(كتابُ الوَقْفِ)
وهو تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الْمَنفعةِ، ويَصِحُّ بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه كمَن جَعَلَ أَرْضَه مَسْجِدًا وأَذِنَ للناسِ في الصلاةِ فيه، أو مَقبرةً وأَذِنَ في الدفْنِ فيها، وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وحَبَسْتُ، وسَبَلْتُ.
وكِنايتُه: تَصَدَّقْتُ وحَرَّمْتُ وأَبَّدْتُ.
فتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ معَ الكِنايةِ أو اقترانِ أحَدِ الألفاظِ الْخَمسةِ أو حُكْمِ الوَقْفِ، ويُشْتَرَطُ فيه الْمَنفعةُ دائمًا من عينٍ يُنتفَعُ به معَ بَقاءِ عَينِه كعَقارٍ وحيوانٍ، ونحوِهما وأن يكونَ على بَرٍّ كالمساجِدِ والقناطرِ والمساكينِ والأقاربِ من مسلمٍ وذِمِّيٍّ، غيرَ حَرْبِيٍّ وكَنيسةٍ ونُسَخِ التوارةِ والإنجيلِ, وكُتُبِ زَنْدَقَةٍ، وكذا الوصِيَّةُ والوَقْفُ على نفسِه، ويُشترَطُ في غيرِ المسجدِ ونحوِه أن يكونَ على مُعَيَّنٍ يُمْلَكُ لا ملكٌ وحيوانٌ وقبرٌ وحَمْلٌ، لا قَبولُه.
[
مدخل
(6) ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الوقف) الوقف مصدر (وقف يقف وقفًا)، ويقال: وَقَفَ أي توقَّف عن المشي، ومصدره: وقوف.
وقف اللازم الذي بمعنى توقف عن المشي، مصدره وقوف، كقعد قُعودًا، قال ابن مالك:
وَ (فَعَلَ) اللَّازِمُ مِثْلُ (قَعَدَا)
لَهُ (فُعُولٌ) بِاطِّرَادٍ كـ (غَدَا)
له فعول، فوقف من الوقوف اللي ضد المشي، مصدره: وقوف، ووقف المتعدي الذي بمعنى أوقف الشيء، مصدره: وقفًا، مثل (مَنَعَ يَمْنَعُ منعًا)، شوف وقوف الآن مصدر وقف اللازم، وجمع وقْف من المتعدي، إذا صار الإنسان عنده مثلًا عشر دور، يقال: هذه وُقوف فلان جمع (وقْف)، لكن إذا قلت: وقَف يعني عن المشي تقول في المصدر: وُقُوف.
على كل حال نقول: الوَقْف مصدر وَقَف اللازم أو المتعدي؟
طالب: اللازم.
طالب آخر: المتعدي.
الشيخ: لا إله إلا الله! ! وقف باب الوَقْف مصدر وَقَف اللازم ولَّا المتعدي؟
الطلبة: المتعدي.
الشيخ: المتعدي إي نعم، وَقَفَه أي أوقفه.
طيب هو مأخوذ من الإيقاف، أوقف الشيء يعني مَنَعَهُ من التحرك.
لكن في الاصطلاح قال: (هو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة) هذا الوقْف، تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة.
(الأصل) يعني العَيْن.
(المنفعة) منفعة العين، تحبيسه عن أي شيء؟ تحبيسها عن التصرف، يعني يُحبِّسها فلا يُتصرف فيها لا ببيع ولا هبة، ولا ميراث ولا غير ذلك، يُحبِّسها.
تسبيل المنفعة يعني إطلاقها، يُطلِق المنفعة، يجعل المنتفع حُرًّا طليقًا، يفعل ما يشاء، ولنضرب لهذا مثلًا، قال رجل: بيتي هذا وقْف، البيت نسميه أصلًا، هو الأصل، سكنى البيت منفعة، سكنى البيت يجوز أن يسكنها من وُقِّف عليه البيت بنفسه، ويجوز أن يمنحها لشخص، ويجوز أن يؤجرها وتأجير المنفعة كبيعها، فالآن المنفعة مطلقة ولَّا لا؟ مُطلقة مُسبَّلة، والأصل محبوس، فإذا قلت: وقَّفْت داري على فلان، صارت الدار أصلها محبوس، لا يمكن لفلان أن يبيعها، ولا يمكنه أن يرهنها، ولا يمكن أن يهبها، ولا تُورث بعده، لكن منفعتها أيش؟ له مُسبَّلة مطلقة، إن شاء سكن، وإن شاء آجرها، وإن شاء رهن المنفعة، وإن شاء تركها، لا ينتفع بها لا بسكنى ولا بتأجير ولا بغيره؛ لأنه حُرٌّ فيها، واضح؟ طيب وهنا نسأل: هل الوقْف مما حدث في الإسلام أو كان معروفًا في الجاهلية؟
الجواب: الأول، الوقْف من الأمور الحادِثة في الإسلام التي لا تُعرف في الجاهلية، ولهذا يقال: إن أول وقْف كان في الإسلام وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك بعد فتح خيبر، فإن عمر رضي الله عنه أصاب أرضًا في خيبر؛ لأن خيبر نصفان، بعضها قُسِّم، أصاب أرضًا في خيبر، وكانت من أنفس أمواله عنده وأحب أمواله إليه، والصحابة رضي الله عنهم ليسوا مثلنا، كلما كان المال أنفس تمسكنا به أكثر (... ).
الصحابة كلما كان المال أنفس بذلوه لله، فكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدَّق به، يتأول قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92].
وأبو طلحة رضي الله عنه لما أنزل الله هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن الله أنزل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب مالي إليَّ بيرحاء.
اسم نخل مستقبلة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وكان فيها ماء عذب طيب يأتي إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيشرب منه، وهذا المال الذي يأتي إليه الرسول ويشرب منه لا بد أن يكون أغلى شيء عند الصحابة؛ لأنه أين الرجل الذي يأتي الرسول إلى بستانه ويشرب منه؟ من يحصل هذا؟ فكان أغلى شيء عنده هذا المال.
وإني يا رسول الله أتركها، فضعها حيث شئت، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ».
صحيح هذا الربح.
ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» (7).
شوف فضل صلة القرابة ما قال في الفقراء والمساكين، قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»، فجعلها في قرابته وبني عمه.
الشاهد من هذا أن عمر رضي الله عنه لما أصاب هذه الأرض في خيبر، وكانت أحب إليه وأنْفَس مال عنده جاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم، يستشيره لسببين: الأول: سداد رأي الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنه أرجح الناس عقلًا وأسدهم رأيًا، والثاني: التشريع؛ لأنه لا يستطيع أن يشرع، فاستشارته تتضمن الأمرين: الاستنارة برأيه، والثاني: الاهتداء بشرعه، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «حَبِّسْ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا» (8). يعني امنع أصلها لا يُباع، واجعل ثمرتها صدقة.
ففعل عمر وتصدق بها في الفقراء، والمساكين، وابن السبيل، والضعيف، تصدَّق بها في مصالح الخير، فكان هذا أول وقْف في الإسلام.
السؤال الثاني: هل الوقْف سُنَّة، أو جائز، أو واجِب، أو مُحرَّم؟
طالب: جائز.
الشيخ: نقول: الأصل فيه الجواز، لكن إذا وقف للخير صار مُستحبًّا، ولا يجب إلا إذا نذره الإنسان، إذا نذر أن يُوقِف هذا الشيء لطلبة العلم مثلًا، هذا البيت لطلبة العلم، قال: لله عليَّ نذر أن أُوقِف هذا البيت لطلبة العلم؛ وجب عليه؛ لأن ذلك من الطاعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (9).
فالأصل فيه الحل، ويكون مستحبًّا إذا كان فيه طرق الخير، ويكون واجبًا بماذا؟ بالنذر، ويكون حرامًا إذا اشتمل على مُحرَّم، في مآله، أو في توزيعه، فمثلًا إذا وَقَّف على بعض ولده دون بعض صار حرامًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (10).
إذا وقَّفَه على شيء مُحرَّم قال: هذا وقف على أهل الطبول، فيه ناس مثلًا يطلعون كل ليلة اثنين أو أحد للبَر، يضربون الطبول ويسهرون بالأغاني، قال: هذا وقْف على أهل الطبول والأغاني، يكون حلالًا ولَّا حرامًا؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام، وإذا كان الشيء حرامًا فهو غير نافذ شرعًا، يجب إبطاله شرعًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (11). إذن الوقف قد يكون حرامًا.
والمؤلف رحمه الله لم يُبيِّن حكمه لعل ذلك استنادًا إلى ما هو معروف، وهو أن الأصل في المعاملات الحِل إلا ما قام الدليل على تحريمه.
أخذنا الآن ثلاثة أمور بل أربعة: تعريف الوقْف لغة، وتعريفه اصطلاحًا، وهل هو مما جاء به الإسلام أو مما كان معروفًا بالجاهلية.
والثالث ما هو؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: ما هو أول وَقْف في الإسلام؟
والرابع: الحكم.
طيب الحكم التكليفي عرفناه، أما الحكم الوضعي قال: (ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه) بَيَّن المؤلف في هذا الكلام صيغة الوقف؛ أنه يكون بالقول وبالفعل الدالِّ عليه؛ يعني أنه ينعقد إما بالقول بأن يقول: وقَّفْت داري مثلًا، وقَّفْت سيارتي، وما أشبه ذلك، أو بالفعل الدال عليه؛ الفعل لا بد أن يكون هناك قرينة تدل على أنه أراد الوقف، مثاله: قال: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأذن للناس في الصلاة فيه).
رجل حوَّش أرضًا، وجعل بعضها مسقفًا وبعضها مفتوحًا، ووضع فيها منارة، وأذِن للناس أن يصلوا، نقول: الآن صارت هذه الأرض وقفًا، هو ما قال: وقَّفْت الأرض، ما قال هذا أبدًا، ولكن نقول: حصل الوقف بماذا؟ بالفعل الدال عليه، فإن تسْوير الأرض، ووضع المنارة، وتسقيف بعضها، وفتحها للناس، يصلون بها قرينة ظاهرة قوية جدًّا على أنه أراد أن تكون مسجدًا، فتكون هذه الأرض مسجدًا، ولا يمكنه أن يتصرف فيها بعد ذلك لا ببيع ولا غيره؛ لأنها خرجت عن ملكه.
كذلك إذا جعلها مقبرة، وأذن للناس بالدفن فيها سوَّر أرضه وفتحها، وقال للناس: من أراد أن يدفن في الأرض فليدفن، ولما دُفِن قبر أو قبران رجع، قال: هوَّنْت، الأراضي زادت قيمتها وهي في محل استراتيجي.
يا رجل، أنت أذنت للناس بالدفن فيها، ودُفن فيها من دُفن؟ ! قال: أما من دُفِن فلا ننبشه، وأما ما بقي ما الأرض فهي لي، ماذا نقول له؟
الطلبة: ليست له.
الشيخ: نقول: ليست لك؛ لأنك سوَّرتها بسور واحد، وأذِنت للناس في الدفن فيها، ومن المعلوم أن الناس لن يدفنوا فيها جميعًا في يوم واحد، فإذن الأرض خرجتْ عن ملكك وهي وقْف، ولا يمكن أن ترجع فيها.
طيب إذا قال: هل أنا وقفتها؟ هاتوا ثبوت أني وقفتها؟ ماذا نقول له؟ نقول: أنت لم تُوقفها باللفظ، ولكن بالفعل الدال عليه.
