الشيخ: لا، ما له حكمه، لم يثبت له أحكام المعتاد، إلا إذا خرج بول أو غائط لا بأس، هذا شيء واضح، لم يثبت له أحكام المعتاد، هذه ذكرناها، فلو لمس لم ينتقض الوضوء، ولو خرج منه ريح لم ينتقض الوضوء، ولو أن أحدًا جامعه لم يجب الغسل.
المهم أنه إذا انسد المخرج وانفتح غيره لم يثبت له أحكام المعتاد، فلا نقض بريح منه ولا بمسه، لكن البول والغائط؛ لأنهما بول وغائط من أي مكان خرجا نقضا الوضوء.
وقال بعض العلماء: إن كان هذا المخرج من فوق المعدة فهو كالقيء، وإن كان من تحتها فهو كالغائط، وهذا اختيار ابن عقيل من أصحابنا.
شوفوا الفقه في هذا القول، هو جيد ولَّا لا؟ يقول: إن فتحوا مثلًا، الأطباء فتحوا فتحة بحيث يخرج الطعام من المعدة نفسها، فهذا ليس كالبول والغائط، وإن كان من أسفل؛ يعني: من الأمعاء، فهو في حكم البول والغائط، ويش رأيكم في هذا؟
طالب: جيد.
الشيخ: جيد في الواقع، هذا جيد وفقه واضح، بدليل أنه إذا تقيأ الإنسان من المعدة فإنه لا ينقض الوضوء، على القول الراجح، أو ينقضه إن كان كثيرًا، على المشهور من المذهب، وأما المذهب فيقولون: إذا فتح فهو ينقض قليله وكثيره.
زوال العقل (... ) «الْعَيْنُ وِكَاءُ السِّهْ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ» (14)، ففيه إذنْ دليل وتعليل.
هل يستثنى من ذلك شيء؛ من زوال العقل يستثنى منه شيء؟
طالب: المجنون.
الشيخ: المجنون.
بسم الله الرحمن الرحيم، زوال العقل ناقض للوضوء كما سمعتم من الدليل والتعليل، وليس هو موضع اتفاق بين أهل العلم، بل هو موضع خلاف بين أهل العلم، ولكن القول الراجح: أنه ناقض للوضوء؛ لحديث صفوان بن عسال؛ ولأن التعليل الذي أشرنا إليه تعليل قوي، لكن هل النوم ناقض أو مظنة النقض؟
اختلف فيه العلماء فيه ثمانية أقوال لأهل العلم:
منهم من يرى أن النَّوم ناقضٌ مطلقًا يسيرُه وقليله، وعلى أيِّ صفة كان النائم؛ يقول: لأن هذا حَدَث، النوم حدث وليس مظنة الحدث، والحدث لا يُفرَّقُ بين قليله وكثيره، كالبول.
ومنهم من يقول: إن النَّوم مظنة الحدث، وأنه لا يعفى عن شيء منه إلا ما استبعد فيه الحدث.
ومنهم من قال: إن النوم مظنَّة الحَدَث، ولا ينقض منه إلا ما كان مظنة الحدث، فالمذهب أن النوم ليس بحدث، ولكنه مظنَّة الحدث، ولا يُعفى عن شيء منه إلا ما كان بعيدًا فيه الحدث؛ ولهذا قال: (إلا يسير نومٍ من قائم وقاعد).
فاستثنى المؤلف رحمه الله اليسير، واستثنى حالًا معينة من أحوال النائم، خرج باليسيرِ الكثيرُ، وخرج بقوله: (من قائم وقاعد) ما عداهما، فإن النوم ينقضه مطلقًا في حقهم؛ في حق ما عدا هاتين الحالين.
ما هو اليسير؟ اليسير يرجع في ذلك إلى العرف، فإذا قالوا: هذا يسير، فهو يسير، فتارة يكون يسيرًا في زمنه، لكن يغفل غفلة كاملة، يمكن يحلم لكن يسير، بحيث ما خرج منه شيء، أو لو خرج لشمه؛ لأنه استيقظ على طول، وتارة يكون يسيرًا في ذاته وماهيته؛ بمعنى أنه لا يغفل كثيرًا في نومه، مثل مثلًا يسمع اللي يتكلمون، ولو مثلًا يكلمه أحد انتبه بأدنى سرعة، ولو حصل منه حدث لأحس به، هذا اليسير.
