الشيخ: يقول العلماء: أو الإمام؛ المذهب: أو الإمام؛ يستثنون ثلاث مسائل: الإمام، والثاني: الصغير، والثالث: مَن قدَّم صاحبًا له فجلس في موضع يحفظه له؛ ثلاث مسائل؛ الإمام اشترطنا أيضًا الصغير ومَنْ قدَّم صاحبًا له.
طالب: فيه قول ثان.
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) أقيمت الصلاة.
الشيخ: لا، هذا رفع المصلَّى، طيب القول الثاني؟
الطالب: القول الثاني يستثنى مسألة واحدة.
الشيخ: وهي؟
الطالب: إن قدَّم صاحبًا له يحفظ مكانه، وهو الذي مشي عليه المؤلف.
الشيخ: وأما الصغير؟
الطالب: وأما الصغير فلا يستثنى.
الشيخ: فلا يجوز إقامته وهو الصحيح.
طالب: بالنسبة لصلاة الجمعة؛ الساعات القول الراجح في البداية (... ) الفجر (... ) طلوع الشمس؟
الشيخ: القول الراجح في الساعات أنها من طلوع الشمس، هذا الراجح؛ لأن ما قبل طلوع الشمس وقت للفجر.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- التأمين على دعاء الخطيب يجوز؟
الشيخ: يجوز، لكن قال العلماء: ينبغي أن يكون سرًّا لئلا يُشْغَل عن استماع الخطبة.
طالب: بين الخطبتين يا شيخ، يشرع أو يجوز للإنسان أن يرفع يديه ويدعو؟
الشيخ: نعم، لأن هذا وقت دعاء، بين الخطبتين وقت دعاء، وإن كنت لا أعلم في هذا سلفًا لكن الأصل أن الدعاء ترفع فيه اليدان.
طالب: لو يعاد السؤال يا شيخ؟
الشيخ: السؤال يقول: هل يُشْرَع للإنسان أن يدعو بين الخطبتين رافعًا يديه؟
نقول: نعم يشرع أن يدعو بين الخطبتين ورفع اليدين في الدعاء هو الأصل، ولكني لا أعلمه سلفًا عن الصحابة أنهم كانوا يفعلون ذلك، ولكن لو فعله الإنسان لا يُنْكَر عليه لأنه هو الأصل.
طالب: هل يُشْرَع للإمام إذا دخل أن يجلس طويلًا (... ) المأمومون؟
الشيخ: إذا دخل المسجد يسلم على المأمومين ويجلس إلى فراغ الأذان ثم يقوم فيصلي.
الطالب: بعد فراغ الأذان؟
الشيخ: لا، ما ينبغي، يطيل الجلوس بقدر ما يدعو الدعاء المعروف المشهور.
طالب: رفع اليدين بين الخطبتين إن استمر عليها ألا يصل الأمر إنه يكون بدعة؟
الشيخ: ما نستطيع أن نقول: إنه من البدع؛ لأن لدينا أصلًا وهو أن هذه الساعة ترجى فيها الإجابة، (14) هذا متفق عليه، والأصل في الدعاء استحباب رفع اليدين، وكونه لم ينقل لا يدل على عدم الوجوب، صحيح أنه يوجب شكا، ولكن ما دام الأصل ثابتًا فإنه لا يشترط أن نعلم بأن السلف عملوا به؛ لأننا لو قلنا: كل نص يأتي في ثبوت حكم شرعي لا بد أن نعلم أن السلف عملوا به لضاع كثير من الأحكام.
كل الأحكام ليس دليلنا فيها إلا القول.
طالب: التزام شيء لم يلتزمه الشرع.
الشيخ: من يقول نلتزم؟ هل مثلًا ورد أن الصحابة لا يرفعون أيديهم؟
الطالب: في هذا الموضع.
الشيخ: هل ورد؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي.
طالب: أقول -يا شيخ- الراجح مَنْ كان خارج البلد تجب عليه بمقدار ماذا؟
الشيخ: الذي يظهر لي أن هذا يقيد في سماع الأذان إذا كان خارج البلد بسماع الأذان، والمراد الأذان المعتاد دون أصوات المكبرات؛ لأن أصوات المكبرات تبلغ مدى بعيدًا.
الطالب: (... ) متى كان يصل في الوقت المحدد (... ).
الشيخ: لا، ما هو بصحيح (... ) المشقة.
طالب: دليل صحة إقامة الجمعة خارج البنيان.
الشيخ: دليل ذلك؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هو أنه لم يرد اشتراط أن تكون في البلد، فالدليل عدم الدليل، وما كان خارج البنيان ينسب للبلد؛ ولهذا تقام فيه صلاة العيد.
طالب: إذا رد شخص السلام أو عطس شخص آخر؛ يعني: هل يرد عليه الثاني.. ؟
الشيخ: يعني: إذا عطس شخص فحمد الله؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فإنه لا يُشَمَّت، ولو سلَّم فإنه لا يرد عليه السلام.
الطالب: رد السلام واجب يا شيخ.
الشيخ: والاستماع واجب، أليس النهي عن المنكر واجبًا.
الطالب: بلى.
الشيخ: وإذا قلت لصاحبك: أنصت فقد لغوت، وهو نهي عن منكر، ولذلك ينبغي أنك إذا فرغ الإمام من الخطبة تنصح صاحبك، تقول له: يا أخي، ترى الإنسان ما يسلم والإمام يخطب، حتى لا يظن أنك متكبر.
طالب: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند ذكره؟
الشيخ: لا بأس بها، لا بأس أن يصلي المستمع للخطبة على النبي صلى الله عليه وسلم حين يسمعه من الخطيب، لكن قال العلماء: سرًّا لئلا يشغل غيره.
طالب: رفع اليدين وقت الجمعة والخطيب يخطب ويدعو.. ؟
الشيخ: يقول العلماء: إنه بدعة؛ رفع اليدين في الدعاء في الخطبة لا للخطيب ولا لمستمعه إلا في حالين: في الاستسقاء وفي الاستصحاء؛ الاستسقاء يعني: طلب السقيا، والاستصحاء طلب رفع المطر.
طالب: يا شيخ: ما رأيكم بقوم يصلون قبل خطبة الإمام؛ عندما يُسَلِّم الإمام فيقومون يصلون ركعتين، فما رأيك في هاتين الركعتين؟
الشيخ: رأيي أن هذا منكر؛ لأن هذا ليس لها سبب، والأذان الذي قال فيه الرسول: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ» (15) ما عدا الجمعة؛ لأنه ثبت أن الصحابة لا يفعلون شيئًا إذا دخل الخطيب إلا مَن دخل المسجد فيصلي ركعتين.
طالب: ما رأيكم يا شيخ في التأمين الجماعي؟
الشيخ: على؟
الطالب: على الدعاء في الخطبة الثانية؟
الشيخ: والله رأينا أنه لا ينبغي؛ لأن هذا لا شك أنه للبدعة أقرب، كل يُؤَمِّنُ على نفسه وأيضًا بلا رفع صوت مثلما قال العلماء حتى لا يشوش.
الطالب: بالنسبة لتعدد الجُمَع لاختلاف اللغات؟
الشيخ: ما هو مسوغ؛ لأنه من الممكن نجمعهم في مكان واحد ونخطب بحسب لغاتهم إذا كانوا كثرة، أما مثلًا عشرة من ألف هذا لا عبرة بهم، لكن إذا كان مثلًا نصف نصف؛ هذا لا بد أننا نخطب خطبة تفيد الجميع.
طالب: ما رأيكم في جماعة صلَّوا بدون الخطبة؛ يعني: تأخر الإمام وصلوا ركعتين بدون خطبة؟
الشيخ: ما رأيك فيمن ضحى بشاة ليس لها رقبة؟ !
الطالب: (... ).
الشيخ: قطعت رقبتها، هذه لا تجزئ، لا بد أن يعيدوها ظهرًا، الآن قل لهم: جزاكم الله خيرًا، إذا وافقتهم قل لهم: لا بد أن يعيدوها ظهرًا؛ لأن صلاتهم الجمعة هذه على خلاف ما أمر الله به ورسوله فتكون مردودة؛ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (16).
طالب: إذا قدمتُ صاحبًا لي في الصف الأول يوم الجمعة فأتيت إليه فرفض القيام مثلًا؟
الشيخ: (... ) إياه، دور على مكان ثان، ولعله أحق به منك.
طالب: (... ).
الشيخ: أنا في نفسي شيء فيمن قدم صاحبًا له فجلس في موضع يحفظه له، في نفسي من جوازه شيء لأنه حقيقة مثل المصلى، ثم إنه يُعَوِّد الناس على التزهيد في الخير، يجيء يتقدم الإنسان لمكان فاضل علشان صاحبه؟ !
طالب: من قام من مكانه لعارض، هل يجب عليه أن يضع شيئًا؟
الشيخ: والله إذا وضع شيئًا فهو أسلم؛ لأنه في عرفنا الآن أن مَن قام لعارض لا بد أن يضع شيئًا؛ لأنه لو لم يضع شيئًا ثم جاء شخص وتقدم لهذا المكان ثم رجع الأول صار بينهما شجار.
الطالب: ظاهر الحديث -يا شيخ- ما يجب؛ ظاهر الحديث يا شيخ «مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِ قَرِيبًا».
الشيخ: «فَهُوَ أَحَقُّ» (17) صحيح هو أحق، لكن بناء على عُرْفِنا الآن أن مَنْ قام فإنه يضع شيئًا لئلا يقع النزاع؛ لأن أي عاميٍّ مثلًا يجد مكانه يجلس فيه، ثم يجيء صاحبه يقول: أنا رحت لعارض لأتوضأ وأرجع، (... ) حطيت شيئًا أو ربما لا يصدقه، ثم يقول: اثبت أن هذا المكان لك، ثم يستشهد اللي حوله يقولون: والله إحنا غافلين ما ندري هو أنت ولَّا غيرك، ثم تصل المسألة إلى المحكمة، مشكلة هذه.
طالب: في بعض الجُمُعات في الدول الإسلامية يخطب الخطبة الأولى في منبر وخطبة الثاني في منبر آخر؟
الشيخ: عجيب والله!
الطالب: هذا رأيته بعيني.
الشيخ: هنا عندنا؟
الطالب: لا بره.
الشيخ: إي، والله ما نعرف، هذا غريب، يعني: معناه عندهم منبران؟
الطالب: في نفس المسجد، الخطبة الأولى في منبر..
الشيخ: منبران يعني؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، هذا أيضًا من الخطأ؛ لأن المشروع في المسجد منبر واحد.
طالب: مسألة طلب الإيثار (... )؟
الشيخ: ويش معنى تطلب الإيثار؟
الطالب: يعني: لو مثلًا وجدت إنسانًا في الصف الأول أطلب منه أن يتأخر وأجلس؟
الشيخ: لا، هذه من المسألة المذمومة.
الطالب: يا شيخ، بعضهم استدل بفعل عمر مع عائشة (18).
الشيخ: ماذا؟
الطالب: الجوار..
الشيخ: لا، فَرْق بين هذا وهذا، مسألة الدُّنُوِّ من الرسول صلى الله عليه وسلم في القبر ما هو بمثل الإيثار بالمكان الفاضل في المسجد، والنبي يقول: «لَوْ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» (19).
الطالب: (... )..
الشيخ: ثم إن عائشة رضي الله عنها كانت تعلم أن الرسول دائمًا يقول: «خَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَرَجَعْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» (20)، تعرف أنهما مصطحبان دائمًا مع الرسول عليه الصلاة والسلام.
