طالب: إي، وهذا يستطيع.
الشيخ: هذه المشقة ما هي باستطاعة؛ لأنه ما فيه أحد مريض إنه نقول: ما يقدر أبدًا، ينزل يجيب ناس مثل ما فعل الصحابة، كان الرجل يؤتى به يُهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصف، ثم إن الإنسان قد يكون إذا وصل إلى المسجد، وإذا تعبان، يكون فيه قلق في أداء الصلاة، يكون معه خفقان في القلب، ولا دوخة في الرأس، لكن لو صلى في بيته يكون مستريحًا.
طالب: شيخ، لو خاف خروج الوقت ويدافعه الأخبثان، (... )؟
الشيخ: هذه الأعذار إنما هي في ترك الجمعة والجماعة، لا في الوقت، الوقت لا بد أن يصلي على كل حال.
طالب: (... ) قال: إن في طريقه سباع وهوام، (... )؟
الشيخ: إي، بس ما تضره، هو قال: إن المدينة كثيرة السباع والهوام (18)، لكن ما قال أنها تضرني، لو قال: تنهشني، كان يكون فيه حُجَّة على رد كلام الفقهاء.
طالب: بالنسبة لو أمام بابه كلب عقور؛ يعني يخشى على نفسه منه، نقول له: ائتِ لك بعصا؟
الشيخ: إذن معناه ما صار عذر، ما يخاف، إذا كان هذا الكلب يمكنه أن يندفع بالعصا، نعم، ما خاف الضرر.
طالب: شيخ، قلنا: لو كان خاف على دابته عبرنا بترك الجماعة، ولا يترك الصلاة، يمكن سامع الشريط يقوم تارك الصلاة.
الشيخ: ليترك الصلاة مع الجماعة، نتكلم عن العذر في الجماعة.
طالب: إي نعم، بس أنت قلت: ترك الصلاة.
الشيخ: لا، ترك الصلاة في الجماعة، كل الكلام هذا في عذر الجماعة.
طالب: شيخ، حديث ابن عباس لما سمع النداء (... ) هذا عام يا شيخ، يخصصه (... ).
الشيخ: هذا عذر؛ لأن كلمة عذر هذه كلمة عامة.
طالب: شيخ، إذا كان يخشى أن يموت مثلًا قريبه، بس موجود معه من يُلقِّنه الشهادة.
الشيخ: هذا الظاهر ما هو بعذر؛ لأنه حتى الرجل في مثل هذه الحال لو ذهب لم ينشغل قلبه.
طالب: نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المصنف -رحمه الله تعالى- فيمن يُعذر بترك الجمعة والجماعة: أو من فوات رفقة، أو غلبة نعاس، أو أذًى بمطر، أو وحل وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ذكر المؤلف رحمه الله أنواعًا من الأعذار المسقطة للجماعة والجمعة، فمنها: المرض، فما دليله؟ دليل أن المرض مُسقط للجمعة والجماعة.
طالب: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وحديث.
الشيخ: وهذا دليل عام.
طالب: دليل عام.
الشيخ: طيب، الخاص؟
طالب: الدليل الخاص أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مرض خلف أبا بكر يصلي بالناس.
الشيخ: طيب.
طالب آخر: دليل آخر من الكتاب: ﴿وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾، وكذلك قول ابن مسعود: لا يتخلف عنها إلا منافق أو مريض.
الشيخ: رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض (19).
طيب، مدافع أحد الأخبثين: الدليل؟
طالب: الدليل قوله صلى الله عليه وسلم.
طالب آخر: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (20).
الشيخ: نعم، من حضره طعامٌ يشتهيه.
طالب: حاله معذور.
الشيخ: معذور، الدليل؟
الطالب: ومن يشق..
الشيخ: الدليل، ما هو التعليل.
الطالب: هذا هو.
الشيخ: لا، الدليل من الكتاب والسنة، والتعليل من العقل.
الطالب: نعم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَضَرَ العَشَاءُ فَابْدَؤُُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ» (21). وابن عمر رضي الله عنه هو حريص على السنة كثيرًا منا، وهو في ذات يوم حضر العشاء وأكل وترك الصلاة (22).
الشيخ: وهو يسمع قراءة الإمام.
طيب، هل نحن قيدنا كلام المؤلف بقيد؟
طالب: نعم يا شيخ، قيد.
الشيخ: وهو؟
طالب: الشرط الأول: ألا يكون هذا عادة.
الشيخ: نعم.
الطالب: والثاني: إذا يتمكن تناوله عليه.
الشيخ: أحسنت، فإن لم يمكن تناوله فلا فائدة من ترك الجماعة، تمام.
طالب: وهو السائل مثلًا (... ).
الشيخ: تمام.
إذا خاف من ضياع ماله هل يُعذر؟
طالب: نعم، يعذر في ترك الجمعة والجماعة.
الشيخ: ما الدليل؟
الطالب: الدليل قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (23).
الشيخ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
صح، فيه دليل قياسي؟
طالب: إي نعم، أنه من شغل القلب، والأمر الذي يختص بنفس الصلاة أهم من الأمر الذي يختص بـ..
الشيخ: يعني إذا كان الشارع نهى عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين أو حضور الطعام فالعلة انشغال القلب، نظير هذا لما نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن القضاء في حال الغضب (24) قاس العلماء عليه كل ما يُشغل القلب.
يقول المؤلف: إن الخوف من ملازمة الغريم عذر في ترك الجماعة، ويش صورة المسألة؟
طالب: صورة المسألة يعني إن كان هناك غريم، وكان عنده ما..
الشيخ: غريم يعني مطلوب ولَّا طالب؟
الطالب: طالب، وليس عنده مال، يعني معسر هو، لم يستطع دفع الدين، وكان هذا الغريم إذا خرج من منزله يلازمه كل يوم، فإنه يُعذر في ترك الجماعة.
الشيخ: العلة؟
الطالب: العلة: أذاه، يؤذيه.
الشيخ: التأذي به وإشغاله.
إذا كان عنده ما يُوفي به، فهل يُعذر بذلك؟
طالب: لا يعذر.
الشيخ: لا يعذر؛ لأنه؟
الطالب: لأنه مستطيع.
الشيخ: يتخلص منه بوفائه، وينتهي الأمر.
إذا كان الإنسان يخشى أن تفوته الرحلة في الطائرة، هل يعذر؟
طالب: نعم، يعذر.
الشيخ: من أين أخذته من كلام المؤلف؟
الطالب: أو فوات رفقة.
الشيخ: (أو فوات رفقته).
ألا نقول له: إذا فاتتك هذه الرحلة فالرحلة التي بعدها.
طالب: إذا كان يحتاج له ضرورة؛ يعني نقول له بالعذر، وإذا كان الأمر فيه واسع نقول له: أجلها.
الشيخ: أجِّلها.
الطالب: إلا إذا كان يعني يوجد طائرة بعد ساعتين أو ثلاث، أو ينوي أن يصلي.
الشيخ: قد يحصل له الركوب وقد لا يحصل.
طالب: شيخ، ما يلزمه أن يؤجل الرحلة.
الشيخ: لا يلزمه؛ لأنه قد يفوت مقصوده، وقد لا تأتي الرحلة المقبلة.
بسم الله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (أو كان يخاف من فوات رفقته) إذا كان يخشى من فوات الرفقة فهذا عذرٌ لوجهين:
الوجه الأول: أنه يفوت مقصوده بذلك.
والثاني: أنه يُشغل قلبه؛ لأن الإنسان سوف ينشغل، وقِسْ نفسك فيما لو كنت تسمع تشغيل السيارة وأنت تصلي، فإنك تجد نفسك في حال قلق، تخشى أن تفوتك السيارة، وكذلك الطائرة، فإذا خفت فوات الرفقة فإنك معذورٌ بترك الجمعة وترك الجماعة.
ولا فرق بين أن يكون السفر سفر طاعة أو سفرًا مباحًا؛ فسفر الطاعة كالسفر لعمرة أو حج أو طلب عِلم، والمباح كالسفر لتجارة ونحوها.
قال المؤلف: (أو غلبة نعاس) إذا غلبه النعاس فإنه يُعذر بترك الجمعة والجماعة.
كرجل منهك بعمل أو سفر، فأخذه النوم والنعاس حتى كان يتكلم مع الناس وهو نائم، فيقول: أنا الآن بين أمرين: إما أن أذهب وأصلي مع الجماعة وأنا في غلبة النعاس لا أدري ما أقول، وإما أن أنام حتى آخذ ما يزول به عني النعاس، ثم أصلي براحة.
نقول: افعل الثاني.
فإن خاف فوت الوقت: قال: أنا أخشى إن نمت أن يفوت الوقت، نقول: صلِّ الآن على كل حال؛ لأن فوات الوقت ليس كفوات الجماعة، كذلك مما يُعذر به: الأذى بمطر ووحل، إذا كان يتأذى بالمطر؛ يعني أن السماء تمطر، وإذا خرج تأذى بالمطر، فهو معذور، وما هو الأذية بالمطر؟
الأذية بالمطر: إما أن يتأذى ببل ثيابه، أو ببرودة الجو، أو ما أشبه ذلك، فنقول: إنك الآن معذور، وكذلك لو خاف التأذي بوحل، وكان الناس في الأول يعانون من الوحل؛ لأن الأسواق طين تربص مع المطر؛ ويحصل فيها الوحل والزلق، فيتعب الإنسان في الحضور إلى المسجد، فإذا حصل هذا فهو معذور.
أما في وقتنا الحاضر فإن الوحل لا يحصل به تأذٍّ؛ لأن الأسواق مسفلتة، وليس فيها طين، وغاية ما هنالك أن تجد في بعض المواضع المنخفِضة مطرًا متجمعًا، لكن هذا لا يضر، لا يتأذى به الإنسان لا في ثيابه، ولا في قدميه، فالعذر في الوقت الحاضر فيما يتعلق بالسيل إنما يكون بماذا؟
الطلبة: بالمطر.
الشيخ: بنزول المطر، فإذا كانت السماء صاحية وانقشع الغيم فلا عذر في الوحل، لكن في بعض القرى التي لم تكن سُفلتت العذر موجود، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام ينادي مناديه في الليلة الباردة والمطيرة: «أَنْ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ» (25).
وفُهم من قوله: (أو أذًى بمطر) أنه لو لم يتأذَّ به بأن كان مطرًا خفيفًا؛ فإنه لا عُذر له، بل يجب عليه الحضور، وما أصابه من نوع من المشقة فإنه يُثاب عليه ويؤجر عليه.
قال: (وبريح باردة شديدة في ليلة مظلمة) قال: (بريح) انتبه للشروط (ريح باردة) هذا وصف، (شديدة) وصفان، (في ليلة مظلمة).
