أولًا: أنه عمل معروفًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِؤُوهُ» (5).
ثانيًا: أن مثل هذا ينبغي أن يُشَجَّع؛ لأن كونه يأتي به بدون أن يُطْلَب يدل على أمانته، ومثل هذا ينبغي أن يُشَجَّع، فنحن نقول لصاحب المال: الوجوب لا يجب عليك، لكن لا شك أنه من المروءة والخير أن تعطيه، أولًا: امتثالًا لقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِؤُوهُ»، والثاني: التشجيع؛ تشجيع هذا وأمثاله على أنهم إذا وجدوا شيئًا أدوا الأمانة فيه، أما وجوبًا فلا، إلا بعد علمه.
(والجماعة يقتسمونه)، في نسخة: (ولجماعة)، يعني: وإن جعله لجماعة يقتسمونه، بالسوية ولّا بالاختلاف؟
طلبة: بالسوية.
الشيخ: (بالسوية)، يعني أن الجماعة لو أحضروا ما ذكر ما جُعِلَ عليه الْجُعْل فإنهم يقتسمون الْجُعْل، فإذا قال: مَن رَدَّ بعيري فله مئة ريال، فرده عشرة، نقول: كيف نُوَزِّع؟ السؤال قال: مَن رد بعيري فله مئة، ورده عشرة، هل نُقْرِع بينهم في المئة أم ماذا؟
طالب: ما يرده إلا واحدًا.
الشيخ: لا، هم عشرة، ردوا الجمل، الجمل كلما جاؤوا من جهة هرب، فاجتمعوا عليه العشرة ومسكوه، وجاؤوا به إلى صاحبه.
طالب: يشتركون.
الشيخ: يشتركون؟
الطالب: نعم.
الشيخ: متأكد؟ توافقون على هذا؟
طلبة: نعم
الشيخ: نعم، يشتركون؛ لأن كل واحد منهم عمل.
فلو أن أحدهم أنكر وقال: هؤلاء ما شاركوا، نسأل الذين أُنْكِرُوا نقول: هل هؤلاء شاركوكم؟ إذا قالوا: نعم، قبلنا قول الأولين؛ لأن الأولين ادَّعُوْا أيش؟ وشهد لهم الآخرون، لكن الآخرين لا نقبل قولهم إلا ببينة، أفهمتم ولّا ما بواضح؟
قال: مَن رد بعيري فله مئة ريال، فجاء بالبعير عشرة رجال، فقال خمسة منهم: إن هؤلاء ليسوا شركاء لنا، فهمتم؟ ماذا نعمل؟ نقول للذين أُنْكِرُوا: هل هؤلاء شركاء لكم؟ إذا قالوا: نعم، ثبت حق الأولين، بأيش؟
طلبة: بشهادة الآخرين.
الشيخ: بدعواهم وشهادة الآخرين، لكن هل يثبت للآخرين حق المشاركة؟
طلبة: بالبينة.
الشيخ: لا، ما عندهم بينة.
طالب: لا يثبت.
الشيخ: لا يثبت، انتبهوا، وهذه ينبغي للقاضي أن يكون فطنًا في هذه المسألة؛ لأن كل العشرة كل واحد يدَّعِي أنه مشارك، فإذا أقر الأولون قالوا: نعم، نحن الذين أتينا به، ولكن هؤلاء لم يشاركونا، فنسأل الْمُنْكَرِين ونقول: هل هؤلاء شاركوكم؟ إذا قالوا: نعم، قلنا: الآن ثبت حقهم، وأنتم تَدَّعُون أنكم مشاركون، فإن أتيتم بالبينة وإلا فلا حق لكم.
(والجماعة يقتسمونه وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه)، في أثناء أيش؟ في أثناء العمل، (يأخذ) أي: العامل، (قسط تمامه).
مثال ذلك: رجل وجد حائط صاحبه قد انهدم جانب من جداره، جدار الحائط، وبما أن بينه وبينه صحبة جعل يبنيه، فبنى ثلاثة صفوف من اللبن، وبعد أن بنى ثلاثة صفوف قال الرجل صاحب الحائط: من بنى حائط بستاني فله سبع مئة، هذا الرجل كم بنى؟
طلبة: ثلاثة صفوف.
الشيخ: ثلاثة صفوف من اللبن، والجدار يحتاج إلى سبعة صفوف، فعلم صاحبه أنه جعل جُعْلًا وهو سبع مئة لمن بنى هذا الجدار، فكمل، كم نعطيه؟
طلبة: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة، غلط.
طلبة: سبع مئة.
الشيخ: هي سبع مئة ريال، هو بنى ثلاث صَفَّات وباقي أربعة، فلما علم كمّل الأرض.
طالب: يأخذ ما عمل.
الشيخ: إي، كم؟
طلبة: أربعة أسباع.
الشيخ: غلط.
طالب: بالنسبة.
الشيخ: إي، ويش الآن النسبة كم؟
طلبة: أربع مئة.
وفي أثنائِه يَأْخُذُ قِسْطَ تَمامِه، ولكلٍّ فَسْخُها, فمِن العاملِ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا ومِن الجاعلِ بعدَ الشُّروعِ للعاملِ أُجرةَ عَمَلِه, ومعَ الاختلافِ في أَصْلِه أو قَدْرِه يُقْبَلُ قولُ الجاعلِ، ومَن رَدَّ لُقَطَةً أو ضالَّةً أو عَمِلَ لغيرِه عَمَلًا بغيرِ جُعْلٍ لم يَسْتَحِقَّ عِوَضًا إلا دينارًا أو اثْنَي عشرَ دِرْهَمًا عن رَدِّ الآبِقِ, ويَرْجِعُ بنفقَتِه أيضًا.
(باب اللقطة)
وهي مالٌ أو مُخْتَصٌّ ضَلَّ عن ربِّه وتَتَبَّعَه هِمَّةُ أوساطِ الناسِ، فأَمَّا الرغيفُ والسَّوْطُ ونحوُهما فيُمْلَكُ بلا تَعريفٍ، وما امْتَنَعَ من سَبُعٍ صغيرٍ كثَورٍ وجَمَلٍ ونحوِهما حَرُمَ أَخْذُه، وله التقاطُ غيرِ ذلك من حيوانٍ وغيرِه إن أَمِنَ نفسَه على ذلك, وإلا فهو كغَاصبٍ، ويُعَرِّفُ الجميعَ في مَجامِعِ الناسِ - غيرَ المساجدِ - حَوْلًا
مثال ذلك: رجل وجد حائط صاحبِه قد انهدم جانب من جداره -جدار الحائط-، وبما أن بينه وبينه صحبة جعل يبنيه، فبنى ثلاثة صفوف من اللبن، وبعد أن بنى ثلاثة صفوف قال الرجل صاحب الحائط: من بنى حائط بستاني فله سبع مئة، هذا الرجل كم بنى؟
طلبة: ثلاثة صفوف.
الشيخ: ثلاثة صفوف من اللبن، والجدار يحتاج إلى سبعة صفوف، فعلم صاحبه أنه جعل جُعْلًا وهو سبع مئة لمن بنى هذا الجدار، فكمَّل، كم نعطيه؟
طلبة: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة، غلط.
طلبة: سبع مئة.
الشيخ: هي سبع مئة ريال، هو بنى ثلاث صَفَّات وباقي أربعة، فلما علم كمّل الأرض.
طالب: يأخذ ما عمل.
الشيخ: إي، كم؟
طلبة: أربعة أسباع.
الشيخ: غلط.
طالب: بالنسبة.
الشيخ: إي، ويش الآن النسبة كم؟
طلبة: أربع مئة.
قد يبدو لبعض الناس أنه يُعْطَى أربعة أسباع، يعني أربع مئة، ولكن غلط؛ لأن البناء كلما ارتفع ازدادت مشقته، وعلى هذا فلا بد أن نقول بالنسبة، جدار بُنِيَ ثلاثة صَفَّات وهو يحتاج إلى سبعة صَفَّات، كم تقدر النسبة؟ قال: أقدّر النسبة الربع مثلًا، نعطيه الربع، مع أن هذه ثلاث، وتلك أربعة، فهذه لا بد أن يُنْتَبَه لها أيضًا.
طالب: قريب.
الشيخ: يعني فرضًا، المهم لا بد أن يُنْتَبَه لها، بمعنى ألَّا نجعل أعلى الصف اللي هو السابع مثل آخر صف اللي هو الأول؛ لأن الأول ما فيه إلا بس يجي باللبنات يضعها، لكن هذه يحتاج إلى سلَّم، وإلى رجال يمد بعضهم لبعض، ثم أيضًا الموازنة، الموازنة أيضًا مهمة، موازنة صفوف اللبن مهمة جدًّا، ولهذا تجد الناس الحذاق تجدهم يجعلون خيطًا يقيسون عليه؛ لئلا يختلف اللبن بتقدم أو تأخر.
على كل حال مَن علم بالْجُعْل في أثناء العمل يُعْطَى؟
طلبة: قسط تمامه.
الشيخ: قسط تمامه، لكن هل هو بالأجزاء أو بالقيمة؟
طالب: بالأقساط.
الشيخ: بالقيمة؛ لأننا لو قلنا: بالأجزاء، لكان المثال الذي ذكرنا يستحق؟
طلبة: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة، وليس كذلك.
(وفي أثنائه يأخذ قسط تمامه ولكلٍّ فسخها)، (لِكُلّ) مِن؟
طالب: الجاعل والعامل.
الشيخ: الجاعل والعامل.
(لكلٍّ فسخُها) أي: الجعالة؛ لأن ما هي عقدًا لازمًا، لو فُرِضَ أن الرجل قال: مَن رد بعيري فله مئة ريال، وبعد يومين هَوَّن، وقال: يا أيها الناس، إني قد فسخت الجعالة، فله ذلك، ومَن عمل بعد أن عَلِم بفسخها فلا حق له؛ لأن الجعالة عقد جائز.
لكن في هذا المكان سنبين أن العقود ثلاثة أنواع: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف جائز من طرف.
كل العقود، البيع؟
طلبة: لازم من..
الشيخ: لازم من الطرفين، هذا هو الأصل فيه، ويمكن أن يكون جائزًا من أحدهما إذا جُعِلَ له شرط الخيار، ثلاثة أيام أو أربعة، دون الآخر، لكن الأصل فيه أنه لازم من الطرفين، فلا يجوز لأي واحد منهما فسخه، يعني اللازم من الطرفين لا يجوز لأي واحد منهما فسخه إلا برضا الآخر؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عبد الله بن عمر: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (1)، أي: لزم وثبت.
الثاني: جائز من الطرفين، الجائز من الطرفين هو الذي لا يُلْزِم أحدُهما الآخر به، كالوكالة مثلًا، الوكالة جائز من الطرفين، يعني: لو وَكَّلْتَ شخصًا أن يشتري لك حاجة ثم فسخت الوكالة فلا حرج، أو هو نفسه فسخ الوكالة، أتى إليك وقال: لا أريد أن أتَوَكَّل في شراء هذا الشيء؛ لأني فَكَّرْت أنه سيكون عليّ مشقة في ذلك أيجوز أو لا يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لكن بعض العلماء قَيَّد العقود الجائزة بأنها جائزة ما لم تَضَمَّن ضررًا على الآخر، فإن تضمنت ضررًا على الآخر ضمن الضرر.
مثال ذلك: وَكَّلْتَ شخصًا يبيع لك حاجة في الموسم، والعادة أن السلع في المواسم أيش؟
طلبة: ترتفع.
الشيخ: تزيد قيمتها، أخذ السلعة على أنه سيبيعها، ولكنه فسخ الوكالة، عند حلول الموسم فسخ الوكالة والْمُوَكِّل لم يعلم، فهنا نقول؟
طلبة: يضمن.
الشيخ: يضمن ما ترتب على فسخ هذه الوكالة، كذلك أيضًا لو أخبر الْمُوَكِّل بأنه فسخ الوكالة، لكن في وقت لا يتمكن الموكِّل من توكيل آخر فهو ضامن، والعقد لا يثبت.