إذن الوقْف له صيغتان ينعقد بهما: صيغة قولية، وصيغة فعلية، لكن الصيغة الفِعلية لا بد فيها من قرينة ظاهرة تدل على أنه أوقفها، لو أن رجلًا عنده أرض وهي بين شارعين، أرض بين شارعين، فجعل الناس بدلًا من أن يذهبوا مع الشوارع يستطرقون هذه الأرض وهو ساكت، فهل نقول: إن هذا الطريق صار وقْفًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: لأن هذا لا يدل على الوقْف، كثير من الناس إذا لم يكن محتاجًا للأرض يسمح للناس أن يتجاوزوا منها، أليس كذلك؟ ولكن إذا احتاجها حرثها وسدَّ الطريق.
إذن لا بد في الفعل من قرينة ظاهرة تدل على الوقْف، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل بقاء مُلك الإنسان فيما يملك، هذا هو الأصل، ولا نُخرجه عن هذا الأصل إلا بقرينة ظاهرة.
طيب صار الصيغة الآن للوقْف صيغتان؛ الصيغة الأولى: قولية، والثانية: فعلية.
الصيغة القولية تنقسم إلى قسمين: صريح، وكناية، قال المؤلف: (وصريحه وقَّفت وحبَّسْت وسبَّلْت) فإذا قال: وقَّفْت بيتي على كذا، فهذه صيغة صريحة.
الشيخ: ويش تقول؟
طالب: صريحة.
الشيخ: صريحة؟ إي، هذه صريحة ما تحتاج إلى نية، بمجرد ما يقول: وقَّفْت صار وقفًا.
إذا قال: حبَّسْت بيتي، فهذا لفظ صريح يكون البيت وقفًا بمجرد قوله: حبَّسْت.
سبّلْت كذلك صريح، يكون البيت وقفًا بمجرد هذا القول، ولا يحتاج إلى نية، طيب هل يحتاج إلى أن أكرر فأقول: حبَّسْت وسَبَّلت ووقَّفْت؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، يكفي واحدة، نجد في بعض الكتابات بعض الكُتَّاب إذا أراد أن يكتب وثيقة الوَقْف يقول: وقَّفْت، وحبَّسْت، وسبَّلْت، وأبَّدْت، وحرَّمْت، وتصدَّقْت، يجيب كل الألفاظ، هذا غلط، هو مجتهد، لكنه مخطئ، وذلك لأن العقود لا تحتاج إلى تكرار صيغها، وإلا لقلنا: إذا قال الرجل للشخص اللي بيزوجه: زوجتك بنتي، قال: قبلتُ.
أنكحتك بنتي؛ قبلت.
ملَّكتك بنتي؛ قبلت.
زوجتك بنتي؛ قبلت.
نكرر هذا ولَّا لا؟
ما نكرر؛ لأنه ينعقد العقد بأول صيغة، فيكون ما بعده من باب التنطع والتكلف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (12).
فلهذا ربما يُعرض عليكم وثائق وقْف مكتوب فيها: فلان وقَّف وحبَّس وسبَّل وحرَّم وأبَّد، أنا قرأتها، كل هذا غلط، لكن بعض الكُتَّاب يجتهدون، وليس كل مجتهدٍ مُصيبًا فيخطئون، نقول: بدلًا من هذا اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، وَقَّفَ فلانٌ بيتَه على فلان، نصف سطر يكفي، تقبَّل الله منه.
يعني يصلح أن تقول: حضر عندي فلان بن فلان، وتعين الرجل، فوقَّفَ بيته الفلاني على الجهة الفلانية، تقبل الله منه.
وتذهب بها إلى المحكمة وتصدق عليها، وأما الكلام الطويل العريض الذي ليس منه فائدة فهو من باب التنطع، ولا ينبغي أن يُكتب.
طالب: شيخ، إذا أراد (... ).
الشيخ: إذا أراد؟
الطالب: (... ) مسجد لبنائه.
الشيخ: يهدمه ليبنيه من جديد.
الطالب: نعم (... ).
الشيخ: الثاني يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش تقولون في هذا السؤال؟ يقول: لو أعار أرضَهُ أهلَ المسجد ليصلوا فيها ما دام مسجدهم يُبنى، فهل تكون هذه الإعارة وقْفًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما تكون وقْفًا، معروف أنه إعارة.
طالب: لو بعد أن أوقف وكُتبت الوثيقة (... ) قبل أن تُصدق من الحكمة (... ) ذلك.
الشيخ: نعم، ويش تقولون؟
طالب: ما يقول؟
الشيخ: يقول: رجل قال: وقَّفْت بيتي وقبل أن تُصدَّق من المحكمة رجع.
نقول: لا يملك الرجوع حتى ولا في مجلس العقد؛ لأن لو في المجلس قال: وقَّفْت بيتي الفلاني قال له الجار اللي جنبه: يا بن الحلال، لا تُوقِّف البيت هذا، وقِّف البيت الثاني (... )، وخلِّ هذا ليك أنت وعائلتك.
قال: هوَّنْت، اشهدوا أني جعلت الوقف في البيت الثاني.
الطلبة: (... ).
الشيخ: ما يصح، أقول: يصح الرجوع ولَّا لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح الرجوع، وهو في نفس المكان لا يصح الرجوع.
طالب: من قال: وقَّفْت الدار إلى شيخ الدير، قال: الدار وقفته لشيخ الدير، فبعد مثلًا مات هذا الشيخ لشيخ آخر، مثلًا مات الآخر، وبعد هذا أهل الديرة بعد هذا: ما أبغي شيخ، والدار ينتقل لملكه ولا للديرة ولَّا؟
الشيخ: نقول: إذا قالوا: ما نبغي الشيخ، نقول: لازم لكم شيخ، كيف ما يكون شيخ؟ !
الطالب: يعني مات الحين..
الشيخ: ما يخالف، مات الشيخ الأول، ومات الثاني، ومات الثالث، وبعد ما مات الثلاثة قالوا: ما نبغي مشايخ.
نقول: لا بد من شيخ، لا بد.
طالب: هم يقولون يعني (... ) نحن محبوسين (... ) إذا كان فيها مشاكل (... ).
الشيخ: لا، والله، هذه (... ). على كل حال المسألة غير هذا، يعني مثلًا لو وقَّف على جهة وانقطعت، مثل قال: هذا وقف على فلان على زيد، ولم يذكر بعده شيئًا ومات زيد، هل يعود الملك للواقف ولَّا يعود لورثته؟
طالب: لورثته..
الشيخ: أنا أقول لك: الآن هل يعود له أو لورثته أو للمساكين؟ فيها خلاف ستذكر إن شاء الله تعالى، يعني معناه يسمون هذا إذا انقطعت الجهة.
على كل حال، البيت هذا لا يمكن أن يعود ملكًا؛ لأنه أخرجه لله، فلا يمكن يعود ملكًا، لكن هل يعود إلى صاحبه أو إلى ورثته أم ماذا؟ في هذا خلاف، والقول بأنه يعود ملكًا قوْل ضعيف؛ لأن الرجل أخرجه من ملكه.
طالب: المنفعة.
الشيخ: المنفعة إي، وإلا البيت يبقى.
طالب: (... ) مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو حكم الوقف، ويشترط فيه المنفعة دائمًا من مُعَيَّن يُنتفع به مع بقاء عينه كعقار وحيوان ونحوهما.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الوقف شرعًا تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، مثل أن يقول: هذا البيت وقْف على طلبة العلم، فيبقى أصل البيت مُحَبَّسًا، فيبقى الأصل مُحبَّسًا ممنوعًا من التصرف فيه ببيع أو هبة، أو رهن أو غير ذلك، والمنفعة مُسبَّلة يعني أنها ملك للموقوف عليه.
إذا حبَّس نخلًا فالنخل يبقى، والثمرة سبيل مُلك للموقوف عليه، يبيعها، ويعمل فيها ما شاء، وسبق لنا أن الوَقْف مما جاء به الشرع الإسلامي، وليس معروفًا في الجاهلية، وأن أول وقْف حصل في الإسلام وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسبق لنا أنه -أي الوَقْف- سُنَّة إذا كان على أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إذا كان على بِرٍّ، فهو سُنَّة، وسبق لنا أنه ينعقد بصيغتين: قولية، وفعلية، وأن الفعلية مثل أن يجعل داره مسجدًا، ويأذن للناس إذنًا عامًّا بالصلاة فيه، وقلنا: مثل أن يُسوِّر أرضًا ويجعل فيها منارة، ويُسقِّف بعضها، ويقول للناس: صلوا في هذا، فتكون هذه الأرض وقفًا.
وكذلك لو سوَّرها وجعلها مقبرة، أذن للناس في الدفن، أذن له في الدفن فيها، صار هذا وقفًا وإن لم يقل إنها وقف؛ لأن هذا فعل دال على الوقف، أما الصيغ القولية فلها صريح وكناية؛ فالصريح ما لا يحتمل إلا الوَقْف، والكناية ما يحتمل الوقف وغيره، هذا الظاهر، الصريح ما لا يحتمل إلا الوقف، والكناية أيش؟ ما يحتمل الوقف وغيره.
وهل الصرائح والكنايات أمر جاء به الشرع بحيث يستوي فيه جميع الناس كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أمر يُرجَع فيه إلى العُرْف؟
الصحيح أن جميع صِيغ العقود القولية أمْر يُرجَع فيه إلى العُرف، فقد يكون هذا اللفظ صريحًا عند قوم، وكناية عند آخرين، ولا يدل على المعنى إطلاقًا عند ثالث، قد تكون كلمة واحدة هي عند قوم صريحة، وعند آخرين كناية، وعند قوم ثالثين لا تدل أصلًا على المعنى.
فالصحيح أن جميع ألفاظ العقود ترجع إلى عرف الناس، فما اطَّرد عند الناس أنه دال على هذا المعنى فهو صريح، وما لم يَطَّرد ولكنه يُراد به أحيانًا فهو كناية، وما لا يدل على المعنى أصلًا فليس بشيء، ولا يثبت له حكم ذلك الشيء، وعلى هذا فنقول: القاعدة: الصريح من كل شيء ما لا يحتمل غيره عرفًا ولَّا لغة ولَّا شرعًا؟
طلبة: عُرفًا.
الشيخ: عُرفًا؛ لأن هذا كله جاء من الناس وإليهم، فالعقود من الناس وبين الناس وإليهم، فما دل عليه لفظ العَقْد عند الناس حُكِم به.
(صريحه: وقَّفْت وحبَّسْت وسَبَّلْت)، (وقَّفْت وحَبَّسْت) تعود إلى الأصل، (وسبَّلْت) تعود إلى المنفعة، فإذا قال الإنسان: وقَّفْت هذا البيت على الفقراء، فما الذي وقَّفَه؟
الطلبة: أصل البيت.
الشيخ: أصل البيت.
وإذا قال: حبَّسْت هذا البيت، أو حَبَسْت هذا البيت على الفقراء فالذي حَبَّسَه أو حَبَسَه؟
الطلبة: أصل البيت.
الشيخ: أصل البيت.
وإذا قال: سبَّلْت هذا البيت للفقراء؟
الطلبة: منفعته.
الشيخ: أي منفعته، وتسبيله المنفعة، أو تخصيصه المنفعة بالتسبيل يدل على أن الأصل عنده مُحبَّس، فإذا كتب كاتب: وقَّفْت بيتي على الفقراء، أو قاله بلفظ: وقَّفْت بيتي على الفقراء صار وقْفًا، وإذا قال: حبَست؛ صار وقْفًا، وإذا قال: سبَّلْت؛ صار وقْفًا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِثَمَرِهَا» (13).
«إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا».
وقال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» (14).
احتبس، فدل هذا على أن الحبس أو التحبيس يُسمَّى وقْفًا.
طيب التسبيل يدل على الوقْفية باعتبار اللازم، فإن من لازم تسبيل المنفعة ألَّا يُسبَّل الأصل، ويكون الأصل حبيسًا.
هل يُشترط اجتماع هذه الكلمات؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: لا، لا يُشترط، إذا قال كلمة واحدة منها صار وقْفًا.