أما الأول: وهو كون الريح باردةً، فلا بد منه؛ لأن الريح الساخنة ليس فيها أذًى ولا مشقة، والرياح الباردة بالنسبة لنا في هذه المنطقة من الكرة الأرضية، الرياح الباردة هي التي تأتي من الشمال؛ لأننا نحن الآن إلى القطب الشمالي أقرب منا إلى القطب الجنوبي، وفي الجهة الجنوبية من الأرض تكون الرياح الباردة هي التي تأتي من الجنوب، بالعكس، عكس المنطقة الشمالية من الكرة الأرضية، فإذا كانت الرياح شمالية وشديدة فهي عذر بلا شك؛ لأنها تؤلم أشد من ألم المطر، لكن القيد الثالث قال: (في ليلة مظلمة)، هذا القيد ليس عليه دليل؛ لأن الحديث الذي استدلوا به حديث ابن عمر: فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوِ الْمَطِيرَةِ (26)، وليس فيه اشتراط أن تكون الليلة مظلمة؛ ولأنه لا أثر للظلمة أو النور في هذا الأمر، هل الظلمة تزيد من برودة الجو؟
لا تزيد، والصحو لا يزيد من سخونة الجو في الليل، إذن فالصحيح أنه إذا وُجدت ريحٌ باردةٌ شديدةٌ تشق على الناس فإنه يجوز لهم الجمع، وهو أوْلى من الجمع للتأذي بالمطر، ويعرِف ذلك من قاساه.
أما في أعوامنا الأخيرة هذه فلم يأتِ برد يُوجب أو يُسوِّغ الجمع، لكن يأتي فيما مضى ليالٍ يشق على الناس الحضور إلى المساجد أكثر مما يشق الحضور إلى المساجد في ليالي المطر.
ومع هذا فإن المشقة بالبرد يلحقها مشقة أخرى، وهي أن الغالب أنه في البرد يكثر نزول البول؛ فيتعب الإنسان منه، فإذا توضأ شق عليه الوضوء مع البرودة، لا سيما وأنه في الزمن السابق ليس هناك سخانات تُسخِّن الماء، أحيانًا يكون الماء شديد البرودة جدًّا؛ فلهذا نقول: إنه ما دامت العلة هي المشقة، فإن المشقة تحصل بالريح الباردة الشديدة، أما الريح الخفيفة العادية فليس فيها مشقة.
هل يُعذر الإنسان بتطويل الإمام؟
الجواب: نعم، يُعذر بتطويل الإمام إذا كان طولًا زائدًا على السنة؛ ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوبخ الرجل الذي انصرف من صلاته حين شرع معاذٌ في سورة البقرة، بل وبخ معاذًا (27).
فإذا كان هذا الإمام يطول تطويلًا زائدًا على ما جاءت به السنة فالإنسان معذور في ترك الصلاة خلفه، وإذا لم يوجد مسجد آخر سقط عنه وجوب الجماعة.
طيب سرعة الإمام سرعة تمنعه من فعل ما يجب هل يكون عذرًا في ترك الجماعة؟
الجواب: نعم، يكون عذرًا، بل هذا من باب أوْلى أن يكون معذورًا.
فنقول: إذا كان إمام المسجد يُسرع إسراعًا لا يتمكن به الإنسان من فِعل الواجب، فإنه معذور بترك الجماعة في هذا المسجد، لكن إن وجد مسجد آخر تقام فيه الجماعة وجبت عليه الجماعة في المسجد الثاني.
إذا كان الإمام فاسقًا بحلق لحية، أو شرب دخان، أو إسبال ثوب، فهل هو عذر في ترك الجماعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا، إن قلنا بأن الصلاة خلفه لا تصح -كما هو المذهب- فهو عذرٌ لا شك، أذهب فأصلي مع شخص لا تصح صلاتي خلفه، إذن ما الفائدة؟ فهو عذر.
وأما إذا قلنا بصحة الصلاة خلفه -وهو الصحيح- فإن ذلك ليس بعذر؛ لأن الصلاة خلفه تصح، وأنت مأمور بحضور الجماعة.
إذا كان الإنسان مجرمًا، وخاف إن خرج أن تمسكه الشرطة، فهل هو عذرٌ؟
طلبة: لا، ليس عذر.
الشيخ: ليس بعذر، إي، لماذا؟
طلبة: يجب عليه (... ).
الشيخ: لأنه حق عليه، أما إذا كان مظلومًا فإنه عذرٌ، لو كان الإنسان مظلومًا يعرف أنه ليس منه جناية، ولكن تتحراه رجال الشرطة ظلمًا فهو معذور في ترك الجماعة، يصلي في بيته؛ لأنه مظلوم.
إذا كان في طريقه إلى المسجد منكراتٌ؛ كتبرج النساء، وشرب الخمر، وشرب الدخان، وما أشبه ذلك، فهل هذا عذر؟
الطلبة: لا، مع تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
طالب: إن كان يقدر على تغيير هذا المنكر.
الشيخ: لا، ما يقدر.
الطلبة: ليس بعذر.
الشيخ: ليس بعذر، إي نعم.
طالب: إن كان إذا رأى هذا المنكر لا يستطيع أن يصبر عليه فيكون له عذر، بعض الناس يرى المنكر ما يستطيع يصبر، إما أن ينكره أو.
الشيخ: أو أيش؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: إما أن ينكره أو أيش؟
طالب: فيه ناس ما يستطيع يصبر، لازم يفعل شيئًا.
الشيخ: ويش لازم؟
طالب: لازم يفعل شيئًا، قد يودي نفسه بهلكة.
الشيخ: يعني بغير اختياره؟
طالب: إي نعم، يعني إذا رأى المنكر ما يستطيع يصبر.
الطلبة: إما يضرب.
الشيخ: والله على كل حال، إذا كان أن الرجل يعرف من نفسه أنه إذا رأى المنكر انفجر، وضرب وشتم وصرخ وزعق، فهذا قد يقال: إن هذا عذر؛ لأنه في هذه الحال ربما يضر نفسه، أما إذا كان الرجل عنده غيرة، وعنده اتزان وحكمة يملك نفسه؛ فليس بعذر، نقول: اخرج وانهَ عن المنكر ما استطعت، فإن انتهى الناس فلك ولهم، وإن لم ينتهوا فلك وعليهم.
إذا طرأت هذه الأعذار في أثناء الصلاة، فهل له أن ينفرد؟ يعني مثلًا في أثناء الصلاة أصابه مدافعة الأخبثين، هل له أن ينفرد؟
نعم، له أن ينفرد، إلا إذا كان لا يستفيد بانفراده شيئًا؛ بمعنى أن الإمام يُخفِّف تخفيفًا بقدر الواجب، ففي هذه الحال لو انفرد هل يستفيد شيئًا؟
طالب: لا.
الشيخ: لأنه لو خفَّف فالإمام مثله، لا يستفيد شيئًا بانفراده، هل له أن يقطع الصلاة؟
نعم، له أن يقطع الصلاة، له أن يقطعها، إذا حصل هذا العُذر فله أن يقطع الصلاة؛ لأنه لا يمكنه أن يكملها على الوجه المطلوب منه، إلا إذا كان لا يستفيد من قطعها شيئًا؛ فإنه لا يقطعها، لو فرضنا أنه يخشى من ملازمة الغريم، وخرج من بيته إلى المسجد ولم يجد الغريم، لكن في أثناء الصلاة سمع الغريم يقول: جابك الله، في هذه الحال هل ينصرف أو لا ينصرف؟
الطلبة: لا ينصرف.
الشيخ: ليش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إذا انصرف يمسكه أحسن، ففي هذه الحال لا ينصرف.
لا، فإذا كان لا يستفيد من التخلص من الصلاة فإنه لا يقطعها، أما إذا كان يستفيد فهو عذر.
هل هذه الأعذار عذرٌ في إخراج الصلاة عن وقتها؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، ليست عُذرًا، على الإنسان أن يصليها في الوقت على أي حال كان، إلا أن بعض أهل العلم قال: إن مدافعة الأخبثين عذرٌ في إخراج الصلاة عن وقتها؛ وذلك لأن حبس الأخبثين يكون به ضررٌ على الإنسان، ليس مجرد أنه محتاج إلى التخلي، ولكنه يصيبه الضرر.
وبعض الناس أيضًا يحس إذا حبس الأخبثين، ولا سيما البول، يحس بخفقان شديد في القلب، فيخشى على نفسه منه، فيقول بعض العلماء: إن مدافعة الأخبثين عذر حتى في إخراج الصلاة عن الوقت، ولكننا نقول: إذا كانت هذه الأعذار في الصلاة الأولى التي تُجمع لما بعدها، فإن هذه الأعذار تُبيح الجمع، وهذه فائدة مهمة، هذه الأعذار التي تبيح ترك الجمعة والجماعة تبيح الجَمْع.
وحينئذٍ إذا حصلت لك في وقت الصلاة الأولى ممكن أن تنوي الجمع، وتؤخر الصلاة إلى وقت الثانية؛ لأن ما عُذر فيه بترك الجماعة جاز فيه الجمع؛ لعموم حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: جَمَعَ النبي صلى الله عليه وسلم في المدينةِ بين الظُّهرِ والعصرِ، وبين المغربِ والعشاءِ مِن غير خوفٍ ولا مطرٍ، قالوا: ماذا أرادَ بذلك؟ قال: أرادَ ألا يُحرِّجَ أُمَّتَهُ (28) يعني ألا يلحقها الحرج في ترك الجمع.
الآكل للبصل؛ هل يعذر بترك الجمعة والجماعة؟
الطلبة: إي نعم، فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
طالب: إذا كان مثلًا وقت الصلاة قريبًا، فما ينبغي أن يأكل بصلًا بحيث يمتنع عن الخروج لصلاة الجماعة.
الشيخ: المهم أنه أكل، أكل لا لقصد أن يدع الجماعة؛ لأننا نقول: هذا التفصيل الذي أشار إليه هذا بالنسبة لأكل البصل، هل يجوز أو لا؟
نقول: إن قصد بأكله البصل ألا يصلي مع الجماعة فهذا حرامٌ، أما إذا قصد بأكله البصل التمتع به، وأنه يشتهيه، فليس بحرام، كالمسافر في رمضان إذا قصد بالسفر الفطر حرُم عليه، وإن قصد السفر لغرض غير ذلك فله الفطر.
فنقول: هذا الذي أشار إليه بالنسبة لأيش؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: للأكل وعدمه، أما بالنسبة لعدم حضوره المسجد فإننا نقول: لا يحضر، لكن لا لأنه معذور، لكن لا يحضر دفعًا لأذيته.
الأعذار التي ذكرها المؤلف هذه أعذار تُسوِّغ للإنسان أن يدع الجماعة؛ لأنه متصف بما يعذر به أمام الله، أما من أكل بصلًا أو ثومًا فلا نقول: إنه معذورٌ بترك الجمعة والجماعة، ولكن نقول: لا يحضر دفعًا لأذيته.
وهناك فرق بين هذا وهذا؛ لأن هذا المعذور يُكتب له أجر الجماعة إذا كان من عادته أن يصلي مع الجماعة، يُكتب له الأجر كاملًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (29).
أما آكل البصل والثوم فلا يُكتب له أجر الجماعة، لماذا؟ لأننا إنما قلنا له: لا تحضر دفعًا للأذية؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسَانُ» (30).
عندي أشياء بعد ذكرها غير مسألة البصل، يقول رحمه الله: (إذا كان الإنسان فيه بخرٌ) (بخر) تعرفون البخر؟ رائحة منتنة في الفم، أو في الأنف تؤذي، هل نقول: إنه لا يصلي مع الجماعة، أو يحضر ولو آذى الناس؟
نقول: لا يحضر دفعًا لأذيته، لكن هذا ليس كآكل البصل؛ لأن آكل البصل فعل ما يتأذى به الناس باختياره، أما هذا فليس باختياره، وقد نقول: إن هذا الرجل يُكتب له أجر الجماعة؛ لأن هذا بغير اختياره، معذور.