فإذا قال قائل: كيف تجعلون ما جعله الشارع جائزًا تجعلونه لازمًا؟
قلنا: لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (2)، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ» (3).
ومعلوم أن أحدًا لو فعل بهذا الوكيل ما فعل الوكيل بالموكِّل ما رضي، فيكون هذا منافيًا لتمام الإيمان.
القسم الثالث: ما كان جائزًا من أحد الطرفين لازمًا من طرف آخر، كالرهن مثلًا، الرهن في حق المرتهن جائز، وفي حق الراهن لازم، يعني: لو استقرضتُ منك ألف ريال وأعطيتك رهنًا، بالنسبة لي أنا –الراهن- العقد لازم، بالنسبة للمرتهن العقد جائز، لو شاء المرتهن الذي أخذ الرهن أن يرده إلى صاحبه وقال: خذ، أنا واثق بذمتك، فهو جائز، لكن الراهن اللي هو الْمَدِين الرهن في حقه لازم، ولا يمكن فسخه إلا برضى المرتهن.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، قلنا فيمن أحاط أرضًا بالأشجار: إنه أحق بها من غيره، لكن مَن أحاط بحائط قوي..
الشيخ: هذا إحياء، إذا أحاطها بحائط يملك، ولا يُدْخَل إليه إلا من الباب، فيملكها.
الطالب: (... ) لم يُنْبِت فيها شيء.
الشيخ: هذا عُرْفًا إحياء.
طالب: لو اشترك جماعة عشرة مثلًا في جمل وردوه إلى الجاعل، وإن ادَّعى خمسة أن هولاء لم يشتركوا معهم، والخمسة الآخرون ادعوا أن هولاء لم يشتركوا، وليس ثمة بينة؟
الشيخ: نَبَّهْنَاكم على هذا، قلنا: إذا قال هؤلاء: لم يشتركوا معنا، يرجع إليهم ويقول: هل هؤلاء شاركوكم؟
الطالب: قالوا: لا.
الشيخ: إذن لا بد حينئذ أن نقول: كل واحد منهم مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، فأحسن شيء أن يقسم بينهم.
طالب: إذا قال لجماعة محصورة في عشرة: إذا رددتم بعيري فلكم مئة، فرده واحد منهم، وكلهم قد عملوا، فهل يستحقون.. ؟
الشيخ: هذا يُنْظَر إذا كانت جرت عادتهم أنهم يشتركون في شيء فهم شركاء، وإلَّا فلا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الرجل عَلِمَ مكان ضالة واحد وأبى أن يُخْبِر بدون جُعْل، هل له ذلك؟
الشيخ: لا، ما يجوز، إذا عَلِمَ مكان الضالة فالواجب عليه أن يبلغ أخاه.
الطالب: هو علم أن صاحبه (... ).
الشيخ: إي، ما يجوز؛ لأنه علم بها قَبْل أن يجعل الْجُعْل، نعم إن قال: أنا عالم بها، لكن بردي إياها، والجعل على الرد، فلا بأس.
طالب: شيخ، ما وجه مَن يقول: إن عقد الجعالة عقد شبيه بالمقابضة، لولا تعليقًا على تَمَلُّك على الخطأ؟
الشيخ: نقول: هذا غير صحيح؛ لأنه ضامن، الْجُعْل مضمون له.
الطالب: قد يُطْلق يا شيخ الجاعل، ويعمل العامل عملًا عظيمًا ثم لا يجد هذا الْجُعل.
الشيخ: ويش يُطْلق؟
طالب: يعمل عملًا عظيمًا كثيرًا.
الشيخ: كيف يطلق الجاعل؟
الطالب: يقول: مَن رَدّ بعيري فله كذا.
الشيخ: له كذا، معلوم الآن.
طالب: أيوة لو كان معلومًا، لكن الجهد الآن الذي يبذله الرجل.
الشيخ: الآن الجاعل على كل حال غارِم، والقمار يكون أحد الطرفين إما غارم وإما غانم، أما هذا الجاعل غارم على كل حال.
الطالب: الطرف الآخر يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: هو الغارم والغانم قد..
الشيخ: لا ما هو غانم ولا..، هو غانم على كل حال، لكن قد يُيَسَّر له الأمر ويغنَم بقليل وقد يتعب.
طالب: في المسجد الحرام يحصل أن يسبق بعض الناس إلى أمكنة فارغة فيأتي آخرون ويشترونها منهم بثمن، فهل يجوز لهولاء الحاجزين الأولين أخذ هذا العِوَض؟
الشيخ: لا، ما يجوز، هو ملكهم حتى يبيعوه؟
الطالب: هم سبقوا إليه، حقهم.
الشيخ: إي ما يجوز، هو أحق ما لم يُرِدْهُ، هذا حق انتفاع لا نَفْع، وفرق بين حق الانتفاع وحق النفع، وهذه مشكلة؛ لأني سمعت أن بعض الناس يفعلون هذا.
الطالب: كثير جدًّا في المسجد الحرام.
الشيخ: إي نعم، بعض الناس أيضًا أشد من هذا، يجيب الحاج ويقول: أبغي أبيع عليك هذا العمود، اجعله وقفًا لوالدك، فيشتريه المسكين، يقول: حبَّذْت هذا العمود لوالدي، لكن هل يكون وقفًا؟ نرجو من الله عز وجل بالنسبة لهذا الغبي المسكين أن الله يُثِيبُه على نيته، كما جاء في الحديث: «تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ وَعَلَى زَانِيَةٍ.. » (4).
المؤلف يقول: إن الموات اصطلاحًا هي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، ما معنى العبارة؟
طالب: معنى قوله ذكر فيها احترازين؛ الاحتراز الأول..
الشيخ: المنفكة عن؟
الطالب: عن الاختصاصات، وهي غير متعلقة بمصلحة أهل قرية ونحوهم، كأن تكون مزبلتهم، أو تكون مرعى لهم أو مُحْتَطَبًا لهم، وإن لم يملكها أحد، والاحتراز الثاني هو ملك معصوم.
الشيخ: اشترط ألَّا يكون باختصاص ولا ملك معصوم.
الطالب: المعصوم هو مَن كان من الأصناف الأربعة وهو..
الشيخ: المعصوم هو الْمُسْلِم.
الطالب: المسلم والذمي والمؤتمن والمعاهد.
الشيخ: هذه هي الأرض الموات، هل يُشْتَرَط لملكها بالإحياء إِذْنُ الإمام؟
طالب: يُشْتَرط، لا يشترط ذلك.
الشيخ: يشترط لا يشترط؟
الطالب: لا يُشْتَرط.
الشيخ: لا يُشْتَرَط، الدليل؟
الطالب: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ» (5).
الشيخ: قوله.
الطالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ»، فحكمنا شرعي يعم كل الناس.
الشيخ: وليس تنظيميًّا، إذن هذا هو الدليل، وأما التعليل لأنه لو لم يملكها بقي الناس في فوضى، وصار الناس كُلٌّ يعتدي على حق الآخر.
ما معنى قوله: (العنوة كغيرها)؟
طالب: العنوة هي الأرض التي أخذها المسلمون بالقوة، كغيرها من الأراضي التي صالَح أهلُها المسلمين عليها وأسلموا عليها، كالمدينة.
الشيخ: يعني العنوة هي ما أخذها المسلمون بقوة السلاح، فهي كغيرها، وكذلك أيضًا ما أُخِذَ صلحًا بين المسلمين وبين الكفار، فمَنْ أَحْيَا أرضًا في هذه الأرض فهي ملكه.
هل يُمْلَك بالإحياء ما قَرُب من العامر؟ يعني ما قَرُب من البلد والمزارع وما أشبهها.
طالب: يملك إن لم يتعلق بالمصلحة.
الشيخ: إي، يعني فيه تفصيل، إن كان يتعلق بمصالح العامر فإنه لا يُمْلَك، وإلا؟
الطالب: وإلا فيُمْلَك.
الشيخ: وإلا فيُمْلَك؛ لأنه داخل في العموم.
ما هي الأشياء التي إذا حصلت صار الإنسان أحق بها من غيره؟
طالب: إذا أحاط مواتًا أو حفر بئرًا.
الشيخ: كَمِّل.
الطالب: فوصل إلى الماء، أو أجرى إليه من عين، أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه.
الشيخ: هذه أربعة أشياء.
ما معنى قوله: (حبسه عنه ليزرع)؟
الطالب: يعني حبس الماء ليطيل هذه الأرض حتى تكون صالحة للزراعة.
الشيخ: إي يعني مثلًا تكون الأرض يغشاها الماء.
الطالب: كثيرًا.
الشيخ: كثيرًا وتفسد، فيحبس الماء من أجل أن تصلح؟
الطالب: للزراعة.
الشيخ: للزراعة.
هل مثل ذلك لو كانت الأرض مكسوة بالأحجار بحيث لا تصلح للزراعة فأزال الأحجار؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثلها؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
ما هو حريم البئر؟
طالب: حريم البئر العادية خمسون ذراعًا، والبَدِيَّة على النصف.
الشيخ: أيش الفرق بين العادية والبَدِيّة؟
الطالب: العادية ما كان نُقِبَ عنها سابقًا ثم أُعِيدَ حفرها.
الشيخ: العادية ما أعيد حفرها، والبدية ما حُفِرَت..
الطالب: ابتداء.
الشيخ: ابتداء.
إذا أَقْطَعَ الإمام أو نائبه أرضًا لشخص، فهل يملكها أو لا؟
طالب: قولان يا شيخ، منهم من قال: يملكها.
الشيخ: أريد اللي في المتن.
الطالب: لا يملكها.
الشيخ: لا يملكها، ولكن يكون أحق بها.
لو أقطعها رئيسُ البلدية في عصرنا هذا؟
طالب: إن كان النظام يسمح بهذا فإنه يُقْطِعُها.
الشيخ: يعني إذا عُرِفَ أنه نائب عن الإمام في هذا فيقطعه كإقطاع الإمام.
هل يجوز للإمام أن يُقْطِع الجلوس في الطرقات؟
طالب: إي نعم، يجوز إن لم يكن مضرة بالناس، إذا كان في أرض واسعة.
الشيخ: ما هو الشرط للجواز؟
الطالب: لجواز ذلك أن يكون في أرض واسعة.
الشيخ: أن يكون الطريق واسعًا.
الطالب: أن يكون الطريق واسعًا، ولا يضر بالمارة.
الشيخ: وألَّا يضر بالمارة.
الطالب: كرأس السوق مثلًا.
الشيخ: لماذا اشترطنا ألَّا يضر بالمارة؟
الطالب: لأن الضرر إيذاء.
الشيخ: يعني مراعاة المصالح العامة أولى..
الطالب: من المصلحة الخاصة.
الشيخ: المصلحة الخاصة
إذا كان اثنان قد زرعَا على شاطئ نهر، أو على شاطئ وادٍ، فكيف يُوَزَّع الماء بينهما؟
طالب: يُوَزَّع الماء بأن يأخذ الأعلى الماء فيسقي الأرض، ويحبسه إلى أن يصل إلى الكعب، ثم يرسل الماء إلى الثاني.
الشيخ: ثم يرسل الماء إلى الثاني.
إذا قُدِّر أن الأرض بعضها رفيع وبعضها نازل؟
الطالب: يؤخَذ بالوسط.
الشيخ: يؤخَذ بالوسط، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل يجوز حِمَى المراعي للأمراء والوزراء والأغنياء؟
طالب: بثلاثة شروط.
الشيخ: هل يجوز أو لا؟
الطالب: نعم يجوز.
الشيخ: بدون شرط؟
الطالب: بشروط.
الشيخ: ما هي؟
الطالب: أن يكون إمامًا.
الشيخ: أن يكون الإمام.
الطالب: أن يكون المرعى لعامة المسلمين، وألَّا يكون فيه ضرر.
الشيخ: إذن الشروط ثلاثة؛ أن يكون الإمام، وأن يكون المرعى لدواب المسلمين؛ كإبل الصدقة، وإبل الجهاد، وخيل الصدقة، وخيل الجهاد، وما أشبهها، والثالث؟
الطالب: ألَّا يكون فيه ضرر عليهم.
