الشيخ: ما يصح؛ لأن النية إنما تكون قبل العمل، لو كان قبل أن يعلَّمه كان لا بأس، أما بعد أن علَّمه ما يصح.
طالب: قال رحمه الله تعالى: وتصح بمجهول كعبدٍ وشاةٍ، ويُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي، وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالًا ولو دية دخل في الوصية، ومن أُوصِيَ له بمعين فتلف بطلت، وإن تلف المال غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتصح بمجهول) وأظن ما سبق لا يحتاج إلى مناقشة؛ لأنه بسيط.
(تصح بمجهول كعبدٍ وشاةٍ) يعني: تصح الوصية بمجهول، والمجهول هنا يشمل المجهول والمبهم، فالمجهول أن يقول: أوصيت لفلان بعبدٍ، والمبهم أن يقول: أوصيت له بعبدٍ من عبيدي؛ لأن الجهل في الثانية أقل من الجهل في الأولى، الأولى قال: بعبد.
من عبيده أو من غيره، والثانية قيَّده: بعبد من عبيدي.
الجهل في الثانية يسمى عند العلماء مبهمًا؛ لأنه في الحقيقة معلوم من وجه، مجهول من وجه آخر؛ فهو معلوم من وجه لأنه محصور، مجهول من وجه آخر لأنه لم يعين، إذن (... ).
ماذا نعطيه؟ يُشْتَرى له عبد، عبد يشتريه الورثة ويعطونه إياه، أقل ما يقع عليه اسم عبد.
فإن قال: اعطوه عبدًا يخدمه فلا بد من أن يكون العبد كبيرًا يخدم، كذلك إذا أوصى له بشاة؛ شاة مجهولة أو مبهمة، أقول أنا: سواء هذا أو هذا، إذا أوصى له بشاة فإنه يُعْطَى شاة، فإذا قال: إذا مت فأعطوا فلانًا شاة من غنمي، هذا مبهم؛ شاة من غنمه، يؤخذ بالشاة من الغنم ويُعْطَى إياها، شاة مطلقة، يُشْتَرى له من السوق أو يُعْطَى من غنمه إن كان له غنم، ولكن ماذا يُعْطَى؟ هل يُعْطَى ما يقع عليه الاسم اللغوي أو الاسم العرفي؟
يقول المؤلف: (ويُعْطَى ما يقع عليه الاسم العرفي) يعني: إذا اختلفت اللغة والعرف فإنا نأخذ بما دلَّ عليه العرف، ووجه ذلك أن كلام الناس محمول على أعرافهم؛ أي على ما يعرفون، فالشاة -مثلًا- في العرف عندنا هي الأنثى من الضأن، هذه الشاة في اللغة؛ الواحدة من الغنم ضأنًا أم معزًا، ذكرًا أم أنثى، فاهم؟ ويش قلت؟
طالب: الشاة عندنا في اللغة هي الأنثى من الضأن.
الشيخ: في العرف.
الطالب: في العرف.
الشيخ: في اللغة العربية؟
الطالب: في اللغة العربية..
طالب آخر: عنز؛ ذكرًا وأنثى.
الشيخ: الواحدة من الغنم، ذكرًا أو أنثى، معزًا أو ضأنًا.
وما هي عندكم في عرفكم؟
طالب: عندنا..
الشيخ: الشاة.
الطالب: (... ).
الشيخ: ويش تقول اسم الشاة عندكم؟
الطالب: عندنا مجش.
الشيخ: مجش؟
طالب: بالجيم والشين، بتعطيش الجيم.
الشيخ: ويش معناها عندكم؟ الذكر والأنثى من الضأن والمعز؟
طالب: يطلقون على الذكر من الضأن.
الشيخ: الذكر من الضأن، والأنثى من الضأن أيش تسمى؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إذن معناه كل واحد لها اسم عندكم، عندنا الآن لو أوصى الرجل قال: إذا مت فأعطوا فلانًا شاة من الغنم، ومات فأعطاه الورثة تيسًا، تيس؛ يعني ذكرًا من المعز، وقال: لا أقبل، أنا أريد أنثى من الضأن، فمن القول قوله؟
طلبة: الموصى له.
الشيخ: قول الموصى له؛ لأن الشاة في اللغة العرفية يراد بها؟
طالب: الأنثى من الضأن.
الشيخ: الأنثى من الضأن، تمام.
لكن لو فُرِضَ أنه قال: أعطوا فلانًا شاة من غنمي وليس عنده إلا ذكور، فهنا نعرف أنه أراد واحدة من الضأن ذكرًا أو أنثى، فإذا وُجِدت قرينة عملنا بالقرينة.
يؤخذ من هذا الكلام من كلام المؤلف رحمه الله؛ حيث ذكر صحة الوصية بالمجهول أن باب التبرع أوسع من باب المعاوضة، فالبيع -مثلًا- هل يصح بالمجهول؟ لا؛ لأنه معاوضة، الوصية تصح بالمجهول؛ لأنها تبرع.
والفرق ظاهر لأنه في باب المعاوضة يكون العقد على المجهول مَيْسِرًا؛ لأن العاقد إما غانم وإما غارم؛ لأنه قد دفع عوضًا، لكن في باب الوصية هو تبرع؛ إن أدرك ما أوصى له به فهو غانم، وإن لم يدرك فهو سالم ليس عليه ضرر.
وكذلك نقول أيضًا في الهبة وجميع التبرعات: تصح بالمجهول؛ لأن الموهوب له إما غانم وإما سالم (... ).
ويؤخذ أيضًا من كلامه رحمه الله هنا أن العرف مقدَّمٌ على غيره ما لم يناقض الشرع، فإن ناقض الشرع فلا حكم له، فلو فُرِضَ أنه شاع في الناس أن بيع المحرم المعين حلال وهو حرام في الشرع، فهل نرجع إلى العرف؟ لا، فالعرف إذا خالف الشرع يجب إلغاؤه؛ لأن الأمة الإسلامية يجب أن يكون المتعارف بينها ما دلَّ عليه الشرع، فإذا وُجِد عرفٌ يخالف الشرع وجب تعديله، ولا يجوز أن نحوِّل الشرع إلى العرف، هذا ليس بجائز.
فإن قال قائل: ألستم تقولون: إن المرجع في النفقة على الزوجة -مثلًا- هو العرف؟ الجواب: بلى ولَّا نعم؟ بلى، طيب إذن نقضتم القاعدة، نقول: نحن لم ننقض القاعدة؛ لأن الله أحالنا في الإنفاق على الزوجة إلى العرف، فإذا عملنا بالعرف في الإنفاق فقد عملنا بالشرع.
ثم قال: (وإذا أوصى بثلثه فاستحدث مالًا ولو ديةً دخل في الوصية) (إذا أوصى) يعني: إنسان بثلثه، فحدث له مال بعد الوصية فإنه يدخل في الوصية؛ لأن المعتبر في الثلث ما كان عند الموت لا ما كان عند الوصية.
فإذا كان رجل عنده ثلاثون درهمًا فقال: أوصيت بثلثي لفلان، كم ثلثه؟ عشرة دراهم، هذا الرجل حدث له قبل أن يموت تجارة واسعة حتى صار ملكه عند موته ثلاثين مليونًا، كم ثلثه الآن؟ عشرة ملايين، لو قال الورثة للموصى له: سنعطيك عشرة دراهم؛ لأن الميت حين أوصى لك كان ثلثه عشرة دراهم، ماذا نقول؟ نقول: المعتبر ماله عند الموت، ولهذا قال: إذا استحدث مالًا بعد الوصية دخل في الوصية.
لو أنه أوصى لشخص بثلث ماله وكان عنده ثلاثة ملايين ثم افتقر وخلَّف ثلاثة دراهم، كم يُعْطَى الموصى له؟
طلبة: درهم واحد.
الشيخ: درهم واحد، لو قال: أنا أريد مليونًا؛ لأنه حين الوصية عنده ثلاثة ملايين، نقول: العبرة بما عند الموت، ثم ما عندنا ثلاثة ملايين، كل ماله الآن أصبح ثلاثة دراهم.
وقول المؤلف: (ولو دية) هل المراد ولو دية من مورثه أو المراد ولو دية لنفسه؟
طلبة: لنفسه.
الشيخ: هل عرفتم الفرق؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو دية لمورثه مثل شخص أوصى بثلث ماله وكان عنده ثلاث مئة درهم، ثم قُتِلَ أخوه وكان هو وارث أخيه، يُعْطَى من الدية كم؟ عندنا الآن مقدرة الدية مئة ألف، مئة ألف تضاف إلى ثلاث مئة درهم، ويُعْطَى الموصى له ثلث مئة ألف وثلاث مئة درهم، هذه الدية من مورث، وهذه لا إشكال فيها، الإشكال -وهو مراد المؤلف- ولو دية لنفسه، هل تدخل دية نفسه في ماله فيُؤْخَذ منها الثلث إذا أوصى بالثلث أو لا تدخل؟
المؤلف يقول: (ولو دية) تدخل (ولو) هذه إشارة خلاف، مثال ذلك: شخص أوصى لآخر بالثلث وكان عنده ثلاث مئة درهم، ثم قُتِلَ خطأ، هذا الميت قُتِلَ خطأ.
طالب: الموصي؟
الشيخ: الموصي الذي أوصى، ثم مات قُتِلَ خطأ، فسُلِّمت ديته سُلِّمت إلى الورثة، هل نقول: إن الموصى له يدخل أو لا؟ على كلام المؤلف يدخل، فيكون ثلثه بعد أن كان مئة درهم يكون ثلثه ثلث مئة ألف ومئة درهم، هذا معنى كلام المؤلف يقول: ولو دية دخل في الوصية، وكلام المؤلف هو الصحيح.
نشوف المناقشة؛ الذين قالوا: إن الدية لا تدخل في الوصية أو لا تدخل فيها الوصية يقولون: لأن الدية إنما وجبت بعد موته، فتكون للورثة خاصة، والذين قالوا: إن الوصية تدخل في الدية قالوا: لأن الموصى له صار مستحقًّا لمال الميت الموصي، فكما أن الورثة يستحقون الدية فهذا أيضًا يستحق الدية، وموته شرط لثبوتها.
أما سبب الثبوت فهو سابق على الموت؛ لأن الجناية حدثت قبل الموت، وهي سبب الوجوب، وموته شرط للوجوب، إذن القول الصحيح أن الدية تدخل؛ لما علمتم من هذين التعليلين، ولأننا رددنا قول من قال بأنها لا تدخل الوصية في الدية، وتعليلهم بأن الدية وجبت بعد موت رددنا هذا التعليل بأيش؟ بأن سبب الدية وُجِدَ قبل الموت -وهو الجناية- فصارت داخلة في ماله.
قال المؤلف: (ومن أُوصِيَ له بمعين فتلف بطلت، وإن تلف المال غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة).
أوصي لشخص بمعين فتلف؛ بأن قال: أوصيت لفلان بهذه البعير، ثم ماتت البعير قبل موت الموصي، ثم مات الموصي، فجاء الموصى له إلى الورثة وقال: إن صاحبكم أوصى لي ببعير، أعطوني بعيرًا، فقالوا: إن البعير الذي أوصى به لك مات، فبطلت الوصية؛ لتعلقها بعين الموصى به، إذا أوصى بمعين تعلقت الوصية بعين الموصى به، فإذا تلف بطلت الوصية، فالقول قول من؟ قول الورثة، الورثة يقولون: لكن صاحبنا أوصى لك بالبعير، والبعير تلفت؛ بطلت الوصية.
وإن تلف المال -عكس هذه المسألة- تلف المال غير الموصى به؛ يعني تلف جميع مال الموصي إلا الموصى به، فله ثلثه إذا تلف المال كله، ولهذا قال: (وإن تلف المال كله غيره فهو للموصى له إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة) ولكنه لن يخرج إذا كان المال كله قد تلف.
مثال هذا: أوصى لشخص ببعير، ثم تلف ماله إلا هذا البعير، ثم مات الرجل الموصي، ماذا يكون للموصى له؟
طلبة: ثلث البعير.
الشيخ: ثلث البعير، إلا إن أجاز الورثة، إن أجاز الورثة الوصية نفذت، لكن إذا قالوا: لا نجيز فليس له إلا ثلث البعير؛ لأن المعتبر في الثلث حال الموت، وهذا حال الموت لا يملك إلا هذه البعير، فليس للموصى له إلا ثلثها، فإن كان حين أوصى بالبعير عنده عشرة آلاف والبعير يساوي ألفًا، ثم تلفت العشرة ولم يبقَ منها إلا ألفان ومات؟
طالب: تنفذ.
الشيخ: تنفذ الوصية؟
طلبة: (... ).