وقد نقول: إنه لا يُكتب له أجر الجماعة؛ لكنه لا يأثم، كما أن الحائض تترك الصلاة بأمر الله، ومع ذلك لا يكتب لها أجر الصلاة، فإن النبي عليه الصلاة والسلام جعل تركها للصلاة نقصًا في دينها.
من شرب دخانًا، وكان فيه رائحة مزعجة تؤذي الناس؛ لأن الدخان ينقسم: بعضه رائحته ليست كريهة، وبعضه رائحته كريهة، الرخيصة منه رائحته كريهة، والغالي ليست رائحته كريهة.
طالب: نسبية.
الشيخ: نسبية، على كل حال، كل شيء نسبي.
رِيحُ الْوَرْدِ مُؤْذٍ فِي الْجُعَل، وريح العذِرَة يُكيَّف عليه، فالأمر نسبي.
على كل حال، عامة الناس تؤذيهم رائحة الدخان في أكثر الأحيان، فإذا علم هذا الرجل أن فيه رائحة تؤذي المصلين فإنه لا يحل له أن يؤذيهم، ويأتي إليهم.
وهذا لعله يكون فيه فائدة، وهو أن هذا الرجل الذي يشرب الدخان لما رأى نفسه محرومًا من صلاة الجماعة ربما يكون هذا سببًا في توبته منه، وهذه مصلحة قد تكون ملاحظة بالنسبة لشارب الدخان.
من فيه جروح منتنة، وأنا أخبركم بأنه فيما مضى يكون في الإنسان جروح منتنة؛ لأن المطهرات ما هي موجودة، والمستشفيات غير موجودة، حتى إن بعضهم من حين ما يقبل عليك وفيه هذا الجرح تتقذذ، تكره رائحته، هل يُعذر أو لا؟
الطلبة: يعذر.
الشيخ: نعم، هذا يُعذر؛ لكنا لا نقول: عذر كعذر المريض وشبهه، إلا إذا كان يتأخر عن صلاة الجماعة خوفًا من ازدياد ألم الجرح؛ لأن الروائح أحيانًا تؤثر على الجروح، تزيدها، فهذا يكون معذورًا، ويدخل في قسم المرضى.
المهم، خلاصة الباب هذا أو الفصل أن هذه الأعذار تُسقط وجوب الجماعة، ومن كان من عادته أن يصلي مع الجماعة، ولكن طرأت له هذه الأعذار فإنه يُكتب له الأجر كاملًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (29).
وأما من تأذى الناس به فإنه لا يعذر كما يُعذر المريض، فلا ينال الأجر، لكنه يمنع دفعًا لأذاه.
طالب: صحيح هذا الاصطلاح: الكرة على الأرض.
الشيخ: إي.
طالب: معناه؟
الشيخ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 5]، التكوير.
الطالب: كرة.
الشيخ: إي نعم، بس ما هي كرة يلعب بها الناس، لكنها شكلها شكل كرة إلا أنها يقولون: من جهة الشمال ومن جهة الجنوب منبعجة بعض الشيء؛ يعني بيضاوية، ما هي كروية مئة في المئة، بيضاوية.
الطالب: يعني نسلم لهم بهذا؟
الشيخ: كيف ما نسلم، هذا لو ينكره أحد ضحك الناس عليه، الآن لو تقول: إن جدة متجهة للغرب على خط مستقيم رجعت إلى جدة، ما تجد شيئًا يردك، لكن لو تروح من الجنوب إلى الشمال تجد شيئًا يردك وهو المناطق القطبية الجليدية التي لا يصل إليها أحد.
طالب: شيخ.
طالب: (... ).
الشيخ: من؟ أنا أود، بس أنا عارف، عندي إلمام بكل العلوم حصل؟ لكن ما حصل.
طالب: (... ) حضر الطعام إلا إن كان معتادًا هذا الأمر.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لكن مثلًا في رمضان، يعني عند الفطور يعني كثيرًا يدعي أنه محتاج للطعام.
الشيخ: إي نعم، يقول: بعض الناس في رمضان إذا أفطر أو في الصيام مطلقًا إذا أفطر فإنه يتعشى عند الفطور، فهل يُعذر؟
إذا كانت نفسه تتوق إلى ذلك، وينشغل قلبه يُعذر؛ لأنه لا يتمكن من تقديم العشاء، ولكني أنا أرى أنه من الناحية الطبية الأفضل ألا يتعشى؛ لأن كون المعدة خالية، ثم يأتيه الطعام على وجه الشبع في آنٍ واحد ليس من المستحسن طبًّا.
إذن يأخذ ما تيسر من التمرات، ومن الماء، ومن القهوة، ثم يطلع لصلاة المغرب.
طالب: شيخ، إذا كان هناك صبيان في المسجد يا شيخ يلعبون إذا أقيمت الصلاة، فهل نقول لأحد الجماعة إنه يقطع الصلاة (... ) قياسًا على مدافع الأخبثين؟
الشيخ: إذا قطع الصلاة وقال: يا صبيان، لا تلعبوا.
الطالب: ينتظر يا شيخ، ما يصلي.
الشيخ: يعني يترك الصلاة مرة؟
الطالب: نعم.
الشيخ: إي، والله هذا قد يكون بالنسبة لمن له ولاية ورعاية مثلما يوجد في بعض المدارس الآن، يقف بعض المدرسين حتى تنتهي الصلاة؛ من أجل الرعاية للطلبة، فهذا له وجه، لكن بالنسبة للمسجد أنت كغيرك من الناس، إلا أن يوكل إليك الأمر.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، طيب هل فيه أحد يمكن أن يصلي معه؟ ولماذا لا نمنع الصغار من الأصل ما ندخلهم؟
الطالب: ما نستطيع، ما يدخلون إلا إذا أقيمت الصلاة.
الشيخ: إي، والله ما أدري تحتاج إلى تأمل.
طالب: لو كان هناك مرضى معذورون في مستشفى، هل يلزمهم في الفروض أن يصلوا جماعة (... )؟
الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: إذا كان هناك مرضى في مكان واحد، وقلنا: لا يلزمكم حضور الجماعة، فهل يلزمهم أن يقيموا الجماعة في مكانهم، أو لا يلزمهم؟
الظاهر أنه يلزمهم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمالك بن حويرث ومن معه: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا وَصَلِّيَا» (31)، وهم ليسوا في المسجد، هم في البر، فالظاهر أنه تلزمهم الجماعة، ويكون الذي يسقط عنهم هو الحضور إلى المسجد.
طالب: أعمى إذا ما عنده واحد، يقوده يودي إلى المسجد، والبلد سيارات كثيرة مثلًا، يعني..
الشيخ: يخاف على نفسه، يعذر إذا كان يخاف على نفسه، أما إذا كان البلد أهلها متزنون يعني ما فيهم مثلًا تهور في السياقة -سياقة السيارة- فهو ما عليه.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا كان يستطيع أن يزيل الرائحة من فمه، ثم يتدخل، أو يضع مثلًا روائح طيبة، هل نقول: يجب عليه ذلك؟
الشيخ: إي نعم، يجب عليه؛ لأن إزالة المانع واجب.
الطالب: إذن يلزمه الجماعة.
الشيخ: يلزمه الجماعة؛ لأنه هو دفع لأذاه، فإذا كان حصل ما يزيل الأذى وجبت عليه الجماعة.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- إذا هجر الجماعة أو إمام المسلمين رجل، هل تسقط الجماعة؟
الشيخ: ماذا تقولون؟ يقول: إذا هجره الناس بأمر إمام المسلمين..
﴿باب صلاة أهل الأعذار﴾ تَلْزَمُ المريضَ الصلاةُ قائمًا، فإن لم يَسْتَطِعْ فقاعدًا، فإن عَجَزَ فعلى جَنْبِه، فإنْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا، ورِجْلَاه إلى القِبْلَةِ صَحَّ، ويُومِئُ، راكعًا وساجدًا ويَخْفِضُه عن الركوعِ، فإن عَجَزَ أَوْمَأَ بعَيْنِه، فإنْ قَدَرَ أو عَجَزَ في أَثنائِها انْتَقَلَ إلى الآخَرِ، وإن قَدَرَ على قِيامٍ وقُعودٍ دونَ رُكوعٍ وسُجودٍ أَوْمَأَ برُكوعٍ قائمًا وسُجودٍ قاعدًا
طالب: إذا كان يستطيع أن يزيل الرائحة من فمه مثلما يتلثم أو يضع مثلًا روائح طيبة، هل نقول: يجب عليه ذلك؟
الشيخ: إي نعم، يجب عليه؛ لأن إزالة المانع واجبة.
الطالب: يلزمه الجماعة؟
الشيخ: يلزمه الجماعة؛ لأنه هو دفع لأذاه، فإذا كان حصل ما يزيل الأذى وجبت عليه الجماعة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا هجر الجماعة أو إمام المسلمين رجل هل تسقط الصلاة عنه؛ الجماعة؟
الشيخ: ماذا تقولون؟
طلبة: ماذا السؤال؟
الشيخ: يقول: إذا هجره الناس بأمر إمام المسلمين -كما حصل لكعب بن مالك- هل يعذر بترك الجماعة؟
طالب: كعب يصلي مع الجماعة.
الشيخ: لا، يترك الجماعة، يتركها أحيانًا، كما صلى الفجر في بيت من بيوته لما جاءه البشير، على كل حال بعض العلماء يقول: إذا كان يتأذى بذلك فله أن يتخلف، أما إذا كان لا يتأذى -لأن بعض الناس ما يهمه هجره الناس أم لم يهجروه- فإنه لا يجوز أن يتخلف.
طالب: شيخ، إذا وجد الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر واحد رجل في السوق، وقال: والجماعة (... ) وأنت في السوق من أجل أيش؟ وهو يقول: عندي نعلين نخاف أن يضيع في المسجد؛ لأن النعول هناك كثيرة، وبعض (... )؟
الشيخ: النعول يأخذها ويحطها تحت قدميه ويصلي.
الطالب: يعني: ما هو حق في المسجد؟
الشيخ: لا، فيه.
الطالب: إذن (... ).
الشيخ: لا، يصلي (... ) ولا يحطهم تحت قدميه عنده (... ).
ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
رجل خائف من ملازمة غريمه ومعه ما يوفيه به، هل يعذر؟
طالب: لا يعذر.
الشيخ: لا يعذر؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه عنده ما يوفي به الدين.
الشيخ: يعني: يمكنه أن يتخلص.
الطالب: يمكنه أن يتخلص.
الشيخ: من الملازمة.
الطالب: بوفاء غريمه.
الشيخ: بوفاء غريمه، أحسنت.
إذا كان هناك ريح شديدة باردة يتأذى بها المصلي في النهار، ماذا تقول؟
الطالب: نعم، يعذر (... ).
الشيخ: يعذر، من أين أخذته من كلام المؤلف؟
الطالب: قوله: (ريح باردة شديدة)، ثم قوله: (ليتمنه) فهذا.
الشيخ: من كلام المؤلف؟
الطالب: قوله: (بريح باردة شديدة).
الشيخ: ما قال: (في ليلة مظلمة)؟
الطالب: قلنا عن الشرط (... ).
الشيخ: لا، أنا أقول: من أين أخذت من كلام المؤلف؟ وكلامك خلاف كلام المؤلف.
الطالب: المؤلف كلامه أنه قام صلى في الليل.