الطالب: قصدي لو كان بعلة التحريم، هل هو اللي يرجع للعرف (... ) في بعض العرب ليس (... )؟
الشيخ: هو أذية، لا تفكر أن أحدًا يسمح أن غيره يُنَجِّر كَتِبه يقول: وخر (... )، كلنا يتأذى، لكن بعض الناس يجامل، نعم لو أنه استأذن مثلًا قال: جزاك الله خيرًا، افسحوا وُدِّي أتقدم للفرجة وفي هدوء، هذا ربما نقول إن شاء الله: لا بأس به.
طالب: بعض الخطباء يدخل في الخطبة الأحوال وأحوال الدول، وهذا مناف لمقتضى الخطبة، ما تقولون؟
الشيخ: يعني: يبحث في الأمور الخارجية؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والله إذا كان فيها مصلحة للمسلمين لا بأس، أما إذا لم يكن فيها مصلحة فلا أرى أنه يُدخِل فيها شيئًا؛ لأن بعض الناس في الخطب يتكلم بخُطَبٍ حماسية لا تفيد شيئًا، إنما تفيد بلبلة أفكار الشباب والنزاع فيما بينهم وليش كذا وليش كذا؟ نعم، ولنضرب مثلًا في مسألة مؤتمر الكلام الذي يعقد في هذه الأيام في مدريد، المؤتمر بدأ الناس يخوضون فيه؛ تكلم فيه الناس، وتكلموا حتى بأشخاص بأسمائهم في القدح فيه.
أنا ما أرى هذا أن يكون مثارًا للنزاع، أولًا لأنه من يقول: إن العرب صادقون في محاربة اليهود؟ من يقول هذا؟ !
طلبة: لا أحد.
الشيخ: لا أحد يقول هذا، معروف أن المسألة كلها لعبة واستهلاك محلي، ولا صدقوا الله في محاربة اليهود، ولو صدقوا الله لحاربوا أنفسهم قبل أن يحاربوا اليهود، فيه أناس يحتاجون إلى تعديل من الأصل من القمة، فهل هم صادقون؟ أبدًا، ولا أنا أعتقد أن الحرب مع اليهود بالقومية العربية أنها جهاد إسلامي، أبدًا، ليست جهادًا إسلاميًّا، بل هي قتال عصبية.
فإذن المسألة مسألة أننا نحن مسالمون لهم من الأصل، وهم الذين يحاربوننا وهم الذي يكسرون عظام الفلسطينيين وهم الذين يشقون بطون الحوامل، والسِّلم أن نسلم من شرهم، لكن أخطر شيء في هذا هو أنه لو حصل تبادل – كما يقولون تبادل دبلوماسي وثقافي واقتصادي – هذا هو الخطر، حينئذ يَكْمُن الخطر، ويُنْظَر لمدى عقل أو عقول هؤلاء العرب، هل سيمكنون من هذا أو لا يمكنون؟ هذا هو الخطر، أما مسألة أن توضع الحرب فأنا أرى أن الحرب من الأصل موضوعة وأن العرب ليسوا صادقين في محاربة اليهود، وإنما هو استهلاك محلي، والذي يريد الحرب ليس يسعى هكذا، ثم المحاربة بالقومية العربية محاربة جهل، ما هي محاربة دين ولا محاربة إسلام، فالكلام في هذا الأمر في الحقيقة أنا عندي من الأصل فيه نظر، ويش اللي كان حتى نخوض في هذا الأمر؟
طلبة: (... ).
الشيخ: أنا عارف السؤال جزاكم الله خيرًا، أو هذا أسلوب حكيم؛ أقول: ما صار شيء، جميع الحروب اللي صارت بين العرب واليهود كلها لمن؟ لليهود، الانتصار فيها لليهود، هذا هو الواقع؛ لذلك أنا أقول: إن كوننا نثير هذه المسألة ونحتك في أفكارنا فيها بين الشباب والكهول والشيوخ فيها نظر، ثم الآن لو أن السعودية عارضت أكبر معارضة، وعلماء السعودية عارضوا أكبر معارضة في هذا السلام، وقال الفلسطينيون: لا، نحن نريد السلام، هل ينفع هذا؟
طلبة: ما ينفع.
الشيخ: ما ينفع، ولهذا ألقيت هذه المسألة في مجلس كبير من مجالس السعودية، وقيل: إنه مهما عملنا ما نفيد؛ لأن المعنِيَّ بهذا هم الفلسطينيون، وإذا قالوا: نريد السلم..
طالب: فشل كل شيء.
الشيخ: ويش عليكم منا؟ أنتم جالسون على كراسٍ دوارة، وعلى كنبات الواحد يغوص فيها إلى بطنه ولا عندكم شيء، أما نحن شبابنا ونساؤنا تتكسر أيديهم وتبقر بطونهم نحن بس اللي في الكون، ما أحد يقدر يقول: لا، ما أحد يقدر، لكن الاندفاع والحماس -والحمد لله أنه يوجد هذا في شبابنا- قد يؤدي بالإنسان إلى عدم بعد النظر.
ولا أعتقد أن هناك معركة حقيقية تكون بين اليهود والمسلمين ويضمن فيها النصر إلا ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام؛ أن يُقاتِل المسلمون اليهود بالإسلام وحينئذ ينصرهم الله حتى في الحجر والشجر، يقول الحجر: يا عبد الله، يا مسلم، هذا يهودي فاقتله، والشجر كذلك إلا الغرقد لأنه من أشجار اليهود (21).
فالحاصل أني أقول: الكلام في هذا وتحميس الشباب وإلهاؤهم في هذا أنا لا أراه من السياسة الحكيمة، أما ما دعت المصلحة إليه من بيان أحوال العالم الكافر الذي يريد للمسلمين الشر ويسعى له بكل وسيلة.
وأما ما دعت إليه الضرورة من حقن العداوة التامة للكفار من اليهود والنصارى والشيوعيين وغيرها فهذا أمر لا بد منه، ولا يمكن أن تذوب مسألة الولاء والبراء، بل يجب أن نعتقد أن كل كافر فهو عدو لنا ولو كان من العرب، هو عدو لنا مهما كان؛ لأن الله يقول: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ [الأنفال: 73]؛ يعني: إلا تسيروا على هذا المنهج وتعرفوا أن الكفار بعضهم أولياء بعض ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73]، لأنكم إذا لم تعتقدوا هذا الاعتقاد فمعناه أنكم اتخذتم الكفار أولياء وحينئذ تكون الفتنة والفساد الكبير.
هذا هو الذي يجب أن نحرص عليه دائمًا وأن نقول: لا أخوة بيننا وبين الكفار ولو ولاية بيننا وبين الكفار، الكفار أعداء، الكفار بغضاء، لا يألون جهدًا في أن يخرجوا المسلم من دينه على الأقل، يعني نحن سمعنا عن بعض كبرائهم أنهم يقولون: لا يمكن أن تخرجوا المسلم إلى دين اليهودية والنصرانية، لكن يكفيكم أن تشككوا المسلم في دينه، يكفيكم هذا أن تشككوه، وهذا هو الذي وقع، فسدوا المسلمين بما أفاضوا عليهم من المغريات والملهيات، وهذه وإن كانت لا تُفْسِد العقيدة لكن تفسد الأخلاق، وإذا فسدت الأخلاق فسدت العقائد، هذه دعوها قاعدة: إذا فسدت الأخلاق فسدت العقائد، لماذا؟ لأن الإنسان يكون كالبهيمة ليس له هَمٌّ إلا إشباع رغبته البهيمية؛ شِبَع البطن وشهوة الفرج، وحينئذ اللي يتلهى بهذا هل تكون عنده عقيدة وارتباط بالله عز وجل؟ أبدًا، لا يمكن، تلقاه مخلدًا إلى الأرض والعياذ بالله نسأل الله العافية، مخلدًا إلى الأرض يتبع هواه وينسى ربه عز وجل.
فهم قالوا: لا يمكن أن نكفر المسلمين أو ننصرهم أو نهودهم لا يمكن، لكن أغروهم، أغرِقوهم بهذه المغريات والملهيات حتى يذوبوا، أو شكِّكوهم، ضعوا مثلًا آية من القرآن في ظاهرها معارضة لآية أخرى وقولوا: هذا القرآن، أو ائتوا بأشياء من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم التي أباحها الله له وفَرَضَها له وشككوهم؛ هذا نبيكم ما همُّه إلا الأزواج، مزواج، شهواني، نسأل الله العافية، سبحان الله.
أو يقولون: هذا النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يملك الهداية لأحد، وعيسى هو الذي أنقذ البشرية وهو الذي فدى البشرية وهو الذي صُلِبَ من أجل البشرية، وما أشبه ذلك من الكلام الفاضي الساقط.
فالمهم يا إخواني أنه يجب أن نعتقد أن الكفار أعداء مهما كان يهودًا أو نصارى أو مجوس أو وثنيين، ولكن هذا لا يمنع أن ندعوهم للإسلام؛ لأن بعض الكفار لا يعرف عن الإسلام شيئًا، وأظن بعضكم حضر الجماعة اللي جاؤونا في الشتاء هنا من الجنود الأمريكان، قالوا: ما عرفنا الإسلام، لكننا الآن عرفناه وشكرنا الله على أن أسلمنا، حتى يقول: لما دعينا من ألمانيا ظننا أننا سنرد إلى أمريكا، ولكن جئنا إلى هنا ووجدنا الإسلام وقد عُمِّيَ علينا ولا نعلم، حتى بعضهم يظهر عليه علامة البشر والسرور والانشراح والضحك، ونحن جبناهم هنا وخليناهم يضحكون، وخليناهم هنا جالسين كما يشوفون الإخوان وممدين (... ) وقلنا: خليهم يتمتعون بما شاؤوا، يعرفون أن ديننا والحمد لله فيه فسحة، كما أذن الرسول صلى الله عليه وسلم للحبشة أن يلعبوا بحرابهم في المسجد (22)، هذا هو الذي أنا أرى حول هذا الموضوع.
طالب: (... ) المؤامرة أو هذا المؤتمر (... ) لولاة الأمر فبيسيروا قدمًا في موافقة غيرهم، فلو بتبيح الأمر للرأي العام (... ) أخف الضررين، قلنا: إننا نوافقهم، نوقع على (... ).
الشيخ: إي نعم، شوف، ما هو بأيدينا ولا الصلح مع الكفار على سبيل الإطلاق هو معناه إسقاط الجهاد في سبيل الله، لكن الأمر ليس بأيدينا، وبعض العلماء اشتبه عليهم الأمر في أن الرسول صالح اليهود أول ما قدم المدينة بدون شرط وبدون قيد، صلحًا مطلقًا، ولكن الذي استدل بهذا ليس حاضرًا عندي حتى يمكن أن آخذ معه وأرد.
لكن ظني أن هناك فرقًا بين شخص يقدم إلى بلد الكفار ويصالحهم؛ لأن المدينة كانت فيها كثير من اليهود ثلاث قبائل من اليهود ويصالحهم على ما جرى عليه الصلح، وبين إنسان هو في بلد والكفار في بلد آخر.
طالب: يا شيخ، ذكر السؤال عن مصلَّى العيد هل هو (... ) أو لا؟ الشيخ: أقول: بارك الله فيك، العلماء مختلفون في مصلَّى العيد هل هو مسجد أو لا، والصحيح أنه مسجد كما هو المذهب وكما يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام حين أمر الحُيَّض أن يعتزلن المصلى (23)؛ لأن المحرم على الحائض هو المسجد.