يقول: (وكِنايته) أي كناية الصيغة القولية (تصدَّقْت وحرَّمْت وأَبَّدْت)، هذه كناية؛ لأنها تحتمل الوقْف وغير الوقْف، وهي في غير الوقف أظهر؛ لأن قولك: تصدَّقْت تعني أنك ملكتَ الفقير مالًا؛ لأن الصدقة تمليك المال تَقرُّبًا إلى الله.
فإذا قلت: تصدقتُ على فلان بعشرة دراهم؛ يعني سبَّلْتها عليه؟ لا، ملَّكْتها إياه، وإذا ملكها يفعل ما شاء، فالأصل أن الصدقة موضوعة لأيش؟ للتمليك لا للحبس.
حرَّمْتُ، حرَّمْتُ مالي، حرَّمْتُ بيتي، الأصل في التحريم المنْع، فمعنى حرَّمْت بيتي؛ يعني أنني حرمته على نفسي فلا أنتفع به، لكن إذا أراد بها الوقْف صارت وقفًا.
أبَّدْت، أي جعلته مؤبدًا، وظاهر اللفظ -أي جعلته مؤبدًا- أني سأبقي ملكه، ولا أزيله عن ملكي أبدًا، فهذه الكلمات الثلاث نجد أنها عند الإطلاق لا تدل على الوقْف، لكن يحتملها الوقْف بالنية، فإذا نوى تصدَّقْت بداري على زيد؛ أي جعلتها وقفًا عليه، صارت وقفًا.
حرَّمْتُ داري عليَّ لتكون على زيد؛ صارت وقْفًا، أبَّدْت داري على زيد؛ صارت وقفًا.
هنا يقول: (كنايته: تصدَّقْت وحرَّمْت وأبَّدْت)، لكن لا ينعقد بالكناية إلا بواحد من أمور ثلاثة.
ولهذا قال المؤلف: (فتُشترط النية مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة) هذه اثنان (أو حكم الوقف) يعني لا بد في الكناية من انضمام أحد الثلاثة إليها؛ وهي النية، فإذا نوى بقوله: تصدقت بداري على فلان نوى الوقف؛ صار وقفًا.
وهل يملكه فلان أو لا؟ يعني يملكه ملكًا تامًّا يتصرف فيه كما شاء؟ لا، بل يكون عنده لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث، بل له منفعته فقط.
حرَّمْت، نفس الشيء، إذا قال: أنا نويت بـ (حرَّمْت)، يعني حرَّمْت البيت على نفسي وجعلته للموقوف عليه، هذه نيتي يكون وقفًا.
إذا قال: أبَّدْت داري على فلان وقال: أنا نويت الوقْف؛ صار وقفًا، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (15). فهذا نوى، فله ما نوى.
فإن قال قائل: لو قلت: اشترِ لي ثوبًا.
فذهب فاشترى ثوبًا، وقال: أنا نويت أن تشتري لي خبزًا، يصح؟
الطلبة: لا، يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لا يحتمل اللفظ.
الشيخ: لأن اللفظ لا يحتمله، ولو قال: لله عليَّ نذْر أن أتصدق بثوب، فذهب وتصدَّق بخبز، هل وفى بنذره؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأن اللفظ لا يحتمله.
فإذا قال قائل: أنتم تقولون: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (15). لماذا لا تجعلون هذا حسب ما نوى؟
نقول: لأن اللفظ لا يحتمله، والحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» في عمل يحتمل هذه النية.
طيب تصدَّقت، هل تحتمل الوقْف؟
طالب: تحتمل.
الشيخ: تحتمل؛ لأن الوقف صدقة على الموقوف عليه.
حرَّمْت تحتمل الوقف؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الوقْف فيه تحريم الموقوف على الوقف، ما يتصرف فيه.
أبَّدْت، كذلك؛ لأن الوقف مُؤبَّد، لا يُباع، ولا يُوهب، يبقى على ما هو عليه.
الثاني: قال: (أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة) كيف قال: الخمسة وهي ستة؟ هي خمسة ولَّا ستة؟
الطلبة: خمسة.
الشيخ: لا، ستة: وَقَّفْت، حَبَّسْت، سَبَّلْت، تَصَدَّقْت، حَرَّمْت، أَبَّدْت.
طالب: غير الذي قرنه.
الشيخ: غير الذي قرنه؛ لأنه قال: اقتران أحد الألفاظ الخمسة، يكون عندنا لفظ أول اقترن به واحد من الألفاظ الخمسة.
فمثلًا إذا قال: تصدَّقْت بهذا البيت صدقةً موقوفة؛ صار وقفًا؛ لأنه اقترن بأحد الألفاظ الخمسة.
إذا قال: تصدَّقت به صدقة مُحبَّسة؛ صار وقفًا، صدقة مُسبَّلة؛ صار وقفًا، صدقة مُحرَّمة؛ صار وقفًا، صدقة مُؤبَّدة؛ صار وقفًا.
فإذا قرن بواحد من ألفاظ الكناية أحد الألفاظ الخمسة، والباقي عندنا إذا أخذنا واحدًا من الكناية، كم يبقى عندنا من الكناية؟
طالب: اثنان.
الشيخ: يبقى اثنان، وثلاثة صريح.
(أو حكم الوقْف) لو قال المؤلف: أو بما يدل على الوقف؛ لكان أوْلى وأعم.
(حكم الوقْف) مثل أن يقول: تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقةً لا تُباع.
إذا قال: صدقةً لا تُباع، فما الذي لا يُباع؟
الطلبة: الوقف.
الشيخ: الوقف، إذن عرفنا أنه أراد بالصدقة الوقْف؛ لأنه قال: لا تُباع، تَصدَّقْت بهذا البيت على فلان صدقةً لا تُرْهن؟
طالب: وقْف.
الشيخ: هذا وقْف أيضًا؛ لأن الوقْف لا يُرْهن.
نحن قلنا: لو قال: أو بما يدل على الوقْف لكان أعم، لو قال: تصدَّقْت بهذا البيت على فلان، والناظر عليه فلان يكون وقْف ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يكون وقفًا، من أين علمنا ذلك؟ لقوله: والناظر، والنظر إنما يكون في الأوقاف.
قلت: تصدَّقْت بهذا البيت على فلان ومن بعده فلان، هذا أيضًا يكون وقفًا؛ لأنك إذا قلت: ومِنْ بعده فلان عرفنا أنك أردتَ الوقْف؛ إذ لو كان ملكًا لزيد؛ لم يكن لك تصرف فيه بعده، يكون بعد زيد لمن؟ لورثته.
فالمهم أنه إذا قرَن بالكناية أحد الألفاظ الخمسة، أو قرَن بها ما يدل على الوقْف، مثل أن يقول: لا تُباع، أو يقول: الناظر فلان عليه، أو يقول: على فلان ومن بعده فلان، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي تدل على الوقْف فإنه يكون وقفًا، إذن يا جماعة صيغ الوقف نوعان: فعلية وقولية، والقولية نوعان: صريح، وكناية.
والفرق بينهما بين الصريح والكناية:
أن الصريح لا يحتمل غير الوقف، والكناية يحتمله وغيره.
ثانيًا: الصريح لا يحتاج إلى نية ولا اقتران شيء من الألفاظ معه، والكناية تحتاج إلى نية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو ما يدل على الوقف؛ لأنه كناية.
هل تُشترط النية في الصيغة الفعلية؟ الصيغة الفعلية الذي يجعل أرضه مسجدًا أو مقبرة، هل تشترط فيها النية؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأذِن للناس في الصلاة فيه) أنها لا تُشترط النية.
وهذا العمل يعني جعل الأرض مسجدًا أو مقبرة لا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن ينوي بذلك أنها مسجد أو مقبرة، فتكون مسجدًا أو مقبرة، ولا إشكال في ذلك.
الثانية: أن ينوي خلاف ذلك؛ بأن ينوي بجعلها مسجدًا أنها موقتة أو بأنها مقبرة أنها موقَّتة، فقد صرح شيخ الإسلام ابن تيمية أنها تكون وقْفًا ولو نوى خلافها؛ لأن هذه النية تُعارِض الواقع؛ فإن من جعل أرضه مسجدًا، فإن المعلوم أن المسجد سوف يبقى، فكيف تنوي أنه لا يبقى؟ من جعلها مقبرة فإن من المعلوم أن المقبرة سوف تبقى، فكيف تنوي خلاف ذلك؟
الحال الثالثة: ألَّا ينوي هذا ولَّا هذا، لا ينوي أنها وقْف، ولا أنها غير وقْف فتكون وقفًا لا إشكال فيها.
إذن لا إشكال في أنها تكون وقفًا بالفعل الدال على الوقف في حالين، ما هما؟
إذا نوَى أنها وقْف، وإذا لم ينوِ شيئًا.
الحال الثالثة: إذا نوى خلاف الوَقْف، وأن تكون عاريَّة، فهذه محل خلاف بين العلماء، وقد صرح شيخ الإسلام رحمه الله بأنها تكون وقفًا ولو نوى خلاف ذلك.
ثم قال المؤلف: (ويُشترط فيه المنفعة دائمًا) (يُشترط فيه) يعني في الوقف، والله أعلم.
طالب: لو قال يا شيخ أنه وقف هذا البيت على أن يكون ناظره فلان، ولكن فلان أبى أن يكون ناظرًا على هذا، فهل لا يثبت الوقف؟
الشيخ: لا، يثبت الوَقْف.
طالب: يثبت الوقف؟
الشيخ: إي نعم، يثبت الوَقْف، ويُعيِّن القاضي ناظرًا.
طالب: أحسن الله إليك، بعض الناس يُوقِف أرضًا للموتى (... )، ولم يحدد مساحة، ثم إذا رأى المقبرة اتسعت بالموتى يقول: أتوقف عند حد معين، له ذلك؟
الشيخ: ما فيه بأس ما دام لم يُعيِّنها فله إذا قبل عشرة، عشرين يتوقَّف.
طالب: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: يؤجر هذا (... ).
الشيخ: لا، ما هو (... )، والإجارة هذه كيف تصير؟
الطالب: (... ).
الشيخ: كيف تكون الإجارة؟ كل سنة؟
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ) أنت اللي جبت السؤال.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا بأس، لكن الشراء انتهينا ما فيه إشكال، لكن أنت أوردت السؤال على أنه إجارة، فحدِّد المدة الآن وإلا انسحب.
الطالب: يعني مثلًا (... ).
الشيخ: طيب عشر سنوات، هل نعلم أن الميت يبلى بعد عشر سنوات؟
الطالب: الغالب.
الشيخ: الغالب؟ لا، ما هو غالب، الغالب تختلف الأراضي.
على كل حال يصح أنها تُشترى لا بأس، الفقهاء ذكروا أنه يصح أن يُعيره الأرض حتى يبلى إعارة؛ لأن الإعارة إباحة انتفاع، لكن الإجارة لما كانت عِوضًا فإنها تكون مجهولة؛ لأننا ما ندري متى يبلى.
طالب: (... ) عارية، ولم يصرح بأنها عارية، كيف تكون (... )؟
الشيخ: إي نعم، نقول: يرجع.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مثلًا الأرض يُسوِّرها، ويجعلها مسجدًا بنية إذا بُني مسجد آخر (... )؟
الشيخ: هذه لا بد أنه يُصرِّح، ولا تكون وقفًا، لا بد أن يصرح بأنها عارية، ثم هناك قرائن، مثلًا إذا وضع فيها مسجدًا موقتًا، أو علمنا أن حوله أرض ستكون مسجدًا عرف (... ) أنها عارية.
طالب: وقف عام، وقال: هذه لله.
الشيخ: نعم، تصح، ويُصرف في أعمال الخير.