الشيخ: في الليلة المظلمة، أما الليلة المقمرة فعلى كلامه؟
الطالب: أنه لا يعذر.
الشيخ: أنه لا يعذر، وكذلك في النهار لا يعذر.
هل هناك قول آخر؟
طالب: (... ).
الشيخ: ولو في غير الليلة المظلمة، لماذا؟
طالب: علة (... ).
الشيخ: العلة الأذية وقد حصلت، فلا فرق بين الليل والنهار.
رجل جائع وعنده طعام ليس ملكًا له، فهل يعذر بترك الجماعة؟
طالب: لا يعذر.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأنه ليس ملكًا له.
الشيخ: وإذا لم يكن ملكًا له ما يقدر يأكله؟
الطالب: ما يقدر يأكله يا شيخ؛ لأنه ما هو ملكه.
الشيخ: لا يقدر شرعًا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أقول: لا يقدر شرعًا أن يأكله، وإن كان حسًّا يقدر يأكله؛ كما لو قدم الفطور والإنسان صائم فإنه لا يعذر بترك الجماعة، كذا؟
الطالب: إي نعم؛ لأنه صار له مشغل يشغله يا شيخ.
الشيخ: لكن هذا إنسان -مثلًا- قُدِّم فطور من قبل صلاة العصر، قدمه وبسطوه.
الطالب: ما يعذر؛ لأن حضر الفطور إلا وقته.
الشيخ: يعني لا يعذر؟
الطالب: لا يعذر.
الشيخ: لأنه لا يمكن أن يتناوله.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: تمام.
إذا خاف من السلطان أن يحجزه؛ يعني: أن السلطان يطلبه بغير حق، وخاف إن خرج إلى الصلاة أن يحبسه السلطان، فماذا تقول؟
الطالب: يعذر.
الشيخ: يعذر؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني له أن يتخلف؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: طيب تخلف وقتًا؟
الطالب: ولو عشرة سنة ممكن.
الشيخ: يعني: ولو طال الزمن؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: صح.
[مدخل] قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب صلاة أهل الأعذار)
(الأعذار) جمع (عذر)، والمراد به المرض والسفر والخوف، هذه هي الأعذار التي تختلف بها الصلاة عند وجودها ثلاثة؛ المرض، والثاني السفر، والثالث الخوف.
واختلاف الصلاة هيأة أو عددًا بهذه الأعذار هي من قاعدة عامة في الشريعة الإسلامية وهي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، ومن قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، فكلما وُجِدَت المشقة وُجِد التيسير، ومن القواعد المعروفة عند الفقهاء أن المشقة تجلب التيسير.
إذن (صلاة أهل الأعذار) المراد بهم: المريض والمسافر والخائف، وتغيير الصلاة بهذه الأعذار مأخوذ من القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وأمثال هذه الأدلة كثيرة.
[صلاة المريض]
قال المؤلف رحمه الله: (تلزم المريضَ الصلاةُ قائمًا) (تلزم المريضَ) بالفتحة، (الصلاةُ قائمًا)؛
لأن المفعول به مقدم، كقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: 124] يعني: أنه يجوز تقديم المفعول به على الفاعل ولا ضرر.
(تلزم المريضَ الصلاةُ قائمًا) المريض من؟ هو الذي اعتُلَّت صحته، سواء كانت في جزء من بدنه أو في جميع بدنه؛ فمن اشتكى عينه فهو مريض، ومن اشتكى أصبعه فهو مريض، ومن أخذته الحمَّى فهو مريض.
فإذن المرض: اعتلال الصحة في البدن، أو اعتلال صحة البدن، سواء كان ذلك كليًّا أم جزئيًّا.
وقوله: (الصلاة) تلزم الصلاة قائمًا، المراد بـ (أل) هنا العهد الذهني، وهي الصلاة المفروضة؛ وذلك لأن صلاة النافلة لا تلزم الإنسان لا مريضًا ولا غير مريض قائمًا؛ إذ إنه يجوز للإنسان أن يتنفل وهو جالس، لكن إن كان لعذر أخذ الأجر كله، وإن كان لغير عذر أخذ نصف الأجر.
فالمراد بـ (الصلاة) هنا الفريضة، فـ (أل) فيها للعهد الذهني؛ لأنه من المعلوم عند كل طالب علم أن التي يلزم فيها القيام هي صلاة الفرض.
قوله: (قائمًا) أي: قائمًا على ساقه، وظاهره أنه ولو كان مثل الراكع، أو كان معتمدًا على عصا، أو على جدار، أو على عمود، أو على إنسان، المهم متى أمكنه أن يكون قائمًا وجب عليه على أي صفة كان.
الذي يكون كالراكع؛ مثل لو كان في ظهره مرض لا يستطيع أن يمد ظهره قائمًا، فهنا يصلي ولو كراكع.
الذي يعتمد؛ كشخص ضعيف ليس عنده قوة، لا يستطيع أن يقف إلا معتمدًا على عصا، معتمدًا على جدار كذلك، على عمود، على إنسان.
ولكن لا يجزئ القيام باعتماد تام مع القدرة على عدمه، والاعتماد التام هو الذي لو أزيل العمدة لسقط المعتمد، فإن هذا لا يجزئ ما دام قادرًا على القيام بلا اعتماد؛ لأن الذي يقوم معتمدًا على شيء اعتمادًا كاملًا كأنه غير قائم، لا يجد مشقة القيام.
لكن لو فرضنا أن شخصًا يقول: أنا إما أن أقوم معتمدًا، وإما أن أجلس، أما أن أقوم بلا اعتماد فلا أستطيع، ماذا نقول له؟
الطلبة: صلِّ جالسًا.
الشيخ: نقول: قم معتمدًا على عصا أو جدار أو عمود أو إنسان؛ ولهذا قال: (قائمًا) وأطلق.
(فإن لم يستطع فقاعدًا) (إن لم يستطع) يعني: إن لم يكن في طوعه القيام؛ وذلك بأن يعجز عنه، فإنه يصلي قاعدًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (1)، الدليلان الأولان عامان، والثالث خاص في نفس الصلاة.
وقوله: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» في الحديث وقوله هنا: (فإن لم يستطع) ظاهره أنه لا يبيح القعودَ إلا العجزُ، وأما المشقة فلا تبيح القعود، ولكن الصحيح أن المشقة تبيح القعود، فإذا شق عليه القيام مشقة غير محتملة؛ يعني: بحيث كالقائم على الجمْر فإنه يسقط عنه القيام؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، وكما لو شق الصوم على المريض مع قدرته عليه فإنه يفطر ويدع الصوم، فكذلك هنا إذا شق القيام فإنه يصلي قاعدًا.
ولكن المشقة هل هي منضبطة أو لا؟ لأن بعض الناس قد يكون أحيانًا في تعب وسهر فيشق عليه القيام؟ نقول: المشقة الضابط فيها ما زال به الخشوع فهذه المشقة، وأيش معنى الخشوع؟ يعني: حضور القلب والطمأنينة، فإذا كان إذا قام قلق قلقًا عظيمًا ولم يطمئن، وتجده يتمنى أن يصل إلى آخر الفاتحة ليركع من شدة تحمله، فهذا قد شقَّ عليه القيامُ، فيصلي قاعدًا.
ومثل ذلك الخائف فإنه لا يستطيع أن يصلي قائمًا، كما لو كان يصلي خلف جدار وحوله عدو يرقبه؛ فإن قام تبين من وراء الجدار، وإن جلس اختفى به الجدار عن عدوه، فهنا نقول: له أن يصلي جالسًا؛ لإزالة الخوف، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239]، فأسقط الله عن الخائف الركوع والسجود والقعود، فكذلك القيام إذا كان خائفًا من القيام فله أن يصلي جالسًا.
(فإن لم يستطع فقاعدًا) ولكن كيف يقعد؟ يقعد متربعًا، كمثل جلوسي هكذا متربعًا، وسمي متربعًا؛ لظهور أربعة الأعضاء في هذا الجلوس؛ لأن الساق والفخذ والساق والفخذ كلها بائنة ظاهرة، فلهذا تسمى هذه الصفة من الجلوس: التربع؛ لأن الافتراش يختفي الساق بالفخذ، وأما التربع فتظهر كل الأعضاء الأربعة.
متربعًا، وهل التربع واجب؟ لا، التربع سنة، فلو صلى مفترشًا فلا بأس، ولو صلى محتبيًا فلا بأس؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (1) ولم يبين كيفية قعوده.
فإذا قال الإنسان: هل هناك دليل على أنه يصلي متربعًا؟ فالجواب: نعم، قالت عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي متربعًا (2)، وهذا دليل.
ولأن التربع في الغالب أكثر طمأنينة وارتياحًا من الافتراش، وأنتم تعرفون أن القيام يحتاج إلى قراءة طويلة أطول من قول: رب اغفر وارحمني؛ فلذلك كان التربع فيه أولى.
ومن أجل فائدة أخرى وهي: التفريق بين قعود القيام والقعود الذي في محله؛ لأننا لو قلنا: يفترش في حال القيام لم يكن هناك فرق بين الجلوس في محله وبين الجلوس البدلي الذي يكون بدلًا عن القيام.
في حال القيام يكون متربعًا، في حال الركوع قال بعضهم: إنه يكون مفترشًا، والصحيح أنه يكون متربعًا؛ لأن الراكع قائم قد نصب ساقيه وفخذيه فهو قائم، وليس فيه إلا انحناء الظهر، فنقول: هذا المتربع يبقى متربعًا ويركع وهو متربع، هذا هو الصحيح في هذه المسألة.
(فإن لم يستطع فقاعدًا) إذن (قاعدًا) نقول: كيفية القعود؟
الطلبة: متربعًا.
الشيخ: أن يكون متربعًا.
(فإن عجز فعلى جنبه) هنا قال: (فإن عجز) وفي الأول قال: (فإن لم يستطع) ولا فرق بينهما إلا في اللفظ، فهو اختلاف تعبير.
(فإن عجز فعلى جنبه) أي الجنبين؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (1)، ولم يُبيِّن أي الجنبين يكون عليه، فنقول: هو مخير على الجنب الأيمن أو على الأيسر، والأفضل أن يفعل ما هو أيسر له؛ فإن كان الأيسر أن يكون على جنبه الأيسر فهو أفضل، وإن كان بالعكس فهو أفضل؛ لأن كثيرًا من المرضى -ولا سيما المرضى بذات الجنب- يكون اضطجاعهم على أحد الجنبين أخف عليهم من الاضطجاع على الجنب الآخر، وحينئذٍ يفعل ما هو أيسر وأسهل له؛ لأن المقام مقام رخصة ومقام سهولة.
فإن تساوى الجنبان فالجنب الأيمن أفضل؛ لحديث ورد في ذلك وهو ضعيف، لكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم اختار للنائم أن ينام على الجنب الأيمن (3)، ولأنه يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله (4).
فإذن (على جنبه) نقول: ويفعل ما هو؟
الطلبة: أيسر.
الشيخ: أيسر وأسهل له، فإن تساوى فالجنب الأيمن أفضل.
قال المؤلف: (فإن صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة صح) (إن صلى) أي: المريض، (مستلقيًا) يعني: على ظهره، (ورجلاه إلى القبلة صح) أي: صح هذا الفعل؛ يعني: مع قدرته على الجنب، لكنه خلاف السنة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ».
وتعرفون هذه الصورة؛ إذا صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة أين يكون رأسه؟
الطلبة: عكس.