[باب صلاة العيدين] طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صلاة العيدين
وهي فرض كفاية، إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام، ووقتها كصلاة الضحى، وآخره الزوال، فإن لم يعلم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد، وتُسَنُّ في صحراء، وتقديم صلاة الأضحى وعكسه الفطر، وأكله قبلها، وعكسه في الأضحى إن ضحى.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة العيدين).
(صلاة العيدين): تثنية، وقوله: (صلاة العيدين) هل هذه الإضافة من باب إضافة الشيء إلى سببه أو إضافة الشيء إلى وقته؟
نقول: هي من باب إضافة الشيء إلى وقته وإلى سببه، فهذه الصلاة سببها العيدان، وهي أيضًا لا تصلى إلا في العيدين.
و (العيدين) تثنية عيد، وهما عيد الأضحى وعيد الفطر، وكلاهما يقعان في مناسبة شرعية؛ أما عيد الفطر ففي مناسبة انقضاء المسلمين من صوم رمضان، وأما الأضحى فمناسبته اختتام العشر؛ عشر ذي الحجة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشْيْءٍ» (24)، فالمناسبة لهذين العيدين مناسبة شرعية.
هناك عيد ثالث وهو ختام الأسبوع، وهو يوم الجمعة، ويتكرر في كل أسبوع مرة، وليس في الإسلام عيد سوى هذه الأعياد الثلاثة: الفطر، والأضحى، والجمعة، ليس فيه عيد بمناسبة مرور ذكرى غزوة بدر، ولا غزوة الفتح، ولا غيرها من الغزوات العظيمة التي انتصر فيها المسلمون انتصارًا باهرا، ناهيك بما يقام من الأعياد لانتصارات وهمية.
بل إني أعجب لقوم يجعلون أعيادا للهزائم! ذكرى يوم الهزيمة، أو ذكرى يوم احتلال البلد الفلاني للبلد الفلاني، مما يدل على سفه عقول كثير من الناس اليوم، وأنهم لما حصل لهم شيء من البعد عن دين الإسلام صاروا حتى في تصرفهم يتصرفون تصرف السفهاء.
وليس هناك أعياد لمناسبة ولادة أحد من البشر، حتى النبي عليه الصلاة والسلام لا يُشرع العيد لمناسبة ولادته، وهو أشرف بني آدم، فما بالك بمن دونه؟ !
فإذا قال قائل: هذه المناسبات نقيمها من أجل الذكرى؟
قلنا: أما بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام، فإن المسلمين فرض عليهم على أعيانهم أن يذكروه في اليوم والليلة خمس مرات على الأقل، وفرض عليهم على الكفاية أن يذكروه أيضًا خمس مرات في اليوم والليلة على الأقل؛ ففي الأذان يقول المسلمون: أشهد أن محمدًا رسول الله، وفي الصلاة في التشهد يقولون: أشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
بل إن كل عبادة يَتَعَبَّد بها الإنسان فهي ذكرى للرسول عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأن المتعبد ينبغي له -إن لم أقل يجب عليه- أن يلاحظ في عبادته شيئين:
الشيء الأول: الإخلاص لله عز وجل، وأنه فعل العبادة تقرُّبًا إليه وامتثالًا لأمره.
والثاني: المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وأنه فَعَل العبادة اتباعًا للرسول صلى الله عليه وسلم، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم أمامه إمامه، هذا لا بد من أن يتذكر الإنسان هذا الشيء لتتم العبادة، هذه ذكرى، حتى لو تسَوَّكَ الإنسان اتباعًا للسنة فهذه ذكرى، لو قدَّم رجله اليمنى عند دخول المسجد اتباعًا للسنة فهذه ذكرى، لو قدَّم إدخال يده اليمنى في الكم قبل اليسرى اتباعًا للسنة فهذه ذكرى.
إذن المسلمون في كل أحوالهم يذكرون النبي صلى الله عليه وسلم، أما الذكرى بهذه الطقوس المبتدعة التي ما أنزل الله بها من سلطان، فإنها تدمِّر أكثر مما تعمر؛ لأن القلب يجد فراغًا واسعًا عندما تنتهي هذه المناسبة أو الاحتفال بهذه المناسبة يجد فراغًا، وكأن الذكرى انتهت؛ ولهذا تجدون من حكمة الله أنه ما من بدعة تُقَام إلا وينهدم من السنة مثلها أو أكثر.
إذن كل مَن أقام عيدًا لأي مناسبة، سواء كانت هذه المناسبة انتصارًا للمسلمين في عهد النبي عليه الصلاة والسلام، أو انتصارهم فيما بعد، أو الانتصار لقومية، كل من أقام عيدًا بهذه المناسبات فإنه مبتدع، وقد قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة ووجد للأنصار أظن عيدين يلعبون فيهما فقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِخَيْرٍ مِنْهُمَا؛ عِيدِ الْفِطْرِ وَعِيدِ الْأَضْحَى» (25)، مما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يحب أن أمته تحدث أعيادًا سوى الأعياد الشرعية التي شرعها الله عز وجل.
إذن العيدان هما -في كلام المؤلف- عيد الفطر وعيد الأضحى.
هناك العيد الثالث تكلم عليه المؤلف أولًا في باب صلاة الجمعة وانتهى منه.
قال المؤلف: (وهي فرض كفاية).
(وهي) أي: صلاة العيدين (فرض كفاية)، فأفادنا المؤلف -رحمه الله- أنها فرض، ومعلوم أن الفرض يحتاج إلى دليل، والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يخرجن لصلاة العيد؛ حتى إنه أمر الحُيَّض، وذوات الخدور أن يخرجن يشهدن الخير ودعوة المسلمين، وأمر الحُيَّض أن يعتزلن المصلى (23)، والأمر يقتضي الوجوب، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء، فالرجال من باب أولى؛ لأن الأصل في النساء أنهن لسن من أهل الاجتماع، ولهذا لا تُشْرَع لهن صلاة الجماعة في المساجد، فإذا أمرهن أن يخرجن إلى مصلَّى العيد ليصلين العيد ويشهدن الخير ودعوة المسلمين دلَّ هذا على أنها على الرجال أوجب وأوجب، وهو كذلك.
ومن العلماء مَنْ يجعل طريقًا للدلالة على الوجوب مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين على العمل الظاهر، فيقولون: إن مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على هذا العمل الظاهر وعدم تخلُّفِه عنه يدل على تأكده ووجوبه.
وإن كان هذا فيه نظر؛ لأن الأصل في المداومة على الشيء إذا لم يكن فيه أمر الاستحباب.
ومن العلماء من استدل للوجوب بأنهما من شعائر الدين الظاهرة، وشعائر الدين الظاهرة فرض كالأذان، فالأذان والإقامة من فروض الكفاية؛ لأنهما من شعائر الدين الظاهرة المعلنة.
ولكن أصح طريق للاستدلال على وجوب صلاة العيدين هو أيش؟ الطريق الأول: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكن مواظبته على هذا وكونها من شعائر الدين الظاهرة تؤيد هذا الشيء.
وقول المؤلف: (فرض كفاية) فرض الكفاية يقول العلماء: هو ما قصد بالذات بقطع النظر عن الفاعل، ما قصد بالذات أي: قصد هذا الفعل بقطع النظر عن الفاعل؛ وعلى هذا فيكون فرض الكفاية مطلوبًا من المجموع لا من الجميع؛ مطلوبًا من المجموع يعني: مجموع الناس يلزمهم أن يقوموا بفرض الكفاية لا من الجميع، فيلزم كل واحد بعينه.
إذن إذا كان فرض كفاية فإذا قام بهما من يكفي سقط عن الباقين، فلو أقام صلاة العيد أربعون رجلًا، فإن بقية أهل البلد لا تلزمهم صلاة العيد.
أعرفتم؟ هذا معنى كونها فرض كفاية.
القول الثاني في المسألة: أنها ليست فرضًا، بل هي سنة، واستدل هؤلاء لقولهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي حين علَّمه فرائض الإسلام ومنها الصلوات الخمس، فقال الأعرابي: هل عَلَيَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» (26)، وهذا عام: هل عَلَيَّ غيرها؟ فإن كل صلاة تغاير الصلوات الخمس داخلة في هذا، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا» إنها ليست واجبة «إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ»؛ يعني: إلا أن تفعلها على سبيل التطوع، وهذا مذهب مالك والشافعي أنها سنة وليست بواجبة.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنها -أي صلاة العيدين- فرض عين على كل واحد، وأنه يجب على جميع المسلمين أن يصلوا صلاة العيد، ومن تخلف فهو آثم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، واستدل هؤلاء بأن النبي صلى الله عليه وسلم: أمر النساء حتى الحيض، وذوات الخدور أن يخرجن إلى المصلى يشهدن الخير ودعوة المسلمين (23)، وهذا يدل على أنها فرض عين؛ لأنها لو كانت فرض كفاية ما ألزم النساء به، لكان الرجال قد قاموا بها ولا يلزم النساء بها، وهذا عندي أقرب الأقوال أنها فرض عين وأن من تَخَلَّف عنها فهو آثم.
وعلى هذا يكون في المسألة ثلاثة أقوال؛ أنها سنة، أنها فرض كفاية، أنها فرض عين.
وهذا الأخير هو الراجح.
إذن اتفق المسلمون على أن صلاة العيدين مشروعة، لم يختلف أحد، لكن كيفية هذه الشريعة على الخلاف الذي سمعتم.
ثم قال: (إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام).
إذا تركها أهل بلد فإن الإمام يقاتلهم،؛ يعني: إن لم يفعلوها، فإذا علم الإمام أن هؤلاء أصروا على تركها، ودعاهم الإمام إلى فعلها، ولكنهم أصروا على الترك، فإنه يجب عليه أن يقاتلهم حتى يصلوا.
المقاتلة غير القتل، ولهذا كانت المقاتلة أوسع، فليس كل من جازت مقاتلته جاز قتله.
إذا قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (27)، وهذا يدل على أنهم ما داموا مسلمين فقتالهم حرام، فما هو الجواب؟
أجاب العلماء عن هذا الحديث الذين قالوا بوجوب المقاتلة بأن هذه من شعائر الإسلام الظاهرة البارزة التي يتميز بها الشعب المسلم عن غيره، فهي كالأذان، وكان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا نزل بقوم فسمع الآذان تركهم وإلا قاتلهم (28)، هكذا قالوا.
والمسألة فيها شيء من النظر؛ لأن القتال قد يستلزم القتل، قد يدافع هؤلاء عن أنفسهم، فيحصل اشتباك وقتل، وإذا قلنا: إنها ليست فرض عين، وإنما هي فرض كفاية فهي أقل من فرض العين، وهذا هو المذهب أنها فرض كفاية ومع ذلك يقولون: إنه يُقاتَل أهلُ بلد تركوهما.
إنْ تركَ صلاة عيد مَنْ ليسوا أهل بلد؛ يعني: جماعة في البر تركوها، وهم قريبون من المدن، فإنهم لا يُقاتَلون؛ لأنها إنما تجب على أهل القرى كالجمعة، ما تكون إلا على أهل القرى والأمصار، أما البدو الرُّحَّل ومن أشبههم فلا تقام عندهم.