طالب: أرضًا جعلنا نصلي بها صلاة العيد؛ يعني في الصحراء هل (... ) وقف؟
الشيخ: إي نعم، إذا أذن الناس أنهم يصلون فيها صلاة العيد تكون مسجدًا.
طالب: قوله: إنه لو نوى خلاف ذلك (... ): «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (15) ما نوى (... ).
الشيخ: إي نعم، هؤلاء يقولون: لأن مقتضى جعلها مسجدًا أن تكون وقفًا؛ لأنه من المعلوم أن المساجد وقْف دائمًا، هذه ما يمكن أن يقول إلا إذا صرح بأنها إعارة، فهذه ربما لو صرَّح عند القاضي حكم وقال: هذه إعارة، نأخذ بقوله، أما أنه يقول: أنا نويت خلافًا، والواقع أنه أذن فيها إذنًا عامًّا.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم (... ).
الشيخ: صيغتان: قولية وفعلية، وأن القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية، وأن الفرق بينهما أن الصريح ينعقد به الوَقْف بمجرد النطق به، والكناية لا ينعقد بها الوقف إلا بواحد من أمور ثلاثة؛ أن تقترن بأحد الألفاظ الخمسة، أو أن ينوي ذلك، أو أن يقرنها بأمر يختص بالوقْف.
مثال الأول: أن يقول: تصدَّقْت بهذا صدقة مؤبَّدة على فلان، فهنا يكون وقفًا ليش؟ لأنه قرنها بأحد الألفاظ الخمسة.
ومثال الثاني: أن يقول: تصدَّقْت بهذا على فلان، وينوي أنه وقف، والمرجع في النية إليه لا إلى المتصدَّق عليه؛ لأن هذا لا يُعلَم إلا من جهته؛ ولأن التمليك حصل من جهته فلا يمكن أن نُخرِج مُلكه إلا على النية التي أراد، مثاله: قال: تصدَّقت ببيتي على فلان، فذهب فلان يعرضه للبيع، فقال صاحب البيت: لا تبعْه، أنا نويت أن يكون وقْفًا عليك.
فقال: لا، اللفظ الذي نطقتَ به يقتضي أن يكون ملكًا لي؛ لأنك أنت قلت: تصدقتُ ببيتي على فلان.
فقال: قد نويتُ الوَقْف، فإلى مَنْ نرجع؟ إلى صاحب البيت، نقول: القول قولك؛ لأن النية لا تُعلم إلا من جهتك، ولأنك أخرجتَ مُلكك لهذا الرجل على سبيل أيش؟
الفقراء، صار وقفًا، من أين علمنا أنه وقف؟ أنه ذَكَرَ معه ما يختص بالوقف، تصدقت ببيتي على فلان والناظر فلان، وقف، ليش؟ قَرَنَهُ بما يختص بالوقف، تصدقت ببيتي على فلان صدقة لا يُبَاع فيها ولا يُرْهَن، وقف؛ لأنه قرنه بماذا؟ بما يختص بالوقف؛ وهو عدم البيع والرهن.
قال المؤلف: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة) إلى آخره.
هذا شروع في شروط الوقف، الوقف كغيره من العقود لا بد أن يكون صادرًا من ذي أهلية، فما الذي يُشْتَرَط في الواقف؟ يشترط أن يكون عاقلًا، فلو قال المجنون: وَقَّفْتُ بيتي، فإن الوقف لا يصح، لو قال الشيخ الكبير الْهَرِم الْمُهَذْرِم: وَقَّفْتُ بيتي، لا يصح، ليش؟ لعدم العقل، لو قال السكران الذي شرب الخمر: وَقَّفْتُ بيتي، لا يصح على القول الراجح، أما على المذهب فيصح؛ لأنهم يجعلون أقوال السكران كأقوال الصاحي إذا كان غير معذور بسكره.
يُشْتَرَط أيضًا أن يكون بالغًا، فإن كان غير بالغ فإن الوقف لا يصح، فلو قال شاب مراهق: وَقَّفْتُ بيتي لطلبة العلم، رجل طالب علم وطيب، وحريص على العلم، وحريص على تعلُّم الناس العلم، ولكنه لم يبلغ، له أربع عشرة سنة وستة أشهر، ولا احتلام ولا إنبات، فقال: وَقَّفْتُ بيتي على طلبة العلم، وهو رجل غني ثري، قد ترك له والده عقارات كثيرة، هل يصح الوقف أو لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طلبة: لأنه صغير.
الشيخ: لأنه غير بالغ، صغير، لا بد أن يكون بالغًا.
وهل يُشْتَرَط أن يكون جائز التبرع؟ بمعنى أنه ليس عليه دَيْنٌ يستغرق مالَهُ، هل يُشْتَرَط هذا؟ في هذا خلاف بين العلماء، وهو مبني على جواز التصرف، فإن قلنا بجواز تصرف مَن عليه دَيْنٌ يستغرق ماله قلنا بجواز الوقف، وصحة الوقف، وإن قلنا بأن مَن عليه دَيْنٌ يستغرق ماله لا يصح تصرفه على وجه التبرع، قلنا: لا يصح وقفه.
والصحيح أنه لا يصح تبرعه؛ وذلك لأن مَن عليه دَيْنٌ يستغرق ماله قد شُغِلَ مالُه بالدَّيْن؛ لأن وفاء الدَّيْن واجب، والتبرع والصدقة مستحبة غير واجبة، فلا يمكن أن نُسْقِط واجبًا بمستَحَبّ، فالصحيح أن مَن عليه دَيْنٌ يَسْتَغْرِق لا يصح منه الوقف ولو وَقَّفَ، ولا يصح منه عتق، ولا يجوز له أن يتصدق، وذلك لأن قضاء الدَّيْن واجب، ولا يجوز إسقاط الواجب بماذا؟ بالمستحب، أما المذهب فيجوز أن يتبرع مَن عليه دَيْن يستغرق إلا إذا حُجِرَ عليه، إذا حُجِرَ عليه من قِبَل القاضي فإنه لا يصح أن يتبرع لا بصدقة ولا بوقف ولا بغيرها.
إذن الشروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التبرع على القول الراجح.
هل يُشْتَرَط أن يكون جائز التصرف؟ إي من باب أولى، يُشْتَرَط حتى على المذهب أن يكون جائز التصرف، فلو كان بالغًا عاقلًا لكنه سفيه لا يُحْسِن التصرف في ماله فإنه لا يصح وقفه؛ لأنه ليس جائز التصرف، وإذا كان لا يجوز أن يبيع ماله فإن تبرعه به مِن باب أولى ألَّا يجوز.
هذه الشروط في الواقف، نحتاج إلى شروط تتعلق بالوقف، وإلى شروط تتعلق بالموقوف عليه، يعني شروط الوقف في الحقيقة تدور على ثلاثة أشياء: شروط في الواقف، وشروط في الوقف، وشروط في الموقوف عليه.
شروط الوقف قال: (وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْمَنْفَعَةُ دَائِمًا مِنْ مُعَيَّنٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ)، (يشترط فيه) يعني في الوقف، (الْمَنْفَعَةُ دَائِمًا)، يعني أنه لا بد أن يكون الموقوف ذا منفعة دائمة، دائمة يعني مستمرة ما إلى آخر الدنيا؛ لأن هذا شيء لا يمكن، لكن ليست منقطعة، ولا بد أن يكون من مُعَيَّن، وضد المعيَّن المبهَم، والثالث أن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه.
فقولنا: (يُشْتَرَط فيه المنفعة)، هذا قيد، فإن لم يكن فيه منفعة فإنه لا يصح وقفه، فلو وقف حمارًا مُقَطَّع الأربع، يعني: يداه ورجلاه مقطوعات، وقال: هذا وقف، ما تقولون؟ يصح ولَّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، ليش؟ هذا لا يُسْتَفَاد منه، هذا يأكل ولا يؤكل، فلا يصح الوقف، لو وَقَّفَ طبلًا، طبل من الطبول، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأن المنفعة مُحَرَّمة، والمنفعة الْمُحَرَّمة وجودها كالعدم.
لا بد أن يكون دائمًا، فلو قال: وَقَّفْتُ هذا البيت لمدة سنة بس، فالوقف لا يصح؛ لأن المنفعة حينئذ مقيَّدة بسنة، طيب بشهر؟ من باب أولى.
من معيَّن، يعني: من شيء معين لا مُبْهَم، فلو قال: وَقَّفْتُ أحد بَيْتَْيَّ، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟ لأنه غير معيَّن، ويُشْتَرَط أن يكون معيَّنًا.
هل يُشْتَرَط أن يكون معلومًا؟ ظاهر كلام المؤلف لا، فلو وَقَّفَ بيتًا وهو لم يره، يعني أنه رجل ذو عقارات كثيرة، فوَقَّفَ أحد عقاراته بدون أن يعلم، مثل أن يقول: وَقَّفْتُ بيتي الذي في الحي الفلاني، وليس له بيت سواه في هذا الحي، لكنه لا يدري عن هذا البيت، لا يدري هل هو كبير أو صغير، من طين أو من أسمنت، جيد أو رديء، ما يدري، يصح أو لا يصح؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يصح؛ لأن هذا معيَّن، والمذهب أنه لا يصح؛ لأنه مجهول، وإذا كان مجهولًا فإنه قد يكون أكثر مما يتصوره الواقف، يعني ربما يقف هذا البيت ظنًّا منه أنه يساوي عشرة آلاف، لكنه يساوي مئة ألف، فإذا علم أنه يساوي مئة ألف ربما يندم، والشارع جاء بإزالة الندم عن الإنسان، فلهذا يقولون: إنه لا يصح إذا كان مجهولًا.
ولكن القول الراجح صحة هذا؛ لأنه لم يُجْبَر على الوقف، وليس الوقف مُعَاوَضَة حتى يقول: غُلِبت أو خُدِعت، الوقف تبرُّع أخرجه الإنسان لله، كما لو تصدق بدراهم بلا عَدّ، لو تصدق بدراهم، أخرج من الكيس دراهم وأعطاها الفقير بلا عَدّ، هل تصح الصدقة أو لا؟ تصح وتنفذ، فلو تَبَرَّز الفقير هناك وعد ولا مئة ريال، قال: الله يجزاك خيرًا، اللي أعطيتني مئة وأنا محتاج، قال: مئة؟ أنا حاسبه عشرة، أعطني تسعين ريالًا، يصح ولَّا ما يصح، ما يصح؛ لأنه تصدق وتبرَّع، والمسألة ليست مُعَاوَضَة حتى يدخلها الغبن، المسألة تبرُّع.
فلهذا كان القول الراجح أنه يصح وقف المعيَّن وإن كان مجهولًا؛ لأنه ليس معاوضة حتى نقول: إنه داخل في الغُنْم أو الغُرْم، بل هو تبرُّع محض، إذا أمضاه الإنسان نفذ.
إذن من معيَّن ويش ضده؟ المبهَم، مثل: وَقَّفْت أحد بَيْتَيَّ، فإن هذا الوقف لا يصح.
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه)، يعني: لا بد أن يكون هذا المعيَّن ينتفع به وعينه باقية، فإن كان لا يُنْتَفَع به إلا بتلف عينه فإن الوقف لا يصح؛ لأن الوقف حَبْس الأصل وتسبيل المنفعة، فإذا كان هذا الشيء لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه فأين حبس الأصل وتسبيل المنفعة؟ المنفعة إتلافٌ له، فلو وَقَّفَ الإنسان تمرًا للصُوَّام يفطرون به في رمضان فإن الوقف لا يصح، لماذا؟
طالب: لأن المنفعة هنا تزيل الأصل.
الشيخ: لا يمكن الانتفاع بالتمر إلا بأكله، أليس كذلك؟ إذا كان لا يمكن الانتفاع به إلا بأكله فأين الوقف، الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فلا يصح أن يوقِف طعامًا للأكل.
