قال: (من حب) هذه بيان لـ (كل)، (كل طاهر من حَبٍّ وثَمَر ونحوهما)، الْحَب مثل أيش؟
طلبة: البُرّ والشعير.
الشيخ: كالبُرّ والأرز والشعير.
طالب: العدس.
الشيخ: والعدس.
طالب: والفول.
الشيخ: والفول، والفصفص، وما أشبه ذلك.
طلبة: الفصفص فيه مَضَارّ.
الشيخ: فيه مَضَارّ؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إذن أَخْرِجُوه، لكن ما أستطيع أن أقول للناس: حرام.
طالب: إن ثبت ضرره؟
الشيخ: إن ثبت، لكن ما أظنه يثبت، يعني مطلقًا، يمكن الإكثار منه.
طالب: بعض الناس (... ).
طالب آخر: شيخ، يؤدي إلى بخر الفم، ويؤدي إلى العملية الزائدة.
الشيخ: إي، على كل حال، يُنْظَر فيه، إذن يتوقف في الأمر حتى لا يهيج علينا الصبيان، نخلي حتى نشوف.
إذن: (من حَبٍّ) كالأرز، ويش بعد؟
طالب: والبُرّ.
الشيخ: والبُرّ والشعير، إلى آخره.
(وثمر) كالتمر والتين والعنب والبرتقال، أو مختلف الفواكه، ونحوها، المهم ما علينا، يعني تعداد الأنواع قد يصعب ولا نحيط بها، لكن عندنا القاعدة العامة: (كل طاهر) أيش؟
الطلبة: (لَا مَضَرَّة).
الشيخ: (لا مَضَرَّة فيه).
قال: (ولا يحل نجس كالميتة والدم)، نضيف إليها ثالثًا؟
طالب: الخمر والخنزير.
الشيخ: لا، الخنزير؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، والاستدلال بهذه الآية أولى من الاستدلال بالآية التي ذكر الشارح، وهي قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، إلى آخره [المائدة: 3]، لأن ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ ما فيها التصريح بأنها نجسة.
(ولا يَحِلّ نجس كالميتة والدم، ولا ما فيه مضرة، كالسم ونحوه) الدليل على تحريم ما فيه مضرة من القرآن والسنة.
فمن القرآن قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، والنهي عن قتل النفس نهي عن أسبابه أيضًا، فكل ما يؤدي إلى الضرر فهو حرام.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (4)، وربما يُسْتَدَلُّ له أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43]، ووجه ذلك أن الله تعالى أوجب التيمم على المريض حمايةً له عن أيش؟
طلبة: الضرر.
الشيخ: عن الضرر، فجعله يتيمم.
قال: (كالسُّمّ ونحوه) السُّمّ يَحْرُم، وهو نجس؟
طلبة: لا، طاهر.
طلبة آخرون: ليس بنجس.
الشيخ: طاهر، لكنه حرام لضرره، وكذلك الخمر فإنه حرام؛ لضرره العقلي والبدني والاجتماعي، لكنه طاهر على القول الراجح؛ لأنه ليس هناك دليل على نجاسته، وقد مر علينا ذلك مفصَّلًا بأدلته.
السُّم أحيانًا يُسْتَعْمَل دواءً، فيه أنواع من السموم خفيفة تُخْلَط مع بعض الأدوية فتُسْتَعْمَل دواء، هذه نَصَّ العلماء على أنها جائزة، لكن بشرط أن نعلم انتفاء الضرر.
فإذا خُلِطَت بعض الأدوية بأشياء سامَّة لكن على وجه لا ضرر فيه فإنها تُبَاح؛ لأن لدينا قاعدة فقهية مهمة، وهي أن الحكم يدور مع عِلَّتِه وجودًا وعدمًا، فإذا استُعْمِل السم أو شيء فيه سُمّ على وجه لا ضرر فيه كان ذلك جائزًا.
لكن لا يكن الإنسان يُكْثِر من هذا، أو مثلًا يُوصَف له هذا الدواء الذي فيه شيء من السم بقدر معين، ثم لقوة الألم فيه يقول: أبغي آخذ بدل القرص عشرة أقراص؛ لأنه ربما إذا فعل ذلك؟
طالب: تضرر.
الشيخ: يتضرر ويهلك، بل لا بد في مثل هذه الأمور أن تكون بمشورة أهل العلم بذلك، وهم مَن؟
طلبة: الأطباء.
الشيخ: الأطباء.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وحيوانات الْبَرّ مباحة)، كأن المؤلِّف قسم الموجودات إلى قسمين: حيوان وجماد؛ الجماد تقدَّم الكلام عليه، ويش الأصل فيه؟ الحِلّ، وكذلك الحيوان الأصل فيه الحِلّ.
لكن الحيوان ينقسم إلى قسمين: بحري وبري؛ أما البحري فكُلُّه حلال ليس فيه شيء حرام، كل حيوانات البحر مباحة بدون استثناء حَيّها وميتها؛ لقول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيد البحر ما أُخِذَ حيًّا وطعامه ما أُخِذَ ميتًا (5)، يعني ما وُجِدَ لَفَظَهُ البحر مثلًا، أو طفا على ظهره ميتًا فإنه طعام البحر.
راح عنا كم من الحيوانات؟
الطلبة: النصف.
الشيخ: النصف أو أكثر، يقال: إن في البحر ثلاثة أضعاف ما في البر من الحيوان، وأن في البحر من أجناس الحيوان وأنواعها أشياء ما هي موجودة في البر، وعلى هذا فقد ذهب عنا ثلاثة أرباع الحيوانات كلها قلنا: إنها.. ؟
طلبة: حلال.
الشيخ: حلال، هل يحل آدمي البحر؟
طلبة: ما فيه.
طلبة آخرون: ما وجدنا هذا.
الشيخ: لا، فيه، السمك فيه أسماك على شبه الآدميين، وعلى شبه أجمل الرجال وأجمل النساء.
الطلبة: ما رأيناهم.
الشيخ: المهم نحن قرأنا هذا.
طالب: أعرف صديقًا لي متخرجًا من علوم البحار عنده ماجستير، وقال: كل المعلومات اللي بين الناس هذه غير صحيحة.
الشيخ: غير صحيحة؟
الطالب: الموجود فيه قريب جدًّا من الإنسان، لكن ليس له وجه ولا عين ولا أنف.
الشيخ: إي، أما أنا قرأته قديمًا أنه موجود، ولكن ما يستبعد أن يكون موجودًا ثم انقرض، الله أعلم، على كل حال..
طالب: وإن كانت (... ).
طالب آخر: وأنا شوفتها.
الشيخ: شوفت أيش؟
الطالب: شوفت يعني (... ) رجل آدمي (... ).
الشيخ: على كل حال، ما عندنا، القاعدة العامة: كل حيوان البحر حلال.
حيوانات البر مباحة ولَّا حرام؟
طالب: فيها تفصيل.
الشيخ: الأصل فيها الحِلّ؛ لعموم الآية التي ذكرنا قبل، وهي أيش؟
طلبة: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾.
الشيخ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، كل الحيوانات من طيور وغيرها الأصل فيها الحِلّ، فإذا قال قائل: هذا الطير حلال، قلنا: عليك الدليل؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الأصل معه، إذا قال: هذا حرام، قلنا؟
طلبة: هات الدليل.
الشيخ: عليك الدليل، ولهذا يقول المؤلف: (وحيوانات البر مباحة)، خرج بقوله: (حيوانات البر) حيواناتُ البحر، وقد تقدم الكلام عليها.
(حيوانات البر مباحة) أي: قد أباحها الله، والإباحة بمعنى التحليل.
(إلا الْحُمُر الأهلية).
طلبة: (الإِنْسِيَّة).
الشيخ: لا، عندي: (الأهلية)، والمعنى واحد.
(إلا الْحُمُر الأهلية)، (الْحُمُر) جمع حمار، ولا يصح أن تنطق بها بسكون الميم؛ لأنك إذا قلت: (الْحُمْر) فهي جمع؟
طلبة: أَحْمَر.
الشيخ: أَحْمَر أو حمراء، لكن يجب أن تقول: الْحُمُر.
(الْحُمُر الأهلية) هي: الْحُمُر التي يركبها الناس، وهي معروفة، هذه حرام.
وخرج بذلك الْحُمُر؟
طلبة: الوحشية.
الشيخ: الوحشية، فهي حلال، الذي يقول: إن الحمر الوحشية حلال نطالبه بالدليل؟
طلبة: لا.
الشيخ: إن جاءنا بالدليل فقد زادنا خيرًا، وأما الذي يقول: إن الحمر الأهلية حرام فإننا نطالبه بالدليل.
دليل تحريم الحمر الأهلية ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس (6)، عرفتم؟ هنا ثبت تحريم الحمر الأهلية، ثبت الدليل، الحكم مقرونًا بعلَّته، وهو قوله: فإنها رجس.
الحمر الوحشية قلنا: لا تحتاج إلى دليل، يعني: لا يحتاج حِلُّها دليلًا؛ لأنه الأصل، لكن مع ذلك ثبت في الصحيحين أن الصعب بن جثامة رضي الله عنه أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حمارًا وحشيًّا وهو بالأبواء سائرًا إلى مكة في حجة الوداع، ولكن الرسول رده، وعلَّل الرد قال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (7)، يعني مُحْرِمُون وأنت صِدْتَهُ لنا فلا نأكله، إذن هو حلال؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكره أيضًا.
انتبه لِعَدِّ الأشياء الْمُحَرَّمَة من الحيوانات؛ لأن الأشياء الْمُحَرَّمَة من الحيوانات أقل بكثير من الأشياء الْمُحَلَّلَة فهي محصورة، هذا رقم واحد منها: (الحمر الأهلية).
والثاني: (وما له ناب يفترس به) يعني: من السباع.
ومعنى (يفترس به)، أي: يصطاد به، ينهش به الصيد ويأكله، نحتاج إلى دليل، الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع (8)، والأصل في النهي التحريم، فلا يحل أكل كل ذي ناب من السباع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه.
ولأن الحكمة تقتضي المنع من كل ذي ناب من السباع؛ لأن للغذاء تأثيرًا على المتغذِّي به، فالإنسان ربما إذا اعتاد التغذي على هذا النوع من اللحوم صار فيه محبَّة العدوان على الغير؛ لأن ذوات الناب من السباع تعتدي، ولَّا لا؟
فإن الذئب مثلًا إذا رأى الغنم عدا عليها، ومع ذلك فإن بعض الذئاب إذا دخل في القطيع ما يكتفي أن يقتل واحدة ويأكلها، بل يمر على القطيع كله فيقتله كله، ويأكل ما شاء ثم يخرج، أعرفتم؟
فإذا اعتاد الإنسان التغذِّي بهذه الأمور فربما يكون فيه محبة العدوان، وهذه من حكمة الشرع، بل إنه الآن يقول بعض العامة -لكنه قول خطأ لكن قد قيل-: إن الذي يأكل كبد الذئب لا يمكن أن يهاب شيئًا أبدًا.
لما كنا صغارًا يقولون لنا: تحب تصير شجاعًا؟ نعم أحب أصير شجاعًا، قال: كُلْ كبد الذئب شرط ما تهاب أحدًا أبدًا، تحب تصير مصيبًا في رميتك؟ قلت: نعم، قال: (... ) بإيدك، أيش؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يعرفها يمكن بعض ال.. ؟
طالب: (... ) في (... ) يا شيخ.