ووَقْتُها كصلاةِ الضُّحَى وآخِرُه الزوالُ، فإن لم يُعْلَمْ بالعيدِ إلا بعدَه صَلَّوْا من الغدِ، وتُسَنُّ في صَحْراءَ، وتقديمُ صلاةِ الأَضْحَى وعَكْسُه الفِطْرُ، وأَكْلُه قَبْلَها وعَكْسُه في الأَضْحَى إن ضَحَّى، وتُكْرَهُ في الجامعِ بلا عُذْرٍ، ويُسَنُّ تَبكيرُ مأمومٍ إليها ماشيًا بعدَ الصُّبْحِ، وتَأَخُّرُ إمامٍ إلى وَقْتِ الصلاةِ على أَحْسَنِ هَيئةٍ إلا الْمُعْتَكِفَ ففي ثيابِ اعتكَافِه، ومِن شَرْطِها استيطانٌ وعَدَدُ الْجُمُعَةِ، لا إذنُ الإمامِ، ويُسَنُّ أن يَرْجِعَ من طريقٍ آخَرَ،
(إذا تركها أهل بلد قاتلهم الإمام) إذا تركها أهل بلد فإن الإمام يقاتلهم؛ يعني: إن لم يفعلوها، فإذا علم الإمام أن هؤلاء أصروا على تركها، ودعاهم إلى فعلها، ولكنهم أصروا على الترك فإنه يجب عليه أن يقاتلهم حتى يصلوا.
المقاتَلَة غير القتل؛ ولهذا كانت المقاتَلَة أوسع، فليس كل من جازت مقاتلته جاز قتله.
إذا قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (1)، وهذا يدل على أنهم ما داموا مسلمين فقتالهم حرام، فما هو الجواب؟
أجاب العلماء عن هذا الحديث -الذين قالوا بوجوب المقاتلة- بأن هذه من شعائر الإسلام الظاهرة البارزة التي يتميز بها الشعب المسلم عن غيره، فهي كالأذان، وكان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا نزل بقوم فسمع الأذان تركهم، وإلا قاتلهم (2)، هكذا قالوا.
والمسألة فيها شيء من النظر؛ لأن القتال قد يستلزم القتل؛ قد يدافع هؤلاء عن أنفسهم، فيحصل اشتباك وقتل، إذا قلنا: إنها ليست فرض عين، وإنما هي فرض كفاية، فهي أقل من فرض العين، وهذا هو المذهب؛ أنها فرض كفاية، ومع ذلك يقولون: إنه يقاتل أهل بلد تركوها.
فإن ترك صلاة عيد من ليسوا أهل بلد؟ يعني: جماعة في البر تركوها وهم قريبون من المدن فإنهم لا يُقَاتَلَون؛ لأنها إنما تجب على أهل القرى، كالجمعة ما تكون إلا على أهل القرى والأمصار، أما البدو الرحَّل وما أشبههم فلا تقام عندهم.
نحن قلنا: إن المقاتلة أوسع من القتل، ولا يلزم من جواز المقاتَلَة أو وجوب المقاتَلَة أن يكون المقاتَل كافرًا، بل قد يكون مؤمنًا ويُقاتَل، كما قال الله سبحانه وتعالى في الطائفتين المقتتلتين: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 9، 10]، فأوجب قتال الفئة الباغية مع أنها مؤمنة لا تخرج من الإيمان بالقتال.
وقول المؤلف: (قاتلهم الإمام) يعني: إمام المسجد؟
طالب: لا، السلطان.
الشيخ: لا، المراد بـ (الإمام) عند الفقهاء هو أعلى سلطة في البلد، وكان الناس فيما سبق -أعني المسلمين- كان إمامهم واحدًا، لكن تغيَّرت الأحوال.
هل يقاتلهم غير الإمام؟ لو أن جماعة من الإخوة أهل العلم والدين قالوا: هذا البلد ترك صلاة العيد سنقاتلهم، يلا خذوا السلاح، يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأن هذا افتئات على ولي الأمر، ولو فتح الباب للناس وصار كل من رأى منكرًا أنكره بالفعل والتغيير باليد لحصل في هذا فوضى كثيرة؛ لأن كثيرًا من الناس -ولا نقول: أكثر الناس- لا يدرك مدى الخطورة في مثل هذا الأمر، ربما يعتقد أن هذا الشيء حرام فيحاول تغييره وهو حلال، ويسطو على من فعله بحجة أنه حرام، وأن من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، ويحصل في هذا شرٌّ كثير؛ ولهذا قال العلماء: إن الحدود لا يقيمها إلا الإمام، والتعزيرات لا يقوم بتقديرها إلا الإمام، والمقاتلة في مثل هذا وشبهه لا يقوم بها إلا الإمام، وليس لكل أحد أن يفعل ما شاء، لكن يمكن بعض الناس ما هم (... ).
يقول: (ووقتها كصلاة الضحى وآخره الزوال) (وقتها) أي: وقت صلاة العيد كصلاة الضحى، ومعلوم أن صلاة الضحى تكون من ارتفاع الشمس قيد رمح.
فإذا قال قائل: لماذا لم يقل المؤلف: ووقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح، حتى يريح الإنسان؟
نقول: في هذا فائدة، العلماء يحيلون على ما مضى أو على ما يستقبل من أجل أن يحملوا طالب العلم على أيش؟
طالب: البحث.
الشيخ: على البحث، فمثلًا هنا إذا قال: كصلاة الضحى، إذنْ أذهب إلى باب صلاة الضحى، أنظر متى؟ فأجمع الآن بين معلومين؛ معلوم عن صلاة الضحى، ومعلوم عن صلاة العيد، لكن لو قال: من ارتفاع الشمس قيد رمح ما حصل ذلك، وقد يكون الإنسان نسي وقت الضحى.
(ووقتها كصلاة الضحى وآخره الزوال).
إذا قال قائل: ما هو الدليل على أن وقتها كصلاة الضحى؟ لو قال إنسان: إن وقتها من طلوع الشمس؟
نقول: الدليل على هذا أمران:
الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس قيد رمح.
والثاني: أن ما قبل ذلك وقت نهي، ولا يمكن أن يكون وقت النهي وقتًا لصلاة يستوي فيها الناس جميعًا؛ لأن وقت النهي يكون لصلاة فائتة لشخص نسيها مثلًا، وما أشبه ذلك.
قال: (وآخره الزوال) يعني: آخر وقت العيد هو الزوال؛ أي: زوال الشمس، زوالها عن أيش؟
طالب: عن كبد السماء.
الشيخ: زوالها عن كبد السماء، وذلك أن الشمس إذا طلعت صار لكل شاخص؛ أي: لكل شيء مرتفع صار له ظل من أي جهة؟
طالب: الشرق.
طالب آخر: الغرب.
الشيخ: إذا طلعت الشمس صار لكل شاخص ظل؟
طلبة: من الغرب.
الشيخ: من جهة الغرب، وكلما ارتفعت نقص الظل، فإذا انتهى نقصه وبدأ بالزيادة فهذا علامة زوال الشمس.
(فإن لم يُعْلَم بالعيد إلا بعده صلوا من الغد) (إن لم يُعْلَم بالعيد إلا بعده) أي: بعد الزوال فإنهم لا يُصلُّون، وإنما يُصلُّون من الغد؛ يعني: من بكرة في وقت صلاة العيد.
ودليل ذلك يقول: ما رواه أبو عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار قالوا: غُمَّ علينا شهر شوال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب في آخر النهار، فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا من يومهم، وأن يخرجوا غدًا لعيدهم (3)، رواه أحمد وأبو داود، والدارقطني وحسَّنه.
إذا لم يعلم الناس العيد إلا بعد الزوال فإنه في عيد الفطر يفطرون؛ لأنه تبين أن هذا يوم عيد، ويوم العيد صومه حرام، في عيد الأضحى هل يضحون أو ينتظرون الصلاة؟ نقول: ينتظرون الصلاة، لا يضحون إلا بعدها من الغد، وهذه يتم بها التقسيم بالنسبة للصلوات، فإن الصلوات تنقسم في قضائها إلى أقسام:
القسم الأول: ما يُقْضَى إذا فات وقتُه من حين زوال العذر، مثل؟
طلبة: مثل النوم.
الشيخ: الصلوات الخمس إذا فاتت، فإنك تقضيها في وقت زوال العذر، إن كان العذر نومًا تقضيها إذا استيقظت، إن كان نسيانًا إذا ذكرت.
ومنها ما لا يُقْضَى إذا فات؟
طلبة: صلاة العيد.
الشيخ: لا، كالجمعة، الجمعة إذا فاتت لا تُقْضَى، إن خرج وقتها لا يقضيها الناس كلهم، وإن فاتت الإنسان مع الجماعة فهو أيضًا لا يقضيها، وإنما يصلي بدلها ظهرًا.
الثالث: ما لا يُقْضَى إلا في وقته، وهي؟
طالب: صلاة العيد.
الشيخ: صلاة العيد، فإنها لا تُقْضَى في يومها، وإنما تُقْضَى في وقتها.
ثم قال (وتُسَن في صحراء) قريبة، (تُسَن في صحراء) أي: يُسَن إقامتها في الصحراء التي خارج البلد، وينبغي أن تكون قريبة؛ لئلا تشق على الناس.
فإذا قال: هل هناك دليل على أنها تُسَن في الصحراء، ولماذا لا تكون في البلد؟
قلنا: نعم، فيه دليل وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين، فإنهم كانوا يصلونها في الصحراء، ولولا أن هذا أمر مقصود ما كلفوا أنفسهم ولا كلفوا الناس أن يخرجوا خارج البلد.
وهل تكون في صحراء بعيدة أو قريبة، عندي هذه شرح ولَّا متن (في صحراء قريبة)؟
طلبة: شرح.
الشيخ: شرح.
(ويُسَن تقديم صلاة الأضحى، وعكسه الفطر، وأكله قبلها، وعكسه بالأضحى إن ضحى) هذه أربع مسائل:
المسألة الأولى: يُسَن تقديمُ صلاة الأضحى، والحكمة من ذلك: من أجل أن يتسع الوقت لذبح الأضاحي.
طالب: ما تكلمنا عن تحية المسجد (... ).
الشيخ: إي نعم.
طالب: كنا نسمع عن بعض الاحتفالات والاجتماعات في ذكرى خروج الإمام محمد بن عبد الوهاب فما حكمها؟
الشيخ: يسأل عن الاجتماع الذي عقد مؤتمر أو أسبوع الشيخ محمد عبد الوهاب، والجواب عن هذا: أنه ليس عيدًا؛ لأنه لم يتكرر، والفائدة منه هو جمع المعلومات عن هذا الرجل ومؤلفاته؛ ولهذا جمعت مؤلفاته في هذا المؤتمر وحصل فيها نفع كبير، لكن لو يتكرر كل سنة صار عيدًا.
طالب: إذا اتضح في وسط النهار أن هذا اليوم يوم عيد؟
الشيخ: يعني بعد الزوال؟
الطالب: بعد الزوال، نعم، قلنا: إنه لا (... ) هذا اليوم، لا يصلى فيه ويفطر، هل اليوم الذي بعده بما أن الناس يصومون الست؟
الشيخ: إي، يصومون؛ لأن هذه الصلاة قضاء، لو جاء الخبر قبل الزوال بيسير والناس يمكنهم أن يقيموا الصلاة وجب أن يصلوا.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، هذه المناسبة حاضرة.
