فإن قال: إن بيتي وقف عليَّ ومِن بعدي على الفقراء والمساكين، فالوقف يصح، ولكنه يُصْرَف في الحال إلى الفقراء والمساكين، ويقال له: اطلع من البيت؛ لأنك وقَّفْته على الفقراء والمساكين، فإما أن تخرج ويسكن فيه الفقراء والمساكين، وإما أن تبقى بأجرة في البيت، قال: هذا ممكن، قلنا: نعم، لكنك أخرجته لله، جعلته في الفقراء.
القول الثاني في المسألة: أنه يصح الوقف على النفس، وفائدة هذا أنه إذا أوقفه على نفسه لم يملك التصرف فيه، يعني لا يبيعه، وإذا توفي فإنه لا ينتقل إلى الورثة، بل يُصْرَف مصرف الوقف المنقطع، وهذا القول أصح، هذا القول هو الصحيح؛ أن الوقف على النفس يصح، وله فائدة، والفائدة ما ذكرت لكم، ما هي؟
أنه لا يتصرف فيه؛ لأنه وقف، فلا يبيعه، ولا يهبه، ولا يرهنه، وأنه إذا مات صُرِفَ مصرف الوقف المنقطع، ولم يكن ميراثًا للورثة.
لكن ما تقولون فيما لو قال: هذا وقف على الفقراء ولي السكنى فيه مدة حياتي، أو لي غَلَّته مدة حياتي، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، حتى على ما مشى عليه المؤلف؛ لأن الوقف هنا على غيره، لكنه استثنى غَلَّته مدة حياته، ولا بأس به.
ما تقولون فيما لو قال: هذا وقف على طلبة العلم، ثم مَنَّ الله عليه وكان طالب علم، هل يستحق أو لا؟
طلبة: يستحق.
الشيخ: نعم يستحق؛ لأنه علَّق الاستحقاق بوصف، فكان من أهل هذا الوصف، وكذلك لو قال: هذا وقف على الفقراء، ثم افتقر فإنه أيش؟
طلبة: له أن يشاركهم.
الشيخ: له أن يشاركهم، نعم.
قال المؤلف: (وَيُشْتَرَطُ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ)، الوقف تارة يكون على جهة، وتارة يكون على عين؛ فإذا كان على جهة فإنه لا يُشْتَرَط أن يكون الموقوف عليه معيَّنًا يملك، فإذا قال: هذا وقف على المساجد، فإنه يصح، وإن لم يقل: على المسجد الفلاني، مع أن المساجد لا تَمْلِك، لكن نقول: لأن هذا وقف على أيش؟ على جهة، كما لو وَقَّفَ على الفقراء فإنه لا يُشْتَرَط تعيين الموقوف عليه؛ لأنه على جهة.
وقوله: (عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ) احترازًا مما إذا كان على غير معيَّن، فلو قال: هذا وقفٌ على أحد هذين، فإنه لا يصح الوقف، لماذا؟ لأنه على غير معيَّن، أيهما؟ عَيِّن بوصف أو بشخص، وإلا فلا يصح.
لو وَقَّفَ على مَن لا يملك، مثل: مَلَك، قال: هذا وقف على جبريل، جبريل أحد الملائكة، ما هو على آدمي اسمه جبريل، على جبريل أحد الملائكة، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟ لأن جبريل لا يَمْلِك.
أو على حيوان، قال: هذا وقف على حمار فلان، يصح ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن الحمار لا يَمْلِك، لماذا لا نقول: إنه يصح على الحيوان ويُصْرَف في مصالحه؟ يقول: لأن هذا معيَّن وهو لا يَمْلِك فلا يصح، لكن لو قال: هذا وقف على الخيل التي تقاتل في سبيل الله؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، لماذا؟
طالب: لأنه غير معين.
الشيخ: لأنه غير معيَّن، جهة.
ولكن الصحيح فيما إذا وَقَّفَ على حيوان أنه يصح ويُصْرَف في مصالح هذا الحيوان؛ في علفه، فيما يحتاج إليه مما يدفئه أو يُظِلُّه عن الشمس في الحر، وما أشبه هذا؛ لأن الواقف إذا وقف على حيوان فإما أن يقصد منفعة مالكه، وإما أن يقصد منفعة الحيوان نفسه، وكل هذا غرض مقصود صحيح.
(ولا على حَمْل)، لا يصح الوقف على حَمْل؛ لأنه لا يَمْلِك، فلو قال: هذا وقف على ما في بطن فلانة، فإنه لا يصح، لماذا؟ يقول: لأنه لا يملك، فإن الحمل لا يَمْلِك إلا إذا سقط حَيًّا حياةً مستقرة.
أرأيتم الإرث، لو مات شخص عن حمل يرثه، فإن الحمل لا يَمْلِك الميراث، مع أن الإرث ملك قهري لا يملكه إلا إذا سقط حَيًّا حياة مستقرة.
قالوا: فإذا كان لا يملك الميراث مع قوة نفوذه فغيره من باب أولى، ولكن لا بد من قيد، وهو أنه لا يصح على الحمل أصالةً، أما تبعًا فلا بأس، ولهذا يصح أن يقول: هذا وقف على أولادي وإن كان فيهم حمل، فإن الحمل هنا يستحق، لماذا؟ لأنه كان تَبَعًا، فالحمل الذي لا يصح الوقف عليه إذا كان أصالةً.
ولو ذهب ذاهب إلى صحة الوقف على الحمل أصالةً لم يكن بعيدًا، ونقول: إن خرج هذا الحمل حَيًّا حياة مستقرة استحق الوقف، وإلا بطل الوقف، ما لم يذكر له مآلًا.
مثال ذلك: رجل قال: هذا وَقْف على ما في بطن زوجة ابني، هو له أبناء، وابنه زوج المرأة الحامل قد توفي، فقال: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، فما المانع من الصحة؟
الواقع أنه ليس هناك مانع، فيُقال: إذا وضعت طفلًا حيًّا حياة مستقرة صار الوقف له، وإن لم تضع إلا ميتًا بطل الوقف، إلا أن يذكر له مآلًا، فإن ذكر له مآلًا، يعني قال: هذا وقف على ما في بطن زوجة ابني، ثم على المساكين، فخرج الحمل ميتًا، فإن الوقف ينتقل إلى مَن؟
طلبة: إلى المساكين.
الشيخ: إلى المساكين، أقول: لو قال أحدهم بهذا لكان قولًا وجيهًا؛ لأنك لا ترى مانعًا من أنه يوقَف عليه ويكون مشروطًا بخروجه حَيًّا.
قال المؤلف: (لا قبوله)، يعني: لا يُشْتَرَط قبوله، قبول أيش؟ قبول الوقف إذا وُقِّفَ على معين؛ لأن الوقف إما أن يكون على معين أو على جهة؛ فإن كان على جهة مثل على الفقراء، وعلى المساكين، وعلى طلبة العلم، فمن المعلوم أن قبوله ليس بشرط، لماذا ليس بشرط؟ لأنه على جهة، ولا يمكن أن نحيط بهذه الجهة، لا يمكن أن نحيط بجميع الفقراء ونقول: هل قبلت الوقف أو..
(كتابُ الوَقْفِ)
وهو تَحبيسُ الأصلِ وتَسبيلُ الْمَنفعةِ، ويَصِحُّ بالقولِ وبالفعلِ الدالِّ عليه كمَن جَعَلَ أَرْضَه مَسْجِدًا وأَذِنَ للناسِ في الصلاةِ فيه، أو مَقبرةً وأَذِنَ في الدفْنِ فيها، وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وحَبَسْتُ، وسَبَلْتُ.
وكِنايتُه: تَصَدَّقْتُ وحَرَّمْتُ وأَبَّدْتُ.
فتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ معَ الكِنايةِ أو اقترانِ أحَدِ الألفاظِ الْخَمسةِ أو حُكْمِ الوَقْفِ، ويُشْتَرَطُ فيه الْمَنفعةُ دائمًا من عينٍ يُنتفَعُ به معَ بَقاءِ عَينِه
هلك الأَبَوَان، كل واحد منهما عن ابن، وهذا اللقيط؟
الطالب: سيرث الابن، سيرث النصف من كل واحد.
الشيخ: يرث النصف مع أخيه من كل واحد منهما.
نحن ذكرنا في آخر الكلام أن الفقهاء قالوا بهذا، وأن في النفس شيئًا من هذا القول أن يُخْلَق حَمْلٌ من رَجُلَيْن.
ولكني رأيت ابن القيم رحمه الله قال: إنه صح عن عمر رضي الله عنه أنه ألْحَقَهُ بأَبَوَيْه (1)، وكذلك رُوِيَ عن علي بن أبي طالب (2)، وأخذ به الإمام أحمد.
وقال ابن القيم: إن هذا ليس ببعيد أن يخلقه الله عز وجل من ماءين، كما أن الله تعالى يخلقه من أبيه وأمه فلا مانع من أن يخلقه من أبوين.
قال: وهذا الذي صح عن عمر أَقَرَّه الصحابة عليه، ولم ينكر أحد منهم ذلك، وأخذ به إمام أهل السنة.
وعلى هذا فنحن نتبع هذا القول بناءً على الآثار الواردة عن الصحابة، وإن كان الشافعي رحمه الله يرى أنه لا يمكن أن يُلْحَق بأَبَوَيْن.
وكذلك بعض الأطباء في العصر الحاضر قالوا: هذا لا يمكن، ولكن إذا جاءت الآثار عن الصحابة لا سيما أن الذي رُوِيَ عن عمر قضيتان: قضية أن الولد كان يشبههما جميعًا، فإذا كان الولد يشبههما جميعًا فلا شك أنه مخلوق من مائهما، حتى وإن أنكر الطب هذا فلا عبرة به؛ لأن هذا الشبه لا بد أن يكون بأثر كل من الأبوين، أما إذا لم يكن شبه فإن الأثر الثاني عن عمر أيضًا يدل على أنه يُلْحَق بهما، ما دامت القافة ألحقته بهما؛ لأن القافة عندها دقة وحذق في هذا الأمر، تدرك من الشبه ما لا يدركه غيرهم.
فالأن الشبه قد يكون ظاهرًا بيِّنًا لكل أحد، كل مَن رأى هذا اللقيط قال: فيه شبه من فلان ومن فلان، فهذا لا شك أنه يُلْحَق بهما وإن كذَّب الطب هذا؛ لأن الوارد عن الصحابة مع وجود الآية الكونية التي تشهد لصحة هذا يلغي قول الأطباء.
أما إذا كان لا يشبههما ولكن، وهو النوع الثاني من الشبه؛ الشبه الخفي الذي لا يدركه إلا أهل الخبرة، وهم القافة، فهذا محل نظر.
لكن أرى أن الأفضل اتباع ما جاء عن السلف، فما دام صحَّ عن عمر أنه أَلْحَق الولد بأبويه بقول القافة فليكن معتبرًا.
وقد أيَّد ذلك ابن القيم رحمه الله أنه يُلْحَق بأبويه، أَيَّدَه في كتابه زاد المعاد.
[مدخل]
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الوقف)
الوقف مصدر وَقَفَ يَقِفُ وَقْفًا، ويقال: وَقَفَ أي: تَوَقَّف عن المشي، ومصدره: وُقُوف، وَقَفَ اللازم الذي بمعنى توقَّف عن المشي مصدره وقوف، كقَعَدَ قُعُودًا، قال ابن مالك:
وَفَعَلَ اللَّازِمُ مِثْلُ قَعَدَ لَهُ فُعُولٌ بِاطِّرَادٍ كغَدَا
فَوَقَفَ من الوقوف الذي ضد المشي مصدره وقوف، ووَقَفَ المتعدي الذي بمعنى أَوْقَفَ الشيء مصدره: وَقْفًا، مثل: مَنَعَ يَمْنَع مَنْعًا، وقوف الآن، مصدر وَقَفَ اللازم، وجمْع وَقْف من المتعدي، إذا صار إنسان وقف -مثلًا- عشر دُور، يقال: هذه وُقُوف فلان، جمع وَقْف، لكن إذا قلت: وقف، يعني عن المشي تكون بمصدر وقوف.
على كل حال الوقف مصدر وَقَفَ، اللازم أو المتعدي؟
الطلبة: المتعدي.
الشيخ: باب الوَقْف، مصدر وَقَفَ اللازم ولّا المتعدي؟
الطلبة: المتعدي.