الشيخ: تعرفونها؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: إي نعم، يلفون خرقة ويولِّعون في أعلاها، ثم يضعونها على اليد هذه حتى تحترق اليد، وأحسن ما يكون إذا كانت الخرقة طويلة وطَفَت على اليد، هذه ما يحتاج، هذا أحسن شيء عندهم، يقولون: هذا الإنسان اللي يفعل هذا ما يحتاج، إذا أمسك البندق لو تبغيه يدخل السهم مع جب الأبرة يدخل، يصيب تمامًا، لكن هذا الواقع أنه غير صحيح، لا تَغْتَرُّوا بأقوال الصبيان.
الآن نقول: إن تحريم كل ذي ناب من السباع كما دل عليه الأثر دل عليه أيضًا أيش؟
طلبة: النظر.
الشيخ: النظر، هذا واحد.
(وما له ناب يفترس به)، قال: (غير الضبع) هذا مُسْتَثْنَى، يعني أنه حلال، وكلام المؤلف يدل على أن الضبع من ذوات الناب التي تفترس بنابها، ولكن هذا غير مسلَّم، فإن كثيرًا من ذوي الخبرة يقولون: إن الضبع لا تفترس بنابها، وليس بسبع، ولا تفترس إلا عند الضرورة، أو عند العدوان عليها، يعني: إذا جاعت جدًّا ربما تفترس، وليس من طبيعتها العدوان، أو إذا اعتدى أحد عليها فربما تفرسه، مثل: أخذ أولادها من بين يديها، وما أشبه ذلك ربما، وإلا فليس كذلك.
ولكن على كل حال استثناء المؤلف إياها نطالبه بالدليل؛ لأن استثناءه إياها من ذلك يدل على أنه يرى أنها من السباع التي تفترس بنابها.
يقول: الدليل على إخراجها أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فيها شاة إذا قتلها المحرِم (9)، وهذا يدل على أنها من الصيد؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، وبهذا استدل الإمام أحمد رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل فيها كبشًا (9)، وجعل النبي عليه الصلاة والسلام فيها كبشًا، يدل على أنها حلال.
وهذه الحيوانات الآن تعتبر منقرضة، يعني: نادر أن تجدها في البلاد، كانت في الأول كثيرة في الجزيرة العربية، لكن انقرضت.
يقال: إن سبب انقراضها فتح قناة السويس؛ لأنها كانت تأتينا بالأول من أفريقيا، لما كان بين الجزيرة العربية وأفريقيا بَرّ كانت تأتينا منه، ثم لما فُتِحَت القناة امتنعت، والله أعلم هل هذا السبب أو لا.
على كل حال الآن كل ما له ناب من السباع يفترس به فهو حرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع (8).
واستثنى المؤلف الضبع، وهو دليل على أنه يرى أنها داخلة في ذلك ثم استثناها، والصحيح أنها غير داخلة أصلًا، ولو سلَّمنا أنها داخلة فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جعل فيها كبشًا (9)، وهذا يدل على أنها من الصيد.
طالب: استمرار المسلم على ملء بطنه هل يجوز مع حديث «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِِ» (10) الحديث، هل يجوز إلا للنادر لحديث أبي هريرة كما نعلم؟
الشيخ: والله لا شك أنه من الناحية الطبية أن عدم ملء البطن دائمًا أولى بلا شك، وهذا شيء مشاهَد، والعجيب -مع الأسف الشديد- أن غير المسلمين يُطَبِّقُون ذلك كما سمعت، يقولون: إنهم هناك في بعض البلاد -بلاد الكفار- يُكْثِرُون الأكل، يعني الوجبات، لكن بِقِلَّة، فتتقبل المعدة هذا الطعام وتهضمه، ثم هو يمد بدنه بالغذاء، وهذا طيب، ولكن هل قول الرسول عليه الصلاة والسلام..
الطالب: «فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا».
الشيخ: «مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ»، هل هنا الشَّرِّيَّة تعتبر شرًّا شرعيًّا، أو أنه من الناحية العادية محل توقف وتأمل، لكن لا شك أن أحسن ما يكون ما أرشد إليه النبي عليه الصلاة والسلام، وجرِّب تجد.
طالب: لو تأهَّل الحمار الوحشي هل نقول: إنه حرام؟
الشيخ: يقول: لو تأهَّل الحمار الوحشي هل يكون حرامًا؟ لا، ما يكون حرامًا؛ لأن العبرة بأصله.
الطالب: الأصل فيه الحِلّ.
الشيخ: العبرة بأصله.
الطالب: الدم على إطلاقه؟
الشيخ: لا، الدم مسفوح.
الطالب: الدم المسفوح على إطلاقه؟
الشيخ: هل يحتاج إلى قيد؟ المراد: الدم المسفوح، وهو الذي يكون قبل موت البهيمة، أما ما كان بعد الموت فإنه طاهر وحلال، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» (11).
طالب: إذا كان هناك حمار إنسي نكح حمارًا وحشيًّا، فهل الجنين نعتبره حلالًا؟
الشيخ: أنت تعقد لهما النكاح؟ !
الطالب: أنا لا أستطيع إلا إذا وافقوا.
الشيخ: هذا إن شاء الله يأتينا في آخر الفصل، وهو قوله: (وما تَوَلَّدَ من مأكول وغيره).
الطالب: التمساح يُؤْخَذ مِن أين؟
الشيخ: إي، بيجينا إن شاء.
الطالب: مِن البَرَّ ولَّا البحر؟
الشيخ: إي، بيجينا إن شاء.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هو اللي يعرفه أهل..
طالب: (... )
الشيخ: لا، المعروف أنه ما يأكل إلا عند الضرورة أو العدوان، بس إذا اعْتُدِيَ عليه أو كان مُضْطَرًّا، لكن الذئب -والعياذ بالله- أبدًا مُفْسِد، يعني شوهِد أنه يدخل على القطيع ويُشَقِّق بطونها كلها، ولا يأكل إلا واحدة.
طالب: قلنا (... ) الاستعانة على المحرَّم (... ).
الشيخ: لا يكون حرامًا؛ لأن كل ما استعان به الإنسان على الحرام فهو حرام.
الطالب: إذا نوى ولم يفعل؟
الشيخ: يكون حرامًا، فعليه أن يتوب من ذلك؛ لأنه نوى وباشر السبب الذي هو حرام الآن.
طالب: شيخ، بعض الناس إذا أراد أن يذبح الأرنب بعد ذَبْحِها يرفعها إلى أعلى حتى ما يخرج الدم (... )، هل يكون الدم مسفوحًا أو غيره؟
الشيخ: لا، هذا خطأ وقصور منه.
الطالب: لو تعمَّد؟
الشيخ: لأن خروج الدم، سبحان الله العظيم! الآن ثبت طِبًّا أن خروج الدم هو الأحسن، الآن في المذابح المتقدمة في أمريكا يُخْرِوجون الدم، لازم، لكن كيف يفعلون لأجل سرعة خروج الدم؟ يشقون أحد الوَدَجَيْن، ثم يُدْخِلُون فيه آلة ينفخون الدم عشان يطلع بغزارة من الوجه الآخر.
الطالب: وقد يكون حرامًا فعلهم هذا؟
الشيخ: والله نشك في هذا؛ لأنه لا بد يخرج الدم، ما يمكن ما يخرج أبدًا.
الطالب: يرفعونها إلى أعلى.
الشيخ: لكن لا بد يخرج الدم.
طالب: (... ).
طالب آخر: يزيد الوزن إذا ما أخرج الدم.
الشيخ: أقول: لا بد أن يخرج الدم، حتى لو رفعوه لا بد أن يخرج، فيكون داخلًا في عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ» (12)، لكن ينبغي أن يُبَيَّن لهؤلاء أن هذا خطأ منهم، العلماء يقولون: ينبغي إذا ذَبَحْتَ الذبيحة أن تدعها، تضع رجلك على عنقها وتدعها تتحرك بيديها ورجليها.
طالب: رغبة في الدم.
الشيخ: لا، رغبة في خروج الدم؛ لأن مع الحركة يخرج الدم بغزارة.
طالب: بالنسبة للحيوانات التي تعيش في البحر وفي البَرّ؟
الشيخ: ستأتينا إن شاء الله.
طالب: بالنسبة لمن أكل طعامًا فأكثر منه بحيث إنه مثلًا لا يخشع في الصلاة من الطعام، ويقول: ما فيه مضارة مثل ما أخشع في الصلاة، مثلًا في رمضان في صلاة التراويح إذا أكثر الأكل ما يخشع في صلاة أبدًا، إذا أكثر من الأكل والشرب.
الشيخ: إذن أقول: يتأذى به ولَّا لا؟
طالب: نعم، لكن يمكن..
الشيخ: دعنا من لكن، أسألك هل يتأذَّى به أو لا؟
الطالب: نعم يتأذَّى به.
الشيخ: يدخل في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه إذا كان يخاف أذية حَرُم عليه، ولهذا كثير من الناس في رمضان يجعلون العَشَاء بعد التراويح، يخشون من التأذِّي به.
طالب: استعمال التعاطي -ويش اسمه- للمُدْمِنِين، المخدرات، تجد أن الواحد يكون مدمنًا بالهيروين، يكون مدمنًا بالمخدرات أو مادة يعطونه نفس هذه المادة للعلاج، هذا يجوز؟
طالب آخر: المدمن يا شيخ المستمر ما يستطيع يصبر عنه، لازم يطلعه نفس المخدر.
الشيخ: كيف يعطونه المخدر؟
الطالب: نفس المخدر، يكون هذا مثال الهيروين، مدمن بالهيروين يعطوه كمية من الهيروين.
الشيخ: علشان؟
الطالب: علشان يدرِّجوه بالتدريج يعالجونه.
الشيخ: إي، يعني عندما يريدون انتشاله منه؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: على كل حال هذه معالجة، يعني الرجل الآن مثلًا إذا كان يتناول مثلًا غرامًا في اليوم، وبغينا نعطيه للعلاج، يعني ننزِّل من الغرام شيئًا قليلًا، وفي اليوم الثاني أقل، وفي اليوم الثالث أقل، هذا لا بأس به.
الطالب: نسبة النجاح بسيطة جدًّا تكاد لا تُذْكَر.
الشيخ: ليش؟
طالب: (... ) الطريقة اللي يعالجوه يعني يكاد يكون تسعة وتسعين في المئة ما هو بعلاج.
الشيخ: المهم فيه احتمال إنه ينجح.
الطالب: احتمال بسيط جدًّا.
الشيخ: أيهما أحسن أنه يأخذ مثلًا غرامًا ولَّا يأخذ أقل من ذلك؟
الطالب: (... ).
الشيخ: (وما له ناب يفترس به غير الضبع) ما هو الدليل (... ).
ممثل لهذه المحرَّمات التي لها ناب تفترس به، قال: (كالأسد) حيوان معروف يُضْرَب به المثل في الشجاعة.
(والنمر) يقولون أيضًا: إنه حيوان بين الكلب والأسد، وله جلد مُخَطَّط.
قال: (والذئب)، وهو أيضًا حيوان معروف، ترى كل هذه يقول: حيوان معروف؛ لأننا ما نعرف هذا الحين، حيوان معروف عند مَن يعرفه.
(والفيل)؟
طالب: معروف.
الشيخ: معروف؟
الطالب: في الحدائق.
الشيخ: في الحدائق.
(الذئب) أيضًا معروف، فيه هنا عندنا في عنيزة ذئبان إذا شئتم استأذَنَّا من صاحبهم يورِّيكم إياها، بشرط إنه يدخلكم عليها.
طالب: (... ).
الشيخ: وفيه أيضًا (الفهد) حيوان معروف، (الكلب) معروف.
طالب: بالنسبة للفهد يا شيخ والنمر؟
الشيخ: حيوان معروف ابحث عنه.
(الخنزير)؟
طلبة: معروف.
