الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 277-316

وقوله: (من حيث وَجَبَا) يعني: إذا وجب عليه الحج في بلد قريب أو بعيد، وسواء كان بلدَه أم غير بلده وجب عليه أن يحج من حيث وَجَبَا، أن يقيم شخصًا من حيث وجبَا، فإذا قدَّرْنَا أنه من أهل القصيم وسافر للتجارة إلى.. ماذا نقول؟ طالب: مصر.
الشيخ: إلى مصر، المصري يقول: إلى مصر، وأغناه الله في هذه الرحلة، نقول: أَقِمْ مَن يحج عنك من مصر ولو كنت من أهل القصيم، من حيث وجب.
إنسان من أهل القصيم أغناه الله في القصيم، وهو لا يستطيع أن يسافر إلى مكة، ووجد شخصًا ذا علم ودِين في مكة، وأنابه منابه، يصح أو لا يصح؟ على كلام المؤلف لا يصح، لماذا؟ لأن الواجب أن يقيم؟ طالب: من القصيم.
الشيخ: من حيث وجب عليه الحج؛ من القصيم، مع أن الذي في مكة رجل عالم آمين موثوق لا يجد مثلَه في القصيم، نقول: ولو كان هذا، لازم أن تقيم مَن يحج عنك من حيث وجب عليك الحج.
وهذا القول ضعيف، وذلك لأن السير من مكان الوجوب إلى مكة ليس مقصودًا لذاته، بل هو مقصود لغيره، ولهذا لو سافر الإنسان الذي يجب عليه الحج من بلده إلى مكة لتجارة ثم طرأ عليه أن يحج من مكة، هل نقول: ارجع الى بلدك لتأتي بنية الحج، أو نقول: حُجّ من مكة؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، واضح؟ فصار السعي من مكان الوجوب إلى مكة ليس مقصودًا لذاته، ولكنه مقصود؟ طلبة: لغيره.
الشيخ: لغيره، وهو الوصول إلى مكة، وعلى هذا القول لو أقام مَن يحج عنه أو يعتمر في مكة وهو من غير أهل مكة فإن هذه الإقامة والإنابة صحيحة، وهذا هو القول الصحيح بلا شك؛ لأن الحج والعمرة ليس من شرطهما نيّتهما من بلدك، ما هو شرط، إذن قوله: (من حيث وَجَبَا) هذا المذهب، والصواب أيش؟ أن ذلك ليس بشرط.

قال: (ويجزئ عنه) يعني: إذا أقام مَن يحج عنه ويعتمر يجزئ عنه (وإن عُوفِي بعد الإحرام) يعني: يجزئ النسك عنه وإن عُوفِي بعد الإحرام، أفادنا رحمه الله أنه لو عُوفِي قبل الإحرام لم يجزئ عنه، وينعزل النائم؛ لعدم صحة الإنابة حينئذ، وأنه إذا عُوفِيَ بعد تمام النسك يجزئه أو لا يجزئه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يجزئه، إذا عُوفِي في أثناء النسك يقول المؤلف: إنه يجزئ؛ لأن النائب حين شروعه في النسك قد شرع في نسك صحيح، ولا يمكن أن نبطله إلا بدليل شرعي، ولا دليل على هذا.
إذن الْمُسْتَنِيب لمرض لا يُرْجَى برؤه أو كِبَر إذا أناب غيرَه ثم زال المانع، فإن كان قبل الإحرام أيش؟ لم يجزئ عنه، وإن كان بعد تمام النسك أجزأ عنه بلا إشكال، وإن كان قبل أن يتم نسكه فالصحيح ما ذهب إليه المؤلف أنه يجزئه وإن عُوفِي بعد الإحرام.
يقول: (وإن عُوفِي بعد الإحرام) (ويُشْتَرَط لوجوبه على المرأة وجود مَحْرَمِها)، يُشْتَرَط لوجوبه –أي: الحج، ومثله العمرة- على المرأة وجودُ مَحْرَمِها، يعني وجود مَحْرَمِها الذي يصحبها؛ لأن ذلك من الاستطاعة، فإن لم يكن لها مَحْرَم لم يجب عليها؛ لأنها لا تستطيع الوصول إلى مكة، ونفي الاستطاعة هنا أو انتفاء الاستطاعة هنا استطاعة شرعية أو حسية؟ طلبة: شرعية.
الشيخ: شرعية، هي تستطيع أن تذهب بلا مَحْرَم، لكن شرعًا هي ممنوعة، وإذا كان ممنوعة شرعًا فإنها لن تستطيع أن تعصي الله بطاعته، وعليه فلا يجب على المرأة إذا لم تجد مَحْرَمًا يحج معها، لو ماتت هذه المرأة وهي غنية جدًّا لكن ليس لها مَحْرَم هل يُحَجّ عنها أو لا؟ لا يُحَجّ عنها إلا تبرُّعًا من الورثة، وذلك لأن الحج لم يجب عليها، فإذا لم يجب عليها صارت كالذي ليس عنده مال.

وعُلِمَ من قوله: (لوجوبه على المرأة) أن الْمَحْرَم شرطٌ للوجوب وليس للأداء، وهذا محل خلاف بين الفقهاء؛ بعضهم يقول: إنه شرط للوجوب، وعلى هذا فمَن ليس عندها مَحْرَم أو عندها مَحْرَم لم يوافق؟ طالب: لا يلزمها.
الشيخ: لا شيء عليها، حتى لو ماتت، وإذا قلنا: إنه شرط للأداء، فإنه إذا لم يكن لها مَحْرَم وجب عليها أن تقيم مَن يحج عنها؛ لأنه شرط للأداء، يعني شرط لكونها تؤدي الحج بنفسها، وأما بمالها فليس بشرط، والذي يظهر أنه شرط للوجوب؛ لأن التي ليس لها مَحْرَم ممنوعة شرعًا من السفر، والامتناع الشرعي كالامتناع الحسي، أفهمتم بارك الله فيكم؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وعلى هذا فلو ماتت وهي غنية لكنها لم تجد مَحْرَمًا؟ طالب: لا يلزمها.
الشيخ: لا يلزمها أن نُخْرِج من تركتها حجة؛ لأنها لم تجب عليها، لكن في هذه الحال ينبغي للورثة أن يُحْسِنُوا إليها إذا كانت غنية؛ لأن المال إنما جاءهم من قِبَلِها، فالذي ينبغي في هذه الحال أن يقيموا مَن يحج عنها.
إذا وجدت الْمَحْرَم لكن أَبَى، قال: ما أنا بحاج، هل يُجْبَر على ذلك أو لا يُجْبَر؟ طلبة: لا يُجْبَر.
الشيخ: لا يُجْبَر؛ لأننا لو أجبرناه لأجبرناه إتمام عبادة غيره فيأثم بإثم غيره، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]، لا يلزم، هل يلزمها هي إذا وجدت الْمَحْرَم وقال: لا أذهب إلا بأجرة، وهي قادرة على أجرته، هل يلزمها أن تبذل الأجرة؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم يلزمها؛ لأن مَا لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهو حينما يطلب الأجرة معذور؛ لأنه سوف ينقطع عن مصالحه، وينقطع عن أهله، فله ذلك.
فمَن هو الْمَحْرَم؟ يقول رحمه الله: (هو زوجها أو مَن تحرُم عليه على التأبيد بنَسَبٍ أو سبب مباح) هذا الْمَحْرَم، الزوج واضح مَحْرَم لها، دائمًا أو غير دائم؟ طلبة: دائم.

الشيخ: لا، غير دائم، إذا طلَّقها وبانت منه انقطعت الْمَحْرَمِيَّة؛ لأنه الآن لا يصدُق عليه أنه زوج، ونحن نقول: إنه مَحْرَم؛ لأنه زوج، فإذا طلقها لم يكن مَحْرَمًا لها إذا بانت منه.
(أو مَن تَحْرُم عليه على التأبيد بِنَسَب أو سبب مباح)، (مَن تحرم عليه على التأبيد) يعني تحريمًا مؤبَّدًا، وذلك لأن التحريم قد يكون مؤبَّدًا، وقد يكون إلى أمد، فالْمُحْرِمَة تحرم على غير الْمُحْرِم، وعلى الْمُحْرِم من باب أولى، لكن تحريمها مؤبد أو إلى أمد؟ طلبة: إلى أمد.
الشيخ: إلى أمد، متى حلَّت حَلَّت، فخرج بقولنا: (على التأبيد) خرج مَن تَحْرُم؟ طلبة: إلى أمد.
الشيخ: إلى أمد كالْمُحْرِمَة، الثاني: يقول: (بِنَسَب أو سبب مباح)، (بنسب) أي: بقرابة، والمحارم من النسب هم الأصول والفروع، الأصول وإن عَلَوا، والفروع وإن نزلوا، وفروع الأب الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأب الأعلى لا إن نزلوا، كم هم الآن؟ أربعة أصناف؛ الأصول.
طالب: والفروع.
الشيخ: والفروع، وفروع الأب الأدنى وإن نزلوا، وفروع الأب الأعلى لا إن نزلوا، تمام؟ أبو المرأة مَحْرَم، جدها مَحْرَم من أب أو أم وإن عَلَوا، ابن المرأة؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: مَحْرَم، ابن ابنها وإن نزل؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: ابن بنتها وإن نزل مَحْرَم.
فروع الأب الأدنى وإن نزلوا، مَن هم فروع الأب الأدنى؟ طالب: العمات.
الشيخ: الإخوة، أخو المرأة مَحْرَم، ابن أخيها سواء من أب أو أم أو شقيق؟ طالب: مَحْرَم.
الشيخ: ابن أخيها، تأمَّلُوا بارك الله فيكم؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: مَحْرَم؟ إي؛ لأنه من فروع الأب الأدنى، فروع الأب الأدنى وإن نزلوا، فروع الأب الأعلى لا إن نزلوا؟ طالب: العم.
الشيخ: عم المرأة؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: خالها؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: ابن عمها؟ طلبة: ليس بِمَحْرَم.
الشيخ: لا، ابن خالها؟ طالب: كذلك.
الشيخ: لا؛ لأننا نقول: فروع الأب الأعلى، كَمِّل؟ طلبة: لا إن نزلوا.