الشيخ: البعير يساوي ألفًا وخلَّف ألفين غير البعير، يُعْطَى البعير؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يعطاه؛ لأنه الآن ثلث، يُعْطَى إياه، فإن كان الذي أوصى حين موته لا يملك إلا ألفًا والبعير وهي تساوي ألفًا، كم يستحق؟
طالب: النصف.
طالب آخر: الثلث.
الشيخ: انتبهوا يا جماعة.
طالب: نصف البعير.
الشيخ: نصف البعير؟
طالب: ثلثي البعير.
طالب آخر: ثلاثة أرباع.
الشيخ: مو ذكرنا فيما سبق أننا إذا أردنا أن نستخلص النسبة فإننا ننسب الموصى به إلى المال، ثم له مثل هذه النسبة؟ فإذا نسبنا ألفين إلى ثلاثة كم يصير؟
طلبة: ثلثي البعير.
الشيخ: ثلثي البعير، وهو كذلك له ثلثا البعير، والثلث -ثلث البعير- مع الألف للورثة، هذه القاعدة، القاعدة أنك تجمع الوصايا وتنسبها إلى الثلث.
قال: (إن خرج من ثلث المال الحاصل للورثة).
[باب الوصية بالأنصباء والأجزاء]
ثم قال المؤلف: (باب الوصية بالأنصباء والأجزاء) يعني: أن الموصي ينسب الوصية إلى الأنصباء، أنصباء من؟ أنصباء الورثة، و (الأنصباء) جمع نصيب؛ وهو نصيب الوارث، و (الأجزاء) جمع جزء؛ وهو بعض المال؛ أي بعض مال الموصي، جزء المال يعني: بعضه.
ثم قال المؤلف: (إذا أوصى بمثل نصيب وارثٍ معينٍ فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة) انتبهوا لهذا (إذا أوصى) من؟ الموصي، (بمثل نصيب وارثٍ معينٍ فله) أي: الموصى له، (مثل نصيبه) أي: مثل نصيب الوارث حال كونه؛ أي المثل، (مضمومًا إلى المسألة).
مثاله قال: (فإذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان فله الثلث) يعني: ليس له مثل نصيب الوارث مستقلًا عن المسألة بل مضمومًا إلى المسألة.
المثال يوضح (إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ابنان) كم نصيب كل ابن لو مات عن ابنين؟ النصف، هل نعطي الموصى له النصف لأنه مثل نصيب الابن؟ لا، نعطيه مثل النصيب لكن مضمومًا إلى المسألة، فإذا كان هذان الابنان لو مات عنهما أبوهما صار لكل واحد سهم، نعطي الموصى له سهمًا مضمومًا إلى المسألة، فتكون السهام كم؟ تكون السهام ثلاثة، فنقول: الآن لك الثلث، وللابن الأول الثلث، وللابن الثاني الثلث، فإذن أنت الآن صرت مثل نصيب أحد الابنين.
لو قال قائل: لماذا لا نعطيه النصف لأن الابنين لو ورثاه لكان لكل واحد النصف؟
نقول: طيب اتفضل، إذا أعطيناه النصف صارت المسألة من أربعة، للموصى له كم؟ اثنان، ولكل ابن واحد، هل صار نصيب الموصى له الآن مثل نصيب الابن؟ صار ضعفه، إذن لا يمكن أن نعطيه النصف، بل نعطيه مثل النصيب مضمومًا إلى المسألة؛ لأنك لو أعطيته مثل نصيبه مستقلًّا لزاد، ما فيه شك، ووجه الزيادة أن هذه الوصية ستؤخذ من المال، فإذا أُخِذَت من المال لزم من ذلك نقصان أنصباء الورثة، وهذا واضح جدًّا.
إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله أربعة أبناء؟
طلبة: له الخمس.
الشيخ: له الخمس.
له عشرة؟
طالب: واحد من إحدى عشر.
الشيخ: واحد من إحدى عشر، وهلم جرًّا.
طالب: (... )؟
الشيخ: إي دية وغير الدية، (استحدث مالًا) تعم الدية وغيرها، قد يكون استحدث مالًا -مثلًا- بميراث، استحدث مال بربح تجارة، وغير ذلك.
الطالب: (... ) دية؟
الشيخ: مراده دية نفسه.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا، حتى لو مات مورثه هو استحدثه، لكن بس الميراث يكون ملكًا قهرًا ما هو باختياره.
المهم أن قوله: (استحدث مالًا) يشمل ما يحدث له من المال من ميراث، أو دية لغيره، أو ربح تجارة، أو هبة، أو غير هذا.
طالب: (... )؟
الشيخ: للانتفاع.
الطالب: الانتفاء.
الشيخ: الانتفاع بالعين.
الطالب: الانتفاع.
الشيخ: الانتفاع يجوز؛ يجوز أن يوصي الإنسان بالمنفعة، بكلب الصيد (... ).
طالب: الوصية عبادة؛ يعني تحتاج إلى نية، والرجل وقت..
الشيخ: ما هي عبادة بارك الله فيك، من قال: إنها عبادة؟ الوصية تبرع، تدخل في جملة التبرعات.
الطالب: (... ) لو كان نوى (... )؟
الشيخ: هو أوصى بثلثه، مات هذا الرجل، جمعنا ماله، عنده مال مما سبق، وعنده دية حصلت عوضًا عن نفسه.
طالب: (... ) الدية (... )؟
الشيخ: له ما استحضر، هل يستحضر الإنسان إذا أوصى بثلث ماله وعنده ثلاثة آلاف ثم جاه ثلاثة ملايين، ربما ذاك الساعة ما يستحضرها أبدًا ولا يفكر أنه بيحصل ثلاثة ملايين.
طالب: (... ) الموصى له (... )؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: يعني (... ).
الشيخ: إي معلوم، الموصى له لا يمكن أن يعفو الورثة عن نصيبه.
الطالب: حتى لو كان قصاصًا؟
الشيخ: لا، القصاص غير، القصاص حق للورثة، وإذا اقْتُصَّ من القاتل انتهى، ما صار عليه مال.
الطالب: (... ) الدية؟
الشيخ: ما حصل، لو عفا -مثلًا- الموصى له، نقول: أصلًا ليس لك حق في القصاص، حقك في المال؛ فإن ثبت المال أعطيناك، وإن لم يثبت فلا شيء لك.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، حق على العاقلة، الدية حق عليهم وحق للورثة، الدية حق للورثة وحق على العاقلة.
الطالب: (... )؟
الشيخ: إي، حق للورثة يعني معناه إذا قُتِل الإنسان وأُخِذَت ديته، حق على العاقلة إذا قَتَل الإنسانُ غيرَه خطأ فالعاقلة تحمل الدية عنه.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، ما يستحقه، يستحقه الوارث.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا، ما هم بورثة، الله قال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 11] الميراث مقررٌ من قِبَل الشرع، وأما تحميل العاقلة للدية إذا قتل صاحبهم إذا قتل أحدًا فهذا من باب التعاون، ولهذا وجبت الدية على العاقلة في الخطأ ولم تجب في العمد.
طالب: في الكتاب: إذا حضر القسمة الفقراء وذو القربى هل يعطون من المال المجموع أو من أموال أخرى؟
الشيخ: لا، من المال المجموع.
طالب: إذا أوصى له بمئة شاة..
الشيخ: أوصى له بمئة شاة.
الطالب: (... )؟
الشيخ: أوصى له بمئة شاة، ثم نمت فصارت مئة وخمسين، ثم مات.
الطالب: نمت بعد موته.
الشيخ: إي، ثم نمت، ثم مات، ويش السؤال؟
الطالب: هل يعطى مئة وخمسين؟
الشيخ: عنده أموال؟
الطالب: (... ) ثلاث مئة شاة، فزادت بعد أن مات الموصي..
الشيخ: زادت الغنم.
الطالب: هل يُعْطَى (... )؟
الشيخ: كان عنده ثلاثة آلاف ريال وأوصى بثلث ماله، ثم نمت هذه الثلاثة آلاف ريال حتى صارت ثلاثين ألفًا، هل نقول: ليس لك إلا ألفٌ أو لك عشرة؟ هذا معنى قول المؤلف: (فاستحدث مالًا) يعني: إذا جاء المال الجديد بعد الوصية يُضَاف إلى ماله الأول.
طالب: العاقلة الآن لو قالوا: نحن ليس لنا في الإرث ولن ندفع في الدية، هل يلزمون أم لا يلزمون؟
الشيخ: لا، ما يلزمون.
الطالب: ما يلزمون؟
الشيخ: ما يلزمون، بس يضرب كل واحد عصا على ظهره ويقال (... ).
الطالب: مثلما لأقلهم نصيبًا، فمع ابن وبنت ربعٌ، ومع زوجة وابن تسعٌ، وبسهم من ماله فله سدسٌ، وبشيء أو جزء أو حظ أعطاه الوارث ما شاء.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
نحن الآن في باب الوصية بالأنصبة والأجزاء، وقبله نحتاج إلى مناقشة.
رجل أوصى لشخص بسيارة وكانت تساوي عشرة آلاف ريال وماله ثلاثون ألفًا، ثم تلفت السيارة قبل أن يموت؟
طالب: لا شيء للموصى له.
الشيخ: لا شيء للموصى له؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأن العين تلفت (... ).
الشيخ: إذن نأخذ منها قاعدة أن الوصية تبطل بتلف العين الموصى بها.
أوصى لشخص بثلث ماله وكان ماله ثلاثين ألفًا، وعند موته صار ثلاثة آلاف، كم نعطيه؟ الموصي حين الوصية كان ماله ثلاثين ألفًا وأوصى بثلث، كم الثلث؟
طالب: عشرة.
الشيخ: إي نعم، عشرة.
لما مات لم يكن عنده إلا ثلاثة؟
الطالب: (... ).
الشيخ: أوصى بالثلث، لما مات صار عنده ثلاثة، كم يُعْطَى الموصى له؟
الطالب: ألفًا.
الشيخ: ألفًا؟
الطالب: (... ).
الشيخ: على كل حال هو يختلف؛ إذا أوصى بعشرة وأوصى بالثلث يختلف؛ لأنه إذا أوصى بعشرة ولم يجد إلا ثلاثة وأجاز الورثة يُعْطى الثلاثة، لكن إذا أوصى بالثلث ليس له إلا ألف.
على كل حال إذن نقول: إذا نقص المال عن وقت الوصية فليس له إلا ما وُجِد فقط.
أوصى لشخص بثلث وكان عنده ثلاثة آلاف، ولما مات وجدنا عنده ثلاثين ألفًا؟
طالب: يأخذ العشرة.
الشيخ: عشرة؟
الطالب: إي نعم، ثلث.
الشيخ: هو له ألف حين الوصية؟
الطالب: الوصية تثبت عند الموت.
الشيخ: أوصى له بألف وكان ماله عند الوصية ثلاثة آلاف، وعند الموت ثلاثين ألفًا، كم نعطيه؟
الطالب: الألف فقط.
الشيخ: سبحان الله! كان بالأول تنقص عليه والآن..
الطالب: لا، هو أوصى بألف، ليس له إلا الألف.
الشيخ: إي، يعني إذن فرق بين أن يوصي بألف أو يوصي بالثلث؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، موافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أوصى لشخص بسيارة وكانت السيارة تساوى عشرة آلاف، وكان عنده حين الوصية أربعون ألفًا، ثم تلفت الدراهم ولم يبقَ عنده حال الموت إلا السيارة؟
طالب: إن أجاز الورثة يأخذ السيارة كاملة، (... ) يأخذ ثلث السيارة.
الشيخ: يأخذ ثلث السيارة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: صح.
الشيخ: صح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: تمام، إن أجاز الورثة فله ما أوصى له به؛ السيارة كاملة، وإن لم يجيزوا فله ثلث السيارة، لكن كيف نعمل ثلث سيارة؟ ويش نسوي؟ نعطيه الكفرات والباقي للورثة ولا؟
طالب: لا، نبيعها ويأخذ ثلث قيمتها.
الشيخ: نقول: إن رضوا بالبقاء على الشركة..
طالب: (... ).
الشيخ: تبقى شركة، وإذا استغلوها بأجرة صارت الأجرة بينهما ثلاثًا، وإلا تُبَاع السيارة بعضهم على بعض، أو في الخارج على أجنبي، ويأخذ ثلث القيمة.
الوصية بمثل نصيب وارث معين؟
طالب: (... ) وله الربع.
الشيخ: لا، أقول: إذا أوصى لشخص بمثل نصيب وارث معين.
الطالب: فله (... ).
الشيخ: كمِّل، فله مثل نصيبه مضمومًا إلى المسألة أو فله مثل نصيبه منفردًا عن المسألة؟
الطالب: لا، مضمومًا إلى المسألة.