الشيخ: (ابن أوى)؟
طلبة: معروف.
الشيخ: معروف عند مَن يعرفه، ويسمى باللغة العامية (الواوي)، ولهذا إذا أردوا أن يُهَوِّشُوا أحدًا أو يزجروه قالوا؟
طالب: الواوي.
الشيخ: لا، ما ينطق الواو، يقولون له: أنت الواوي.
فيه أيضًا (ابن عِرس) حيوان معروف، (السِّنَّوْر) معروف.
طالب: قط وحشي.
الشيخ: القط، عندي أنا (النمس) بالسين، أيضًا حيوان معروف، (القرد) معروف.
طالب: (... ).
الشيخ: معروف.
الطالب: (... )
الشيخ: الدب، ما أعرفه، هنا يعرفه أهله.
طالب: (... ).
الشيخ: كل هذه أمثلة لما له ناب يفترس به، وليس من شرط أن يفترس الرجال أو يفترس المواشي، قد يفترس الصيد، وكلكم يعرف أن هذه كلها تفترس، تأكل ما دونها من الحيوانات.
(الدب) معروف، والظاهر أنه حيوان بليد، ولذلك يُضْرَب به المثل في الإنسان البليد، يُقَال: هذا فلان دب.
انتهى، هذه قسمان، انتبه، الآن نبغي نقسمها؛ القسم الأول أو الصنف الأول: الْحُمُر الأهلية، الصنف الثاني: ما له ناب من السباع يفترس به، الصنف الثالث: ما له مِخْلَب من الطير يصيد به.
(ما له مِخْلَب) الْمِخْلَب: ما تُخْلَبُ به الأشياء، أي: تُجْرَح وتُشَقَّ، والمراد بها الأظفار التي يَفْتَرِس بها، فإن هذه الطيور التي ذكرها المؤلف لها أظفار قوية تَشُقّ بها الجلود، حتى إنها تَمُرّ خاطفة بالأرنب وهي طائرة هكذا فتضربه بهذه الأظفار حتى تشق جلده، فهي إذن لها مِخْلَب.
وليس المراد بالْمِخْلَب ذلك الشيء الذي يخرج في ساق الديك، فإن هذا مِخْلَب لكنه لا يصيد به، المراد بالْمِخْلَب أيش؟ الأظفار التي تَخْلِب بها، أي: تشق وتجرح.
وقال: (كالعُقَاب) طائر معروف، (والبازي) كذلك، (والصَّقْر) طائر معروف، (والشاهين) معروف، ويسمَّى (الشاهان) عند بعض الناس، كذلك أيضًا: (الباشَق) طائر معروف، (والعَقْعَق).
طالب: طائر معروف.
الشيخ: طائر معروف.
طالب: (... ).
الشيخ: ما فيه شك، (والْحِدَأَة) معروفة، (والبومة)؟
طلبة: معروفة.
الشيخ: معروفة، إي بس، هذا الصنف الثالث.
الصنف الرابع، قال: (وما يأكل الْجِيَف)، فيه طيور تأكل الْجِيَف ولكنها لا تصيد، إذا رأت الجيفة نزلت عليها وأكلت منها لكن هي لا تصيد، مثل (النسر) معروف؟
طالب: نعم معروف.
الشيخ: (اللَّقْلَق)
طلبة: (الرَّخم)
الشيخ: ما هي عندي الرخم، لكن ما هي الرخم؟ الرخم جمع رخمة معروف، (اللَّقْلَق والعَقْعَق) معروف أيضًا.
طالب: (... ).
الشيخ: (عندي اللَّقْلَق والعَقْعَق).
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، الْعَقْعَق، غلط، صَلِّحْها.
(الْعَقْعَق والبُوم) يتشاءمون بها العرب، يقول الشاعر:
إِنَّ مَنْ صَادَ عَقْعَقًا لَمَشُومٌ
كَيْفَ مَنْ صَادَ عَقْعَقَانِ وَبُومُ
(... ) لكن الإسلام يقول: لا عدوى ولا طِيَرَة، ومَن فتح على نفسه باب الطِّيَرَة تعب مع الأشياء.
(الغراب الأبقع) يعني فيه بقعة بيضاء، هذا أيضًا حرام، وهو احتراز من غراب صغير يشبه الحمامة، هذا يقولون: إنه حلال؛ لأنه لا يأكل الْجِيَف.
(الغُدَاف)، قال المؤلف: (وهو أسود صغير أَغْبَر) معروف عند المؤلف، لكن عندنا غير معروف.
قال: (والغراب الأسود الكبير) هذا غير الأبقع، هذا الأسود الكبير.
إذن الغربان صارت ثلاثة أصناف: أبقع، وأسود كبير، وأسود صغير، الأسود الصغير هذا حلال، والأسود الكبير والأبقع هذا حرام.
طالب: يشبه الحمامة يا شيخ.
الشيخ: يشبه الحمامة.
الطالب: بس هو أسود ولَّا (... )؟
الشيخ: منقاره أصفر، كم هذه؟ أربعة ولَّا ثلاثة؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: الْحُمُر، ما له ناب يفترس به، ما له مِخْلَب يصيد.
(ما يأكل الْجِيَف) هذا الصنف الرابع فيه يقول شيخ الإسلام روايتا الْجَلَّالَة، يعني أن فيه روايتين عن الإمام أحمد؛ رواية أنها حرام، والرواية الثانية أنها حلال، وعند الإمام مالك -رحمه الله- جميع الطيور حلال لا يحرُم منها شيء، وكأنه لم يبلغه حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير (9).
والحكمة في تحريم ذوات المخالب التي تصيد بها ما أشرنا إليه في الدرس الماضي في تحريم ما له ناب يفترس به، وهي أن الإنسان إذا تغذَّى من هذا النوع من الطيور التي من طبيعتها العدوان والأذى فإنه ربما يكتسب مِن؟
طالب: صفاتها.
الشيخ: طبائعها وصفاتها، ولهذا قال العلماء: لا ينبغي للإنسان أن يُرْضِعَ ابنه امرأةً حمقى؛ لأنه ربما يتأثر بلبنها.
أما الأخير هذا وهو (ما يأكل الجيف) ففيه رواية الْجَلَّالَة، ما هي الْجَلَّالَة؟ الْجَلَّالَة هي التي أكثر عَلَفِهَا النجاسة، وفيها للعلماء قولان؛ قول بأنها حرام؛ لأنها تغذَّت بنجس فأثَّر في لحمها، والقول الثاني أنها حلال، وهو مَبْنِيٌّ على طهارة النجس بالاستحالة، قالوا: إن هذه النجاسة التي أَكَلَتْهَا استحالت إلى دم ولحم، وغير ذلك مما ينمو به الجسم فيكون طاهرًا، وحينئذٍ يكون ما يأكل الْجِيَف حلالًا ولَّا حرامًا؟
طلبة: حلالًا.
الشيخ: حلالًا، إذا قلنا بأن الْجَلَّالَة حلال فما يأكل الْجِيَف حلال؛ لأنه ليس له عدوان، لكنه يأكل النجاسة فيتنجس بها، فإذا قلنا بأن ما أكل النجاسة واستحالت في جوفه إلى دم لا ينجُس، صار ذلك حلالًا طاهرًا.
نظير ذلك من بعض الوجوه الشجر إذا سُمِّد بالْعَذِرَة، أظن العَذِرَة معروفة؟ يعني: بالنجاسة، هل يحرُم ثمره أو لا يحرُم؟
جمهور العلماء على أنه لا يَحْرُم ثمره؛ لأن النجاسة استحالت، إلا إذا ظهرت رائحة النجاسة أو طعم النجاسة في الثمر فيكون حرامًا، وهذا القول هو الصحيح بلا شك؛ أنه لا يحرُم ما سُمِّد بالنَّجِس ما لم يتغير.
وكان الناس عندنا هنا في البلاد كانوا يسمدون بأرواث الحمير، لما كانت الحمير هي التي تَسْنِي؛ تُظْهِر الماء، كانوا يَسْمِدُون بأرواثها، ولكن لو تقول لهم: اسمِدُوا بعَذِرَة الإنسان قالوا: أعوذ بالله، هذا ما يجوز، مع أنهم يَسْمِدُون بأرواث الحمير، ولا فرق بينهم، كلاهما نجس، لكن العادات تؤثِّر في العقائد، لما كانوا لا يعتادون أن يسمدوا بعذرة الإنسان قالوا: هذا حرام، ولما كانوا يعتادون أن يسمدوا بأرواث الحمير قالوا: هذا لا بأس به.
ولكن الصحيح أنه لا بأس به في الموضعين، وأن الثمر؛ ثمر النخيل أو الأشجار التي تُسْمَد بهذه النجاسات حلال وطاهرة ما لم يَظْهَر على ثمرها أثرُ النجاسة.
خمسة أصناف هي؟
قال المؤلف: (وما يُسْتَخْبَث) يعني: وَكُلُّ ما يُسْتَخْبَث، مَن اللي يستخبثه؟ قال المؤلف: (ذَوُو اليسار) يعني ذوي الغنى، يعني: الشيء الذي يستخبثه الأغنياء من الحيوانات فهو حرام.
الدليل: قوله تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]، ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ قالوا: إذن كل ما عَدَّهُ الناس خبيثًا فهو حرام.
ولكن هذا الدليل صحيح، لكن الاستدلال به غير صحيح؛ لأن معنى الآية أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُحَرِّم إلا ما كان خبيثًا، وأن ما حَرَّمَه الشرع لا تسأل عنه، فهو لا يحرِّم إلا الخبيث.
وليس المعنى: كل ما عددته خبيثًا فهو حرام، لا؛ لأن بعض الناس يستخبث الطيب، ويستطيب الخبيث، ولَّا لا؟
يُعْلِنُون عن الدخان، يقول: طيِّب النكهة لذيذ، إذن طيِّب في طعمه، وطيِّبٌ في رائحته، وطيِّب في لفافته أيضًا يُلَفُّ لفًّا طيبًا، وطيب في عَقِبِه، العَقِب تنتهي السيجارة قبل أن تشوي الفم، فيُولُونه من الأوصاف الطيبة ما يجعله من أطيب الطيبات، هل ينقلب هذا الخبيث طيبًا؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ورأينا من الناس مَن يستخبث الجراد، تعرفون الجراد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: معروف، يستخبثه، حتى إن إنسانًا منهم أذكره، كان زميلًا لنا في المعهد يدرِّس معنا، يقول: إني أكلت جرادة حتى كادت نفسي تخرج معها (... ) من كراهتي لها، ولولا أن الله لطف لَمِتُّ، إلى ها الحال يستخبثه.
ورأينا من الناس مَن يأخذ الْجُعَل، تعرفون الْجُعَل؟ الذي يتغذَّى بالعذرة النجسة، من يأخذ الْجُعَل ويَمصُّه، لا يستخبثه.
إذن لو رجعنا إلى هذه الأمور صار الحِلّ والتحريم أمرًا نسبيًّا، يكون هذا الشيء عند قوم حلالًا، وعند آخرين؟
طلبة: حرامًا.
الشيخ: حرامًا، ليش؟ لأن هؤلاء اعتادوه فاستطابوه، والآخرون لم يعتادوه فلم يستطيبوه، استخبثوه، وهذا لا يمكن أن يكون الشرع هكذا، الشرع إذا حرَّم عينًا فهي حرام عند كل الناس، وليس مطلق كون الشيء خبيثًا يقتضي التحريم، بدليل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا» (13)، ويعني بها؟
طلبة: البصل.
الشيخ: البصل، قالوا: حُرِّمَت حُرِّمَت، قال الرسول: لَا، «لَيْسَ بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لِي، وَلَكِنَّنِي كُنْتُ أَكْرَهُهُ» (13).