الشيخ: المتعدي، إي نعم، وَقَفَهُ أي: أَوْقَفَه، هو مأخوذ من الإيقاف، أوقف الشيء يعني: مَنَعَهُ من التحرك، لكن في الإصطلاح قال: (هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)، هذا الوقف، (تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)، الأصل يعني العين، المنفعة منفعة العين، تحبيسها عن أي شيء؟
تحبيسها عن التصرف، يعني: يُحَبِّسُها لا يُتَصَرَّف فيها، لا ببيع، ولا هبة، ولا ميراث، ولا غير ذلك، يُحَبِّسُها.
تسبيل المنفعة يعني إطلاقها، يطلق المنفعة، يجعل المنتفع حرًّا طليقًا يفعل ما يشاء، ولنضرب لهذا مثلًا:
قال رجل: بيتي هذا وَقْفٌ، البيت نسميه الأصل، هو الأصل، سُكْنَى البيت منفعة، سُكْنَى البيت يجوز أن يسكنها من وُقِّف عليه البيت بنفسه، ويجوز أن يمنحها لشخص، ويجوز أن يُؤَجِّرها، وتأجير المنفعة كبيعها، فالآن المنفعة مطلقة ولّا لا؟ مطلَقة، مُسَبَّلَة، والأصل محبوس.
فإذا قلت: وقَّفْتُ داري على فلان، صارت الدار أصلها محبوس، لا يمكن لفلان أن يبيعها، ولا يمكن أن يرهنها، ولا يمكن أن يهبها، ولا تورث بعده، لكن منفعتها له، مُسَبَّلَة مطلقة، إن شاء سكن، وإن شاء أجرها، وإن شاء رهن المنفعة، وإن شاء تركها لا ينتفع بها لا بسكنى ولا بتأجير ولا بغيره؛ لأنه حر فيها، واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: وهنا نسأل: هل الوقف مما حدث في الإسلام، أو كان معروفًا في الجاهلية؟
الجواب: الأول، الوقف من الأمور الحادثة في الإسلام التي لا تُعْرَف في الجاهلية، ولهذا يقال: إن أول وقف كان في الإسلام وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك بعد فتح خيبر (3)، فإن عمر رضي الله عنه أصاب أرضًا في خيبر؛ لأن خيبر نصفان بعضها قُسِّم، أصاب أرضًا في خيبر، وكانت من أَنْفَس أمواله عنده وأَحَبّ أمواله إليه.
والصحابة رضي الله عنهم ليسوا مثلنا، كلما كان المال أنفس تمسَّكْنَا به أكثر، الصحابة كلما كان المال أنفس بذلوه لله، فكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، يتأول قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، وأبو طلحة رضي الله عنه لما أنزل الله هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله، إن الله أنزل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب مالي إليّ بَيْرُحاء، بَيْرُحَاء اسم نخل (... ) مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، وكان فيها ماء عزب طيب يأتي إليه النبي صلى الله عليه وسلم فيشرب منه، وهذا الماء الذي يأتي إليه الرسول ويشرب منه لا بد أن يكون أغلى شيء عند الصحابة؛ لأنه أين الرجل الذي يأتي الرسول إلى بستانه ويشرب منه، مَن يُحَصِّل هذا، فكان أغلى شيء عنده هذا الماء، وإني يا رسول الله أتركها، ضعها حيث شئت، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ».
صحيح هذا ذكي، ثم قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ» (4)، شوف فضل صلة القرابة؟ ما قال: في الفقراء والمساكين، قال: «أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ»، فجعلها في قرابته وبني عمه.
الشاهد من هذا أن عمر رضي الله عنه لما أصاب هذه الأرض من خيبر وكانت أحب إليه وأنفس ماله عنده جاء يستشير النبي صلى الله عليه وسلم، يستشيره لسببين: الأول سداد رأي الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه أرجح الناس عقلًا وأسدّهم رأيًا، والثاني: التشريع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام مُشَرِّع، فاستشارته تتضمن الأمريين: الاستنارة برأيه، والثاني: الاهتداء بشرعه.
فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: «حَبِّسْ أَصْلَهَا، وَتَصَدَّقْ بِثَمَرَتِهَا» (5)، يعني: امنع أصلها لا يُبَاع، واجعل ثمرتها صدقة، ففعل عمر، وتصدق بها للفقراء والمساكين وابن السبيل، وفي غيرهم، تصدَّق بها في مصالح الخير، فكان هذا أول وقف في الإسلام.
السؤال الثاني: هل الوقف سُنَّة، أو جائز، أو واجب، أو مُحَرَّم؟
نقول: الأصل فيه الجواز، لكن إذا وُقِّف لسبب للخير صار مستحبًا، ولا يجب إلا إذا نَذَرَهُ الإنسان، إذا نذر أن يوقف هذا الشيء لطلبة العلم -مثلًا-، هذا البيت لطلبة العلم، قال: لله عليّ نذر أن أُوقِف هذا البيت لطلبة العلم، وجب عليه؛ لأن ذلك من الطاعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ» (6).
فالأصل فيه الحل، ويكون مستحبًا إذا كان في طرق الخير، ويكون واجبًا بماذا؟ بالنذر، ويكون حرامًا إذا اشتمل على محرَّم في مآله أو في توزيعه، فمثلًا إذا وَقَّفَ على بعض ولده دون بعض صار حرامًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ» (7).
إذا وقَّفَه على شيء مُحَرَّم، قال: هذا وقف على أهل القبور، فيه ناس –مثلًا- يطلعون كل ليلة إثنين أو أحد للبر يضربون الطبول ويصخبون بالأغاني، قال: هذا وقف على أهل الطبول والأغاني، يكون حلالًا ولّا حرامًا؟
الطلبة: حرامًا.
الشيخ: حرامًا، وإذا كان الشيء حرامًا فهو غير نافذ شرعًا، يجب ابطاله شرعًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (8).
إذن الوقف قد يكون حرامًا، والمؤلف رحمه الله لم يغيِّر حكمه، لعل ذلك استنادًا إلى ما هو معروف، وهو أن الأصل في المعاملات الحِل ّ، إلا ما قام الدليل على تحريمه.
أخذنا الآن ثلاثة أمور، بل أربع: تعريف الوقف لغةً، وتعريفه اصطلاحًا، وهل هو مما جاء به الإسلام، أو مما كان معروفًا في الجاهلية، والثالث ما هو؟ ما هو أول وقف في الإسلام، والرابع الحكم.
الحكم التكليفي عرفناه، أما الحكم الوضعي قال: ويصح بالقول وبالفعل الدال عليه، بَيَّنَ المؤلف في هذا الكلام صيغة الوقف، أنه يكون (بالقول وبالفعل الدال عليه)، يعني أنه ينعقد؛ إما بالقول، بأن يقول: وقَّفْت داري، وقَّفْت سيارتي، وما أشبه ذلك.
أو بالفعل الدال عليه، الفعل لا بد أن يكون هناك قرينة تدل على أنه أراد الوقف.
مثاله: قال: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأَذِنَ للناس في الصلاة فيه).
رجل حَوَّش أرضًا، وجعل بعضها مُسَقَّفًا وبعضها مفتوحًا، ووضع فيها منارة، وأَذِنَ للناس أن يصلوا، نقول: الآن صارت هذه الأرض وقفًا، هو ما قال: وقَّفْت الأرض، ما قال هذا أبدًا.
ولكن نقول: حصل الوقف بالفعل الدالّ عليه، فإن تَسْوِير الأرض ووضع المنارة، وتسقيف بعضها وفتحها للناس يصلون بها قرينة ظاهرة قوية جدًّا على أنه أراد أن تكون مسجدًا، فتكون هذه الأرض مسجدًا، ولا يمكنه أن يتصرف فيها بعد ذلك لا ببيع ولا غيره؛ لأنها خرجت عن ملكه.
كذلك إذا جعلها مقبرة وأذن للناس بالدفن فيها، سَوَّى الأرض وفتحها، وقال للناس: مَن أراد أن يدخل في الأرض فليدخل، ولما دُفِن قَبْرٌ أو قبران رجع، قال: هَوَّنْت، الأراضي زادت قيمتها، وهي في محل استراتيجي.
يا رجل، أنت أَذِنْت للناس في الدفن فيها ودُفِن فيها مَن دُفِن، قال: أما مَن دُفِن فلا ننبشه، وأما ما بقي من الأرض فهي لي، ماذا نقول له؟
طلبة: ليس لك ذلك.
الشيخ: نقول: ليست لك؛ لأنك سَوَّرْتَها بسور واحد، وأَذِنْت للناس في الدفن فيها، ومن المعلوم أن الناس لن يدفنوا فيها جميعًا في يوم واحد، فإذن الأرض خرجت عن ملكك، وهي وَقْف، ولا يمكن أن ترجع.
إذا قال: هل أنا وقّفتُها؟ هاتوا دليلًا إني وقّفتُها، شو ماذا نقول له؟
نقول: أنت لم تُوَقِّفْهَا باللفظ، ولكن بالفعل الدال عليه.
إذن الوقف له صيغتان ينعقد بهما: صيغة قولية، وصيغة فعلية.
لكن الصيغة الفعلية لا بد فيها من قرينة ظاهرة تدل على أنه أوقفها.
لو أن رجلًا عنده أرض، وهي بين شارعين، فجعل الناس بدلًا من أن يذهبوا مع الشوارع يستطرقون هذه الأرض، وهو ساكت، فهل نقول: إن هذا الطريق صار وَقْفًا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: ليس فيه قرينة دالة.
الشيخ: لأن هذا لا يدل على الوقف، كثير من الناس إذا لم يكن محتاجًا للأرض يسمح للناس أن يتجاوزوا منها، أليس كذلك؟
الطالب: بلى.
الشيخ: ولكن إذا احتاجها حرثها وسدَّ الطريق.
إذن لا بد في الفعل من قرينة ظاهرة تدل على الوقف، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الأصل بقاء ملك الإنسان فيما يملك، هذا هو الأصل، ولا نخرجه عن هذا الأصل إلا بقرينة ظاهرة.
الآن للوقف صيغتان؛ الصيغة الأولى: قولية، والثانية: فعلية، الصيغة القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية.
قال المؤلف: (وصريحٌ: وقَّفت وحبَّست وسبَّلت) صريح الوقف، (وقَّفت وحبَّست وسبَّلت).
فإذا قال: وقَّفْتُ بيتي على كذا، فهذه صيغة صريحة ما تحتاج إلى (... )، بمجرد أن يقول: وَقَّفْتُ، صار وقفًا.
إذا قال: حبَّسْت بيتي، هذا لقب صريح يكون البيت وقفًا بمجرد قوله: حبّست.
سَبَّلْت؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك صريحة، يكون البيت وقفًا بمجرد هذا الأمر، ولا يحتاج إلى نية.
هل يحتاج إلى أن أُكَرِّر فأقول: حبَّست وسبَّلت ووقَّفت؟ لا.
طلبة: لا، يكفي واحدة.
الشيخ: يكفي واحدة، ونجد في بعض الكتابات بعض الكتاب إذا أراد يكتب وثيقة الوقف يقول: وَقَّفْت وحَبَّسْت وسَبَّلْت وأَبَّدْت وحَرَّمْت وتصدقت، يجيب كل الألفاظ.
هذا غلط، هو مجتهد لكنه مخطئ، وذلك لأن العقود لا يحتاج إلى تكرار صيغها.
وإلا لو قلنا: إذا قال الرجل لشخص يتزوج: زَوَّجْتك بنتي، قال: قبلت، أنكحتك بنتي، قَبِلت، ملَّكْتك بنتي، قبلت، جوزتك بنتي، قَبِلت، يكرر هذا ولَّا لا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما نكرر؛ لأنه ينعقد العقد بأول صيغة، فيكون ما بعده من باب التنطع والتكلُّف، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ» (9).
فلهذا ربما يُعْرَض عليكم مثال في وقت مكتوب فيها: فلان وَقَّفَ حَبَّسَ سَبَّل وحَرَّم وأَبَّد، أنا قرأت كل هذا قبلًا، لكن بعض الكتاب يجتهدون وليس كل مجتهد مصيبًا، فيفتونك.
نقول: بدل من هذا، بسم الله الرحمن الرحيم وقَّف فلان بيته على فلان، نصف سطر يكفي، وتقبَّل الله منه، يعني يصلح أن يقول: حضر عندي فلان بن فلان.