الشيخ: لا إن نزلوا، هؤلاء الْمُحَرَّمات بالنسب أربعة أصناف.
(أو سبب مباح)، الْمُحَرَّم بسبب مباح صنفان: إما رضاع، وإما مصاهرة؛ الرضاع انظر مَن يَحْرُم بالنسب وحَرِّم مثلهن بالرضاع.
دليل هذا قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (6)، وقال: «الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُهُ الْوِلَادَةُ» (7). ذكرنا المحارم من النسب: الأصول وإن عَلَوْا، الفروع وإن نزلوا، فروع الأب الأدنى وإن نزلوا.. طلبة: فروع الأب الأعلى لا إن نزلوا.
الشيخ: فروع الأب الأعلى لا إن نزلوا، مثلهن من الرضاع حَرِّم، إذا أردتم أن يكون الأمر أسهل من الضابط، الضابط لا يعرفه إلا الطالب الجيِّد، نأخذ بالعدد دون حَدّ، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: 23] كم دُول؟ طالب: سبع.
الشيخ: سبع، حَرِّم مثلهن من الرضاع، أبوها من الرضاع؟ مَحْرَم، جدها من الرضاع؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: مَحْرَم، ابنها من الرضاع؟ مَحْرَم، ابن ابنها من الرضاع؟ مَحْرَم، ابن بنتها من الرضاع؟ مَحْرَم، أخوها من الرضاع؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: ابن أخيها من الرضاع؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: عمها من الرضاع؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: خالها من الرضاع؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: ابن عمها من الرضاع؟ طلبة: ليس بِمَحْرَم.
الشيخ: ما شاء الله على طول، ابن خالها من الرضاع؟ طلبة: ليس بِمَحْرَم.
الشيخ: ليس بِمَحْرَم، خلاص الآن عرفنا الصنف الأول من السبب المباح وهو؟ الرضاع.
ونقول كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (6)، وكلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جامع مانع، كل مَن تحرُم من النسب يَحْرُم نظيرها من الرضاع، ومَن لا فلا، الثاني من السبب المباح؟

طلبة: المصاهرة.
الشيخ: المصاهرة تكون بين زوجين، فنحتاج الآن إلى معرفة الْمُحَرَّم من قِبَل الزوج، والْمُحَرَّم من قبل الزوجة، الْمُحَرَّم من قبل الزوج أصوله وفروعه وإن نزلوا، صح؟ أصوله وفروعه وإن نزلوا؟ طلبة: الفروع وإن نزلوا.
الشيخ: إي أصول الزوج وفروع الزوج وإن نزلوا، يعني أصوله وإن عَلَوْا وفروعه وإن نزلوا؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؟ أبو الزوج بالنسبة للزوجة؟ مَحْرَم، جده؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: مَحْرَم، عمه؟ طالب: مَحْرَم.
الشيخ: لا، ليس بِمَحْرَم، إحنا قلنا: أصول الزوج، إذن أبوه مَحْرَم للزوجة، جده مَحْرَم للزوجة، أبو جده؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: ابن الزوج؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: ابن ابنه؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: ابن بنته؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: مَحْرَم للزوجة، تمام؟ اضبط، أصول الزوج وإن عَلَوْا، والثاني؟ طلبة: فروع الزوج.
الشيخ: فروعه وإن نزلوا، محارم لمن؟ طالب: الزوجة.
الشيخ: للزوجة، بقينا جانب الزوجة أصولها وإن عَلَوْنَ مَحْرَم للزوج، صح؟ طالب: نعم.
طالب آخر: نعم صحيح.
الشيخ: مبني على عَزَاز ولَّا على هَيَار؟ أصولها وإن عَلَوْنَ مَحْرَم للزوج، أمها؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: جدتها؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: أم جدتها؟ طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: فروعها وإن نَزَلْنَ مَحْرَم للزوج، لكن هذا الأخير يُشْتَرَط فيه أن يدخل بالزوجة، يعني: أن يطأها، فهمتم جيدًا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الآن رجل تزوج امرأة ولها بنت من غيره ولها أم، ثم طلَّق هذه الزوجة قبل أن يجامعها، هل أمها تحرُم عليه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: تحرم عليه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هل بنتها تحرُم عليه؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليش؟ طلبة: ما دخل بها.
الشيخ: لأنه ما دخل بأمها، دخل بأمها هل أمها تحرُم عليه؟ طلبة: نعم.
طالب: تحرُم.
الشيخ: هل بنتها تحرُم عليه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هل هي تحرُم عليه؟ طلبة: لا.
طالب: هي مَحْرَمُه.

الشيخ: نعم يمكن يطلّقها، شوف سبحان الله! إذا طلَّقها، طلق هذه المرأة التي بين بنت وأم، بنتها هو محرَم لها، وأمها وهي ليس محرَمًا لها، كذا؟ طالب: نعم.
الشيخ: تأملوا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: مؤكَّد؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ولذلك يجوز أن يتزوجها، ولا يجوز أن يتزوج؟ طلبة: أمها.
الشيخ: أمها وبنتها، السبب المباح صار صنفين؛ الأول؟ طالب: المحرمات بالرضاع.
الشيخ: المحرمات بالرضاع، والثاني المحرمات بالمصاهرة.
خرج بقوله: (مباح) مَن تحرُم أبدًا بسببٍ مُحَرَّم، مَن تحرُم أبدًا بسببٍ مُحَرَّم فإنها لا تكون مَحْرَمًا مثل الملاعَنَة، وهي التي رماها زوجها بالزنا، ولم تُقِرّ، ولم يثبت ما رماها به، تُجْرَى بينهما الملاعَنَة، فإذا تمت الملاعنة حَرُمت هذه المرأة على زوجها تحريمًا مؤبَّدًا، فهل يكون هذا الزوج مَحْرَمًا لها أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لا إله إلا الله؟ طالب: ليس مَحْرَمًا.
الشيخ: ليش؟ لأن تحريمها بسبب مُحَرَّم وهو رميها بالزنا، فعليه لا يكون مَحْرَمًا لها؛ لأنه حَرُم عليها بسببٍ مُحَرَّم.
بنت الزاني حرام عليه، وهي لا تلحقه نسبًا؛ لأن بنت الْمَزْنِيّ بها ليست بنتًا للزاني، لكنها تحرُم عليه، بسبب؟ طالب: غير مباح.
الشيخ: مباح ولَّا غير مباح؟ طالب: غير مباح.
الشيخ: إذن لا يكون مَحْرَمًا لها، واضح يا جماعة؟ لأن السبب؟ طالب: غير مباح.
الشيخ: غير مباح، هذا خرج بقول المؤلف: (أو سبب مباح).
قال: (وإن مات مَن لَزِمَاه أُخْرِجَا من تركته)، إذا مات الإنسان بعد وجوب الحج عليه لكنه أَخَّر لعذر أو لغير عذر أُخْرِج من تركته، هذا إن كان له تركة، وإن لم يكن له تركة سقط عنه، كيف لم يكن له تركة؟ نقول: نعم، هذا إنسان أغناه الله، واستطاع الحج ولم يحج عام ثمانية عشر، وفي أثناء العام اجتيح ماله بجائحة، ثم مات، هل بقي له تركة؟ طالب: لا.

الشيخ: هل يلزم ورثتَه أن يحجوا عنه؟ لا يلزمهم، ولهذا قال: (أُخْرِجَا من تركته) فعُلِمَ منه أنه لو لم يكن له تركة لم يلزم أحدًا أن يحج عنه، لكن إن تبرَّع أولياؤه بالحج عنه فجزاهم الله خيرًا، وإلَّا فلا.
لو أن رجلًا، نحن لم نتكلم على كلمة (الفور).
الحج على المذهب إذا تمت الشروط فهو واجب على؟ الفور وجوبًا لا يتأخر، هذا هو القول الراجح، وقال بعض العلماء: إنه واجب على التراخي، لكنه قول ضعيف؛ لأن الأصل في الأوامر أنها؟ طلبة: على الفور.
الشيخ: على الفور، فيجب على الفور، هذا الرجل الذي أغناه الله في عام ثمانية عشر قبل الحج، وأمكنه أن يحج ثم لم يحج ومات، مات وعنده مال، كلام المؤلف يدل على أنه أيش؟ يُحَجُّ عنه من تركته.
ولكن ذهب ابن القيم رحمه الله مذهبًا جيدًا، قال: كل مَن فَرَّط في واجب فإنه لا تبرأ به ذمته ولو أُدِّيَ عنه بعد موته، وعلى هذا فلا يُحَجُّ عنه، انتبه لهذه القاعدة التي قد يغفل عنها كثير من الناس، يقول: كل مَن فَرَّطَ في واجب فإنه بعد موته لا ينفعه إذا أُدِّيَ عنه وعليه فلا يُحَجُّ عنه، ويبقى مسؤولًا أمام الله عز وجل.
لكن الجمهور على خلاف كلام ابن القيم، إلا أن كلامه هو التي تقتضيه الأدلة الشرعية، لكن الحج يَرِد عليه أن بعض العلماء قال: إنه ليس واجبًا على الفور، وحينئذ يكون معذورًا بالتأخير، وإذا مات يُحَجُّ عنه مِن تركته.
لكن بقينا في الزكاة، لو أن إنسانًا وجبت عليه الزكاة وتهاون لغير سبب شرعي، ثم مات، هل يؤدي الورثة الزكاة من ماله؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ابن القيم رحمه الله يقول: لا، لو أدوا عنه ما نفعه؛ لأن الرجل مات على أنه ما هو مزكي، كيف الإنسان ينفعه عمل غيره وهو نفسه لم يَخْتَرْ أن يفعله؟ فكلامه جيد، لكن في مسألة الزكاة أرى أنه يجب أن تُخْرَج من ماله؛ لأن الزكاة تعلَّق بها حق؟ طالب: حق الغير.
الشيخ: حق الغير، وهم؟ طلبة: الفقراء.
الشيخ: ما هم الفقراء.

طلبة: أهل الزكاة.
الشيخ: أهل الزكاة، فتؤدَّى من ماله، لكنها عند الله لا تُبْرِئ ذمته؛ لكونه تعمد أن يترك، والله الموفِّق، انتهى الوقت.
طلبة: غدًا إن شاء الله.
الشيخ: غدًا إن شاء الله عشر دقائق تكون في أول الدرس إن شاء الله.


باب المواقيت

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك: باب المواقيت.. وميقات أهل المدينة ذو الحُلَيْفَة، وأهل الشام ومصر والمغرب الجُحْفَة، وأهل اليمن يَلَمْلَم، وأهل نجد قَرْن، وأهل المشرق ذات عِرْق، وهي لأهلها ولمَن مَرَّ عليها من غيرهم، ومَن حج من أهل مكة فمنها، وعمرته من الحل، وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، سبق لنا أن شروط وجوب الحج خمسة؟ طالب: الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.
الشيخ: نعم، هذه خمسة: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والاستطاعة، ومن الاستطاعة وجود الْمَحْرَم، والباقي ظاهر.
(باب المواقيت)، المواقيت جمع ميقات، مأخوذ من الوقت، والمراد به هنا الأماكن التي حَدَّدَها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأهل البلدان يُحْرِمُون منها، واعلم أن الحج له ميقاتان: زماني، ومكاني، والعمرة لها ميقات واحد مكاني، وذلك أن العمرة تصح في أي يوم من أيام السنة، وأما الحج فهو أشهر معلومات كما قال الله عز وجل، تبتدئ أولَّ يوم من شوال، وتنتهي آخر يوم من ذي الحجة؛ لأن الله تعالى جمعها فقال: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وأقل الجمع ثلاثة.
وأما من قال: إنها تنتهي بعشر ذي الحجة، ففي قوله نظر؛ لأنه لم يأخذ بالجمع، ولم يأخذ بأفعال الحج؛ لأن أفعال الحج منها ما يُفْعَل بعد العاشر، كالمبيت والرمي.

المواقيت إذن جمع ميقات، والمراد به هنا الأمكنة التي حَدَّدَها النبي صلى الله عليه وسلم ليُحْرِم منها مَن أراد الحج أو العمرة.
قال: (ميقات أهل المدينة ذو الحُلَيْفَة)، وهو مكان معروف، وسُمِّيَ بذلك لكثرة شجرة الحلفاء فيه، ويسمَّى الآن؟ طالب: أَبْيَار عَلِيّ.
الشيخ: أَبْيَار عَلِيّ، الثاني (أهل الشام ومصر والمغرب الجُحْفة)، أهل الشام ميقاتهم الْجُحْفَة، وكذلك أهل مصر وأهل المغرب، وليس المراد المغرب الاصطلاحي الآن المملكة المغربية، بل المراد كل مَن كان غرب مكة ممن يأتي من هذا الطريق.
الْجُحْفَة قرية قديمة كانت مسكونة فخربت، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه أن ينقل حمى المدينة إلى الْجُحْفَة (8)؛ لأن أهلها إذ ذاك كانوا كفارًا، والله أعلم لماذا خَصَّ النبي صلى الله عليه وسلم هذه القرية بهذا الدعاء.
وميقات أهل اليمن يَلَمْلَم، قيل: إنه جبل، وقيل: إنه مكان حول الجبل، وعلى كل حال فهو الآن يُعْرَف بالسَّعْدِيّة.
(وأهل نجد قَرْن) يعني قَرْن المنازل، وهو يُعْرَف الآن بالسيل الكبير.
(وأهل المشرق) كالعراق وخرسان وأصفهان وغيرها (ذات عِرْق)، وهي محل معروف يسمى فيما سبق الضَّرِيبَة –بالضاد- أو الظريبة، قريب منه.
فهذه خمسة مواقيت ثبت توقيتها عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من حديث عبد الله بن عباس (9)، وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (10). أما هذه المواقيت فتختلف في البعد عن مكة، أبعدها ذو الْحُلَيْفَة، بينها وبين المدينة نحو تسعة أميال، والحكمة -والله أعلم- من كونه أبعد المواقيت وقريبًا من المدينة من أجل أن تتقارب الأحكام التي تتعلق بالْحَرَمَيْنِ، فكأنه لا يخرج من حَرَم المدينة حتى يدخل فيما يختص بحرَم مكة وهو الإحرام.
الْجُحْفَة نحو ثلاثة أيام عن مكة، يَلَمْلَم وقَرْن يومان، وذات عرق تزيد قليلًا.