فإذن نقول: إن هذا الصنف -وهو السادس- الصواب خلافه، وأنه لا أثر لاستخباث ذوي اليسار.
وأن معنى الآية أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُحَرِّم إلَّا ما كان خبيثًا، فيكون الوصف بالخبث علة لما حَرَّمَه الشرع، وأن الشرع لا يُحَرِّم إلا خبيثًا، فإذا حرَّم شيئًا لا تبحث هل هو طيب أو غير طيب، إذا حرَّمه فاعلم أنه خبيث.
أما أن نقول: كل ما استخبثه الناس أو ذوو اليسار منهم فهو حرام، فهذا أمر لا يمكن؛ لأن معنى ذلك أن نرد الأحكام إلى أعراف الناس وعادات الناس.
وعليه، فالصواب أن ما يُسْتَخْبَث حلال، إلا إذا دخل في أحد الضوابط السابقة فيكون حرامًا.
مثاله: (القُنْفُذ) تعرفون القنفذ؟ معروف، حيوان معروف، صغير له شوك، إذا أحس بأحد انكمش ودخل في هذا الشوك، ولا يقدره أحد، ما يقدره إلا الحدأة، تُمْسِكُه بإحدى شوكه وتطير به في السماء ثم تطلقه، فإذا أطلقته ووصل الأرض مات وانفتح لها، حتى الدابل –الحية- ما تقدر عليه، يمسكها مع ذيلها ويبدأ يأكله يرعاه، هي تخابط ولكن تخابط على أيش؟
طلبة: على الشوك.
الشيخ: على الشوك ما يتحرك.
هذا القنفذ يقول المؤلف: (إنه حرام)، لماذا؟ لأن العرب ذوي اليسار يستخبثونه، ولو لقينا عربًا وما يتستخبثونه، صار عندهم؟
طلبة: حلال.
الشيخ: حلالًا، وأنا أقص لكم قصة، رجل من بلد عربية معينة لا نحب نذكرها، لكن هو مذهبهم، يعني ما يُلَام عليه، تسحَّر عندنا ذات يوم في رمضان، وخرج بعد صلاة الفجر على أن يأتي يفطر معنا ويتعشى، لما جاء إلى الفطور والعشاء وإذا معه خيشة فيها أشياء تتحرك، إحنا ما ظننا أن.. ما نعرف أيش اللي يتحرك هذا، فقلنا: ما هذا؟ قال: هذه قنافذ، يعني: راح على الحيطان، هي تكون دائمًا عند الحيطان القديمة، وأمسكها وجاء بها، كأنه -والله أعلم- يريد أن يهديها علينا لنطبخها له في السحور، الله أعلم، لكن قلنا: هذا ما يحل في مذهبنا، قال: هي في مذهبنا أنه يحِلّ، وأنه عندنا طعام طيب نتلذذ به.
في هذه الحال هل يجب علينا أن نفتح الخيشة هذه ونطلِّعهم؟ لا؛ لأنه عنده مالٌ مُحْتَرَم.
(النِّيص) يشبه أن يكون كبير قنافذ، حيوان كبير مثل الْهِرّ تقريبًا، وله شوك، لكنه ليس كالقنفذ، إذا أحس بأحد لحقه أو يريد أن يمسكه رماه بسهم من هذا الشوك، انتفض ثم انطلق عليك شوك من جسده وضربك، يصيبك أو ما يصيبك، هذا النِّيص.
(الفأرة)؟
طلبة: مشهورة.
الشيخ: مشهورة معروفة، حرام، واضح أنها حرام، ما عرفنا خبيثة؟ هي خبيثة، ما هو من أجل خبثها، لكن من أجل عدوانها؛ لأنها مجبولة على العداوة، ولهذا تُسَمَّى الفُوَيْسِقَة، فهي إذن حرام؛ لأنها ذات عدوان، وإلا فإن اليربوع قريب منها من حيث الجسم والشَّبَه، وهو حلال، تعرفه؟ هو الجربوع، اليربوع هو الذي يكون جِفْرُه مناسبًا في الاشتقاق لِمَن؟
طلبة: للمنافقين.
الشيخ: للمنافقين، ولهذا المنافقون مأخوذ من نافقاء اليربوع، اليربوع حيوان صغير رجلاه طوال ويداه قِصَار، وهو ذكي، يحفر له جحرًا، يفتح الباب للدخول والخروج، ثم يستمر في هذا الجحر، وعند نهايته يحفر خارجًا، ولكنه لا يفتح الباب، يخلِّي سربًا رقيقًا فوق الأرض لأجل إذا حَجَرَهُ أحد من الباب الرسمي خرج من الباب الآخر، يسير (... ) من وين يضربه برأسه يخرج ويمشي، هذا اليربوع، لكن اليربوع حلال.
طالب: الْجِرِّيّ؟
الشيخ: الْجِرِّيّ هو فأرة البر.
الطالب: وهو يحل؟
الشيخ: لا، ما يحل؛ لأنه أيضًا يعتدي.
يقول: (الحية) حرام، وفيه قاعدة للحية والفأرة وشبهها، قاعدة ينبغي أن نجعلها بدل قاعدة المؤلف؛ وهي الاستخباث، وهي: كل ما أمر الشارع بقتله أو نهى عن قتله فهو حرام.
أما ما نهى عن قتله فالأمر فيه ظاهر، حرام؛ لأنك لو تقتلته وقعت فيما نهى عنه الشارع.
وأما ما أمر بقتله فلأنه مؤذٍ مُعْتَدٍ، وعلى هذا فنقول بدل قاعدة المؤلف: كل ما أمر الشارع بقتله أو نهى عن قتله، الذي أمر بقتله مثل؟
طلبة: الفأرة.
طلبة آخرون: الحية.
الشيخ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ بِالْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»، الحية أيضًا أمر بقتلها، الوزغ أمر بقتله.
ما نهى عن قتله؟ نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصُّرَد.
الصُّرَد هذه يقولون: إنها طائر صغير مثل عصفور له منقار أحمر، لكن أنا شخصيًّا لا أعرفه، قال بعضهم: إنه ما يُعْرَف عند العامة بالصَّبْر، طير يُسَمَّى الصبر، أنا لست من أهل الطيور.
طالب: (... ).
الشيخ: معروف؟ إي.
قال المؤلف رحمه الله: (والحشرات كلها)، مثال لماذا؟ لما يُسْتَخْبَث.
(الحشرات كلها) مثل: الصارور، والخنفساء، والْجُعَل، والذباب، وما أشبه ذلك.
(والوطواط)، يسمى عندنا؟
طالب: الخفاش.
الشيخ: الخفاش، هذا الذي يطير في أول الليل.
طالب: السحاتل.
الشيخ: السحاتل أيضًا، بس ما أدري هي لغة عربية ولَّا عامية.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما فيه سؤال يا ولد، هذه ما يُسْتَخْبَث، كم صنف ذكرنا، عدُّوها زين.
طالب: خمسة.
الشيخ: الْحُمُر، وما له ناب يفترس به، وما له مخلب يصيد به، وما يأكل الْجِيَف، وما يُسْتَخْبَث، خمسة.
قال: (وما تَوَلَّد من مأكول وغيره كالبغل)، كل حيوان تَوَلَّدَ من مأكول وغيره فإنه حرام، لماذا؟ نقول: لأنه اختلط مباح بحرام على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر، فكان حرامًا؛ إذ لا يمكن اجتناب الحرام حينئذٍ إلا باجتناب الحلال، واجتناب الحرام واجب، فكان اجتناب الحلال واجبًا، هذا السبب.
(البغل) متولِّد من الحمار ينزو على الفرس، ولهذا ورد في حديث رواه أبو داود، وهو لا بأس به، أن الرسول نهى أن يُنْزَى الحمار على الفرس (14)؛ لأنها تُوَلِّد البغل.
(البغل) حيوان متولِّد من بين الحمار، ويش بعد؟ والفرس، لا يمكن أن يتميز الحلال من الحرام، ولَّا لا؟ كل ذرة منه جامعة بين الحلال والحرام، فلا يمكن اجتناب الحرام إلا باجتناب الحلال، ولهذا نقول: العلة في ذلك أن الله تعالى حرَّم الْحُمُر، وهذا متولِّد من حمار وفرس، والفرس حلال، ولكن لا يمكن تمييز الحلال من الحرام، فحرم الجميع؛ لأن ما لا يتم الواجب إلَّا به فهو واجب.
طالب: تولَّد من مأكول.
الشيخ: مأكول يؤكل، يعني مأكول حلال.
طالب: (ومَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ: كَالبغْلِ من الخَيْلٍ وَالحُمُرٍ الْأَهْلِيَّةِ، والسِّمْعِ، وهو ابن ذِئْبٍ والضَبُعِ، وَمَا تجهَلُهُ الْعَرَبُ وَلَم يُذْكَر فِي الشَّرْعِ يُرَدُّ إلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ، وَلَوْ أَشْبَهَ به مُبَاحًا ومُحَرَّمًا غُلِّبَ التحريم، ودودِ جُبْنٍ وخَلٍّ ونحوها يُؤْكَلُ تَبَعًا).
الشيخ: إذن: عندنا إذا أضفنا ما ذكرتم تكون الأصناف؟ سبع، إذا أضفناه إلى كلام المؤلف تكون الأصناف سبعة، وإذا حذفنا الخامس من كلام المؤلف؟
طالب: صارت ستة.
الشيخ: صارت ستة، هذه أنواع محرَّمة من الحيوانات، حيوانات البَرِّ.
حيوانات البحر؟
طالب: كلها حلال.
الشيخ: قلنا: كلها حلال، واستدللنا بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96]، وقلنا: إن المراد بصيده ما أُخِذَ حيًّا، وبطعامه ما أُخِذَ ميتًا، هكذا فسَّره ابن عباس رضي الله عنهما.
(5)
طالب: شيخنا، هنا جمع بين البر والبحر؟
الشيخ: والله الأصل الحِلّ حتى يقوم دليل.
طالب: شيخ، الْخُطَاف؟
الشيخ: والْخُطَاف أيضًا، بس الفقهاء نصوا على الْخُطَاف إنه حرام.
طالب: شيخ (... ).
الشيخ: إي، ما ذكر المؤلف.
الطالب: (... ).
الشيخ: قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وما عدا ذلك فحلال)، (ما) هنا نعتبرها شرطية.
طالب: موصولة.
الشيخ: والذي عدا ذلك؟ لماذا لا نجعلها شرطية، ويش المانع؟ لأن (عَدَا) فعل ماضٍ مبني على الفتح الْمُقَدَّر على آخره، لا يظهر عليه علامة الجزم، والأصل فيما ارتبط بالفاء أنه؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، الأصل أنه شرط؛ لأن الفاء الرابطة الأصل أن تأتي في الأدوات الشرطية، ولهذا نقول: إذا جاءت في خبر مبتدأ الموصول ماذا نقول فيها؟ نقول: شُبِّهَ الموصول بالشرط؛ لعمومه، وهذا يدل على أن الأصل هو الشرط، فإذا لم يكن في الكلام ما يُعَيِّن أن تكون (ما) موصولة، فلتُجْعَل (ما)؟ شرطية؛ لأن الأصل أن الربط بالفاء إنما يكون؟
طلبة: للشرط.
الشيخ: للشرط، يعني: (ما عدا ذلك)، أي: ما تجاوزه، أي: ما سوى ذلك (فحلال)، أي: فهو حلال.