لو أوقف ثيابًا؟
طلبة: يصح.
طلبة آخرون: لا يصح.
الشيخ: يصح ولا يصح، وفيه التفصيل، بده عليكم واحد، يصح؛ لأنه يمكن الانتفاع بها مع بقائها ولَّا لا؟ يمكن ألبس اليوم وتبقى، حصل لي نفع الآن وهو اللبس، أليس كذلك؟ حصل لي نفع وهو اللبس.
حتى البيت سيعود إلى الانهدام، يعني قد يقول أحدكم: الثياب تبلى، نقول: إذن والبيت ينهدم، لكن في حال الانتفاع تستطيع أن تنتفع به وهو باقٍ، لكن لو وَقَّفَ كيلو تمر على زيد، فجاء زيد وجلس على هذا الكيلو وأكله كله، ويش يبقى؟ لا شيء، فلهذا هناك فرق بين إيقاف الطعام للأكل وإيقاف الثياب للبس.
الثاني صحيح حتى على كلام المؤلف، والأول غير صحيح، يستثنى من هذا -على كلام المؤلف- يستثنى الماء، فلو سَبَّلَ الإنسان خزانًا من الماء على المارَّة من هذا الطريق صار الوقف صحيحًا؛ لآثار وردت في ذلك.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إن تصحيحكم لوقف الماء وهو لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه يُلْزِمُكم أن تُصَحِّحوا وقف الطعام الذي لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، وأنه يصح أن يوقِف الإنسان التمر على المفطرين في رمضان.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الصحيح، أي أنه يجوز وقف الشيء المعيَّن وإن كان لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، فيجوز مثلًا أن آتي بإناء كبير من التمر وأقول: هذا وقف على فلان، ماذا يفعل فلان بهذا التمر؟ يأكله حتى يفنى، المذهب يقولون: إنه لا يصح الوقف، وهل يصح صدقة؟ يقولون: لا، ما يصح، يعني لو قلت: هذا وقف، ما يصح أن يكون صدقة، إلا إذا قلت: تصدقت به على فلان، إذا قلت: تصدقت به على فلان صح، وإذا قلت: وَقَّفْتُه على فلان، أيش؟ على كلام المؤلف لا يصح.
إذن فالمخرج مما قال المؤلف أن نقول بدل وَقَّفْت: تصدقت، عرفتم يا جماعة؟ قد تقولون: إذن ما الفرق بين اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز الوقف والصدقة -شيخ الإسلام يقول: الصدقة جائزة والوقف جائز- ما الفرق؟ من حيث اللفظ، يقولون: الفرق أنك إذا تصدقت به على زيد وأخذه ما لك تصرف فيه، يبيعه، يرهنه، يهبه، ملكه، هو فيه حر، وإذا قلت: هذا التمر وقف على زيد، لم يتمكن من التصرف فيه، فلا يملك أن يبيعه أو أن يرهنه؛ لأن الوقف لا يباع، أيهما أصلح للفقير؛ الوقف ولَّا الصدقة؟
طلبة: الصدقة.
الشيخ: الصدقة أحيانًا، والوقف أحيانًا، إذا كان هذا الفقير أخرق فالوقف أحسن؛ لأن الأخرق يمكن يبيعه برخص، يمكن يبيعه ويشتري أشياء غير هامة، لكن لو تصدقت به صدقة راح يبيعه ويشتري جِرَار بيبسي وما أشبه ذلك، يموت من الجوع ويشتري أشياء تنزل الطعام اللي في معدته وتزيده جوعًا إلى جوعه، هذا ما هو أحسن إنه يعطيه صدقة، أعطيه أيش؟ أعطيه وقفًا، أجعله وقفًا عليه، وإذا شفته بيطلع منه كيلو منعته، تقول: أنا موقِّفُه عليك توقيف، ما يمكن تبيع منه شيئًا.
إذن القول الراجح في هذه المسألة أنه يجوز أن يوقف شيئًا.. أتموا.
طلبة: لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه.
الشيخ: لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، قياسًا على ما قالوه هم أنفسهم في وقف الماء؛ لأنه لا فرق.
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه كعقار) العقار يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: مثل أيش؟ كدُكَّان مثلًا، أوقف دكانًا على فلان، يمكن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، لكن إذا قال الموقوف عليه: أنا لست صاحب بيع وشراء، ويش ينفعني الدكان، ويش نقول؟ أَجِّرْهُ، الآن منفعة الدكان لك، سواء استوفيتها بنفسك أو بغيرك، ممكن تُؤَجِّره، يمكن تعطيه صديقًا لك ينزله وينتفع به.
يمكن يوقِّف حيوانًا؟ نعم، يمكن يوقِّف حيوانًا، مثل أن يوقِف فرسًا للجهاد في سبيل الله، يمكن يوقف بقرة على عائلة ينتفعون بأيش؟ بلبنها، يوقف بعيرًا على حَطَّاب ينتفع به، يوقف بعيرًا على قَصَّاب يذبحه ويبيع لحمه.
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: على التفصيل السابق.
الشيخ: ما هو على التفصيل السابق، يصح وقفه على الجزار، لكن يقال: لا تذبحها، انتفع بها، أَجِّرْهَا، يقول: والله أنا لست جَمَّالًا حتى أحطب عليها، نقول: أَجِّرْها.
يقول: (ونحوهما) نحو الحيوان والعقار، أوقف كتابًا على زيد، يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: كتابًا؟
طلبة: نعم يصح.
الشيخ: هل هو معين يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، أوقف سيارة، يصح، أوقف قلمًا، يصح؛ لأن كل هذا يمكن أن يُنْتَفَع به مع بقاء عَيْنِه، أوقف ولدَه على فلان؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لا يملكه.
الشيخ: لأنه لا يُمْلَك، الولد لا يُمْلَك، ولهذا لا بد أن يكون مما يصح بيعه، المؤلف ما ذكره لكن معروف، لا بد أن يكون مما يصح بيعه، فإن كان لا يصح بيعه ولا تملُّكه كالحر مثلًا لا يجوز، أوقف أَمَة على شخص، يصح؟
طلبة: يصح.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: يصح، ويمكن ينتفع بها ولو بغير الوطء، الوطء يحتاج إلى نظر، لكن غير الوطء مثل أن ينتفع بها خادمة يصح.
غير ذلك مما يُنْتَفَع به مع بقاء عينه مثل أيش؟
طالب: السلاح.
الشيخ: كالسلاح، النخل؛ أوقف نخلة على شخص، يجوز أو لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: لأنه يُنْتَفَع بها مع بقاء عينها، كيف يُنْتَفَع بها مع بقاء عينها؟ إي نعم، فيها ثمرة، أليس كذلك؟ إذا كان فيها ثمرة فإنه يُنْتَفَع بها.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف أرضه التي في خيبر بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام ومشورته وهي لا تخلو من نخل، ولهذا عامل النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على ما فيها من زرع ونخل بالشطر (1).
إذن القاعدة: يُشْتَرَط في الموقوف أن يكون مشتملًا على منفعة دائمة، مباحة ولا ولو كانت حرامًا؟
طلبة: مباحة.
الشيخ: مباحة، وأن يكون معيَّنًا، سواء كان معلومًا أو مجهولًا على القول الصحيح، وهو ظاهر كلام المؤلف، وأن يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه.
طالب: مَن وَقَّفَ مثلًا دارًا لطلبة العلم سكن فيه بعض لا يتبع به علمًا، هل يجوز لمالكه التصرف حتى يخرج هذا الرجل.
الشيخ: يعني أوقفه على طلبة العلم وسكنه غير طالب العلم؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: إي، له أن يُخْرِجَه معلوم.
طالب: وهل عليهم حرام أن يسكنوا فيه.
الشيخ: إي نعم، إذا كان هذا البيت وقفًا على طلبة العلم فإنه لا يحل لمن لم يكن طالب علم أن يسكنه.
طالب: وإذا كان عنده تهاون في العلم، وكذلك حرام عليه..
الشيخ: إي، هذا إذا كان عنده تهاون يُرْجَع إلى العرف، فإذا قيل: هذا طالب العلم؛ لأنه أحيانًا يكون طالب العلم المتهاون طالب علم بالنسبة لفتور الناس، وأحيانًا يكون طالب العلم المتهاون ليس طالب علم بالنسبة لنشاط الناس، فمثلًا نحن الآن عندنا نحن طلبة علم، ولكن معنا فتور، ولَّا لا؟ لسنا كطلبة العلم السابقين الذين يسهرون الليل ويكدحون النهار، لا، أكثر أوقاتنا نوم وأكل، لكن مع ذلك يقال عنا: إننا أيش؟ طلبة علم، لكن طلبة علم وقتنا، إي نعم، فلو أردنا أن نقول: لا يسكن الدار التي وُقِّفَت لطلبة العلم إلا رجل كان يطلب العلم كما يطلبه شيخ الإسلام ابن تيمية، صعب هذا.
طالب: الذين ذهبوا إلى صِحِّيَّة وقف (... ) الماء للمنبع، أم الماء..
الشيخ: لا، الماء المحبوس قلت لكم، مَثَّلت بماذا؟ بالخزان، أما الماء الذي في البئر هذا واضح ما فيه إشكال؛ لأنك وَقَّفْتَ البئر، والبئر يخرج منه الماء شيئًا فشيئًا.
طالب: هل يصح بيعه الذي ذكرت (... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هذا ليس من ضمن شروطه.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم.
طالب: إذا بنى فرن خبز مثلًا.
الشيخ: إي نعم.
طالب: ووقَّفَه كل يوم (... ).
الشيخ: إذا بنى فرنًا ووَقَّفَه للخبز فهو صحيح، لا بأس في هذا؛ لأنه يمكن الانتفاع بالفرن مع بقاء عينه.
طالب: يا شيخ، بعض المساجد فيها نخل (... ) هل يجوز الأكل؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ دي مشكلة دي، يقول: بعض المساجد فيها نخل، فهل يجوز الأكل من هذا النخل؟ نقول: إن كانت النخل على أناس مخصوصين مثل أن تكون على الإمام والمؤذن كما هي العادة، العادة أن النخل الذي يكون في المسجد أو حوله يكون للإمام والمؤذن، أو لمصالح المسجد، فلا يجوز لأحد أن يأكل منها، وإن كانت لعامة الناس فيجوز، لكن بشرط أن يأكل منها حين يطيب الأكل، أما ما يفعله بعض الناس يأخذها وهي خضراء لا يأكلها ولا ينتفع بها فهذا حرام؛ لأن فيه إفسادًا لماليتها، هذا يتدرج بنا إلى أكل النخل اللي في الأسواق الآن، الآن في الشوارع نخل من أحسن النخل، بعضها سُكَّرِي وبعضها بَرْحِي طيب، فهل يجوز للناس عمومًا أن يأكلوا منها؟
الظاهر أنه يُنْظَر إلى ولي الأمر فيها، وهم البلديات، فإذا سمحوا للناس فلا بأس، لكن بشرط كما قلت أن يكون قد طاب أكلها بحيث إذا أكلها ينتفع بها، إي نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، من قال بجواز وقف النخل استدلوا بحديث عثمان، أليس كذلك؟
الشيخ: عثمان البئر، لا، غير هذا، البئر ما فيه إشكال.
سبق لنا أن للوقف شروطًا، منها ما يعود إلى أيش؟ طلبة: الواقف.
الشيخ: إلى الواقف، ومنها ما يعود إلى الموقوف، ومنها ما يعود إلى الموقوف عليه، سبق بعضها وسيأتي بعضها.
الذي يعود إلى الواقف ما هو؟
طالب: أن يكون بالغًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: أن يكون عاقلًا.
الشيخ: أن يكون بالغًا، عاقلًا.
الطالب: جائز التصرف.
الشيخ: جائز التصرف.