الشيخ: ألَّا يضرهم، بارك الله فيك.
الجعالة لم نكملها الظاهر.
طلبة: نعم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه زاد المستقنع: (ولكل) أي: من الجاعل والمجعول له.
(فسخها) أي: فسخ الجعالة؛ وذلك لأنها عقد جائز من الطرفين، وكل عقد جائز من الطرفين فإن لكل منهما فسخه، إلا إذا قَصَد الإضرار بالآخر؛ لأن جميع المباحات من عقود وأفعال إذا تضمنت ضررًا على الآخرين صارت ممنوعة، فمثلًا لو تضمن ضررًا على الآخر فإنه لا يجوز أن يفسخ، فإن فسخ للضرورة فللعامل أجرة ما عَمِل.
ولكن هل تكون الأجرة منسوبة إلى الأجرة العامة، أو منسوبة إلى الْجُعْل الذي جُعِلَ له؟ هذا محل نظر، ولا أدري هل تصورتم المسألة أو لا؟
إنسان جاعَلَ شخصًا على أن يقوم بتصريف هذه السلعة، في أثناء العمل وَقَّفَهُ، وكان إيقافه إياه في أيام موسم، إذا وَقَّفَه في أيام الموسم صار عليه ضرر؛ لأن السلع في أيام المواسم تمشي، ففي هذه الحال نقول على ما اشترطنا ألَّا يتضمن ضررًا نقول: إنه لو فسخ فإنه لا يحل له.
لكن هل تنفسخ؟ نقول: نعم تنفسخ، ولكن للمجعول له أيش؟ أجرة العمل.
وهل يُعْطَى الأجرة باعتبار أنه عامل كأجير، أو عامل كمجعول له؟
إذا قلنا بالأول فإننا نقول: ننسب الأجرة إلى هذا الزمن الذي تم التعاقد عليه، ونعطيه بقسط الأجرة، سواء زادت على حصة الجعالة أو لم تَزِد، وجه ذلك أنه لما انفسخت الجعالة رجعنا إلى أجرة المثل.
ولكن القول الراجح أن نعطيه بنسبة الجعالة؛ لأن هذا الرجل عمل كمُجَاعِل وليس كأجير، فنقول: لو عمل العمل كله واستحق الجعل كله، ولنقل: إن الجعل كله مئة ريال، الآن عمل الثلثين، نجعل له كم؟ ثلثي المئة؛ لأنه راضٍ بهذا.
ثم قال المؤلف رحمه الله -نشوف كلام المؤلف-: (فمِن العامل لا يستحق شيئًا)، يعني: فإن كان الفسخ من العامل لم يستحق شيئًا؛ لأنه هو الذي فَوَّت على نفسه الجعالة، فلو قيل مثلًا: مَن بنى هذا الجدار فله مئة ريال، فالتزم به أحد الناس، وفي أثناء البناء فسخ الجعالة، يعني أن المجعول له فسخ الجعالة، فنقول له: ليس لك شيء، لماذا؟
هذا رجل جُوعِلَ على أن يبني جدارًا، وفي أثناء البناء فسخ الجعالة، الذي فسخ العامل، هل يستحق شيئًا؟ يقول المؤلف: لا، لا يستحق شيئًا، لماذا؟ لأنه هو الذي فَوَّت على نفسه تمام العمل، فلم يستحق شيئًا، وهذا واضح.
قال: (ومن الجاعِل بعد الشروع للعامل أجرة عمله)، (من الجاعِل)، يعني: إذا وقع الفسخ من الجاعل بعد الشروع فللعامل أجرة عمله، فإذا قَدَّرْنَا أنه بنى نصف الجدار، وفسخ الجاعِل، فللعامل أيش؟ أجرة العمل.
ظاهر قوله: (أجرة) أنه تنفسخ الجعالة نهائيًّا، ولا يترتب عليها أثرها، ويُعْطَى أجرة العمل.
أجرة العمل منسوبة، فإذا قيل: هذا الجدار إذا استؤجر لبنائه يُبْنَى بخمس مئة، والآن بنى النصف، كم نعطيه؟
طلبة: مئتين وخمسين.
الشيخ: لا، غلط، ما نعطيه مئتين وخمسين؛ لأنه إذا ارتفع زادت المؤونة، فنعطيه مثلًا مئتين من خمس مئة، وذلك لأنه كلما ارتفع البناء ازدادت الكلفة.
وظاهر كلام المؤلف أننا لا نعطيه بنسبة الجعالة، ولكن فيه نظر، والراجح أننا نعطيه بنسبة الجعالة، فإذا قُدِّرَ أنه لو استؤجر عليه لكان بمئة، ولو جُوعِل لكان بثمانين، نعطيه بالنسبة للثمانين ولَّا للمئة؟
بالنسبة للثمانين؛ لأن الجاعِل راضٍ بهذه الجعالة، وكذلك العامل راضٍ بهذه الجعالة، أفهمتم يا جماعة؟
نعيد المثال: هذا رجل جاعَلَ شخصًا على أن يبني له جدارًا، ثم إنه بعد أن شرع العامل فسخ الجاعلُ الجعالة، نقول: له أيش؟ له النسبة، نسبة ما عمل.
باعتبار الْجُعْل أو باعتبار الأجرة؟ ظاهر كلام المؤلف أنه باعتبار الأجرة، بمعنى أن نلغي عقد الجعالة ونقول: ما تقولون يا أصحاب الخبرة فيما لو بُنِيَ هذا الجدار، كم أجرته؟ فيُعْطَى العامل أيش؟ نسبة الأجرة؛ لأن الجعالة انفسخت، فعاد الأمر كأن لم يكن جعالة.
لكن الراجح أنه يعطي العامل نسبة الْجُعْل، ننسبه إلى الجعل؛ لأن العامل رضي بأن يكون مقابل عمله هو هذا الجعل، إذا قدَّرْنا أن الجعالة أكثر من الإجارة، وهذا هو الغالب؛ لأن الغالب أن الذي يعقد عقد جعالة يريد العَجَلة، إذا قدَّرْنَا أن الجعالة أكثر ماذا نعطيه؟ نعطيه نسبة الجعالة، وإذا قدَّرْنا الأجرة أكثر نعطيه أيضًا نسبة الجعالة على هذا الرأي.
لكن لو فُرِضَ أن الجاعل سيتضرر كثيرًا؛ لأن العامل فسخ الجعالة في وقت لا يوجد فيه عُمَّال، العمال قد أخذهم الناس، مثلًا في أول السنة العمال كثيرون، في أثناء السنة العمال يَقِلُّون، وهذا سوف يكون فيه على الجاعل ضررٌ، ففي هذه الحال لو قيل بتضمين العامل ما يلحق الجاعل من الزيادة لكان له وجه، بمعنى أننا نقيم شخصًا يكمل الجدار، ويكون على العامل أجرة هذا الشخص؛ لأنه ربما يتحيل أو يكيد للجاعل، فإذا بدأ بالعمل وتفرق العمال، وصار العامل الذي بعشرة لا يوجد بخمسين فسخها.
فيه قول آخر: أنه إذا تضمن ضررًا أُلْزِمَ بإتمام العمل، إذا تضمن ضررًا على الجاعل يُلْزَم العامل بإتمام العمل إلا من عذر.
فالأقوال ثلاثة، على هذا القول نستريح، لا نحتاج نسبة ولا شيئًا، نقول: يلزمك أنت أيها العامل أن تكمل، إلا لعذر، مثل لو مرض، أو شُلّ أو ما أشبه ذلك، فهذا عذر.
الخلاصة: الجعالة على كلام المؤلف عقد جائز، يجوز للجاعل فسخها، ويجوز للعامل فسخها، إن فسخ العامل؟
طلبة: فلا شيء له.
الشيخ: فلا شيء له، لكن هل عليه شيء؟
ذكرنا أنه إذا تضمن ضررًا على الجاعل أُلْزِم بدفع الضرر، مثل أن يكون العمال الآن فُقِدُوا ولا يوجد عامل، فيُلْزَم العامل بإتمام العمل؛ لأنه لا عذر له، وهو الذي ضر الجاعل.
مِن الجاعل، إذا فسخ الجاعل؟ إذا كان قبل العمل فلا شيء للعامل؛ لأنه لم يعمل، وإذا كان بعد الشروع فللعامل أجرة المثل، لكن هل يكون ذلك أجرة؛ لأن الجعالة فُسِخَت، أو بنسبة الجعل كما هو القول الراجح.
قال: (ومع الاختلاف في أصله أو قدره يُقْبل قول الجاعل) مع الاختلاف في أصله أو في قدره فالقول قول الجاعل، أصل أيش؟ أصل الْجُعْل، هل جُعِلَ أو لا؟ فالقول قول الجاعل، هكذا قال المؤلف وأَطْلَق رحمه الله.
فلو عمل العامل وأنهى العمل وقال: أريد جُعْلًا، قلنا: لا بد أن نسأل، إذا وافق الجاعل فلك ما ادعيت، إذا لم يوافق فالأصل عدم الجعالة، كذلك إذا اختلفوا في القَدْر، فقال الجاعل: القدر مئة، وقال العامل: القدر مئتان، فالقول قول الجاعل؛ لأنه غارم.
فمثلًا إذا قال العامل: إنها مئتان، وقال الجاعل: إنها مئة، فقد اتفقا على مئة، وبقيت المئة الزائدة مُدَّعًى بها، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (6)، ولهذا أخذ العلماء من هذا الحديث قاعدة: أن القول قول الغارم.
لكن في هذا أيضًا تفصيل؛ إذا اختلفَا في القدر وادَّعَى الجاعل قدرًا لا يمكن أن يُقَام العمل بمثله، وادَّعَى العامل قدرًا يمكن أن يقام بمثله، فهنا نقول: إن دعوى الجاعل دعوى تُكَذِّبُها العادة والعرف، فلا يُقْبَل قوله، ويُقْبَل قول العامل.
ولو ادعى العامل شيئًا كثيرًا فإنه لا يُقْبَل؛ لأنه ادَّعَى ما يخالف العادة، ولأنه ادعى على الغارم ما لم يعترف به، يقبل قول الجاعل.
ثم قال: (ومن رد لُقَطَةً أو ضالة، أو عمل لغيره عملًا بغير جُعْل لم يستحق عِوَضًا إلا دينارًا أو اثني عشر درهمًا عن رد الآبق، ويرجع بنفقته أيضًا).
(من رد لقطة) يعني: ما سوى الحيوان، يعني الضائع الذي ليس بحيوان، هذه اللقطة، أتى بها لصاحبها.
(أو ضالَّة)، وهي الضائع من الحيوان، والفرق بين الضالة، أن الضالة يعني أن لها إرادة، تعرف، ولكن تضل، اللُّقَطَة ليس لها إرادة، فعليه نقول: مَن رَدَّ لُقَطَة، أي: ضائعًا غير حيوان، أو ضالة، أي: أيش؟
طالب: من الحيوان.
الشيخ: أي: ضائعًا من الحيوان، فإن له أجرًا عند الله، وعلى هذا فإذا وجد لُقَطَة باهظة الثمن، وقال لصاحبها: أَعْطِنِي ما يسميه العوام إحفاظة، فإنه لا يلزمه أن يعطيه، ويُجْبَر الواجد على تسليمها لصاحبها مجانًا، إلا إذا كان قد جعل جُعْلًا، بأن قال: مَن رَدَّ لُقَطَتِي فله كذا وكذا، فيعطى ما ذَكَر.
كذلك الضالة، إذا رَدَّ ضالة مما يباح التقاطه فإنه لا يستحق عِوَضًا، إلا إذا كان قد جُعِل.
وقوله: (بغير جُعل لم يستحق عِوَضًا)، وذلك لعدم وجود عقد بينه وبين المالك، فيقال: لك الأجر عند الله، أما أن تستحق عليّ شيئًا أن لم أقل لك: اذهب دَوِّر، ولم أجعل جُعْلًا لمن أتى بها.