طلبة: السؤال يا شيخ؟
الشيخ: السؤال يقول: الحفلات التي تقام مثلًا عند تخرج الطلبة أو عند حفظ القرآن أو ما أشبه ذلك هل تدخل في هذا؟
نقول: لا تدخل في هذا، أولًا: لأنها لا تتكرر بالنسبة لهؤلاء الذين احتفل فيهم.
والشيء الثاني: لها مناسبة، المناسبة حاضرة، لا شيء ماضٍ يُذْكَر.
طالب: ترجيحكم لوجوب صلاة العيد ألا يجوز منه تعدي الوجوب على النساء؟
الشيخ: إي نعم، ربما يقال: حتى على النساء، وهذا هو ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية؛ أنها واجبة حتى على النساء.
طالب: (... )؟
الشيخ: إي نعم، أنتم تعرفون أن وجوب صلاة العيد في السنة الثانية من الهجرة، والحديث الأول متقدم، وأيضًا ليس هذا الحديث عامًّا لكل شيء، ما كان له سبب فهو خارج، والنبي عليه الصلاة والسلام إنما أخبر الأعرابي بالصلوات الخمس التي تطلب من كل واحد، والأعرابي ربما يكون في البر وليس عندهم صلاة عيد، ففيه احتمالات.
طالب: (... ) في رواية وأمره بشرائع الإسلام؟
الشيخ: نعم، شرائع الإسلام الأخرى.
طالب: غير الصلاة؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: أسبوع المساجد (... ) حرام؟
الشيخ: أسبوع المساجد لا شك أنه بدعة؛ ولهذا نحن لا نتكلم عليه في الخطبة، ولا نحث الناس عليه، المساجد نحن نرى أن كل يوم هو يوم للمساجد.
طالب: أسبوع (... )؟
الشيخ: (... ) عبادة أهون، لكن مع ذلك ما نراه، كل هذه ما جاءت إلا أخيرًا، الناس في أسبوع المساجد يركضون في تنظفيها وينتهي الأسبوع.
طالب: بالنسبة -يا شيخ- أمر الرسول صلى الله عليه وسلم (... ) بالخروج إلى المسجد هل كان في عيد الفطر ولَّا في الأضحى؟
الشيخ: الحديث عام، والظاهر أنه في عيد الأضحى والفطر كله.
طالب: (... )؟
الشيخ: بإذن الإمام؟
الطالب: بإذن الإمام.
الشيخ: إي نعم، الإمام كأنه مفوض لهذا الشيء.
طالب
: بالنسبة لعيد ميلاد الطفل السنوي؟
الشيخ: هذا نوع من البدع، ولادة الأطفال هي غريبة.
طالب: (... ).
الشيخ: ما هي غريبة.
طالب: تحية المسجد (... ) الوقائع التي دلت على هذا؟
الشيخ: هذا يسأل يقول: ما هي الوقائع التي تدل على أن تحية المسجد ليست بواجبة؟ استدلوا لذلك بأمور:
أولًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في يوم الجمعة يدخل المسجد ويصعد المنبر ويجلس بين الخطبتين ولا يصلي.
واستدلوا أيضًا بحديث كعب بن مالك لما دخل المسجد بعد توبة الله عليه فإنه لم يصلِّ تحية المسجد، لكن هذا يحتمل أنه ليس على وضوء؛ لأن من دخل على غير وضوء فإنه لا يصلي، وكيف يصلي وهو غير متوضئ؟ !
طالب: يجوز له أن يجلس؟
الشيخ: إي نعم، إذا طلع بغير وضوء يجوز أن يجلس.
واستدلوا أيضًا بقصة النفر الثلاثة الذين دخلوا والنبي عليه الصلاة والسلام في قومه؛ منهم من دخل في الحلقة، ومنهم من استحيا وجلس خلف الحلقة، ومنهم من انصرف (4)، ولم يأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأن يصلوا، فالمهم أنه فيه وقائع توجب للإنسان أن يتوقف في الوجوب أو أن يميل إلى عدم الوجوب.
طالب: بالنسبة للكلام في الخطبة لمن لم يسمع (... )؟
الشيخ: إي نعم، إذا كان الإنسان لا يسمع الخطبة فلا بأس أن يتكلم سرًّا؛ إما بقراءة، أو بذكر، أو ما أشبه ذلك، أما أن يجهر فيشوش على الناس فهذا لا يجوز.
طالب: إذا في دولة كافرة فيها مسلمون ولكن لا يقيمون العيد، هل يقاتلون مع إخوانهم المسلمين في نفس الدولة؟
الشيخ: يريدون إقامة العيد؟
الطالب: لا، ما يقيمون العيد.
الشيخ: ليش؟
الطالب: (... ) وفيه مجموعة أخرى تصلي العيد فهل تقاتلهم ولَّا لا؟
الشيخ: ويش تقولون في هذا؟ جاب الآن ثلاث مجموعات؛ مجموعة كافرة، مجموعة مسلمة تصلي العيد، مجموعة مسلمة لا تصلي العيد، هل المجموعة المسلمة التي تصلي العيد تقاتل الأخرى؟
طالب: ما تقاتل.
الشيخ: نعم، إذا قلنا: إنه فرض كفاية، المسألة ما هي مشكلة، لكن إذا قلنا: إنهم -مثلًا- في بلد آخر ما هم في البلد هذا، أو قلنا: بأنها فرض عين فالظاهر أيضًا أنهم لا يقاتلونهم؛ لأنه ليس هناك إمام.
طالب: يقولون دعواهم: أن عيد ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام ما يحصل فيه إلا ذكر وصدقة وقراءة قرآن واجتماع على الخير يذكر الناس، الناس غافلون ويقولون: هذه ذكر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف نرد عليهم؟
الشيخ: الذكر وقراءة القرآن والثناء على النبي صلى الله عليه وسلم عبادة ولَّا غير عبادة؟
الطالب: عبادة.
الشيخ: دين ولَّا غير دين؟
الطالب: (... ).
الشيخ: نقول: الله آذن لكم أم على الله تفترون، ما دام دينًا فإنه إلى الله.
الطالب: يقولون: هذا من حب النبي عليه الصلاة والسلام؟
الشيخ: الله المستعان، نقول: أنتم أحب أم الصحابة؟
طالب: الصحابة.
الشيخ: ولهذا في الحقيقة أنا أقول: قلنا فيما سبق: إن كل البدع مضمونها القدح في الدين وأنه ما تَمَّ؛ لأننا إما أن نقول: إن هذه البدعة متممة للدين أو مخالفة له.
الطالب: وَتُسَنُّ في صحراءَ وتقديمُ صلاةِ الأضحى، وعكْسُه الفِطْرُ، وَأَكْلُهُ قَبْلَهَا، وعكْسُه في الأضحى إنْ ضَحَّى، وَتُكْرَه في الجامع بلا عذرٍ، وَيُسَنُّ تَبْكِيرُ مَأْمُومٍ إليها مَاشِيًا بعد الصُّبْحِ، وتأخيرُ إِمَامٍ إلى وَقْتِ الصَّلاةِ على أَحْسَنِ هَيْئَةٍ إلا المُعْتَكِفَ ففي ثياب اعتكافه، ومن شَرْطِهَا: اسْتِيطَانٌ وَعَدَدُ الجُمُعَةِ، لا إِذْنُ إِمامٍ، وَيُسَنُّ أَنْ يَرْجِعَ من طريقٍ آخَرَ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد سبق لنا أن إضافة صلاة العيدين من باب إضافة؟
طالب: من باب إضافة الشيء إلى سببه وإلى وقته.
الشيخ: وإلى وقته، إلى سببه؛ لأن سببها العيدان، وإلى وقته؛ لأنها تفعل في العيدين.
وسبق لنا أن الأعياد الشرعية أقل من ثلاثين.
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة.
الطالب: الفطر والأضحى والجمعة.
الشيخ: عيد الفطر والأضحى والجمعة.
هل هناك عيد لمناسبة أخرى؟
الطالب: ليس هناك عيد لمناسبة أخرى.
الشيخ: ولا لغزوة بدر؟
الطالب: ولا لغزوة بدر، ولا لغزوة حنين، ولا لغيرهما.
الشيخ: ولا للمعراج؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ما هو الدليل على عدم مشروعية هذه الأعياد التي استحدثت في الإسلام؟
طالب: أولًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى المدينة وكان للأنصار أعياد غير العيدين فأبطلها وقال: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِعِيدَيْنِ خَيْرًا مِنْهُمَا؛ عِيدِ الْأَضْحَى وَعِيدِ الْفِطْرِ» (5).
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: وعدم وجود الدليل على مشروعيتهم.
الشيخ: وعدم وجود الدليل يدل على؟
الطالب: على عدم مشروعيتهم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن الأمور التعبدية (... ).
الشيخ: الأمور التعبدية الأصل فيها المنع، إلا؟
الطالب: إلا بدليل.
الشيخ: إلا بدليل، ما هو الدليل على أن الأصل في الأمور التعبدية المنع إلا بدليل؟
طالب: «مَنْ أَحَدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (6).
الشيخ: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ»، ومن القرآن؟
الطالب: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: 59].
الشيخ: أحسنت، تمام.
إذا قال قائل: نحن في هذه الأعياد ولا سيما عيد ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم نذكر الله ونصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا خير؟
طالب: (... ).
الشيخ: إذنْ نقول: هذه الذكرى لا حاجة لها؛ لأن المؤمنين يذكرون الرسول صلى الله عليه وسلم في كل صلاة، بل في كل عمل صالح؛ لأن العمل الصالح لا بد فيه من الإخلاص، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا كنت تريد المتابعة في العمل فلا بد أن تذكر من تتابع.
هناك أيضًا تعليل آخر؟
طالب: أن الصحابة رضوان الله عليهم هم أشد حبًّا للرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له، فلو كان من حب الرسول صلى الله عليه وسلم أن يجعلوا هذا العيد لكانوا هم أولى به، وكانوا هم أول من قام به.
الشيخ: أحسنت.
هذا أيضًا دليل، هل نحن خير أم الصحابة؟ الصحابة، هل نحن نحب الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من حب الصحابة له؟ لا، إذنْ لماذا لم يفعلوه؟ ! لو كان خيرًا لسبقونا إليه.
ثالثًا: أن كل مبتدع فإن مضمون بدعته القدح في الإسلام، وهذا ذكرناه أظن؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كل مبتدع فإن مضمون بدعته القدح في الإسلام، لماذا؟ لأن الله قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، والمبتدع يقول بلسان الحال: إن الدين لم يكمل وهذا تكملة له، فإن لم يكن لسان حاله هذا وجب عليه أن يرفع هذه البدعة؛ لأننا نقول: إذا لم يكن هذا لسان حالك فيجب عليك أن ترفع هذه البدعة.
ثم من الناحية التاريخية ذكرنا أنها لا تصح، فإن أهل الفلك المعاصرين المحققين يقولون: إن ولادة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تكن في اليوم الثاني عشر، بل في اليوم التاسع من ربيع، والمسألة فيها سبعة أقوال؛ متى ولد؟ وليست في الثاني عشر.
وكذلك نقول في المعراج، فإن بعض المسلمين الآن في ليلة سبع وعشرين من رجب يحتفلون بذكرى المعراج، وهذه بدعة شرعية وخطأ في التاريخ؛ لأنه لم يكن المعراج في رجب، بل أقرب ما يكون أنه في ربيع الأول الشهر الذي ولد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذي أيضًا ابتدأ فيه الوحي بالرؤيا الصادقة، وهو الذي توفي فيه.