الشيخ: مضمومًا إلى المسألة.
مثاله؟
الطالب: مات عن ابن وقد أوصى لأجنبي بمثل نصيب ابنه، مات عن ابنين وقد أوصى لأجنبي بمثل نصيب أحد ابنيه، تكون المسألة من ثلاثة: ابنيه كل واحد سهم؛ اثنان، والباقي الوصية للأجنبي.
الشيخ: للموصى له سهم، ولكل ابن سهم.
لو قلنا: له مثل نصيبه منفردًا؟
الطالب: صار الموصى له سهمان.
الشيخ: صار الموصى له النصف.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: والباقي بين الابنين، وقلنا: إن هذا لا يمكن؛ لأنك لو أعطيته النصف ما صار له مثل نصيب الابن، صار له مِثْلَا نصيب الابن.
إذا كانوا خمسة؟
طالب: إذا كانوا خمسة يأخذ السدس.
الشيخ: السدس؟ خمسة، ليش ما يأخذ الخمس؟
الطالب: لا، يأخذ السدس؛ لأنه (... ) المسألة، فيصبحوا خمسة أبناء، يضاف إليهم الموصى له فيصبحوا ستة، ويقسم بينهم الأسهم.
الشيخ: إي نعم، هذا معنى قوله: (مضمومًا إلى المسألة).
بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف: (وإن كانوا ثلاثة فله الربع).
إذا كانوا ثلاثة فله الربع؛ يعني: نضيف إلى الثلاثة واحدًا مثل نصيب واحد؛ يكون له الربع.
(وإن كان معهم بنت) (إن كان معهم) أي: مع الثلاثة بنت، (فله التسعان)، لماذا؟
طالب: لأن البنت راح تكون نصف سهم (... ).
الشيخ: هم -بارك الله فيك- ثلاثة، كم لهم؟
الطالب: ست أسهم والبنت..
الشيخ: سهم.
الطالب: سهم.
الشيخ: هذه سبعة.
الطالب: سبعة، والموصى له له سهمان.
الشيخ: مثل نصيب ابن.
الطالب: مثل الابن.
الشيخ: سهمان، إذا أضفناه إلى السبعة صارت تسعة.
إذن إذا أوصى بمثل نصيب ابنه وله ثلاثة أبناء وبنت فاللموصى له التسعان، لماذا؟ لأن للابن سهمين، وللبنت سهم، فالثلاثة ستة أسهم، والبنت سهم، هذه سبعة، والموصى له سهمان، هذه تسعة أسهم، هذه مسألة بسيطة.
(وإن وَصَّى له بمثل نصيب أحد ورثته ولم يبين كان له مثل ما لأقلهم نصيبًا).
إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته، ما عَيَّن؛ ننظر إلى أقلهم نصيبًا، فيكون للموصى له مثله مضمومًا إلى المسألة مثل ما لأقلهم نصيبًا مضمومًا إلى المسألة.
ففي بنتين وزوج وعم وأوصى بمثل نصيب أحد الورثة، كم نعطيه؟
طالب: (... ).
الشيخ: مثل نصيب العم ولَّا مثل نصيب الزوج؟
طالب: نصيب العم.
طالب آخر: الزوج.
الشيخ: اسمع، شوف يا أخي، امرأة ماتت عن زوج وعن بنتين وعم، وأوصت لشخص بمثل نصيب أحد الورثة.
طلبة: (... ).
الشيخ: أقلهم -يا إخوان- نصيب العم؛ لأن المسألة من اثني عشر؛ للزوج الربع؛ ثلاثة، وللبنتين الثلثان؛ ثمانية، هذه إحدى عشر، وللعم الباقي؛ واحد، والمرأة أوصت بمثل نصيب أحد الورثة يُعْطَى مثل ما لأقلهم، أقلهم لا شك العم واحد، يُعْطَى الموصى له واحدًا مضمومًا إلى المسألة، كم تكون المسألة؟ من ثلاثة عشر؛ يعني يُعْطى واحدًا من ثلاثة عشر، صح؟
ولهذا قال: (مثل ما لأقلهم نصيبًا) ثم ضرب مثلًا قال: (فمع ابن وبنت ربع) يعني: إذا أوصى بمثل نصيب أحد ورثته ثم مات عن ابن وبنت، مسألتهما من ثلاثة؛ للابن اثنان، وللبنت واحد، نعطي الموصى له مثل نصيب الابن ولَّا مثل نصيب البنت؟ مثل نصيب البنت مضمومًا إلى المسألة، إذن أضف إلى الثلاثة واحدًا تكن أربعة، وهو الربع.
(ومع زوجة وابن تِسعٌ) واضح، زوجة وابن تِسعٌ، مسألة الزوجة والابن من كم؟
طلبة: ثمانية.
الشيخ: من ثمانية؛ للزوجة واحد، والباقي للابن، أضف إليها إلى الثمانية مثل نصيب الزوجة واحد تكون تسعة، ولهذا قال: (مع زوجة وابن تسع).
ومع زوج وابن؟
طالب: (... ).
الشيخ: كم؟
الطالب: الربع.
الشيخ: الربع؟ إذا أوصى بمثل نصيب أحد الورثة ولم يُعَيِّن، ثم ماتت عن زوج وابن كم نعطيه؟
طالب: (... ).
الشيخ: الربع خطأ؛ لأنه بقي عليك واحد، شرط من الشروط يُعْطَى مثل نصيبه مضمومًا، ضمه، كم مسألة الزوج والابن من كم؟
طالب: من أربعة.
الشيخ: من أربعة؛ للزوج الربع؛ واحد، والباقي؟
طالب: والباقي للابن.
الشيخ: للابن، أضف إلى الأربعة مثل نصيب الزوج واحد.
طالب: صار خمسة.
الشيخ: صار خمسة، كم يُعْطَى الموصى له؟ (... ) ويش تقولون؟ صحيح؟
طالب: خمسًا.
الشيخ: خمس، ما نعطيه الربع، لو أعطيناه الربع نقص حق الزوج عن الربع ولَّا صار مثله.
يقول: (وبسهم من ماله فله سدس).
فيه مسألة قبل أن نتعداها إذا أوصى بمثل نصيب أحد الورثة ماذا نعطي الموصى له؟ مثل أقلهم نصيبًا.
لكن لو قال الموصى له: أنا ما أرضى وقال: مثل نصيب أحد الورثة، أنا أريد مثل نصيب أكثرهم، نقول: لا، نحن إذا أعطيناك مثل ما لأقلهم فقد عملنا بالوصية ولا يلزمنا أكثر من هذا.
لكن لو قال: اجعلوها بالمعدل؛ يعني بَيْنَ بَيْنَ، يلزم الورثة ذلك؟ لا، يلزمهم أقل ما يمكن تنفيذ الوصية به، وهو أقلهم نصيبًا.
قال: (بسهم من ماله فله سدس) إذا أوصى بسهم من ماله فله سدس؛ بناء على أن هذا مدلول كلمة (سهم) في اللغة العربية؛ يعني إذا قيل: سهم من المال يعني سدسًا من المال، فبناء على ذلك يُعْطَى إذا أوصى له بسهم يُعْطَى السدس.
وقال بعض العلماء: يُعْطَى أقل سهام في المسألة؛ يعني يُعْطَى مثل أقل سهم في المسألة؛ لأن سهم المسألة حقيقة هو ما تتكون منه السهام، فإذا أوصى بسهم من ماله ينظر إلى أقل السهام ويعطى مثله، ففي زوجة وبنت كم يُعطى؟ واحدًا من تسعة، وعلى رأي المؤلف يُعْطى واحدًا من ستة؛ السدس، والباقي للورثة؛ بناء على أن هذا هو مدلول هذا الجزء أو هذا السهم في اللغة.
(وبشيء أو جزء أو حظ) ثلاث كلمات (أعطاه الوارث ما شاء) بشيء من مالي، قال: إني أوصيت لفلان بشيء من مالي؛ يعطيه الوارث ما شاء، قال: بجزء من مالي؛ يعطيه ما شاء، بحظ من مالي ما شاء، بنصيب من مالي؛ ما شاء، ولكن يُشترط أن يكون مما يمكن تموله، فلو أنه مات الرجل وقد أوصى لشخص بجزء من ماله أو بشيء من ماله، فجمع الوارث قشور حب فسفس وأعطوه إياه، يصلح؟
طلبة: ما يصلح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: ما يُتمول به.
الشيخ: هذا ما يُتمول، صحيح أنه شيء من ماله لكن ما يتمول.
قال: طيب أعطيك نواة، تعرفون النواة؟ هي الْعَجَمُ؛ أي نواة التمرة، قال: خذ هذه النواة، قال: ما يصير، قال: طيب، ليش ما يصير؟ قال: ما تتمول عادة، فقال الورثة: بل تتمول؛ دور معها نوى آخر وأضفه إليها، ونواة مع النواة تأتي أصواعًا، ماذا يقول؟ ما يكفي، لا بد أن يكون مما يتمول.
أعطاه قرشًا؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ لو كان الموصي عنده ملايين الدراهم؟
طالب: صحيح.
الشيخ: إي نعم يصح؛ لأن المؤلف يقول: (أعطاه الوارث ما شاء)، والحقيقة أنا لا أظن أن شخصًا عنده ملايين الدراهم ويوصي لآخر بشيء من ماله يريد أنهم لو أعطوه قرشًا لكفى، أليس كذلك؟ هذه ينبغي أن يُرجع فيها إلى العرف، لا سيما إذا قال: أوصيت له بجزء من مالي، يمكن (بشيء من مالي) تحتمل القليل جدًّا، لكن (بجزء منه) الجزء يفهم الناس أنه من جنس السهم؛ يعني سدس أو نحو ذلك.
طيب إذا مات هذا الموصي فوجدنا عنده ثلاثة قروش أعطوه قرشًا؛ يجزئ لا شك؛ لأن هذا القرش أصبح يمثِّل ثلث المال، لكن إذا كان عنده ملايين هل يصح أن ينسب هذا القرش إلى الملايين بأنه جزء؟ ما أظن يصح، فلو قيل: إنه يرجع إلى العرف لكان قولًا متوجهًا.
باب الموصى إليه
ثم قال المؤلف: (باب الموصى إليه) الموصى إليه هو الذي يُعْهد إليه بالتصرف بعد الموت، سواء في المال أو في الحقوق، في المال مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان بثلثي ليصرفه في أعمال البر، صار الذي أُوصى إليه يُسَمى موصى إليه أو موصى له؟
طلبة: موصى إليه.
الشيخ: موصى إليه، هل الموصى إليه من أركان الوصية؟ لا؛ لأنه يمكن للموصي أن يوصي لشخصٍ لا إلى شخص فيقول: أوصيت لفلان بثلث مالي وينتهي، لكن الموصى إليه أمر زائد يُسمى عند العامة -عند عامتنا- يسمى وكيلًا، فتجدهم يقولون: من هو الوكيل على الثلث، لكنه اصطلاحًا لا يسمى وكيلًا يسمى وصيًّا؛ لأن المتصرف عن الغير وكيلٌ ووليٌّ ووصيٌّ وناظرٌ؛ أربعة، الوكيل معروف هو الذي وُكِّل إليه التصرف في حياة الموكِّل، والناظر على الوقف، والوصي بعد الموت على الوصية، والولي على الأيتام، والولي منصوب من قبل الشرع.
يقول: (تصح وصية المسلم إلى كل مسلم).
وصية الكافر إلى المسلم؟
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح من باب أولى، وصية الكافر إلى المسلم؛ يعني أن كافرًا من الناس أوصى إلى مسلم بدراهم يصلح بها طريقًا للمسلمين؛ يصح.
وصية المسلم إلى كافر؟
طلبة: لا تصح.
الشيخ: لا تصح؛ لأنه لا بد أن يكون الموصى إليه أعلى من الموصي أو مثله، أما إذا كان دونه فلا، والله أعلم.
طالب: أوصيت بجزء من مالي أعطاه الوارث ما شاء؛ يعني يشترط أن يكون من ماله؟
الشيخ: إي، من مال الموصي.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا، ما يجزئ، لا بد أن يكون مما يتمول، الزيت المتنجس على المذهب لا يتمول.
الطالب: (... )؟
الشيخ: معروف المال عندهم شرعًا هو كل عين يصح بيعها (... ).
فإنه لا يجوز أن يسقط؛ لأنه لا يجوز أن نقتل نفسًا لاستبقاء نفس، قد يورد علينا مورد يقول: إذا أبقيتم الحمل في بطنها ماتت هي والحمل، وجوابنا على ذلك أن نقول: إذا ماتت هي والحمل فإنما ماتت بفعل الله ليس لنا سبب في موتها، لكن إذا نزلنا الحمل فمات فهو بفعلنا، واضح؟
طالب: (... ).