وتعيَّن الرجل، فوقَّف بيته الفلاني على الجهة الفلانية، تقبَّل الله منه، وتذهب إلى المحكمة وتصدق عليها.
وأما الكلام الطويل العريض الذي ليس منه فائدة فهو من باب التنطع، ولا ينبغي أن يُكْتَب.
الطالب: شيخ، إذا أراد النهوض بمسجد، بناءه؟
الشيخ: يهدمه ويبنيه من جديد.
الطالب: نعم، (... ) مسجد قريب من الملك استعاره حتى ينتهوا من (... )؟
الشيخ: الثاني يعني؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويش لون هذا السؤال؟ يقول: لو أعار أرضه أهل المسجد ليصلوا فيها ما دام مسجدهم يُبْنَى، فهل تكون هذه الأرض وقفًا؟ ما تكون وقفًا، معروف أنه إعارة.
الطالب: لو بعد أن أوقف، وكُتِبَت الوثيقة قال: بطّلت، قبل أن تُصَدَّق من المحكمة، فهل له ذلك؟
الشيخ: ويش تقولون؟ رجل قال: وَقَّفْت بيتي، وقبل أن تُصَدَّق من المحكمة رجع، نقول: لا يملك، حتى ولا في نصف العقد؛ لأنه في مجلس، قال: وَقَّفْت بيتي الفلاني، قالوا: الإيجار (... ) يا ابن الحلال لا تُوَقّف البيت هذا، وَقِّف البيت الثاني، نزل وقال: هذا بيت عائلتي، قال: هَوَّنْت، اشهدوا إني جعلت الوقف البيت الثاني، هل يصح الرجوع ولّا لا؟ ما يصح الرجوع، وباقي نفس المكان لا يصح الرجوع، إي نعم.
الطالب: يا شيخ، من قال: وقفت الدار إلى شيخ الدِّيرة، وبعد –مثلًا- مات هذا الشيخ لشيخ آخر، -مثلًا- مات الآخر، (... ) أهل الديرة، بعد هذا ما أبغى شيخًا، هذه الدار تنزع من ملكه ولَّا للديرة؟
الشيخ: شوف إذا كان ما لهم الشيخ لازم يملكهم شيخ، كيف ما يملكهم شيخ؟
الطالب: مات.
الشيخ: ما يخالف، مات الشيخ الأول ومات الثاني ومات الثالث، وبعدما مات الثلاثة قالوا: ما نريد شيخًا، (... ) لا بد.
الطالب: هم يقولون (... ) شيخ ديرتنا نحن محبوسون، خلي (... ) إذا كان فيه مشاكل..
الشيخ: الله يهديك، خلي ويش هذا الربع ويش صار (... )، على كل حال المسألة غير هذا، يعني –مثلًا- لو وَقَّفَ على جهة وانقطعت، مثل قال: هذا وقف على زيد، ولم يذكر بعده شيئًا، ومات زيد، هل يعود الملك للواقف، ولّا يعود لورثته، أو للمساكين؟ فيها خلاف، ستُذْكَر إن شاء الله تعالى.
يعني معناه يسمُّون هذا إذا انقطعت الجهة، على كل حال البيت هذا لا يمكن أن يعود ملكًا؛ لأنه أخرجه لله فلا يمكن يعود ملكًا، لكن هل يعود إلى صاحبه، أو إلى ورثته، أم ماذا؟ في هذا خلاف.
والقول بأنه يعود ملكًا قول ضعيف؛ لأن الرجل أخرجه من ملكه.
طالب: فتُشْتَرَط النية مع الكناية، أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو حكم الوقف، ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، كعقار وحيوان ونحوهما.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الوقف شرعًا: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، مثل أن يقول: هذا البيت وَقْف على طلبة العلم، فيبقى أصل البيت مُحَبَّسًا، ممنوعًا من التصرف فيه ببيع أو هبة أو رهن أو غير ذلك، والمنفعة مُسَبَّلَة، يعني أنها ملك للموقوف عليه.
إذا حَبَّسَ نخلًا فالنخل يبقى والثمرة سبيل ملك للموقوف عليه يبيعها ويعمل فيها ما شاء.
وسبق لنا أن الوقف مما جاء به الشرع الإسلامي، وليس معروفًا في الجاهلية، وأن أول وَقْف حصل في الإسلام وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وسبق لنا أنه –أي: الوقف- سُنَّة، إذا كان على بِرٍّ، إذا كان على بِرٍّ فهو سنة.
وسبق لنا أنه ينعقد بصيغتين: قولية وفعلية، وأن الفعلية مثل أن يجعل داره مسجدًا ويأذن للناس إذنًا عامًّا بالصلاة فيه.
وقلنا: مثل أن يُسَوِّر أرضًا ويجعل فيها منارة، ويُسَقِّف بعضها ويقول للناس: صلوا في هذا، فتكون هذا الأرض وقفًا.
وكذلك لو سَوَّرها وجعلها مقبرة، أَذِنَ للناس في الدفن فيها، صار هذا وقفًا وإن لم يقل: إنها وقف؛ لأن هذا فعل دالّ على الوقف.
أما الصيغة القولية فلها صريح وكناية؛ فالصريح: ما لا يحتمل إلا الوقف، والكناية: ما يحتمل الوقف وغيره، هذا الضابط.
وهل الصرائح والكنايات أمرٌ جاء به الشرع بحيث يستوي فيه جميع الناس، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، أو أمرٌ يُرْجَع فيه إلى العُرْف؟
الصحيح أن جميع صِيَغ العقود القولية أمرٌ يُرْجَع فيه إلى العُرْف، فقد يكون هذا اللفظ صريحًا عند قوم، وكناية عند آخرين، ولا يدل على المعنى إطلاقًا عند ثالث، قد يكون كلمة واحدة هي عند قوم صريحة، وعند آخرين كناية، وعند قومٍ ثالثين لا تدل أصلًا على المعنى.
فالصحيح أن جميع ألفاظ العقود ترجع إلى أيش؟ إلى عُرْف الناس.
فما اطَّرَد عند الناس أنه دالّ على هذا المعنى فهو صريح، وما لم يطَّرِد ولكنه يراد به أحيانًا فهو كناية، وما لا يدل على المعنى أصلًا فليس بشيء، ولا يثبت له حكم ذلك الشيء، وعلى هذا فنقول: القاعدة: الصريح من كل شيء ما لا يحتمل غيرَه، عُرفًا ولّا لغة ولّا شرعًا؟
الطلبة: عرفًا.
الشيخ: عُرْفًا؛ لأن هذا كله جاء من الناس وإليهم، فالعقود من الناس وبين الناس وإليهم، فما دَلّ عليه لفظ العقد عند الناس حُكِمَ به.
صريحه: (وَقَّفْت وحَبَّسْت وسَبَّلْت).
وَقَّفْت وحَبَّسْت تعود إلى الأصل، وسَبَّلْت تعود إلى المنفعة، فإذا قال الإنسان: وَقَّفْت هذا البيت على الفقراء، فما الذي وَقَّفَه؟ أصل البيت.
وإذا قال: حَبَّسْت هذا البيت، أو حَبَسْتُ هذا البيت على الفقراء، فالذي حَبَّسَه أو حَبَسَه أصل البيت.
وإذا قال: سَبَّلْت هذا البيت للفقراء، أي: منفعته، وتسبيله المنفعة أو تخصيصه المنفعة بالتسبيل يدل على أن الأصل عنده مُحَبَّس، فإذا كتب كاتب: وَقَّفْت بيتي على الفقراء، أو قاله بلفظه: وَقَّفْت بيتي على الفقراء، صار وقفًا، وإذا قال: حَبَسْت، صار وقفًا، وإذا قال: سَبَّلْت، صار وقفًا.
قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: «إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِثَمَرِهَا» (10).
وقال عليه الصلاة والسلام: «أَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا؛ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ» (11).
فدَلّ هذا على أن الحبس أو التحبيس وقف.
التسبيل يدل على الوقف باعتبار اللازم، فإن من لازم تسبيل المنفعة ألَّا يُسَبَّل الأصل، ويكون الأصل حبيسًا، هل يُشْتَرَط اجتماع هذه الكلمات؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لا يُشْتَرَط، إذا قال كلمة واحدة منها صار وقفًا.
يقول: (وكنايته)، أي: كناية الصيغة القولية: تَصَدَّقْت وحَرَّمْت وأَبَّدْت، هذه كناية؛ لأنها تحتمل الوقف وغير الوقف، وهي في غير الوقف أظهر؛ لأن قولك: (تصدَّقت) تعني أنك ملَّكت الفقير مالًا؛ لأن الصدقة تمليك المال تقربًا إلى الله، فإذا قلت: تصدقت على فلان بعشرة دراهم، يعني سَبَّلْتها عليه؟ لا، ملَّكْتها إياه، وإذا ملكها يفعل ما شاء.
فالأصل أن الأرض موضوعة لأيش؟ للتمليك لا للحبس.
(حرّمت): حرَّمت مالي، حَرَّمت بيتي، الأصل في التحريم المنع، فمعنى (حرمت بيتي) يعني أنني حَرَّمْته على نفسي فلا أنتفع به، لكن إذا أراد بها الوقف صارت وقفًا.
(أبّدت) أي: جعلته مُؤَبَّدًا، وظاهر اللفظ –أي: جعلته مؤبدًا- أني سأُبْقِي ملكه، ولا أزيله عن ملكي أبدًا، فهذه الكلمات الثلاث نجد أنها عند الإطلاق أنها لا تدل على الوقف، لكن يحتملها الوقف بالنية، فإذا نوى تصدَّقت بداري على زيد، أي: جعلتها وقفًا عليه، صارت وقفًا، حَرَّمْت داري عليَّ لتكون على زيد، صارت وقفًا، أَبَّدْت داري على زيد، صارت وقفًا.
هنا يقول: (كنايته: تصدَّقت وحرَّمت وأَبَّدت)، لكن لا ينعقد بالكناية إلا بواحد من أمور ثلاثة، ولهذا قال المؤلف: (فتُشْتَرَط النية مع الكناية أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، هذه اثنان، (أو حكم الوقف)، يعني: لابد في الكناية من انضمام أحد الثلاثة إليها، وهي: (النية)، فإذا نوى بقوله: تصدقت بداري على فلان، نوى الوقف صار وقفًا، وهل يملكه فلان أو لا؟ يعني يملكه ملكًا تامًّا يتصرف فيه كما شاء؟ لا، بل يكون عنده لا يباع ولا يُوهَب ولا يُورَث، بل له منفعته فقط.
(حرَّمت) نفس الشيء، إذا قال: أنا نويت بحرّمت، يعني حرَّمت البيت على نفسي وجعلته للموقوف عليه، هذه نيتي، يكون وقفًا؟ يكون وقفًا.
إذا قال: أَبَّدْتُ داري على فلان، وقال: أنا نويت الوقف، صار وقفًا.
ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (12). فهذا نوى فله ما نوى.
فإن قال قائل: لو قلت: اشترِ لي ثوبًا، فذهب فاشترى ثوبًا، وقال: أنا نويت أن تشتري لي خبزًا، يصح؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: اللفظ لا يحتمل.
الشيخ: لأن اللفظ لا يحتمل، ولو قال: لله عَلَيَّ نذرٌ أن أتصدق بثوب، فذهب وتصدَّق بخبز، هل وَفَى بنذره؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لماذا؟ لأن اللفظ لا يحتمل.
فإذا قال قائل: أنتم تقولون: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، لماذا لا تجعلون هذا حسب ما نوى؟
نقول: لأن اللفظ لا يحتمله، والحديث «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» في عمل يحتمل هذه النية.
(تَصَدَّقت) هل تحتمل الوقف؟
طالب: نعم.
الشيخ: تحتمل؛ لأن الوقف صدقة على الموقوف عليهم.
(حَرَّمت) تحتمل الوقف؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن الوقف فيه تحريم الموقوف على الواقف ما يتصرف فيه.
(أَبَّدْت) كذلك؛ لأن الوقف مؤبَّد لا يُبَاع ولا يُوهَب، يبقى على ما هو عليه.
الثاني قال: (أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، كيف قال: الخمسة، وهي ستة، هي خمسة ولّا ستة؟
الطلبة: خمسة.