حكم صلاة العيدين على كلام المؤلف؟
طالب: فرض كفاية.
الشيخ: فرض كفاية، هل قال أحد من الناس: إنها فرض عين؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم.
ما الفرق بين فرض العين وفرض الكفاية؟
الطالب: فرض العين أن الفعل المطلوب إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقي، أما فرض العين فإنها تجب عل كل مسلم بعينه، وإذا تركها أثم.
الشيخ: نعم، يعني: فرض الكفاية مطلوب فعله من المجموع، أما فرض العين فمطلوب من الجميع؛ يعني: كل واحد لا بد أن يفعله.
ما هو الدليل على أنها فرض كفاية أو التعليل؟
طالب: مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم (... )، والدليل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج النساء يوم العيد حتى الحُيَّض وذوات الخدور.
(7)
الشيخ: نعم، الرسول أمر أن يخرج حتى النساء الحُيَّض وذوات الخدور؛ ولهذا ليس فيه صلاة يشرع للنساء حضورها إلا صلاة العيد، كل الصلوات الأفضل للنساء أن تكون في البيوت إلا صلاة العيد فقط، حتى الاستسقاء.
لكن لماذا قلنا: إنها فرض كفاية؟ هذا الذي قلت ربما يستدل به من قال: إنها فرض عين، لكن تعليل كونها فرض كفاية؟
طالب: تعليل كونها فرض كفاية أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي لما جاء يسأله: هل علي (... ).
الشيخ: لا، هذا قد ينفي وجوبها على العين فقط.
طالب: أنها من شعائر الدين الظاهرة، فإذا قام به البعض فإنه يكفي.
الشيخ: كالأذان.
الطالب: نعم، كالأذان.
الشيخ: تمام، هكذا عللوا قالوا: لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، فإذا قام بها من يكفي سقط عن الباقين كالأذان.
لو اتفق أهل بلد على تركها؟
طالب: يقاتلهم الإمام.
الشيخ: يقاتِلُهم الإمام، أو يَقْتُلُهم؟
الطالب: لا، يقاتِلُهم.
الشيخ: ما الفرق؟
طالب: بين يقاتلهم ويقتلهم؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: فيه فرق، نعم.
الشيخ: اذكره.
الطالب: يقاتلهم؛ لأنهم تركوا..
الشيخ: ما أريد تعليل الحكم، أريد الفرق بين (يقاتِلُهم) و (يَقْتُلُهم).
الطالب: لأن المقاتلة أوسع من القتل، والقتل يستوجب قتل الجميع، أما المقاتلة أوسع.
الشيخ: سواء صلوا أو لم يصلوا، المقاتَلَة يقاتَلون حتى يصلوا؛ يعني: لو قال: نحن سنزحف عليكم ونقاتلكم إلا أن تصلوا، فصلوا انتهى.
لو ثبت دخول شهر شوال بعد زوال الشمس فماذا يصنعون؟
طالب: يصلوها في الغد.
الشيخ: بعد الظهر؟
الطالب: في اليوم التالي.
الشيخ: مش بعد الظهر؟
الطالب: لكن الصلاة في وقتها.
الشيخ: صلوها في وقتها من الغد؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هناك دليل؟
الطالب: ما رواه أبو عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار قالوا: غُمَّ علينا شهر شوال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب في آخر النهار فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا في يومهم وأن يخرجوا من الغد للصلاة (3).
الشيخ: أحسنت، تمام، بهذه المناسبة ذكرنا أن الصلوات تنقسم إلى أربعة أقسام.
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: طيب.
طالب: ما لا يُقْضَى أصلًا، والقسم الثاني: ما إذا فات يُقْضَى في وقته، والقسم الثالث: ما إذا فات يُقْضَى حال تذكره، والقسم الرابع: ما إذا فات يُقْضَى في الغد في وقته.
الشيخ: ما هذا اللي قلته.
الطالب: ما لا يُقْضَى أصلًا.
الشيخ: ذكرته.
طالب: ثلاثة أنواع؛ الأول: ما لا يُقْضَى إلا في وقته كصلاة العيدين، الثاني: ما لا يُقْضَى في غير وقته، كالجمعة فإنها لا تقضى، تُقْضَى ظهرًا.
الشيخ: يعني: ما يُقْضَى بدلها.
طالب: نعم، والثالث: ما يُقْضَى في وقته أو في غير وقته.
الشيخ: في وقته لا يقال: قضاءً.
طالب: ما يُقْضَى في غير وقته من حين زواله.
الشيخ: يعني: ما يُقْضَى في أي وقت؟
الطالب: نعم، هو كالصلوات الخمس.
الشيخ: تمام.
والرابع؟
الطالب: ما فيه رابع.
الشيخ: لا، فيه.
طالب: ثلاثة يا شيخ، ما لا يُقْضَى إذا..
الشيخ: هو الحقيقة أنها أربعة، وهي: ما لا يُقْضَى أصلًا كصلاة الكسوف، لو لم نعلم إلا بعد انجلاء الكسوف ما نقضي، وهكذا نقول: كل صلاة ذات سبب إذا فات سببها ما تُقْضَى، حتى تحية المسجد لو جلس وطال الجلوس فإنه لا يقضيها.
إذنْ الصلوات أربعة أقسام بالنسبة للقضاء؛ ما لا يُقْضَى، وما يُقْضَى في وقته، وما يُقْضَى بدله، وما يُقْضَى هو بنفسه في أي وقت، مثل الصلوات الخمس، هذه قاعدة.
القاعدة الثانية مهمة أيضًا وذكرناها فيما سبق في باب شروط الصلاة: أن العبادة الموقتة إذا أخرها الإنسان عن وقتها بدون عذر فإنها لا تُقْضَى؛ لأنها لا تُقْبَل منه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (8)، فعلى هذا لو تعمد الإنسان ترك الصلوات لمدة خمسة أيام فإننا نقول: لا تقضيها، تبْ إلى ربك وأحسن العمل، ولو ترك الصيام -صيام رمضان- خمسة أيام فإنه لا يقضيها، نقول: تُبْ إلى ربك وأصلح العمل.
(تسن في صحراء) أخذناها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ما الدليل على أنها تسن في الصحراء؟
طالب: مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم وفعل الخلفاء الراشدين لها.
الشيخ: أنهم؟
الطالب: يصلونها.
الشيخ: يصلونها في الصحراء، هذا دليل أثري، ونريد دليلًا نظريًّا وهو التعليل.
طالب: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج النساء الحُيَّض وذوات الخدور، عرفنا من الأدلة أن النساء لا يدخلن المسجد فيُسَن لذلك أن يكون (... ).
الشيخ: لا، والنساء يدخلن المسجد إلا الحُيَّض.
طالب: الحيض.
الشيخ: لا، ما هو هذا الدليل.
طالب: لأن الخروج لو لم يكن مقصودًا لما تكلفه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون.
الشيخ: هذا تعليل للأثر، والحقيقة التعليل أيضًا لأن ذلك أشد إظهارًا لهذه الشعيرة؛ لأنه لو صلاها في البلد ما كانت ظاهرة بينة، إذا خرجوا صار هذا أقوى في إظهار هذه الشعيرة.
قال المؤلف رحمه الله: (وتُسَن في صحراء، ويُسَن تقديم صلاة الأضحى، وعكسه الفطر) يُسَن أيضًا تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر.
ودليل هذا أثر ونظر؛ أما الأثر فهو ما روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي صلاة عيد الأضحى إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، وصلاة الفطر إذا ارتفعت قيد رمحين (9).
ثم فيه أيضًا حديث ذكره الشرح عندنا: أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم: «أن عجِّل الأضحى، وأخِّر الفطر، وذكِّر الناس» (10)، «عجِّل الأضحى» يعني: الصلاة، «وأخِّر الفطر»، «وذكِّر الناس» في الخطبة.
أما الدليل النظري فلأن الناس في صلاة عيد الفطر محتاجون إلى امتداد الوقت ليتسع وقت إخراج الفطرة؛ أعني زكاة الفطر؛ لأن أفضل وقت تخرج فيه زكاة الفطر صباح يوم العيد قبل الصلاة؛ لحديث ابن عمر: أمر أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة (11)، ومعلوم أنه إذا امتدت الصلاة وتأخرت صار هذا أوسع للناس.
وأما عيد الأضحى فإن المشروع المبادرة بالتضحية؛ لأن التضحية من شعائر الإسلام، وقد قرنها الله عز وجل في كتابه بالصلاة فقال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، ففعلها مبادرًا بها في هذا اليوم أفضل، وهذا إنما يحصل إذا قدمت أيش؟
طالب: الصلاة.
الشيخ: إذا قدمت الصلاة؛ لأنه لا يمكن أن يذبح الأضحية قبل الصلاة.
إذنْ الدليل على هذه المسألة أيش؟
طالب: أثري ونظري.
الشيخ: أثري ونظري، ونحن نعني بالأثر دائمًا السمعي؛ أي: الكتاب والسنة، والنظري العقلي.
قال: (وأكله قبلها، وعكسه) يعني: وعكس الأكل (في الأضحى إن ضحى)، (أكله) أي: أكل الإنسان، (قبلها) أي: قبل صلاة عيد الفطر؛ أي: يُسَن للإنسان أن يأكل قبل أن يخرج إلى صلاة عيد الفطر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهنَّ وترًا (12)، واحدة؟
طالب: وترًا يعني: ثلاثة.
الشيخ: إي، ما تصح الواحدة؛ لأن لفظ الحديث: حتى يأكل تمرات، وعلى هذا فلا بد من ثلاث فأكثر؛ ثلاث، خمس، سبع، تسع، إحدى عشر، واحد وثلاثين، واحد وأربعين، مئة وواحد، كل هذا كائن.
المهم أن يأكل تمرات يقطعها على وتر، وكل إنسان ورغبته ما هو مقيد؛ يعني: له أن يشبع، وإن أكل سبعًا فحسن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ تَمْرِ الْعَالِيَةِ»، وفي لفظ: «مِنَ الْعَجْوَةِ فَإِنَّهُ لَا يُصِيبُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ» (13).
سبحان الله! حماية وقاية، سبع تمرات من تمر العالية -مكان معروف في المدينة- أو من العجوة، بل إن شيخنا رحمه الله ابن سعدي يرى أن ذلك على سبيل التمثيل، وأن المقصود التمر مطلقًا، فعلى هذا يتصبح الإنسان كلَّ يوم بسبع تمرات؛ إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أرادها فهذا قد حصل المطلوب، وإن لم يردها فلا شك أن إفطار الإنسان على هذا التمر الجامع بين ثلاثة أمور من أفضل الأغذية: الحلوى، والفاكهة، والغذاء؛ لأن التمر يشتمل على هذا كله، هو حلوى وفاكهة يتفكه به الإنسان، والثالث؟
طلبة: غذاء.
الشيخ: غذاء؛ ولهذا لا تجد مثل التمر شيئًا من الثمر؛ لا يفسد إذا أبطأ، بل هو دائمًا صالح للأكل، إلا إذا أساء الإنسان كنزه، أو ما أشبه ذلك.
على كلِّ حال يأكل تمرات، أقلها كم؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: أقلها ثلاث.