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم؛ يعني ظاهر، ما هو نص، النص معناه أنه لو قال: ولم يتب، لكن ظاهر الحديث أنه لما (... ) العقوبة أنه مات ولم يتب.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا، ما ندم على القتل، لو ندم على القتل لكان تائبًا، لكنه ندم أن كان هو أبلد من الغراب.
طالب: (... ) إذا أوصى بكل التركة بثلثه فاستحدث مالًا ولو دية هل تصح؟
الشيخ: ما تصح.
الطالب: كيف (... )؟
الشيخ: لا، الدية هي حق للورثة في الحقيقة؛ يعني يرثونها كما يرثون ماله، لكن هي تعتبر مالًا له حكمًا، لها حكم المال الذي اكتسبه في حياته.
الطالب: الدية نفسها؟
الشيخ: دية نفسه كمالِهِ في الحياة.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا، هي عوضٌ عن نفسه فتكون داخلة في ملكه.
طالب: فيه حديث صحيح يا شيخ.
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، على كل حال هو من أحاديث الوعيد، أحاديث الوعيد يخففون فيها.
طالب: إذا أمر أحد الجبابرة بقتل مظلوم فقتله الجندي أو المباشر له، هل يكون عليه وزر ما أمر به هذا الجبار؟
الشيخ: ويش تقولون؟
طلبة: نعم.
الشيخ: سلطان جائر أمر الجندي بقتل رجل بريء وهو يعلم أنه بريء فقتله، هل يجوز أن يقتله؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، إذا قتله قُتِل الجندي، يُقتل الجندي؛ لأن أعلى ما نقول في هذا السلطان الجائر: إن الجندي إذا لم يقتله قتله السلطان، وكون الرجل يهدد بالقتل لا يبيح أن يقتل غيره، ولهذا قال العلماء: إذا أمر السلطان بقتلٍ ظلمًا والمأمور لا يدري أنه ظالم فلا ضمان عليه؛ على المأمور؛ لأن الأصل في السلطان أنه لا يأمر إلا بقتل حق.
وهذا قيده بعض العلماء قال: هذا بشرط أن يكون السلطان معروفًا بالعدل، أما إذا كان معروفًا بالظلم فإنه لا يجوز للمأمور أن يقتله حتى يتبين أنه قتل بحق، والسلطان إذا أمر بقتل ظلمًا ثم امتنع الشرطي من تنفيذه لا يستطيع أن يقتل الشرطي؛ لأنه إذا قتله سوف يمتنع الشرطي الآخر، ثم يقتل الشُّرَط كلها، وفي مثل هذا لا يمكِّنه الله في الأرض لا بد أن ينتقم منه في الدنيا، لكن كون الشُّرَط يمتثلون أوامر السلطان وهم يعلمون أنه ظالم سوف يكونون مشاركين له في الظلم.
ولهذا يجب على كل شرطي أمره السلطان بظلم أن يمتنع منه، سواء كان قتلًا أو جلدًا أو حبسًا أو أخذ مال؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو أن الشُّرَط إذا أُمِرُوا بالظلم امتنعوا منه لكان في ذلك سبب لصلاح السلطان، لكن كون السلطان يرى نفسه أن أمره مطاع على كل حال، وكون الشُّرَط يذلون أنفسهم إلى هذا الحد يجترؤون على الظلم الذي يعلمونه كما يعلمون الشمس من أجل طاعة السلطان والخوف على مراتبهم لا شك أن هذا هو الذي ينتشر به الظلم ويستمر الظلم، فكيف عدل الشُّرَط الذين يزيدون على ما أمر به السلطان؟ ! قد يأمر السلطان بتعذيب حق ثم هم يزيدون؛ لأن بعض الشُّرَط -والعياذ بالله- ليس عندهم خوف من الله سبحانه وتعالى؛ إن وُجِّهت العقوبة إلى قومهم خففوها، وإلا ألبسوا ظهره مضربة؛ يعني بطانية، وإن وُجِّهت العقوبة إلى غير قومهم فيا ويل من وُجِّهت إليه العقوبة، سوف أيش؟ إذا كان لغير قومهم فسوف يضربونه أكثر مما أمروا به في الغالب، إلا عاد من يخاف الله يكون بالعدل.
طالب: ماذا يقولون عن الآية -يا شيخ- الذين قالوا: إن الجند لا يعلم ظلمهم على ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا﴾ [القصص: 8] وجنود فرعون وهامان ربما منهم كان لا يعلم بظلم فرعون؟
الشيخ: ما هو بعلى كل حال، الله ما خطَّأهم إلا لأنهم مستحقون للتخطئة.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الموصى إليه
تصح وصية المسلم إلى كل مسلم مكلَّف عدل رشيد ولو عبدًا، ويقبل بإذن سيده، وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيدًا اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له، ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي؛ كقضاء دينه وتفرقة ثلثه والنظر لصغاره، ولا تصح بما لا يملكه الموصي؛ كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
(باب الموصى إليه) الموصى إليه هو المأمور بالتصرف بعد الموت.
قال: (تصح وصية المسلم إلى كل مسلم) ولا تصح وصية المسلم إلى كافر؛ لأن الكافر غير مأمون والموصي قد مات، فإذا أوصى إلى كافر -والكافر غير مأمون- فإنه لا يُؤْمَن أن يتلاعب بالوصية وليس له من يمنعه.
وتصح وصية الكافر إلى مسلم، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يعني لو كان إنسان كافر له أخ مسلم (... ) يصح، وتصح وصية المسلم إلى المسلم كما قال المؤلف، وتصح وصية الكافر إلى الكافر، الكافر إلى الكافر، والمسلم إلى المسلم، والمسلم إلى الكافر؛ لا، والكافر إلى المسلم؟
طلبة: تصح.
الشيخ: تصح، لكن اشترط المؤلف: (مكلف) المكلف هو البالغ العاقل؛ لأن من ليس مكلفًا يحتاج أن يُوصَى عليه، الصغير يحتاج إلى وصيٍّ، المجنون يحتاج إلى وصيٍّ، فلا يمكن أن يكونا وصيين لغيرهما.
(عدل) وضده الفاسق، الفاسق من فعل كبيرة ولم يتب منها أو أصر على صغيرة، وعلى هذا فالذين يشربون الدخان ليسوا بعدول؛ لأنهم مصرون على معصية صغيرة، والذين يحلقون لحاهم كذلك ليسوا عدولًا؛ لأنهم مصرُّون على معصية، إذن لا بد أن يكون عدلًا.
فمن هو العدل؟ قلنا: ضده الفاسق، ولكن له تعريف بغير الضد؛ وهو من استقام دينه واستقامت مروءته، هذا العدل، ولهذا سمى عدلًا من الاستقامة؛ الطريق العدل ما فيه اعوجاج، العصا العدل ما فيها انحناء، فالعدل من استقام دينه واستقامت مروءته، أما الدين فأن يقوم بما أوجب الله عليه ويَدَع ما حرَّم الله عليه، وأما المروءة فألَّا يفعل ما ينتقده الناس، فإن فعل ما ينتقده الناس فهو ليس ذا عدالة.
لو فُرِضَ أن إنسانًا دخل على ملك من الملوك في بلد جرت عادة الناس فيه أن يلبس الإنسان قميصًا وغترة أو شماغ، فدخل على السلطان ليس عليه إلا هاف، تعرفون الهاف؟
طلبة: السروال القصير.
الشيخ: الهاف السروال القصير قد ستر ما بين السرة والركبة، أعلى بدنه ليس عليه ستر، وأسفل بدنه ليس عليه ستر، ودخل على ملك من الملوك، ماذا تكون المسألة؟
طالب: مجنون.
الشيخ: (... ) إلى دور المجانين، هذا يخالف المروءة، كذلك كانوا من قبل لا يمكن لأحد أن يأكل في السوق أبدًا، ينتقدون اللي يأكل في السوق أو الذي يتقهوى في السوق، فإذا كنا في بلد ينتقدون ذلك، فجاء رجل وقام يأكل في السوق، أيش تقولون؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، (... ) لكن ينتقدونه، لا شك ينتقدونه، في الوقت الحاضر صار هذا غير مخالف للمروءة، فيه ناس الآن يتقهوون في السوق في دكاكينه، فصار الآن لا يخالف المروءة، فيه رجل شريف من الشرفاء صار يمشي في السوق قد فتح أزراره ووضع الغترة على كتفه وملأ يده من الفسفس وهو يأكل فسفس يمشي في السوق، أيش يكون هذا؟ مخالفًا للمروءة، حتى الناس ينتقدونه.
إذن العدل من هو من استقام دينه واستقامت مروءته.
ومن أهم شيء في العدالة في هذا الباب أن يكون أمينًا؛ أي مؤتمنًا، فإن لم يكن أمينًا فليس بعدل، ولا يصح أن يُوصى إليه.
(رشيد ولو عبدًا) الرشيد من يحسن التصرف، فإن كان الموصى إليه رجلًا لا يحسن التصرف فإن الوصية إليه لا تصح؛ لأن هذا أمر يخل بنفس الوصية، فلا يصح أن يوصي إلى شخص غير رشيد.
قال: (ولو عبدًا) يعني: ولو كان الموصى إليه عبدًا، وهذه إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: لا تصح الوصية إلى العبد؛ لأن العبد قاصر، ولكن الصحيح أنها تصح إليه، لكن يقبل بإذن سيده، فإن لم يأذن فلا وصية، ولكن إذا أوصى إلى عبد ولم يأذن سيده وقد مات الموصي، فماذا نعمل في الوصية؟ تحال إلى القاضي، والقاضي يقيم من يتولى هذه الوصية.
ثم قال المؤلف: (وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيدًا اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم)..
ولو عَبدًا، ويَقْبَلُ بإذنِ سيِّدِه وإذا أَوْصَى إلى زيدٍ وبعدَه إلى عمرٍو ولم يَعْزِلْ زيدًا اشتَرَكَا، ولَا يَنفرِدُ أحدُهما بتَصَرُّفٍ لم يَجْعَلْه له ولا تَصِحُّ وَصِيَّةٌ إلَّا في تَصَرُّفٍ مَعلومٍ يَمْلِكُه الْمُوصِي كقضاءِ دَيْنِه وتَفْرِقَةِ ثُلُثِه والنظَرِ لِصِغَارِهِ ولَا تَصِحُّ بما لَا يَمْلِكُه الموصِي كوصيَّةِ المرأةِ بالنظَرِ في حَقِّ أولَادِها الأصاغِرِ ونحوِ ذلك، ومَن وَصَّى في شيءٍ لم يَصِرْ وَصِيًّا في غيرِه، وإن ظَهَرَ على الْمَيِّتِ دَيْنٌ يَستغرِقُ بعدَ تَفْرِقَةِ الْوَصِيِّ لم يَضْمَنْ، وإن قالَ: ضَعْ ثُلُثِي حيث شِئْتَ لم يَحِلَّ له ولَا لولدِه، ومَن ماتَ بمكانٍ لَا حاكمَ به ولَا وَصِيَّ جازَ لبعضِ مَن حَضَرَه من المسلمينَ تَوَلِّي تَرِكَتِه وعَمَلُ الأصلَحِ حينئذٍ فيها من بيعٍ وغيرِه.
أعلى بدنه ليس عليه ستر، وأسفل بدنه ليس عليه ستر، ودخل على ملك من الملوك، ماذا تكون المسألة؟
طالب: مجنون هذا.
الشيخ: يقال: إي نعم، إلى دور المجانين، هذا يخالف المروءة، كذلك كانوا من قبل لا يمكن لأحد أن يأكل في السوق أبدًا، ينتقدون اللي يأكل في السوق أو الذي يتقهوى في السوق، فإذا كنا في بلد ينتقدون ذلك فجاء رجل وقام يأكل في السوق، أيش تقولون؟
طلبة: مجنون.
الشيخ: لا ما هو بعاد لحد الجنون، لكن ينتقدونه لا شك، في الوقت الحاضر صار هذا غير مخالف للمروءة، فيه ناس الآن يتقهوون في السوق في دكاكينه فصار الآن لا يخالف المروءة؛ فيه رجل شريف من الشرفاء صار يمشي في السوق قد فتح ازراره ووضع الغترة على كتفه وملأ يده من الفصفص وهو يأكل فصفص ويمشي في السوق، ويش يكون هذا؟
طالب: مخالفًا للمروءة.
الشيخ: مخالفًا للمروءة حتى الناس ينتقدونه، إذن العدل مَنِ استقام دينُه واستقامت مروءته.