استثنى المؤلف مسألة جاء بها النص: (إلا دينارًا أو اثني عشر درهمًا عن رد الآبق)، الدينار هو النقد من الذهب، والدرهم هو النقد من الفضة، وإذا تأملت التقدير في هذا وفي الديات وفي نصاب السرقة تبيَّن لك أنه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام الدينار يساوي اثني عشر درهمًا؛ ولهذا تُقْطَع اليد بربع دينار أو بثلاثة دراهم، الديات ألف مثقال ذهبًا، أو اثنا عشر ألف درهم فضة، والدرهم مثقال.
نقول: (الآبق) هو العبد الذي شَرَدَ عن مالكه، هذا إذا رَدَّه أحد فله دينار أو اثنا عشر درهمًا من الفضة.
الدليل: السنة؛ جعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لمن رَدَّ الآبق، والحكمة من هذا أن إباق العبد ليس بالأمر الهين؛ لأنه إذا أَبَقَ وكان أصله كافرًا فربما يرجع إلى أصله إلى بلاد الكفر، ويكون حربًا على المسلمين، أو إذا تُرِكَ وساح في الأرض فربما يحتاج ويُفْسِد في الأرض بالسرقات أو غيرها، فلذلك جعل الشارع لمن رَدَّهُ عِوَضًا، وإن لم يُظْهِر سيده ذلك العِوَض.
يُسْتَثْنَى شيء آخر، وهو مَن أنقذ مال المعصوم من الهلكة، إذا أنقذ مال الإنسان من الهلكة فإنه يستحق أجرة المثل، مثل أن يرى الحريق قد اتجه إلى متاع شخص فينقذ المتاع، هذا يُعْطَى أجرة المثل، وذلك لتشجيع الناس على إنقاذ أموال المعصومين من الهلكة؛ لأننا لو قلنا: لا يُعْطَى شيئًا؛ لأنه لم يتفق مع صاحبه بعقد، تَوانَى الناس عن المبادرة في إنقاذ أموال المعصومين، فصار كل مَن عمل لغيره عملًا بلا عقد أيش؟
طالب: ليس له شيء.
الشيخ: فإنه ليس له شيء، إلا في حالين؛ إنقاذ مال المعصوم من الهلكة، والثاني؟
طلبة: رد الآبق.
الشيخ: رد الآبق.
فإن قال قائل: ألستم تُجَوِّزُون أن الإنسان يقف عل القَصَّار -وهو غَسَّال الثياب- أو الخياط، ويقول: خِطْ لي هذا الثوب، بدون أن يتَّفقا عل عقد أو أجرة، ألستم تقولون: إن له أجرة المثل؟
فالجواب: بلى، لكن هذا اتفق مع العامل، أتى إليه بالثوب ليغسله أو ليخيطه، والرجل هذا قد أَعَدّ نفسه للعمل.
ثم قال: (ويرجع بنفقته أيضًا)، يرجع بنفقة مَن؟ بنفقة الآبق؛ لأن نفقته واجبة؛ لما فيها من إحياء النفس، ولا يمكن أن يتخلف الذي رَدَّ الآبق عن الإنفاق عليه؛ لأنه لو تخلف عن الإنفاق عليه لهلك، فلهذا يرجع بنفقته، ومَن يُقْبَل قوله بالنفقة؟
إذا دل العُرْف على قول الذي رد الآبق، أو على قول سيده عُمِلَ بالعرف، وأما إذا زاد أو نقص فإنه يُرَدّ إلى العرف، فمثلًا لو قال مَن رد الآبق: أنفقت عليه ألف ريال، وقال سيده: بل خمس مئة، فلدينا الآن مُدَّعٍ ومُدَّعًى عليه، أيهما الغارم؟
طلبة: السيد.
الشيخ: السيد، فهل نقبل قول السيد، أو ننظر ماذا يدل عليه واقع الناس؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، فإذا كانت من العادة أن مثل هذا الآبق يُنْفَق عليه ألف أخذنا بقول الذي رده، وإذا كان من العادة أنه لا يُنْفَق عليه إلا خمس مئة أخذنا بقول السيد، وإن اشتبه علينا الأمر رجعنا إلى الأصل، وهو أن يُقْبَل قول السيد لأنه غارم.
طالب: فسخ الجاعل للجعالة بعض الشروع، إذا كان العمل البحث عن اللُّقَطة، وبذل هذا الشخص مالًا في التنقل بسيارات أجرة ونحوها في البحث، فهل نقول: إنه إذا فسخ الجاعل يعطِي قيمة ما أنفقه؟
الشيخ: لا، ما يُعْطَى قيمة ما أنفقه، يعطى قيمة نسبة العمل، فمثلًا إذا قُدِّرَ أن هذه الضالة مثلًا أو اللقطة أنه يمكن العثور عليها في عشرة أيام، وهذا فسخ في خمسة أيام يُعْطَى النصف؛ لأنه ربما ينفق نفقات باهظة.
الطالب: ما يكون مَيْسِرًا؟
الشيخ: لا، أصلًا الجعالة ما يُشْتَرَط فيها العلم بالعمل.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة للعقود المعاصرة هل (... ).
الشيخ: أي العقود المعاصرة.
الطالب: العقود الحالية يعني المقاولات..
الشيخ: الظاهر أنها إجارة، المقاولات وشبهها هذه إجارة؛ لأنه يتفق مع المقاول على شيء معيَّن معلوم، الأجرة معلومة، والعمل معلوم، ولهذا أحيانًا يضيفون إلى هذا أنه إذا لم يتمه في المدة خُصِمَ عليه، هذه أجرة ما فيها إشكال.
الطالب: لكن ما لها نظير يا شيخ؟
الشيخ: هي إجارة.
الطالب: لا الجعالة.
الشيخ: الآن العمل بالجعالة قليل، يشبه -والله أعلم- عقود الصيانة.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للضالة يا شيخ يُرْجَع الذي ردها على صاحبها من النفقة؟
الشيخ: لا، لا يرجع إلا إذا نوى الرجوع وتعذَّر استئذانه.
طالب: ذكرنا أن مَن رد مال المعصوم من الهلكة فإن له أجرة المثل، مَن يقدرها؟
الشيخ: أهل الخبرة يعرفونها.
الطالب: لماذا تكون له أجرة المثل؟
الشيخ: يعني يقال: لو عمل الإنسان مثل هذا العمل، فأنقذ هذا المال من الهلكة، سواء من حريق، أو من غرق، أو غير ذلك، كم يُعْطَى؟ قالوا: يُعْطَى مثلًا ألف ريال، يُعْطَى ألف ريال.
طالب: أحسن الله إليك إذا سرق السارق مالًا، وهذا المال كان مُخْفِيه، أخفاه السارق، صاحب المال قال: مَن وجد أثر مالي، أو وجد السارق، أو علم موضعه، أعطيه كذا، هذا المال المطلوب هل يأخذه من السارق؟
الشيخ: لا، ما يأخذه، لكن السارق يأخذ منه المال الموجود اللي هو سرقه.
الطالب: إي، لكن هذا بسبب سرقته دفع هذا المال.
الشيخ: إي، ربما يقال: إنه يأخذ، لكن السارق بيؤخذ منه شيء أغلى هذا، وهو؟
طلبة: يده.
الشيخ: قطع يده.
طالب: إذا قدرنا أن شخصًا وجد الضالة لصاحبها، وصاحبها قد علم أنها عند الشخص، والشخص الأول قد تلفت منه بغير تفريط، هل يضمن؟
الشيخ: قال: مَن رد ضالتي فله كذا؟
الطالب: لا، رجل وجد ضالة إنسان، وصاحبها عَلِم أنه قد وجدها، في الوقت الذي يردها لصاحبها تلفت منه من غير تفريط، هل يضمن يعني الذي وجدها أولًا؟
الشيخ: بدون تفريط؟ لا ما يضمن؛ لأن يده يد أمينة، إلا إذا كان تأخر في إعلام صاحبها، أو في دفعها إليه.
طالب: أحسن الله إليك، هل مثل الآبق (... ) النساء أو من الأحداث الأولاد الذين (... ) آبائهم؟
الشيخ: لا، ليس كذلك، وذلك لأن الآبق مال، أما هؤلاء ليسوا مالًا، لكن لو قيل بأنه لو جعل جُعْلًا لمن أحضرهم أُلْزِمَ به هذا ليس عقد جعالة، ما فيه إشكال.
طالب: ما الفرق بين الجعالة وما يسمى اليوم بالقُطُوعَة؟
الشيخ: القطوعة الظاهر أنها أجرة، لكن القطوعة ليس للعامل نفقة، ما يُقَدَّر بالزمن.
الطالب: يقول: هذا الإيجار بكذا.
الشيخ: إي، لكن تعاقد مع شخص معين، ما فيه أجرة.
طالب: لو هذا العامل شرط، وأكمل جزءًا كبيرًا منه، ولكنه لم يكمله، لعذر أو لغير عذر، فهل الشرط على حاله؟
الشيخ: والله هذا فيه نظر، إن قال ما له شيء، لكن لو قيل: يُخْصَم منه، لكان جيدًا، ثم الخصم ينبغي أن يكون بنسبة؛ لأنه ربما إذا كان بالقدر المحدد يستوعب كل الأجرة، ثم أيضًا لا بد أن يعيَّن مدة يمكنه أن يخلص فيها، ما تكون مثلًا مدة قياسية؛ لأن المقاول ربما يكون عنده شفقة في جمع المقاولات، وتكون المدة غير ممكن أن يأتي بها، فيطمع ويشترط على نفسه أنه إذا أخَّر خُصِمَ عليه، فهذه لا بد فيها من شرط أن تكون المدة يمكن أن ينتهي فيها العمل.
(... )
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ما هو تعريف الجعالة؟
طالب: لغةً من الْجَعْل، وهو الوقف، وشرعًا: هي أن يجعل شيئًا معلومًا لمن يعمل له عملًا معلومًا أو مجهولًا مدة معلومة أو مجهولة.
الشيخ: أحسنت.
الفرق بينها وبين الإجارة من حيث العقد، ما هو من حيث الأحكام، من حيث العقد؟
طالب: الإجارة عقد لازم، والجعالة جائز.
الشيخ: هذا حكم، لكن عند العقد؟
الطالب: الإجارة لا بد من العلم.
الشيخ: لا.
طالب: الإجارة لعمل معيَّن، والجعالة مع غير معيَّن.
الشيخ: مع غير معين، هذا هو، الجعالة يطلِق: مَن فعل كذا فله كذا، ولهذا صارت عقدًا جائزًا.
إذا فعل المجعول عليه دون أن يعلم بقول الجاعل؟
طالب: لم يستحق شيئًا.
الشيخ: لم يستحق شيئًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: العلة؟
الطالب: لأنه لم يستحق بالجائز.
الشيخ: لا، هذا تعليل بالحكم.
طالب: لأنه ما فيه عقد بينهما يا شيخ.
الشيخ: صحيح؛ لأنه لا عقد بينهما، فكيف يستحق؟
مَن أنقذ مال معصوم من هلكة؟
طالب: فله أجرة المثل.
الشيخ: له أجرة المثل؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ليس بينهما عقد، كيف تجعل له أجرة المثل؟
الطالب: ليس بينهما عقد، يُعْطَى تشجيعًا.
باب اللقطة
الشيخ: أليس أخوك (... ) الحب من الأرض، أي: أخذته وجمعته، لكنها لها معنى خاص عند الفقهاء، فقال: وهي مال أو مُخْتَصّ ضَلَّ عن ربه، هذه اللقطة، والقيد المهم فيها قوله: ضَلَّ عن ربه، أي: ضاع منه، المال كالدراهم والأمتعة وما أشبهها.
المختص كل ما يختص به الإنسان بدون ملك، ويُضْرَب لذلك مَثَل بالكلب -كلب الصيد- كلب الصيد لا يُمْلَك، لكن صاحبه أخص به من غيره، فهو مختص وليس بمال، وربما أيضًا نُمَثِّل بالخمر للذمي إذا ضاعت منه، فإنها ليست بمال، لكنه يُمَكَّن من شربها، وقد لا يصح هذا المثال؛ لأنها صارت ظاهرة، حيث وُجِدَت في السوق مثلًا أو في البَرّ، لكن المثال الصحيح هو كلب الصيد.