تعيين هذه الأماكن قبل أن تُفْتَح هذه الأماكن فيه آية للرسول صلى الله عليه وسلم؛ إذ مضمون هذا أن هذه البلاد سوف تُفْتَح ويَحُجُّ منها المسلمون، ولهذا يقول ابن عبد القوي رحمه الله في دَالِيَّتِه المشهورة: وَتَوْقِيتُهَا مِنْ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا لِتَعْيِينِهَا مِنْ قَبْلِ فَتْحِ الْمُعَدَّدِ

يقول: (وهي لأهلها)، (وهي) أي: هذه المواقيت، (لأهلها)، أي: لأهل هذه المدن ولِمَنْ مَرَّ عليها من غيرهم، كما جاء به الحديث، وهذا من لطف الله عز وجل أنَّ مَنْ مَرَّ بها من غيرهم فإن ميقاته منها؛ لأنه لو أُلْزِمَ بأن يرجع إلى ميقاته الأصلي لكان في ذلك حرج ومشقة.
قال: (ومَن حج من أهل مكة فمنها) يعني: مَن حج من أهل مكة من مقيمٍ بها، أي: من مستوطن وأُفُقِيّ، (فمنها): يُحْرِم من مكة، ودليل ذلك حديث ابن عباس: «وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ» (9) حتى أهل مكة من مكة.
والدليل الآخر أن الصحابة الذين حَلُّوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الحج أحرموا من الأبطح من أماكنهم.
(وعمرته) أي: عمرة مَن كان من أهل مكة، والمراد مَن كان فيها من أهلها أو غيرهم (من الحِلّ)، أي: لا بد أن يخرج خارج حدود الحرم.
ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر عائشة أن تخرج لتعتمر من الحِلّ (11)، والتعليل واضح؛ لأن العمرة أصلها من الزيارة، والزائر لا بد أن يأتي من مكان آخر غير مكان الْمَزُور، والمكان الآخر في الذي معنا هو الحِلّ، فيأتي إلى العمرة من الحِلّ.
وهذا هو المتعيَّن، ومَن توهم أن أهل مكة يُحْرِمُون من مكة بالعمرة فقد غلط؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لما كَلَّف النبي صلى الله عليه وسلم أم المؤمنين عائشة وأخاها عبد الرحمن أن يَخْرُجَا إلى الحِلّ، ولا سيما أن الأمر كان ليلًا، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينتظرهما، فلما لم يفعل عُلِمَ أنه لا بد لمن أراد العمرة وهو في الحرم أن يخرج إلى الحِلّ.

يقولون: إن عائشة ليست من أهل مكة، فنقول: إنه لا فرق بين أهل مكة وغيرها في الإحرام، ولذلك كان الذين ليسوا من أهل مكة لما أرادوا الإحرام بالحج أحرموا من مكة، فدل هذا على أن العمرة غير الحج.
قال: (وأشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجة)، هذا الميقات الزماني، أشهر الحج شوال ويبتدئ من ليلة عيد الفطر، وذو القَعدة -بفتح القاف على الأفصح، ويجوز ذو القِعدة-، وعشر من ذي الحِجة –بالكسر، ويجوز الحَجة، لكن الأشهر الكسر- هذا الميقات الزمني.
بقي أن يقال: هذه الأشهر تنقسم إلى أقسام: شوال من أشهر الحج وليس شهرًا مُحَرَّمًا، ذو القعدة من أشهر الحج وهو من الأشهر الْحُرُم، ذو الحجة على كلام المؤلف بعضه من أشهر الحج، وبعضه ليس من أشهر الحج، ولكنه من الأشهر الْحُرُم، ذو القعدة من الأشهر الْحُرُم وليس من أشهر الحج.
طالب: مُحَرَّم.
الشيخ: نعم قصدي مُحَرَّم، مُحَرَّم من الأشهر الْحُرُم وليس من أشهر الحج.
يقول المؤلف رحمة الله: (عشر من ذي الحجة)، وفي هذا القول نظر؛ لأنه مخالِف لظاهر الآية: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
فإن قال قائل: هل هناك فرق بين أن نقول: أشهر معلومات إلى عشر ذي الحجة، أو إلى آخر أيام التشريق، أو إلى آخر ذي الحجة؟ نقول: بينهما فرق، الفرق هو أننا نقول: لا يجوز لأحد أن يؤخِّر شيئًا من أعمال الحج إلى ما بعد شهر ذي الحجة؛ لأن الحج أشهر معلومات لا بد أن ينحصر في هذا.
فإن قال قائل: الحج ليس يستوعب هذه الأشهر؟ قلنا: نعم، هو لا يستوعبها لا شك؛ إذ إن الحج يبتدئ في اليوم الثامن، وينتهي في اليوم الثالث عشر، لكن ما قبل وما بعد يُعْتَبَر من حُرُمَات الحج.
فائدة هذا التوقيت أنه يُكْرَه للإنسان أن يُحْرِم بالحج قبل أشهره، وأن يُحْرِم بالحج قبل الميقات، هذه فائدة، لو أراد إنسان أن يُحْرِم بالحج قبل الميقات قلنا: هذا ينعقد به الإحرام ولكنه مكروه.

وقيل: إنه لا يصح الإحرام إلا من الميقات؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ» (12)، فجعل مكان إِهْلَالِهِم نفس الميقات، لكن الجمهور على أنه يصح إلا أنه يُكْرَه، كذلك الإحرام بالحج؛ لو أحرم بالحج قبل شوال فإنه مكروه بلا شك.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا ينعقد، وأنه لو أحرم بالحج قبل شوال صار إحرامه عمرة، ولم يصح أن يكون حجًّا؛ لأنه قبل وقته، وهذا القول قوي جدًّا؛ لأن الله قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾.
مَن مَرَّ بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة فلا شك في أنه يجب عليه أن يُحْرِم، وإذا كان لا يريد حجًّا ولا عمرة فإنه لا يجب عليه الإحرام، لكن هل يجب عليه أن يريد الحج والعمرة؟ الجواب: إن القول الراجح أن مَن أدى فريضة الحج والعمرة لا يلزمه بعد ذلك حج ولا عمرة إلا بنذر، وقول العوام: إن الرجل إذا غاب عن مكة أربعين يومًا ثم عاد إليها فلا بد أن يُحْرِم، لا أصل له.
فالصواب الآن: إن مَن مَرَّ بهذه المواقيت يريد الحج والعمرة فلا بد أن يُحْرِمَ منها، ومن لا يريد لا يلزمه أن يُحْرِم، لكن هل يلزمه أن يريد؟ نقول: إن كان ذلك فريضته لزمه أن يريد الحج والعمرة ويُحْرِم من الميقات، ومَن كان أدى الفريضة لم يلزمه، سواء طالت مدة غيابه عن مكة أم لم تطل.

باب الإحرام

ثم قال المؤلف: (بابٌ الإحرامُ نيةُ النسك)، أنا عندي العنوان بالحرف الكبير (بابُ الإحرام) عندكم كذا؟ طالب: نعم.

الشيخ: أو باب مفرد؟ هذا الصواب، (بابٌ الإحرام نية النسك) أي: نية الدخول في النسك، والمراد بالنسك الحج أو العمرة، وقولنا: نية الدخول؛ لأن هذا هو مراد المؤلف، وليس مراده مَن نوى النسك؛ لأن الإنسان ربما ينوي النسك في رمضان أو في أول شوال وهو في بلده، فلا يُسَنّ له أن يغتسل، يغتسل إذا أراد، يعني إذا أراد التلبس بالنسك يُسَنُّ أن يغتسل، وهل يجزئ الغسل لو اغتسل في بلده ثم لم يغتسل عند الميقات؟ في هذا تفصيل، إن كان لا يمكنه أن يغتسل عنده الميقات كالذي يسافر بالطائرة فلا شك أن ذلك يجزئه، لكن يجعل الاغتسال عند خروجه إلى المطار، وإن كان في سيارة نظرنا؛ إن كانت المدة وجيزة كالذين يسافرون إلى مكة عن قرب أجزأه، وإن كانت بعيدة لم يجزئه، لكن لا حرج عليه أن يغتسل في بيته ويقول: إن تهيأ لي الاغتسال عند الميقات فعلت، وإلا اكتفيت بهذا الغسل؛ لأنه أحيانًا يؤخِّر الغسل إلى الميقات، فإذا جاء الميقات وجده زحمة شديدة، أو ربما يجد الماء منقطعًا، فإذا كان يخشى من هذا فلا حرج أن يغتسل في بيته على نية أنه إن تَيَسَّر له الاغتسال عند الميقات فعل.
وقوله: (غُسْلٌ) أطلق المؤلف، والمراد به الغسل الشرعي، وهو أن يغتسل كما يغتسل للجنابة.
دليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرَّد لإهلاله واغتسل (13)، وهذه سُنَّة فعلية ولا قولية؟ فعلية.
والدليل الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عُمَيْس زوج أبي بكر رضي الله عنهما حين ولدت ابنه محمدًا في ذي الحليفة أمرها أن تَسْتَثْفِرَ بثوب وتغتسل (14) مع أنها نُفَسَاء، فثبت إذن الاغتسال للإحرام مِن فِعْل الرسول عليه وعلى آله وسلم وقوله.

قال: (أو تيمُّم لعدم) يعني: وإذا عدم الماء يتيمم، والتيمم معروف، وقوله رحمه الله: (لعدم) فيها قصور، لو قال: أو تَيَمُّمٌ لِعُذْر، ليشمل مَن عَدِم الماء ومَن خاف ضررًا باستعماله، ومتى أمكن أن نأتي بالعبارة العامة فهو أولى من العبارة الخاصة.
وقوله: (أو تَيَمُّم لعدم)، لو قال قائل: ما هو الدليل على أن التيمم إذا لم يجد الماء أو تضرر باستعماله مشروع؟ نقول: لأن الاغتسال للإحرام تَعَبُّدِيّ؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به، وفِعْلِه له، فهو تَعَبُّد لأنه ليس عن جنابة، وإذا كان تعبديًّا نابَ عنه التراب عند تعذُّر استعماله؛ لأن التطهر بالتيمم ما نوعه؟ طالب: تعبدي.
الشيخ: تعبدي، وقال بعض أهل العلم -ومنهم الموفَّق وابن أخيه وصاحب الفائق- قالوا: إنه لا يتيمم عند العذر؛ لأن المقصود بالاغتسال هو التنظف والتهيؤ للإحرام، وهذا لا يحصل بالتيمم، فيقال: إنْ تَيَسَّر له الغسل بلا ضرر اغتسل، وإلا فلا يتيمم، وهذا أقرب إلى الصواب أنه إن تَيَسَّر له الاغتسال اغتسل وإلا سقط عنه.
قال: (وتَنَظُّف وتَطَيُّب)، التنظف إزالة الأوساخ، ومن ذلك إذا كانت أظفاره طويلة أن يقلمها، إذا كان شاربه طويلًا أن يقصه، إذا كانت عانته طويلة أن يحلقها، إذا كان إبطه كثير الشعر أن؟ طالب: ينتفه.
الشيخ: ينتفه، وهذا ليس بسُنَّة مطلقة، سُنَّة إن وُجِدَ هذا وافرًا، وأما إذا كان غير وافر فإنه لا يحتاج إليه؛ لأنه لم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم أنه أمر بذلك عند الإحرام، أمر بالاغتسال ولم يأمر بالتنظف، لكن إذا كانت أظفاره طويلة أو شعره المطلوب إزالته طويلًا فإنه يزيله.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، جاءت السنة بتفاضل الأعمال في العشر، هل مثلها يا شيخ يتفاضل فيها المحذور من المعاصي؛ لأن بعض الناس ما يتقيد عن المعاصي، لا في الأزمان الفاضلة ولا في الأزمان.. ؟

الشيخ: العلماء رحمهم الله قالوا: إن المعاصي في الأزمان الفاضلة أعظم جرمًا من المعاصي في غير الأزمان الفاضلة.
الطالب: جزاك الله خيرًا.