(فحلال) خبر مبتدأ محذوف، إذا قال قائل: ما الدليل؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: الأصل، يعني: عدم الدليل، الدليل هو عدم الدليل، أي: عدم الدليل على التحريم، مثاله قال: (كالخيل)، وهنا قد نحتاج إلى دليل يدل على إباحة الخيل؛ لأن بعض العلماء حرَّمَه، حرَّم الخيل، كأبي حنيفة، وبعضهم كَرِهَهَا كمالك، وبعضهم أباحها كالإمام أحمد.
لو قلنا: إن الخيل لا نحتاج إلى الاستدلال لِحِلِّها؛ لأنه الأصل، قلنا: هذا صحيح، لكن ما دمنا قد عارضنا أحد من أهل العلم مُسْتَدِلًّا بدليل من القرآن، فلا بد أن نأتي بدليل واضح على حِلِّها، فما هو الدليل.
الدليل حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الْحُمُر، وأَذِنَ في لحوم الخيل (15)، واضح، نهى وأَذِن، وكذلك حديث أسماء في البخاري، قالت: نحرنا فرسًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ونحن في المدينة فأكلناه (16)، ونحن في المدينة، يعني متأخِّر، فأكلناه، وإنما نصت على أنه في المدينة؛ لأن سورة النحل التي فيها دليل مَن استدل على تحريمها مَكِّيَّة ولَّا مدنية؟ مكية.
إذن الخيل مباحة، ولها دليل إيجابي، ودليل سلبي؛ الدليل السلبي عدم الدليل على التحريم، فيكون الأصل الإباحة، والدليل الإيجابي حديث جابر، وحديث أسماء رضي الله عنهما.
ولكن ذهب بعض العلماء إلى التحريم كأبي حنيفة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 7، 8]، فالأنعام قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ ويش بعده؟ ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ﴾ قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، إذن فَقَسَّمَ الله سبحانه وتعالى هذه البهائم إلى قسمين: قسم له كذا، وقسم له كذا، وذكر الخيل فيما يحرُم وهي البغال والحمير، فلتكن محرَّمة، وذكر الحكمة وهو الركوب والزينة، ولو كان الأكل سائغًا لذكره؛ لأنه غاية لمن اقتناها.
وهذا استدلال لولا الأحاديث لكان له وجه، ولكن إذا كانت الأحاديث مصرِّحة بأنها –أي: الخيل- حلال، فإنه لا يمكن أن يكون هذا الدليل قائمًا؛ لأن السُّنَّة تفسِّر القرآن وتبينه.
فإن قلت: إذن لماذا هذا التقسيم؟ قلنا: لأن أعم منافع الخيل هو الركوب والزينة، وفيه أيضًا إشارة -والله أعلم- أنه لا ينبغي أن تُجْعَل الخيل للأكل، وإنما تُجْعَل للركوب وللزينة وللجهاد في سبيل الله.
أما الأكل فهناك ما هو ما يكفي عنها، وهي الأنعام، فالإبل أكبر منها أجسامًا وأكثر منها لحومًا، والبقر والغنم فيها ما يكفي، فهذا هو الحكمة -والله أعلم- أنها قُرِنَت بالبغال والحمير؛ لأن أعم ما يُنْتَفَع به فيها هو الركوب والزينة، ولأجل ألَّا تُتَّخَذ للأكل، لأنها لو اتُّخِذَت للأكل لفَنِيَت، وبطل الانتفاع بها في الجهاد في سبيل الله.
قال المؤلف: (وبهيمة الأنعام)، بهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم، وسُمِّيَت بهيمة لأنها لا تتكلم، فأمرها مُبْهَم عندنا، أرأيت الشاة في البيت، هل إذا جاعت تقول: أعطني عَلَفًا؟ ما تقول، لكن ربما تَثْغ، طيب إذا ثغت هل يتعين أن يكون ثُغَاها لطلب العَلَف؟ ربما لطلب الماء، ربما لطلب الفحل، ربما إنه مثلًا مرض فيها، ربما إنها متوحِّشة، المهم لها أسباب، مهما كان ما ندري ويش العلة، ولهذا سُمِّيَت بهيمة، ما هو الدليل على حِلِّ بهيمة الأنعام؟
طالب: عدم الدليل.
الشيخ: نقول: ما تحتاج دليلًا، الأصل، ومع ذلك فالحمد لله فيه أدلة كثيرة، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 1]، وقال الله عز وجل: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 143، 144].
قال: (والدجاج)، الدجاج حلال؟
طلبة: حلال.
الشيخ: حلال، بناء على أيش؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: الأصل، وقد رُوِيَت فيه أحاديث الله أعلم بصحتها، أنها أُكِلَت على عهد النبي عليه الصلاة والسلام (17)، لكن نحن لسنا في ضرورة إلى هذه الأحاديث؛ لأن الأصل الْحِلّ.
إذا كان الدجاج غير سعودي يَحِل؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يحل، إي نعم، سواء سعودي، أمريكي، روسي (... )، ما دام هو دجاج فإنه حلال.
وقال المؤلف: (والوحشي من الْحُمُر) حمار الوحش حلال، فيه دليل؟
طلبة: (... ).
الشيخ: الأصل.
طلبة: (... ).
الشيخ: عندنا الأصل، امسكوا الأصل هذا لأجل ما أحد يفحمكم؛ لأنكم لو ذهبتم إلى الدليل الإيجابي معناه تعبتم، لكن إذا قلتم: الأصل، إذا قلتم: إنه حرام، نقول: من يقول ذلك.
ثم نقول: عندنا دليل؛ إيجابي وهو حديث الصعب بن جَثَّامة (6)، وحديث أبي قتادة رضي الله عنه (18)، وعندنا أيضًا حديث أنس بن مالك: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية أو الإنسية (19) -شككت الآن- فإن مفهوم الأهلية يدل على حِلّ الوحشية.
طالب: حديث الدجاج متفق عليه (17).
الشيخ: إي، متفق عليه؟ الحمد لله، أنا بعيد العهد به، عندك
الطالب: إي نعم (... ).
الشيخ: زين، الحمد لله، إذن يكون الدجاج ثابتًا بالنص ذاته غير الأصل.
(الوحشي من الْحُمُر ومن البقر)، الوحشي من البقر أيضًا حلال، ليش؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: بناء على الأصل.
يقول المؤلف: (والضَّبّ)، الضب معروف.
طلبة: الظباء.
طلبة آخرون: البقر والظباء.
الشيخ: لا، عندي: (الضب والظباء).
طلبة: الضب والظباء.
الشيخ: الضب حلال، الدليل؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: الدليل الأصل، وفيه أيضًا أحاديث صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكلها؛ لأنها لم تكن في أرض قومه، فَكَرِهَها كراهة نفسية لا شرعية.
(الظباء) جمع ظَبْي، وهو معروف أيضًا، وهو حلال، الدليل؟
طالب: الأصل.
الشيخ: الأصل، ولأن في صيده في حال الإحرام فدية، وكل شيء فيه فدية فإنه حلال.
عندي: (النعامة) معروفة، حلال؛ للأصل، ولأن الصحابة قضوا فيها إذا صادها المحرِم بِبَدَنَة، وهذا دليل على الحِلّ.
(والنعامة والأرنب)، معروف بناء أيضًا على الأصل.
(وسائر الوحش)، يعني غير ما اسْتُثْنِيَ فيما سبق من المحرَّمات فإنه حلال.
يقول عندي: (كالزرافة والوبر واليربوع والطاوس والبَبَّغَاء) كل هذه حلال؛ بناء على أيش؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: بناء على الأصل.
طالب: أيش تعريف الوحش؟
الشيخ: سائر الوحش يعني الطيور وشبهها والظباء اللي غير مألوفة.
الطالب: كل ما تَوَحَّش؟
الشيخ: إي نعم، كل ما توحش، غير مألوف.
ثم قال المؤلف: (ويُبَاح حيوان البحر كلِّه) ولَّا: كلُّه؟
طلبة: كلُّه.
طلبة آخرون: بالرفع.
طالب آخر: بدل الحيوان.
الشيخ: إي زين، هو لا شك أن (كل) من ألفاظ التوكيد، لكن هل هي توكيد للبحر، ولَّا توكيد للحيوان؟
طلبة: للحيوان.
الشيخ: للحيوان، إذن: (يُبَاح حيوان البحر كلُّه) بالرفع، والدليل أنها تفيد الحيوانَ الاستثناءُ، قال: (إلا الضِّفْدَع).
(يُبَاح حيوان البحر كلُّه) الدليل؟
طلبة: الأصل.
الشيخ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ﴾ الأصل، ﴿مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ودليل إيجابي قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96]، قال ابن عباس: صيد البحر: ما أُخِذَ حيًّا، وطعامه: ما أُخِذَ ميتًا (5).
(يباح حيوان البحر كلُّه)، كل الحيوان لو كان على صفة الحمار؟
طلبة: يباح.
الشيخ: والكلب؟
طلبة: يباح.
الشيخ: والإنسان؟
طلبة: يباح بالنسبة لحيوان البحر.
الشيخ: إي كله، إلا ثلاثة أشياء: (الضِّفْدَع والتمساح والحية)، هذه ثلاثة لا تباح.
(الضفدع) يقول: (لأنها مُسْتَخْبَثَة) مع أن الضفدع في الواقع هو بَرِّيّ ولَّا بحري؟
طلبة: برَّمائي.
الشيخ: إي، بَرِّيّ بحري، إذن ليس من حيوان البحر؛ لأن حيوان البحر هو الذي لا يعيش إلا في الماء، هذا حيوان البحر، وعلى هذا فالضفدع يعتبر من الحيوانات البرية البحرية.
ويقول المؤلف: إنه مُسْتَخْبَث، وإذا كانت العلة هي الاستخباث فإننا نرجع إلى ما سبق، وهو هل الاستخباث يعتبر علة مؤثِّرة أو لا؟
والتِّمْسَاحَ والحيَّةَ، ومَن اضْطُرَّ إلى مُحَرَّمٍ غيرِ السُّمِّ حلَّ له منه ما يَسُدُّ رَمَقَه، ومَن اضْطُرَّ إلى نَفْعِ مالِ الغيرِ معَ بقاءِ عَيْنِه لدَفْعِ بَردٍ أو استسقاءِ ماءٍ ونحوِه وَجَبَ بَذْلُه له مَجَّانًا، ومَن مَرَّ بثَمَرِ بُستانٍ في شَجَرِه أو مُتساقِطٍ عنه ولا حائطَ عليه, ولا ناظرَ, فله الأَكْلُ منه مَجَّانًا من غيرِ حَمْلٍ.
و (تَجِبُ) ضِيافةُ المسلِمِ الْمُجتازِ به في القُرَى يومًا وليلةً.
(بَابُ الذَّكَاةِ)
لا يُباحُ شيءٌ من الحيوانِ المقدورِ عليه بغيرِ ذَكاةٍ, إلا الجرادَ والسمكَ وكلَّ ما لا يعيشُ إلا في الماءِ، ويُشترَطُ للذكاةِ أربعةُ شروطٍ:
(أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّي) بأن يكونَ عاقلاً مُسلِمًا أو كِتَابِيًّا, ولو مُراهِقًا أو امرأةً
عن ذلك إجماعٌ من أهل العلم، فإنْ كانت المسألةُ إجماعيةً فلا مناص عن موافقة الإجماع.
(التِّمساح) التمساح نوعٌ من الأسماك يفترس، هذا أيضًا يَحرُم ولو كان من حيوان البحر، ليش؟ قال: لأن له نابًا يفترس به.