وقوله: (ضل عن ربه) أي: عن صاحبه؛ لأن (رب) في اللغة العربية تطلق بمعنى صاحب، كما جاء ذلك في القرآن، وجاء ذلك في الحديث.
ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180]، رب العزة أي: صاحبها، ولا يمكن أن تكون ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ بمعنى: خالقها؛ لأن العزة صفة من صفات الله غير مخلوقة.
وفي الحديث أيضًا: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (7) في إحدى روايات البخاري.
(ضل عن ربه) أي: عن مالكه.
وقوله: (وتتبعه همة أوساط الناس)، هذا ليس قيدًا في التعريف؛ لأن اللقطة يصدق عليها التعريف وإن كانت لا تتبعها همة أوساط الناس، فمَن وجد رغيفًا لا يساوي درهمًا فهي لقطة، وإن كانت الهمة لا تتبعه.
لكن المؤلف -رحمه الله- أدمج الحكم في التعريف ليُبَيِّن أن الذي يجب تعريفه هو الذي تتبعه همة أوساط الناس، هذا الذي يجب تعريفه، وأما ما لا تتبعه همة أوساط الناس فهذا لا يُعَرَّف.
وعلى هذا فنقول: مَن وجد مالًا فعلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه، فهذا لواجده، كما يوجد الآن بعض الكراسي المكسرة تُرْمَى في الأسواق، أو بعض الزنابيل، أو بعض الأواني، أو ما أشبه ذلك، نعلم أن صاحبها تركها، أيش؟ رغبة عنها، هذه يملكها واجدها بدون شيء، حتى أيضًا لو علمنا أن هذا الرجل له متاع ثقيل في البَرّ، وعجز عنه وتركه رغبة عنه، كما أراد جابر بن عبد الله أن يُسَيِّب جمله، فهذا لمن وجده.
وهل من ذلك السيارات اللي يكون عليها حوادث وتبقى في الطرق؟ هل نقول: هذه مما تركها أهلها رغبة عنها، فيجوز للإنسان أن يُشَلِّحَها -وأقول بلغة القوم- أو لا يجوز؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا، الواقع ننظر إلى حال السيارة، إذا كان فيها معدات نعلم أنها غالية، وأن صاحبها سوف يعود إليها فإنها لا يجوز أخذها، أما إذا كان هيكلًا محترقًا ما فيه إلا حديد يحتاج إلى أن يُصْهَر بنار النيران، فهذا أيش؟ لمن وجده؛ لأننا نعلم أن صاحبه لن يعود إليه.
القسم الثاني: أن يكون مما لا تتبعه الهمة؛ لكونه زهيدًا، كقلم يساوي درهمًا، هذا زهيد لا تتبعه همة أوساط الناس، أليس كذلك؟ بلى، لا تتبعه همة أوساط الناس، أي إنسان يجده فهو له، إلا إذا كان يعرف صاحبَه فعليه أن يوصله إلى صاحبه أو يبلِّغه به؛ لأنه أصبح الآن غير لُقَطَة؛ لأن صاحبه أيش؟
طلبة: معلوم.
الشيخ: معلوم، فعليه أن يبلغ صاحبه به أو أن يذهب به إليه.
وقول المؤلف: (أوساط الناس)، وكذلك قولنا: أوساط الناس، هل المراد أوساط الناس بالمال، أو أوساط الناس بالشح، أو بهما جميعًا؟ بهما جميعًا، يعني أن أوساط الناس الذين ليسوا من الأغنياء، ولا من الفقراء، ولا من الكرماء، ولا من البخلاء، لا يهتمون به، ولا عبرة بالبخيل، البخيل همته تتبع حتى قلامة الظفر، كما قال الشاعر:
بَلِيتُ بِلَى الْأَطْلَالِ إِنْ لَمْ أَقِفْ بِهَا
وُقُوفَ شَحِيحٍ ضَاعَ فِي التُّرْبِ خَاتَمُهْ
فالشحيح اللي ضاع خاتمه بالتراب متى يروح؟
طلبة: ما يروح.
الشيخ: ما يروح، بيقعد سنين يدوِّر بها التراب، كلما راحت حبة تراب قال (... ) في الثانية، فالشحيح لا عبرة به، الفقير أيضًا لا عبرة به، لماذا؟ الفقير أي شيء يضيع منه تتبعه الهمة، اعرف نفسك الآن، لو ضاع منك عشرة ريالات ما تهتم بها، لكن لو ضاعت من فقير اهتم بها، ولهذا لو أعطاك شخص عشرة ريالات ما تهتم بها، ولا تفرح بها، ولا ترى أن هذا قدر لك، لكن لو يعطيها فقيرًا فَرِحَ بها.
إذن أوساط الناس أيش؟ خُلُقًا ومالًا، خُلُقًا يعني ليس من الكرماء الذين لا يهتمون بالأمور، ولا من البخلاء الذين همتهم تتبع كل شيء، وكذلك يقال في المال.
هذا لمن وجده، إذا كان لا تتبعه الهمة، دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وجد تمرة في الطريق، فقال: «لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» (8)، صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الصدقة محرَّمة على الرسول عليه الصلاة والسلام نفلها وفرضها، وآل محمد يحرُم عليهم الصدقة الواجبة دون النافلة، وسائر الناس إذا كانوا من أهل الزكاة يستحقون هذا وهذا؛ النافلة والواجبة.
المهم الرسول قال: «لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا»، في هذا الحديث إشكال؛ كيف يمتنع الرسول عليه الصلاة والسلام منها مع أن الأصل الحِلّ، وأنها ليس من الصدقة؟ فيقال في الجواب: إن هذا لكمال وَرَعِه عليه الصلاة والسلام، ولعل هناك قرينة تدل على أنها من الصدقة، مثل أن تكون في المكان الذي حوله فُرِّقَت الصدقة، فسقطت منها هذه التمرة، لكن بالنسبة لنا لو وجدناها ونحن ممن تحرُم عليه الصدقة الواجبة فلنا أن نأكلها، حتى نتيقن أنها من الصدقة الواجبة.
بقينا بأيش؟ الآن أخذنا قسمين: الأول: ما تُرِكَ رغبة عنه فهو أيش؟
طلبة: لواجده.
الشيخ: لواجده.
والثاني: ما لا تتبعه همة أوساط الناس فهو لواجده أيضًا، إلا إذا كان يعلم صاحبها.
القسم الثالث، وهو الذي أشار إليه الماتن: هو الذي تتبعه همة أوساط الناس، فهذا يجب تعريفه، يجب أن يُعَرَّف لمدة سنة، وسيأتي إن شاء الله ذكرها.
كم يُقَدَّر في وقتنا الذي تتبعه همة أوساط الناس؟ هو يختلف باختلاف الأحوال والأماكن والأزمان، فيما سبق الدرهم الواحد تتبعه همة أوساط الناس؛ لأنه يحصل به شيء كثير، يعني يمكن الدرهم الواحد يشتري به الإنسان شاة، ويشتري به أيضًا حَبًّا يطبخه ويكفي ضيفه، الدرهم هذا في ذلك الوقت يُعْتَبَر مما تتبعه همة أوساط الناس، الآن والحمد لله الدرهم لا يهتم به أحد، خمسة دراهم؟
طلبة: لا يهتم بها أحد.
الشيخ: لا يهتم بها أحد؟
عشرة؟
طلبة: ما يهتم بها أحد.
الشيخ: ما يهتم بها أحد.
خمسون؟
طلبة: يهتم بها أوساط الناس.
الشيخ: يهتم بها أوساط الناس، إذن يقدَّر هذا بحسب الأحوال، والأحوال يختلف فيها الناس.
لكن لو قال قائل: لعل هذا الذي لا تتبعه همة أوساط الناس لعلها تتبعه همة فاقده؟
فيقال: العبرة بالأغلب، يعني رب قلم لا يساوي درهمًا، عند صاحبه يساوي مئة درهم؛ لأنه أخذ عليه، وكتابته به سهلة وجميلة، وهذا شيء مشاهَد، بعض الأشياء تكون عند صاحبها غالية، وعند الناس ليست غالية، فيقال: العبرة؟
طلبة: بالأغلب.
الشيخ: بالأغلب.
قال: (فأما الرغيف والسوط ونحوهما فيُمْلَك بلا تعريف) لأنها أيش؟ لا تتبعها همة أوساط الناس، الرغيف يعني القرص، هذا لا تتبعه همة أوساط الناس، مَن وجد قرصًا ساقطًا في السوق فليأخذه وليأكله ما لم يكن يعلم صاحبه.
كذلك السوط السوط، يعني عصا رقيقة صغيرة، ما هي ذاك التي لها قيمة، مَن وجدها فهي له.
وقوله: (ونحوهما) مثل أيش؟ قلم، إذا كان قلمًا ما هو من الأقلام الغالية، فيه قلم بخمسة ريالات، وقلم بخمسين ريالًا.
طالب: بمئتين.
الشيخ: مئتي ريال؟ أو مئتي ريال، إذن القلم الرخيص، سلسلة المفاتيح؟
طالب: مِن هذا.
الشيخ: مِن هذا النوع.
(فيُمْلَك بلا تعريف) بمجرد ما يجده الواجد يكون ملكًا له.
ثم قال: (وما امتنع) إلى آخره، انتقل الآن مما ضاع من الأموال إلى ما ضاع من الحيوان.
الحيوان يقول: (وما امتنع من سبع صغير كثور وجمل ونحوهما حرُم أخذه، وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره) إلى آخره.
الحيوان الضائع قسمان:
الأول: ما يمتنع من صغار السباع، مثل الثور، قبل أن نمثل لما يمتنع، صغار السباع مثل الذئب والكَلْب الكَلِب وما أشبهها، وأما كبار السباع فإنها لا يمتنع منها ولو الجمل، حتى الجمال لا تمتنع منها، لكن الذي يمتنع منها، يعني التي تُعْتَبَر من صغار السباع مثل الذئب والكلب إذا صار كَلِبًا يعني يَفْرِس.
(كالثور)، الثور يمتنع من صغار السباع أو لا؟
طلبة: يمتنع.
الشيخ: الكبير يمتنع لا شك، والصغير لا يمتنع، فيُلْحَق بالشاة ونحوها، لكن الكبير يمتنع؛ لأنه إذا أتى إليه الذئب ليأكله نطحه بقرونه، أو وطئه برجليه، ولا يستطيع، الجمل كذلك لا يستطيع الذئب أن يأكله، يفرسه، نعم لو اجتمع الذئاب على جمل يمكن أن تقدر عليه، لكن العبرة بالغالب.
وقوله: (ونحوهما) مثل أيش؟
مَثَّلَ بعضهم بالحمار، قال: إن الحمار يمتنع من صغار السباع، والواقع أنه لا يمتنع، الحمار جبان، إذا شم رائحة الذئب فَرَّجَ بين رجليه وقام يبول؛ لأنه يفزع ولا يمكن يمتنع، نعم إن كان يوجد حمير على زمن مَن مَثَّلُوا بها تمتنع ما ندري، أما الحمار المعروف عندنا الحمار الأهلي فإنه لا يمتنع.
البغل؟
طلبة: يمتنع.
الشيخ: الحصان؟
طلبة: يمتنع.
الشيخ: يمتنع، فالضابط إذن الحيوان الذي يمتنع من صغار السباع يقول المؤلف: (حرُم أخذه)، يحرُم التقاطه، ولا يَحِلّ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن ضالة الإبل، فغضب عليه الصلاة والسلام وقال: «دَعْهَا، مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا».
(9)
انظر كلام الرسول عليه الصلاة والسلام كأنما هو بين رعاة الإبل، مع أنه ما رعى الإبل وإنما رعى الغنم، اتركها، «مَعَهَا سِقَاؤُهَا»، يعني: بطنها؛ لأنها إذا شربت تبقى مدة حتى في أيام الصيف ما احتاجت إلى الشرب، «وَحِذَاؤُهَا»، يعني: خُفَّها، «تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ»، ولا أدل من البعير على الماء، حتى إن الناس فيما سبق إذا خافوا على أنفسهم من العطش ربطوا أنفسهم على الإبل، ثم البعير تَشَمّ الماء من بعيد وتقف عليه، فمعها سقاؤها، ومعها حذاؤها، تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها.