ومن أهم شيء في العدالة في هذا الباب أن يكون أمينًا أي مؤتمنًا، فإن لم يكن أمينًا فليس بعدل ولا يصح أن يوصى إليه.
(رشيد ولو عبدًا) الرشيد مَنْ يُحْسِن التصرف، فإن كان الموصى إليه رجلًا لا يحسن التصرف فإن الوصية إليه لا تصح؛ لأن هذا أمر يخل بنفس الوصية فلا يصح أن يوصي إلى شخص غير رشيد.
قال: (ولو عبدًا) يعني: ولو كان الموصى إليه عبدًا وهذه إشارة خلاف؛ فإن بعض العلماء يقول: لا تصح الوصية إلى العبد؛ لأن العبد قاصر، ولكن الصحيح أنها تصح إليه لكن يُقْبَل بإذن سيده، فإن لم يأذن فلا وصية، ولكن إذا أوصى إلى عبد ولم يأذن سيده وقد مات الموصي فماذا نعمل في الوصية؟
تُحال إلى القاضي، والقاضي يقيم من يتولى هذه الوصية.
ثم قال المؤلف: (وإذا أوصى إلى زيد وبعده إلى عمرو ولم يعزل زيدًا اشتركا، ولا ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له).
هذا رجل أوصى فى عام ألف وأربع مئة وإحدى عشر إلى زيد قال: أوصيت إلى زيد بثلث مالي يبني به مساجد، ثم ختم الوصية ثم بعد ذلك في سنة ألف وأربع مئة واثنا عشر قال: أوصيت إلى عمرو بثلثي يبني به مساجد.
صار الموصَى إليهم؟
طالب: اثنين.
الشيخ: اثنين؛ زيدًا وعمرًا، فهل نأخذ بوصية الأول لسبقه أو بوصية الثاني لتأخُّرِه؟
يقول المؤلف: نأخذ بالوصيتين جميعًا إلا أن يعزل الأول، ويقول: قد عزلت زيدًا، وأوصيت إلى عمرو، فإن فعل ذلك فهو حر له أن يعزل الموصى إليه، لكن إذا لم يعزل يعني: لما مات الرجل وجدنا في دفتره هاتين الوصيتين أوصيت إلى زيد بثلث مالي يبني به مساجد، كُتِبَ في واحد محرم عام ألف وأربع مئة وإحدى عشر.
وجدنا في نفس الدفتر أوصيت إلى عمرو بثلثي يبني به مساجد، كُتِبَ في واحد محرم ألف وأربع مئة واثنتا عشر، ماذا؟
طلبة: على كلام المؤلف يشتركان.
الشيخ: على كلام المؤلف يشتركان ما لم يقل فى الثانية: قد عزلت زيدًا؛ فإن قال: قد عزلته.
انتهى الأمر.
وإذا ثبتت الوصية إليهما يقول: (لم ينفرد أحدهما بتصرف لم يجعله له) الآن يلزم أن الاثنين كليهما يتفقان على العمل.
فإذا أراد زيد أن يبني مسجدًا لا بد أيش؟ يوافقه عمرو، وإذا أراد عمرو أن يبني مسجدًا لا بد أن يوافقه زيد، ولكن ينبغي عمليًّا للإنسان إذا أوصى بوصية أن يقول في آخرها: وهذه الوصية ناسخة لما سبقها لماذا؟
لأن الإنسان ربما يوصي وصية وينسى مع طول الزمن أو مع كثرة الهموم ينسى، فإذا كتب: هذه الوصية ناسخة لما سبقها استراح وأراح غيره واضح يا إخوان؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وهذه ينبغي لمن كتب الوصايا للناس أن ينتبه لها، كلما قال لك إنسان: اكتب الوصية؛ اكتب الوصية، ولكن اكتب فيها: هذه الوصية ناسخة لما سبقها؛ لئلا توقع الورثة في حرج فيما بعد أو توقع الموصى إليه.
الآن زيد وعمرو إذا قلنا: لا ينفرد أحدهما بالتصرف إن لم يجعله له، معناها مشكلة، كلما أراد واحد منهم أن يتصرف فلا بد أن يستأذن الآخر، قد يكون الآخر غائبًا وقد يكون معاندًا لأن بعض الناس -نسأل الله العافية- عنده عناد إذا أبدى غيره رأيًّا ولو كان صوابًا، قال: لا، هذا ما يصلح، الرأي كذا وكذا.
أو إذا عجز أن يأتي برأي بدل قال: والله هذا ما يصلح، هذا يرد عليك كذا ويرد عليك كذا ويرد عليك كذا، وجاء من الإيرادات ما ليس بوارد، لكن من أجل عرقلة نظر صاحبه، وهذا شيء مشاهد.
فالحاصل أنه إذا لم يعزل زيد اشتركا، ولكننا لو قلنا في كل وصية يكتبها لواحد: هذه الوصية ناسخة لما قبلها استرحنا واستراح مَنْ بعدنا؛ ولذلك ينبغي لنا أن نضع هذه على بالنا دائمًا.
يقول: (ولا تصح وصية إلا في تصرف معلوم يملكه الموصي) لا تصح الوصية يعني: إلى الشخص إلا في تصرف معلوم فإن كان مجهولًا فإن الوصية لا تصح، ولكن ليس من المجهول العموم مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يضع ثلثي فيما شاء من أعمال البر، هذا غير مجهول، هذا أيش؟ هذا عام وليس بمجهول، والعموم ليس بجهل.
لكن لو قال: يضعه مثلًا في أمور مجهولة لا يعلم هل تكون أو لا، فإن ذلك لا يصح، لكنه يحمل على ما يصح.
يقول: (يملكه الموصي) فإن كان لا يملكه لم تصح الوصية، والذي لا يملكه الموصي نوعان:
أحدهما ما لا يملكه شرعًا بأن يوصي إليه في فعل محرم، مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يصرف للقبر الفلاني مئة درهم لإسراجه أو للذبح له، أو ما أشبه ذلك ما تقولون؟ الوصية هذه باطلة؛ لأنها وصية في ما لا يملكه الموصي؛ إذ إن الموصي لا يملك استحلال ما حرم الله.
والثاني أن يوصي له بشيء لا يمتنع؛ ليس شرعًا لكن لحق الغير؛ مثل أن يقول: أوصيت إلى فلان أن يبيع بيتي وهو مرهون، هذا لا يصح؛ لأنه لا يملكه إلا بإذن مَن؟
طلبة: المرتهن.
الشيخ: المرتهن صاحب الحق.
قال: (كقضاء دينه) كيف قضاء دينه؟ يعني الموصي عليه دين فأوصى إلى شخص قال: أوصيت إلى فلان بقضاء ديني صحيح؛ لأنه يملك ذلك.
كذلك (تفرقة ثلثه) أوصى إلى فلان بثلثه يفرقه في أعمال البر يصح؛ لأنه يملك هذا.
(النظر لصغاره) النظر لصغاره؛ يعني: على صغاره أوصيت إلى فلان أن يكون ناظرًا لأولادي الصغار لا بأس؛ لأن الموصي يملك ذلك.
(ولا تصح فيما لا يملكه الموصي؛ كوصية المرأة بالنظر في حق أولادها الأصاغر ونحو ذلك) الذي لا يملكه الموصي لا تصح الوصية إليه فيه؛ مثل امرأة قد توفي زوجها وهى الناظرة على أولادها فأوصت إلى شخص من بعد موتها أن ينظر على أولادها الصغار، هذه الوصية غير صحيحة ليش؟
لأن الأم لا تملك النظر استقلالًا على أولادها الصغار، طيب ماتت الأم الموصية ماذا نعمل؟ تحال المسألة إلى القاضي ويجعل القاضي من رأى فيه خيرًا حتى لو رأى أن أمهم صالحة؛ لأن تكون ناظرة عليهم فلا بأس.
لو أن رجلًا أوصى إلى امرأته في أولادها الصغار يجوز؟ أوصى إلى امرأته في النظر على أولادها الصغار؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: المرأة مسلمة ولَّا كافرة؟
طلبة: مسلمة.
الشيخ: تصح الوصية إلى كل مسلم، مكلفة ولَّا عير مكلفة؟ (رشيدة) يعني: هي مكلفة رشيدة مسلمة تدخل في كلام المؤلف الأول تصح الوصية إليها في النظر على أولادها.
وكثير من النساء تكون رعايتها لأولادها أفضل بكثير من رعاية الرجال.
طالب: ذكرنا في (... ) أنها قاصرة.
الشيخ: إي، لكنها قاصرة متعدية.
الطالب: ذكرنا في تعريف المكلف ما يكون عاقلًا وبالغًا؛ فالعاقل هو رشيد.
الشيخ: رشيد؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: العاقل رشيد؟ ! لا.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، الفقهاء لا يريدون بالعقل عقل الرشد خليها على بالك؛ يريدون بالعقل عقل الإدراك؛ كلما رأيت في كلام الفقهاء (عاقل) فهو عقل الإدراك، وإلا لقلنا: إن الصلاة لا تلزم إلا من كان عنده عقل رشد، أليس كذلك؟ إي نعم.
طالب: هل تصح وصية الوكيل.
الشيخ: أيش؟
طالب: لو وكَّل أحد أبناءه (... ) هل تصح وصية الوكيل؟
الشيخ: إي نعم، يقول: هل يصح أن يوصي الوصي؟
الجواب: لا، لا يصح أن يوصي الوصي؛ يعني: لو كان شخص عنده أولاد كبار وصغار فأوصى أحد الكبار على أولاده الصغار ثم مات الكبير، والصغار ما زالوا صغارًا؛ هل لهذا الكبير الذى أوصي إليه أن يوصي إلى شخص آخر؟ نقول: لا، لا يصح إلا إذا كان أبوه قد جعل ذلك إليه؛ فقال الوصي: على أولادي ابني فلان، وله أن يوصي من شاء فحينئذ يصح، لكن إذا قلنا: إن الأب لم يوصِ ومات الوصي، ماذا تكون حال الأولاد الصغار؟
طالب: يرفعون إلى الحاكم.
الشيخ: يرفعون إلى الحاكم؛ «السُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (1).
طالب: (... ).
الشيخ: ما يكفي، لا؛ لأنه قد يكون ناسيًا للأولى، ولو ذُكِّرَ بها لعدل عن الثانية، وقد يكون ناسيًا للأولى، ولو ذُكِّرَ بها لقال: لا أريدها.
أريد الثانية.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يكفي؛ ولهذا أنا قلت لكم: الآن ينبغي لطالب العلم وغير طالب العلم اللي يكتب الوصايا أنه كلما كتب وصية قال: هذه ناسخة لما قبلها، طبعًا بعد استئذان الرجل؛ يعني: ينبهه، يقول له: لا تلخبط الناس بعدك، اكتب بأن هذه الوصية ناسخة لما سبق، ونحن نفعل هذا إذا كتبنا وصية، سنكتب أن هذه الوصية ناسخة لما قبلها؛ لأنه أحيانًا تيجي وصايا متضاربة يكون بالأول له فكر، ثم تغير فكره ونسي الأول وإلا لو ذُكِّرَ عند كتابة الثانية لقال: أنا عدلت عن الأول.
الطالب: وإن ظهر على الميت دين يستغرق تركته بعد تفرقة الوصي لم يضمن، وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده ومن مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي حاز بعض من حضره من المسلمين تركته، وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل أوصى بالنظر على أولاد أخيه ما تقول؟
طالب: إذا كان أخوه موجودًا.
الشيخ: لا، أخوه ميت.
طالب: يصح.
الشيخ: تصح الوصية؟
طالب: ما تصح.
الشيخ: السؤال يا جماعة؛ رجل أوصى بالنظر على أولاد أخيه؟
طالب: لأنه لا يملكه لا يصح.
الشيخ: تصح ولَّا ما تصح؟
طالب: ما تصح.
الشيخ: لا تصح لماذا؟
طالب: لأنه لا يملكه.
الشيخ: لأنه لا يملكه ولا بد من أن يكون الموصي يملك ما أوصى به.
امرأة أوصت بالنظر في حق أولادها الصغار؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
طالب: لأنها ما تملك.
الشيخ: لأنها لا تملك هذا.
أوصت بأن يزوج بناتها فلان؟
طالب: أن يزوج بناتها؛ لا يجوز.
الشيخ: ليش؟
طالب: ما تملك؛ لأنها ليست..
الشيخ: نعم لا تملك؛ لأنها هي نفسها لا تزوج كيف توصي لمن يزوج؟
وصى إلى زيد ثم وصى إلى بكر؟
طالب: يشتركان في الوصية ما لم يقل: (... ).