الشيخ: لا، ستة: وَقَّفْت، حَبَّسْت، سَبَّلْت، تَصَدَّقت، حرَّمت، أَبَّدْت.
طالب: غير الذي اقترنه.
الشيخ: ها، غير الذي اقترنه، لأنه قال: (اقتران أحد الألفاظ الخمسة)، يكون عندنا لفظ أول اقترن به واحد من الألفاظ الخمسة.
فمثلًا إذا قال: تصدَّقت بهذا البيت صدقة موقوفة، صار وقفًا؛ لأنه اقترن بأحد الألفاظ الخمسة.
إذا قال: تصدَّقت به صدقة مُحَبَّسة صار وقفًا، صدقة مُسَبَّلة صار وقفًا، صدقة محرَّمة صار وقفًا، صدقة مؤبَّدة صار وقفًا.
فإذا قرن بواحد من ألفاظ الكناية أحد الألفاظ الخمسة، والباقي عندنا إذا أخذنا واحدًا من الكناية كم يبقى عندنا من الكناية؟ اثنين، يبقى اثنان وثلاثة صريح.
(أو حُكْم الوقف)، لو قال المؤلف: أو بما يدل على الوقف، لكان أولى وأعم.
حكم الوقف مثل أن يقول: تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقة لا تباع.
إذا قال: صدقة لا تباع، فما الذي لا يباع؟ الوقف، إذن عرفنا أنه أراد بالصدقة الوقف؛ لأنه قال: لا تباع، تصدَّقت بهذا البيت على فلان صدقة لا تُرْهَن، هذا وقف أيضًا؛ لأن الوقف لا يُرْهَن.
نحن قلنا: لو قال: أو بما يدل على الوقف لكان أعم، لو قال: تصدقت بهذا البيت على فلان والناظر عليه فلان، يكون وقفًا ولّا لا؟ يكون وقفًا، من أين علمنا ذلك؟ لقوله: والناظر، والنظر إنما يكون في الأوقاف.
قلت: تصدَّقت بهذا البيت على فلان ومن بعده فلان، هذا أيضًا يكون وقفًا؛ لأنك إذا قلت: ومن بعده فلان، عرفنا أنك أردت الوقف؛ إذ لو كان ملكًا لزيد لم يكن لك تصرف فيه بعده، يكون بعد زيد لمن؟ لورثته.
فالمهم أنه إذا قَرَن بالكناية أحد الألفاظ الخمسة، أو قَرَن بها ما يدل على الوقف، مثل أن يقول: لا تباع، أو يقول: الناظر فلان عليها، أو يقول: على فلان ومِن بعده فلان، أو ما أشبه ذلك من الكلمات التي تدل على الوقف فإنه يكون وقفًا.
إذن ياجماعة صِيَغ الوقف نوعان: فعلية وقولية، والقولية نوعان: صريح وكناية، والفرق بينهما؛ بين الصريح والكناية أن الصريح لا يحتمل غير الوقف، والكناية يحتمله وغيره.
ثانيًا: الصريح لا يحتاج إلى نية ولا اقتران شيء من الألفاظ معه، والكناية تحتاج إلى نية أو اقتران أحد الألفاظ الخمسة، أو ما يدل على الوقف؛ لأنه كناية.
هل تُشْتَرَط النية في الصيغ الفعلية؟ الصيغ الفعلية الذي يجعل أرضه مسجدًا أو مقبرة هل تُشْتَرَط فيها النية؟
ظاهر كلام المؤلف: (كمن جعل أرضه مسجدًا وأَذِن للناس بالصلاة فيه) أنها لا تُشْتَرَط النية، وهذا العمل –يعني: جَعْل الأرض مسجدًا أو مقبرة- لا يخلو من ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن ينوي بذلك أنها مسجد أو مقبرة، فتكون مسجدًا أو مقبرة، ولا إشكال في ذلك.
الثانية: أن ينوي خلاف ذلك، بأن ينوي بجعلها مسجدًا أنها مؤقَّتة، أو بأنها مقبرة أنها مؤقتة، فقد صرّح شيخ الإسلام ابن تيمية أنها تكون وقفًا ولو نوى خلافها؛ لأن هذه النية تعارض الواقف، فإن مَن جعل أرضه مسجدًا فإن المعلوم أن المسجد سوف يبقى، فكيف تنوي أنه لا يبقى؟ مَن جعلها مقبرة فإن من المعلوم أن المقبرة سوف تبقى، فكيف تنوي خلاف ذلك؟ !
الحال الثالثة: ألَّا ينوي هذا ولا هذا، لا ينوي أنها وقف، ولا أنها غير وقف، فتكون وقفًا لا إشكال فيه.
إذن لا إشكال في أنها تكون وقفًا بالفعل الدال على الوقف في حالين، ما هما؟
إذا نوى أنها وقف، وإذا لم يَنْوِ شيئًا، الحال الثالثة: إذا نوى خلاف الوقف، وأن تكون عاريَّة، فهذه محل خلاف بين العلماء، وقد صرَّح شيخ الإسلام رحمه الله أنها تكون وقفًا ولو نوى خلاف ذلك.
ثم قال المؤلف: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا)، (يُشْتَرَط فيه) يعني: في الوقف، والله أعلم، نقف على هذا.
طالب: لو قال: وَقَّفْت هذا البيت على أن يكون ناظره فلان وفلان، ولكن فلان أبى أن يكون ناظرًا على هذا، فهل لا يثبت الوقف؟
الشيخ: لا يثبت الوقف، ويعيِّن القاضي ناظرًا.
الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، أحيانًا بعض الناس يوقف أرضًا للمقبرة بدون تحديد، ما يحدد المسافة، ثم إذا رأى المقبرة اتسعت، يعني مقبرة الموتى يقول: أنا أتوقف عند حد معين، فهل له ذلك؟
الشيخ: ما فيه بأس، ما دام لم يعيِّنها فله إذا قُبِر عشرة عشرون يتوقف.
الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ، (... ) يأتي رجل ويجعل أرضه مقبرة، ويؤجر هذا القبر بمبلغ معين، هل القبر يدخل في الوقف (... )؟
الشيخ: لا ما هو بوقف، ليس بوقف، والإيجار هذه كيف تصير؟ كيف تكون الإجارة؟ كل سنة؟
الطالب: لا أدري.
الشيخ: لا تدري! أنت اللي جيبت السؤال.
الطالب: الظاهر يعني (... ) اشترى قطعة أرض مبنية إلى أن..
الشيخ: لا بأس، ولكن الشراء انتهينا ما إشكال، لكن أنت عرضت السؤال على أنه إجارَة، فحدِّد المدة الآن وإلا انسحب.
الطالب: يعني مثلًا (... ).
الشيخ: عشر سنوات، هل نعلم أن الميت يبلى بعشر سنوات؟
الطالب: هذا الغالب.
الشيخ: الغالب؟ ! لا ما هو بعلى كل حال، الغالب تختلف الأراضي، فعلى كل حال يصح أنها تُشْتَرَى لا بأس، الفقهاء ذَكَرُوا أنه يصح أن يعيره الأرض حتى يبلى، إعارة؛ لأن الإعارة إباحة انتفاع، لكن الإجارة لما كانت عِوَضًا فإنها تكون مجهولة؛ لأننا ما ندري متى يبلى.
الطالب: (... ) عاريّة، ولم يصرح بأنها عاريّة، كيف نقول (... )؟
الشيخ: إي نعم، نقول: يرجع.
الطالب: هو ما نوى شيئًا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أصلح –مثلًا- الأرض وسَوَّرَها وجعلها مسجدًا بنية إذا بُنِي مسجد آخر يأخذ الأرض.
الشيخ: هذه لا بد إنه يصرح ولا تكون وقفًا، لا بد أن يصرِّح بأنها عاريَّة، ثم هناك قرائن، مثلًا إذا وضع فيها مسجدًا مؤقتًا، أو علمنا أن حوله أرضًا ستكون مسجدًا عرف، أرى أنها عاريَّة.
طالب:.. فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، كعقار وحيوان ونحوهما، وأن يكون على بِرّ، كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي، وكنيسة، ونَسْخ التوراة والإنجيل، وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه، ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يملك، لا ملك وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى.. سبق أن الوقف له صيغتان: قولية وفعلية، وأن القولية تنقسم إلى قسمين: صريح وكناية، وأن الفرق بينهما أن الصريح ينعقد به الوقف بمجرد النطق به، والكناية لا ينعقد بها الوقف إلا بواحد من أمور ثلاثة: أن تقترن بأحد الألفاظ الخمسة، أو أن ينوي ذلك، أو أن يقرنها بأمر يختص بالوقف.
مثال الأول: أن يقول: تصدَّقت بهذا صدقة مؤبَّدة على فلان، فهنا يكون وقفًا، ليش؟ لأنه قرنها بأحد الألفاظ الخمسة.
ومثال الثاني: أن يقول: تصدَّقت بهذا على فلان، وينوي أنه وقف، والمرجع في النية إليه لا إلى المتصدَّق عليه؛ لأن هذا لا يُعلَم إلا من جهته، ولأن التمليك حصل من جهته فلا يمكن أن نُخْرِج ملكه إلا على النية التي أراد.
مثاله: قال: تصدَّقت ببيتي على فلان، فذهب فلان يعرضه للبيع، فقال صاحب البيت: لا تَبِعْه، أنا نويت أن يكون وقفًا عليك فقال: لا، اللفظ الذي نطقتَ به يقتضي أن يكون ملكًا لي؛ لأنك أنت قلت: تصدَّقت ببيتي على فلان، فقال: قد نويت الوقف، فإلى مَن نرجع؟
طالب: إلى صاحب البيت.
الشيخ: إلى صاحب البيت، نقول: القول قولك؛ لأن النية لا تُعْلَم إلا من جهتك، ولأنك أخرجت ملكك لهذا الرجل على سبيل الوقف، فلا يمكن أن نُخْرِجَه عن ملكك على شيء لم تُرِدْه.
لو قال: تصدَّقت بهذا على زيد، ومن بعده على الفقراء، وقف؟
طالب: وقف.
الشيخ: صار وقفًا، من أين علمنا أنه وقف؟ أنه ذكر فيه معه ما يختص بالوقف.
تصدَّقت ببيتي على فلان والناظر فلان؟
الطلبة: وقف.
الشيخ: وقف، ليش؟ قَرَنَهُ بما يختص بالوقف، تصدقت ببيتي على فلان صدقةً لا يباع فيها ولا يُرْهَن؟ وقف؛ لأنه قرنه بماذا؟ بما يختص بالوقف، وهو عدم البيع والرهن.
قال المؤلف: (وتشترط فيه المنفعة.. ) إلخ.
هذا شروع في شروط الوقف، الوقف كغيره من العقود، لا بد أن يكون صادرًا من ذي أهلية، فما الذي يُشْتَرط في الواقف؟ يُشْتَرَط أن يكون عاقلًا، فلو قال المجنون: وَقَّفْتُ بيتي، فإن الوقف لا يصح، لو قال الشيخ الكبير الْهَرِم الْمُهَذْرِم: وَقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ لعدم العقل، لو قال السكران الذي شرب الخمر: وَقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، على القول الراجح، أما على المذهب فيصح؛ لأنهم يجعلون أقوال السكران كأقوال الصاحي إذا كان غير معذور بسكره.
يُشْتَرَط أيضًا أن يكون بالغًا، فإن كان غير بالغ فإن الوقف لا يصح.
فلو قال شابّ مراهق: وَقَّفْت بيتي لطلبة العلم، رجل طالب علم وطيِّب، وحريص على العلم، وحريص على تعلُّم الناس العلم، ولكنه لم يبلغ، له أربعة عشر سنة وستة أشهر، ولا احتلام ولا إنبات، فقال: وَقَّفْت بيتي على طلبة العلم، وهو رجل غني ثري، قد ترك له والده عقارات كثيرة، هل يصح الوقف أو لا؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طالب: غير محتلم، صغير.
الشيخ: لأنه غير بالغ، صغير، لا بد أن يكون بالغًا.
وهل يُشْتَرَط أن يكون جائز التبرع؟ يعني بمعنى أنه ليس عليه دَيْن يستغرق ماله، هل يُشْتَرَط هذا؟ ألَّا يكون عليه دَيْن يستغرق ماله.