وظاهر الحديث العموم، أنه لا يجوز التعرض لها، تُتْرَك حتى يجدها ربها.
لكن إذا رجعنا إلى أصول الشريعة وقلنا: إنه إذا كان يُخْشَى عليها من قُطَّاع الطرق، ففي هذه الحال له أن يأخذها إن لم نَقُل بالوجوب.
ويمكن أن يؤخذ من الحديث، وهو قوله: «حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا»، فإن هذا التعليل يشير إلى أنها إذا كانت في مكان يُخْشَى أن يأخذها قُطَّاع الطرق فإنه يلتقطها ولا بأس؛ لأنه في هذه الحال اللي يغلب على الظن أن صاحبها يجدها أو لا يجدها؟
طلبة: لا يجدها.
الشيخ: أنه لا يجدها، وعلى هذا فنقول: هذا الحديث إن كان لا يدل على أنه يأخذها فإنه يقيَّد بالنصوص العامة، وإن كان يدل على أنه إذا كان لا يؤمَن ألَّا يجدها فإنه يأخذها.
ثم قال: (وله التقاطُ غيرِ ذلك) إن شاء الله الدرس القادم.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للقسمين الأولين للقطة، ما تُرِكَ رغبة عنه، أو ما لم تتبعه همة أوساط الناس، إذا أخذه الواجد، ثم عرف صاحبَه، هل يجب عليه أن يُرْجِعَه؟
الشيخ: أما الذي لا تتبعه همة أوساط الناس يجب أن يوصله إلى صاحبه، أو يبيِّن له ذلك، أما ما أُخِذَ رغبة عنه فهذا صاحبه تركه، ولا يريد أن يتملك.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما حكم اللقطة التي لا تتبعها همة أوساط الناس وجدها الإنسان في مكان محصور؟
الشيخ: محصور؟
الطالب: إي نعم كالمسجد مثلًا، أو في القاعة في المدرسة أو كذا، هل يجب تعريفها؟
الشيخ: هي له، ولا يلزمه التعريف.
طالب: شيخ، إذا قال قائل: إننا قلنا في تعريف اللقطة: مال أو مختص ضَلَّ عن ربه، فكيف تجعلون من أقسامه مَا تُرِكَ رغبة عنه؟
الشيخ: لا، هذا لتمام التقسيم، ما ذكرنا أنه لقطة، هو لقطة بالمعنى العام.
طالب: شيخ حفظك الله، معروف اليوم في بعض الأماكن أنه ليس هناك موارد عامة للإبل، بل الموارد خاصة، وبمجرد أن (... ) الإبل فربما تؤذي ولا تجد من يطعمها؛ لأنه الاعتماد اليوم على صاحب البهائم، فالإنسان لو تركها ربما آلت إما صدمها بسيارة تؤذي الناس أو ربما تفسد الزروع، فلو أنها دخلت على الإنسان.
الشيخ: في هذه الحال ربما يقال: إنه يأخذها ليسلمها لولي الأمر، لا على أنها لقطة إن جاء صاحبها وإلا فهي له، يعني إذا خاف من شرها فإنه يأخذها ويسلمها إلى ولي الأمر.
طالب: حفظك الله يا شيخ، بالنسبة لسجادة (... ) نقول يا شيخ: بأنها لو علم أن صاحبها تركها وسَيَّبَها قصدًا فهل يؤخذ؟
الشيخ: يؤخذ إي.
الطالب: يدخل في قول النبي..
الشيخ: بخلاف ما إذا سَيَّبَها عجزًا، يعني مثلًا لو ترك هذا المال عجز أن يحمله، مثل أن تكون السيارة تعطلت ولا يستطيع يحمله قال: أخليه بهذا وأرجع عليه، هذا نعلم أنه لصاحبه، مثل ما ذكرنا قبل قليل في مسألة السيارات التالفة.
الطالب: لكنه يا شيخ يترك شيئًا عجز عنه هو يريده لكن تركه عجزًا ولا يرجع له.
الشيخ: إذا علمنا هذا فهو للموجِد.
طالب: أراد أخذ اللقطة (... )؟
الشيخ: حرام عليه.
الطالب: ولا يلزم..
الشيخ: يكون ضامنًا على كل حال، مع المعصية.
الطالب: لكن الآن يا شيخ (... ).
الشيخ: هذا يتصرف نيابة عن الدولة ما هو يريدون أن يأخذوه عن أنه لقطة.
طالب: النعال الموجودة في الحرَم بعض الناس يأخذ منها الغالي، وبعضهم يقول: إن الرخيص منها لقطة.
الشيخ: سيأتينا إن شاء الله تعالى أن لُقَطة الحرَم هل هي كغيرها أو لها حكم خاص.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، بالنسبة للبقرة قد تمتنع من السباع، لكنها لا تصبر على العطش.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وكذلك الحمار لو قلنا: إنها تمتنع.
الشيخ: لا، الحمار ما يمتنع، الحمير عندنا أكثر من اللي عندكم، ما تمتنع.
الطالب: عندنا كثير يا شيخ.
الشيخ: عندكم بقر، على كل حال هذا الذي أوردت وارد، لكن تعلم أن أصحاب الإبل يتركونها ترعى، تروح وتيجي، أصحاب البقر ما يجعلون لها الحرية، من حين ما يفقدها على طول يذهب يدوِّرْهَا، إي نعم، واضح؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: شيخ بارك الله فيك، قلنا: رعاة الإبل إذا عطشوا خافوا على أنفسهم ربطوا نفسهم على البعير، والبعير يشم الماء، هناك فرقة أخرى ذبحوا البعير، شربوا ما في بطنها، كيف هذا الشراب؟
الشيخ: إذا نحرها طيب، نحرها على وجه شرعي، ثم شرب ما في بطنها، هكذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما فيه شيء، وهذه أيضًا تقع، ولكن ما ذكرته لكم أمر واقع، فيه جماعة حوالي ثلاثة عشر أو أربعة عشر نفرًا في مكان يسمى الدَّهْنَة ليس حوله ماء، وتاهوا فيه وعطشوا، منهم واحد ربط نفسه على البعير، ويمكن يُغْمَى عليه أو ما يغمى عليه ما يدري عنه، والبقية ما ربطوا أنفسهم، فصار البقية اللي ما ربطوا أنفسهم كل ما حصل يعني مدة طاح واحد، ميتًا، أما هذا فما أحس إلا والبعير ترد على الماء والرواد اللي عليها يُنَخُّون البعير ويعالجون هذا الرجل، وحي، أدركته أنا حَيًّا يُرْزَق، وهذه حيلة طيبة.
طالب: أحسن الله إليك، لو وجد لقطة، وشكّ هل تتبعها همة أوساط الناس أم لا، ماذا يفعل؟
الشيخ: فهنا تنازع أصلان؛ الأصل أنها لا تتبع، والأصل احترام مال المسلم، فنُغَلِّب الثاني؛ لأنه أقرب للورع.
طالب: الأمر الذي جعل الصدقة لآل البيت الواجبة لا تجوز، والنفل تجوز، ما الضابط؟
الشيخ: هذا الضابط.
الطالب: ما الذي جعل..
الشيخ: التطوع يجوز، والزكاة ما تجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عَلَّلَ للعباس عدم إعطائه أنها أوساخ الناس، والأوساخ هي الواجبة؛ لأنها كما قال عز وجل: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].
طالب: إذا وجد شيئًا لا تتبعه همة أوساط الناس ثم أتى رجل ثانٍ فقال له (... )؟
الشيخ: إي نعم، إذا ادَّعى أحد أنه له فيطالبه ببينة، لكن لا شك أن الورع أن يعطيه إياه.
طالب: شيخ بارك الله فيك، إذا وجد الإنسان لقطة وكانت (... )، ثم عَرَّفَها إلى سنة، بعد سنة ماذا يفعل بها؟
الشيخ: تكون له.
الطالب: حتى ولو كانت (... )؟
الشيخ: ولو كانت.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، ما الفرق بين إذا أخذ مالًا تتبعه همة أوساط الناس، وبين القاعدة التي تقول: إن كل مال لا يُعْرَف صاحبه يُتَصَدَّق عنه بنية وجوده.
الشيخ: بينهما فرق؛ المال المجهول لأنه بيدك واجب عليك أنت كدَيْن مثلًا، أو عين استعرتها من شخص ولم تعرفه، فأنت تعلم الآن أنه ملك لشخص معين، ولكنك جهلتَه، أما هذا أصل اللقطة صاحبها ما يُدْرَى مَن هو، هذاك أصله معلوم عندك، ولكن في ثاني الحال جهلته.
طالب: أحسن الله عليك يا شيخ، من ترك متاعًا رغبة عنه، فأخذه شخص وهو يعلم أن صاحبه لا يريده، ثم بعد ذلك أراد صاحبه استرجاعه، هل يرده؟
الشيخ: لا، ليس له ذلك.
سبق لنا أن اللقطة حيوان وغير حيوان، وأن غير الحيوان ينقسم؟
طالب: ثلاثة أقسام: ما لا تتبعه همم أوساط الناس، ما تتبعه أوساط الناس، وما تركه رغبة عنه.
الشيخ: هذه كم؟
الطالب: ثلاثة.
الشيخ: الأول؟
الطالب: ما تركه رغبة عنه.
الشيخ: والثاني؟
الطالب: ما لا تتبعه همم أوساط الناس
الشيخ: والثالث؟
الطالب: ما تتبعه..
الشيخ: ما تتبعه همة أوساط الناس، بمعنى؟ ويش معنى ما تتبعه همة أوساط الناس؟
طالب: لها نظرتين؛ الأول: غني..
الشيخ: لا، ما أقصد (أوساط)، ما معنى (تتبعه الهمة)؟
الطالب: أي: تتوق إليه وتبحث عنه.
الشيخ: تتعلق به النفس وتبحث عنه.
ما المراد بأوساط الناس؟
طالب: أوساط الناس من حيث الغنى والفقر.
الشيخ: فقط؟
الطالب: لا، ومن حيث الأخلاق.
الشيخ: أيش، الإخلاص؟
الطالب: الأخلاق، الْخُلُق يعني.
الشيخ: الخلق؟
الطالب: إي.
الشيخ: يعني؟
الطالب: يعني من الشح و..
الشيخ: والبخل.
الطالب: البخل هو الشح.
الشيخ: هيجرى أيش؟
الطالب: الكرم والبخل، يعني الوسط.
الشيخ: لا بأس، أفهمنا هذا؟
إذن أوساط الناس في الْخُلُق، وأوساط الناس في المال.
مثال ذلك؟
طالب: مثال ذلك؟
الشيخ: الذي لا تتبعه الهمة.
الطالب: الشيء الزهيد مثل الرغيف والسوط ونحوهما.
الشيخ: مثال الثالث؟
طالب: بعض الناس ترمي باقي الأشياء مثل ترك الكراسي المكسَّرة في الشوارع.
الشيخ: هذه من الذي تركه رغبة عنه، على كل حال يكفي.
الحيوان؟
طالب: الحيوان نصفان؛ ما يمتنع من صغار السباع وما لا يمتنع.
الشيخ: ما لا يمتنع ما حكمه؟
الطالب: هذا لقطة.
الشيخ: ما لا يمتنع؟
الطالب: ما لا يمتنع؟
الشيخ: نعم.
الطالب: أن يأخذه ويعرِّفه.
الشيخ: ما لا يمتنع؟ يعني الذي لا يمتنع أيش يعمل فيه؟
الطالب: هذا له أو لأخيه أو للذئب.
الشيخ: يعني بمعنى: يجوز أخذه، وإذا أخذه ماذا يصنع به؟
الطالب: يعرِّفه سنة.
الشيخ: نعم، فإن جاء صاحبه؟
الطالب: وإلا فشأنه فيه.
الشيخ: وما يمتنع؟
الطالب: لا يجوز أخذه.