الشيخ: إلى عكس القبلة؛ إلى الشرق إن كانت القبلة غربًا، وإلى الغرب إن كانت القبلة شرقًا، على كل حال أنه إلى عكس القبلة، يكون الرأس إلى عكس القبلة والرِّجْل إلى القبلة، قالوا: لأن هذا أقرب ما يكون إلى صفة القائم؛ لأن هذا الرجل لو قام أين تكون القبلة؟
طلبة: قِبَل وجهه.
الشيخ: تكون أمامه؛ فلهذا يكون مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة، وظاهر كلام المؤلف أنه يصح مع القدرة على الجنب.
ولكن القول الثاني في هذه المسألة أنه لا يصح مع القدرة على الجنب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن حصين: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (1)، وهذه هيأة منصوص عليها من قِبَل الشرع، وتمتاز عن الاستلقاء بأن وجه المريض إلى القبلة، أما الاستلقاء فوجه المريض إلى السماء، فهي أقرب إلى الاستقبال.
وهذا القول هو الراجح؛ أنه لا تصح الصلاة مستلقيًا إذا كان قادرًا على الصلاة على الجنب الأيمن؛ لأن هذا هو الذي وردت به السنة، ولأن المريض يكون فيه مستقبلًا للقبلة بخلاف الاستلقاء.
إن صلى مستلقيًا ورأسه إلى القبلة؟
طالب: ما تصح.
الشيخ: لا تصح؛ لأنه لو قام؟
الطلبة: لاستدبر القبلة.
الشيخ: لكان مستدبرًا للقبلة.
لو صلى مستلقيًا ورجلاه إلى يسار القبلة أو إلى يمين القبلة؟
طالب: لا تصح.
الشيخ: كذلك أيضًا لا تصح؛ لأنه لو قام لكانت القبلة عن يمينه أو عن يساره، فلا بد إذن أن تكون رجلاه إلى القبلة، وخلاف ذلك أن تكون رجلاه إلى عكس القبلة أو إلى يمين القبلة أو إلى يسار القبلة، وفي هذه الصور الثلاث لا تصح صلاته.
(إن صلى مستلقيًا ورجلاه إلى القبلة صح) هذا القيام، فصار القيام أولًا: يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطيع فعلى جنب، فإن لم يستطع فمستلقيًا ورجلاه إلى القبلة، فهي المرتبة الرابعة على القول الراجح، أما على كلام المؤلف فإن المرتبة الرابعة في مرتبة على الجَنب؛ يعني: في المرتبة الثالثة، لكنها مفضولة، والصحيح أنها مرتبة رابعة مستقلة لا تصح إلا عند العجز عن المرتبة الثالثة.
بقي علينا الركوع والسجود والقعود نقول: يصلي قاعدًا، فإن لم يستطيع فعلى جنب، الركوع والسجود قال المؤلف: (ويومئ راكعًا وساجدًا ويخفضه عن الركوع) (يومئ) يعني: المريض المصلي جالسًا يومئ في الركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض، وهذا فيما إذا عجز عن السجود، أما إذا قدر عليه فيومئ بالركوع ويسجد، والذي يصلي على الجنب لا يستطيع سوى..، هذا عاجز عن الركوع وعن السجود.
نفرض أنه يصلي قاعدًا نقول: عند الركوع تومئ بماذا؟ تومئ برأسك، ولكن لا بد من انحناء بحيث يقابل وجهه ما وراء ركبته أدنى مقابلة، وتتمتها أن يقابلها مقابلة تامة، الآن هو يصلي قاعدًا، لا بد يكون هكذا؛ يعني: وجهه يقابل ما رواء ركبتيه أدنى مقابلة، تتمتها الكمال؛ يعني: يمتد قليلًا من أجل أن تتم المقابلة؛ لأن الراكع هكذا في حال الركوع يكون وجهه من بين يديه، فكذلك هذا.
في السجود نقول: هو جالس الآن إذا كان يستطيع أن يسجد وجب أن يسجد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فإن لم يستطيع أومأ بالسجود؛ مثل أن يكون المرض في عينه وقد قيل له: لا تسجد، أو يكون المرض في رأسه، وإذا نزَّل رأسه اشتد الوجع وقلق به، نقول هنا: لا تسجد، تومئ بالسجود وتجعل السجود أخفض من الركوع؛ ليتميز السجود عن الركوع، ولأن هذا هو الحال فيمن كان قادرًا، فإن الساجد يكون على الأرض والركوع فوقه.
(يومئ بالركوع والسجود ويخفضه عن الركوع) هذا إذا كان جالسًا، إذا كان مضطجعًا على الجنب فإنه يومئ بالركوع والسجود.
ولكن كيف الإيماء؟ هل هو إيماء بالرأس إلى الأرض بحيث يكون كالملتفت أو إيماء بالرأس إلى الصدر؟
طالب: القول الثاني.
الشيخ: أما فهمتم؟ الآن هو على الجنب هل يومئ يكون كذا؛ يعني: إلى الأرض، أو يومئ كذا إلى الصدر؟
الطلبة: إلى الصدر.
الشيخ: الظاهر أنه إلى الصدر؛ لأن الإيماء إلى الأرض فيه نوع التفات عن القبلة، بخلاف الإيماء إلى الصدر فإن الاتجاه باقٍ إلى القبلة، فيومئ في حال الاضطجاع إلى صدره؛ يعني: يومئ قليلًا بالركوع، ويومئ أكثر في السجود.
فإن كان لا يستطيع أن يحرك رأسه يقول المؤلف: (فإن عجز أومأ بعينه) (إن عجز) يعني: صار لا يستطيع أن يومئ بالرأس، فيومئ بالعين؛ يعني: إذا أراد أن يركع أغمض عينه يسيرًا، ثم إذا قال: سمع الله لمن حمده فتح عينيه، فإذا سجد أغمضها أكثر.
الدليل فيه حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه إذا لم يستطع أومأ بطرفه (5)، لكن هذا الحديث ضعيف؛ ولهذا لم يذهب إليه كثير من العلماء، وقالوا: إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الأفعال، وبعضهم قال: إذا عجز عن الإيماء بالرأس سقطت عنه الصلاة، فهذان قولان، القول الأول..، بل ثلاثة أقوال: إذا عجز عن الإيماء بالرأس؛ القول الأول: يومئ بعينه، القول الثاني: تسقط عنه الأفعال، وتبقى عليه الأقوال، القول الثالث: تسقط عنه الأقوال والأفعال؛ يعني: لا تجب عليه الصلاة أصلًا، والأخير اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أنه إذا عجز عن المرتبة الثالثة وهي الإيماء فإنه تسقط عنه الصلاة.
والراجح من هذه الأقوال الثلاثة أنه تسقط عنه الأفعال فقط؛ لأنها هي التي كان عاجزًا عنها، وأما الأقوال فإنها لا تسقط عنه، لماذا؟ لأنه قادر عليها، وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فنقول: صلِّ، كبِّر واقرأ، وانوِ الركوع، وسبِّح؛ إذا نويت الركوع فسبِّح تسبيح الركوع، وانوِ السجود؛ إذا نويت السجود فسبِّح تسبيح السجود؛ لأن هذه مقتضى القواعد الشرعية ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، فإن عجز عن القول والفعل بحيث يكون الرجل مشلولًا ولا يتكلم، فماذا يصنع؟ سقطت عنه الأقوال والأفعال وبقيت النية، فينوي أنه في صلاة، وينوي القراءة، وينوي الركوع والسجود والقيام والقعود، هذا هو القول الراجح أيضًا، لماذا؟ لأن الصلاة أقوال وأفعال بنية، فإذا سقطت أقوالها وأفعالها بقيت؟
طلبة: النية.
الشيخ: النية، ولأن قولنا لهذا المريض: لا صلاة عليك قد يكون فيه سبب لنسيانه الله؛ لأنه إذا مرَّ عليه يوم وليلة وهو لم يصلِّ ربما ينسى الله عز وجل، فكوننا نشعره بأن هناك صلاة لا بد أن تقوم بها ولو بالنية خير من أن نقول: إنه لا صلاة عليك، وهذا أيضًا مقتضى القاعدة؛ لأن الصلاة نية وأقوال وأفعال، فإذا عجز عن الأقوال والأفعال بقيت النية؛ ولهذا كان المذهب في هذه المسألة أصح من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ حيث قالوا: لا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا، فما دام العقل ثابتًا فإن الصلاة واجبة بما يقدر عليه منها.
بعض العامة يقولون: إذا عجز عن الإيماء بالرأس أومأ؟
الطلبة: بإصبعه.
الشيخ: بالإصبع، فينصبون الإصبع حال القيام، وحال الركوع يركع الإصبع هكذا، وحال السجود يسجد، ينضم، هذا قياس، قالوا: لأنه لما عجز بالكل لزمه بالبعض، والإصبع بعض من الإنسان، فإذا عجز جسمه كله فليكن المصلي الإصبع، والسبَّاحة أولى؛ لأنها التي يشار بها إلى ذكر الله وإلى دعاء الله، فلو أومأ بالوسطى فقياس قاعدتهم أن الصلاة لا تصح؛ لأن السبابة أو السبَّاحة هي المكلفة بأن تصلي، فما رأيكم في هذا القياس؟
هذا قياس لا أصل له؛ لم تأتِ به السنة، ولم يقلْه أهل العلم، ولكن -سبحان الله- مع كونه لم يقله أحد من أهل العلم -فيما نعلم- مشهور عند العامة، يقول: فلان -والله- مريض جدًّا جدًّا يصلي بإصبعه، كنايةً عن عجزه.
ولكننا نقول: ما دامت السنة لم ترد به ولم يتقدم بقوله أحد من العلماء فإنه يجب على طلبة العلم أن يبينوا للعامة بأن هذا لا أصل له.
الآن العين -وهي محل خلاف بين العلماء- سبق لنا أن الصحيح أنه لا يصلي بها، فكيف بإصبع الذي لم ترد به السنة ولا حديث ضعيف ولا صحيح، ولم يقل به أحد من أهل العلم؟ ! إذن هذه هي صلاة المريض، وهو النوع الأول من الأعذار.
ما رأيكم فيما لو كان يعجز عن القيام في الركعة، لكن في بعض القيام يستطيع؛ معنى يستطيع أنه يقف في نصف القراءة، فهل نقول: ابتدئ الصلاة قاعدًا، ثم إذا قاربت الركوع فقمْ، أو نقول: ابتدئها قائمًا، فإذا شق عليك فاجلس؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؟
طالب: على حسب استطاعته، يا شيخ.
الشيخ: هو هذا استطاعته يقول: ما أستطيع كل القيام؛ فإما أن أبدأها قائمًا ثم أجلس عند المشقة، أو أبدأها جالسًا ثم أقوم إذا قاربت الركوع.
طلبة: الأول.
طلبة آخرون: الثاني.
طالب: قيام الرسول صلى الله عليه وسلم لليل.
الشيخ: إي، ويش قال؟
الطالب: كان يجلس، ثم إذا وصل للركوع قام فركع (6).
الشيخ: إي نعم، إذا نظرنا إلى فعل الرسول عليه الصلاة والسلام في قيام الليل أنه كان لما كبر عليه الصلاة والسلام صار يقوم الليل جالسًا، فإذا بقي عليه آيات قام، ثم قرأ وركع، فإذا نظرنا إلى هذا قلنا: السنة أن تبتدئها قاعدًا، ثم تقوم، وإذا نظرنا إلى أن القيام في الفريضة ركن قلنا: ابدأ بالركن أولًا، ثم إذا شق عليك فاجلس، على القاعدة.