في هذا خلاف بين العلماء، وهو مبني على جواز التصرف، فإن قلنا بجوازِ تَصَرُّف مَنْ عليه دَيْنٌ يستغرق ماله قلنا بجواز الوقف وصحة الوقف، وإن قلنا بأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله لا يصح تصرُّفه على وجه التبرع، قلنا: لا يصح وقفه.
الصحيح أنه لا يصح تبرُّعه، وذلك لأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله قد شُغِل ماله بالدَّيْن؛ لأن وفاء الدَّيْن واجب، والتبرع والصدقة مستحبة غير واجبة، فلا يمكن أن نُسقِط واجبًا بمستحَبّ.
فالصحيح أن مَن عليه دَيْن يستغرق لا يصح منه الوقف ولو وَقَّف، ولا يصح منه العتق، ولا يجوز له أن يتصدق، وذلك لأن قضاء الدَّيْن واجب، ولا يجوز إسقاط الواجب بماذا؟ بالمستحب.
أما المذهب فيجوز أن يتبرَّع مَن عليه دَيْن يستغرق، إلا إذا حُجِرَ عليه، إذا حُجِر عليه من قِبَل القاضي فإنه لا يصح أن يتبرع، لا بصدقة ولا بوقف ولا بغيره.
إذن الشروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التبرع على القول الراجح.
هل يُشْتَرَط أن يكون جائز التصرف؟ إي، من باب أولى، يُشْتَرَط حتى على المذهب أن يكون جائز التصرف، فلو كان بالغًا عاقلًا لكنه سفيه لا يُحْسِن التصرف في ماله، فإنه لا يصح وَقْفُه؛ لأنه ليس جائز التصرف، وإذا كان لا يجوز أن يبيع ماله فإن تبرعه به من باب أولى ألَّا يجوز.
هذه الشروط في الواقف، نحتاج إلى شروط تتعلق بالوقف، وإلى شروط تتعلق بالموقوف عليه، يعني: شروط الوقف في الحقيقة تدور على ثلاثة أشياء: شروط في الواقف، وشروط في الوقف، وشروط في الموقوف عليه.
شروط الوقف، قال: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه)، (يُشْتَرَط فيه)، يعني: في الوقف، (المنفعة دائمًا) يعني: لا بد أن يكون الموقوف ذا منفعة دائمة، دائمة..
ويُشْتَرَطُ فيه الْمَنفعةُ دائمًا من عينٍ يُنتفَعُ به معَ بَقاءِ عَينِه كعَقارٍ وحيوانٍ، ونحوِهما وأن يكونَ على بَرٍّ كالمساجِدِ والقناطرِ والمساكينِ والأقاربِ من مسلمٍ وذِمِّيٍّ، غيرَ حَرْبِيٍّ وكَنيسةٍ ونُسَخِ التوارةِ والإنجيلِ, وكُتُبِ زَنْدَقَةٍ، وكذا الوصِيَّةُ والوَقْفُ على نفسِه، ويُشترَطُ في غيرِ المسجدِ ونحوِه أن يكونَ على مُعَيَّنٍ يُمْلَكُ لا ملكٌ وحيوانٌ وقبرٌ وحَمْلٌ
هذا الرجل على سبيل أيش؟ الوقف، فلا يمكن أن نُخْرِجه عن ملكك على شيء لم ترده.
لو قال: تصدَّقت بهذا على زيد، ومِن بعده على الفقراء؟
طلبة: وقف.
الشيخ: وقف؟ صار وقفًا، من أين علمنا أنه وقف؟ أنه ذكر معه ما يختص بالوقف.
تصدقت ببيتي على فلان والناظر فلان؟
طالب: وقف.
الشيخ: وقف، ليش؟ قَرَنَه بما يختص بالوقف.
تصدقت ببيتي على فلان صدقةً لا يباع فيها ولا يُرْهَن؟ وقف؛ لأنه قرنه بماذا؟ بما يختص بالوقف وهو عدم البيع والرهن.
قال المؤلف: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة) إلى آخره.
هذا شروع في شروط الوقف، الوقف كغيره من العقود لا بد أن يكون صادرًا من ذي أهلية، فما الذي يُشْتَرَط في الواقف؟
يشترط أن يكون عاقلًا، فلو قال المجنون: وقَّفْتُ بيتي؟ فإن الوقف لا يصح، لو قال الشيخ الكبير الْهَرِم الْمُهَذْرِم: وقَّفْت بيتي؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟ لعدم العقل.
لو قال السكران الذي شرب الخمر: وقَّفْت بيتي؟ لا يصح على القول الراجح، أما على المذهب فيصح؛ لأنهم يجعلون أقوال السكران كأقوال الصاحي إذا كان غير معذور بسكره.
يُشْتَرَط أيضًا أن يكون بالغًا، فإن كان غير بالغ فإن الوقف لا يصح.
فلو قال شاب مراهق: وَقَّفْت بيتي لطلبة العلم، رجل طالب علم وطيِّب، وحريص على العلم، وحريص على تعلُّم الناس العلم، ولكنه لم يبلغ، له أربع عشرة سنة وستة أشهر، ولا احتلام ولا إنبات، فقال: وَقَّفْت بيتي على طلبة العلم، وهو رجل غني ثري، قد ترك له والده عقارات كثيرة، هل يصح الوقف أو لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ليش؟
طلبة: غير بالغ، صغير.
الشيخ: لأنه غير بالغ، صغير، لا بد أن يكون بالغًا.
وهل يُشْتَرَط أن يكون جائز التبرع؟ يعني بمعنى أنه ليس عليه دَيْن يستغرق ماله، هل يشترط هذا؛ ألَّا يكون عليه دَيْن يستغرق ماله؟
في هذا خلاف بين العلماء، وهو مبني على جواز التصرف؛ فإن قلنا بجواز تصرف مَن عليه دَيْن يستغرق ماله، قلنا بجواز الوقف وصحة الوقف.
وإن قلنا بأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله لا يصح تصرفه على وجه التبرع، قلنا: لا يصح وقفه.
والصحيح أنه لا يصح تبرُّعه، وذلك لأن مَن عليه دَيْن يستغرق ماله قد شُغِلَ ماله بالدَّيْن؛ لأن وفاء الدَّيْن واجب، والتبرع والصدقة مستحبة غير واجبة، فلا يمكن أن نُسْقِط واجبًا بمستحب.
فالصحيح أن مَن عليه دَيْن يستغرق لا يصح منه الوقف ولو وقف، ولا يصح منه العتق، ولا يجوز له أن يتصدق، وذلك لأن قضاء الدَّيْن واجب، ولا يجوز إسقاط الواجب بماذا؟ بمستحب.
أما المذهب فيجوز أن يتبرع مَن عليه دَيْن يستغرق إلا إذا حُجِر عليه، إذا حُجِرَ عليه مِن قِبَل القاضي فإنه لا يصح أن يتبرع، لا بصدقة ولا بوقف ولا بغيرهم.
إذن الشروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التبرع على القول الراجح.
هل يُشْتَرَط أن يكون جائز التصرف؟ إي من باب أَوْلَى، يُشْتَرَط حتى على المذهب أن يكون جائز التصرف، فلو كان بالغًا عاقلًا لكنه سَفِيهٌ لا يُحْسِن التصرف في ماله فإنه لا يصح وقفُه؛ لأنه ليس جائز التصرف، وإذا كان لا يجوز أن يبيع ماله فإن تبرُّعه به من باب أولى ألَّا يجوز.
هذه الشروط في الواقف، نحتاج إلى شروط تتعلق بالوقف، وإلى شروط تتعلق بالموقوف عليه، يعني شروط الوقف في الحقيقة تدور على ثلاثة أشياء: شروط في الواقف، وشروط في الوقف، وشروط في الموقوف عليه.
شروط الوقف، قال: (ويُشْتَرَط فيه المنفعة دائمًا من معيَّن يُنْتَفَع به مع بقايا عينه).
(يشترط فيه) يعني: في الوقف، (المنفعة دائمًا)، يعني: لا بد أن يكون الموقوف ذا منفعة دائمة، دائمة يعني: مستمرة، ما هو بإلى آخر الدنيا؛ لأن هذا شيء لا يمكن، لكن ليست منقطعة.
ولا بد أن يكون (من معيَّن)، وضد المعيَّن الْمُبْهَم.
والثالث: أن (يُنْتَفَع به مع بقاء عَيْنه)، فقولنا: يُشْتَرَط فيه المنفعة، هذا قيد، فإن لم يكن فيه منفعة فإنه لا يصح وقفه، فلو وَقَّفَ حمارًا مُقَطَّع الأربع، يعني: يداه ورجلاه مقطوعات، وقال: هذا وقف، ما تقولون؟ يصح ولَّا لا؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح، ليش؟ هذا لا يستفاد منه، هذا يأكل ولا يؤكل، فلا يصح الوقف.
لو وَقَّفَ طَبْلًا، طبل من الطبول، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأن المنفعة محرَّمة، والمنفعة المحرَّمة وجودها كالعدم.
لا بد أن يكون دائمًا، فلو قال: وَقَّفْت هذا البيت لمدة سنة بس، فالوقف لا يصح؛ لأن المنفعة حينئذ مقيَّدة بسنة، طيب بشهر؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: من باب أولى.
(من معيَّن)، يعني: من شيء معيَّن لا مُبْهَم.
فلو قال: وَقَّفْت أحد بَيْتَيَّ، فإن الوقف لا يصح، لماذا؟
طلبة: غير معيَّن.
الشيخ: لأنه غير معيَّن، ويُشْتَرَط أن يكون معيَّنًا.
هل يُشْتَرَط أن يكون معلومًا؟
ظاهر كلام المؤلف: لا، فلو وَقَّفَ بيتًا وهو لم يَرَه، يعني أنه رجل ذو عقارات كثيرة، فوَقَّفَ أحد عقاراته بدون أن يعلم، مثل أن يقول: وَقَّفْت بيتي الذي في الحي الفلاني، وليس له بيت سواه في هذا الحي، لكنه لا يدري عن هذا البيت، لا يدري هل هو كبير أو صغير، من طين، أو من أسمنت، جيد أو رديء، ما يدري، يصح أو لا يصح؟
ظاهر كلام المؤلف أنه يصح؛ لأن هذا معيَّن، والمذهب أنه لا يصح؛ لأنه مجهول، وإذا كان مجهولًا فإنه قد يكون أكثر مما يتصوره الواقف، يعني: ربما يقف هذا البيتَ ظنًّا منه أنه يساوي عشرة آلاف، لكن يساوي مئة ألف، فإذا علم أنه يساوي مئة ألف ربما يندم، والشارع جاء بإزالة الندم عن الإنسان، فلهذا يقولون: إنه لا يصح إذا كان مجهولًا.
ولكن القول الراجح صحة هذا؛ لأنه لم يُجْبَر على الوقف، وليس الوقف معاوَضَة حتى يقول: غُلِبْتُ أو خُدِعْت، الوقف تبرُّع أخرجه الإنسان لله، كما لو تصدق بدراهم بلا عدّ، لو تصدق بدراهم، أخذ من الكيس دراهم وأعطاها الفقير بلا عدّ، هل تصح الصدقة أو لا؟ تصح وتنفذ.
فلو تَبَرَّز الفقير هناك وعدّ ولَا مئة ريال، قال: الله يجزيك خيرًا اللي أعطيتني مئة وأنا محتاج، قال: مئة؟ أنا أحسبها عشرة، أعطني التسعين ريالًا، يصح ولَّا ما يصح؟
ما يصح؛ لأنه تصدَّق وتبرَّع، والمسألة ليست معاوَضَة حتى يدخلها الغَبْن، المسألة تبرُّع، فلهذا كان القول الراجح أنه يصح وقْف المعيَّن وإن كان أيش؟ وإن كان مجهولًا؛ لأنه ليس معاوضة حتى نقول: إنه داخل في الغُنْم أو الغُرْم، بل هو تبرُّع محض إذا أمضاه الإنسان نَفَع.
أذن (من معيَّن) ويش ضده؟
طالب: الْمُبْهَم.
الشيخ: الْمُبْهَم، مثل: وَقَّفْت أحد بَيْتَيَّ، فإن هذا الوقف لا يصح.