الشيخ: أحسنت؛ يعني: ما لم يعزل الأول، إذا اشتركا هل يمكن لأحدهما أن ينفرد بالتصرف دون الآخر؟
طالب: حتى يستشير الآخر.
الشيخ: حتى يتفقا على ذلك.
طالب: إي نعم.
الشيخ: إذا كان بيديهما مال وضعاه في الصندوق كيف يمكن أن يكون تحت تصرفهما؟
طالب: إن اتفقا على عمل من الأعمال..
الشيخ: لا ما اتفقا الآن هو في الصندوق لكن كل واحد يخشى أن الثاني يتصرف في هذه الدراهم، فكيف يمكن أن نضبط المسألة؟
طالب: تحال للقاضي.
الشيخ: القاضي ماذا يفعل؟
طالب: القاضي يولي آخر.
الشيخ: مشكلة (... ) من دول وهم أوصياء؛ يقول العلماء: يجعل للصندوق قفلان كل واحد بيده مفتاح قفل حينئذ ما يمكن يفتح إلا بحضورهما جميعًا؛ فقالوا يجعل قفلان وتكون بيد كل واحد مفتاح ففي هذه الحال لا يمكن أن يتصرف أحدهما إلا بحضور الثاني، وهذه حيلة طيبة؛ لأنه مشكل لو يكون المفتاح بيد واحد يمكن يتصرف، وإن جعلنا بيد كل واحد مفتاح والقفل واحد.
طالب: يتصرف في غيبة الآخر.
الشيخ: يتصرف أيضًا في غيبة الآخر فلا طريق إلا أن نجعل له قفلين ونعطي كل واحد مفتاح قفل.
طالب: ما يمكن يُعَيِّنُوا أمينًا على الصندوق؟ الشيخ: لا ما يلزمهم، الأمين قد لا يكون مؤتمنًا عند القاضي مثلًا.
يقول المؤلف رحمه الله: (ومن وُصِّيَ في شيء لم يصر وصيًّا في غيره) لأن الوصية تُسْتَفاد بالتعيين من الموصي، الوصي لا يملك التصرف إلا بإذن الموصي فيتقيد تصرفه بما عينه الموصي فمثلًا إذا وصى شخصًا على ثلث ماله فإن هذا الوصي لا يكون وصيًّا في تزويج بناته أو النظر على أولاده، لماذا؟
لأنه إنما وُصِّيَ على الثلث ولو أوصى شخصًا بسدس ماله يجعله في المساجد وأوصى ثانيًا بسدس ماله يجعله في الفقراء فهل يملك الأول أن يصرف شيئًا مما وُصِّيَ إليه فيه في الفقراء؟
طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه إنما وصي للمساجد فقط، وهل يملك الثاني أن يصرف شيئًا مما وصي فيه إليه إلى المساجد؟ لا؛ والتعليل -كما قلت لكم- أن تصرف الوصي يكون بإذن الموصي فيتوقف على ما أُذِنَ له فيه فقط، والمسألة واضحة.
(وإن ظهر على الميت دين يستغرق بعد تفرقة الوصي لم يضمن) يعني أن الإنسان إذا أوصى بثلثه أن يصرف في طرق الخير فصرفهم الوصي، وبعد أن صرفه تبين أن على الميت دينًا يستغرق جميع التركة، الآن ثلث التركة قد مضى وانتهى ونفذ، فهل يضمن الوصي أو لا؟
يقول المؤلف: إنه لا يضمن؛ لماذا لا يضمن؟ لأنه تصرف بإذن الموصي على وجه جائز، وكل مَنْ تصرف على وجه جائز فإنه لا يضمن ما ترتب على تصرفه.
فإن قال قائل: لماذا لم ينتظر؟
فالجواب أنه إلى أي مدى ينتظر؟ لأن كل وقت يحتمل أن يظهر فيه دين، والوصي مأمور بالإسراع بتنفيذ الوصية، فإذا أخرها يومًا أو يومين خوفًا من أن يظهر دين، قال أيضًا: أؤجل شهراً أو شهرين خوفًا من أن يظهر دين، وحينئذ يؤدي إلى عدم تنفيذ الوصية.
فنقول: هذا الوصي المشروع في حقه أن يبادر في تنفيذ الوصية، فإذا فعل ما هو مشروع في حقه ثم تبين ما ليس بعلمه فإنه لا ضمان عليه.
فإذا قال قائل: لماذا قال المؤلف: (دين يستغرق)؟
نقول: لأن الدين مقدم على الوصية فإذا كان عنده ثلاثة آلاف وأوصى بالثلث أن يصرف في الفقراء فنفذه الوصي نفذ الوصي ألفًا ثم ظهر أن على الميت ثلاثة آلاف معناها أن الثلث الذي نفذ مستحق بالدين، فهل نضمن الوصي؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا ما نضمنه ليش؟ لأن الوصي تصرَّف تصرفًا مأمورًا به شرعًا ومأمورًا به من قبل الموصي، فليس عليه اعتراض، ماذا يقول: صاحب الدين الآن؟ يقول صاحب الدين: آخذ ألفين.
وبقي له ألف، ماذا يكون؟
طلبة: يؤخذ من الورثة.
الشيخ: نقول: الورثة ما ذنبهم قضاء الدين، الورثة أُخِذَ ما بأيديهم وهو ألفان، لكن بقي لصاحب الدين ألف، وصاحب الدين قد أمسك الوصي وقال: يلَّا أعطني، أنت الذي تبرعت بالمال فنقول: ليس لك حق في مطالبته وما بقي من دينك، فإن حسابه على الله عز وجل، وهذا الذي استدان إذا كان أخذ أموال الناس يريد أداءها فإن الله يؤدي عنه.
لو ظهر أن على الميت دينًا لا يستغرق؛ أن عليه ألفين فقط في المثال اللي ذكرنا، فهنا يأخذ الألفين من الورثة، ويزول الإشكال، لكن هل يرجع الورثة على الوصي بثلثي ما أنفق؟ لا؛ لأنه مأمور بالمبادرة إلى تنفيذ الوصية.
قال: (وإن قال: ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده) إن قال مَن؟ إن قال الموصي للوصي: (ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له ولا لولده) (لم يحل له)؛ لأنه لو أراد الموصي أن ينفع الوصي لقال: أوصيت لك، لا يقول: أوصيت إليك.
يقول: أوصيت لك بألف، ولا يقول: أوصيت إليك بألف؛ لأن بينهما فرقًا؛ (أوصيت لك) يعني أنه ملك لك.
(أوصيت إليك) يعني أنك تتصرف فيه وليس لك.
المهم لو قال: (ضع ثلثي حيث شئت لم يحل له)؛ لأنه لو أراد نفعه لأوصى به له مباشرة.
(ولا يحل لولده) لماذا؟ لأنه متهم؛ فإنه من الجائز أن يكون هناك مَنْ هو أحق من الولد، ولكن يصرفه للولد لأنه ولده، وكذلك أيضًا لم يحل لوالده أو أمه فلا يصرفه لا لأصوله ولا لفروعه؛ لأنه متهم.
وقوله: (حيث شئت) هل يجوز أن يضعه في الأشياء المباحة أو في الأشياء المحرمة؟ لا، لا يجوز؛ لأنه من المعلوم أن قصد الموصي بقوله: (حيث شئت) يعني: من أعمال البر فضعه في صدقة، في شراء الكتب، في إنفاق على طلبة العلم، في إصلاح طرق، في مساجد، في غير ذلك من وجوه الخير.
أما أن تصرفه في شيء مباح فهذا يعلم بالضرورة أن الموصي لم يرده.
إذن ما الذي يمتنع في مثل هذا؟
يمتنع شيئان:
الشيء الأول: أن يصرفه إلى نفسه أو أصوله أو فروعه؛ لأنه متهم.
والشيء الثاني: أن يصرفه في غير عمل مشروع.
فإن قال قائل: كيف نجيب عن قوله: (حيث شئت)؟
فالجواب أن يقال: إنه من المعلوم أن الموصي إنما أوصى بالمال يريد الثواب، ولا ثواب إلا في شيء مشروع.
(ومن مات بمكان لا حاكم فيه ولا وصي حاز بعض من حضره من المسلمين تركته وعمل الأصلح حينئذ فيها من بيع وغيره) من مات بمكان ليس فيه حاكم وليس فيه وصي؛ يعني: في السفر مثلًا رجل سافر مع رفقة، ثم مات في مكان ليس فيه حاكم في البر وليس فيه وصي؛ يعني أن الميت لم يوصِ لأحد، وهذا يقع كثيرًا ولا سيما في عهد الحوادث؛ جماعة مسافرون في سيارة وحصل حادث ومات أحدهم، هذا الميت الآن ما أوصى كما هو المعروف، ما أوصى إلى واحد من رفقائه؛ ما قال: يا فلان، أنت وصي على مالي حُزْه واحفظه حتى تأتي إلى أهلي؛ ما قال هكذا، البر ليس فيه حاكم، معروفة، القضاة في البلاد؛ فهل نقول لهولاء الرفقة: اتركوا ماله ليس لكم حق أن تتصرفوا فيه؟ لا، يجب عليهم؛ ولهذا قال: (حاز بعض من حضره) حاز وجوبًا، وأما (جاز) فالنسخة غلط، بل هي (حاز) وجوبًا بعض من حضره؛ يعني ممن تحصل بهم الكفاية.
وقوله: (عمل الأصلح فيها من بيع وغيره).
لو قال قائل: كيف يجوز أن يبيع مالم يوكل فيه؟ نقول: هذه ولاية ضرورة، ولنفرض أن هذا الرجل معه مال يفسد لو بقي كلبن مثلًا فلمن حضره -بل يجب على من حضره- أن يبيع هذا اللبن من أجل ألا يفسد، أو معه لحم يجب أن يبيع اللحم من أجل ألا يفسد؛ ولهذا قال: (عمل الأصلح فيها من بيع وغيره).
هل له أن يتبرع بها على الفقراء؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؟ ! لا، لا يتبرع؛ لأن هذا ليس من صالح الورثة، والورثة لو تبرع لطالبوه، وصل الرجل الذي تولى على تركة الميت إلى البلد فطالبه الورثة بالضمان وقالوا: ليش تبيع هذا وليش تحوزه؟ فما الجواب على ذلك؟ الجواب أن نقول: إن هذا الرجل محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] ونحن نعلم أنكم إنما طالبتموه من باب التحدي، وإلا فإن الأصلح له ولكم أن يتولى هذا الرجل التركة ويعمل الأصلح.
ثم قال المؤلف: (كتاب الفرائض) الفرائض جمع فريضة وتطلق على معانٍ متعددة؛ منها الفرائض في الاصطلاح وهى نصيب مقدر شرعًا لوارث، هذه الفرائض.
جمع فريضة؛ وهى أي الفريضة نصيب مقدر شرعًا لوارث فقولنا: (نصيب مقدر شرعًا) خرج به الوصية؛ لأن الرجل إذا أوصى بالسدس مثلًا فهو نصيب مقدر، ولكنه ليس مقدرًا شرعًا إنما مقدر من قبل الموصي.
وقولنا: (شرعًا لوارث) خرج به الزكاة فإن الزكاة مقدرة شرعًا؛ ربع العشر، نصف العشر، العُشر، لكنه لوارث أو لغير لواراث؟ لغير وارث وخرج به أيضًا الإرث بالتعصيب؛ لأن الإرث بالتعصيب ليس بمقدر حينئذ نقول: الفرائض جمع فريضة، وهى اصطلاحًا نصيب مقدر شرعًا لوارث، الوصية بالسدس تدخل في التعريف أو لا؟
طلبة: تخرج.
الشيخ: تخرج؟ تخرج من التعريف بقولنا: (شرعًا لوارث) تخرج به الزكاة؛ لأنها نصيب مقدر شرعًا ولكن لغير الوارث.
الإرث بالتعصيب لا يدخل؛ لأنه غير مقدر.
واعلم أن الميت إذا مات تعلق بتركته خمسة حقوق: الأول مؤن التجهيز، والثاني الدين برهن، والثالث الدين بلا رهن، والرابع الوصية، والخامس الإرث؛ هذه خمسة حقوق تتعلق بالتركة، بمجرد موت الإنسان وهى مرتبة على المشهور من مذهب الإمام أحمد مرتبة هذا الترتيب.
أولًا: مؤن التجهيز.
كيف مؤن التجهيز؟ الميت إذا مات يحتاج إلى تجهيز، يحتاج إلى تغسيل وإلى كفن وإلى حنوط وإلى من يحمله، إذا لم نجد من يتطوع بحمله إلى المقبرة تؤخذ هذه النفقات من التركة قبل كل شيء، لو قدَّرْنَا أن التركة بمقدار هذه المؤن فهل يبقى للدين شيء؟ للوصية؟ للإرث؟ ما يبقى شيء؛ سرقتها مؤن التجهيز.