ونقول أيضًا: إنه ربما تظن أنه يشق عليك ثم لا يشق، تُعَان على هذا، ربما تتمكن من قراءة الفاتحة وتركع، وإن لم تقرأ ما بعدها من السور.
وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير، فمن نظر إلى فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في قيام الليل رجح أن يصلي جالسًا، فإذا قارب الركوع قام، ومن نظر إلى أن القيام ركن وأن الأولى أن نبدأ بالركن، فإذا عجزنا عنه جلسنا، وتحتاج إلى تحرير وإلى نظر في خلاف العلماء فيها.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية يعتبر هذا المغمى عليه أنه لا يقضي الصلاة (... )؟
الشيخ: لا، المغمى ما عنده عقل.
الطالب: يعني يقضي..
الشيخ: إي، الصحيح أنه لا يقضيها.
طالب: ما هو المانع -يا شيخ- من تقديم وأومأ الطرف؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: العمل بالطرف، خاصة وقد جاء حديث وإن كان فيه ما فيه، لكن مقدم مثلًا على قومه وعلى..
الشيخ: لا، ما دام الرسول لم يبين ذلك لعمران بن الحصين مع دعاء الحاجة إليه في الحديث الصحيح يكون هذا ليلًا على أنه ليس بمشروع.
الطالب: على أية حال يكون مقدمًا؟
الشيخ: لا، ما يقدم، يقال: ما دام ما جاءت به السنة الصحيحة فلا نشرع في دين إلا ما علمنا أنه ثابت.
الطالب: ثبت عندنا -يا شيخ- أنهم ضعفوه.
الشيخ: إي، نعم، ثابت ضعفه، لو كان حسنًا لكان مقبولًا يُعْمَل به.
طالب: شيخ، أيهما أفضل للمريض إذا كان يشق عليه القيام أن يقوم أو أنه يجلس ويأخذ الرخصة؟
الشيخ: أما إذا كان يشق مشقة محتملة فالأفضل أن يقوم، بل قد يجب عليه أن يقوم، لكن إذا كان يشق عليه مشقة متعبة، لكن يقول: أنا راضٍ بالتعب، فالأفضل أن يأخذ بالرخصة.
طالب: بالنسبة لمسألة أن يستطيع بعض القيام يستطيع أن يتحمل بعض القيام؛ يعني: فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل، فقيام الليل هذا -يا شيخ- نافلة وليس فرضًا، نقول: مع (... ) يستطيع؟
الشيخ: لا، هو الأصل أنه ما ثبت في النافلة ثبت في الفرض إلا بدليل، على كل حال المسألة قلت لكم: تحتاج إلى نظر فيها في كلام العلماء.
الطالب: ورد فيه..
الشيخ: أقول: لا بد من النظر في كلام العلماء، نبحث فيها إن شاء الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، إذا قال قائل: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ قَاعِدًا» (1) مخصوص بصفة صلاته بكونه لا يقدر نقول: غير هذا لا يجوز؛ لأنه ليس هناك دليل، ماذا نقول له؟
الشيخ: نقول: إن قوله: «صَلِّ قَاعِدًا» في مقام البيان ولم يقيده بالتربع يدل على أنه ليس بواجب، ولا كل أحد يرى فعله.
طالب: شيخ، بعض الناس إذا قام إلى الثانية -الركعة- يكمل الفاتحة في خلال القيام، يقرأ بعض الفاتحة خلال الشروع في القيام قبل أن يستتم؟
الشيخ: وهو قادر؟
الطالب: وهو قادر.
الشيخ: هذا أصلًا لو قرأ حرفًا منها وهو جالس ما تصح.
الطالب: ما هو بجالس، لكن بعدما نهض من السجود بدأ يقرأ.
الشيخ: بعدما نهض من السجود؟
الطالب: قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
الشيخ: إي، هذا لا تصح قراءته الفاتحة، واعلم أن النهوض ليس فيه إلا التكبير فقط، ما فيه إلا التكبير، كبِّر، وإذا قُدِّر أنه انتهيت من التكبير قبل أن تستتم قائمًا فليس فيه ذكر.
طالب: جزاكم الله خيرًا، بالنسبة لنفس السؤال يا شيخ، (... ) يعني: الكبار في السن يأخذون فترة طويلة؛ لأنه يقوم من السجود إلى القيام، فلو بدأ الفاتحة بعدما قام ما لحق الإمام، يقول: أنا أبدأ خلال العدل لكي يستطيع أن أتابع الإمام؟
الشيخ: وأيش رأيكم في هذا؟
طالب: عذر.
الشيخ: هذا عذر، ومتابعة الإمام أهم من القيام؛ لأن القيام يسقط لأجل متابعة الإمام، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا» (7).
الطالب: لكنه يستطيع أنه يقوم، يا شيخ.
الشيخ: ما يستطيع لعذره، أنت عارف -نسأل الله أن يبقيك حيًّا- حتى تصل إلى هذا الحال.
طالب: إذا كان المريض على الفراش -يا شيخ- ولا يستطيع يتوضأ مثلًا، وعلى -مثلًا- ملابسه نجاسة، وإذا ما دام توضأ وغسل تبرد، ماذا يعمل؟
الشيخ: ماذا يفعل؟ هل قرأت القرآن؟
الطالب: يعني كيف يغسله؟
الشيخ: أسألك، هل قرأت القرآن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وأيش قرأت من القرآن؟
الطالب: قدر ما يسر الله.
الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، بعدما ذكر الطهارة بالماء والتيمم قال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6].
هذه القواعد عامة ينبغي لطالب العلم أن يعتنقها؛ لأن الله يقول: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147]، الحمد لله، الله يسر لنا.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الصلاة متربعًا أفضل أو الصلاة على مرتفع كالكرسي؟
الشيخ: مرتفع؟
الطالب: يعني: شيء مرتفع كالكرسي.
الشيخ: إي، الصلاة متربعًا أفضل؛ لأن الجالس على الكرسي ما قام.
طالب: يا شيخ، بالنسبة لما ذكرتم -يا شيخ- أنها إذا عجز عن الأقوال والأفعال تلزمه النية، أقول: بالنسبة للذي إذا سقط عن..، أو عجز عن الأقوال والأفعال تلزمه النية، شيخ، طيب قول الصحابي للرجل: اقرأها –أي: الفاتحة- في نفسك يا فارسي (8)، هل تلزمه مع النية هذه القراءة في النفس؛ يعني: لأن الخرص هذا -مثلًا- يكون طارئًا، ولو قديم أو منذ.. ؟
الشيخ: إي، هو لا بد، النية لا بد أن يمر الأقوال والأفعال على قلبه.
الطالب: كل الصلاة بنية.
الشيخ: لا بد أن يمر الأقوال والأفعال على قلبه، ينوي مثلًا أنه الآن كبِّر، ينوي قرأ الفاتحة، وهكذا، والذي قال هذا أبو هريرة رضي الله عنه.
الطالب: تعتبر قراءة يا شيخ؟
الشيخ: تعتبر، ما هي قراءة.
الطالب: لأنه قال: اقرأها في نفسك.
الشيخ: إي، هو يريد أن اقرأها في نفسك؛ يعني: لا تجهر بها.
طالب: شيخ، إذا كان على الجنب ووجهه ورجله إلى أين؟ يعني: رجله إلى أين يوجه؟
الشيخ: إذا كان على الجنب الأيمن فرجله بالنسبة لنا؛ يعني: في المنطقة هذه.
الطالب: إذا قام وجهه إلى (... )؟
الشيخ: لا، إذا كان على جنب فرجله إلى الجنوب.
طالب: هو قال -يا شيخ-: على الجنب على الاستلقاء.
الشيخ: إي، لا على الاستلقاء غير.
الطالب: (... ) على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن عجز أومأ بعينيه، فإن قدر وعجز في أثنائها انتقل للآخر، وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وسجود قاعدًا، ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام بمداواة بقول طبيبٍ مسلم، ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام، ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي لوحل لا للمرض.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كم أهل الأعذار؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: من هم؟
الطالب: الخائف والمريض والمسافر.
الشيخ: الخائف والمريض والمسافر، أحسنت.
ما الواجب على المريض في صلاته؟
طالب: يصلي بقدر ما يستطيع.
الشيخ: كيف يصلي بقدر ما يستطيع؟
الطالب: أول شيء يصلي قائمًا، فإن لم يستطع فقاعدًا، فإن لم يستطيع فعلى جنبه.
الشيخ: فعلى جنبه، أحسنت.
هل هناك دليل؟
طالب: حديث عمران بن حصين قال للرسول صلى الله عليه وسلم: إن بي مرض الباسور، قال له: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (1).
الشيخ: وهل يمكن أن يُفهَم هذا من القرآن؟
الطالب: قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
الشيخ: إي نعم، فيه آية أخرى؟
الطالب: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.
الشيخ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
ماذا تقول عن هذا الدليل القرآني؟ وأيش نوعه؟ هل هو عام ولَّا خاص؟
طالب: عام.
الشيخ: هذا عام.
وماذا تقول عن حديث عمران؟
الطالب: خاص.
الشيخ: خاص، إذن معناه ممكن نستدل لما ذكره الأخ أنه يصلي قائمًا، فإن لم يستطيع فقاعدًا، فإن لم يستطع فعلى الجنب، بدليل عام وبدليل خاص.
هل يكتفى بالدليل العام عن الخاص؟
طالب: في مواضع -يا شيخ- نكتفي.
الشيخ: وأيش هي المواضع؟
الطالب: مثل هذه.
الشيخ: يعني مثلًا إذا كان هناك دليل خاص ودليل عام، هل نكتفي بالعام عن الخاص؟
الطالب: نكتفي به.
الشيخ: نكتفي به، إذا روى الحديث البخاري ومسلم ورواه غيرهما هل نكتفي بغيرهما عنهما؟
الطالب: لا.
الشيخ: هل يمكن الآن تعدل عن جوابك الأول ولَّا لا؟
الطالب: نعم يا شيخ، قبل الدليل الخاص دليل عام (... ) إلا في المواضع التي لم تأت فيه أدلة خاصة.
الشيخ: المهم هل إذا وجد لحكم مسألة دليلان خاص وعام هل نكتفي بالعام عن الخاص؟
الطالب: لا.
الشيخ: ما نكتفي.
الطالب: نكتفي بالخاص، والعام يبقى عامًّا.
الشيخ: يعني: الأولى أن نستدل بالخاص؛ لأنه يحتمل أن يأتي إنسان ويقول: هذا عام، قد لا يشمل جميع الأفراد، ربما لا يشمل جميع أفراده، فإذا جاءنا الدليل الخاص لم يمكن لأحد أن يدعي لا يختص بهذا الحكم.
إذا قال قائل: إذن لماذا تأتون بالدليل العام مع الاكتفاء بالدليل الخاص؟
نقول: نأتي به من أجل أن نستفيد منه فائدة؛ لأن هذا الدليل العام الأصل أن يستعمل في جميع أفراده، هذا الأصل، فإذا جاء الدليل العام وأدخلنا فردًا من أفراده في حكمه فادعى أحد أن هذا الفرد خارج عن العموم، فإني أقول له: عليك الدليل، فإذن هذه الفائدة في أننا نأتي بالدليل العام وبالدليل الخاص.