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه) يعني: لا بد أن يكون هذا المعيَّن يُنْتَفَع به وعينه باقية، فإن كان لا يُنْتَفَع به إلا بتلف عينه فإن الوقف لا يصح؛ لأن الوقف حَبْسُ الأصل وتسبيل المنفعة، فإذا كان هذا الشيء لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه فأين حَبْس الأصل وتسبيل المنفعة؟
المنفعة إتلاف له، فلو وَقَّفَ الإنسان تمرًا للصُّوَّام يُفْطِرُون به في رمضان فإن الوقف لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأن المنفعة لا تزيل الأصل.
الشيخ: لا يمكن الانتفاع بالتمر إلا بأكله، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذا كان لا يمكن الانتفاع به إلا بأكله فأين الوقف؟ الوقف تَحْبِيس الأصل وتسبيل المنفعة، فلا يصح أن يوقِف طعامًا للأكل.
لو أوقف ثيابًا؟
طلبة: يصح.
طلبة آخرون: ما يصح.
الشيخ: يصح ولَا يصح، وفيه التفصيل، بقي عليكم واحد؟
يصح؛ لأنه يمكن الانتفاع بها مع بقائها، ولَّا لا؟ يمكن ألبسها اليوم وتبقى، حصل لي نفع الآن وهو اللبس، أليس كذلك؟ حتى البيت أيضًا سيؤول إلى انهدام.
يعني قد يقول أحدكم: الثياب تبلى، نقول إذن: والبيت ينهدم، لكن في حال الانتفاع تستطيع أن تنتفع به وهو إيش؟ وهو باقٍ، لكن لو وَقَّفَ كيلو تمر على زيد، فجاء زيد وجلس على هذا الكيلو وأكله كله، ويش يبقي؟
طلبة: لا شيء.
الشيخ: لا شيء، فلهذا هناك فرق بين إيقاف الطعام للأكل وإيقاف الثياب للبس، الثاني صحيح حتى على كلام المؤلف، والأول غير صحيح.
يُسْتَثْنَى من هذا -على كلام المؤلف- الماء، فلو سَبَّل الإنسان خزَّانًا من الماء على المارّة من هذا الطريق صار الوقف صحيحًا؛ لآثار وردت في ذلك.
ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إن تصحيحكم لوقف الماء وهو لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه يُلْزِمُكم أن تُصَحِّحُوا وقف الطعام الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه، وأنه يصح أن يوقِف الإنسان التمر على الْمُفْطِرِين في رمضان.
وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو الصحيح، أي أنه يجوز وقف الشيء المعيَّن وإن كان لا يُنْتَفع به إلا بإتلافه.
فيجوز –مثلًا- أن آتي بإناء كبير من التمر وأقول: هذا وقف على فلان، ماذا يفعل فلان بهذا التمر؟ يأكله حتى يفنى، المذهب يقولون: إنه لا يصح الوقف، وهل يصح صدقة؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: يقولون: لا ما يصح، يعني لو قلت: هذا وقف، ما يصح أن يكون صدقة، إلا إذا قلت: تصدقت به على فلان، إذا قلت: تصدقت به على فلان، صح، وإذا قلت: وَقَّفته على فلان إيش؟ على كلام المؤلف: لا يصح.
إذن فالمخرج مما قال المؤلف أن نقول بدل وقّفت: تصدقت، عرفتم يا جماعة؟
قد تقولون: إذن ما الفرق بين اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في جواز الوقف والصدقة؟ شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: الصدقة جائزة والوقف جائز، ما الفرق من حيث اللفظ؟
يقولون: الفرق أنك إذا تصدقت به على زيد وأخذه مَلَكَ التصرف فيه، يبيعه، يرهنه، يهبه، ملكه هو فيه حر، وإذا قلت: هذا التمر وَقْفٌ على زيد، لم يتمكن من التصرف فيه، فلا يملك أن يبيعه، أو أن يرهنه؛ لأن الوقف لا يباع.
أيهما أصلح للفقير: الوقف ولَّا الصدقة؟
الطلبة: الصدقة.
الشيخ: الصدقة أحيانًا والوقف أحيانًا، إذا كان هذا الفقير أخرق فالوقف أحسن؛ لأن الأخرق ممكن يبيعه برُخص، ممكن يبيعه ويشتري أشياء غير هامة، لكن لو تصدقت به صدقة راح يبيعه ويشتري جِرَار بيبسي وما أشبه ذلك، يموت من الجوع ويشتري أشياء تنزّل الطعام اللي في معدته وتزيده جوعًا إلى جوعه، هذا ما هو أحسن نعطيه صدقة، أعطيه أيش؟ نعطيه وقفًا، أجعله وقفًا عليه، وإذا شفته يبغي يطلّع منه كيلو منعته، قلت: أنا موقفه عليه توقيفًا، ما يمكن تبيع منه شيئًا.
إذن القول الراجح في هذه المسألة أنه يجوز أن يوقِف شيئًا.. أتموا.
الطلبة: لا ينتفع به إلا بإتلافه.
الشيخ: لا يُنْتَفَع به إلا بإتلافه، قياسًا على ما قالوه هم أنفسهم في وقف الماء؛ لأنه لا فرق.
(يُنْتَفَع به مع بقاء عينه)، كعقار، العقار يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طالب: نعم.
الشيخ: مثل أيش؟ كدكان –مثلًا-، أوقف دكانًا على فلان يمكن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، لكن إذا قال الموقوف عليه: أنا لست صاحب بَيْع وشراء، ويش ينفعني الدكان، ويش نقول؟ أَجِّرْه، الآن منفعة الدكان لك، سواء استوفيتها بنفسك أو بغيرك، ممكن تؤجّره، يمكن تعطيه صديقًا لك ينزله وينتفع به.
حيوان، يمكن يوقِّف حيوانًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يمكن يوقِّف حيوانًا، مثل أن يوقِف فرسًا للجهاد في سبيل الله، يمكن يوقف بقرة على عائلة ينتفعون بأيش؟ بلبنها، يوقف بعيرًا على حَطَّاب ينتفع به، يوقف بعيرًا على قَصَّاب يذبحها ويبيع لحمها؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: على التفصيل السابق.
الشيخ: ما هو على التفصيل السابق، يصح وقفه على الجزار لكن يقال: لا تذبحها، انتفع بها، أَجِّرها، يقول: والله أنا لست جَمَّالًا حتى أروح أحطب عليها، نقول: أَجِّرْها.
يقول: (ونحوهما): نحو الحيوان والعقار، أَوْقَفَ كتابًا على زيد، يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: كتابًا، هل هو معيَّن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
أوقف سيارة؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح، أوقف قلمًا؟
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن كل هذا يمكن أن يُنْتَفَع به مع بقاء عينه، أوقف ولده على فلان؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه لا يملك.
الشيخ: لأنه لا يُمْلَك، الولد لا يُمْلَك، ولهذا لا بد أن يكون مما يصح ببيعه، المؤلف ما ذكرها لكن معروفة، لا بد أن يكون مما يصح بيعه، فإن كان لا يصح بيعه ولا تملُّكه كالحر –مثلًا- لا يجوز.
أوقف أَمَة على شخص؟
طلبة: يصح.
طلبة آخرون: لا يصح.
طالب: تفصيل.
الشيخ: أَمَة أوقفها على شخص، يصح؟
طالب: نعم.
الشيخ: يصح، ويمكن أن ينتفع بها ولو بغير الوطء، الوطء يحتاج إلى نظر، لكن غير الوطء -مثلًا- ينتفع بها خادمة؟
الطالب: يصح.
الشيخ: يصح، غير ذلك مما يُنْتَفَع به مع بقاء عينه مثل أيش؟ كالسلاح، النخل؛ أوقف نخلة على شخص يجوز أو لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يصح؛ لأنه يُنْتَفَع بها مع بقاء عينها، كيف ينتفع بها مع بقاء عينها؟ إي نعم، فيها ثمرة، أليس كذلك؟ فيها ثمرة، إذا كان فيها ثمرة فإنه يُنْتَفَع بها.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوقف أرضه التي في خيبر بأمر الرسول عليه الصلاة والسلام ومشورته (1)، وهي لا تخلو من نخل، ولهذا عامَلَ النبي صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على ما فيها من زرع ونخل بالشَّطْر (2).
إذن القاعدة: يُشْتَرَط في الموقوف أن يكون مشتملًا على منفعة دائمة، مباحة ولَّا ولو كانت حرامًا؟
الطلبة: مباحة.
الشيخ: مباحة، وأن يكون معينًا، سواء كان معلومًا أو مجهولًا على القول الصحيح، وهو ظاهر كلام المؤلف، وأن يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه.
طالب: شيخ، مَن وقف –مثلًا- داره على طلبة العلم، وبعده سكن فيه بعض لا يهتم بالعلم، هل يجوز لمالكه التصرف حتى يخرج هذا الرجل؟
الشيخ: يعني أوقفه على طلبة العلم، وسكنه غير طالب علم، له أن يُخْرِجه، معلوم.
الطالب: وهو عليه حرام السكن فيه؟
الشيخ: إي نعم، إذا كان هذا البيت وقفًا على طلبة علم فإنه لا يحل لمن لم يكن طالب علم أن يسكنه.
الطالب: والتهاون، إذا كان عنده تهاون بالعلم، كذلك حرام عليه؟
الشيخ: إي، هذا إذا كان عنده تهاون يُرْجَع إلى العُرْف، فإذا قيل: هذا طالب العلم؛ لأنه أحيانًا يكون طالب العلم المتهاون طالب علم بالنسبة لفتور الناس، وأحيانًا يكون طالب العلم المتهاوِن ليس طالب علم بالنسبة لنشاط الناس.
فمثلًا نحن الآن عندنا نحن طلبة علم، ولكن معنا فُتُور، ولَّا لا؟ لأننا لسنا كطلبة العلم السابقين الذين يسهرون الليل ويكدحون النهار، أكثر أوقاتنا نوم وأكل، لكن مع ذلك يقال عنّا: إننا أيش؟ طلبة علم، لكن طلبة علم وقتنا، إي نعم، فلو أردنا أن نقول: لا يسكن الدار التي وُقِّفَت لطلبة العلم إلا رجل كان يطلب العلم كما يطلبه شيخ الإسلام ابن تيمية صعب هذا.
الطالب: شيخ الذين ذهبوا إلى صحيح وقف الماء فقصدهم الماء من المنبع أم الماء حتى المجرَّد عن المنبع؟
الشيخ: لا لا، الماء المحبوس، قلت لكم ما هو، مَثَّلْتُ بماذا؟
طلبة: بالخزان.
الشيخ: بالخزان، أما الماء الذي في البئر هذا واضح ما فيه إشكال؛ لأنك وَقَّفْت البئر والبئر يخرج منه الماء شيئًا فشيئًا.
الطالب: شرط أن يصح بيعه، هذا ليس من ضمن شروط الوقف؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لأنه (... ).
الشيخ: نعم.
(... )
طالب:.. والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه، ويُشْتَرَط في غير المسجد ونحوه أن يكون على معيَّن يملك، لا ملك وحيوان وقبر وحمل، لا قبوله ولا إخراجه عن يده.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، سبق لنا أن للوقف شروطًا، منها ما يعود إلى أيش؟
طلبة: الواقف.
الشيخ: إلى الواقف، ومنها ما يعود إلى الموقوف، ومنها ما يعود إلى الموقوف عليه، وسيأتي إن شاء الله كل هذا، سبق بعضها ويأتي بعضها.
الذي يعود إلى الواقف ما هو؟
طالب: أن يكون بالغًا، عاقلًا، جائز التصرف.
الشيخ: نعم؟
طالب: جائز التبرع.
الشيخ: على القول الراجح، على القول الراجح أن يكون جائز التبرع.
من هو جائز التصرف؟ الرشيد، يعني إذا لم يكن رشيدًا بأن كان سفيهًا فإنه لا يصح تصرفه.
ما تقول في رجلٍ مَدِين دَيْنًا يستغرق ماله فوقَّف بيتَه؟
الطالب: المسألة فيها قولان، أُرَجِّح أنه لا يجوز له التصرف في ماله لأن ماله..
الشيخ: لا يجوز له التصرف ولّا التبرع؟
الطالب: التبرع.
الشيخ: طيب.
الطالب: لأن ماله قد شُغِل بالدَّيْن، والدَّيْن واجب والوقف مستحب، ولا يُسْقِط المستحبُّ الواجبَ.
الشيخ: زين، والقول الثاني إذا قلنا: إن الشرط أن يكون جائز التصرف؟
الطالب: يجوز أنه يتبرع.