الثاني الدين برهن، بعد هذا الدين برهن؛ فلو فرض أن هذا الميت مات وعنده عشرون ريالًا تجهزه وعنده سيارة مرهونة لشخص بعشرة آلاف وعليه دين لآخرين بثلاثين ألفًا؛ الديون الآن دين برهن، ودين بغير رهن.
كم اللي بغير رهن؟
طلبة: ثلاثون.
الشيخ: ثلاثون ألفًا؛ الدين برهن بعشرة آلاف؛ مؤن التجهيز عشرون ريالًا.
وجدنا عند هذا الرجل لما مات وجدنا عنده عشرين ريالًا، والسيارة المرهونة فقط ماذا نعمل؟
تُصْرَف العشرون في مؤن التجهيز وتصرف السيارة في الدين التى هي رهن به وبقية الديون؟
طالب: سقطت.
الشيخ: سقطت لا يعطى أهلها شيئًا.
فإذا قال أهل الديون: نريد أن نشارك صاحب الدين الذي فيه رهن.
قلنا لهم: لا، ليس لكم ذلك؛ لأن صاحب الرهن مقدم برهنه.
الثالث ما هو؟
طلبة: الدين بلا رهن.
الشيخ: الدين بلا رهن؛ هلك هالك فخلف ثلاثين درهمًا وثلاث مئة درهم، وكان عليه دين بقدر ثلاث مئة درهم بدون رهن.
ومؤن التجهيز بثلاثين درهمًا، ولم يخلف إلا ثلاث مئة وثلاثين درهمًا.
طلبة: تُصْرَف في مؤن التجهيز.
الشيخ: تصرف في مؤن التجهيز وفي الدين.
إذا كان قد أوصى بالثلث تسقط؛ تبطل الوصية.
الورثة؟
طلبة: ليس لهم شيء.
الشيخ: ليس لهم حق؛ لأن الدين مقدم.
بقي عندنا الوصية ثم الإرث لننظر نحن نقول: نقدم الوصية ثم الإرث.
كيف نقول: نقدم الوصية ثم الإرث مع أن الوصية لا تصح بزائد على الثلث؟
نقول: نعم؛ لأننا نأخذ الثلث للوصية من رأس المال، ونقسم الميراث على حسب نصيب كل واحد بعد أخذ الوصية، وبهذا يتضح تقديم الوصية على الميراث كذا؟
يتضح بالمثال؛ رجل خلَّف ابنين وأوصى بالثلث وخلف ستة آلاف درهم.
الآن لولا الوصية لقسمنا الستة آلاف على الابنين لكل واحد ثلاثة لكن لا، قال: إذا أوصى بالثلث نأخذ من الستة ألفين، ثم نقسم الباقي على الابنين فيأخذ كل واحد ألفين.
إذن نقص نصيب كل واحد ولَّا لا؟ والوصية أُخِذَت كاملة، وإلا لو أننا ساويناها بأصحاب الفروض ما أخذ الثلث كاملًا كان يقول: عندنا ثلث ونصف؛ المسألة من ستة؛ لأن اثنين في ثلاثة بستة للوصية الثلث ولكل واحد من الأبناء ثلث لولا الوصية لكان لكل واحد من الأبناء النصف فلهذا تبين أن الوصية مقدمة على الميراث.
يرى بعض العلماء ومنهم الشافعي رحمه الله أن الدين برهن مقدم على التجهيز؛ مثاله رجل مات وله سيارة مرهونة بدين وليس عنده سواها؛ فعلى مذهب الإمام أحمد تباع السيارة ويؤخذ لمؤن التجهيز والباقي للمرتهن.
وعلى رأي الشافعي تعطى السيارة للمرتهن ومؤن التجهيز تكون على مَنْ تلزمه نفقته من الأقارب، فإن لم يكن له أقارب أو كانوا لا يجدون فعلى من علم بحاله من المسلمين؛ لأنه فرض كفاية فإن لم يقم بذلك أحد فعلى بيت المال.
(كتابُ الْعِتْقِ)
وهو من أَفْضَلِ الْقُرَبِ، ويُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَن له كَسْبٌ وعَكْسُه بعَكْسِه، ويَصِحُّ العِتْقُ بِمَوْتٍ وهو التدبيرُ.
(بابُ الكِتابةِ)
وهو بيعُ عبدِه نفسَه بمالٍ مُؤَجَّلٍ في ذِمَّتِه، و (تُسَنُّ) مع أَمانةِ العبدِ وكَسْبِه، وتُكْرَهُ مع عَدَمِه، ويَجوزُ بيعُ الْمُكاتَبِ، ومُشْتَرِيهِ يَقومُ مَقامَ مُكَاتِبِه، فإن أَدَّى عَتَقَ وَوَلَاؤُهُ له، وإن عَجَزَ عادَ قِنًّا.
(بابُ أَحكامِ أُمَّهَاتِ الأولادِ)
إذا أَوْلَدَ حُرٌّ أَمَتَه أو أَمَةً له ولغيرِه أو أَمَةً لوَلَدِه خُلِقَ وَلَدُه حُرًّا - حَيًّا وُلِدَ أو مَيِّتًا قد تَبَيَّنَ فيه خَلْقُ الإنسانِ، لا مُضْغَةٌ أو جِسْمٌ بلا تَخطيطٍ - صارَتْ أمَّ وَلَدٍ له تُعْتَقُ بِمَوْتِه من كلِّ مالِه، وأحكامُ أمِّ الوَلَدِ أحكامُ الأَمَةِ من وَطْءٍ، وخِدمةٍ وإجارةٍ ونحوِه، لا في نَقْلِ الْمِلْكِ في رَقَبَتِها، ولا بما يُرادُ له كوَقْفٍ وبيعٍ ورَهْنٍ ونحوِها.
... ممم... وبين النكاح؛ لأنه فيه شائبة مال، فإن العتق هو تخليص الرقبة من الرق، والرقيق مال؛ فلهذا ضموه إلى المعاملات المالية قبل أن تأتي المعاملات الشخصية، كما يقولون.
ومن العلماء من جعل باب العتق في آخر الفقه بعد الإقرار، والإقرار جعلوه في الصلح أو في مكان آخر، المهم أنهم ختموا الفقه بالعتق.
ولكلٍّ وجهة.
أما الذين جعلوا آخر الفقه كتاب الإقرار قالوا: تفاؤلًا بالإقرار بالشهادة عند الموت الذي هو آخر عمل الإنسان.
والذين جعلوه العتق قالوا: تفاؤلًا بأن يعتق اللهُ الإنسانَ؟
طالب: من النار.
الشيخ: من النار، لكن الفقهاء المتأخرون لاحَظُوا المعنى الأول أن العتق فيه شائبة مالية فألحق بالمعاملات، فما معنى العتق؟
العتق في اللغة: القِدَم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
وفي الاصطلاح: تخليص الرقبة من الرق؛ يعني: الإنسان عنده عبد مملوك أعتقه؛ حرره من الرق، هذا هو العتق.
ويحصل العتق بالصيغة القولية وبالفعل وبالقوة.
يحصل بالصيغة القولية؛ وهي نوعان: صريح، وكناية.
فالصريح: ما لا يحتمل غير المراد؛ مثل: أعتقتُك، حررتُك، أنت عتيق، أنت حرٌّ، وما أشبه ذلك، هذه صيغة قولية صريحة.
والكناية صيغة قولية، فالكناية أن يقول: لا سبيل لي عليك، أنت طليق في الهواء، وما أشبه ذلك، هذه كناية.
والفرق بين الصريح والكناية من حيث الحكم أن الصريح لا يحتاج إلى نية، والكناية تحتاج إلى نية؛ لأن الكناية كل لفظ يحتمل المعنى المراد وغيره، فإذا كان يحتمل المعنى المراد وغيره فإنه لا يكون المعنى المراد إلا بالنية، فإذا قال السيد لعبده: لا سبيل لي عليك، اذهب لا سبيل لي عليك، يحتمل أن المعنى: لا سبيل لي عليك في هذا المذهب الذي قلت لك: اذهب، ويحتمل: لا سبيل لي عليك مطلقًا؛ يعني: فأنت حرٌّ، فحينئذٍ نقول: لا بد منه.
أما الصريح فلا يحتاج إلى نية، فإذا قال: أنت حرٌّ صار حرًّا في كل حال.
يحصل أيضًا بالقوة؛ وهي السراية، كيف السراية؟
السراية إذا أعتقتَ نصف العبد سرى إلى جميعه بالقوة، حتى وإن لم ترده؛ يعني: إنسان عنده عبد فقال: عُشْرُكَ حرٌّ يعتق كله، قال: أصْبُعُكَ حرٌّ.
طالب: يعتقه؟
الشيخ: لا، أصبعك فقط.
طالب: نعم، يسري.
الشيخ: يسري كله؟
طلبة: يسري.
الشيخ: يسري بالقوة.
لو قال: أنا ما أعتقت إلا أصبع.
نقول: لا يتبعض العتق؛ يسري بالقوة، بل إن الرجل لو أعتق نصيبه من عبد وله شركاء سرى إلى نصيب شركائه مع أنه لا يملكه، لكن يسري بالقوة، متى الواحد يملك من هذا العبد جزءًا من مئة جزء وله شركاء؛ كل واحد يملك عشرة أجزاء، كم يكونون؟ تسعة، والعاشر منهم يملك تسعة، وهو الحادي عشر يملك واحد من مئة، صح؟
طالب: نعم، صحيح.
الشيخ: صحيح؟ تمامهم يملكون؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: تسعة يملكون عشرة في المئة؛ كل واحد يملك عشرة في المئة، إلى تسعين، العاشر.
طالب: تسعة.
الشيخ: تسعة من مئة، الحادي عشر واحد من مئة.
هذا الذي يملك واحد من مئة قال: نصيبي من هذا العبد حرٌّ؟
طالب: يسري.
الشيخ: كل العبد يعتق، ويُجبر هذا الرجل على تسليم قيمة نصيب شركائه، إذا قدَّرنا أن العبد هذا يساوي عشرة آلاف، كم يسلم؟
طلبة: تسع آلاف.
طالب: تسعة آلاف وتسع مئة.
الشيخ: تسعة آلاف وتسع مئة؛ لأنه يأخذ واحد من مئة، له واحد من مئة، على كل حال يعطي شركاءه قيمة أنصبائهم.
فإذا قال: يا جماعة أنا لا أملك إلا بعضه، كيف يسري عليَّ عتق شركائي وأنا لا أملكه؟
نقول: نعم، هكذا جاء الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا كان عنده ثمن الشركاء (1). أما إذا كان ليس عنده فهذا فيه قولان للعلماء؛ يعني: لو كان الذي أعتق واحدًا من مئة فقيرًا ما عنده شيء، فهل يسري العتق؟ فيه للعلماء قولان:
القول الأول: أنه لا يسري؛ لأنه لو سرى لكان في ذلك ضررٌ على الشركاء.
ما وجه الضرر؟
طالب: قوة العبد عليهم.
الشيخ: أنه لن يجد من يوفيهم، فيبقى ملكهم على ما هم عليه، ويكون هذا العبد مباحًا بعضًا، جزءٌ منه من مئة جزءٍ حرٌّ، والباقي؟
طالب: رقيق.
الشيخ: رقيق، طيب.
وقال بعض العلماء: بل يستسعى العبد؛ يعني يُقال للعبد: اذهب، اتجر اعمل، ثم اردد ما يحصل لك على أسيادك الآخرين وحتى ينتهي، فإن قال أسياده: نحن لا نريد أن يعتق، نريد يبقى، قلنا: قهرًا عليه أنه يستسعى؛ يعني يُقال له: اسع، اطلب الرزق وأنت حرٌّ، وأوفِ مَنْ؟ أسيادك.
فالمسألة فيها قولان.
على كل حال يحصل العتق بالقول؛ وهو نوعان: صريح وكناية.
ويحصل بالسراية.
ويحصل بملك ذي الرحم، كيف ملك ذي الرحم؟
يعني: لو ملك الإنسان عبدًا لا يحل أن يتزوج به، لو كان أنثى عتق عليه؛ لأنه رحم.
لو ملك أباه يعتق عليه، ولو كان ما عنده مال إلا قيمة أبيه؟ نعم.
لو ملك أخاه يعتق؟
طلبة: يعتق.
طالب: فلا يعتق.
الشيخ: نشوف ويش وجهة نظرك؟
طالب: أنه الأخ ما هو كالأب.
