لأن العدة تبدأ من الطلاق الأول، والطلاق الثاني لا يُغَيِّر العدة، فيكون طلاقًا لغير عدة.
وأضرب لكم مثلًا: إنسان طلق امرأته اليوم طلاقًا سنيًّا مرة واحدة، ثم بعد يومين أو ثلاثة طلق ثانية، هل تبتدئ العدة من الطلاق الثاني أو الأول؟ الأول.
إذن يكون الطلاق الثاني لغير عدة، وقد قال الله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وهذا الطلاق لغير العدة فيكون مردودًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، فيكون مردودًا ولا يقع.
واختار هذا القول شيخنا رحمه الله ابن سعدي وقال: إن شيخ الإسلام قال بأن الطلاق الثلاث واحدة وعلَّله بتعاليل جيدة مَن طالعها لم يسغ له خلافه.
يعني: مَنْ طالع كلام ابن تيمية رحمه الله لم يسغ له أن يخالفه، يعني: ولزمه أن يقول به؛ لأنه قول جيد مقرون بالأدلة، هذه دلالة القرآن على ذلك.
أما دلالة السنة فحديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم في صحيحه، قال: كان الطلاق الثلاث على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واحدة وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، فلما أكثر الناس ذلك قال عمر رضي الله عنه: أرى الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (3). وهذا يدل على أن إمضاء الثلاث من اجتهادات عمر، وأنه رضي الله عنه إنما صنع ذلك سياسة لا أن هذا مقتضى الأدلة، لكن سياسة، كيف سياسة؟ لأنه إذا ألزم الناس بالطلاق الثلاث كفوا عن الطلاق الثلاث؛ يعني: مثلًا الإنسان إذا كان قد علم أنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي واحدة يهون عليه أن يقولها مرة أخرى أو لا؟ يهون، لكن إذا عَلِم أنه إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق حيل بينه وبين زوجته، فإنه لا يقولها، يتريث.
فلهذا كان من سياسة عمر أن ألزم الناس بمقتضى قولهم، وقال: إنهم استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، وألزمهم به، وقال إذا جاء يستفتيه قال: أنا طلقت زوجتي ثلاثًا أراجعها؟ قال: لا، لا نمكنك من المراجعة.
فمنعه من المراجعة لماذا؟ سياسة؛ لئلا يتعودوا ذلك.
المهم أن هذا هو الحق: أن طلاق الثلاث واحدة، خلافًا للجمهور وخلافًا للرافضة؛ الرافضة ماذا يقولون؟ لا يقع، والجمهور يقولون: يقع، استنانًا بسنة عمر، فيقال: عمر رضي الله عنه إنما سنة أيش؟ سياسة لأجل أن يرتدع الناس، وليس نظرًا لمقتضى الأدلة.
والصواب إذن ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله، ولا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
بعض المتأخرين فرَّق، قال: إذا قال أنت طالق ثلاثًا فهي واحدة، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهي ثلاثة.
ولكن الصواب أنه لا فرق، وقد صرَّح بهذا شيخ الإسلام رحمه الله وقال: إنه لا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثًا، أو يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وما ذكره رحمه الله هو مقتضى الجدال بين الفقهاء في هذه المسألة؛ لأن الذين قالوا: إنه يقع ثلاثًا قالوا: إنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كان الواحد منهم يكرر أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، توكيدًا لا تأسيسًا؛ لأنهم يرون أن الثلاث حرام ما يمكن يقولونها، فالرجل إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، جعل الثانية والثالثة توكيدًا للأولى، وإذا كان للتوكيد لم يقع إلا الأولى.
لكن بعد ذلك صار خوف الناس قليلًا فصاروا يقولون: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، تأسيسًا لا توكيدًا.
في هذه المجادلة وكونهم يجيبون بهذا الجواب يدل على أن هذا الخلاف أيش؟ شامل لقول: أنت طالق ثلاثًا، أو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
ولهذا كان في جدالهم ما قلت لكم.