طالب: جائز التبرع.
الشيخ: على القول الراجح أن يكون جائز التبرع.
من هو جائز التصرف؟ الرشيد، لأنه إذا لم يكن رشيدًا بأن كان سفيهًا فإنه لا يصح تصرفه.
ما تقول في رجل مَدِين دَيْنًا يستغرق ماله فوَقَّفَ بيته؟
طالب: أرجح أنه لا يجوز له التصرف في ماله؛ لأن ماله..
الشيخ: لا يجوز التصرف ولَّا التبرع؟
الطالب: التبرع؛ لأن ماله قد شُغِل بالدَّيْن، والدَّيْن واجب والوقف مستحب، ولا يُسْقِط المستحب الواجب.
الشيخ: زين، والقول الثاني إذا قلنا: إن الشرط أن يكون جائز التصرف؟
الطالب: يجوز له أن يتبرع.
الشيخ: يجوز أن يوقف ويصح الوقف.
رجل مُبَرْسَم -الْمُبَرْسَم الذي أصابه البِرْسَام، وهي علة في الدماغ- رجل مُبَرْسَم وَقَّفَ بيته، ويش تقول فيه؟
طالب: لأنه عقله (... ).
الشيخ: (عَلَى بِرٍّ) هذا من الشروط، من الشروط أن يكون على بِرّ، أي: على شيء يُقَرِّب إلى الله، وهذا شرط في الجهة التي يُصْرَف إليها الوقف؛ أن تكون جهة بِرّ، أي: جهة طاعة وعبادة لله عز وجل.
قال الإمام أحمد: لا أعلم الوقف إلا ما أُرِيدَ به وجه الله، ولأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حينما استشار النبي صلى الله عليه وسلم في أرضه التي غنمها في خيبر إنما يريد بذلك أيش التقرب إلى الله.
وإذا لم يكن الوقف على بِرّ فلا قربة فيه، مثاله: (كَالْمَسَاجِدِ وَالقَنَاطِرِ والْمَسَاكِينِ والأَقَارِبِ)، هذه عدة جهات.
(كالمساجد)، فإذا قال مثلًا: أوقفت بيتي لمصلحة المساجد، فالوقف على بِرّ ولَّا على إثم؟ على بِرّ، إذا قال قائل: المساجد لا تملك، قلنا: لكنها جهة لها مَن يتولى أمرها.
ولا فرق في هذا بين أن يكون الوقف على مسجد معين، أو على المساجد عمومًا، فإن كان على مسجد معين تعيَّن فيه، ولا يجوز صرفه إلى غيره، وإن كان على المساجد عمومًا وجب على الناظر أن يبدأ بالأحق فالأحق، سواء كانت هذه الأحقية عائدة إلى ذات المسجد، أو عائدة إلى المصلين فيه.
فإذا وَقَّفَ عقارًا على مصالح المساجد، وأخذنا غلة هذا الوقف، وعندنا عدة مساجد، مَن نقدِّم بها؟ الأحق، سواء كان عائدًا إلى ذات المسجد، أو إلى المصلين فيه، فإذا كان أحد المساجد هذه فيه عيب وخلل يحتاج إلى ترميم، والمساجد الأخرى ليست بحاجة إلى ذلك، فنُقَدِّم الذي يحتاج، لأن العيب إن لم تداركه ازداد.
إذا كانت المساجد كلها سواء في الترميم لا تحتاج إلى ترميم، لكن بعضها يكثر فيها المصلون، فتحتاج إلى زيادة تهوئة وتبريد، فما الذي نقدِّم؟ نحن نقدم هذا الذي يحتاج إلى تهوية وتبريد، نفتح فيه منافذ، نضع فيه مكيفات، ونقدمها على غيرها؛ لأن المصلين يكثرون فيه.
أحد المساجد جامع يحتاج إلى مكبِّر صوت في الخطبة والأذان، والأخريات غير جوامع لا تحتاج إلا إلى الأذان، ما الذي نقدِّم؟ الجامع؛ لأن فيه فائدتين؛ الخطبة والأذان.
إذن الوقف على المساجد جائز ومشروع، سواء كان المسجد معينًا أم على المساجد عمومًا؛ فإن كان معينًا وجب تخصيص الوقف به، وإن كان عامًّا قُدِّم الأحق فالأحق حسب ما تقتضيه المصلحة.
القناطر، أيش القناطر هذه؟ القناطر الأَنْهُر، يعني مِن جنس الجسور، فإذا وَقَّفَ وقفًا على تعمير القناطر أو الجسور، أو شق الأَنْهُر، أو حفر الآبار، أو ما أشبه ذلك مما ينفع المسلمين فهذا أيش؟ بِرّ يُصْرَف فيه.
ويتعين أن يُصْرَف في النوع الذي عيَّنه الواقف، وفي العين أيضًا، فإذا وَقَّفَ على شق الأنهر لم يَجُز صرفه في القناطر، وإذا وَقَّفَ على القنطرة المعينة لم يَجُزْ صرفه في قناطر أخرى، يتعيَّن النوع، ويتعين العين الَّذي عَيَّنَها الواقف.
المساكين جهة ولَّا معين؟
طلبة: جهة.
الشيخ: جهة، المساكين جهة، قال: هذه وقف على المساكين، يُصْرَف الوقف في للمساكين؛ في حوائجهم، ويقدَّم مَن؟ الأحوج فالأحوج؛ لأن الحكم إذا عُلِّقَ بوصف ازداد قوة بحسب قوة الوصف فيه.
والعطاء إذا قُيِّدَ بحاجة ازداد قوة بحسب الحاجة، وعلى هذا فنبدأ بالأحوج فالأحوج من المساكين.
الأقارب جهة ولَّا عين؟
طالب: الأقارب جهة.
الشيخ: جهة، فإذا قال: هذا وقفٌ على أقاربي، وجب أن يُصْرَف في الأقارب، الأقارب من أين إلى أين؟ من الجد الرابع فنازل، هؤلاء كلهم أقارب؛ الإخوان، والأعمام، وأعمام الأب، أقارب أعمام الأب يتصلون بك في أي جد؟ أعمامك في الجد الأول أو لا؟ وأعمام أبيك في الجد الثاني، وأعمام جدك في الجد الثالث، وأعمام جد أبيك في الجد الرابع، من الجد الرابع فما دون هؤلاء الأقارب، ومَن فوق ليسوا بأقارب، وإن كان فيهم قرابة لكن لا يُعَدُّون من القرابة الأدْنَيْن، ولهذا لما أنزل الله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، لم يَدْعُ النبي صلى الله عليه وسلم كل قريش، بل دعا مَن شاركوه في الأب الرابع فما دون (2).
إذن إذا وَقَّفَ على الأقارب اختص الوقف بهم، ولكن مَن نقدِّم، الأحوج أو الأقرب؟
طلبة: الأحوج.
طلبة آخرون: الأقرب.
طالب آخر: الوصف.
الشيخ: الآن الوصف هو القرابة ما هو الحاجة، ونحن قلنا قبل قليل: إن ما عُلِّقَ على وصف كان أقوى بحسب قوة ذلك الوصف، فإذن نقدِّم الأقرب، ولهذا يقدَّم في الميراث ابن العم الغني على ابن ابن العم الفقير، لماذا؟ لأنه أقرب، إلا إذا علمنا أن مراد الواقف دفع الحاجة دون الصلة، فحينئذ نقدِّم مَن؟ نقدِّم الأحوج ولو بَعُد.
إذن إذا علمنا أن مراد الواقف الصلة مَن نقدِّم؟ الأقرب، إذا علمنا أن مراده دفع الحاجة نقدِّم الأحوج، إذا أشكل علينا الأمر فالأقرب؛ لأننا نقضي بنحو ما نسمع، والواقف عيَّن الاستحقاق بالقرابة، فمن كان أقرب فهو أحق، ولكن هل المسألة ترتيب أو تقديم؟
طلبة: ترتيب.
الشيخ: أنت تعرف الفرق بينها؟
طالب: إن كان الترتيب نقدِّم بحسب النسب؛ الأقرب فالأقرب، وإن كان تقديم الثاني.
الشيخ: ويش هو الثاني؟
طالب: نقدم الأقرب (... ).
الشيخ: لا، إذا كان ترتيبًا فلا حق للأبعد مع الأقرب ولو زاد على حاجة الأقرب؛ يعني مثلًا إذا قدَّرنا أن الريع عشرة آلاف، والأقرب يكفيه خمسة آلاف، فإننا نعطي الأقرب كل العشرة، هذا إذا قلنا: إنه ترتيب، وإذا قلنا: إنه تقديم، قلنا: أَعْطِ الأقرب ما يحتاج فقط، فنعطيه في هذا المثال كم؟ خمسة آلاف، والباقي للآخر، فهذه نقول: إنها من باب التقديم، وليست من باب الترتيب؛ لأن الترتيب لا حق للثاني مع الأول مطلقًا، والتقديم له الحق فيما فَضَل عن حاجة الأول.
قال: (من مسلم وذمي)، فإذا قال: هذا وقفٌ على أقاربي، وله ثلاثة ابناء عم؛ أحدهم مسلم، والثاني يهودي، والثالث نصراني، لكنهم ذِمِّيُّون، هل نخصه بالمسلم أو للجميع؟ قال المؤلف: (من مسلم وذمي) للجميع، نعطي المسلم درهمًا، واليهودي درهمًا، والنصراني درهمًا، ليش؟ لأن وصف القرابة ينطبق عليهم جميعًا وإن كانوا مخالفين في الدين، صح ولَّا لا؟
لكن لو قال: القريب المسلم، كذا، فهل نعطي اليهودي والنصراني؟ لا؛ لأنه خصه بالمسلم.
قال المؤلف: (غَيْرَ حَرْبِيٍّ)، الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الحربي ليس من الذمي في شيء، يعني أنه لا يُعْطَى القريبُ الحربي، مَن الحربي؟ (... ) الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان هذا حربي، يَحِلُّ لنا قتله أينما وجدناه؛ لأنه مُحَارِب.
فإذا كان رجل أوقف على أقاربه ووجدنا أبناء عم له أحدهم مسلم، والثاني يهودي ذِمِّيّ، والثالث نصراني ذمي، والرابع يهودي حربي، مَن نعطي؟ الثلاثة الأُوَل، والرابع لا نعطيه؛ لأن الرابع ليس له حق ولا كرامة، بل نقتله إذا وجدناه، كيف نعطيه ما يحيا به؟ !
ثم إن الحربي إذا أعطيناه ماذا يفعل بالمال؟ يشتري به سلاحًا يقتلنا به، فكيف نعطيه من الوقف، ولهذا استثنى المؤلف قال: (غير حربي)، مَن الحربي؟ هو الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان.
طالب: إذا وقف (... ) قال: هذا وقف على الفقراء، ثم أصبح فقيرًا هو -الواقف- هل له الحق أن يأخذ منه؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ قال: هذا وقف على الفقراء، وافتقر، هل يأخذ منه؟
طلبة: نعم يأخذ.
الشيخ: يأخذ منه، إي نعم.
طالب: قلنا: ما يحق له أن يأخذ شيئًا منه، لأنه خرج من ملكه أصلًا.
الشيخ: متى قلنا هذا؟ أنت لو قلت: لأن الواقف يخرج من ملكه، أما إننا قلنا، وإحنا ما قلنا فهذا ما هو صحيح.
الطالب: قصدي..
الشيخ: القصد ما نعرف اللي في قلبك.
طالب: قلت: إنه خرج الآن من ملكه، كيف نعيده إلى ملكه.
الشيخ: إي، خرج من ملكه على وصف معين، واتصف هو بهذا الوصف، فيستحق، إي نعم.
طالب: لو اعتبرنا أن اختلاف الدِّين سبب مانع من موانع الإرث، في النفقة أيضًا اشترطنا اتفاق الدِّين، وهنا..