الشيخ: معلوم الأخ ليس كالأب، لكن نحن ذكرنا قاعدة: لو ملك شخصًا لو قُدِّر أنه أنثي لم يحل أن يتزوج به.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب، لو كان أخوه امرأة بنتًا تتزوجه ولَّا لا؟
الطالب: لا.
الشيخ: إذن يعتق ولَّا لا؟
طلبة: يعتق.
الشيخ: يعتق.
طيب ملك بنت عمه لا تعتق، ليش؟ يحل أن يتزوج بها.
ملك عمته تعتق؛ لأنه لا يمكن أن يتزوج بها.
هذا العتق بالملك، ما هو الضابط فيه؟ أن يملك من لو كان أنثى لحرم عليه بنسب -لاحظوا- فلو ملك من لو كان أنثى لحرم عليه برضاع لم يعتق.
وهذا مما يفرق فيه بين الرضاع وبين النسب، كما يفرق بين الرضاع والنسب في النفقة، مثلًا: أبوك من الرضاع لا يجب عليك نفقته، وأبوك من النسب يجب عليك نفقته، أبوك من النسب (... ) من مالك، وأبوك من الرضاع يتملك، أبوك من النسب ترثه ويرثك، وأبوك من الرضاع.. المهم فيه فروق كثيرة.
على كل حال ما هو الضابط في العتق بالملك؟ أنه لو كان امرأة لم يحل له أن يتزوجها بنسب.
الرابع: التمثيل؛ التمثيل يعني: أن يُمَثِّل بعبده، فإذا مثَّل به عتق عليه؛ مثل: هذا إنسان عنده عبد فحل وخاف على أهله منه فخصاه؛ يعني: قطع خصيتيه، أيش نعمل؟
طلبة: يعتقه.
الشيخ: يعتقه، خلاص الآن طلع من ملكه.
أيضًا لو أنه غضب على عبده فقطع شحمة أذنه؟
طالب: يعتقه.
الشيخ: يعتقه، طيب لو أنه غضب على عبده فقلَّم أظفاره؟
طلبة: لا يعتق.
الشيخ: ليش؟
طالب: ليس تمثيلًا.
الشيخ: هذا ليس تمثيلًا، هذا نعتبره تطهيرًا.
إذن يحصل العتق بالقول، والسراية، والملك؛ ملك ذي الرحم، والرابع التمثيل.
أنا أقول: لماذا جعل الشرع العتق يحصل بأدنى سبب؟
حرصًا منه على تحرير الرقاب، وبه تندفع الشبهة التي يوردها الكفار على الإسلام في مسألة الرق؛ بأن نقول: إن الإسلام ضَيَّق سبب الملك في الرق؛ إذ ليس هناك سبب للرق إلا الكفر، ووسَّع جدًّا أسباب الحرية ما تحصل به الحرية، وما يندب إلى الحرية؛ ولهذا جعل العتق في الكفارات، وجعله أيضًا قربة من القربات من أفضل الأعمال، كما سيذكره المؤلف رحمه الله، ضيَّق جدًّا نطاق الرق من وجوه:
أولًا: أن سببه واحد، وأسباب العتق كثيرة.
ثانيًا: أنه فتح أبوابًا كثيرة تكون سببًا للعتق باختيارنا؛ مثل الكفارات.
يقول المؤلف: (وهو من أفضل القرب) (مِنْ) للتبعيض، فليس أفضل القرب، ولكنه من أفضلها؛ لأنه من أعتق عبدًا أعتق الله من هذا المعتق كل عضوٍ من النار، حتى الفرج بالفرج (2)؛ يعني: إذا أعتقت عبدًا أعتق الله كل بدنك؛ العين والأنف والأذن والرأس والقدم، كل شيء كما جاء في الحديث، حتى الفرج بالفرج، فإذن يكون من أفضل القرب.
ولكن لا يعني قولنا: إنه من أفضل القرب أن يكون مشروعًا بكل حال؛ ولهذا قال المؤلف: (ويستحب عتق من له كسب، وعكسه بعكسه) فالذي ليس له كسب لا يُسَن أن نعتقه، لماذا؟ لأنني أجعله عالة على نفسه وعلى غيره.
هذا إنسان عنده عبد مشلول وليس عنده مال، نقول: لا تعتقه؛ لأنك إذا أعتقته صار عالة على الناس، ومن باب أولى إذا كان هذا العبد معروفًا بالشر والفساد، فإننا نقول: لا تعتقه.
لماذا؟ لأنه إذا أعتقه ذهب يفسد في الأرض فنقول: لا تعتقه.
كذلك لو كان إذا أعتق هرب إلى الكفار فصار علينا فإننا لا نعتقه.
فالمهم أن كون العتق من أفضل القربات مقيد بما إذا لم يترتب عليه مفسدة، فإن ترتب عليه مفسده فإنه ليس من القربات فضلًا عن أن يكون من أفضلها، والله أعلم.
طالب: لو -مثلًا- أعتق جزءًا من عبده، والعبد هذا اشترى نفسه؛ الباقي، هل تصير الولاية على بس جزء واحد منه؟ الشيخ: كيف الولاية؟ الطالب: يعني مولى..
الشيخ: إي، يكون بقدر ما أعتق.
الطالب: بقدر ما أعتق؟
الشيخ: نعم، إلا إذا صارت على حسابه، إذا صار العتق على حسابه فهو عليه له الولاية.
الطالب: إذا اشترى هو ماله؟
الشيخ: نعم.
طالب: إذا أعتق -يا شيخ- الفقير نصيبه وقال (... ) اسع (... )؟
الشيخ: قال ما هو للفقير.
الطالب: للعبد؛ يعني: فرفض العبد، فهل قول واحد (... )؟
الشيخ: العبد لن يرفض يا أخي.
الطالب: ما يحب أن يكون حرًّا؟
الشيخ: ما يحب أن يكون حرًّا.
الطالب: مثلًا.
الشيخ: إذن يبقى رقيقه.
الطالب: قولًا واحدًا؟
الشيخ: هو الظاهر أنه قول واحد؛ هذه لأنه يضيع حق
الشركاء.
طالب: ألا يبقى (... ) دليل على أن الإنسان حر؟
الشيخ: واللهِ يحتاج إلى تأمل؛ ربما تجده وربما لا تجد، ما يحضرني الآن استيعابه.
الطالب: لو كان العبد -مثلًا- مقطوع اليد (... )؟
الشيخ: لا، الظاهر الجميع؛ لأن اليد هذه قطعت ولكن بقي حيًّا، لكن هذا على سبيل التمثيل؛ يعني أن عتق السيد من النار يكون شاملًا لكل بدنه.
طالب: الراجح في المسألة؟
الشيخ: الراجح أنه يستسعى؛ لأنه جاء في الحديث هكذا.
طالب: (... ) في الأمم المتحدة بالنسبة لتحرير الرقاب (... )؟
الشيخ: لا، أبدًا، هذا الاتفاق مخالف للشرع فهو باطل، والأمم المتحدة.. تَسْتَرِقُ الدولُ الكبرى الأحرارَ.
الطالب: يمكن يا شيخ (... )؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، كله في القرآن ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32]، في القرآن: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: 92]، كيف يكون التحرير إلا بعد ثبوت الرق؟
الطالب: ألم يكن عرفًا ثم أقره الإسلام؟
الشيخ: لا، الحكم شرعي، هو حكم شرعي، لكن بس الآن قد نقول الآن: سببه الكفر، أين السبب الآن؟ ما فيه؛ لأن هذا يحتاج إلى جهاد، وإذا جاهدنا الكفار وسبينا نساءهم وذريتهم صاروا أرقاء، وإذا سبينا المقاتلين منهم فلنا الخيار، هذا في الحقيقة لا يوجد، يقولون: يوجد في إفريقيا.
طالب: في موريتانيا.
الشيخ: في موريتانيا يقولون، الله أعلم.
ولكن ما رأيكم لو أنَّ أحدًا باع ولده وهو حرٌّ، لكنه يقول: أنا ميت من الجوع، خليني آخذ دراهم ولدي (... ) يروح؟ حرام عليهم؛ على البائع وعلى المشتري أيضًا إذا علم أن هذا حر.
طالب: (... ) الله عز وجل (... ) يا عبادي (... )؟
الشيخ: بس هذا، صحيح حتى في القرآن، لكن هذه جمع أما هذا مفرد، أنا لا يحضرني الآن أن الله أضاف العبودية بلفظ الإفراد إلى نفسه في غير المسلمين.
طالب: الحديث الذي ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (... ) «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ» (3) (... )، هذا شرك (... )؟
الشيخ: لا، ما يدل عليه.
الطالب: وقال: هذا من أهل النار.
الشيخ: وهذه هي المسألة الإشكال بين الخوارج وبين أهل السنة؛ هل هو من أهل النار الذين يُخَلَّدون فيها أو لا؟ أنا أرى مذهب أهل السنة أنه لا يُخَلَّد أبد الآبدين، وأن هذا الحديث اللي فيه التأبيد بيجينا -إن شاء الله- الكلام عليه.
الطالب: (... )؟
الشيخ: ما سمعتها، يقوله الناس، لكن الناس ما هم بيتأكدون في النقل، يجينا ناس الآن يقولون: عندك نساء للزواج، كأن عندي حوش بقر! ويلحون أني عندي شيء، مشكل.
طالب: حكم الذين يتعلمون الآن الكاراتيه؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الذين يتعلمون الدفاع في أوقات البلد (... ) يقدم على من يدربه؟
الشيخ: لا، هذا ما يجوز.
الطالب: في الحديث: «مَنْ حَمَلَ حَدِيدَةً عَلَى أَخِيهِ» (4).. ؟
الشيخ: أقول: ما يجوز، هذا حرام، حتى سواء للكاراتيه ولَّا غير كاراتيه.
الطالب: يدربون الآن.
الشيخ: يدربون بالسلاح؟
الطالب: إي، بالسكاكين يا شيخ.
الشيخ: يضربون بالسكين؟ !
الطالب: يعني: يُعَلِّمه كيف يصد هذا السكين، ثم يأخذ السكين ويقدم عليه..
الشيخ: بدل ما يكون سكينًا من حديد يحطون سكينًا من خشب.
الطالب: (... ) سكاكين؟
الشيخ: هؤلاء كفار، حتى المصارعين -حسب ما نسمع- يقولون: يجيب الواحد يرميه فوق ويطيحه على الأرض، ويبرك عليه في كنادره (... ) على صدره، صحيح هذا؟
طلبة: إي، صحيح.
الشيخ: لا، ما هو صحيح هذا، كلها أوهام ما هي بصحيح.
طالب: فيها تخيلات.
الشيخ: الظاهر أن فيها تلاعبًا.
طالب: يدخل في الحديث هذا؟
الشيخ: إي نعم، يدخل في هذا.
الطالب: ولا يجوز على هذا؟
الشيخ: ما يجوز أبدًا.
طالب: كيف يتصور مثل عصر هذا؟
الشيخ: يتصور -إن شاء الله- إذا حاربنا اليهود.
الطالب: لا، محبوس..
الشيخ: كيف أيش لون؟
الطالب: فيما محبوس مع سيده في السجن، فإذا (... ) ما ينفع معه إلا.. ؟
الشيخ: ما فهمت أنا السؤال.
الطالب: في العصر هذا في الجهاد الآن (... ) يهود في الحرب (... )، وهم معنا (... )، وهذا إما مسجون، وإما (... ) وهم يهربون (... ).
الشيخ: إذا هرب أنتَ تعرف كلام العلماء في العبد الآبق، يقال: أبق العبد؛ يعني: هرب.
الطالب: يعني: ما يبقى أحد عبدًا؟
الشيخ: لا، يبقى إذا -إن شاء الله- غلبناهم بقوا، لكن لن نغلبهم حتى نرجع إلى الله رجوعًا حقيقيًّا، أما ما دامت المسألة قومية وعربية وما أشبه ذلك فالله أعلم أننا لن نظهر عليهم أبدًا؛ ولهذا نحن الآن نمد يد المصالحة، وهم يبنون المساكن لليهود الجدد.
غريب!...
طالب: (... ) ويصح تعليق العتق بموت وهو التدبير.
باب الكتابة
وهو بيع العبد نفسه بمال مؤجل في ذمته، وتُسَن مع أمانة العبد وكسبه، وتُكْرَه مع عدمه، ويجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتبه، فإن أدى عتق وولاؤه له، وإن عجز عاد قنًّا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويصح تعليق العتق بموت) سبق لنا أن العتق تعريفه؟
طالب: تخليص الرقبة من الرق.
الشيخ: تخليص الرقبة من الرق.
وبماذا يحصل؟
الطالب: بأربعة: الصيغة القولية تنقسم لقسمين: تصريح، وكناية، والقوة، والسراية، والملك بالرحم، والتمثيل بالعبد.