طالب آخر: يا شيخ أحسن الله إليك، إذا حَجَّت المرأة بدون مَحْرَم، فهل يصح منها عن الفرض؟ الشيخ: الصحيح أنه يصح، ولكنها آثمة إذا حَجَّت بلا مَحْرَم؛ لأن الْمَحْرَمِيَّة هذه لا تختص بالحج، كل سفر لا يجوز أن تسافر بلا مَحْرَم.
طالب: أحسن الله إليك، هذه امرأة مستطيعة بالمال وبالْمَحْرَم، لها مَن يحججها لكن لم يأذن لها زوجها؟ الشيخ: إذا وجب الحج على المرأة لا يشترط إذن الزوج، بل لو منعها فلها أن تحج؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

طالب: مَن كان مرضه يرجى برؤه فمات قبل أن يَبْرَأ، فهل يجب على ورثته أن يحجوا عنه في تركته؟ الشيخ: نعم، إذا وجب عليه الحج، يعني: إن كان عنده المال الذي يقدر أن يحج به وجب أن يُحَجّ عنه.

طالب: بارك الله فيكم، هل من موانع الحج أن تكون المرأة مُعْتَدَّة؟ الشيخ: عدة الوفاة؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، هذه من الموانع.
الطالب: إذا -يا شيخ- ماتت بعد أن (... ) بجب إخراج.. ؟ الشيخ: إذا ماتت وعندها مال تستطيع أن تحج به وجب إخراجه؛ لأن هذا وجود مانع.
طالب: بارك الله فيكم، قول عمر رضي الله عنه في أهل الكوفة: فانظروا حَذْوَهَا من طريقكم في الميقات (15)، فما معني المحاذاة يا شيخ؟ الشيخ: المساواة، وتعرف أن المساواة دائرية، مثلًا إذا كان بينهم وبين مكة يومان أو أكثر حسب أقرب ميقات لهم، والآن مُحَدَّدة كل شيء والحمد لله حتى لها طرق الآن محددة وكل شيء.
طالب: أحسن الله إليكم، مَن كان يعلم أنه يبلغ في أيام الحج، هل يجب عليه الحج وهو قادر؟ الشيخ: إذا علم أنه يبلغ قبل يوم عرفة؟ الطالب: قبل يوم عرفة.
الشيخ: نعم وجب عليه الحج، يعني بمعنى أنه إذا مات يُقْضَى عنه، لكن أن نأمره بالمسير لا نأمره بالمسير إلا إذا بلغ.

الطالب: هو يعلم يا شيخ، لكن يقول: لو كان جاي يوم عرفة وهو عند أهله ما يستطيع أن يحج.
الشيخ: ما يجب عليه الظاهر، الظاهر أنه في هذه الحال ما يجب عليه؛ لأنه ما يستطيع.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، المكي إذا أراد أن يحج متمتعًا نلزمه بالخروج إلى الحِلّ؟ الشيخ: ما فيه متعة لأهل مكة، ولهذا قال بعض العلماء: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المتعة أو التمتع، على أن أهل مكة كثير من العلماء يقول: ليس لهم عمرة.
طالب: شيخ، لو خرج من مكة يعني في أشهر الحج بنية الرجوع إليها وهو ليس مقيمًا في بلده، لكن مقيم في بلد آخر، وخرج من مكة في أشهر الحج بنية الرجوع إليها، هل يدخلها غير مُحْرِم؟ الشيخ: وهو ساكن مكة؟ الطالب: لا، هو ليس ساكنًا بمكة، هو ساكن في بلد غير بلده؟ الشيخ: قل لي، حَدِّد؟ الطالب: يعني مثلًا ساكن في القصيم وبلده مثلًا مصر؟ الشيخ: مصر.
الطالب: وخرج من مكة في أشهر الحج بنية الرجوع إليها للحج، فهل يدخلها غير مُحْرِم.
الشيخ: يعني إذا رجع مِن.. ؟ الطالب: إذا رجع إليها مرة تانية.
الشيخ: إذا كان قد توجه إلى مكة على نية أن يبقى حتى يحج، ثم طرأ له طارئ أن يخرج فهو يرجع بلا إحرام؛ لأن مقره مكة، أما إذا لم يكن كذلك فيجب أن يُحْرِم؛ إما بعمرة ويكون متمتعًا، وإما بحج.

طالب: أحسن الله إليكم، المكي إذا كان يسكن خارج مكة لغرض ثم ذهب إلى مكة في أيام الحج وهو ينوي الحج في هذه السنة؟ الشيخ: نعم.
الطالب: يلزمه أن يدخل بعمرة؟ الشيخ: لا، ما يلزمه؛ لأنه رجع إلى بلده، ما رجع بقصد الحج.
طالب: الذين يأتون عن طريق السودان كان الجحفة في السابق، الجحفة هي ميقاتهم على أساس أنهم يأتون عن طريق الْجُبّ.
الشيخ: عن طريق أيش؟ الطالب: عن طريق الْجُبّ.
الشيخ: ما أدري والله.
الطالب: سابقًا يأتون إلى مصر ويأتون عن طريق مصر في البحر، والآن..

الشيخ: السودان تقع جنوبًا عن مصر.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: السودان.. وسط السودان يُحْرِمُون من جدة؛ لأنهم سيأتون إلى مكة في الطائرة استقبال وجوههم، ويصلون إلى جدة قبل أن يحاذوا الجحفة وقبل أن يحاذوا يَلَمْلَم، ومَثَّلَ العلماء السابقون بأهل سواكن الطالب: وعلى كل مَن يأتي من طريقهم.
الشيخ: من هذا الطريق يُحْرِم من جدة


نعود إلى الدرس، يقول رحمه الله: (وتَطَيُّب) يعني: يُسَنُّ أن يتطيب عند الإحرام، وهذا ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قالت عائشة: كنت أُطَيِّبُ النبي صلى الله عليه وسلم لإحرامه قبل أن يحرم (16)، وينبغي أن يتطيب بأطيب ما يجد؛ لأن المسافة طويلة، خصوصًا فيما سبق على الأبل، فيحتاج إلى طِيب طَيِّب حتى تبقى رائحته، وأين يكون التطيُّب؟ يكون على البدن في الرأس وفي اللحية، ولا يكون في ثياب الإحرام، ولذلك يخطئ مَن يُطَيِّب ثياب الإحرام، لا بالبخور ولا غيره.
(وتجرُّد من مَخِيط في إزار ورداء)، (تجرُّد من مخيط) يقول: سنة، وليس المراد التجرد، بل التجرد في إزارٍ، لأن المقصود أن يكون تجرُّدُه في إزار ورداء أَبْيَضَيْنِ، وأما التجرد عن الْمَخِيط فهو؟ واجب؛ لأنه يَحْرُم على الْمُحْرِم أن يلبس المخيط.
وقوله رحمه الله: (تجرُّد من مَخِيط)، هذه العبارة كلمة (مخيط) لم تُذْكَر لا في القرآن ولا في السنة، ويقال: إن أول مَن ذكرها فقيه التابعين إبراهيم النخعي رحمه الله هو الذي عَبَّرَ بها، وهذه العبارة لَمَّا لم تكن هي المأثورة في السنة أوجبت إشكالًا عظيمًا عند العامة، حتى ظن العامة أن كل شيء فيه خياط فهو حرام على الْمُحْرِم، ولو كان إزارًا ورداءً، بل ولو كان حذاءً، فضَلُّوا بهذه الكلمة.

والرسول عليه الصلاة والسلام لما سُئِلَ: ما يلبس الْمُحْرِم؟ (17) ذَكَرَ أشياء معينة، سواء خِيطَت أو نُسِجَت على هذا الوصف، فالقميص مثلًا إذا نُسِجَ نَسْجًا ليس فيه أي خياطة لكنه نُسِجَ على صورة القميص يَحْرُم أو لا يَحْرُم؟ طلبة: يَحْرُم.
الشيخ: يَحْرُم، والإزار والرداء لو كان فيه ألف خياطة يَحْرُم أو لا يَحْرُم؟ طلبة: لا يَحْرُم.
الشيخ: لا يَحْرُم، إذن المؤلف رحمه الله تبع غيره في كلمة (مخيط)، ولو قال: تَجَرُّدٌ من ملبوس محذور، لكان أولى، أن يتجرد من الملبوسات المحذورة كالقميص والسراويل والبرانس والعمائم والخِفَاف.
(في إزار ورداء أَبْيَضَيْن)، (في إزار)، الإزار: ما يستر أسفل البدن، والرداء: ما يستر أعلى البدن.
وقوله: (في إزار) كما جاء في الحديث: «لِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ» (18)، أو كما قال.
يشمل الإزارَ المخيط، يعني: الذي خِيطَ بعضُه ببعض، والإزار المطلَق الذي يُلَفُّ على البدن لَفًّا، كلاهما جائز، وعلى هذا فلو خاط الْمُحْرِم الإزار ولبسه فهو جائز، ولو التفَّ به التفافًا فهو جائز، ولو وضع فيه حينما يَخِيطُه جَيْبًا، يعني مخابئ للنفقة أو لغيرها، فهو جائز.
بعض الناس قد يستنكر هذا ويقول: هذا الإزار هو الذي يُلْبَس قبل الإحرام؟ فنقول: هل قَيَّد النبي صلى الله عليه وسلم الإزار بشرط ألَّا يُلْبَس في الحِلّ؟ لا، وإذا لم يقيِّد فما سُمِّيَ إزارًا فهو إزار، وأما الرداء فواضح.
(أَبْيَضَيْنِ)، هذا الأفضل أن يكونَا أبيضين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى على اللباس الأبيض، ولأنه أقرب ما يكون للكفن، والناس الْمُحْرِمُون يُشْبِهُون الأموات، فالأموات كلهم أكفانهم واحدة، والْمُحْرِمُون لباسهم واحد، وهذا من حكمة الشرع أن يكون كل الحجاج والعُمَّار على هذا الوجه، وإلا لحصل فَخْرُ بعضهم على بعض.