أما الأضحى يقول المؤلف: (وعكسه) يعني: عكس الأكل، وهو ترك الأكل في الأضحى، لكن شرط قال: (إن ضحى)، فالأفضل في عيد الأضحى أن يتأخر حتى يضحي؛ والمؤلف رحمه الله ذكر حديثًا عن بُرَيدة: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر، ولا يطعم يوم النحر حتى يصلي (14)، رواه أحمد.
ولأن ذلك أسرع إلى المبادرة في الأكل من أضحيته، والأكل من الأضحية واجب عند بعض العلماء؛ لقول الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ [الحج: 28]، فبدأ بالأمر بالأكل، وقد ذهب إلى وجوب الأكل من الأضحية جماعة من أهل العلم استدلالًا بظاهر الآية، فالأفضل إذنْ أن يتأخر في عيد الأضحى حتى يأكل من أضحيته التي أمر بالأكل منها.
أما الحكمة من تقديم الأكل في عيد الفطر فمن أجل تحقيق الإفطار من أول النهار؛ لأن اليوم الذي كان قبله يوم يجب صومه، وهذا اليوم يوم يجب فطره، فكان المبادرة بتحقيق هذا أفضل، وعليه فلو أكل هذه التمرات قبل أن يصلي الفجر حصل المقصود؛ لأنه أكلها في النهار، وإن أكلها حين الخروج فالظاهر أنه أفضل؛ يعني: إذا أراد أن يخرج.
فصار لهذه المسألة دليل من الأثر والنظر أيضًا.
قال: (وعكسه في الأضحى)، وقوله: (إن ضحى) فُهِمَ منه أنه إذا لم يكن لديه أضحية فإنه لا يشرع له الإمساك عن الأكل قبل الصلاة، فلو أكل قبل أن يخرج إلى الصلاة في عيد الأضحى إذا لم يكن له أضحية فإننا لا نقول له: إنك خالفت السُّنة.
ثم قال: (وتكره في الجامع بلا عذر)، (تكره) يعني: صلاة العيد في الجامع؛ يعني: في جامع البلد بلا عذر، وظاهر كلام المؤلف أنها تكره في الجامع، سواء في مكة أو المدينة، أو غيرهما من البلاد.
أما في المدينة فظاهر أن المدينة كغيرها؛ يسن لأهل المدينة أن يخرجوا إلى الصحراء، ويصلوا العيد، ويكره أن يصلوا في المسجد النبوي إلا لعذر.
أما في مكة فلا أعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أو أحدًا من الذين تولوا مكة كانوا يخرجون عن المسجد الحرام؛ ولهذا استثنى عندي في الشرح قال: (إلا بمكة المشرفة) (... ) أما في مكة فلا أعلم أن أحدًا صلى في الصحراء، ولعل الحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المسجد الحرام فيه الكعبة، والصلاة فيه خير من مئة ألف صلاة فيما سواه، وأن الصحراء في مكة صعبة؛ لأنها جبال، وأودية، فيشق على الناس أن يخرجوا؛ فلهذا كانت صلاة العيد في المسجد الحرام في نفس المسجد، أما في المدينة فلا شك أن الأفضل أن تكون في الصحراء، ولكن ما زال الناس من قديم الزمان يصلون في المسجد النبوي صلاة العيد.
وقول المؤلف: (في الجامع بلا عذر) أفادنا رحمه الله أنه إذا صلوا في الجامع لعذر.
طالب: فلا كراهة.
الشيخ: فلا كراهة، ما هو العذر؟ مثل أيش؟
طالب: (... ).
الشيخ: كل الناس ضعفاء.
الطالب: مشقة الخروج.
الشيخ: مثل؟
الطالب: المطر أو الرياح الشديدة.
الشيخ: صح، كالمطر، والرياح الشديدة والخوف، لو كان فيه خوف ما يستطيعون يخرجون عن البلد، المهم إذا كان لعذر فلا بأس.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على الكراهة وأنتم تقولون: إن ترك السنة لا يلزم منه الكراهة إلا بدليل؟
هل ذكرنا القاعدة هذه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ذكرناها، قلنا: ترك السنة لا يلزم منه الكراهة إلا بدليل.
فالجواب على ذلك أن نقول: إنما كره هذا؛ لأنه يفوت به مقصودٌ كبيرٌ؛ وهو إظهار هذه؟
طالب: الشعيرة.
الشيخ: الشعيرة، وإبرازها، وهذا شيء مقصود للشارع، وكما أسلفنا فيما سبق وذكرتموه أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر بالخروج إليها مع المشقة، وهذا يدل على العناية بهذا الخروج.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويُسَن تبكير مأموم إليها) يعني: يسن أن يبكِّر المأموم إلى صلاة العيد من متى؟ من بعد صلاة الفجر، أو من بعد طلوع الشمس إذا كان المسجد قريبًا، كما لو كانت البلدة صغيرة والصحراء قريبة.
وكان ابن عمر رضي الله عنه لا يخرج إلا إذا طلعت الشمس (15)، لكن مصلى العيد في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وفي عهد الصحابة مثل ابن عمر كان قريبًا، يمكن للإنسان أن يخرج بعد طلوع الشمس ويدرك الصلاة، على كل حال الأفضل أن يبكر من صلاة الفجر أو من طلوع الفجر؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، من صلاة الفجر؛ لأنه لو خرج من طلوع الفجر لم يصلِّ الجماعة مع الناس وهذا حرام.
يقول المؤلف: (يسن تبكير مأموم إليها ماشيًا) هذه السنة قد تؤخذ من عمل الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى المصلى إذا طلعت الشمس، ويجد الناس قد حضروا، وهذا يستلزم أن يكونوا قد تقدموا، هذه واحدة، ولأن ذلك سبق إلى الخير، ولأنه إذا وصل إلى المسجد وانتظر الصلاة فإنه لا يزال في صلاة، ولأنه إذا تقدم يحصل له الدنو من الإمام.
وكل هذه العلل علل مقصودة في الشرع.
يقول المؤلف: (ماشيًا) يعني: يسن أن يخرج ماشيًا، لا على سيارة، ولا على حمار، ولا على فرس، ولا على بعير؛ لأن من السنة أن يخرج إلى العيد ماشيًا كما ذكره علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولكن إذا كان هناك عذر كبعد المسجد، أو مرض في الإنسان، أو ما أشبه ذلك، فلا حرج أن يخرج إليها راكبًا.
يقول: (بعد الصبح) يعني: بعد صلاة الصبح، (وتأخر إمام إلى وقت الصلاة) يعني: ويسن أن يتأخر الإمام إلى وقت الصلاة.
ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى العيد فأول شيء يبدأ به الصلاة (16)، وهذا يدل على أنه لا يحضر فيجلس، بل يحضر ويشرع في الصلاة.
فالسنة للإمام أن يتأخر حتى يأتي وقت الصلاة ويخرج، وكذلك نقول في الجمعة: إن السنة للإمام أن يتأخر، وأما ما يفعله بعض الأئمة؛ أئمة الجمعة الذين يريدون الخير فيتقدمون ليحصلوا على أجر أكمل «مَنْ رَاحَ فِي السَّاعِةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً» (17)، فهؤلاء يثابون على نيتهم، ولا يثابون على عملهم، لماذا؟ لأنه خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجمعة إنما يأتي عند الخطبة فيأتي ويخطب وليس يتقدم، ولو كان هذا من الخير لكان أول فاعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كذلك أيضًا هناك دليل نظري، الدليل الأثري في هذه المسألة أن الإمام يتأخر فِعْلُ النبي عليه الصلاة والسلام، الدليل النظري يقولون: لأن الإمام يُنتظَر ولا يَنتظِر، أيش معنى هذا؟ يعني: الناس ينتظرونه، أما هو فلا ينتظر الناس إذا جاء أقيمت الصلاة.
(على أحسن هيئة) يعني: يُسَن أن يخرج على أحسن هيئة، (على أحسن) يشمل الإمام والمأموم؛ يعني: ينبغي أن يخرج لصلاة العيد على أحسن هيئة، في أي شيء؟ في لباسه، وفي هيئته، مثلًا يحف الشارب، يقلِّم الأظفار، يتنظَّف، يلبس أحسن ثيابه، وهذا يختلف باختلاف الناس؛ فيه ناس مثلًا أحسن ثيابهم القمص، وفيه ناس أحسن ثيابهم الثياب الفضفاضة، وفيه ناس أحسن ثيابهم المشالح، المهم يختلف، فيلبس أحسن ثيابه، إظهارًا للسرور والفرح بهذا اليوم؛ يوم العيد، وتحدثًا بنعمة الله قوليًّا أو فعليًّا؟
طلبة: فعليًّا.
الشيخ: تحدثًا فعليًّا؛ لأن الله إذا أنعم على عبده نعمة يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
قال: (إلا المعتكف ففي ثياب اعتكافه) المعتكف ينبغي أن يخرج في ثياب اعتكافه، ولو كانت غير نظيفة، لماذا؟ قالوا: لأن هذه الثياب أثر عبادة، فينبغي أن يبقى أثر العبادة عليه، كما يشرع في دم الشهيد أن يبقى عليه؛ لأنه أثر عبادة، ولكن هذا القول في غاية الضعف، ضعيف أثرًا ونظرًا.
أما الأثر فإن النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أنه كان يعتكف، ومع ذلك يلبس أحسن الثياب، فهو مخالف للسنة، هذا القول مخالف للسنة.
وأما النظر فلأن توسخ ثياب المعتكف ليس من أثر اعتكافه، ولكن من طول بقائها عليه؛ ولهذا لو لبس ثوبًا نظيفًا ليلة العيد أو في آخر يوم من رمضان ما أثر، ولا يصح قياسه على دم الشهيد؛ لأن الشهيد يأتي يوم القيامة، وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فبينهما فرق كبير.
فالصحيح أن المعتكف كغيره يخرج إلى صلاة العيد متنظفًا لابسًا أحسن ثيابه.
طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا في مسألة تقديم صلاة الأضحى على الفطر (... ) أقول: هذا -أحسن الله إليك- يخالف (... ) النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما يبدأ بالصلاة (... )، أول ما يبدؤون يبدؤون بالصلاة ثم خطبة العيد، أقول: هل تقسيم (... ) في هذا الحديث حديث أبي سعيد أول شيء نبدأ به الصلاة إذا خرج إلى الفطر والأضحى أينما صلى، أقول: التفصيل السابق الذي مر معنا قبل قليل بأنه في صلاة الفطر يؤخر..
الشيخ: يؤخر الصلاة، صحيح ما يخالف، لأيش يخالف؟
الطالب: يعني -أحسن الله إليك- هل المراد بالتأخير إيقاع الصلاة مع خطبتها؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الصلاة مع الخطبة؟
الشيخ: لا، الصلاة مع الخطبة؛ يعني: ما هو معناه يخطب ويجد مثلًا قاعدين الناس (... ) الصلاة، تأخير صلاة الفطر هي والخطبة.
طالب: يخطب ثم يصلي (... )؟
الشيخ: لا، يؤخر الصلاة، ومعروف أنه يوم العيد الخطبة فيه بعد الصلاة، إذا أخر الصلاة أخر الخطبة.
طالب: (... ).
الشيخ: يعني مثلًا إذا كنا نصلي يوم العيد في الفطر الساعة السادسة، نصلي في الأضحى الساعة خمسة ونصف نبكِّرُ.