وكان أيضًا في جدالهم أن حديث ابن عباس في غير المدخول بها؛ كان الطلاق الثلاث واحدة (3) في غير المدخول بها؛ لأن غير المدخول بها إذا قال: أنت طالق أول مرة بانت منه بلا عِدَّة، فيقع الطلاق الثاني والثالث على غير زوجة، فيكون الثلاث واحدة.
قلت لكم ذلك؛ لأن هذا يدل على أن هذا الخلاف في الصيغتين؛ في أنت طالق ثلاثًا، وأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
وأما قول من قال: إنه إذا أعاد الطلاق مرة ثانية، فإنه أعاده على امرأة قد طُلِّقت وهي رجعية، والرجعية في حكم الزوجات، فإذا كانت في حكم الزوجات؛ لأن الرجعية يجوز أن تتزين لزوجها وأن تَكْشِف له وأن تبقى في بيتها معه وحدهما، فيقول: هي في حكم الزوجة فيلحقها الطلاق.
فيقال لهم: ليست الرجعية في حكم الزوجة في كل شيء، تفارق الرجعية الزوجة في عدة مواضع ستة أو سبعة، وإذا صحَّ أنها تفارقها في ستة أو سبعة، بل في اثنين لا يجوز أن نلحقها بالزوجة في كل شيء، لنا في هذا رسالة صغيرة لم تطبع حتى الآن في هذا الموضوع بيَّنا فيها دليل كل من الطائفتين، وبعد قراءتها سيتبين للقارئ أن الصواب بلا شك هو قول مَنْ قال: إن الثلاث واحدة سواء كانت بلفظ واحد أو بألفاظ متعددة.
يقول رحمه الله: (وإن طلَّق مَنْ دخلَ بها في حيضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبدعةٌ).
(إن طلق مَنْ دَخَل بها) احترازًا من؟ ممن لم يدخل بها، لكن ينبغي أن نضيف إلى ذلك: مَنْ دخل بها أو خلا بها؛ لأن الخلوة في وجوب العدة كالوطء، فعلى هذا لا بد من إضافة قيد: مَن دخل بها أو خلا بها.
(في حَيْضٍ فبدعة)، إذا طلَّقها في الحيض فبدعة بلا شك، وهل يقع أو لا؟ يقول المؤلف: يقع (فبدعة يقع) إذا طلقها في حيض.
وهل هو حرام أو غير حرام؟ نقول: هو حرام، ودليل ذلك أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما طلَّق امرأته وهي حائض، فأخبر عمر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتغيَّظ فيه؛ غضب، وقال له: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، «مُرْهُ» أي: مر عبد الله بن عمر «فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (7). وهذا دليلٌ على التحريم، وجه الدلالة؟ أن الرسول غضب عليه الصلاة والسلام، واستدل بالآية، قال: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ»، ولأنه أمره أن يراجعها، والأصل في الأمر الوجوب.
هذا هو الدليل على تحريم الطلاق في الحيض.
فإذا قال قائل: ما هي الحكمة في تحريم الطلاق في الحيض؟
قلنا: الحكمة في ذلك أمران؛ الأمر الأول: أنه جرت العادة أن الإنسان إذا حاضت امرأته ومُنِعَ منها فإنه لا يكون في قلبه أيش؟ المحبة والميل لها، لا سيما إن كانت من النساء التي تَكْرَه حتى المباشرة في حال الحيض؛ لأن بعض النساء يأتيها ضيقة إذا حاضت، تكره الزوج، تكره قربانه، فإذا طلَّق في هذه الحال يكون قد طلق عن كره، يعني: عن كراهة، ربما لو كانت طاهرًا واستمتع بها لأحبها ولم يطلقها؛ فلهذا كان من المناسبة أن يتركها حتى تطهر.
ثانيًا: إذا طلقها في هذه الحيضة فإنها لا تُحُسَب لها، لا بد من ثلاث حِيَض كاملة غير الحيضة التي طلقها فيها، وحينئذ يضرُّها بتطويل العدة عليها.