وقوله: (أبيضين) لم يقل: إنه ينبغي أن يكونَا جَدِيدَيْنِ أو نظيفين، لكن هذا معروف، الأفضل أن يكونَا جديدين، فإن لم يمكن فغَسِيلَيْنِ؛ لأن الله تعالى يُحِبّ النظافة.
قال: (وإحرامٌ عَقِبَ ركعتين) يعني: وَيُسَنُّ أن يَعْقِد الإحرام بعد ركعتين، أيُّ الركعتين؟ يشمل الركعتين السنة والفريضة، ففي الفريضة يعقده بعد صلاة الفجر، بعد صلاة الظهر، بعد صلاة العصر، بعد صلاة العشاء، كل هذه الأربع مثنى، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: المغرب نفس الشيء، وإن لم تكن ركعتين لكنها أكثر من ركعتين، المهم يُسَنُّ أن يعقد الإحرام عقب فريضة، حتى لو كان في الميقات من أول النهار وهو لا يريد أن يمشي، فليُؤَخِّر الإحرام ليكون بعد أيش؟ بعد الفريضة.
إذا لم يكن وقت فرض فهل يصلي ركعتين من أجل الإحرام؟ المذهب: نعم، يصلي ركعتين من أجل الإحرام، وعلى هذا فتكون الركعتان ذَوَاتَيْ سبب وهو الإحرام، ولكن جَعْل الإحرام سببًا لصلاة الركعتين، أو أي سبب من الأسباب جعلوه سببًا للصلاة ولم يَرِد لا يجوز، فكما أن أحكام الله القَدَرِيَّة لا يجوز أن نجعل سببًا لها ما ليس بسبب شرعي فهذه مثلها.
أرأيتم التمائم لَمَّا لم تكن سببًا شرعيًّا صارت نوعًا من الشرك، أيضًا الأفعال الشرعية إذا لم يكن السبب صحيحًا ثابتًا بالشرع صارت بدعة، ولهذا نقول: ليس للإحرام صلاة تخصه، يغتسل ويُحْرِم، ولكن إذا كان من عادته أن يصلي بعد الوضوء ركعتين سُنَّة الوضوء، فهنا نقول: إذا اغتسلت وتَمَّت طهارتك صَلِّ ركعتين للإحرام ولَّا للوضوء؟ طلبة: للوضوء.
الشيخ: للوضوء، هذا هو الصحيح، وقد صَرَّح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ليس للإحرام صلاة تخصه، وصدق؛ لأن إثبات أن عقد الإحرام سبب لمشروعية ركعتين يحتاج إلى دليل.
وقوله: (عقب ركعتين)، يعني أنه لا يتأخَّر في الإحرام إلى الركوب، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء: منهم من قال: يُحْرِم عقب الصلاة في مكانه.

ومنهم من يقول: يُحْرِم إذا رَكِبَ دابته.
ومنهم من يقول: إذا أحرم في الْحُدَيْدَة فإذا استوت على البيداء.
فالأقوال ثلاثة، وقد جاء الجمع بينهما فيما رواه أهل السنن (19) عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الوجوه الثلاثة كله صحيح، فمن الناس مَن سمعه حين أحرم به بعد الصلاة، وقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَهَلَّ دُبُرَ صلاة.
عَقِبَ رَكعتينِ ونِيَّتُه شَرْطٌ، ويُسْتَحَبُّ قولُ: " اللَّهُمَّ إني أُريدُ نُسُكَ كذا فيَسِّرْهُ لي، وإن حَبَسَنِي حابِسٌ فمَحَلِّي حيث حبَسْتَنِي، وأَفْضَلُ الأنساكِ التَّمَتُّعُ، وصِفَتُه أن يُحْرِمَ بالعُمرةِ في أَشْهُرِ الْحَجِّ ويَفْرُغَ منها ثم يُحْرِمَ بالحَجِّ في عامِه، وعلى الأفقي دمٌ، وإن حاضَتْ المرأةُ فخَشِيَتْ فواتَ الْحَجِّ أَحْرَمَت به وصارَتْ قَارِنَةً، وإذا اسْتَوَى على راحلتِه قالَ: " لَبَّيْكَ اللهمَّ لَبَّيْكَ، لبَّيْكَ لا شريكَ لك لَبَّيْكَ، إنَّ الحمْدَ والنعمةَ لك والْمُلْكَ لا شَريكَ لك، يُصَوِّتُ بها الرجُلُ وتُخْفِيها المرأةُ.

(بابُ مَحظوراتِ الإحرامِ)

وهي تِسعةٌ: حَلْقُ الشعرِ وتقليمُ الأظافرِ، فمَن حَلَقَ أو قَلَّمَ ثلاثةً فعليه دمٌ، ومَن غَطَّى رأسَه بِمُلاصِقٍ فَدَى، وإن لَبِسَ ذَكَرٌ مَخيطًا فَدَى، وإن طَيَّبَ بَدَنَه أو ثوبَه أو ادَّهَنَ بِمُطَيِّبٍ عقد الإحرام سبب لمشروعية ركعتين يحتاج إلى دليل.
وقوله: (عقب ركعتين) يعني أنه لا يتأخر في الإحرام إلى الركوب، وهذه المسألة فيها ثلاثة أقوال للعلماء؛ منهم من قال: يُحْرِم عقب الصلاة في مكانه، ومنهم من يقول: يُحْرِم إذا ركب دابته، ومنهم من يقول: إذا أَحْرَم في الحديباء فإذا استوت على البيداء، فالأقوال ثلاثة.

وقد جاء الجمع بينهم فيما رواه أهل السنن (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الوجوه الثلاثة كله صحيح، فمن الناس من سمعه حين أَحْرَم به بعد الصلاة، وقال: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَهَلَّ دُبُر الصلاة، ومنهم مَن سمعه حين ركب، وقال: أَهَلَّ؟ طالب: حين ركب.
الشيخ: حين ركب، ومنهم مَن سمعه حين عَلَا على البيداء وقال: أَهَلَّ؟ طلبة: على البيداء.
الشيخ: على البيداء، فيكون الرسول عليه الصلاة والسلام أَهَلَّ من حين انتهى من الصلاة، ولكن النقول إنما اختلفت حسب سماع الرواة، والأقرب أنه لا يُلَبِّي إلا إذا ركب من أجل أن يجعل لنفسه فسحة؛ لأن الإنسان قد يتذكَّر شيئًا يحرُم تناوله في الإحرام فيتناوله، ولنضرب لهذا مثلًا: رجل اغتسل وصلى ما شاء الله، وبقي يتغدى، ونسي أن يتطيب، إذا قلنا: أَحْرِم من حين الصلاة، هل يمكن يتطيب قبل أن يركب؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، وإذا ركب فقد تقطَّعت علاقاته بالْمَحْرَم؛ لأنه تهيأ للسير، فإذا كان لم يُحْرِم عند الصلاة صار معه فسحة أن يتطيب، فالأقرب أنه يعقد الإحرام إذا ركب.
(ونيَّتُه شَرْط) يعني: نية الدخول شرط، معلوم، لو أنه لبس ثياب الإحرام بعد أن اغتسل وتطيَّب ولكن ما نوى، ثم سار، وفي أثناء الطريق ذَكَرَ هل ينوي من أثناء الطريق ولَّا يرجع إلى الميقات؟ يرجع إلى الميقات، فإن تعذَّر أَحْرَمَ من مكانه، ولكن عليه دم عند أهل العلم.
إذن لا بد أن ينوي، وهل يجب أن ينوي معيَّنًا من عمرة أو حج أو قِرَان؟ له أن يُحْرِم إحرامًا مطلقًا، ويقول: نَوَيْت الإحرام، وله أن يُحْرِم بمثل ما أَحْرَمَ به فلان، وهذا يقع أحيانًا، يكون الإنسان جاهلًا ولا يدري بماذا يُحْرِم، فيقول: لبيك بما لَبَّى به فلان، وحينئذ يتعيَّن عليه أن يسأل؟ طالب: فلان.
الشيخ: فلانًا قبل أن يطوف، حتى يُعَيِّن النية قبل الطواف.

(ويستحب قول: اللهم إني أريد نسك كذا) يعني حَجًّا أو عمرة، (فيَسِّرْه لي، وإن حبسني حابس فمَحِلِّي) أي: إحلالي (حيث حَبَسْتَنِي) أي: في المكان الذي حبستني فيه.
هذا الاشتراط يقوله عند النية، يقول: اللهم إني أريد نسك كذا فيَسِّرْه لي، وظاهر كلام المؤلف بل صريحه أنه ينطق بالنية، والمذهب أن النطق بالنية سنة في جميع العبادات، إلا أنها تكون سرًّا.
والصحيح أن النطق بالنية ليس بسنة لا في الإحرام ولا غيره، لكن يستثنى لا بد أن يكون بالنطق، انتبهوا بارك الله فيكم.
الآن كلام المؤلف صريح في أنه ينطق بالنية فيقول؟ طالب: اللهم إني.. الشيخ: اللهم إني أريد كذا، والصحيح أنه ليس بسنة، لكن الشرط لا بد منه، فيقول مثلًا: اللهم إني أحرمت، وإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ولا يجعل النية مقرونة بهذا اللفظ، تكون النية من قبل، ولا حاجة إلى النطق بها؛ لأن الله يعلم.
وقوله: (إن حبسني حابس)، (حابس) نكرة في سياق الشرط فتَعُمّ أي شيء يمنعه من إتمام النسك من مرض أو كسر أو ذهاب نفقة، أو ضلّ الطريق، أو ما أشبه ذلك؛ يعني كلمة (حابس) نكرة في سياق الشرط فتعم، حتى المرأة لو قالت: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ثم حاضت، ولا تستطيع أن تنتظر حتى تطهر، فلها أن تحل؛ لأنها اشترطت على ربها.
وقوله رحمه الله: (يستحب قول) ظاهره العموم، سواء كان يخاف من العائق أو لا يخاف.
وهذه المسألة -أعني الاشتراط في الإحرام- اختلف فيها العلماء رحمهم الله على ثلاثة أقوال: القول الأول أنها بدعة ولا تنفع صاحبها، وهذا قول عبد الله بن عمر وجماعة من أهل العلم.

واستدلوا لذلك بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يشترط وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (2)، فمقتضى هذا القول ألَّا نشترط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط، ولهذا أنكر ابن عمر على من يشترطون، وقال: ما هذا؟ إن النبي صلى الله عليه وسلم أَحْرَمَ ولم يشترط، و ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21].
ومنهم من قال: يشترط مطلقًا، وهذا القول ضعيف جدًّا، كيف يمكن أن نقول: اشترط مطلقًا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط، من أين لنا هذه السنة؟ ومنهم مَن فَصَّل، وقال: مَن خاف من عائق يمنعه من إكمال النسك فليشترط، ومَن لا فلا.
وهذا القول هو الصواب الذي به تجتمع الأدلة، ونجيب عمن أنكر الاشتراط بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشترط؛ لأنه لا يخاف عائقًا، وإذا خاف عائقًا فإنه يشترط بالسنة القولية، وذلك أن ضُبَاعة بنت الزبير شكت إلى النبي عليه وعلى آله وسلم أنها تحج وهي شاكية، فقال لها: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي؛ فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (3)، أسمعتم؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وهذا القول هو الوسط، وهو الذي به تجتمع الأدلة.
القول الأول الذي يقول بالاشتراط مطلقًا فيه أيضًا مضرة ثانية، أي: مع كونه خلاف السنة فيه مضرة ثانية، وهي أن الإنسان إذا مات بالإحرام وقد قال: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني.. طالب: يَحِلّ.
الشيخ: يَحِلّ، وحينئذ يفوته أن يُحْشَر يوم القيامة؟ طالب: مُلَبِّيًا.
الشيخ: مُلَبِّيًا، وهذه ميزة عظيمة تفوته إذا اشترط، ولذلك الصواب هو القول المفصَّل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
والغالب على اختيارات هذا الرجل -أعني ابن تيمية- أنها موفَّقَة للصواب، رحمه الله وجزاه الله خيرًا.