الشيخ: هذا حق قريب، ما هو بإرث، الإرث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (3)، لكن هذا حق قريب، ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء: 26].
الطالب: النفقة أعطيناه..
الشيخ: النفقة إلزامية، الوقف تبرُّع ما هو بإلزامي، لو شاء لم يُوقِف.
طالب: أليس الوقف يراد به التقرب إلى الله؟
الشيخ: بلى.
طالب: كيف يتقرب بالإنفاق على إنسان غير مسلم؟
الشيخ: هو قريب، ولهذا لو وَقَّفَ على كافر فقط ما صَحَّ؛ لأن هذه القرابة جهة بِرّ.
طالب: التثمين من الدولة له حكم البيع؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: لو احتاجت الدولة مثلًا طريقًا وفيه مسجد موقوف أو غير موقوف؟
الشيخ: إي نعم، على كل حال المسجد مكان لمصالح المسلمين عمومًا، فالواجب أن تعدل عن الطريق يمينًا أو يسارًا، إلا إذا تعذر، فإن المسجد إذا تعذَّر تعديل الشارع وكان الناس في حاجة إلى هذا الشارع وأمكن أن يُبْنَى المسجد في مكان قريب من مكانه الأول فلا بأس من إزالته، أما إذا كان يمكن تعديل الشارع، أو كان حاجة الناس إلى المسجد أكثر من حاجتهم إلى الشارع فلا يجوز إزالة المسجد.
طالب: والبيت؟
الشيخ: لا، البيت أهون؛ لأن البيت هذا جهة خاصة، وبسيط، حق للموقوف عليهم إذا أُخِذَ البيت اشتروا بدله في أي محل.
(... )
طالب: (وَكَذَا الوَصِيَّةُ وَالوَقْفُ عَلَى نَفْسِهِ) (... )
الشيخ:.. والصلاة والسلام على نبينا محمد.
ذكر المؤلف من شروط الوقف أن يكون على بِرّ، وهل هذا على إطلاقه؟
طالب: إذا كان على جهة عامة..
الشيخ: إذا كان على جهة عامة فهو على إطلاقه، صح، إذن ليس على إطلاقه، على بِرّ متى؟ إذا كان على جهة عامة، أما إذا كان على معيَّن فلا يُشْتَرَط أن يكون على بِرّ.
يقول المؤلف رحمه الله: (كَالْمَسَاجِدِ وَالقَنَاطِرِ والْمَسَاكِينِ والأَقَارِبِ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ غَيْرَ حَرْبِيٍّ).
لو وَقَّفَ على الأغنياء، قال: هذا البيت وقف على الأغنياء، فهل يصح الوقف؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس على بِرّ؛ إذ إن الأغنياء ليسوا جهة صدقة، فلا يصح، لكن لو وَقَّفَ على فلان وهو غني صح؛ لأن هذا ليس وقفًا على جهة، والإنسان له أن يُمَلِّك ماله مَن شاء.
يقول: (الأقارب) جهة بِرّ؟
طالب: نعم.
الشيخ: جهة بِرّ، ولو كانوا غير مسلمين؟
الطالب: ولو كانوا غير مسلمين.
الشيخ: ولهذا قال المؤلف: (الأَقَارِبِ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ)، لكن يقول: (غَيْرَ حَرْبِيٍّ)، وهنا إشكال في كلام المؤلف، قال: (ذِمِّيٍّ غَيْرَ حَرْبِيٍّ)، فهل المقابل للذمي هو الحربي؟ لا، الحربي يقابله الذمي والمعاهَد والمستأمِن، لكن كأن المؤلف أسقط المعاهَد والمستأمِن لأن العهد لا يدوم، وكذلك الأمان لا يدوم، بخلاف عقد الذمة فالأصل فيه الدوام، ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون الوقف على جهة دائمة، هذا ما يظهر؛ أن الوقف على المستأمِن وعلى المعاهَد لا يصح، بخلاف الذمي؛ لأن الذمي له أحكام خاصة.
قال: (غَيْرَ حَرْبِيٍّ)، فلا يصح الوقف عليه، ولا يدخل في الأقارب، إذا وَقَّفَ على أقاربه فهذا رجل وَقَّفَ على أقاربه وكان له ثلاثة من الأقارب أحدهم مسلم والثاني ذمي والثالث حربي، مَن يستحق الوقف؟ المسلم والذمي، أما الحربي فلا.
قال: (وَكَنِيسَةٍ)، يعني: ولا يصح الوقف على كنيسة، والكنيسة مُتَعَبَّد النصارى، والكِنِيسة برلمان اليهود في العهد الحاضر، انتبهوا، ربما تسمعون في إذاعة اليهود الكِنِيسة لا تظن أن الكِنِيسة مُتَعَبَّد لهم، لكنها برلمان، يعني مجتمع، مؤتمر، أما الكَنِيسَة فهي مُتَعَبَّد النصارى، والبِيعَة مُتَعَبَّد اليهود، والصومعة للرهبان، المهم دور الكفر -هذه القاعدة العامة- لا يصح الوقف عليها، ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
ونحن إذا وَقَّفْنَا على بيوت الكفر فإن ذلك معونة على الإثم والعدوان، وكيف يليق بالمسلم أن يُوَقِّف على بيت يُشْرَك فيه بالله ويُكْفَر فيه بالله؟ هذا لا يمكن.
وظاهر كلام المؤلف أن الوقف على الكَنِيسَة لا يصح ولو من أهل الكَنِيسَة، فلو كان هناك ذمي نصراني وَقَّفَ شيئًا من أملاكه على كنيسته فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يصح.
ولكن الصحيح أنه يصح؛ لأن إقرارنا إياهم على الكنيسة والتعبُّد بها يجب أن يكون إقرارًا على ما يتعلق بها من المصالح، والمال ليس مالنا نحن حتى نقول: لا يمكن أن نصرف مال المسلم في معابد الشرك، المال ماله هو، وهو يعتقد أن هذا دين، ونحن نُقِرُّهم على دينهم أو لا؟
طالب: نقرهم.
الشيخ: نقرهم على دينهم، ولهذا كان القول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على الكنيسة من أصحاب الكنائس.
(ونَسْخِ التوراة والإنجيل)، عندنا (وبِيعَة وبيت نار وصومعة) لكن مشطوب عليها، هذا الظاهر أنه من الشرح، على كل حال القاعدة العامة حتى لو فُرِضَ أن الماتن ما ذكرها فهي عندنا قاعدة عامة، كل بيوت الكفر لا يجوز من المسلم أن يُوقِف عليها شيئًا، ليش؟ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
قال: (وَنَسْخِ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ)، أيضًا لا يجوز الوقف على نَسْخ التوراة والإنجيل وكتب الزندقة، نسخ التوراة والإنجيل لا يجوز لأحد أن يوقف عليه شيئًا، أما من مسلم فالأمر ظاهر أنه لا يجوز لأي واحد من المسلمين أن يوقف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، وذلك لأن هذه الكتب كتب مُحَرَّفَة من حيث ذاتها، كتب منسوخة من حيث أحكامها، فلا يُعْتَمَد عليها إطلاقًا، فهي منسوخة، وما فيها من حق فقد تضمنته الشريعة الإسلامية، وهي أيضًا مُحَرَّفَة لا يوثق بها، فاليهود والنصارى كلهم حرفوا كتبهم وغيَّرُوها، إذن لا يجوز لمسلم أن يُوقِف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل.
وهل يجوز لغير المسلم أن يوقف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، كالنصراني مثلًا يوقف شيئًا من أملاكه على نسخ الإنجيل؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إن كان على نسخه ونشره فإننا نمنعه؛ لأننا نمنع النصارى من نشر كتبهم بين المسلمين، وإن كان على نسخه لينتفع به النصارى فقط فهذا لا بأس به، على أن في نفسي منه شيئًا؛ لأنه يمكن أن يقال: إن الفرق بينه وبين الكنيسة أن الإنجيل كتاب يمكن أن يوزَّع من هنا وهناك، والكنيسة بيت لا يمكن أن توزَّع على الناس.
فخطر نسخ الإنجيل وكذلك التوراة أعظم من تعمير الكنيسة، أي أنه يقال: إذا وَقَّفَ اليهودي على نسخ التوراة، أو النصراني على نسخ الإنجيل فإن كان على النسخ والنشر فهو ممنوع ما (... ) وقف؛ لما في ذلك من الضرر على الإسلام والمسلمين.
وإن كان على النَّسْخ لينتفع بها أهلها فقط فهذا قد يقال: إنه لا بأس به، قياسًا على الكنيسة، يعني على الوقف على الكنيسة، وقد يقال: يُمْنَع، ولا يصح القياس على الكنيسة، لماذا؟ لأن هذا يتنقل ويمكن توزيعه ولو بالسر، لكن الكنائس لا يمكن أن تتنقل، ولا يُمَكَّنُون من بناء كنائس جديدة في بلاد المسلمين.
يقول: (وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ)، كتب الزندقة نعم ممنوعة أصلًا وفرعًا، لا يجوز أبدًا أن يُوقِف إنسان على كتب الزندقة ككتب الشيوعية، وكذلك كتب البدع الْمُكَفِّرَة أو الْمُفَسّقَة، فلا يجوز أن يوقَف عليها شيء، وذلك لأن الموقِف على كتب البدع ينتسب للإسلام، وإذا كان ينتسب للإسلام فإن الواجب على حكام الإسلام أن يُنَزِّلُوا تصرفاته على أيش؟ على ما يقتضيه الإسلام، فإذا كان هذا المبتدع عنده بدعة مكفِّرة، وكتب فيها ما كتب، ووقَّفَ بيته على هذا الكتاب، فإن لحكام المسلمين أن يُبْطِلُوا الوقف.
ولا يقال: إن هذا كالنصراني إذا وقَّف على نسخ الإنجيل؛ لأن النصراني مُعْتَرِف بأنه على غير الإسلام، وهذا يدَّعِي أنه مسلم فنمنعه.
فإن قال قائل: إذا وَقَّفَ الشيوعي بيته على نشر كتب الشيوعية، كتب زندقة، فهل نقول: إن هذا كإيقاف النصراني بيته على نسخ الإنجيل؟
فالجواب أن نقول: لا، وذلك لأن النصراني له شبهة؛ لأن الإنجيل كتاب مُنَزَّل من عند الله لكنه مُحَرَّف ومنسوخ، بخلاف الشيوعي، فإن الكتب الشيوعية كتب ضلال وإلحاد، وليست من عند الله، وعلى هذا فنقول: كتب الزندقة يُمْنَع فيها من إثبات الأوقاف والعمل بها مطلقًا، كتب البدع كذلك يُمْنَع، لا يُوَقَّف أي شيء في بلاد الإسلام على نسخ كتب البدع.
ولكن إذا قال قائل: إذا كانت هذه الكتب تشتمل على أمور نافعة وعلى بدع غير مكفِّرة كما يوجد في كتب الأشاعرة، ونريد بالكتب المؤلَّفة للعقيدة، لاحظوا التنبه لهذا، كتب الأشاعرة فيه كتب مؤلفة للعقيدة، في العقيدة، كتب أخرى مؤلفة في غير العقيدة لكن يُتَعَرَّض فيها للعقيدة، مثل الجلالين الآن، تفسير الجلالين لم يؤلَّف أصلًا للعقيدة، مؤلف لأيش؟ لتفسير القرآن، لكن فيه أشياء مخالفة.
لكن إذا جاء إنسان وألَّف كتابًا في العقيدة على منهج الأشاعرة، نقول: هذا الكتاب بِدْعِيّ، لكن هل يجوز أن نمنع من الوقف على نشر هذه الكتب أو لا؟ نقول: نعم، نمنع، كل ما خالف مذهب السلف في العقيدة يجب منعه.