فصار الملاحظ به أمران: حال الزوج وحال الزوجة؛ فلذلك حرُم الطلاق في حال الحيض.
لكن لو طلَّق هل يقع أو لا يقع؟ هذه مسألة كبيرة عظيمة، يجب أن نعلم أن الأئمة الأربعة وجمهور علماء الملة يقولون: إنه يقع.
انتبهوا للمسألة، المسألة خطيرة جدًّا، يقولون: إنه يقع.
وذهب قلة من الناس إلى أنه لا يقع، ولا يمكننا الآن وقد انتهى الوقت أن نفصِّل في هذا وسيكون التفصيل إن شاء الله تعالى في الدرس المقبل.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم؟
الطالب: الحديث أخرجه في صحيح مسلم.
الشيخ: أنا أظن أنه أخرجه مسلم، لكن يمكن المحشِّي يقصد (... ).
الطالب: المحقق له (... ).
الشيخ: (... ) قال: البخاري، وفي رواية للبخاري، هذا يدل على أن المؤلف متأكد أنه في الصحيحين.
طالب: بسم الله، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن طلَّق مَنْ دخلَ بها في حيضٍ أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه فبدعةٌ يقعُ وتسنُّ رَجعتُها.
ولا سُنَّةَ ولا بِدْعةَ لصغيرةٍ وآيسةٍ وغيرِ مدخُولٍ بها، ومن بان حَمْلُها).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو طلاق السنة؟ ما جمع؟
طالب: ما جمع في (... ). طلاق السنة؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، هو جمع أوصافًا، اذكر أوصافه حتى يكون أسهل.
الطالب: أن يطلقها مرة.
الشيخ: أن يطلقها مرة.
الطالب: في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: في طهر.
الطالب: في طهر لم يجامع فيه.
الشيخ: لم يجامع فيه.
الطالب: حتى تنقضي العدة.
الشيخ: أيش لون؟ في طهر لم يجامع فيه حتى تنتهي العدة.
الطالب: يتركها حتى تنقضي العدة.
الشيخ: أن يتركها حتى تنقضي العدة، يعني: لا يردف الطلاق بالطلاق.
الآن (... )، قال لزوجته: أنت طالق أنت طالق، سنة ولَّا بدعة؟
طلبة: بدعة.
الشيخ: بدعة، قال لها وقد جامعها: أنت طالق؟ بدعة؛ لأنه في طُهْرٍ جامع فيه.
قال لها بعد أن طهرت من الحيض وقبل أن يجامع، قال: أنت طالق؟ سنة؛ لأنه في طهر لم يجامعها.
قال لها بعد أن طلقها في طهر لم يجامعها فيه: أنت طالق؟ بدعة.
البدعة الأول ولَّا الثاني؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني.
طلاق البدعة هل يقع أو لا يقع؟ المؤلف يرى أنه يقع، ولهذا قال: (وإن طَلَّق مَنْ دخلَ بها في حيضٍ فبدعةٌ يقعُ).
طالب: (أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه).
الشيخ: فيه (أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه)، لكن نخلي شرحها بعدُ.
(فبدعة يقع)، أولًا قولنا: (بدعة) يعني أنه مخالف للسنة، وهنا ننبه أن الفقهاء رحمهم الله لا يطلقون البدعة على مثل هذا، البدعة تُطلق على عبادة لم تشرع، أو على وصف زائد عما جاءت به، أو في أمور عقدية، هذا هو الذي يطلق عليه البدعة غالبًا؛ إما في أمور العقائد، وإما في عبادة لم تُشْرَع أصلًا، وإما في عبادة مشروعة لكن زادها وصفًا.
وأما في غير ذلك فإنه لا يُسَمَّى بدعة، تجدهم يقولون: هذا حرام، هذا مكروه، أما أن يقولون: إنه بدعة.
فهذا نادر.
لكن في هذه المسألة وصفوا بالبدعة والسنة.