فهل هذا صحيح؟
الجواب: نعم، ليكنْ له نابٌ يفترس به، لكنَّه ليس من السباع، ولهذا ليس ما يَحْرُم في البر يَحْرُم نظيره في البحر؛ فالبحر عبارة عن شيءٍ مستقلٍّ، حتى يوجد غير التمساح له نابٌ يفترس به: القِرش، يوجد أيضًا أشياء غريبة إذا شافت الإنسان ارتَقَت فوقه -كما حدثني الذين يغوصون في البحر- تكون فوقه مِثل الغمامة، ثم تنزل شيئًا فشيئًا حتى تكبس عليه، إذا كبسَتْ عليه يموت، لكنْ يقول لي أحد البحَّارة: إنه -سبحان الله العظيم- لها المحلُّ الذي يخرج منه فضلات الطعام، يقول: إذا قام الإنسان يَحُكُّه كذا بدأتْ ترتفع.
ولهذا اللي يعرفونها يتوقَّونها إذا شافوا ظِلَّها، لكنْ إذا ما تمكَّنوا فعلوا هذا ثم ترتفع حتى يخرجوا.
الحاصل أن فيه أشياء تَقْتل، ومع ذلك فإنها حلالٌ، وعليه فإننا نقول: الصحيح أنه لا يُستثنى التمساحُ وأنه يؤكل.
قال: (والحيَّة).
في البحر حيات؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه حيات.
ليش؟ يقول: لأنها مستخبَثة.
لو أنَّا أخذْنا كلمة (مستخبَثة)، أولًا: فيها نظرٌ كما سبق.
والشيء الثاني: ليس ما يُستخبَث في البَرِّ يكون نظيره في البحر مُستخبَثًا.
وعليه فالصواب أنه لا يُستثنى من ذلك شيء، وأنَّ جميع حيوانات البحر التي لا تعيش إلا في الماء حلالٌ حيُّها وميتها؛ لعموم الآية الكريمة التي ذكرناها من قَبْل.
يقول المؤلف رحمه الله: (ومَن اضْطُرَّ إلى مُحَرَّمٍ غير السمِّ).
المؤلف رحمه الله لَمَّا بيَّن الحلالَ والحرامَ.. تناوُل الحلالِ لا يشتبه، أو لا؟ أيش حكمه؟
طالب: حلال.
الشيخ: تناوُل الحلالِ حلالٌ، تناوُل الحرامِ حرامٌ.
لكنْ إذا دَعَت الضرورة.. شوف: (مَن اضْطُرَّ)، وأصل (اضْطُرَّ) في التصريف أصلُها: اضْتُرَّ.
ولا يصح أنْ نقول: اضْطَرَّ؛ لأن الإنسان مُلْجَأٌ وليس مُلْجِئًا، نعم إنْ قلتَ: اضطَرَّ فلانٌ فلانًا أنْ يفعل كذا؛ صَحَّ، أمَّا إذا كان وصْفًا لِمَنْ وقعتْ به الضرورة فلا يجوز أنْ نقول: اضْطَرَّ، ولهذا في القرآن: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: 173] أي: ألجأَتْهُ الضرورة.
وبعض الناسِ الآن من الطلبة يقول: اضْطَرَّ.
خطأ؛ اضطَرَّ غيرَه، اضطُرَّ: اضطَرَّهُ غيرُه.
ومعنى (اضطُرَّ) أي: أصابتْه ضرورةٌ إلى فِعْلِ هذا الشيء؛ أي: لَحِقَه الضرر إنْ لم يفعل، هذا (مَن اضطُرَّ)؛ لَحِقَه الضرر إنْ لم يفعل.
(مَن اضْطُرَّ إلى مُحَرَّمٍ غير السمِّ) مُحَرَّم منين؟ ما هو مِن كلِّ شيء؛ مُحَرَّم من هذه الأشياء المحرَّمة من المأكولات.
(اضْطُرَّ إلى محرَّم حلَّ له منه ما يَسُدُّ رَمَقَهُ) استثنى المؤلفُ السمَّ، وسنتكلم عليه.
(حلَّ له منه ما يَسُدُّ رَمَقَهُ).
(يَسُدُّ) أي: يكفي، (رَمَقَهُ) أي: بقيَّةَ حياته، ولهذا يقال: الحيوان إذا وصلَ إلى حال الموت يقول: هذا ما فيه رَمَقٌ؛ أي: ما فيه بقيَّةُ حياةٍ، فيحِلُّ للمضْطَرِّ أنْ يأكل ما يَسُدُّ رَمَقَهُ؛ يعني ما تبقى معه الحياةُ فقط، ولا يَشْبع، إنما يأكل ما يَسُدُّ الرمقَ فقط؛ الدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173].
إذَنْ إذا اضْطُرَّ الإنسانُ إلى المحرمات هذه جازَ له أكلُها، لكن الله عز وجل اشترطَ شرطين: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي: مجاعة، والثاني: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ يعني: غير مائلٍ إلى الإثم؛ أي: ما ألجأَهُ إلَّا الضرورة، ما قَصَد الإثم، فهذا يُباح له.
في الآية الثانية: ﴿مَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ فقيل: إن الباغي هو الخارج على الإمام، والعادي: الطالب للمحرَّم؛ المعتدي.
وعلى هذا فإذا كان السفر محرَّمًا مَثَلًا، اضطُرَّ في سفرٍ محرَّمٍ إلى أكل الميتة، قُلْنا: لا تأكلْ؛ لأنك باغٍ وعادٍ.
والصواب: أنَّ الباغي والعادي وصْفانِ للتناول؛ أي: غير باغٍ في تناوُله؛ أي: لا يريد بذلك أنْ يتناول المحرَّم.
﴿وَلَا عَادٍ﴾ أي: متجاوزٍ قَدْرَ الضرورة؛ لتُفَسَّر الآية التي في البقرة بالآية التي في سورة المائدة.
المؤلف رحمه الله يقول: (حَلَّ له ما يَسُدُّ رَمَقَهُ).
وهل له أن يشبع؟
طالب: على كلام المؤلف: لا.
الشيخ: على كلام المؤلف: لا، ليس له أن يشبع؛ لأن هذا الأكل أكلُ ضرورةٍ، فيتقيَّد بقَدْر الضرورة، لكنْ لو جاع مرَّةً ثانيةً أَكَل، لا مانع.
وقيل: له أن يشبع إن خاف أن يجوع في المستقبل، ولكن الصواب أنه ليس له أن يشبع، وأنَّ هذا الأكل ضرورةٌ، فيتقيَّد بقدرها، وإذا خاف فإنه يحمل معه، له أن يتزوَّدَ من هذا اللحم إذا كان يخشى أن يجوع قبل أن يَصِل إلى بلده مَثَلًا، وإذا تزوَّد وحمل معه فليس عليه خَطَرٌ، لكنْ إذا شبع ربما مع هذا اللحم الخبيث يكون عليه تُخمة ونَتْن في بطنه فيتضرَّر.
فالصواب هنا ما ذكره المؤلف؛ أنه لا يحلُّ له إلا ما يَسُدُّ رَمَقَهُ ويردُّ عليه قوَّته.
وقول المؤلف: (غير السمِّ) استثنى السمَّ، و (السم) هذه مثلثة السين؛ يعني أنها تصلح: سَم، وسِم، وسُم، الإنسان ما يغلط فيها.
السم لو اضطُرَّ إليه لا يأكل منه، ليش؟
لأنه إذا أكل من السم أسرع إلى نفْسه القتل، معلوم؛ واحد عنده مَثَلًا كيلو من السم يقول: أنا جوعان (... ) الآن، أبغي آكل الكيلو من السم.
ويش نقول؟ نقول: أبشِرْ بالموت السريع؛ لأنك لو بقيتَ لم تأكلْه ربما يُسهِّل الله لك شيئًا تأكله، لكن الآن قتلتَ نفسك، فالسم لا يحلُّ.
لو اضطُرَّ إلى شُرب لبن الأتان؟ -الأتان: الحمارة- يحلُّ؟
إي، يحلُّ له ذلك، كلُّ المحرَّمات التي لا تضرُّ بذاتها إذا اضطُرَّ إليها الإنسانُ أكل منها وشَرِب.
لو اضطُرَّ إلى شُرب ماءٍ محرَّمٍ يشرب؟ يشرب، نعم.
اضطُرَّ إلى شُرب الخمر؟ لا يشرب.
ليش؟
يقول العلماء: إن الخمر لا يُغني من العطش، بلْ يزيد العطش، ومع ذلك إذا اضطُرَّ إليه بحيث تندفع ضرورتُه بتناوُله حلَّ له الخمر، ومَثَّلوا لذلك برجُلٍ غصَّ بلُقْمةٍ ولم يحضُر عنده إلا كأس الخمر، له أن يتناول؟ نعم، بسْ ما يدفع اللقمة فقطْ ويُمسك، لماذا؟ لأنه هنا تندفع به الضرورة، أمَّا غيره ما تندفع به الضرورة.
اشتهر عند العامَّة أن نوعًا من السُّعال -السُّعال تعرفونه؟ الكحَّة- أنه يُداوَى بلبن الأتان، وكان العامَّة أصوليِّين يعرفون الأصول الشرعية ويقولون: إذا حلَّت الضرورةُ حلَّت المحرَّمات.
(حلَّت) الأولى بمعنى: نزلتْ، و (حلَّت) الثانية بمعنى: أُبيحتْ، ففيه جِناس، أيش نوعه؟ جِناسٌ تامٌّ؛ إذا حلَّت الضرورة حلَّت المحرمات.
و: لا نعلم للشَّهَّاقة دواءً إلا لبن النَّهَّاقَة.
طالب: سجعٌ.
الشيخ: سجعٌ؛ يقولون: دواءُ الشَّهَّاقَة، لبنُ النَّهَّاقَة.
نعم، صحيحٌ هذا ولَّا لا؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: هذا غير صحيح؛ أولًا: لأن الله لم يجعلْ شفاءَنا فيما حرَّمَ علينا.
الثاني: أنَّ معنى الضرورة -إذا قيل: ضرورة- معناه أن يُضْطَرَّ الإنسانُ إلى هذا الشيء بعينه، هذا واحد، ثانيًا: وأنْ تندفع ضرورتُه به، انتبه لهذا.
يعني الضرورة التي تُبيح المحرَّم يُشترط لها شرطانِ، ما هما؟
أنْ يتعيَّن دفْع ضرورته بهذا الشيء لا بغيره.
والثاني: أنْ تندفع الضرورةُ به.
هل الدواء ينطبق عليه هذا ولَّا لا؟ ما ينطبق.
ليش؟
أولًا: لأن الإنسان قد يُشفَى بدون تناوُل الدواء، وهذا شيءٌ كثيرٌ، صح؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: وكم شُفينا -والحمد لله- من أمراضٍ بدون أن نتناول الدواء، وغالبكم أو كلُّكم مرَّ عليه هذا، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إذَنْ لَسْنا في ضرورةٍ إلى تناوُل الدواء.
ثانيًا: ربما يكون هناك دواء غير هذا يُغني عنه، إذَنْ لَسْنا في ضرورة إلى هذا الدواء.
ثم قلنا: وأنْ تندفع ضرورته به.
فهل الدواء تندفع به الضرورة؟
قد تندفع وقد لا تندفع؛ يعني: قد يُفيد وقد لا يُفيد، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» (1). يعني الموت، فإذا لم يُرِد الله عز وجل أنْ يُشفى هذا المريضُ لم يُشْفَ ولو بالدواء.
إذَنْ هلْ تندفع الضرورة بالدواء ولَّا لا؟ يعني: يزول المرضُ بالدواء ولَّا لا؟
لا، قد يزول وقد لا يزول.
إذَنْ فلسْنا في ضرورةٍ إلى الدواء، وبهذا تبيَّنَ أنَّ هذه القاعدة التي استعمَلها العامَّة وخلصوا منها إلى البلاغة أيضًا بقولهم: حلَّت وحلَّت.