طالب: شيخ بارك الله فيكم، إذا اشترط الخائف من الزحام في الطريق، فوجد زحامًا، ولكنه يرجو احتمال أن ينفك الزحام (... ) إذا كان يعني يحل بمجرد.. الشيخ: والله مسألة الزحام ما يمكن ضبطه، الزحام ضبطه صعب؛ لأنكم كما تشاهدون الزحام كأمواج البحر، أحيانًا لا يكون بينك وبين الجمرات إلا مسافة قريبة وهو واسع، ثم يشتد الزحام، وأحيانًا يكون الزحام شديدًا قبل أن تصل إلى الجمرات، وإذا وصلت؟ طالب: خَفّ.
الشيخ: وجدته خفيفًا تقف على الحوض، فالاشتراط من خوف الزحام في النفس منه شيء.
الطالب: والقاعدة متى يَحِل، لو المرأة مثلًا اشترطت راحت في اليوم الرابع، واشترطت ثم حاضت، لكنها احتمال كبير أن تطهر قبل.. الشيخ: في الغالب أن النساء يَعْرِفْنَ العادة.
الطالب: هل تحل بمجرد ما.. الشيخ: تحل، ولذلك سنعلق على قول المؤلف هذا بأن العلماء يفرِّقون بين (فمحلي حيث حبستني)، وبين (فَلِي أن أَحِلّ)، إذا قالت: فمحلي حيث حبستني، فبمجرد ما يكون عذر يحل، حتى لو اختار أن يبقى، وإذا قال: فلي أن أَحِلّ، أو: فأنا في حِلّ عن إتمامه، فهو مُخَيَّر؛ إن شاء مضى، وإن شاء حَلَّ، ولهذا التعبير لِمَن يرجو أن يزول مانعه أن يقول: فلي أن أَحِلّ.
طالب: أحسن الله إليكم، قلنا: إذا أَحْرَمَ بمثل ما أحرم به فلان أنه يسأل فلانًا هذا قبل أن يطوف.
الشيخ: نعم.
الطالب: أيّ الطواف، طواف الإفاضة؟ الشيخ: لا، طواف القدوم.
الطالب: إذا ما وجده؟ الشيخ: إذا ما وجده يصرفه إلى حيث شاء.
طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، إذا تجاوز الميقات ولم يُحْرِم فإنه يعود؟ الشيخ: نعم.
الطالب: يا شيخ أشكل عليَّ ما معنى الإحرام؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: الإحرام ما معناه؟ الشيخ: نية الدخول في النسك.
الطالب: بس هو (... ) النسك، وعلى هذا لبس الإحرام واتجه مع الحاجِّين؟ الشيخ: ما نوى.
الطالب: لا بد يتلفظ بهذه النية؟ الشيخ: لا، ما هو لازم، لكن يعقد قلبه.
الطالب: عقد قلبه.

الشيخ: على أنه دخل؟ الطالب: بالنية.
الشيخ: على أنه دخل في النسك؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: خلاص، إذن أَحْرَمَ.
طالب: شيخ بارك الله فيك، إذا لم يَخْشَ مانعًا يمنعه من الحج، ولم يشترط، ثم وقع عليه حادث فماذا يفعل؟ الشيخ: يأتينا إن شاء الله في باب الإحصار.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ميقات ال.. ؟ الشيخ: ميقات مَن؟ الطالب: ميقات أهل العراق؟ الشيخ: تقع في الشمال عن قَرْن المنازل.
الطالب: الآن بعض الناس (... )؟ الشيخ: إي، موجود، فيها الماء، الآن مسجد وفيه مُغْتَسَل، يُحْرِمُون.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، الماشي الآن عن طريق رابغ؟ الشيخ: الماشي؟ الطالب: الذي يمر من رابغ إلى مكة وهو يريد أن يُحْرِم من الْجُحْفَة، ويريد أن يسلك طريقها فلا بد أن يذهب يتجاوز الْجُحْفَة ثم يمشي مع الخط المعبَّد، فهل تجاوزه هذا للْجُحْفَة به بأس؟ الشيخ: لا، لماذا يكلِّف نفسه؟ الطالب: الْجُحْفَة الآن صلحت وفيها.. الشيخ: الْجُحْفَة نعم مَدُّوا لها خَطًّا، ووضعوا فيها مسجدًا ومغتسلًا، لكن لماذا خمسة كيلو؟ الطالب: ثمانية كيلو.
الشيخ: أو ثمانية كيلو، أردأ، ما هو لازم، المسلمون ما زالوا يُحْرِمُون من رابغ.
الطالب: فمن فعل هذا هل يُعَدُّ متجاوزًا للميقات وعليه دم أو لا؟ الشيخ: لا، ما يعد متجاوزًا.
الطالب: لا، الذي يذهب من نفس الْجُحْفَة؟ الشيخ: ذهب قبل أن يَنْوِي الإحرام.
الطالب: هو ناوٍ للنسك؟ الشيخ: يعني عقد؟ دعنا من نية النسك، لكن هل عَقَدَ الإحرام ولَّا ما عقد الإحرام؟ الطالب: لا، يريد أن يعقده من نفس الْجُحْفَة.
الشيخ: لا بأس، ما فيه مانع؛ لأن نفس الْجُحْفَة ميقات.
الطالب: لكنه سوف يتجاوز الْجُحْفَة ثم يرجع للخَطّ هكذا.
الشيخ: كيف يتجاوز؟ الطالب: الخط أصلًا معقوف إلى الخلف، يعني يذهب هكذا مباشرة، ثم يرجع مرة أخرى.

الشيخ: نعم ما فيه شيء، حتى لو أن الإنسان –مثلًا- مشى مع الطريق القويم، ولكن ما نوى عَقْد النية ثم رجع، لنفرض أنه تجاوز قَرْن المنازل ووصل إلى الشرائع، ثم رجع وأَحْرَمَ من السيل ما يهمنا ما فيه مانع.


طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك: وأفضل الأنساك التمتع، وصفته: أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم يُحْرِم بالحج في عامه، وعلى الأُفُقِيّ دم، وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملكُ لا شريك لك.
الشيخ: (والملكَ).
الطالب: إن الحمد والنعمة لك والملكَ لا شريك لك، يصوِّت بها الرجل وتخفيها المرأة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، تقدم لنا أن الإنسان ينبغي له أن يشترط عند الإحرام، فيقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني مطلقًا على المشهور من المذهب، ويقابله القول الثاني؛ أنه لا يستحب مطلقًا، والوسط أنه إن كان يخاف مما يمنعه من إكمال النسك فليشترط، وإلَّا فلا، وهذا هو الذي به تجتمع الأدلة ويحصل به المقصود والفائدة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأفضل الأنساك التمتع) إلى آخره، الأنساك جمع نسك، وأفادنا المؤلف رحمه الله أن الأنساك أكثر من اثنين؛ لأن أقل الجمع ثلاثة، وهي بالتتبع ثلاثة أنواع: التمتع، والقِرَان، والإفراد.
واختلف العلماء رحمهم الله أيها أفضل، فقيل: التمتع، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف وهو الصواب؛ أن التمتع أفضل، إلا مَن ساق الهدي فالقِرَان في حقه أفضل لتعذر التمتع في حقه.
قال الإمام أحمد: لا أشك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حَجَّ قارنًا، والمتعة أحب إليّ.

ومعنى كلامه رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارنًا غير متمتع، وأن الأحاديث التي ورد في بعضها لفظ التمتع في حق الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يعني التمتع الاصطلاحي، والمتعة أحبّ إلي –يقول- لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر بها وحثّ عليها حثًّا بالغًا، حتى إنه قال: «افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ» (4) وغضب عليه الصلاة والسلام لَمَّا لم يبادروا بالتحلل.
صفة التمتع قال: (أن يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج) يعني: ابتداء الإحرام بالعمرة في أشهر الحج التي أولها أول ليلة من شوال.
والثاني: قال: (ويفرغ منها) أي: من العمرة بِحِلّ كامل، (ثم يُحْرِم بالحج في عامه)، و (ثم) تدل على التراخي، وهو أن يكون بين العمرة والحج مسافة يصدق بها التمتع.
وقوله: (في عامه) احترازًا مما لو أحرم بالعمرة في عام تسعة عشر، وحج في عام عشرين، فهذا لا يسمى تمتعًا.
صفة الإفراد: أن يُحْرِم بالحج وحده.
وصفة القِرَان: أن يُحْرِم بالحج والعمرة معًا، فيقول: لبيك عمرة وحجة، أو لبيك عمرة في حج، هذا صورة، الصورة الثانية: أن يُحْرِم بالعمرة وحدها، ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها، وهذه الصورة دل عليها حديث؟ طالب: عائشة.
الشيخ: عائشة رضي الله عنها، فقد أحرمت متمتعة وحاضت في سَرِف، وأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تحرم بالحج لتكون قارنة، فالقِرَان إذن له صورتان؛ الصورة الأولى: أن يُحْرِم بهما معًا من أول ما يُحْرِم، والثانية: أن يُحْرِم بالعمرة أولًا ثم يُدْخِل الحج عليها قبل الشروع في طوافها.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن التمتع أفضل ولو ساق الهدي؛ لإطلاقه، وإذا قلنا بذلك الإطلاق فكيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي، ومَن ساق الهدي لا يَحِلّ حتى ينحره يوم النحر؟

قالوا: إنه يحرم متمتعًا، فإذا طاف وسعى أحرم بالحج وصار متمتعًا، فيقال: هذا القول ضعيف؛ لأنه كيف يصح أن نقول له: متمتع، وهو باقٍ على إحرامه لا يحل إلا يوم العيد؟ فالصواب أن مَن ساق الهدي ليس له إلا التمتع.
طلبة: القِرَان.
الشيخ: نعم، أن مَن ساق الهدي ليس له إلا القِرَان، أحسنتم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْلَا أَنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (5). فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن التمتع أفضل؟ قلنا: الدليل: الأثر والنظر؛ أما الأثر فلأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر أصحابه بذلك، وحَتَّمَ عليهم، وغضب عليهم، حتى قال لَهُمُ: «افْعَلُوا مَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (6)، وقال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ وَلَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (5). وأما النظر فلأن المتمتِّع يأتي بعمرة مستقلة تامة بطوافها وسعيها وتقصيرها، هذا واحد، ولأن المتمتع يتبع ما يَسَّر الله عز وجل؛ لأنه سوف يحل بين العمرة والحج حِلًّا كاملًا، أرأيتم لو قدم في نصف ذي القعدة وهو قارن مثلًا أو مُفْرِد متى يحل؟ يوم العيد العاشر من ذي الحجة، فيبقى خمسة وعشرين يومًا وهو على إحرامه، وإذا أحرم بالعمرة وحل تمتع ما بين حِلِّه منها إلى يوم الثامن من ذي الحجة، وهذا تيسير ويسر على العبد، فكان أفضل.
فصار الأفضل التمتع بالأثر والنظر؛ الأثر أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وحَتْمُه على أصحابه.
وأما النظر فمن وجهين: الوجه الأول: أنه يحصل على نسكين مستقلين، أي: مستقل كل واحد منهما عن الآخر بأركانهما وواجباتهما وجميع الأفعال، والثاني: أنه يحصل له تمتع بما أحل الله له من حين حِلِّه من العمرة إلى إحرامه بالحج، وهذا لا شك أنه يسر وأن الدين الإسلامي يلاحظ التيسير.

لو أحرم بالعمرة آخر ساعة من رمضان وحَلَّ منها في أشهر الحج، ثم حج من عامه، أيكون متمتعًا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه لم يُحْرِم بالعمرة في أشهر الحج، لو أنه أحرم بالعمرة في أشهر الحج، ولكنه أدخل الحج عليها قبل الشروع في الطواف، أيكون متمتعًا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، أدخل الحج عليها بعد الشروع في الطواف، أيكون متمتعًا؟ نعم يكون متمتعًا؛ لأن إحرامه بالحج غير صحيح، أي: لم ينعقد، فيكون متمتعًا، وهذا هو المذهب، أي أنه إذا أحرم بالحج قبل تمام العمرة لم ينعقد إذا كان ذلك؟ طالب: بعد الشروع.
الشيخ: بعد الشروع في الطواف، إلا لمن معه هَدْي فقد سبق لكم أنهم يرون أنه يجوز الإحرام بالحج بعد الشروع في الطواف، ولكن يكون متمتعًا، ولا يحل إلا يوم العيد.
وقوله: (ثم يُحْرِم بالحج في عامه)، لو أنه أحرم بالعمرة في أشهر الحج وليس من نيته أن يحج، ثم بَدَا له بعد أن يحج أيكون متمتعًا؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، لا يكون متمتعًا؛ لأن الرجل ليس عنده نية للحج، وأصل التمتع أن الإنسان بعدما يكون مُحْرِمًا من الميقات إلى يوم العيد حَلَّ بالعمرة وحصل له المتعة بما أحل الله له، وهذا الرجل أول ما نوى ماذا نوى؟ طلبة: العمرة.
الشيخ: نوى عمرة يعرف أنه سيحل منها في حينه، فلم يحصل له تمتع؛ لأنه من الأصل سوف يكون متمتعًا، فإذا كان لم يَنْوِ الحج ثم بَدَا له فحج فليس بمتمتع بل هو مُفْرِد.
ثم قال: (وعلى الأفقي دم)، (على الأفقي) يعني: الآفَاقِيّ الذي أتى من الآفاق وهو الذي ليس من أهل مكة، عليه دم؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196].