الشيخ: يجوز أن يوقفه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ويصح الوقف.
رجل مُبَرْسَم؟
الطالب: ما يعني؟
الشيخ: الْمُبَرْسَم الذي أصابه البرسام، وهي علة في الدماغ، رجل مُبَرْسَم وقَّف بيته، ويش تقول فيه؟
الطالب: يعني عقله سالم ولَّا؟
الشيخ: مُبَرْسَم عقله ما هو سالم.
الطالب: لا يصح؛ لأنه غير عاقل.
الشيخ: لأنه غير عاقل، أحسنت، شاب له أربع عشرة سنة وَقَّفَ شيئًا من ماله، ويش يقول؟
طالب: لا يحق له الوقف.
الشيخ: هل يصح وقفه ولّا ما يصح؟
الطالب: ما يصح.
الشيخ: لماذا؟ أنت ما حضرت أمس؟
طالب: لأنه من شروط الواقف أن يكون بالغًا.
الشيخ: من شروط الواقف أن يكون بالغًا، وهذا لم يبلغ.
فيه شروط تعود على الموقوف؟
طالب: يُشْتَرَط في الموقوف أن يكون دائم النفع، وأن يكون مِن عنده..
الشيخ: أن يكون ذا نفع دائم.
لو وَقَّفَ ما لا نفع فيه كحمار مكسَّر الأعضاء؟
الطالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه لا منفعة فيه.
الشيخ: لا منفعة فيه ولا فائدة، ما الذي يستفيده الموقوف عليه، كمِّل الشروط.
طالب: ألَّا يكون الوقف على حرام.
الشيخ: لا، ما وصلنا لها.
طالب: أن يكون معيَّنًا.
الشيخ: أن يكون الموقوف معيَّنًا، احترازًا من أيش؟
الطالب: مِن الْمُبْهَم.
الشيخ: من المبهم، مثِّل للمبهم؟
الطالب: كأن يكون عنده –مثلًا- عشرة بيوت ويقول: وقّفت أحد بيوتي.
الشيخ: المبهم مثل أن يكون الرجل عنده عدة بيوت، فيقول: وقّفت أحد بيوتي، هذا الوقف لا يصح؛ لأن ما ندري ما الذي وُقِّف.
طالب: بقاء عين الوقف.
الشيخ: أن يكون هذا الموقوف يُنْتَفَع به مع بقاء عَيْنِه، مثل؟
الطالب: مثل أن يوقف سكنًا.
الشيخ: زين، أن يوقف بَيْتًا على شخص، فهنا يُنْتَفَع به مع بقائه، يُسْكَن وهو باقٍ، ثوبًا للبس، احترازًا؟
طالب: مما لا ينتفع بالصفة التي..
الشيخ: مما لا يمكن الانتفاع به إلا بفنائه، مثل؟
الطالب: الأكل.
الشيخ: الأكل ولَّا المأكول، هل أحد يوقِّف الأكل؟ يقول: وَقَّفْت أكلي على فلان؟
الطالب: الموقوف مثل التمر.
الشيخ: زين، أحسنت، مثل الطعام، لو وقَّف الإنسان طعامًا، فقال: وَقَّفْت هذا التمر على الفقراء يُفْطِرُون به في رمضان، أو على الصُّوَّام يفطرون به في رمضان، يصح ولَّا ما يصح؟
الطالب: ما يصح؛ لأنه لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه.
الشيخ: ومن الذي قال لك: إنه لا يوقَف الذي لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه.
الطالب: نعم؟
الشيخ: مَن الذي قال لك: إنه لا يوقَف إلا الشيء الذي يُنْتَفَع به مع بقائه؟
الطالب: المذهب.
الشيخ: قال لك المذهب، يقول واحد مش أنت: المذهب! أنا عندي مذهب ثانٍ.
الطالب: استدلوا بآثار ورَدَت عن الصحابة أنه لا يوقَف على شيء يُنْتَفَع به إلا عينه.
الشيخ: ما هو الوقف؟
الطالب: تسبيل المنفعة وتحبيس الأصل.
الشيخ: قالوا: فإذا كان تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، وكان هذا الشيء لا يمكن الانتفاع به إلا بفنائه فأين حبس الأصل؟ كذا ولَّا لا؟
قالوا: هذا أصلًا يعارض الوقف؛ لأن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، فإذا كان لا يمكن الانتفاع به إلا بتلفه إذن أين التحبيس، واضح؟
هل يستثنى من هذا الشيء على القول بالاشتراط؟
الطالب: نعم، يستثنى الماء؛ لأنه يصح وقفه.
الشيخ: هل المراد الماء في البئر أو المراد الماء في الإناء؟
الطالب: الماء في الإناء.
الشيخ: الماء في الإناء، صحيح، يعني يجوز للإنسان –مثلًا- يأخذ برميل ماء ويجعله على السابلة ويقول: وَقَّفْت هذا الماء، مع أنه لا يمكن الانتفاع به إلا بتلفه، إلا بالشرب، استثنى هذا لأنه وردت آثار عن الصحابة في ذلك.
هل هناك خلاف في هذا الشرط؟
الطالب: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه يصح وقف ماء..
الشيخ: القول الثاني لشيخ الإسلام ابن تيمية أنه يجوز إيقاف ما لا يُنْتَفَع به إلا بتلفه، وقال: إن هذا كما ورد عن الصحابة في الماء أيضًا يقاس عليه غيره.
الطالب: فيه فائدة.
الشيخ: وفيه فائدة، وهي أنه لا يباع، يعني المذهب يقولون: بدل أن توقفه تصدَّق به عليهم، قل: هذا صدقة، فنقول: لا، بينهما فرق؛ لأني إذا وَقَّفْتُه لا يمكن أن يباع، فإذا تصدقت به صار المتصدَّق به عليه يملكه، يبيعه وينتفع به بما شاء.
ما تقول في شخص وَقَّف بيتًا له وهو لا يعرفه؟
طالب: لا يصح الوقف؛ استنادًا إلى أن الموقوف مجهول.
الشيخ: اشتراطًا أن يكون الموقوف معلومًا، وهنا الموقوف مجهول، فلا يصح وقفه، كذا؟ هل تعلم في هذا قولًا آخر؟
الطالب: نعم، فيه قول آخر، يكون الوقف هذا..
الشيخ: إنه يصح الوقف ولاّ ما يصح؟
الطالب: يصح.
الشيخ: يصح الوقف.
الطالب: والسبب أنه ما أُلْزِم بذلك الوقف.
الشيخ: أيش معنى إنه ما أُلزم؟
الطالب: ما أُلْزِم أن يوقف على البيت مثلًا.
الشيخ: ما هو ظاهر.
طالب: هذا الوقف ليس معاوضة، ولكنه تبرع، فلم يُلْزَم على هذا الوقف، ولكن تصدق به..
الشيخ: لأن الوقف تبرع، ليس معاوضة يُشْتَرَط فيه العلم، الذي يشترط فيه العلم هو المعاوضة؛ لأن المعاوضة إذا لم يكن معلومًا صار ميسرًا، قد يكون غانمًا وقد يكون غارمًا، لكن المعاوضة تبرع محض، أي شيء يحصل منها فهو مفيد، واضح؟
أظن انتهى المناقشة.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وأن يكون على بِرّ).
هذا من الشروط، من الشروط (أن يكون على بِرّ)، أي: على شيء يُقَرِّب إلى الله، وهذا شرط في الجهة التي يوصف إليها الوقف؛ أن تكون جهة بِرٍّ، أي: جهة طاعة وعبادة لله عز وجل.
قال الإمام أحمد: لا أعلم الوقف إلا ما أُرِيدَ به وجه الله، ولأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما استشار النبي صلى الله عليه وسلم في أرضه التي غنمها في خيبر إنما يريد بذلك أيش؟ التقرب إلى الله، وإذا لم يكن الوقف على بِرٍّ فلا قربة فيه.
مثاله: (كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب)، هذه عدة جهات.
(كالمساجد) فإذا قال –مثلًا-: أوقفت بيتي لمصلحة المساجد، فالوقف على بِرٍّ ولَّا على إثم؟
طالب: بِرّ.
الشيخ: على بِرّ، إذا قال قائل: المساجد لا تَمْلِك، قلنا: لكنها جهة لها مَن يتولى أمرها.
ولا فرق في هذا بين أن يكون الوقف على مسجد معيَّن أو على المساجد عمومًا، فإن كان على مسجد معيَّن تعيَّن فيه ولا يجوز صرفه إلا غيره، وإن كان على المساجد عمومًا وجب على الناظر أن يبدأ بالأحَقّ فالأحَقّ، سواء كانت هذه الأحقية عائدة إلى ذات المسجد، أو عائدة إلى المصلين فيه، انتبه.
فإذا وقَّف عقارًا على مصالح المساجد، وأخذنا غَلَّةَ هذا الوقف، وعندنا عدة مساجد، مَن نقدم بها؟
الأحق، سواء كان عائدًا إلى ذات المسجد، أو إلى المصلين فيه، فإذا كان أحد المساجد هذه فيه عيب وخَلَل يحتاج إلى ترميم، والمساجد الأخرى ليست في حاجة إلى ذلك، فنُقَدِّم الذي يحتاج، هذا يحتاج إلى ترميم نقدمه؛ لأن العيب إن لم تداركه ازداد.
إذا كانت المساجد كلها سواءً في الترميم لا تحتاج إلى ترميم، لكن بعضها يكثُر فيها المصلون فتحتاج إلى زيادة تهوئة وتبريد، فما الذي نقدِّم؟
نقدم هذا الذي يحتاج إلى تهوئة وتبريد؛ نفتح فيه منافذ، نضع فيه مكيفات، ونقدمه على غيره؛ لأن المصلين يكثرون فيه.
أحد المساجد جامع يحتاج إلى مكبِّر صوت في الخطبة والأذان، والأخريات غير جوامع، لا تحتاج إلَّا إلى الأذان، ما الذي نقدِّم؟
الطلبة: الجامع.
الشيخ: الجامع؛ لأن فيه فائدتين؛ الخطبة والأذان.
إذن الوقف على المساجد جائز ومشروع، كذا؟ سواء كان المسجد معيَّنًا أم على المساجد عمومًا، فإن كان معيَّنًا وجب تخصيص الوقف به، وإن كان عامًّا قُدِّم الأحق فالأحق حسب ما تقتضيه المصلحة.
(القناطر) أيش هي القناطر هذه؟
القناطر الأنهُر، يعني من جنس الجسور، فإذا وقَّف وقفًا على تعمير القناطر، أو الجسور، أو شق الأنهر، أو حفر الآبار، أو ما أشبه ذلك مما ينفع المسلمين فهذا بِرّ يُصْرَف فيه، ويتعيَّن أن يُصْرَف في النوع الذي عَيَّنَه الواقف، وفي العين أيضًا.
فإذا وَقَّفَ على شق الأنهر لم يَجُزْ صرفه في القناطر، وإذا وَقَّفَ على القنطرة المعيَّنة لم يَجُزْ صرفه في قناطر أخرى، يتعيَّن النوع ويتعيَّن العين الذي عيَّنَها الواقف.
(المساكين) جهة ولَّا معين؟
طالب: جهة.
الشيخ: المساكين جهة، قال: هذه وقف على المساكين، يُصْرَف الوقف للمساكين في حوائجهم، ويقدَّم مَن؟ الأحوج فالأحوج؛ لأن الحكم إذا عُلِّق بوصف ازداد قوة بحسب قوة الوصف فيه، والعطاء إذا قُيِّد بحاجة ازداد قوة بحسب الحاجة، وعلى هذا فنبدأ بالأحوج فالأحوج من المساكين.
(الأقارب) جهة ولَّا عين؟
طالب: الأقارب جهة.
الشيخ: جهة، فإذا قال: هذا وقف على أقاربي، وجب أن يُصْرَف للأقارب، الأقارب من أين إلى أين؟ من الجد الرابع فنازلًا، هؤلاء كلهم أقارب، الإخوان؟
طلبة: أقارب.
الشيخ: والأعمام؟
طلبة: أقارب.
الشيخ: وأعمام الأب.
طلبة: أقارب.