وأتوا بالسجع أيضًا، محسِّنات لفظية ومعنوية، كلُّها أيش؟ قاعدةٌ باطلةٌ ما لها أصل.
واضح ولّا لا؟
طالب: (... ) فنهى عنه عليه السلام؛ عن قتل الضفدع (2)، رواه أحمد.
الشيخ: إي، نهي عن قتله، أقول: فيه نظر.
(... ) في أصول الفقه: إذا جاء الأمر بعد النهي فهو للإباحة، وإذا جاء الحِلُّ بعد التحريم فإنه يُقصَد به ارتفاع التحريم، ولا ينفي أنْ يكون الشيءُ واجبًا.
فقول المؤلف: (حلَّ له) أي: ارتفع التحريم؛ لأنه في هذه الحال إذا اضطُرَّ إلى أكل المحرَّم، نقول: هو حلالٌ، إنْ شئتَ فَكُل، وإنْ شئتَ فلا تأكل؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ يجب أنْ يأكل لإنقاذ نفسه، وعليه فيكون التعبير هنا بالحِلِّ في مقابل التحريم، فلا ينافي الوجوب، انتبه إلى هذا.
استثنى المؤلف (... ).
(اضْطُرَّ إلى نَفْعِ مالِ الغيرِ مع بقاءِ عَيْنِهِ).
نحن نقول: المؤلف ذكر الاضطرار إلى نفْع مالِ الغير، ونحن نُكمل الفائدة فنقول: الاضطرار إلى مال الغير إمَّا أن يكون إلى عينه وإمَّا أن يكون إلى نفعه.
مثال الاضطرار إلى عينه: جاع الإنسانُ وليس عنده إلا خبزٌ لغيره.
هنا الاضطرار إلى أي شيء؟ إلى عين المال.
الاضطرار إلى نفعه: بَرَدَ الإنسانُ، واضطُرَّ إلى لِحاف غيره.
الاضطرار هنا أيش؟ إلى نفعه لا إلى عينه؛ لأن اللحاف سيبقى، والذي يُستعمل أو الذي يُنتفع به هو التدفئة بهذا اللحاف.
المسألة الأولى: إذا اضطُرَّ إلى مال الغير فإنَّ صاحب المال إنْ كان مضطرًّا إليه فهو أحقُّ به؛ مثاله: رجُلٌ معه خُبزةٌ وهو جائعٌ، وصاحبه جائعٌ وليس معه خُبزة، الصاحب الآن محتاج إلى أيش؟ إلى عين مالِ الغير، لكن الغير أيضًا محتاج إليها، ففي هذه الحال لا يحلُّ للصاحب أن يأخذ مالَ الغير؛ لأن صاحبه أحقُّ به منه.
ولكنْ هل يجوز لصاحبه أن يؤْثِره أو لا؟
المذهب أنه لا يجوز؛ أنَّ الإيثار في هذه الحال لا يجوز، وقد سبق لنا قاعدةٌ في ذلك وهي: الإيثار بالواجب غير جائزٍ.
ولَّا لا؟ أين مرَّتْ علينا؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، مرَّتْ علينا في باب التيمم؛ إذا كان الإنسان ما معه إلا ماءٌ يكفي لطهارته، وفيه آخَر محتاج للماء، قلنا: ما تعطيه إيَّاه وتتيمم أنت؛ لأن هذا إيثارٌ بالواجب، والإيثار بالواجب حرام.
وعلى هذا فإذا كان صاحب الطعام محتاجًا إليه -يعني مضطرًّا إليه كضرورة الصاحب- فإنه لا يجوز أنْ يؤْثِر به الصاحب، ليش؟ أقول: لماذا؟ لأنَّ هذا يجب عليه أن يُنقذ نفسه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» (3)، فلا يجوز أن يؤْثِر غيره؛ لوجوب إنقاذ نفسه من الهلَكَة قبل إنقاذ غيره، هذا هو المشهور من المذهب، ووجْهه كما رأيتم.
وذهب ابن القيم رحمه الله إلى أنه يجوز في هذه الحال أن يؤْثِر غيرَه بماله، ولكن المذهب في هذا أصحُّ وأنَّه لا يجوز، اللَّهم إلا إذا اقتضت المصلحة العامَّة للمسلمين أن يؤْثِره
فقدْ نقول: إن هذا لا بأس به؛ مثل لو كان هذا الصاحبُ المحتاجُ رجُلًا يُنتفع به في الجهاد في سبيل الله، أو رجُلًا عالِمًا ينفع الناسَ بعلمه، وصاحبُ الماءِ المالكُ له مثلًا أو صاحبُ الطعامِ رجُلًا من عامَّة المسلمين، فهنا قد نقول بأنه في هذه الحال مراعاةً للمصلحة العامَّة له أن يؤْثِره، وأمَّا مع عدم المصلحة العامَّة فلا شك أنه يجب على الإنسان أن يختصَّ بهذا الطعام الذي لا يمكن أن يُنقذ به نفسه وصاحبه.
انتهينا من هذا.
إذا كان طعام الإنسان كثيرًا ووجد مضطرًّا إليه فإنه يجب أن يبذله له وجوبًا.
أنتم فاهمون الآن؟
للمرة الثانية نقول: إذا اضطُرَّ إلى عين مال الغير فإنْ كان الغيرُ مضطرًّا إليه فهو أحقُّ به ولا يؤْثِر غيره به، إذا كان غيرَ مضطرٍّ إليه وجب أن يبذله لهذا المضطرِّ وجوبًا.
عرفتم؟
وهل يبذله مجَّانًا أو بالقيمة؟ فيه خلافٌ بين العلماء:
قال بعضهم: يجب أن يبذله له مجَّانًا، ليش؟ قال: لأن إطعامَ الجائع فرضُ كفاية، والفرض لا يجوز أن يتَّخذ عليه الإنسانُ أجرًا.
فهمتم التعليل؟
وقال آخرون: بل يجب أن يبذله له، وعلى المنتفع به القيمة؛ لأنه أتلفَ عينَ مالِ الغير، فلَزِمه عِوَضُه؛ قيمتُه إنْ كان متقوِّمًا ومِثلُه إنْ كان مثليًّا.
وهناك تفصيلٌ أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه إنْ كان معه العِوَض وجبَ بَذْلُه.
إن كان معه، مع من؟
طلبة: مع المضطرِّ.
الشيخ: مع المضطرِّ العِوَض وجبَ بَذْله، وإنْ كان فقيرًا فليس عليه شيءٌ؛ لأن الفقير مِن أين يُوفِّي؟ ! وإطعامُ الجائعِ واجبٌ، بخلاف الغنيِّ فإنَّ عنده ما يعوِّض به صاحبَ المال.
وهذا القولُ كما ترون قولٌ ويش نسمِّيه؟ متوسطٌ، قولٌ وَسَطٌ، وله وِجْهةٌ من النظر.
فإنْ أَبَى أنْ يعطيه -يعني صاحب المال أو الطعام أَبَى أنْ يُعطي المضطرَّ- جاء يتكلم معه، لا يستطيع الكلام، يُشير يقول: أعطني، يشير إشارة؛ هذا قال: الحمد لله، أنا أتمنَّى موتَك مِن قَبْل وجاء بك الله، ما أنا معطيك شيئًا.
أَبَى أنْ يعطيه، هل له -أي: لهذا المضطرِّ- أنْ يأخذه بالقوة؟
نعم، له أنْ يأخذه بالقوة.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، نحن فرضْنا المسألة على سبيل المبالغة، له أن يأخذه بالقوة، وأنت عارف الموت، الموت أحمر يقولون، لو كان الآن ضعيفًا سيكون قويًّا، له أن يأخذه بالقوة.
إذا لم يمكن أنْ يأخذه إلا بالقتال، يُقاتل؟
قال العلماء: يُقاتل، فإنْ قُتِلَ صاحبُ المالِ فهو ظالم، وإنْ قُتِلَ المضطرُّ فهو شهيد.
إذا قُدِّر أنه عجز ولا تمكَّن حتى مات، فهل يضمنه صاحبُ الطعام ولَّا ما يضمنه؟ أنتم فاهمون الآن؟
شوف المراحل: هذا الرجُل عَجَز أن يخلِّص المال من صاحبه لينقذ به نفسه فمات، فهل يضمنه صاحب الطعام؟
قال بعض العلماء: يضمنه؛ لأنه تعدَّى بترك القيام بالواجب.
أليس واجبًا عليه أنْ ينقذه؟ ! لم يقُم بالواجب فيضمن لتعدِّيه.
وقال آخرون: إنه لا يضمن؛ لأنه لم يمتْ بسببه.
عرفتم الآن؟
والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه يضمنه؛ إذا طلبَ الطعامَ ولم يُعطِه فإنه يضمنه، أمَّا لو مرَّ بشخصٍ مضطرٍّ ولكنه ما طلبَ فإنه لا يضمنه.
هل مثل ذلك لو شاهدتَ إنسانًا غريقًا بالماء وهو يشير: أنقِذْني أنقِذْني يا رجل، أنقِذْني.
وتركتَه حتى غرق، تضمن ولَّا لا؟
المذهب لا تفصيل فيه؛ لا يضمن.
والصحيح: أنه يضمن طبعًا إذا كان قادرًا على إنقاذه، أمَّا لو كان عاجزًا لا، وفي هذه الحال أيضًا أحذِّركم أن تنزلوا إلى الماء لإنقاذ الغريق، إلَّا إذا كان معكم قوةٌ وأنتم واثقون من أنفسكم؛ لأن عادة الغريق إذا مسك الإنسان اللي بينقذه يُغرقه ويحطُّه تحته، يغرقه ويجعله تحته علشان يركب عليه هو، فإذا لم يكنْ عند الإنسان قوة بدنية وقوة في معرفة السباحة فهو يغرق، والحمد لله هذا شيء ما هو منك أنت.
تروح تذهب إلى هذا الرجل لتُنقذه فتهلك أنت وهو؟ !
طالب: الواقع يا شيخ.
الشيخ: لا، هذا واقع ما فيه إشكال.
طالب: معروف هذا؟
الشيخ: إي نعم، ولهذا إذا لم تكنْ عندك قوة وحِذْق في السباحة فلا تفكِّر، خذْ حِذْرك، والحمد لله، هذا من الله عز وجل.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، هو لا بدَّ أن هناك خِبرة، لا بدَّ أن يركب (... ) أقول: غالبُ الناس ما يعرف الفن، غالبُ الناس تأخذه الشفقة، يشوف المسكين هذا يغيص مرَّة ويخرج مرَّة تأخذه الرحمةُ وينزل، لكنْ ما هو صحيح؛ لأنه يجب عليه -أقوله كثيرًا وأكرِّر- يجب على الإنسان أن يُحكِّم العقل دون العاطفة، العقل هو المحكَّم، أمَّا اللي يحكِّم العاطفة فهذا هوًى وربما يجرفه، لكن حكِّم العقلَ أولًا.
انتهينا الآن من الاضطرار إلى عين مال الغير.
الاضطرار إلى نفْع مال الغير ذكره المؤلف قال: (مَن اضطُرَّ إلى نفْعِ مالِ الغيرِ مع بقاء عينِهِ لدفْعِ بَرْدٍ) ويش اللي يدفع به البرد؟ اللحاف، الضوء؛ النار يعني، وما أشبهَ ذلك.
(أو استسقاء ماءٍ) مثل: الدلو والرشاء وما أشبهها، ويش الثاني يقول؟
طالب: (... )؟
الشيخ: وهي؟
الطالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لا، ما هو استسقاء المطر، استسقاء ماء من البئر يعني أو من النهر أو ما أشبهَ ذلك.