الشيخ: لا يجوز أخذه، نعم، ما هو الدليل على تحريم أخذه؟
طالب: الدليل على تحريم أخذه قول الرسول صلى الله عليه وسلم لما سُئِل عن ضالة الإبل قال: «مَا لَكَ وَلَهَا، دَعْهَا فَإِنَّ مَعَهَا سِقَاءَهَا وَحِذَاءَهَا، تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا» (9).
الشيخ: أحسنت.
وما لا يمتنع قال الأخ: إنه لُقَطَة، يُعَرِّفها سنة، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل حديث (... ).
الشيخ: قال: «هِيَ لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئِبْ»، من أخوه؟
الطالب: أخوه صاحبها.
الشيخ: صاحبها، أو آخر يجدها، يعني أعم من كونه صاحبها، بارك الله فيك.
إذا كان هذا النوع من الحيوان، أعني به ما لا يمتنع، يحتاج إلى نفقة؟
طالب: ينفق عليه ويرجع على ربها.
الشيخ: ينفق عليه ويرجع على ربها.
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا كان يريد أن ينفق عليه ربما تستوعب النفقة أكثر من قيمته مرتين أو ثلاثة، فماذا يصنع؟
طالب: يتركها لغيره.
الشيخ: ما هو تاركها.
الطالب: ينفق عليه ويعود على ربها.
الشيخ: إذا كان ينفق أكثر؟
الطالب: ما أخذها لنفسه؟
الشيخ: إي نعم، لكن هذا ضرر على صاحبها، إذا وجدها صاحبها قال: والله أنفقت عليها عشرة آلاف، وهي ما تسوى مئتي ريال، أيش نعمل؟
طالب: يبيعها ويحفظ ثمنها لربها.
الشيخ: تمام، هنا على المصلحة أن يبيعها، ويحفظ الثمن لمن؟ لربها إذا وجده.
الذي لا يمتنع من صغار السباع، كالضأن والمعز وصغار الإبل وما أشبهها، هذه نقول: إنه يجوز التقاطها، وينفق عليها، ويرجع بها على ربها إن وجده، فإن خَشِيَ أن تزيد النفقة على قيمتها فإنه يضبط صفاتها، ثم يبيعها ويحفظ ثمنها لربها، فإذا جاء ووصفها وانطبقت الأوصاف على الموجود فإنه يعطيه الثمن.
ذكرنا فيما سبق على قول المؤلف أنه يحرُم التقاطها ما لم تكن أيش؟ في موضع الهلاك والتلف، كما لو كان حولها قُطَّاع طريق، أو ما أشبه ذلك، فهنا لا يحرُم عليه أخذها، بل له ذلك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وله التقاطُ غيرِ ذلك من حيوان وغيره إن أَمِنَ نفسه على ذلك، وإلا فهو غاصب).
قوله: (وله)، اللام هنا للإباحة، وهي في ضد المنع؛ لأنه لما قال: (حرُم أخذه) قال: (وله)، فهي في مقابل المنع، أي: لا يحرُم عليه التقاط غير ذلك.
لكن هل الأفضل أن يلتقطه، أو الأفضل ألَّا يلتقطه؟ أو نقول: يحرُم عليه أن يلتقطه؟
يقول المؤلف: يحرُم عليه إذا لم يأمن نفسه على ذلك، إن كان لا يأمن نفسه أنه لو أخذه أنفقه إن كانت دراهم، أو ذبحه إن كانت شاة، فإنه يحرُم عليه أخذه، ويكون حكمه حكم الغاصب.
أما إذا كان يعرف من نفسه أنه قادر على إنشاد الضالة، فهنا نقول: فيه تفصيل؛ إن كان له قوة وقدرة على التعريف فالأفضل أخذها، وإن كان يخشى ألَّا يقدر، أو أن يشق عليه فالأفضل تركُها.
وعلى هذا فقوله: (له) اللام للإباحة التي في مقابل المنع، وإلا فإنه قد يكون الأفضل تركها، وقد يكون الأفضل أخذها.
(وله التقاط غير ذلك من حيوان وغيره إن أمن نفسه على ذلك، وإلا) أي: وإلّا يأمن نفسه على ذلك (فهو كغاصب).
وظاهر كلام المؤلف -رحمه الله- أنه لا فرق بين لقطة مكة وغيرها؛ لأنه لم يُفَصِّل، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أن لقطة مكة لا تحلُّ إلا لمنشِدٍ، إلا لمن يريد أن يعرِّفها مدى الدهر، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ» (10)، وهذا من خصائص الحرَم.
والحكمة في ذلك أنه إذا علم الإنسان أنه لا يحل له التقاط لقطة الحرَم إلا إذا كان مستعدًّا لإنشادها دائمًا فإنه سوف يدعها، وإذا كان هذا يدعها والآخر يدعها ومَن بعده يدعها، بقيت في مكانها حتى يجدها ربها، وهذا -أعني القول بأن لقطة مكة ليست كغيرها- هو القول الراجح، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل الحديث.
لكن إذا خاف الإنسان أن يأخذها مَن لا يُعَرِّفها فهنا نقول: إما أن يجب أخذها، وإما أن يُبَاح، وماذا يصنع بها؟ نقول: يعرِّفها دائمًا وأبدًا، فإن شقَّ عليه ذلك فالأمر -والحمد لله- واسع، فيه محاكم شرعية تتلقى مثل هذا، فليأخذها وليدفعها للحاكم، وهو إذا أخذها ودفعها للحاكم -يعني للقاضي- برئت بذلك ذمته.
ثم قال المؤلف: (ويعرِّف الجميع)، (الجميع) يعني جميع ما يجوز التقاطه، (يعرِّف الجميع في مجامع الناس غير المساجد حولًا).
(مجامع الناس غير المساجد) مثل؟
طالب: الأسواق.
الشيخ: أسواق البيع والشراء، بل وما كان خارج باب المسجد عند خروج الناس من الصلاة، لا سيما صلاة الجمعة مثلًا، فيعرِّف الجميع.
وكيفية التعريف أن يقول: مَن ضاع له المال؟ ولا يعيِّن؛ لأنه لو يعيِّن ويقول: مَن ضاع له كذا وكذا، ويفصِّل، لكان ذلك سبيلًا إلى أن يدعيه أي واحد، ولكن يعمم.
وهل يجب عليه أن يذكر النوع عند الإنشاد، يعني مثلًا يقول: من ضاعت له الدراهم، بدل أن يقول: من ضاع له مال؟
الظاهر أنه يجب عليه؛ لماذا؟ لأنه إذا قال: مَن ضاع له المال؟ فقد يتصوره الإنسان غير الذي ضاع له، لكن إذا قال: من ضاعت له الدراهم؟ صار هذا أقرب لفهم المقصود، واضح؟
وكذلك يقال: لو أنه وجد حُلِيًّا، لو قال: من ضاع له الذهب؟ ماذا يظن الناس؟ يظنون أول ما يقع في قلوبهم أنه الدنانير، لكن إذا قال: من ضاع له الحُلي؟ صار هذا أقرب إلى فهم المخاطب، فيذكر أقرب ما يكون من إدراك الناس له، لكن لا يذكر كل الأوصاف حتى لا يدعيه مَن ليس له.
فمثلًا إذا وجد دراهم قال: مَن ضاعت له الدراهم، يجوز أو لا يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأنه إذا قال أحد: أنا، سيقول له: كم عددها؟ ما نوعها؟ هل هي من فئة خمسة، من فئة ريال، من فئة عشرة، من فئة خمسين، من فئة مئة، من فئة خمس مئة؟ هل هي دراهم سعودية؟ هل هي دراهم بلد آخر؟ ثم العدد، ثم الكيس إذا كانت في كيس، كل هذا يحددها، إنما يذكر أقرب وصف يمكن للمخاطب أن يعرفها بدون أن يفصِّل؛ لئلا يدعيها من ليست له.
وقوله: (غير المساجد) المساجد لا يجوز إنشاد الضالة فيها، بل قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم مَن سمع الذي ينشُد الضالة في المسجد فليقل: «لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا» (11)، ولو فُتح المجال للناس أن ينشدوا الضوالّ في المسجد لامتلأت المساجد من أصوات الناشدين، وألهوا الناس عن ذكر الله وعن الصلاة، فصار الدليل في هذا أثريًّا وأيش؟
طلبة: ونظريًّا.
الشيخ: ونظريًّا.
وقوله: (غير المساجد) يعم كل ما كان مسجدًا، وأما المصليات فلا تدخل في هذا، كما لو نشد الضالة في مصلى في دائرة من الدوائر فلا حرج عليه؛ لأن هذا المصلى ليس مسجدًا؛ ولهذا لا يصح فيه الاعتكاف، وليس له تحية مسجد، ولا يحرم على الجنب المكث فيه، ولا على الحائض، فهو بمنزلة مصلى الإنسان في بيته.
وقوله: (حولًا) يعني: عامًا كاملًا، واعلم أنه إذا أطلق العلماء -رحمهم الله- الحول أو العام أو السنة فمرادهم بالهلال، السنة الهلالية؛ لأن السنة الهلالية هي السنة الحقيقية التي وَقَّتَها الله لعباده، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة: 36].
ويَمْلِكُه بعدَه حُكْمًا، لكن لا يَتَصَرَّفُ فيها قبلَ مَعرِفَةِ صِفاتِها، فمَتَى جاءَ طالبُها فوَصَفَها لَزِمَ دَفْعُها إليه، والسفيهُ والصبِيُّ يُعَرِّفُ لُقَطَتَهما وَلِيُّهما، ومَن تَرَكَ حيوانًا بفَلاةٍ لانقطاعِه أو عَجْزِ ربِّه عنه مَلَكَه آخِذُه، ومَن أُخِذَ نَعْلُه أو نحوُه ووَجَدَ مَوْضِعَه غيرَه فلُقَطَةٌ.
(باب اللقيط)
وهو طِفْلٌ لا يُعْرَفُ نَسَبُه ولا رِقُّه نُبِذَ أو ضَلَّ، وأَخْذُه فَرْضُ كِفايةٍ، وهو حُرٌّ وما وُجِدَ معَه أو تَحْتَه ظاهرًا أو مَدفونًا, طَرِيًّا أو مُتَّصِلًا به كحيوانٍ وغيرِه, أو قَريبًا منه فله، ويُنْفَقُ عليه منه, وإلا فمِن بيتِ المالِ، وهو مُسلمٌ، وحَضانتُه لوَاجِدِه الأمينِ, ويُنْفِقُ عليه بغيرِ إذْنِ الحاكمِ، ومِيراثُه ودِيَتُه لبيتِ المالِ، ووَلِيُّه في العَمْدِ الإمامُ يَتَخَيَّرُ بينَ الْقِصَاصِ والدِّيَةِ،
فلا تدخل في هذا، كما لو نشد الضالة في مُصلًّى في دائرة من الدوائر، فلا حرج عليه؛ لأن هذا المصلى ليس مسجدًا؛ ولهذا لا يصح فيه الاعتكاف، وليس له تحية مسجد، ولا يحرم على الجُنُب المكث فيه، ولا على الحائض؛ فهو بمنزلة مُصلَّى الإنسان في بيته.
وقوله: (حولًا) يعني عامًا كاملًا.
واعلم أنه إذا أطلق العلماء -رحمهم الله- الحول أو العام أو السنة فمرادهم بالهلالي؛ السنة الهلالية؛ لأن السنة الهلالية هي السنة الحقيقية التي وقتها الله لعباده.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: 36]، وهذه التواريخ التي بُنيت على أشهر هي في الحقيقة أوهام غير منضبطة بشيء معين، ولهذا تيجي بعضها يصل إلى واحد وثلاثين يومًا والثاني ثماني وعشرين يومًا مثلًا.
هذه ليست مبنية على أصل، لكن الأشهر الهلالية مبنية على أصل، أصل جعله الله تعالى للناس ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، وقال تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]، فكلما رأيت في كلام أهل العلم حولًا أو سنة أو عامًا فالمراد بالهلال.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنها تُعرَّف حولًا؟
قلنا: ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، أنه قال في اللقطة: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً» (1). فبين الرسول عليه الصلاة والسلام أن تُعرَّف سنة.