طالب: (... ) إمام المصلى الذي يخطب العيدين، انتظر لكي يقدم إمام المسلمين (... ) قدوم الإمام؟
الشيخ: يسأل يقول: هل إذا انتظر إمام الصلاة إمام البلد -يعني السلطان الأعظم- هل ينتظره متى جاء؟ نقول: هذه إذا كان الإمام الأعظم؛ السلطان إذا كان مهتمًا بأمر المسلمين ويحضر في الوقت ولا يتأخر عن الناس، فَنَعَمْ الأحسن أن ينتظر، وأما إذا كان لا يبالي يتأخر ساعة أو ساعة ونصف، والناس تأكلهم الشمس فهذا ليس له حرمة.
طالب: إذا كان يا شيخ بالإمام (... ) له أن يتقدم.
الشيخ: واللهِ الأفضل ألَّا يتقدم.
طالب: ولو كان يضع الخطبة في المسجد؟
الشيخ: نعم؟
الطالب: أقول: الأوراق (... )؟
الشيخ: يحطهم في غرفة البيت.
الطالب: (... )؟
الشيخ: واللهِ على كل حال هو الأفضل هو ما هو بحرام.
الطالب: ولو كان البيت بعيدًا؟
الشيخ: واللهِ الأفضل أن يبقى في بيته حتى يحين وقت الصلاة.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَعْيَادُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ» وذكر أيام التشريق (18).
الشيخ: هذه تبع لعيد الأضحى.
ما حكم صلاة العيدين؟
طالب: على قول المؤلف (... ) ثلاثة أقوال؛ منهم من قال: فرض عين.
الشيخ: على كلام المؤلف؟
الطالب: على كلام المؤلف فرض كفاية.
الشيخ: فرض كفاية، ما معنى فرض الكفاية؟
طالب: إذا قام به البعض سقط الإثم عن..
الشيخ: هو الذي إذا قام به؟
الطالب: البعض سقط الإثم عن الباقين.
الشيخ: ما الفرق بينه وبين فرض العين؟
طالب: فرض العين أن كل إنسان يقوم بنفسه بهذا العمل، فإذا ترك..
الشيخ: أنه مطلوب من كل واحد بعينه.
الطالب: أما فرض الكفاية فهو مطلوب من الجميع.
الشيخ: من الجميع؟
الطالب: من المجموع.
الشيخ: من المجموع؛ لأن المقصود فعل هذا الشيء.
هل تعرف شيئًا من فروض الكفاية سوى العيدين؟
طالب: نعم، كصلاة الاستسقاء.
الشيخ: الاستسقاء فرض كفاية؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نحن لم نصل إليها بعد، ما وصلناها اتركها، شيء من اللي مضى، الأذان؟
الطالب: الأذان، نعم.
الشيخ: الأذان فرض كفاية، هل عندك دليل على أنه فرض كفاية؟
الطالب: نعم؛ لأنه من شعائر الدين الظاهرة.
الشيخ: ولقول الرسول: «إِذَا حَضَرَتِ لَكُمْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ» (19).
يرى بعض العلماء أن صلاة العيد فرض عين فما حجتهم؟
طالب: مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولأن في عهده صلى الله عليه وسلم اجتمع صلاة الجمعة وصلاة العيد، فبعد أن صلى العيد وسلَّم قال: «إِنَّ الْيَوْمَ جُمُعَةٌ وَإِنَّا مُجْمِعُونَ، فَمَنْ أَرَادَ الْجُمُعَةَ فَلْيَأْتِ، وَمَنْ أَرَادَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ» (20) وصلاة الجمعة واجب، ولا يسقط الواجب إلا بواجب.
طالب: فعل الرسول صلى الله عليه وسلم (... ) النساء (... ).
الشيخ: إي نعم، هذا الأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، الذين قالوا: إنه لا يمكن أن يكون فرض عين؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلَا أَنْ تَتَطَوَّعَ» (21).
طالب: الحديث الذي (... ) علم الصحابي أعمال اليوم والليلة (... ).
الشيخ: أما هذه فوجوبها عارض.
علموا بالعيد بعد زوال الشمس ماذا يصنعون؟
طالب: يصلون من الغد.
الشيخ: يصلون من الغد، ركعتين؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ركعتين، كالسنن العادية؟
الطالب: كصلاة العيد.
الشيخ: إذن يصلون صلاة العيد من الغد بخطبة وكل شيء.
هل هناك دليل على هذه المسألة؟
طالب: ما رواه أبو عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار ذكروا أن قومًا غُمَّ عليهم هلال شهر شوال، فجاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ركب فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس أن يصلوها من الغد وأن يفطروا في يومهم (3).
الشيخ: أحسنت، تمام.
يقول المؤلف: إنه يخرج على أحسن هيئة إلا المعتكف.
طالب: هذا على المذهب، ولكن الراجح..
الشيخ: المؤلف يرى أن المعتكف يخرج في ثياب اعتكافه، فما حجته؟
طالب: حجته؛ لأن عليه أثر العبادة، والراجح خلافه.
الشيخ: فينبغي أن يبقيها.
الطالب: أن يبقي عليها.
الشيخ: أن يبقي هذا الأثر عليه، هل له شيء يقيسونه عليه؟
الطالب: يقيسونه على دم الشهيد.
الشيخ: نعم، على دم الشهيد، قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أن يدفن الشهداء بدمائهم؛ لأنه أثر عبادة، ذكرنا أن الصحيح خلاف ذلك، وعللنا ذلك بعلل عديدة.
طالب: بالنسبة لدم الشهيد أثر عبادة؛ لأنه كان (... ) عبادة من الجهاد، أما الثياب فهي من لبسها على..
الشيخ: إي نعم.
الطالب: على الجسد تتسخ.
الشيخ: ولهذا تتسخ للمعتكف ولغير المعتكف.
الطالب: ولذلك ليس من الأفضل أن يبقيها.
الشيخ: نعم.
طالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف، وكان يصلي العيد.
الشيخ: وكان يتجمل للعيد، المعتكف بيصلي العيد، لكن التجمل..، وكان يتجمل للعيد كما في صحيح البخاري (22) وغيره.
طالب: فيه تعليل آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يَثْعَبُ دمًا (23) بخلاف المعتكف.
الشيخ: بخلاف المعتكف، لو مات في ثيابه ما جاء في ثيابه، أيضًا هذا يؤدي إلى؟
طالب: أيضًا فيه تعليل آخر لو لبس ثيابًا جديدًا في ليلة العيد لخرج بثياب جديدة ليس عليها أثر الاعتكاف، هذا التعليل الذي عللوا به.
الشيخ: إي، هم يقولون من أجل هذا قلنا: لا يلبس ثيابًا جديدة.
الطالب: لا، لو لبس أثناء اعتكافه ثيابًا جديدة.
الشيخ: نعم، لو لبس في آخر يوم ثوبًا جديدًا قلنا: اخرج به، فيه شيء؟
طالب: أنه أيضًا يخرج ليلة العيد يا شيخ.
الشيخ: فيه أيضًا أنه ربما يكون هذا مدعاة للرياء، رياء من؟
طلبة: المعتكف.
الشيخ: المعتكف، الناس يتساءلون لأيش هذا عليه ثياب وسخة، قال: واللهِ هذا المعتكف، ففيه مدعاة للرياء.
طالب: قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31].
الشيخ: يعني: مخالف لظاهر الآية.
على كل حال إذنْ الصحيح أنه لا يستثنى المعتكف.
ثم قال المؤلف: (ومن شرطها) أي: من شرط صلاة العيد، (استيطان) أي: أن تقام من جماعة مستوطنين، فخرج بذلك المسافرون والمقيمون؛ لأن الناس على المشهور من المذهب ثلاثة أقسام؛ مسافر، ومقيم، ومستوطن.
أما المسافر فواضح، وأما المقيم فهو المسافر إذا نوى إقامة تقطع حكم السفر، وهي على المذهب؟
طلبة: أربعة أيام.
الشيخ: أربعة أيام، هذا يسمونه مقيمًا لا مسافرًا ولا مستوطنًا.
وأما المستوطن فهو الذي في بلده، فيشترط لصحة صلاة العيد أن تكون من قوم مستوطنين، فخرج بذلك من؟
طلبة: المسافر والمقيم.
الشيخ: المسافر والمقيم، وعلى هذا فإذا جاء العيد ونحن في سفر فإنه لا يشرع لنا أن نصلي صلاة العيد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم صلاة العيد إلا في المدينة، وسافر إلى مكة عام غزوة الفتح، وبقي فيها إلى أول شوال، وأتاه العيد، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صلَّى صلاة العيد، وفي حجه صادفه العيد وهو في منى، ولم يقم صلاة العيد؛ لأنه مسافر، كما أنه لم يقم صلاة الجمعة في عرفة؛ لأنه مسافر.
إذنْ المسافرون لا يُشْرَع في حقهم صلاة العيد، وهذا واضح؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
المقيمون كذلك على المذهب؛ لأنهم ليسوا من أهل إقامة الجمعة فلا يكونون من أهل إقامة العيد.
فلو فرضنا أن جماعة تبلغ مئتين في بلد غير إسلامي، وكانوا قد أقاموا للدراسة لا للاستيطان، وصادفهم العيد فإنهم لا يقيمون صلاة العيد؛ لأنهم ليسوا مستوطنين، ولكن في هذا القول نظرًا؛ ولهذا كان الناس الآن على خلاف هذا القول، فالذين أقاموا للدراسة في بلاد الكفر التي لا تقام فيها صلاة العيد كانوا يقيمون الجمعة ويقيمون صلاة العيد، ويرون أنهم لو تخلفوا عن ذلك لكان في هذا مطعن عليهم أنهم لا يقيمون شعائر دينهم في مناسباتها، هذا واحد.
الشيء الثاني قال: ومن شرطها أيضًا (عدد الجمعة)، وعدد الجمعة على المشهور من المذهب كم؟
طالب: أربعون.
الشيخ: أربعون رجلًا من المستوطنين أيضًا، وقد سبق لنا أن القول الراجح في عدد الجمعة كم؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، فهذا يبنى على هذاك، لا بد من عدد يبلغون ثلاثة، فإن لم يوجد في القرية إلا رجل واحد مسلم فإنه لا يقيم صلاة العيد، أو رجلان فلا يقيمان صلاة العيد، أو ثلاثة فيقيمونها.
ثم قال: (لا إذن إمام) يعني: لا يشترط إذن الإمام لصلاة العيد، فلو أن أهل بلد ثبت عندهم الهلال وأفطروا، فهل يلزمهم أن يستأذنوا الإمام في إقامة صلاة العيد؟ لا، حتى لو قال الإمام: لا تقيموها، فإنه يجب عليهم أن يقيموها وأن يعصوه، لماذا؟ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وقد سبق لنا في الجمعة أنه ينبغي أن يُشْتَرط إذن الإمام لتعدد الجمعة، فهذا العيد أيضًا نقول فيه ما نقول في الجمعة؛ يعني: أنه لو احتاج الناس إلى إقامة مسجد آخر للعيد فإنه لا بد من إذن الإمام أو نائب الإمام، حتى لا يحصل فوضى بين الناس، ويصير كل واحد منهم يقيم مصلى عيد.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويُسَن أن يرجع من طريق آخر) (يُسَن أن يرجع) الفاعل من؟
طلبة: المصلي.
الشيخ: المصلي صلاة العيد، يُسَن أن يرجع من طريق آخر؛ إذا خرج من طريق أن يرجع من طريق آخر اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان إذا خرج يوم العيد خالف الطريق (24)، ثبت ذلك عنه.