(ونحوه) كما لو اضطُرَّ إلى ماعون ليضع فيه الماء، أو ليدفِّئ به الماء، أو ليضع فيه الطعام، أو ما أشبه ذلك، المهمُّ أنه اضطُرَّ لنفْع مال الغير.
وهل مثل ذلك الركوب؟ الاضطرار إلى ركوب السيارة؛ مثل أنْ يكون في هَلَكة، في مفازة، ومرَّ به صاحب سيارة، فهو الآن مضطرٌّ إلى الركوب، هل هو مثل هذا؟
نعم؛ لأن هذا اضطرارٌ إلى نفْع هذه السيارة مثلًا، أو البعير، أو الحمار.
(وجبَ بَذْله له مجَّانًا) مجَّانًا: بغير عِوَض.
ما الفرق بينه وبين الاضطرار إلى عين المال؟
الفرق بينه وبين الاضطرار لعين المال واضح؛ أنَّ المضطر إلى نفْع المال ستبقى عينُ المال، والمضطر إلى عين المال سوف تفنى عينُ المال، فبينهما فرقٌ واضحٌ؛ لأن المضطرَّ إلى النفع يقول لصاحب المال: سيبقى مالك، والله عز وجل يقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: 4 - 7]، منعُ الماعون في هذه الحال داخلٌ في الوعيد؛ ﴿وَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
ثم قال المؤلف: (ومَنْ مَرَّ بثَمَرِ بُسْتَانٍ فِي شَجَرِه، أوْ متساقِطٍ عَنْهُ، ولا حائطَ عليه ولا ناظِرَ؛ فلَهُ الأكلُ مِنْهُ مَجَّانًا مِن غير حَمْلٍ).
هذا أيضًا ذُكِر في كتاب الأطعمة لتعلُّق حقِّ الغير به.
(مَن مَرَّ بثمر بستانٍ في شجرِه) مثل: عنب، وتين، برتقال، تمر، وما أشبهَ ذلك، مررتَ به في الشجر فلك أنْ تأكل منه.
وظاهر كلام المؤلف: له الأكل مجَّانًا سواء كان مضطرًّا أمْ غير مضطرٍّ؛ لورود الأثر في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم (4).
وقوله: (في شجرِهِ أو متساقطٍ عنه) ظاهر كلام المؤلف قوله: (في شجره) أنَّه لو احتاج إلى الصعود فله أن يصعد؛ لأنَّ الشجرَ قد يكون رفيعًا وقد يكون غير رفيع.
ولكن المشهور من المذهب أنه لا يصعد الشجر؛ إنْ كانت الشجرة قريبةً من الأرض أخذَ منها، وإلا فلا، وسيأتي -إن شاء الله- التحقيقُ في هذه المسألة ودليلها.
يقول: إذا كان في مفازةٍ ومررتُ به، ولكنِّي خشيتُ منه، فهل يلزمني حملُه أمْ لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: أمَّا اليقين ما يمكن تتيقَّن.
الطالب: (... ).
الشيخ: ينظر في القرائن؟
طالب: (... ).
الشيخ: وعلى كلِّ حالٍ إذا كان الخوفُ محقَّقًا لم يَلْزمك أن تحمله، لكن يلزمك أن تنقذه، فإذا كان معك فضْلُ ماءٍ أو فضْلُ طعامٍ فأعطِهِ، وإلا فالمسألة خطيرة؛ لأن بعض الناس حتى لو أركبتَه البعير مثلًا.. لو فرضْنا أن السيارة فيها حوض وفيها كبُّوت ربما أنه وهو في الحوض تسلَّط عليك، كما وقع هذا، نعم، فإذا كان الخوفُ محقَّقًا وجبَ عليك إنقاذُه دون إركابه؛ بحيث إذا كان محتاجًا إلى طعامٍ أو شرابٍ تعطيه وتمشي، أمَّا إذا كان الخوفُ غير محقَّقٍ فأنت يجب أن تحتاطَ لنفسك في الواقع، تنظُر هل معه سلاح أو ليس معه سلاح، وتركِّبه بعيدًا عنك، حتى لو أركبتَه مَثَلًا وأنت وإيَّاه في مكان واحد فلسْتَ بآمنٍ؛ يعني ربما يقفز ويمسك رقبتك ويخلِّيك تُغشى وبعدين يأخذ السيارة.
طالب: (... ).
الشيخ: ثم قال المؤلف رحمه الله: (ومَنْ مَرَّ بثَمرٍ في بستانٍ).
طالب: (... ).
الشيخ: ما شرحناه تمامًا، تكلَّمنا عليه كلامًا ماشيًا، مرورًا.
(ومن مَرَّ بثَمرٍ في بستانٍ) مررنا عليه، نقول: مرَّ السحاب.
طالب: ما معناه؟
الشيخ: واللهِ ما أدري هذا، يقولون إن بعض الناس يتكلم عن هذه الآية: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: 88] ويقولون: هذا يعني دوران الأرض.
وهذا في الحقيقة تحريفٌ لكلام الله، حرام عليه أن يفسِّر هذا التفسير؛ لأن هذه الآية في بطن حَدَثين كلاهما يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: 87 - 89] فذِكْرها بين حَدَثينِ يكونانِ يوم القيامة نشاذ لا وجْهَ له، وهذا مما يدلُّك على أن بعض الناس لا ينظر إلى سياق الكلام، وكأنه لم يقرأ قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ [الطور: 9، 10]، وهذا متى؟ هذا ما يقدر يقول: إنه في الدنيا.
هذا قطْعًا يكون يوم القيامة، فهذه الآية: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ هي قوله: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، فيكون هذا يوم القيامة، ونحن الآن مررْنا على هذه المسألة مرورًا.
طالب: (... ).
الشيخ: أمَّا ﴿تَحْسَبُهَا﴾ ما يدلُّ على أنه ما يكون؛ يعني الرائي يحسب هذه الأشياء جامدة لشدَّة الهول، ولكنَّها تسير هذا السير العظيم، ما يمنع؛ لأن القرآن يفسِّر بعضُه بعضًا: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: 9 - 11].
مررْنا على هذا مرَّ الكِرام، ولكنه في الحقيقة مَرُّ البخلاء؛ لأنَّا ما أعطيناه حقَّه.
يقول: (مَنْ مَرَّ بثَمَرِ بُسْتَانٍ فِي شَجَرِه، أوْ متساقِطٍ عَنْهُ، ولا حائطَ عليه ولا ناظِرَ؛ فلَهُ الأكلُ مِنْهُ مَجَّانًا مِن غير حَمْلٍ).
قوله: (مَنْ مَرَّ بثَمَرِ بُسْتَانٍ) (مَن) هذه عامَّة تشمل الذكرَ والأنثى، والمسلمَ والذمِّيَّ؛ كلَّ مَن مرَّ، لكن اشترطَ المؤلفُ قال: (في شجرِهِ أو متساقطٍ عنه) بخلاف المجموع في البَيْدر فإنه لا يأخذ منه شيئًا.
(في شجرِهِ) واضح، مررْتَ بالنخلة وعليها ثمرُها، هذا في شجرِهِ.
(متساقطٍ عنه) مررْتَ بالنخلة وقد سقط في حوضها شيءٌ من التمر، هذا المتساقط، بخلاف أيش؟ بخلاف المجموع؛ لو أن صاحب الثمر جَمَعه وجَعَله في البيدر -والبيدر هو المكان الذي ييبس فيه التمر- فليس له هذا الحكم؛ يقول: (أو متساقطٍ عنه).
اشترط المؤلف: (ولا حائطَ عليه ولا ناظِر) الحائط معروف؛ الجدار المحيط به الذي يمنع من التسلُّق، بخلاف الحائط القصير كالذي يكون نصف مترٍ أو نحوه، لكنه حائطٌ يمنع الدخولَ إلا من الباب.
وقوله: (ولا ناظِر) الناظر مَن؟ الحارس، فإذا كان عليه حارسٌ وإنْ لم يكن عليه حائط فلا أكْل.
اشترطَ المؤلف شروطًا:
الشرط الأول: أن يكون في الشجر أو متساقطًا، لا مجْنِيًّا، هذا واحد.
الشرط الثاني: ليس عليه حائط.
الشرط الثالث: ليس عليه ناظر.
فإن كان عليه حائط فإنه لا يأكل منه؛ لأن تحويط صاحبه عليه دليلٌ على أنه لا يرضى أنْ يأكله أحدٌ، فهي إذَنْ قرينة على عَدَم رِضا صاحبه بالأكل منه، والإنسان لا يحِلُّ مالُه إلا بطيب نفسٍ منه.
كذلك إذا كان عليه ناظِرٌ فهو دليلٌ على أن صاحبه لا يرضى أن يأكل منه أحدٌ؛ لأنه لو رضي أن يأكل منه أحدٌ لم يجعل عليه ناظرًا يحرسه، فهو قرينةٌ على أنَّ صاحبه لا يرضى.
إذا جعل عليه شبكًا ليس حائطًا؟
طالب: نفس الشيء.
الشيخ: هل هو نفس الشيء، أو أنَّ هذا الحائط عن البهائم؟
طالب: وضَعَها على الجميع.
الشيخ: على كلِّ حال يُنظَر، الظاهر أنَّ الشبك هذا اللي فيه الشوك يَظهر أنَّ هذا عن البهائم فقط، والشبك الرفيع هذا الطويل المربَّع الظاهر أنه عن الجميع.
ولننظر الآن الدليل على هذا، الدليل أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أَذِنَ لِمَنْ مرَّ بالحائط أنْ يأكل منه غير متَّخِذٍ خُبنة (5)، الخبنة: هي التي يجعلها الإنسانُ في طرف ثوبه؛ يعني في حجره؛ يعني ما يحمل منه شيئًا، ولهذا قال المؤلف: (مِنْ غير حَمْلٍ).
فالشروط إذَنْ -شروطُ الأكلِ- ثلاثةٌ، وإنْ قلتم: شروط الأخذ، فهي أربعة.
شروط الأكل ثلاثة، ما هي؟ أنْ يكون الثمر على النخل أو متساقطًا، لا مجْنِيًّا.
الشرط الثاني: ألَّا يكون عليه حائط.
والشرط الثالث: أن ليس له حارسٌ؛ (ناظِر) يعني حارسًا.
إنْ كنَّا نتكلم عن الأكل فهذه شروطه.
إنْ كنا نتكلم عن الأخذ فنزيد شرطًا رابعًا وهو: ألَّا يحمل، فإنْ حَمَل فهو حرام؛ لأن الأصل تحريم أكل المال.
ولكنْ في الحديث شرطٌ لم يُشِر إليه المؤلف، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام أَمَر مَنْ دخلَ حائطًا أنْ يُنادي صاحبه، ينادي عليه ثلاث مرَّات، فإنْ أجابه استأذنه، وإنْ لم يُجِبه أكلَ (6). وهذا شرطٌ لا بدَّ منه؛ لأنه دلَّ عليه الحديث، وما دلَّ عليه الحديث وجبَ اعتبارُه، وعلى هذا فنزيد شرطًا رابعًا للأكل، وهو أنْ ينادي ثلاثًا، فإنْ أُجِيبَ استأذن، وإنْ لم يُجِب أكل.
أيضًا اشتراط انتفاء الحائط فيه نَظَر؛ لأن ألفاظ الحديث: «مَنْ دَخَلَ حَائِطًا»، والحائط هو الذي محوطٌ بشيء، وعلى هذا فلا فرْقَ بين النخل الذي ليس عليه حائطٌ أو الشجر الذي ليس عليه حائطٌ، وبين الشجر الذي عليه حائط.