إذا وجدها -اللقطة- في مكان بين قريتين، هل يُعرِّفها في واحدة منهما أو فيهما كلتيهما؟ يُنظر، إذا كانت هذه السلعة مثلًا معروفة في البلد الشرقي، وليست معروفة في البلد الغربي، ففي أيهما يُعرِّف؟
طلبة: الشرقي.
الشيخ: الشرقي ولَّا الغربي؟
طلبة: الغربي.
الشيخ: نعم؟
طلبة: المعروفة فيهما.
الشيخ: أنتم فاهمين جيدًا؟
طلبة: نعم، في الغربي.
طالب: الشرقي.
الشيخ: هذه معروفة كثيرًا في الشرقي غير معروفة في الغربي، هل جرت العادة أن الناس يجلبون السلع على المكان الذي تتوفر فيه أو على المكان التي تقِل فيه؟
طلبة: على المكان الذي تقل فيه.
الشيخ: متأكدون؟ طيب إذن نقول: هذه السلعة اشتراها مَنْ في البلد الغربي مِن البلد الشرقي وعلى هذا نُعرِّفها.
طالب: في الغربي.
الشيخ: في الغربي، بارك الله فيكم، واضح.
إذا كانت السلعة موجودة في القريتين جميعًا على حد سواء، فهل ننظر للأقرب أو للأبعد؟ إن تساويا فنقول: عرِّف فيهما جميعًا في هذه وهذه؛ لأن احتمال أنه من هذه وارد واحتمال أنه من هذه وارد، والقرعة هنا لا تتأتى، عرِّفها في هذه وهذه؛ فإن كانت إلى إحداهما أقرب، فالظاهر أنه يلزمه أن يُعرِّفها في الأقرب ولا يلزمه في البُعدى؛ لأن القرب في المكان له حكم ما قرب منه؛ ولهذا لما حضرت الوفاة من كان قتل مئة نفس، وسأل عالمًا من العلماء هل له توبة؟ قال: نعم لك توبة، من يحول بينك وبين التوبة؟ وكان قد سأل عابدًا من قبل وقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا، وسأل العابد: هل له من توبة؟ قال: لا، تسعة وتسعون نفسًا وتبغي تتوب إلى الله؟ ما لك توبة.
قال: إذن أكمل بك المئة، فقتله، ثم سأل عالمًا فقال له: لك توبة، من يحول بينك وبين التوبة؟ ولكنه أرشده إلى بلد آخر، ليس بلد ظلم، وسافر مهاجرًا إلى الله، ونزل به الموت في أثناء الطريق، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، حِكمة من الله عز وجل؛ وإلا الله يعلم عز وجل.
تخاصما الملائكة، هؤلاء وهؤلاء؛ ملائكة الرحمة تقول: نقبض روحه؛ لأنه تاب، وخرج، وغادر بلده، وملائكة العذاب تقول: لا، نقبض روحه؛ لأنه لم يصل إلى بلد التوبة، فأرسل الله ملَكًا يفصل بينهما، وقال: قيسوا فإلى أيها أقرب كان من أهلها، فقاسوا، فوجدوه إلى القرية التي هاجر إليها أقرب بقليل جدًّا، حتى قال بعض العلماء: إنه لما حضره الموت جعل يندفع وهو في سياق الموت إلى البلد التي قد كان قصدها، فصار أقرب إليها بشبر، فتولت روحه ملائكة الرحمة (2).
ربما يُؤخذ من هذا أن البلد الأقرب يُعطى الحكم، ويُمنع البلد الأبعد.
قال المؤلف رحمه الله: (ويملكه بعده حكمًا) (يملكه) مَنِ الفاعل؟
طالب: اللاقط.
الشيخ: الواجد، (بعده) أي: بعد الحول، (حُكْمًا) أي قهرًا، بدون أن يختار (يملكه بعده) أي: بعد تمام الحول حُكمًا؛ كما يملك الوارِث مال مُورِّثه؛ أي: بدون اختيار يملكه حكمًا.
طيب، لو تلف هذا الموجود بعد الحول أو قبل الحول، هل يختلف الحكم؟ يختلف الحكم.
إن تلف قبل الحول بتعدٍّ منه فعليه الضمان، وبغير تعدٍّ، لا ضمان عليه، وإن تلف بعد الحول فعليه الضمان مطلقًا سواء تعدى أم لم يتعدَّ، أفهمتم؟
أقول: إذا تلف قبل الحول بتعدٍّ منه؛ يعني هو الذي أتلفه فعليه الضمان، وإن لم يكن متعديًا فلا ضمان عليه، لماذا؟ لأنه إذا كان متعديًا فهو كغيره من المعتدين يضمن، وإذا كان غير متعدٍّ فهو أمين؛ لأن اللُّقطة الآن بيده على أنها لمن؟ لصاحبها إذا وجدها، فيده يد أمانة، فإذا تلف المال بيده بلا تعدٍّ فلا ضمان عليه؛ واضح هذا ولَّا غير واضح؟
الطلبة: واضح.
الشيخ: إذا تلفت بعد الحول فعليه الضمان سواء تعدى أم لم يتعدَّ، لماذا؟ لأنها دخلت في ملكه الآن، وصارت في ضمانه؛ لأن الشيء الذي في ملكك هو في ضمانك، فإذا دخلت في ملكه وصارت في ضمانه فإن عليه ضمانها بكل حال إذا وُجِد صاحبها.
وقيل: لا يضمنها إذا لم يتعدَّ أو لو لم يفرط، فيكون الحكم واحدًا، وهذا هو الأقرب؛ لأن الرجل دخلت في ملكه قهرًا عليه بغير اختياره فهي في الحقيقة كأنها ما زالت في ملك صاحبها، إذا كان لا يريدها، هو يقول: أنا لا أريد أن تدخل ملكي وأبرأ إلى الله منها، ونقول: لا بد هي في ملكك، وبضمانك في شيء من الصعوبة.
فالقول الراجح في هذه المسألة أنه لا ضمان عليه إذا لم يتعدَّ أو يُفرِّط.
قال: (لكن لا يتصرف فيها قبل معرفة صفاتها) (لا يتصرف فيها) أي: لا يتصرف واجدها (فيها) أي في الموجود؛ اللُّقطة.
(قبل معرفة صفاتها) لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا» (1). العِفاص: الوعاء، والوكاء: الحبل الذي تُربط به، ويشد عليها.
فلا بد أن يعرف ذلك، وينبغي أن يُشهِد على صفاتها، لكن يُشهد من يثق به، لا أي واحد؛ لأنه إذا أشهد سلِم من صاحبها لو ادَّعى أنها على وجه أكمل.
وهذا مِن -أعني: الإشهاد- وسائل الضبط.
يُذكر أن لصوصًا أرادوا أن يسرقوا شخصًا بالحيلة، فقال أحدهما للآخر: هذا الرجل غني يمشي أمامنا، تقدَّم عليه أنت وارمِ المحفظة؛ محفظة الدراهم، واجعل فيها مثلًا عشرة ريالات أو عشرين ريالًا؛ شيئًا يسيرًا، وسوف يقول لك هذا الغني: خُذ المحفظة؛ يعني من باب الإحسان إليه يأخذ محفظته ويقول: يا فلان، تعالَ، سقطت منك هذه المحفظة، وادَّعي أن الدراهم التي فيها أكثر من الحقيقة، وأنا وراءك، فإذا قال: من يشهد لك؟ أقول: أنا أشهد، فاهمين الصورة الآن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: رمى المحفظة فقال له الرجل من باب الإحسان، أخذها، ويا فلان، خُذ، شكر له، جزاك الله خيرًا، وهذه هي الأمانة، وإلا لو شئت لأخذتها ولا علمت بها، لكن جزاك الله خيرًا، ففكها كذا قال: الدراهم فيها عشرة واللي فيها مئة، قال: أنا أخذتها وأعطيتك إياها مباشرة.
قال: لا، لا بد لكنك أخفيتها، قال له: من يشهد لك؟ قال: هذا، صاحبي، والآن ورائي ويبين حقي، هذا صاحبي يشهد، وشهد، قال: نعم إن فيها مئة، زاد كم؟ تسعين، تشاجروا فيما بينهم، قالوا: إلى الحاكم، ذهبوا إلى الحاكم، لما ذهبوا إلى الحاكم ادعى صاحب المحفظة أن فيها مئة ريال، وأنه بعد أن أعطاه إياها هذا الرجل لم يجد إلا عشرة، قال: عندك شهود؟ قال: عندي ها الرجَّال، قال: تشهد؟ قال: نعم، أشهد، قال: تحلف أنت؟ قال: أحلف، الثاني المدَّعى عليه أقسم إقسامًا كبيرًا بأنه ما أخذ شيئًا، وأنها سقطت محفظته وأخذتها وأعطيته إياها مباشرة، فلما رأى كأن القاضي فهم، فلما رأى هذا حلف أيمانًا مغلظة أنه ما أخذ منها شيئًا، قال لهم: إذن المحفظة الآن ما هي محفظتكم، هذه ما محفظتك، هذه المحفظة لواحد ثاني سقطت منه ما فيها إلا عشرة، خليها عندي، فقطع عليهما الحيلة.
فيقال: إنهما الآن تورطا؛ تبغي تروح المحفظة والدراهم اللي فيها، ولا حصل شيء، كما يقول العوام: طيحات وشفاعات (... ) إي نعم.
أقول: لا بد من معرفة الصفات، والأحسن أن يُشهد عليها، لكن من؟
طالب: من يثق به.
الشيخ: من يثق به.
طالب: ما الفرق بين التعريف في المسجد وبين النشدان في المسجد؟
الشيخ: ويش؟
الطالب: نشدان الضالة في المسجد وتعريفها في المسجد؟
الشيخ: نعم، أما إنشادها فأن يقول: من رب الجمل الفلاني أو اللقطة الفلانية، هذا حرام، وأما أن يقول: من ضاعت له هذه، فالفقهاء قالوا: إن هذا مكروه؛ لأن بينهما فرقًا عظيمًا؛ الثاني: محسِن يقول: من ضاع له هذا، لكن نحن نقول: ما دام الحديث: «إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ الضَّالَّةَ فَقُولُوا: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» (3). فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يكون المسجد محلًّا لهذه الأمور، فأنت اكتب إعلانًا عند الباب، وإلا أنت قل عند الباب: من ضاعت له الشيء الفلاني.
بعض الناس الآن صاروا يتخذون طريقًا طيبًا يُعلقونها، يكون فيه مثلًا مكان تُعلَّق فيه الأشياء الضائعة، لكن أكثر ما أشوف في المساجد المفاتيح؛ اللي ما تنفع صاحبها، وما رأيت قط شيئًا معلقًا فيه دراهم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- لو التقط ماشية مثلًا شاة أو بقرة صغيرة، لكنها موسومة عليها وسم.
الشيخ: إي نعم، ما تقولون في هذا؟ إذا التقط شاةً موسومة بوسم معروف صاحبه، هذه المسألة الذي يعلم صاحبها، ولكن المشكلة الآن أن الوسم قد يكون للقبيلة كلها، والقبيلة متفرقة فيُجعل الْحُكم كغيره، تُلحق بغيرها بأن ينشد عنها.
طالب: أحسن الله إليك، من عرَّف اللقطة حولًا تامًّا، وبقت اللقطة في ملكه قهرًا لو جاء بعد ذلك صاحب اللقطة، هل عليه أن يعود إلى صاحب اللقطة؟
الشيخ: إي، يعني ترجع إلى صاحبها.
الطالب: (... ).
الشيخ: هذا ملك مشروط؛ لأن الحديث: «إِنْ جَاءَ رَبُّهَا» عام، «وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» (1).
لكن الفرق، شوف لاحظ الفرق، أنه قبل الحول لا يمكن أن يتصرف فيها إلا عند الضرورة كما ذكرنا لكم فيما إذا وجد حيوانًا، وكان الإنفاق عليه كثيرًا فلا يتصرف، لكن بعد الحوْل له أن يتصرف فيها ببيع وشراء وهِبة وغير ذلك، هذا هو الفرْق، واضح الفرق ولَّا غير واضح؟ واضح.