إذا طلَّقها في حيض فهو بدعة، وإن شئت فقل: إنه محرم، وهذا أليق في اصطلاح الفقهاء؛ أن نقول: إنه محرم.
دليل التحريم من الكتاب والسنة؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، يعني: طلقوهن طلاقًا تبتدئ به العدة، ومعلوم أنه إذا طلقها في حيض لم يكن طلاقًا تبتدئ به العدة؛ لأن بقية الحيضة التي طلق فيها لا يحسب من العدة، فيكون قد طلَّق أيش؟ لغير عدة، فتعدَّى بذلك حدود الله: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: 1].
إذن هذا دليل من القرآن على أنه محرم.
دليل من السنة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن ابن عمر طلق زوجته وهي حائض، فتغيَّظ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: غضب وتأثر من كونه يطلقها وهي حائض، مع أن ابن عمر ربما يكون غير عالم، لكن أصل الفعل محرم، والفاعل قد يكون آثمًا وقد يكون غير آثم.
ثم قال لعمر: «مُرْهُ» أي: مر عبد الله «فَلْيُرَاجِعْهَا وَلْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ» ثم قال عليه الصلاة والسلام مفسرًا للقرآن: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (8).
إذن الطلاق بالحيض محرم بالكتاب والسنة.
وهل يقع؟ يقول المؤلف رحمه الله: إنه يقع، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، ولا مراجعة إلا بعد وقوع الطلاق؛ لأن مَنْ لم يقع طلاقُها كيف يقال: راجعْها؟ ولأنه ثبت في البخاري أنها حُسِبت من طلاقها (9)، ولا يمكن أن تُحْسَب من طلاقها إلا إذا وقعت؛ وعلى هذا القول جرى جمهور العلماء، بل جمهور الأمة وجميع الأئمة أن طلاق الحائض واقع ومحسوب عليه، وما زال الناس على هذا.
ثم إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله نظر في الأمر ووجد أن دلالة الكتاب والسنة تدل على عدم الوقوع، لكنه هُجِرَ هذا القول، هُجِرَ هجرًا تامًّا ولم يعمل به أحد حتى عصرنا هذا.
انتشر القول بأن طلاق الحائض لا يقع، وصار عند العامة شيئًا محبوبًا؛ لأن كثيرًا منهم طلق وامرأته حائض أو في طهر جامع فيه، فشربوا هذا القول شرب العطشان للماء البارد وصفقوا له وصاروا ينقِّبون عن طلاقات سابقة، هل هي على حيض أو في طهر جامع فيه؟ من أجل أن ينقضوا ما أبرموا، فإذا ضاقوا ذرعًا وضاقت عليهم الأرض بما رَحُبَت وطلق زوجته الطلقة الثالثة، جاء يقول: طلقت منذ عشرين عامًا امرأتي وهي حائض؛ يعني أيش؟ أَلْغوها عليه.
وطلقتها منذ عشر سنوات في طُهْرٍ جامعتها فيه.
يعني أيضًا: احذفوها.
تكون هذه الطلقة الثالثة هي الأولى، فيراجع.
وسبحان الله! لم يتفطن لهذا الأمر الذي وقع فيه إلا بعد أن ضاقت عليه الحيلة!
مثل هذا – حتى لو كان العالم يرى أنه يقع – لا يُفْتَى بأنه لا يقع؛ لأنه يشبه المتلاعب.
هذا الرجل لو أن زوجته بعد طلقته الأولى تزوجت بعد انتهاء العدة، هل يهجم على الزوج ويقول: هذه زوجتي؟ الطلاق لم يقع؟ أبدًا، لو فعل لذهب إليه يقول: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير، فكيف اليوم يقول: إنه طلق في حيض؟ ولهذا يسألنا كثير من الناس عن هذا، وما شاء الله العوام صاروا فقهاء في هذه المسألة؛ لأنه وافق قلبًا خاليًا فتربع، وافق هوًى.