هل يكون على الجنب الأيمن أو الأيسر؟
طالب: يكون على حسب ما يتيسر له.
الشيخ: نعم.
فإن استويا؟
الطالب: فإن استويا فعلى الجنب الأيمن.
الشيخ: فالجنب الأيمن أفضل.
ما الدليل على أنه يكون على أيهما شاء؟
الطالب: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عند النوم قال: «عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ» (3).
الشيخ: لا، الدليل على أنه يكون على أيهما شاء؟
الطالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
الشيخ: لا يا أخي.
طالب: لأنه في حديث عمران أطلق ولم يقيد.
الشيخ: لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمران أطلق ولم يقيد قال: «عَلَى جَنْبٍ»، فيشمل الأيمن والأيسر، لكنا اخترنا الأيمن عند التساوي، لماذا؟
الطالب: لأن النبي قال في حديث عمران..
الشيخ: لا، رجحنا الأيمن ليش؟
الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيامن (4).
الشيخ: يعجبه التيامن؛ يعني: يحب التيامن في كل شؤونه، ممكن نستدل بهذا الحديث، ونستدل أيضًا بحديث آخر؟
طالب: عند النوم الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «تَنَامُ» (3).
الشيخ: أمر بالنوم على الجنب الأيمن، فدل هذا على أنه أفضل.
رجل صلى مستلقيًا ورأسه إلى القبلة؟
طالب: لا تصح صلاته.
الشيخ: لا تصح، ورجلاه إلى القبلة؟
الطالب: لا تصح.
الشيخ: سبحان الله! إذا استقبل القبلة برأسه لا يصح وبرجليه يصح؟
الطالب: لا يصح؛ لأنه إذا قعد تكون القبلة خلفه.
الشيخ: يعني عدلت عن الجواب الأول؟
الطالب: لا، لا تصح، أقول: لا تصح.
الشيخ: أعيد السؤال مرة ثانية: رجل صلى ورأسه إلى القبلة؟
الطالب: وهو مستلقٍ؟
الشيخ: وهو مستلقٍ.
الطالب: لا تصح.
الشيخ: صلى ورجلاه إلى القبلة؟
الطالب: تصح.
الشيخ: كيف هذا؟
الطالب: لأنه إذا قعد وهو مستلقٍ ورجلاه إلى القبلة فإنه يتجه إلى القبلة، مع أنه لو قعد وهو..
الشيخ: ورأسه إلى القبلة.
الطالب: ورأسه إلى القبلة تكون القبلة خلفه.
الشيخ: كان مستدبرًا للقبلة، صحيح يا جماعة؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذا صلى جالسًا أو صلى مضطجعًا، فكيف يكون الركوع والسجود؟
طالب: إذا صلى جالسًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: الركوع والسجود أولًا: يفضل صلاته أن يكون متربعًا.
الشيخ: لا، دعنا من التربع، كيف يكون الركوع والسجود؟
الطالب: يومئ برأسه.
الشيخ: يومئ برأسه، ويجعل السجود؟
الطالب: يجعل السجود أن يكون..
الشيخ: لا، يجعل السجود مثل الركوع ولَّا أخفض؟
الطالب: لا، أخفض.
الشيخ: أخفض من الركوع؛ لأن هذه هيأة القائم.
إذا عجز عن الإيماء بالرأس؟
طالب: يومئ بعينيه.
الشيخ: يومئ بعينيه، كيف يومئ بعينيه؟
الطالب: يغمض بعينيه قليلًا عند الركوع.
الشيخ: يغمض عينيه قليلًا عند الركوع.
الطالب: ثم إذا اعتدل فرفع عينيه، ثم إذا سجد أغمض عينيه أكثر مما أغمضهما عند الركوع.
الشيخ: أحسنت.
هل هناك دليل؟
طالب: جاء حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يومئ بطرفه صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: أمر.
الطالب: أمر النبي بأن يومئ بطرفه (5).
الشيخ: بطرفه.
ما تقول في هذا الرأي وهذا الدليل؟
طالب: هذا مرجوح القول.
الشيخ: هذا الرأي مرجوح.
الطالب: القول الصحيح أنه إذا..
الشيخ: وماذا تقول في الدليل؟
الطالب: دليل ضعيف.
الشيخ: الدليل ضعيف، ما رأيك لو كان الدليل قويًّا هل يكون القول مرجوحًا؟
الطالب: لا.
الشيخ: يكون القول راجحًا، صح، إذن القول مرجوح، والدليل؟
الطالب: ضعيف.
الشيخ: ضعيف، أحسنت.
إذا عجز عن الإيماء بالرأس وقلنا بأنه لا يومئ بالعين، فهل يومئ بالإصبع؟
طالب: لا يومئ بالإصبع.
الشيخ: ليش؟
طالب: لم يرد حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل به أحد من أهل العلم.
الشيخ: نعم، لا يومئ بأصبعه؛ لأنه لم يرد به دليل، ولم يقل به أحد من أهل العلم، والعبادات مبناها على التوقيف؛ إذا وردت عن الشرع، وإلا فلا.
إذا عجز عن الإيماء؟
طالب: أحد الأئمة قال: لا تسقط الصلاة عنه، ومنهم من قال: تسقط عنه الأفعال و..
الشيخ: الأقوال.
قال بعض الأئمة: إذا عجز عن الإيماء سقطت الصلاة؛ لأن هذا أدنى ما ورد فيها، وقال بعض العلماء بل إذا عجز عن الأفعال وجبت الأقوال، وينوي الأفعال بقلبه، يقول: الله أكبر ناويًا الركوع، وهكذا.
إذا عجز عن الأقوال والأفعال تسقط الصلاة أو لا؟
طالب: لا تسقط.
الشيخ: ما يسقط؟ كيف؟
الطالب: النية.
الشيخ: يصلي بالنية؟
الطالب: نعم، ينوي القيام وينوي القراءة، وعند الركوع ينوي الركوع ويسبح تسبيح الركوع.
الشيخ: ما يقدر يسبح؟
الطالب: بالنية.
الشيخ: بالنية، هل عندك دليل على هذا القول؟
الطالب: أن الصلاة..
الشيخ: هل عندك دليل؟ إذا قلت: (إن) صار تعليلًا.
الطالب: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وهذا الرجل اتقى الله ما استطاع، لا يستطيع أن يأتي بالأفعال ولا بالأقوال، فيتقي الله ما استطاع، والصلاة مبنية على أقوال وأفعال ونية، فإذا عجز عن الأقوال والأفعال بقيت النية؛ ولهذا قال العلماء: لا تسقط الصلاة ما دام العقل باقيًا، هذه قاعدة مفيدة، أحسنت.
إذا صلى المريض قاعدًا لعجزه عن القيام فهل يكتب له أجر الصلاة قائمًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: نعم، الدليل؟
الطالب: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ليس له وسع على القيام.
الشيخ: ما يخالف، إذن يسقط عنه القيام لكن لا ينال أجره، كما سقطت الصلاة عن الحائض ولا تنال أجرها.
طالب: الدليل أن المريض والمسافر يحسب لهم عملهم في حال مرضهم وسفرهم.
الشيخ: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا» (9)، وقوله: «كُتِبَ لَهُ» يدل على أنه ما دام يعمل العمل سابقًا فإنه يكتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا.
رجل في أول الركعة كان قادرًا على القيام، ولما ركع وأراد أن يقوم من الركوع عجز، وقف ظهره حتى لا يكاد يعتدل، ما تقول؟
طالب: يتم صلاته بقدر الاستطاعة.
الشيخ: يعني: يسقط عنه القيام في هذه الحال، فيجلس.
الطالب: فيجلس، ويتم على..
الشيخ: يجلس كذا ولَّا يبقى راكعًا؟
الطالب: لا، على حسب الاستطاعة، إذا مثلًا..
الشيخ: هو يستطيع يجلس الآن، ويستطيع يبقى راكعًا.
الطالب: لا، يجلس.
الشيخ: فهمت سؤالي؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: رجل ركع وهو يصلي قائمًا وليس به بأس، فركع، ولما ركع أصابته روماتيزم في ظهره وعجز لا يرتفع.
الطالب: يجلس.
الشيخ: فقال: سمع الله لمن حمده، الآن: كيف يكون يقف؛ يعني: يبقى راكعًا ولَّا يجلس؟
الطالب: لا، يجلس.
الشيخ: واللهِ أظن فيه ما هو عارف، أنتم فاهمين السؤال؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: طيب، أيش تقول؟
طالب: لا، يبقى راكعًا.
الشيخ: يبقى راكعًا.
الطالب: لأنه صار إذن استطاع القيام يقوم؛ لأن ساقه معتدلة بالقيام.
الشيخ: إي، إذن معناه في هذه الحال ينوي القيام، ما تقولون؟
الطلبة: صحيح.
الشيخ: فيه رأيان أحدهما رأي آدم، والثاني رأي الأخ.
طالب: شيخ، لا ينتهي من الركوع؛ لأن الأعمال في الصلاة إنما هي توقيفية، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» لم يقل: راكعًا، وإنما قال: «قَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ» (1)، فالثلاث هذه فقط يقف الإنسان عندها ولا يزيد عليها.
طالب آخر: شيخ، نقول: له يجلس على أنه قائم، ثم يرفع وهو جالس؛ يعني: كأنه راكع وهو جالس، ثم يرفع وهو جالس.
الشيخ: لا، ما يصلح، على كل حال قاعدة الفقهاء تقتضي أن يكون يبقى راكعًا بالنية؛ ولهذا قالوا في..، لهم عبارة: وينوي الركوعَ الأحدبُ الذي لا يمكنه، إنسان أحدب ينوي الركوع، وقالوا: كـ (فُلْكٍ) في العربية، (فُلْك) في العربية تصلح للواحد والجمع، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] هذه جمع ولَّا مفرد؟
الطلبة: جمع.
الشيخ: جمع، والمفرد كثير في القرآن، ذُكِر الفُلك مفردًا كثير.
فهم يقولون: هذا الإنسان ينوي القيام بالنية، وينوي أيضًا الركوع بالنية؛ لأنه ليس له صفة قيام.
طالب: يجلس يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما يجلس، ينوي القيام وهو راكع؛ ولهذا يجب عليه إذا كان يستطيع القيام راكعًا أن يقوم ولو لصفة الركوع.
الطالب: الدليل؟
الشيخ: هذا نوع من القيام؛ ولهذا نقول: إن الركوع فعل أو صفة في القيام.
رجل قدر على القيام دون الركوع، ماذا يفعل؟
طالب: يصلي جالسًا.
الشيخ: يصلي؟
الطالب: جالسًا، كما قال صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (1).
الشيخ: قدر على القيام دون الركوع، قادر على القيام الآن؟
طالب: يصلي قائمًا، ثم ينوي الركوع، ثم يجلس.
الشيخ: ثم ينوي الركوع، ثم يجلس! شو الجلوس؟ شو يقول هذا؟ !
الطالب: السجود يعني: في الركوع.
الشيخ: واللي بيسجد يجلس قبل؟ الظاهر أنك ما فهمت السؤال، رجل قادر على القيام لكن لا يستطيع أن يحني ظهره؛ ما يستطيع يركع، فماذا يصنع؟
الطالب: يصلي قائمًا.