وفُهِمَ من قوله: (على الأفقي دم) أن غير الأفقي -وهو مَن كان حاضرًا المسجد الحرام- ليس عليه دم، وسبب ذلك أن حاضر المسجد الحرام ليس له عمرة مشروعة على ما عليه كثير من العلماء، وإذا لم يكن له عمرة مشروعة صار مُفْرِدًا أو قارنًا، وإذا كان مفردًا فلا دم عليه، وإذا كان قارنًا فأكثر العلماء على أن عليه دمًا؛ لأنه حصل على النُّسُكَيْن في سفر واحد.
وقال بعض العلماء: إن القارن ليس عليه دم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196]، وهذا يدل على أن بين الحج والعمرة وقت يكون فيه الإنسان متمتعًا بما أحل الله له، وعلى هذا فيكون التمتع خاصًّا بِمَن حَلَّ من عمرته؛ لأنه هو الذي صَدَقَ عليه أنه متمتع، أما القارن فمتى يتمتع؟ لم يتمتع فليس عليه دم.
لكن جمهور العلماء على أن القارن والمتمتع سواء في وجوب الدم، والدم لا بد أن يكون مما يجزئ في الأضحية، بأن يكون من بهيمة الأنعام، بالغًا السن المعتبر، خاليًا من الموانع التي تمنع الإجزاء.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، لو حاضت المرأة بعد طواف العمرة فهل لها أن تسعى؟ الشيخ: بيجينا الحين.
طالب: بارك الله فيك، إذا كانت المرأة من أهل مكة فيلزمها مَحْرَم إذا طلعت مع مجموعة من النساء؟ الشيخ: مَحْرَم إلى أين؟ الطالب: إلى الحج.
الشيخ: إي، لا بد أن يكون لها مَحْرَم؛ لأنه سفر، والدليل على أنه سفر أن أهل مكة كانوا يقصرون مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويَجْمَعُون.
طالب: أحسن الله إليك، ضابط حاضري المسجد الحرام؟ الشيخ: ضابط حاضري المسجد الحرام هو أهل مكة أو أهل الْحَرَم، قال بعض العلماء: ومَن كان بينه وبين مكة مسافة قصر كلهم من حاضري المسجد الحرام.
الطالب: يعني ما كان دون الحل يا شيخ؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: دون الميقات؟

الشيخ: لا لا، ما هو العبرة بدون الميقات، العبرة بأن يكونوا من داخل حدود الحرم هذه مُتَيَقَّن، وأما ما خرج ففيه اشتباه.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة لأفضلية الأنساك الثلاثة؟ الشيخ: بالنسبة؟ الطالب: لأفضلية الأنساك الثلاثة، ألَّف أحد العلماء رسالة أنكر فيها الإفراد، فردّ عليه أحد العلماء أيضًا برسالة أخرى ورجَّح فيها الإفراد عن التمتع والقِرَان؟ الشيخ: هو لا بد إذا سُحِبَ الخيط من وجه لا بد أن يكون مقابل يسحب آخر من الاتجاه المعاكس، الصواب أن التمتع سنة مؤكَّدة، وأما كونه لا يجوز فهذا غلط، هذا في الواقع قدح في الخلفاء الراشدين؛ لأن الخلفاء الراشدين كلهم مُجْمِعُون على أن الإفراد جائز، بل كانوا يفضلون الإفراد على التمتع، يقولون: نحب أن يأتي الناس للعمرة في غير أشهر الحج حتى يبقى البيت معمورًا كل السنة، ويختص الحج بأشهره؛ لأن الناس لا بد أن يحجوا جميعًا، لكن القول بأن الإفراد أفضل فيه نظر، وإن كان شيخ الإسلام رحمه الله يذهب إلى هذا القول، يقول: إن الإفراد إذا أفرد الحجَّ بسفر والعمرة بسفر أفضل، ولكن هذا قول ضعيف؛ لأن الذين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام وأمرهم أن يتمتعوا هل كان يسألهم يقول: هل أتيتم بالعمرة في هذه السنة؟ ما كان يسألهم، فالتمتع أفضل مطلقًا، أما القول بأنه واجب وأن ما سواه حرام فهذا قول ضعيف جدًّا، وأضعف منه القول بأنه إذا طاف وسعى حَلَّ، شاء أم أبى، وهذا ضعيف جدًّا مخالف للحديث، الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يجعلوها عمرة، ولم يقل: فقد حللتم، قال: «مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ فَلْيُقَصِّر ثُمَّ لْيَحْلِلْ» (7)، هكذا قال، ولم يقل: فقد حَلَّ، والرسول عليه الصلاة والسلام أبلغ الناس وأنصح الناس وأعلم الناس.
فالصواب أنه سنة مؤكدة، ولولا خلاف الخلفاء الراشدين لقلنا: إنه واجب، لكن لا يمكن أن نقول: إنه واجب، مع مخالفة الخلفاء الراشدين.

اختار شيخ الإسلام رحمه الله قولًا وسطًا، وهو أنه واجب على مَن خاطبهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سنة في حق مَن عداهم، وهذا القول له غَوْرٌ ووجه جيد جدًّا؛ أولًا: لأن أبا ذر سُئِلَ عن الفسخ، فسخ الحج إلى العمرة، هل هي عامة أو لكم خاصة؟ قال: بل لنا خاصة، ولا أظن أبا ذر يقول: لنا خاصة، والنبي صلى الله عليه وسلم لما سأله سراقة بن مالك بن جعشم قال: ألنا خاصة أم للأمة؟ قال: «بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ» (8)، وشبَّك بين أصابعه.
لكن قول أبي ذر: لنا خاصة، يُحْمَل على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أيش؟ طالب: الوجوب.
الشيخ: الوجوب، وإنما قلنا: إن هذا القول له غَوْر ووجه قوي؛ لأن الناس لو خالفوا الرسول وهو يواجههم بالأمر ويرون غضبه لهانت مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام على مَن بعدهم؛ لأنهم إذا كان الصحابة إذا خالفوا أمره المقرون بغضبه في حِلّ لو خالفوه فمَن بعدهم من باب أولى، فكلام شيخ الإسلام رحمه الله كلام فقيه؛ أنه -أي التمتع- واجب على؟ طلبة: الصحابة.
الشيخ: الصحابة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم واجههم بالخطاب، وإذا عَصَوْهُ وهم مُقَدَّمُو الأمة وسابقو الأمة هان على مَن بعدهم مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام.
أما مَن ساق الهدي فالقِرَان أفضل بلا شك، ولا يمكن أن يتمتع؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (5)، فلا يمكن التمتع مع سَوْق الهدي.
ولكن يقال: هل الأفضل أن يسوق الإنسان الهدي ليَقْرِن، أو أن يدعه ليتمتع؟ هذه مسألة تحتاج إلى نظر، إن كانت السنة -أعني سَوْقَ الهدي- قد ماتت والناس لا يعرفونها فسَوْق الهدي مع القِرَان أفضل؛ لإحياء هذه السنة، وإن كانت هذه السنة معلومة لكن يَشُقّ على الناس أن يسوقوا الهدي؛ لأنهم يحجون الآن في الطائرات والسيارات، فهنا تَرْك سَوْق الهدي والتمتع أفضل، أفهمتم؟

السؤال أولًا: هل الأفضل أن يسوق الهدي ويَقْرِن، أو أن يدع الهدي ويتمتع؟ نقول في ذلك تفصيل.. طالب: إن كانت سنة منسية كأن الناس تركوها فصار الأفضل أن يسوق الهدي، فقلنا: إن له إحياءها بالسنة أفضل، القِرَان أفضل، ولو علمنا أنه سنة معلومة عند الناس عند الجميع بس يعني لم يتيسر.. الشيخ: أن يسوق الهدي.
الطالب: فقلنا (... ). الشيخ: تمام.
طالب: الموجود الآن هل هو معلوم ولا سنة؟ الشيخ: أبدًا مجهولة، الذين يَقْدُمُون من خارج المملكة يقول لهم علماؤهم: الإفراد أفضل، فتجدهم مُفْرِدِين، منهم مَنْ يُفْرِد اتباعًا للأفضل كما يُفْتَوْن به، ومنهم مَن يُفْرِد لئلَّا يلزمه الهدي أو الصيام.
نقرأ؟ تم خمس دقائق، نستمر بإذن الله.
قال: (وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به)، يعني: بالحج، (وصارت قارنة)، هذه الجملة هي ما وقع لعائشة رضي الله عنها، عائشة أحرمت للعمرة تنوي التمتع، فحاضت في موضع يقال له: سَرِف، فأمرها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن تُحْرِم بالحج وتصير قارنة، وليس أمره بإحرامها بالحج يعني فسخَها للعمرة، بدليل قوله لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (9)، وهذا دليل واضح على أنها صارت قارنة، فإذا حاضت المرأة في أثناء الذهاب إلى مكة فإنها تُحْرِم بالحج وتكون؟ طالب: قارنة.
الشيخ: تكون قارنة، وماذا تصنع؟ تفعل ما يفعله الْمُفْرِد تمامًا؛ لأنه لا فرق بين الْمُفْرِد والقارن في أداء النسك، فإذا وصلت مكة بقيت على إحرامها لا تطوف ولا تسعى، فإن طهُرت قبل فوات الحج أدَّت العمرة، وإن خشيت فوات الحج أدخلت أيش؟ الحج على العمرة وصارت قارنة.

إذا حاضت بعد الطواف، يعني أنها أَحْرَمَت متمتعة وطافت، وفي خروجها من المسجد إلى الصفا حاضت فإنها تستمر وتسعى وتُقَصِّر وتَحِلّ من عمرتها؛ لأن السعي لا يُشْتَرَط له؟ طهارة، وهذا هو السر في أن الذين زادوا في المسجد الحرام أبقوا المسعى على حاله مستقلًّا كما هو ظاهر، فالمسعى مستقل عن المسجد، أما في الطابق الأرضي فقد وضعوا جدارًا وإن كان قصيرًا لكنه جدار عريض يفصل ما بين المسجد والمسعى، وأما فوق فالفصل ظاهر جدًّا؛ لأنه لا يمكن أن تصل إلى المسجد الحرام إلا مع أبواب خاصة، والباقي مغلَق، وهذا من حسنات الذين نفَّذُوا هذه التوسعة؛ لأنه لو بقي المسعى داخل المسجد الحرام لكان فيه إشكال، وهو أنها إذا حاضت المرأة امتنع عليها السعي؛ لأن المرأة الحائض لا تمكث في المسجد، لكن بحمد الله أنه فُصِلَ وصار مستقلًّا عن المسجد، ولهذا لو أن المعتكف في المسجد الحرام خرج إلى المسعى بدون حاجة بطل اعتكافه؛ لأن المسعى ليس من المسجد.
(إذا خَشِيَه غيرُها) يعني: خشي فوات الحج غير الحائض، يعني أَحْرَمَ متمتعًا وخاف أن يفوته الحج؛ لكونه مرض ولا يدري متى يبرأ، أو كُسِرَ ولا يدري متى يجبر، أو يتسنى له أن يطوف ويسعى، هل يكون مثل الحائض؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم مثل الحائض، يكون مثل الحائض يُحْرِم بالحج ويكون قارنًا، هل إذا فعل هذا بدون عذر هل يصح أو لا يصح؟ أما من قال بوجوب التمتع فإنه لا يصح عنده؛ لأنه إذا أَحْرَمَ بالحج صار قارنًا، وأما مَن قال بجوازه، أي بأن التمتع ليس واجبًا فإنه يصح، وإن لم يكن عذر، وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك.