الشيخ: أعمام الأب يتصلون بك في أي جد؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: أعمامك في الجد الأول، وأعمام أبيك في الجد الثاني، وأعمام جدك في الجد الثالث، وأعمام جد أبيك في الجد الرابع، فمن الجد الرابع فما دون هؤلاء أقارب، ومَن فوق ليسوا بأقارب، وإن كان فيهم قرابة لكن لا يُعَدُّون من القرابة الأدنين، ولهذا لما أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، لم يَدْعُ النبي صلى الله عليه وسلم كل قريش، بل دعا مَن شاركوه في الأب الرابع فما دون.
إذن إذا وَقَّفَ على الأقارب اختص الوقف بهم، ولكن مَن نقدِّم الأحوج أو الأقرب؟
طالب: الأحوج، والأقرب، الوصف من هذا.
الشيخ: الآن الوصف القرابة، ما هو الحاجة، ونحن قلنا قبل قليل: إن ما عُلِّقَ على وصف كان أقوى بحسب قوة ذلك الوصف، فإذن نقدِّم الأقرب، ولهذا يقدَّم في الميراث ابن العم الغني على ابن ابن العم الفقير، لماذا؟ لأنه أقرب، إلا إذا علمنا أن مراد الواقف دَفْع الحاجة دون الصلة، فحينئذ نقدِّم مَن؟
طلبة: الأحوج.
الشيخ: نقدِّم الأحوج ولو بعده، إذن إذا علمنا أن مراد الواقف الصلة مَن نقدم؟
طلبة: نقدم الأقرب.
الشيخ: الأقرب، إذا علمنا أن مراده دفع الحاجة نقدِّم الأحوج، إذا أشكل علينا الأمر فالأقرب؛ لأننا نقضي بنحو ما نسمع، والواقف عَيَّن الاستحقاق بالقرابة، فمن كان أقرب فهو أحق، ولكن هل المسألة ترتيب أو تقديم؟
طالب: ترتيب.
الشيخ: أنت الآن تعرف الفرق بينهم؟
الطالب: إن كان ترتيبًا نقدم المنازل الأقرب، وإن كان تقديمًا نقدم الثاني.
الشيخ: ويش هو الثاني؟
الطالب: نقدم الأقرب لحاجته.
الشيخ: لا.
طالب: يعني الجهة.
الشيخ: لا، إذا كان ترتيبًا فلا حق للأبعد مع الأقرب ولو زاد على حاجة الأقرب، يعني –مثلًا- إذا قَدَّرنا أن الريع عشرة آلاف، والأقرب يكفيه خمسة آلاف، فإننا نعطي الأقرب كل العشرة، هذا إذا قلنا: إنه ترتيب.
وإذا قلنا: إنه تقديم، قلنا: أَعْطِ الأقرب ما يحتاج فقط، فنعطيه في هذا المثال كم؟
طالب: خمسة آلاف.
الشيخ: خمسة آلاف، والباقي للآخر، فهذه نقول: إنها من باب التقديم وليست من باب الترتيب؛ لأن الترتيب لا حق للثاني مع الأول مطلقًا، والتقديم له الحق فيما فضل عن حاجة الأول.
(الأقارب)، قال: (من مسلم وذمي)، فإذا قال: هذا وَقْفٌ على أقاربي، وله ثلاثة أبناء عم؛ أحدهم مسلم، والثاني يهودي، والثالث نصراني، لكنهم ذِمِّيُّون، هل نخصه بالمسلم أو للجميع؟
قال المؤلف: (من مسلم وذمي)، للجميع، نعطي المسلم درهمًا، واليهودي درهمًا، والنصراني درهمًا، ليش؟ لأن وصف القرابة ينطبق عليهم جميعًا وإن كانوا مخالفين في الدين، صح ولَّا لا؟
لكن لو قال: القريب المسلم، كذا، فهل نعطي اليهودي والنصراني؟ لا؛ لأنه خصّه بالمسلم.
قال المؤلف: (غير حربي)، (من مسلم وذمي غير حربي)، الاستثناء هنا منقطع؛ لأن الحربي ليس من الذمي في شيء، يعني أنه لا يُعْطَى القريب الحربي.
مَن الحربي؟ الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان، الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان فهذا حربي، يحلّ لنا قتله أينما وجدناه؛ لأنه محارب.
فإذا كان رجل أوقف على أقاربه، ووجدنا أبناء عم له، أحدهم مسلم، والثاني يهودي ذمي، والثالث نصراني ذمي، والرابع يهودي حربي، مَن نعطي؟
الثلاثة الأُوَل، والرابع لا نعطيه؛ لأن الرابع ليس له حق ولا كرامة، بل نقتله إذا وجدناه، كيف نعطيه ما يحيا به؟ !
ثم إن الحربي إذا أعطيناه ماذا يفعل بالمال؟ يشتري به سلاحًا يقتلنا به، فكيف نعطيه من الوقف؟
ولهذا استثنى المؤلف قال: (غير حربي) مَن الحربي؟ هو الكافر الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد ولا أمان.
الطالب: إذا وقف رجل قال: هذا وقف على الفقراء؟
الشيخ: على إيش؟
الطالب: على الفقراء، ثم أصبح فقيرًا هو، الواقف، هل له الحق الأخذ منه؟
الشيخ: أيش تقولون في هذا؟ قال: هذا وقف على الفقراء، وافتقر، هل يأخذ منه؟
طالب: يأخذ.
الشيخ: يأخذ منه، إي نعم.
الطالب: نحن قلنا الآن: ما يحق له أن يملك شيئًا منه.
الشيخ: كيف؟
الطالب: قلنا: إذا أوقفه ما يحق له أن يملك شيئًا منه، خرج من ملكه أصلًا.
الشيخ: متى قلنا هذا؟ أنت لو قلت: لأن الواقف يخرج من ملكه، أما إننا قلنا، ونحن ما قلنا، هذا ما هو بصحيح.
الطالب: هذا القصد.
الشيخ: القصد ما نعرف اللي في قلبك، رجعت؟
الطالب: نعم.
الشيخ: أيش تقول؟
الطالب: قلت: إنه خرج الآن من ملكه، كيف نعيده له مرة ثانية؟
الشيخ: خرج من ملكه على وصف معيَّن، واتصف هو بهذا الوصف، فيستحق.
طالب:.. محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: وأن يكون على بِرٍّ، كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي، وكنيسة ونسخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة، وكذا الوصية والوقف على نفسه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد.
ذكر المؤلف من شروط الوقف أن يكون على بِرٍّ، وهل هذا على إطلاقه؟
طالب: نعم، على إطلاقه، إذا كان على جهة عامة على إطلاقه.
الشيخ: إذا كان على جهة عامة فهو على اطلاقه، صح، إذن ليس على إطلاقه، على بِرٍّ، متى؟ إذا كان على جهة عامة، أما إذا كان على معيَّن فلا يُشْتَرَط أن يكن على بِرٍّ.
يقول المؤلف رحمه الله: (كالمساجد والقناطر والمساكين والأقارب من مسلم وذمي غير حربي).
لو وقَّف على الأغنياء قال: هذا البيت وقفٌ على الأغنياء، فهل يصح الوقف؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطلبة: لأنه ليس على بِرٍّ.
الشيخ: لأنه ليس على بِرٍّ؛ إذ إن الأغنياء ليسوا جهة صدقة، فلا يصح، لكن لو وقَّف على فلان وهو غني؟
طلبة: يصح.
الشيخ: صح؛ لأن هذا ليس وقفًا على جهة، والإنسان له أن يُمَلِّك ماله مَن شاء.
يقول: (الأقارب) جهة برّ؟
طالب: نعم.
الشيخ: جهة بِرٍّ ولو كانوا غير مسلمين؟
الطالب: ولو كانوا غير مسلمين.
الشيخ: ولهذا قال المؤلف: على أقارب مِن مسلم وذمي، لكن يقول: غير حربي.
وهنا إشكال في كلام المؤلف، قال: (ذمي غير حربي)، فهل المقابل للذمي هو الحربي؟
لا، الحربي يقابله الذمي والمعاهَد والمستأمِن، لكن كأن المؤلف أسقط المعاهَد والمستأمِن؛ لأن العهد لا يدوم، وكذلك الأمان لا يدوم، بخلاف عقد الذمة، فالأصل فيه الدوام، ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون الوقف على جهة دائمة، هذا ما يظهر؛ أن الوقف على المستأمِن وعلى المعاهَد لا يصح، بخلاف الذمي؛ لأن الذمي له أحكام خاصة.
قال: (غير حربي)، فلا يصح الوقف عليه، ولا يدخل في الأقارب إذا وقَّف على أقاربه.
فهذا رجل وقّف على أقاربه، وكان له ثلاثة من الأقارب أحدهم مسلم، والثاني ذمي، والثالث حربي، مَن يستحق الوقف؟
طلبة: المسلم والذمي.
الشيخ: المسلم والذمي، أما الحربي فلا.
قال: (وكنيسة)، يعني: ولا يصح الوقف على كنيسة، والكنيسة متعبَّد النصارى، والكنيست برلمان اليهود في العهد الحاضر، انتبهوا، ربما تسمعون في إذاعة اليهود: الكِنِيست، لا تظن أن الكِنِيست متعبَّد لهم، لكنها برلمان يعني مجتَمَع، مؤتمر، أما الكَنِيسة فهي متعبَّد النصارى، والِبيعَة متعبَّد اليهود، والصومعة للرهبان.
المهم دُور الكفر -هذه القاعدة العامة- دُور الكفر لا يصح الوقف عليها، ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
ونحن إذا وقَّفْنا على بيوت الكفر فإن ذلك معونة على الإثم والعدوان، وكيف يليق بالمسلم أن يُوقِف على بيت يُشْرَك فيه بالله، ويُكْفَر فيه بالله؟ ! هذا لا يمكن.
وظاهر كلام المؤلف أن الوقف على الكنيسة لا يصح ولو من أهل الكنيسة، فلو كان هناك ذمي نصراني وقّف شيئًا من أملاكه على كنيسته فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يصح.
ولكن الصحيح أنه يصح؛ لأن إقرارنا إياهم على الكنيسة والتعبُّد بها يجب أن يكون إقرارًا على ما يتعلق بها من المصالح، والمال ليس مالنا نحن حتى نقول: لا يمكن أن نصرف مال المسلم في معابد الشرك، المال ماله هو، وهو يعتقد أن هذا دين، ونحن نُقِرُّهم على دينهم أو لا؟
نقرُّهم على دينهم، ولهذا كان القول الثاني في المسألة أنه يصح الوقف على الكنيسة من أصحاب الكنائس، (وكنيسة) ويش بعدها؟
(ونسخ التوراة والإنجيل).
الطالب: عندي (وبيعة).
الشيخ: إي نعم، عندنا (وبيعة وبيت نار وصومعة)، لكن مشطوب عليها، هذا ظاهر من الشرح.
على كل حال القاعدة العامة حتى لو فُرِضَ أن الماتِن ما ذكرها، عندنا قاعدة عامة، كل بيوت الكفر لا يجوز من المسلم أن يُوقِف عليها شيئًا، ليش؟ لأن هذا من التعاون على الإثم والعدوان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
قال: (ونَسْخ التوراة والإنجيل وكتب زندقة)، أيضًا لا يجوز الوقف على نسخ التوراة والإنجيل وكتب الزندقة.
نسخ التوراة والإنجيل لا يجوز لأحد أن يُوقِف عليه شيئًا؛ أما من مسلم فالأمر ظاهر أنه لا يجوز لأي واحد من المسلمين أن يوقف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، وذلك لأن هذه الكتب كتب محرَّفة من حيث ذاتُها، كتب منسوخة من حيث أحكامها، فلا يُعْتَمَد عليها إطلاقًا، فهي منسوخة، وما فيها من حق فقد تضمنته الشريعة الإسلامية، وهي أيضًا محرَّفة لا يوثَق بها، فاليهود والنصارى كلهم حرَّفوا كتبهم وغيَّرُوها.
إذن لا يجوز لمسلم أن يوقِف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، وهل يجوز لغير المسلم أن يوقِف شيئًا على نسخ التوراة والإنجيل، كالنصراني –مثلًا- يوقف شيئًا من أملاكه على نسخ الإنجيل؟
نقول: في هذا تفصيل؛ إن كان على نسخه ونشره فإننا نمنعه؛ لأننا نمنع النصارى من نشر كتبهم بين المسلمين، وإن كان على نسخه لينتفع به النصارى فقط فهذا لا بأس به.