الشيخ: صلى قائمًا، والركوع؟
الطالب: ينوي الركوع وهو قائم.
الشيخ: ينوي؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: يومئ برأسه.
الشيخ: يصلي قائمًا ويومئ بالركوع.
ما دليلك؟
الطالب: الدليل: «صَلِّ قَائِمًا».
الشيخ: هو صلى قائمًا الآن، لكن ما دليلك على أنه يومئ في الركوع؟
الطالب: الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ صحيح؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إذا قدر على القعود دون السجود؟
طالب: ينوي السجود.
الشيخ: ينوي السجود نية؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (10).
طالب: يومئ كذلك بالسجود.
الشيخ: يومئ بالسجود، الدليل؟
الطالب: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: وإذا قال -كما قال الأخ-: ينوي، واستدل بحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
الطالب: نقول: لا ينتقل إلى شيء إلا إذا كان فيما قبله متعذرًا.
الشيخ: وأيضًا حديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ»، هذا الرجل ما عمل وهو قادر على الإيماء، أليس كذلك؟
طالب: ما أخذناه.
الشيخ: كيف ما أخذناه؟
الطالب: قدر وعجز.
الشيخ: الحمد لله، أخذتموه بالفعل، ما دام أجبتم عليه جواب صحيح..
طالب: شيخ، ما جاء في الحديث يا شيخ: «فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَأَوْمِئْ إِيمَاءً» (11).
الشيخ: إي نعم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر) إن قدر المريض في أثناء الصلاة على فعلٍ كان عاجزًا عنه انتقل إليه.
مثاله: رجل مريض عجز عن القيام فشرع في الصلاة قاعدًا، وفي أثناء الصلاة وجد من نفسه نشاطًا، نقول له: قُمْ، بناءً على القاعدة؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (1).
بالعكس؛ عجز عن القيام، كان في أول الصلاة نشيطًا فشرع في الصلاة قائمًا، ثم تعب فجلس، نقول: لا بأس؛ للآية الكريمة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وللحديث: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا»، وهذا يشمل ما إذا كان العجز ابتداءً أو طارئًا.
لكن هاهنا مسألة: لو أتم قراءة الفاتحة وهو قائم من القعود في حال نهوضه فهل يجزئه؟ ولو أتمها وهو عاجز عن القيام في حال هبوطه فهل يجزئه؟ هاتان مسألتان:
المسألة الأولى: مريض يصلي قاعدًا، فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] وجد من نفسه نشاطًا فقام، في أثناء قيامه كان يقرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]، تعرفون المريض ما هو يقوم بسرعة؛ يتكئ على يديه، ويتكلف القيام، في أثناء ذلك قرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهل تجزئه؟ هذه مسألة.
المسألة الثانية: إنسان يصلي قائمًا قادرًا على القيام، في أثناء القيام لما وَصَلَ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تعب، فنزل، وفي أثناء نزوله قرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هل تجزئه الصلاة؟
قال الفقهاء: أما في المسألة الأولى فلا تجزئه القراءة؛ في المسألة الأولى التي كان يصلي قاعدًا، ثم قدر فقام، وفي أثناء القيام قرأ، قالوا: لا تجزئه القراءة، لماذا؟
قالوا: لأنه لما قدر على القيام صار القيام فرضًا، والفاتحة يجب أن تقرأ وهو قائم، إذا كان قادرًا على القيام، والآن قدر؛ قرأها في حال نهوضه، والنهوض دون القيام، فلا تجزئه، شوف دقة الفقهاء رحمهم الله.
في المسألة الثانية؛ إذا طرأ عليه العجز في أثناء القيام، ثم نزل وهو يقرأ تجزئه، لماذا؟ لأن حال الهبوط أعلى من حال القعود، أيهما أقرب للقيام القاعد ولَّا اللي بين القيام والقعود؟
الطلبة: بين القيام والقعود.
الشيخ: الذي بين القيام والقعود فحاله أعلى؛ لهذا قالوا: لا تجزئ الفاتحة من أكملها حال قيامه، وتجزئ من أكملها حال نزوله، هذا فرق دقيق.
ولكن هذه المسألة عورضت، وقيل: إن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يشمل هذه الصورة؛ لأن الرجل الذي قدر في أثناء الجلوس على القيام نهوضه هذا هو غاية قدرته، فإذا كان نهوضه غاية قدرته فقدْ قرأ الفاتحة في الحال التي هي قدرته، فتجزئه.
وهذا أقرب؛ أنها تجزئ الفاتحة من أتمها حال نهوضه؛ لأن الرجل الآن شارعٌ فيما يجب عليه، فهذا الشروع ثابت بأمر الله، وإذا فعلها أجزأه، وهذا أقرب.
ولكن تفاديًا لهذا الأمر نقول له: إذا قدرت على القيام فاسكت، لا تقرأ حتى تستتم قائمًا، ثم كمِّل.
أما في مسألة إذا عجز عن القيام وأتمها في حال الهبوط، فهذا واضح أنه يجزئه؛ لأن حال الهبوط أعلى من حال الجلوس.
يقول المؤلف رحمه الله: (فإن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر، وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وبسجود قاعدًا) هذه تقع كثيرًا، هو قادر على القيام لكن لا يستطيع الركوع؛ إما لمرض في ظهره، وإما لوجع في رأسه، وإما لعملية في عينه، أو لغير، المهم الأسباب كثيرة، هو قادر على القيام لكن لا يستطيع الركوع، نقول له: صلِّ قائمًا، وأومئ بالركوع قائمًا.
والدليل؟
الطلبة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
يستطيع أن يجلس، لكن لا يستطيع أن يسجد، ماذا نقول؟ نقول: اجلس وأومئ بالسجود؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وهذا يحتاج الإنسان إليه في الطائرة إذا كان السفر طويلًا وحان وقت الصلاة وليس في الطائرة مكان مخصوص للصلاة، فإنه يصلي على الكرسي، يستطيع القيام أو لا؟
طلبة: لا يستطيع.
طلبة آخرون: يستطيع.
الشيخ: لا يستطيع! كيف ما يستطيع؟ لا يستطيع؟ ما فيه شك أنه يستطيع، ولَّا عندنا فيها إشكال، أحيانًا يستطيع بدون اعتماد إذا صارت الطائرة مستوية وراكزة ما فيها مطب، وإلَّا يتمسك بالكرسي اللي أمامه.
يستطيع الركوع؟
طلبة: لا يستطيع.
طلبة آخرون: نعم.
الشيخ: نعم، يستطيع، لكن قد لا يتم الركوع تمامًا، لكن يستطيع الإيماء فيومئ بالركوع قدر ما يمكن.
يستطيع السجود؟
طلبة: لا يستطيع.
الشيخ: لا، الظاهر أنه ما يستطيع حسب الطائرات اللي إحنا نعرف.
طلبة: في الممر.
الشيخ: أنا أقول: على الكرسي -الله يهديكم- هو يصلي على الكرسي الآن، ما فيه ممرات، ولا فيه مكانات، هو لا يستطيع أن يسجد، نقول: اجلس على الكرسي، ثم تومئ إيماءً بالسجود.
كل هذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» (12)، والقاعدة: فمن لم يقدر على الركوع أومأ به قائمًا، ومن لم يقدر على السجود أومأ به جالسًا.
فيه مسألة ذكرها المؤلف، لكن نذكر قبلها أيضًا مسألة أخرى: لو كان لا يستطيع السجود على الجبهة فقط؛ لأن فيها جروحًا لا يتمكن أن يمس بها الأرض، لكن يقدر باليدين بالركبتين، فماذا يصنع؟
طالب: يتقي الله ما يستطيع.
الشيخ: إي نعم، نأخذ القاعدة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ يضع يديه على الأرض، ويدنو من الأرض بقدر استطاعته؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وأما من قال من العلماء: إنه إذا عجز عن السجود بالجبهة لم يلزمه بغيرها، فهذا قول خلاف الصواب، بعض العلماء يقول: إذا عجز عن السجود بالجبهة لم يلزمه السجود بغيرها، لكن هذا قول خلاف الصواب؛ لأننا إذا طبقنا الآية الكريمة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ كانت دالة على أنه يجب أن يسجد على الأرض بما استطاع من أعضائه، وإذا كان يستطيع أن يسجد على الكفين وجب.
نعم، لو فرضنا أنه لا يستطيع أن يسجد أبدًا؛ يعني: ما يستطيع يحني ظهره إطلاقًا، حينئذٍ ما نقول: يلزمك أنك تضع يديك على الأرض؛ يعني مثلًا فرضنا أنه ما يستطيع إلا يكون هكذا، هكذا، ما يستطيع أكثر من كذا، هذا لا نقول: يلزمك أن تضع يديك على الأرض؛ لأنه لا فائدة من هذا، بل ربما شبه إقعاء، إنما لو كان يستطيع يدنو من الأرض حتى يكون كهيئة الساجد فهنا يجب عليه أن يسجد، ويقرب جبهته من الأرض ما استطاع.
المسألة الثانية ذكر الشارح: رجل مريض يقول: إن ذهبت إلى المسجد لم أستطع القيام؛ لأني أصل إلى المسجد وأنا تعبان ولا أستطيع القيام، وإن صليت في بيتي صليت قائمًا؛ لأني ما عندي تعب ولا مشقة، وأيضًا الجماعة ربما يطوِّل الإمام تطويلًا يشق علي، وفي بيتي أنا أصلي كما شئت، فهل نقول: يجب عليك أن تذهب إلى المسجد، ثم تصلي ما استطعت؟ أو نقول: (... ) في بيتك؛ لأن القيام ركن، وصلاة الجماعة واجبة؟ أو نقول: تخير؛ لأنه تعارض واجبان فأنت مخير؟ هذه ثلاثة احتمالات.
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أيش يخير؟
طلبة: يصلي في جماعة.
الشيخ: طيب، شوفوا، يجب أن يذهب إلى المسجد، من يقول بهذا؟
يجب أن يصلي في بيته قائمًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي، هذا الأكثر.
يخير؟ ما عندنا إلا اثنين أو ثلاثة، طيب ما يخالف.
من العلماء من قال: إنه يخير؛ لتعارض الواجبين؛ واجب الجماعة وواجب القيام، ومنهم من قال: يقدِّم القيام؛ لأن القيام ركن بالاتفاق، وصلاة الجماعة أولًا: فيه اختلاف وجوبها، والثاني: إذا وجبت هل هي فرض كفاية أو فرض عين؟ والثالث: إذا كانت فرض عين فهل هي واجبة في الصلاة بحيث تبطل الصلاة بتركها بلا عذر، أو واجبة للصلاة تصح الصلاة بدونها مع الإثم؟
لكن القيام ركن، ما فيه إشكال «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (1).
ومنهم من قال: يجب أن يحضر إلى المسجد، ثم يصلي قائمًا إن استطاع، وإلا صلى جالسًا؛ لأنه مأمور بإجابة النداء، والنداء سابق على الصلاة، فيبدأ بالسابق، ويرتب إذا وصل إلى المسجد، فإن قدر صلى قائمًا، وإلا فلا، وأيضًا ربما يظن أنه إذا ذهب إلى المسجد لا يستطيع القيام، ثم يمده الله عز وجل بنشاط ويستطيع القيام.
أما الذين قالوا بالتخيير فقالوا: لأنه تعارض عندنا واجبان، فليس أحدهما أولى بالترجيح من الآخر، فيخير.