فالمهم أن اليسير إذا كان من قائم وقاعد فإنه لا يضر، ولكن الصحيح في هذه المسألة ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو أن النوم مظنة الحدث، فإذا نام بحيث لو أحدث لم يحس بنفسه فقد انتقض وضوؤه، وإذا نام بحيث لو انتقض وضوؤه لأحس به، فإن وضوءه باقٍ ولا ينتقض.
وبهذا القول تجتمع الأدلة؛ فإن حديث صفوان بن عسَّال -كما سمعتم- فيه تصريح بأن النوم ناقض، وقد ثبت من حديث أنس أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينتظرون العِشاء على عهد النبي عليه الصلاة والسلام حتى تخفِقَ رؤوسهم، ثم يُصلُّون ولا يتوضؤون (15)، تخفق يعني: تنزل هكذا، في بعض الألفاظ: يضطجعون (16) في رواية لأبي داود، فيحمل ما ورد عن الصحابة، على ما إذا كان الإنسان لو أحدث لأحس، ويحمل حديث صفوان على ما إذا كان الإنسان إذا أحدث لم يحس.
ويؤيد هذا الجمعِ الحديثُ الضعيف الذي أشرنا إليه: «الْعَيْنُ وِكَاءُ السِّهْ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنَانِ اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ»، فإذا كان الإنسان لم يحكم وكاءه؛ بحيث لو أحدث ما أحس بنفسه فإنه يكون نومه ناقضًا، وإلا فلا.
لو أن أحدًا يصلي وهو ساجدٌ، غفى؛ يعني: أحس بنوم خفيف يسير، هل ينتقضُ وضوؤُه ولَّا لا؟
المذهب: ينتقض وضوؤه؛ لأنه ليس قائمًا ولا قاعدًا.
والقول الثاني: لا ينتقض، إلا إذا كان في حال لو أحدث لم يحسَّ بنفسه، فينتقض.
المؤلف رحمه الله ظاهر كلامه: (من قائم وقاعد) الإطلاق، ولكنهم استثنوا ما إذا كان محتبيًا أو متكئًا، فإنه في هذه الحال ينتقض وضوؤه من نائم وقائم، غير محتبٍ ولا متكئٍ؛ لأنه إذا كان محتبيًا أو متكئًا فإنه غالبًا يستغرق في نومه، وإذا استغرق فإنه قد يُحدِث ولا يحس بنفسه، ولكن الذي رجحناه نسلم من هذه القيود كلها، ونقول: متى كان الإنسان في نوم لو أحدث لم يحس بنفسه فهو ناقض، وإلا فلا، على أي حال كان.
طالب: إذا لم يشم منه رائحة جارُه وهو جالس بجانبه، وهو تقام الصلاة ولا يشعر بعض الناس؟
الشيخ: إي نعم، ماذا تقولون في هذا؟
طالب: إلا بنفسه.
الشيخ: الظاهر أننا نكلفه بنفسه، مشكلة بيقول جاره: هل حسيت أني أحدثت؟
طالب: إذا كان جاره (... ) ويعلم أنه..
الشيخ: ربما أيضًا (... ) الشم، مثل غيره من الحواس، إذا ما حط الإنسان باله يمكن ما يحس.
طالب: ممكن يكون (... ) إذا أقيمت الصلاة ولم يشعر يا شيخ، كثير من الناس تقام الصلاة ولا يشعر، ولا واحد (... ). الشيخ: الظاهر أنه يرجع للحدث نفسه، ما دام الإنسان يعرف نفسه أنه لو أحدث لأحس؛ لأن الصحيح أن النوم ما هو بنفسه حدث.. طالب: إذا تكلم عن الجار وقال: أحدثت (... ) قال له: شممت منك رائحة؟ الشيخ: وإن كان الرائحة من غيره (... ). طالب: (... ). الشيخ: يعني هو الأحسن نعتبره (... ).
يقول: (ومسُّ ذكر متَّصل أو قُبُل بظهر كفه أو بطنه) إلى آخره.
أولًا: قال المؤلف: (مسُّ ذكر) والمسُّ لا بد أن يكون بدون حائلٍ؛ لأنه مع الحائل لا يُعَدُّ مسًّا، وهذا أظنه هو الناقض الثالث.
طلبة: الرابع.
الشيخ: الرابع، نعم، اشترط أيضًا أن يكون متصلًا، احترازًا من؟
طلبة: المنفصل.
الشيخ: المنفصل؛ يعني: لو قُطِع ذكرُ إنسان مثلًا، وأخذه شخص ليدفنه مثلًا، سواء قطع بجناية أو قطع بعلاج، أو ما أشبه ذلك، المهم أن الذكر غير متصل، فإن مسَّه لا ينقض الوضوء.