مثل هؤلاء لا يُفْتَون بعدم الوقوع، ولا حرج على الإنسان في ذلك؛ لأنه من باب دفع التلاعب بآيات الله؛ ولأنه قول – أعني الوقوع – قول موافق لأيش؟ لجمهور الأمة وأقوال الأئمة الأربعة وغيرهم من المحققين العلماء الفحول.
أقول: هذا تقرير كون الطلاق يقع في الحيض.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يقع في الحيض؛ لأن ذلك خلاف ما أمر الله به ورسوله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (10)، أي مردود على عامله.
فهذا الطلاق الذي وقع في الحيض هل عليه أمر الله ورسوله؟ لا، إذن لا يقع.
كما لو صلى الإنسان نافلة دون سبب في وقت النهي، النافلة طاعة، ومع ذلك إذا فعلها من دون سبب في وقت النهي فهي أيش؟ باطلة مردودة، فكذلك الحيض.
فإذا كانت العبادة وهي محبوبة إلى الله لا تُقْبَل إذا وقعت في حال منهي عنها، فالطلاق الذي ليس محبوبًا إلى الله إذا وقع في حال منهي عنها أولى ألا يقع وأن يكون مردودًا.
ثم إن أبا داود روى في سننه بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرها شيئًا (11).
هذا القول الذي نُسِبَ إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يعارض (فَحُسِبَت من طلاقها)؛ لأن قوله: فحُسِبَت، يقول ابن القيم: لم يذكر من الحاسب، هل هو الناس ومن ذهب إلى هذا أو الرسول؟ وأما ولم يرها شيئًا فهو مرفوع، لم يرها شيئًا يعدُّ.
والصواب عندي أن الطلاق في الحيض لا يقع، وبناء على ذلك إذا جاءنا رجل يقول: اكتب طلاق زوجتي، نقول: انتظر، هل الزوجة حائض؟ إن قال: لا، قلنا: هل جامعت؟ إن قال: لا، كتبنا الطلاق.
وإن قال: إنه جامعها في الطهر، قلنا: هل حملت؟ إن قال: نعم، كتبنا الطلاق، وإن قال: لا، قلنا: ننتظر حتى تحيض أو يتبين حملها.
يقول كذلك: (أو طُهْرٍ وَطِئَ فيه).
يعني أنه إذا طلق في طهر وطئ فيه (فبدعةٌ يقعُ) يعني: فهو طلاق بدعة ويقع.
والصحيح أنه حرام لا شك، حرام أن يطلِّقها في طهر جامعها فيه، ودليل هذا حديث ابن عمر: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ».
وعلى هذا فإذا طلَّقها في طهر جامعها فيه فهو محرم.
وهل يقع أو لا يقع؟ يرى المؤلف أنه يقع، والصحيح أنه لا يقع؛ وذلك لأنه خلاف أمر الله ورسوله، فإن الله تعالى قال: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وإذا طلقها في طهر جامع فيه فهل عدتها في الحيض أو بوضع الحمل؟ ما ندري، إن حملت من هذا الجماع فعدتها بوضع الحمل، وإن لم تحمل فعدتها بالحيض.
إذن هذا الرجل طلقها لعدة غير متيقنة، لا يدرى أهي بوضع الحمل أو الحيض.
فنقول: انتظر حتى تحيض أو حتى تحمل.
فعلى هذا إذا جاءنا رجل يقول: اكتب طلاق زوجتي، أسأله هل هي حائض أو لا؟ إذا قال: لا، هي طاهر.
أقول: هل جامعتَها أو لا؟ إذا قال: جامعتُها، ماذا نقول؟ نقول: انتظر.
إلى متى ينتظر؟ حتى تحيض أو يتبين حملها، فإن حاضت، فإذا طهرت طلق، وإن تبيَّن حملها طلق في الحال؛ لأنه إذا طلق الحامل ابتدأت العدة من طلاقه، فيكون قد طلق للعدة.
يعترض معترض على قولنا: إن الطلاق في الحيض لا يقع، يعترض معترض فيقول: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا»، والمراجعة لا تكون إلا بعد عدة؟