لكن في نفسي من هذا شيء؛ أن يُجْمِع المسلمون على خلاف ما أمر به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الحاج أن يجعلها عمرة، فكيف نقول: يجوز للمعتمر أن يجعله حجًّا؟ لكن إذا كان لعذر فالأمر واضح؛ لأن النص ورد به، والقياس على الحيض وارد، انتبه، عرفتم الكلام الآن؟ إذا أدخل الإنسان المعتمر الحجَّ على العمرة قبل الشروع في طوافها، إن كان لعذر؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: فهو جائز، ودليله حديث عائشة.
إن كان لغير عذر فهو جائز عند الجمهور، وحكاه بعضهم إجماعًا، ولكن نفسي لا تطيب بنقل هذا الإجماع، لماذا؟ إذ يبعد جدًّا أن يُجْمِع المسلمون على شيء مضادّ للسنة، فالسنة لو أن الإنسان مُحْرِم بحج قلنا له أيش؟ اجعله عمرة بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، حتى لو طُفْتَ وسعيت، حتى لو بَقِيت يومين أو ثلاثة بعد الحج بعد أن طفت طواف القدوم، وسعيت للحج، وبقيت يومين ومَلِّيت من الإحرام، فأنت اجعلها عمرة وتَحَلَّل وتكون متمتعًا.
أقول: كيف يُجْمِع المسلمون على شيء معاكس لما دَلّ عليه الحديث؟ ! ونَقْل الإجماع في هذه المسألة محل نظر؛ لبعده، ولكن هذا رأي الجمهور، ونحن من الأصل نقول للإنسان: أَحْرِم بعمرة واستمر عليها حتى تطوف وتسعى وتُقَصِّر وتَحِلّ.
قال: (وإذ استوى على راحلته قال: لبيك)، (إذ استوى على راحلته) يعني: ركب واستقر، (على راحلته) أيّ الرواحل؟ طلبة: أي راحلة.
الشيخ: أي راحلة: بعير، حمار، سيارة، طيارة، سفينة، مركب، نسميه مركب؟ طالب: زَوْرَق.
الشيخ: لا لا، اللي يسير على الأرض الحديد؟ طلبة: قطار.

الشيخ: قطار، أي مركوب إذا استويت عليه واستقررت لَبِّ، قل: لبيك اللهم لبيك، وما اختاره المؤلف رحمه الله هو أقرب الأقوال الثلاثة التي سبقت لكم، وهي: هل يُحْرِم من حين أن يصلي، أو إذا استوى على البيداء فيما إذا أحرم من ذي الحليفة، أو إذا استوى على راحلته؟ الثالث هو الأقرب وهو الذي مشى عليه المؤلف.
(قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملكَ لا شريك لك)، (لبيك) أي: إجابةً لك وإقامةً على طاعتك؛ لأنها مشتقة من (لَبَّى) بمعنى: أجاب، ولهذا يقال: لَبَّى دعوته، أي: أجاب، ومن ألبَّ بالمكان إذا أقام فيه، فمعنى (لبيك) أي: إجابةً لك وإقامةً على طاعتك، وأنت تخاطب مَن؟ طلبة: الله.
الشيخ: تخاطب الله رب العالمين عز وجل، تقول: لبيك، وهل ناداك الله؟ نعم ناداك الله على ألسنة رسله، قال الله لإبراهيم أو لمحمد: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]، فأنت تُلَبِّي هذه الدعوة، إذن أنت ضيف الله؛ لأن الله دعاك، وأتيت إلى مأدبته في بيته الحرام، ولهذا صح أن يقال للحجاج والعمار: إنهم؟ طلبة: ضيوف الله.
الشيخ: ضيوف الله عز وجل.
وأما (اللهم لبيك)، (اللهم) بمعنى: يا الله، وهو بالنسبة لما قبله تأكيد، وإلَّا فكون المراد به الله معروف من كلمة (لبيك).
ثم يُكَرِّر (لبيك لا شريك لك)، هذا للإخلاص، لا شريك لك في هذه التلبية؛ لأن هذه عبادة، والعبادة لا يُشْرَك بها غير الله، أو لبيك لا شريك لك في التلبية؟ لا، لا شريك لك في هذه العبادة، وأما لو ناداك رجل فقلت: لبيك، فلا بأس، ولهذا كان الصحابة يُجِيبُون الرسول صلى الله عليه وسلم بقولهم؟ طالب: لبيك يا رسول الله.
الشيخ: لبيك، ولو كانت شركًا لنهاهم عن هذا، كما نهى الرجل الذي قال: ما شاء الله وشئت (10). (لبيك) أي: في هذه العبادة، لا شريك لك في هذه العبادة.

(إن الحمد والنعمة لك والملك)، (إنّ) تقال بفتح الهمزة وكسرها، والأصح (إِنّ)؛ لتكون جملة استئنافية محقِّقَة لمدخولها، لو كانت (أَن) لكانت كالتعليل لما سبقها، أي: لبيك لأن الحمد، ولكن إذا كانت جملة مستقلة كسر الهمزة أولى.
(إن الحمد والنعمة لك) إي والله الحمد لله وحده، هو المستحق للثناء عز وجل، الثناء الذي لا يكون لغيره، ولهذا نقول: الحمد لله، اللام للاختصاص والاستحقاق، والحمد: هو وصف المحمود بالكمال محبةً وتعظيمًا، والنعمة: نعمة الدِّين والدنيا لله عز وجل، هو الذي مَنَّ بها، ومن نعمته أنْ يَسَّرَ لك الوصول إلى بيته، والنعمة هنا اسم جنس محلى بـ (أل) يشمل؟ طلبة: كل نعمة.
الشيخ: كل النعم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53].
(والملك) يعني: والملك لك، (لا شريك لك، يُصَوِّت بها الرجل)، يُصَوِّت أي: يرفع صوته، (وتخفيها المرأة) أي: تُسِرّ بها، ولكن تنطق بها.
وإنما كان الرجل مأمورًا بإظهارها؛ لأن الرجال هم أهل الإظهار والإعلان، ولذلك أمر جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر أصحابه أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال، وكانوا يصرُخُون بالتلبية صراخًا، ومع الأسف الآن تمر بك جحافل الحجيج بسيارة مملوءة لا تكاد تسمع مُلَبِّيًا، وهذا من الجهل والكسل، والمشروع أن تُلَبِّي بأعلى صوتك، ولا يسمعك شيء إلا شهد لك يوم القيامة، المرأة تخفيها؛ لأن المرأة وإن لم يكن صوتها عورة -على القول الراجح- لكنه فتنة، فتخفيها، قال بعض العلماء: بقدر ما تسمع رفيقتُها.
[باب محظورات الإحرام] ثم قال المؤلف: (باب محظورات الإحرام)، محظور بمعنى: ممنوع، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ﴾ أيش؟ طلبة: ﴿مَحْظُورًا﴾.

الشيخ: ﴿مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20] بالظاء، وأما بالضاد فهي من الحضور، وبينهما فرق، فمعنى محظورات الإحرام ممنوعاتُه، أي: الممنوعات بسبب الإحرام، وكل عبادة من العبادات فيها ممنوعات خاصة، الكلام؟ طلبة: في الصلاة.
الشيخ: في الصلاة، الأكل والشرب؟ طلبة: في الصيام.
الشيخ: وفي الصلاة أيضًا، لكن الأصل فيه؟ طلبة: الصيام.
الشيخ: الصيام، النسك؟ ما فيه منع لا عن الأكل ولا عن الكلام، بل عن أشياء مخصوصة به.
يقول: (وهي تسعة)، تسعة يعني: لا تزيد ولا تنقص، وحينئذ يسأل سأل: ما الدليل على أنها تسعة، ما الدليل على حصرها؟ نقول: إن الله تعالى يَسَّرَ لهذه الأمة علماء ورثة للأنبياء، جمعوها ولَمُّوا شعثها، وألَّفُوا بين شتاتها، وتتبعوا الأدلة فوجدوها تسعة، وهكذا يقال في الشروط والأركان والواجبات التي يذكرها العلماء، قد يأتي متحذلق ويقول: من أين لكم هذا الحصر؟ فيقال: التتبع والاستقراء، تتبعوها ووجدوها تسعة، ومن المعلوم أن الناس قد يختلفون في هذا، قد بعضهم يزيد وبعضهم ينقص، لكن الكلام على أن حصرها سواء بتسعة أو أقل أو أكثر منشؤه؟ طلبة: التتبع والاستقراء.
الشيخ: التتبع والاستقراء.
أولًا: (حلق الشعر)، والمراد بذلك إزالة الشعر، سواء بالحلق، أو القص، أو النتف، أو الدهن، المراد إزالة الشعر، ولهذا لو عَبَّرَ بذلك المؤلف لكان أولى.
وقوله: (الشعر) يشمل شعر الرأس، واللحية، والشارب، والإبط، والعانة، والصدر، والبطن، وشعر جميع الأعضاء، أليس كذلك؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ما هو الدليل على أنه محظور؟ لأن أي إنسان يمنعك مما أحل الله لك قل: ما هو الدليل؟ الجواب: أما اللحية فهي حرام إزالتها، لكن ليس خاصًّا بالإحرام، فلا يكون من محظورات الإحرام بل هو عام، الشارب؟ إزالته جائزة، الإبط، العانة، بقية الشعر؟ إزالتها جائزة.

فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أن الْمُحْرِم ممنوع منها؟ لأن القرآن إنما دل على تحريم حلق الرأس ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]، فإن قال: أَقِيسُ باقي الشعر على شعر الرأس؟ قلنا: القياس لا بد فيه من أن يجتمع الأصل والفرع في العلة، وهنا ليس بينهما اجتماع، لماذا؟ لأن الرأس يتعلق به نسك وهو حَلْقُه أو تقصيره عند الحِلّ، وغيره من الشعور أيش؟ طلبة: لا يتعلق به شيء.
الشيخ: لا يتعلق به شيء، فهو قياس مع الفارق، فإن قال: العلة التَّرَفُّه، فمُنِع منه كما مُنِع من لباس القميص وشبهه، ومُنِعَ من الطيب؟ قلنا: هذه علة لا تطرد، أما القميص والطيب فقد ورد به النص ولا إشكال فيه، وأما هذا فالعلة غير مطردة، ولذلك لا يُمْنَع الْمُحْرِم من الاغتسال، وفيه تَرَفُّه أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: فيه تَرَفُّه، سواء كان لإزالة الأذى أو كان للتنشيط، لا يُمْنَع المحرم من الاستظلال في الخيمة ونحوها، وقد ضُرِبَ للنبي صلى الله عليه وسلم خيمة في نَمِرَة، وفي مِنًى مَنَع من أن تُضْرَب له خيمة لأنها مُنَاخ مَن سَبَقَ، أليس كذلك؟ لا يُمْنَع الْمُحْرِم من أن يجلس في غرفة باردة في أيام الصيف، وفيه.. طالب: تَرَفُّه.
الشيخ: تَرَفُّه، لا يُمْنَع الْمُحْرِم من ركوب مركوب فخم، وفيه تَرَفُّه، فكون العلة هي التَرَفُّه فيه نظر.
ولذلك لا يتضح لي تحريم أَخْذ الشعر في غير الرأس؛ لأنه ما فيه نص، والقياس غير صحيح، فيبقى على الحل.
نعم لو قال قائل: ينبغي أن نمشي على ما ذهب إليه الجمهور تربيةً للناس لئلَّا يتهاونوا في هذا الأمر الذي عرفوا أنه أيش؟ طالب: محظور.
الشيخ: أنه محظور، نُبْقِيهم على ما هم عليه، والمسألة ليس فيها أكل مال، ولا مَنْع شيء لا بد منه، أما من حيث النظر فلا يظهر لي تحريم أَخْذ الشعر إلا الرأس، وعرفتم الفرق بين شعر الرأس وأيش؟ طلبة: وغيره.
الشيخ: وغيره، انتهى الوقت؟

جارٍ التحميل