ولا بد أن يكون أصليًّا، احترازًا من؟
طالب: المصنوع.
الشيخ: المصنوع، يقول: أصليًّا احترازًا من المصنوع، المصنوع ما يسمى ذكرًا، يسمى صورة ذكر، لكن احترازًا من الخُنثى؛ الخُنثى ذكره غيرُ أصليٍّ، لأيش؟ لأنه إن تبيَّن أنه أنثى فواضح أنه زائد، وإن أشكل فإنه لا ينتقض الوضوء مع الإشكال.
استمع الآن: ذكر، متصل، أصلي، الرابع: أن يكون المس باليد؛ ولهذا قال: (بظهر كفِّه أو بطنه).
طالب: (أو قُبُل).
الشيخ: عندكم، إي صح (أو قُبُلٍ) يعني: أو مس قُبُل للمرأة، مس القُبُل نفسه ما حوله.
طالب: مذكور (أصْلِي) في الكتاب.
الشيخ: لا، ما ذكر (أصْلِي)، مذكور عندكم بالأصل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هو الظاهر أنه بالشرح.
طلبة: أصلي.
الشيخ: موجود؟
طلبة: (ذكر متصل أصلي).
الشيخ: يمكن في بعض النسخ، المهم لا بد أن يكون أصليًّا، (ذكر متصل أصلي).
(أو قُبُل) يعني: قُبُل امرأة، ونشترط أن يكون أصليًّا؟
طالب: نعم.
الشيخ: نشترط؛ ليخرج بذلك قُبُل الخُنثى.
وأيضًا يقول: (بظهر كفِّه أو بطنه) لا بد أن يكون المس بالكفِّ، سواء بظهره أو كفه أو حرفه أيضًا، كذا؟
طالب: نعم.
الشيخ: بظهره هذا، وأيش نقول؟
طالب: بظاهر الكف.
الشيخ: بظاهر الكف، أو بطنه؛ الراحة وبطون الأصابع، أو حرفه.
طالب: أطرافه.
الشيخ: أطرافه، فإن المس بهذه الأشياء ينقض الوضوء، وإنما نصَّ المؤلف على ظهر الكفِّ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن المسَّ بظهر الكفِّ لا ينقض الوضوء؛ لأن المس عادة والإمساك إنَّما يكون بباطن الكَفِّ.
يقول المؤلف: (أو بطنه ولمسهما من خنثى مشكل) (لمسهما) الضمير يعود على الذَّكَر والقُبُل، (من خنثى مشكل) الخنثى هو الذي لا يُعْلَم أذكر هو أم أنثى؟ مع أن فيه آلتي الذكر والأنثى؛ يعني: له ذَكَر وله فرج، ولكنه مُشْكِل، أمره مُشْكِل، كيف مُشْكِل؟ ما ندري يبول منهما جميعًا، وهو إلى الآن لم يتبين هل هو ذكر أو أنثى، لا بلحية ولا بغيرها، فهذا يسمى خنثى مُشْكِل؛ لأنه مُشْكِل علينا أرجل هو أم أنثى؟ لكن الخنثى المشكل لا بد من مسهما جميعًا، لأيش؟ لأنه إن مس واحدًا فهو غير أصلي، ما يدرى هل هو ذكر ولَّا زائد؟ وكذلك الفرج لا يدري هل هو قبل أو زائد؟
الآن انتبه للشروط، كم صارت الشروط؟ ذَكَر، أو قُبُل، متصل، أصلي، بظاهر الكف أو بطنه أو حرفه.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، أربعة شروط، لو مسه بغير الكف ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟
طلبة: لا ينتقض.
الشيخ: ما ينتقض الوضوء؛ لأن الأحاديث الواردة بالمسِّ إنما تكون باليد، وفي بعض الألفاظ: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهَا سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ» (17)، بيده، وهذا واضح في أنه بالكف، واليد عند الإِطلاق لا يُراد بها إلا الكف، وأيش الدليل؟ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38].
ما هو الدليل على انتقاض الوضوء بمس الذَّكَر أو القُبُل؟ الدليل فيه الأحاديث منها:
حديث بُسْرَة بنت صفوان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَه فَلْيَتَوَضَّأْ» (18).
ومنها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ دُونَهَا سِتْرٌ فَقَدْ وَجَبَ الْوُضُوءُ»، وفي رواية: «إِلَى فَرْجِهِ» (19).
والتعليل هو: أن الإنسان قد يحصُل منه تحرُّكُ شهوةٍ عند مسِّ الذَّكر أو القُبُل، فيحصل منه خارج وهو لا يشعر، فما كان مظَّنة الحدث عُلِّق الحكم به، كالنَّوم.