أما الكتب التي لم تؤلَّف لهذا فإننا لا نمنعها، ونظير ذلك في الأشخاص أن الرجل قد يأخذ بقول من مذهب الشافعي وهو حنبلي، فهل نقول: إنه شافعي؟ لا نقول: إنه شافعي، ولو أخذ بقول من أقوال الشافعية، نرجع للأصل، فالكتاب الذي أُلِّف لتفسير القرآن أو لشرح الحديث، والمفسِّر أو الشارح أشعري، إذا أتى على النصوص في الصفات يحرِّفها إلى مذهب الأشاعرة، هل نقول: إن هذا الكتاب كتاب أشعري؟ لا، يعني ما نجعله ككتاب العقيدة، ولا نمنع من نشره ولا من طبعه، ولكننا نعلِّق على ما فيه من مخالفة لمذهب السلف.
صار كتب البدع تنقسم إلى قسمين: بدع مكفِّرة، فهذه لا يجوز أن يوقَف عليها، على نسخها أو على نشرها، كتب بدع مفسِّقَة، فهذه أيضًا ينبغي أن نمنع، كتب أخرى لم تؤلَّف للعقيدة أساسًا ولكن فيها شيء يخالف العقيدة، فهذه لا بأس من الوقف عليها، ولا يُبْطَل، ولكن يُنَبَّه على ما فيها من مخالفة السلف.
يقول المؤلف: (وَنَسْخِ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ وَكُتُبِ زَنْدَقَةٍ وَكَذَا الوَصِيَّةُ)، يعني الوصية حكمها حكم الوقف في هذا، وهي أنها إذا كانت على جهة عامة فلا بد أن تكون على أيش؟ على بِرّ، كالمساجد، والقناطر، والأقارب، والمساكين، والمجاهدين، وطلبة العلم، وما أشبه ذلك.
ولا تصح الوصية في جهة عامة على أيش؟ الكنائس، وبيوت الكفر، وكتب الزندقة والبدعة، وما أشبه ذلك، يعني حكم الوصية في هذا الباب حكم أيش؟ حكم الوقف.
قال: (وَالوَقْفُ عَلَى نَفْسِهِ)، يعني: لا يصح الوقف على نفسه، إذا أوقف الإنسان شيئًا على نفسه فإنه لا يصح، بأن قال: هذا وقف عَلَيّ، نقول: هذا الوقف غير صحيح؛ لأنك أنت المالك، وكيف توقف على نفسك؟ هل الإنسان يُمَلِّك نفسه من نفسه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، يعني لو قلت: وهبت نفسي هذه الحقيبة، تصير هبة ولّا ما تصير؟ لا تكون، كيف أهب نفسي لنفسي؟ !
كذلك لو قلت: هذا البيت وقف علَيّ، كيف وقف عليّ؟ الوقف لا بد أن يخرج عنك، ولهذا قال الإمام أحمد: أنا لا أعلم الوقف إلا ما أخرجه لله.
وجميع الوقوفات كلها خارجة عن الإنسان، عمر وَقَّفَ أرضه على غير نفسه، فلا يصح الوقف على النفس ابتداء، ولكن لو وقَّف وقفًا معلَّقًا بصفة، واتصف بهذه الصفة، مثل أن يقول: هذا وقف على طلبة العلم، وصار طالب علم، فهل يستحق؟ نعم يستحق؛ لأنه لم يُوقِفْه على نفسه ابتداء، ولو وَقَّفَ على الفقراء وكان غَنِيًّا ثم افتقر، يستحق منه ولَّا لا؟
طالب: يستحق.
الشيخ: ولو وَقَّفَ بَرَّادة للشرب ومَرَّ بها وهو عطشان، يشرب ولَّا ما يشرب؟
طلبة: يشرب.
الشيخ: يشرب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما نقول: وَقَّفَ على نفسه؟ لا، نقول: ما وَقَّفَ على نفسه، هذا وَقَّفَها للمسلمين، لشرب المسلمين، نقول: مت من العطش ولا تشرب من هذه، ما يصير، نقول: لك أن تشرب، واضح؟
فهناك فرق بين أن يُوقِف شيئًا معلَّقًا بوصف ثم ينطبق الوصف عليه، وبين أن يُوقِف على نفسه ابتداء، فإذا وَقَّفَ على نفسه ابتداء فإنه لا يصح، إذا كان لا يصح هل يرجع إليه ملكًا، أو يكون وقفًا في المصالح العامة، أم ماذا؟
نقول: كل شيء قيل فيه: لا يصح، فإن ذلك يعني أن وجود العقد وعدمه أيش؟ سواء، وإذا كان وجود الإيقاف وعدمه سواء فإن الوقف يرجع إليه ملكًا، فإذا قال: وَقَّفْتُ بيتي على نفسي، وكتب وثيقة، وشهَّد شهودًا، نقول: الوقف غير صحيح، هذه الورقة مَزِّقْهَا.
إذن أين مصير البيت؟ ملكه، ما صار شيء إطلاقًا، إلا إذا ذكر له غاية، بأن قال: هذا وقف عَلَيَّ، ومن بعدي على الفقراء، أو: هذا وقف علَيَّ ومن بعدي على المساجد، أو: هذا وقف علَيَّ ومن بعدي على طلبة العلم، فإن الوقف يصح، لكن لا يستحق منه شيئًا، ينصرف في الحال إلى مَن؟ إلى مَن بعده، فإذا قال: هذا وقف عَلَيَّ ثم على الفقراء، نقول: خرج عن ملكك الآن وصار لمن؟ للفقراء، قال: يا جماعة أنا مبدي نفسي على الفقراء، نقول: نفسك ما لها حق في هذا، الوقف يكون لمن؟
طالب: للفقراء.
الشيخ: للفقراء.
هذا وقف على نفسي ثم على طلبة العلم، يكون في الحال لِمَن؟
طلبة: لطلبة العلم.
الشيخ: لطلبة العلم، أما هو فليس له شيء، لو وُفِّقَ هذا الرجل وصار طالب علم؟
طلبة: يستحق.
الشيخ: استحق، بالوصف الثاني ولَّا بالأول؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: بالوصف الثاني؛ أنه طالب علم، لا بالأول أنه وَقَّفَ على نفسه، والمسألة فيها خلاف؛ فالقول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على النفس، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من أهل العلم، وقالوا: إن الفائدة أنه يبقى هذا لا يُبَاع ولا يُوهَب ولا يُورَث، يبقى وقفًا عليه.
فالمسألة فيها قولان، ويأتي إن شاء الله ذكر دليل هذا القول.
طالب: إذا كانت بعض كتب أهل العلم تثير التشويش بين العامة وشُبَه الفُسَّاق والمغرضين بين طلبة العلم؟
الشيخ: هذه عاد يُرْجَع إلى الحاكم في منع انتشار هذه الكتب، مع إن الغالب أن الممنوع متبوع، يمكن لو تُمْنَع صارت بدل ما تكون النسخة بريالين تكون النسخة بعشرين ريالًا، فهذه المسائل ينبغي أن الناس يُوَجَّهُون توجيهًا سليمًا، ويُقال: إنه لا ينبغي تتبع الكتب التي تضر بالإنسان في تشويش فكره، أو تشويش اجتهاده، أو ما أشبه ذلك، لكن لو رأى ولي الأمر منعها فالأمر إليه.
طالب: يا شيخ، قلنا: لو وَقَّفَ على صفة ثم اتصف بها، طيب لو وَقَّف على صفة هو أصلًا مُتَّصِف بها؟
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: هل يدخل؟
الشيخ: يدخل، نعم، لو وَقَّفَ على الفقراء وهو من أصل فقير أخذ.
طالب: العين الموقوفة هل يشترط أن يجوز بيعها؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وهي مختص، ما يجوز؟
الشيخ: إيش لون؟
الطالب: مختص مثل الكلب وما..
الشيخ: إي، ما يصح، توقيفه على المذهب ما يصح، والصحيح أنه يصح؛ لأن مدار الوقف على الانتفاع، فكل شيء يجوز الانتفاع به فإنه يصح وقفه حتى الكلاب.
طالب: لو قال لرجل: وَقَّفْتُ هذا البيت على طلبة العلم، ثم طلب: وأسكن معهم أنا.
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ قال: وَقَّفْت هذا على طلبة العلم بشرط أن أسكن فيه، يصح الشرط، أو قال: وَقَّفْتُ هذا على الفقراء ولي السكنى فيه مدة حياتي، فله ذلك؛ لأن هذا استحقاق في صفة، إي نعم.
الطالب: (وَحَيَوَانٍ وَقَبْرٍ وَحَمْلٍ لا قَبُولُهُ وَلَا إِخْرَاجُهُ عَنْ يَدِهِ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل وَقَّفَ دكاكين على أن تكون غَلَّتها لطبع كتب الجهمية، هل الوقف يصح أو لا يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأن هذه كتب مبتدعة، ولا يجوز أن توقف..
الشيخ: لأن الوقف على المحرَّم باطل.
ما هو الدليل على أن الوقف على المحرَّم باطل؟
طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
الشيخ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وفي السنة؟
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: أي شرط..
الشيخ: «كُلُّ شَرْطٍ.. ».
الطالب: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ».
(4)
الشيخ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ»، تمام، هل يجوز الوقف على الكنائس؟
طالب: الوقف على الكنائس؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: لماذا؟
طالب: لأن هذه فيها شرك، عبادة لغير الله.
الشيخ: والدليل كما قال الإخوان، ما فيها خلاف؟
طالب: فيه خلاف.
الشيخ: نعم، ما هو؟
الطالب: الخلاف أنه لا يجوز ويجوز.
الشيخ: يجوز أو لا يجوز، الذين قالوا بالجواز مطلقًا ولَّا فيه تفصيل؟
الطالب: الذين قالوا بعدم الجواز؟
الشيخ: بالجواز.
الطالب: بالجواز قالوا بدون تفصيل.
الشيخ: بدون تفصيل، يعني سواء كان الموقِف مسلمًا أو كافرًا.
الطالب: نعم، إذا كان مسلمًا هذا لا يجوز (... )، أما بالنسبة للذمي فيجوز له ذلك؛ لأن هذه تعتبر من شرائع دينه بالنسبة له.
الشيخ: هذا القول ذكرنا أنه هو القول الراجح.
رجل قال: هذا البيت وقف عَلَيّ؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، ولَّا لا يصح، كلامنا عن الصحة الآن؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا يصح الوقف، إذن ماذا نصنع؟
الطالب: يبقى المال في يده.
الشيخ: يبقى ملكًا له بدون تفصيل؟
الطالب: لكن إن شرط..
الشيخ: أقول: بدون تفصيل أو لا؟
طالب: التفصيل إن (... ) أو غيرهم، قال: هذا المال وقف لي ثم لفلان بعدي فإنه ينتقل منه إلى الآخر مباشرة..
الشيخ: ينتقل إلى الآخر مباشرة، وإن لم يذكر مآلًا، يعني ما ذكر: ثم كذا؟
طالب: يبقى كأن ما أوقفه.
الشيخ: يعني يعود إلى ملكه، ويش تقولون؟ يعني يقول: إن قال: وقفٌ على نفسي، ولم يذكر مآلًا، يعني ما ذكر ما يؤول إليه بعد ذلك فإن الوقف لا يصح، ويكون ملكًا، وإن ذكر مآلًا بأن قال: ثم إلى فلان، فإنه يصح الوقف وينتقل إلى من بعده في الحال، عرفتم ولَّا لا؟
هذا ما ذهب إليه المؤلف؛ أن الوقف على نفسه لا يصح، فإذا قال: هذا بيتي وقف عليَّ، افرض إنه كتب كتابًا بيده: إن بيتي وقفٌ عليّ، ثم مات، فإن البيت يرجع إلى الورثة ملكًا؛ لأن الوقف ما يصح.