هذا الدليل، وهذا التعليل، وهذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، بناء على هذه الأحاديث.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن مسَّ الذَّكَرِ لا ينقض الوضوء، واستدلوا بحديث طَلْقِ بن علي أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرَّجُل يمسُّ ذَكَرَه في الصَّلاة قال: أعليه الوضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا، إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» (20).
وقالوا: إن الأصل بقاء الوضوء وعدم النقض، فلا يمكن أن نخرج عن هذا الأصل إلا بدليل متيقن، أما ما كان فيه احتمال فالأصل أن يبقى الوضوء، «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6)، فإذا كان هذا في سبب الحدث فكذلك في السبب الموجب شرعًا؛ لأن الرسول يتكلم هنا عن السبب الموجب حسًّا، كذلك السبب الموجب شرعًا ما يمكن نلتفت إليه حتى يكون يقينًا معلومًا.
ولهذا من العلماء من رجح حديث طلق بن على وقال: إن مس الذكر أو مس الفرج مطلقًا لا ينقض الوضوء، سواء كان لشهوة أو لغير شهوة، وأعلوا هذا الحديث -حديث بسرة- بأنه ضعيف، وأن حديث طلق بن على أحسن منه.
ومن العلماء من قال: إنه لا ينبغي أن نرجح بين الحديثين؛ لأنه يمكن الجمع، وإذا أمكن الجمع بين الدليلين وجب المصير إليه قبل الترجيح والنسخ، وهذا صحيح ولَّا لا؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: لأننا إذا جمعنا بين الدَّليلين فقد عملنا بهما جميعًا، لكن إذا رجحنا فقد ألغينا أحدهما، والعمل بهما مع إمكانه أوجب، كيف نجمع؟
قالوا: نجمع؛ إما بأن نحمل حديث بسرة وما شابهه على ما إذا كان لشهوة، وحديث طلق بن علي على ما إذا كان لغير شهوة.
قالوا: والتعليل «إِنمَّا هو بَضْعَة منك» يدل على هذا الحمل، فإنك إذا مسَسْتَ ذَكَرَكَ كما تمس سائر أعضائك بدون أي تحرُّكِ، صار كأنما مسست ساقك أو رجلك أو رأسك، أو ما أشبه ذلك، وحينئذٍ؟
طالب: لا ينتقض.
الشيخ: فلا ينتقض الوضوء، أما إذا مَسَسْتَه لشهوةٍ فإِنَّه ينتقض؛ لأن العِلَّة -وهي احتمال خروج شيء ناقض من غير شعور منك- موجودة، فيقول: إذا مسَّه لشهوةٍ وجب الوُضُوء، وإِذا مسَّه لغير شهوة لم يجب.
قالوا وهم يحاجُّون الحنابلة: ولنا عليكم أصل، وهو أنكم قلتم: إن مس المرأة لغير شهوة لا ينقض، ومسها لشهوة ينقض؛ لأنه مظنَّة الحدث.
أو يجمع بينهما بوجه آخر فيقال: إن حديث بُسْرة الأمر فيه للاستحباب، وحديث طَلْق الأمر فيه للوجوب، هو سأل عن الواجب؛ أعليه الوضوء؟ كلمة (على) ظاهرة في الوجوب، فبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لا وضوء عليه، وعلَّل بأنه بضعة، وعلى هذا، فإذا كان مسه إياه لغير شهوة فإن الوضوء مستحب، أخذًا بعموم حديث من؟ بسرة، وإذا كان لشهوة فإنه يجب الوضوء، أخذًا بالتعليل؛ «إِنَّمَا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ».
والمسألة فيها احتمال؛ يعني: احتمال أن يكون هذا القول هو الصواب قوي، وشيخ الإسلام رحمه الله يرى أن الوُضُوء من مسِّ الذَّكَر مستحبٌ مطلقًا، ولو بشهوةٍ.
وإذا قلنا: إنه مستحب فمعناه أنه مشروع وفيه أجرٌ، وفيه أيضًا احتياط.
وأما دعوى من ادعى أنَّ حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ..
طالب: أقول: ظاهر الكف، والقبل ما هو الدليل (... )؟
الشيخ: إي نعم، أما دليلهم في ظاهر الكف فقالوا: عموم «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ» (17)، هذا عام، فاليد تشمل داخل الكف وظاهره، وأما القُبُل فقالوا: إن إحدى روايات حديث أبي هريرة: «إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ» (19)، والقُبُل من الفرج.
طالب: إذا قلنا: إنها للشهوة (... )؟
الشيخ: هم يرون النقض مطلقًا، لشهوة ولغير شهوة.
أقول: ادعى قوم أن حديث طَلْق بن عليٍّ منسوخ، ووجهوا دعواهم بأن طلق بن علي قَدِمَ على الرسول عليه الصلاة والسلام وهو يبني مسجده أول الهجرة، ولم يَعُدْ إليه بعدُ، وهذه الدعوى غير صحيحة؛ وذلك لأنه لا يُصار إلى النسخ إلا إذا تعذَّر الجمع، وهذا مسلَّم متفق عليه، والجمع هنا ممكن.
الوجه الثاني مما يبطل دعوى النسخ: أن في حديث طَلْق عِلَّة لا يمكن أن تزول، وإذا رُبِط الحُكم بعلَّة لا يمكن أن تزول فإن الحكم لا يمكن أن يزول؛ لأن الحكم يدور مع عِلَّته، ما هي العلَّة؟ «إِنَمَّا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ»، هل يمكن في يوم من الأيام أن يكون ذكر الإنسان ليس بَضْعَة منه؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، ما يمكن، إذنْ لا يمكن النسخ.
وكأن واحدًا يهمس يقول: يمكن؛ يعني: إذا قُطِعَ، وإذا قُطِع فإذا مسه لا يضر، على كل حال، هذان وجهان من أوجه الرد أو إبطال هذه الدعوى.
ثالثًا: أن أهل العلم يقولون: إن التاريخ لا يُعلم بتقدُّم إسلام الرَّاوي أو تقدم أخذه؛ لجواز أن يكون الرَّاوي حَدَّث به عن غيره؛ بمعنى: إذا روى صحابيَّان حديثين ظاهرهما التَّعارض، وكان أحدُهما متأخِّرًا عن الآخر، فهل نقول: إنَّ الذي تأخَّر إسلامُه يكون حديثه ناسخًا لمن تقدَّم إسلامُه؟
طالب: لا.
الشيخ: الجواب: لا؛ لأنه يجوز أن يكون الذي تأخر إسلامه رواه عن غيره من الصَّحابة، أو حدثه النبي صلى الله عليه وسلم به بعد ذلك، فلا نسخ بتأخر إسلام الراوي، كما هو معروف عند أهل العلم.
وعلى هذا فنعود إلى الجمع، وهو بأحد الوجهين اللذيْن سمعتموهما؛ إما أن يحمل حديث بسرة على الاستحباب وحديث طلق على الوجوب؛ يعني: هل عليه الوضوء؟ قال: لا، ما عليه، لكن لا يمنع أن يكون مستحبًّا، وإما أن يقال: إن حديث طلق بن علي فيمن مسه مس شهوة، لا فيمن مسه مس أي عضو آخر.
طالب: حديث بسرة؟
الشيخ: لا، حديث طلق فيمن مسه لشهوة، لا فيمن مسه كأي عضو آخر؛ لأن التعليل «إِنَمَّا هُوَ بَضْعَةٌ مِنْكَ» يدل على أنك إن مسسته مس أي عضو آخر فهو عضو، وإن مسسته لشهوة انفرد بالحكم.
الخلاصة الآن نريد أن نعرف المسألة عمليًّا؛ عمليًّا نرى أنه إذا مس الإنسان ذكره استُحِبَّ له الوضوء مطلقًا، لشهوة أو لغير شهوة، وأنه إذا مسَّه لشهوة فالقول بالوجوب قوي جدًّا، ولكن ليس بظاهر؛ بمعنى أني لا أجزم به، لكن أرى أنه قوي، وأن الاحتياط أن يتوضَّأ.
قال المؤلف: (ولَمْسُهُمَا من خُنْثَى مُشْكِلٍ) فالخنثى المشكل مشكل حاله وأمره وحكمه، نسأل الله ألا يقدِّره على بني آدم، الخنثى المشكل يُعطَى أحكام الذكر والأنثى، ويراعى فيه الاحتياط، فإذا مس الإنسان ذَكَرَ خنثى مُشْكل لم ينتقض وضوؤه؛ لأنه؟
طالب: لا يُعرَف.
الشيخ: لا يُعرَف، قد لا يكون ذكرًا، هذا قد يكون عضو زائدًا، وإذا مس فرجه لا ينتقض أيضًا؛ لأنه قد يكون أصليًّا؛ الذَّكَر، والفرج زائد.
إذا مسهما جميعًا ينقض؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟ لأن أحدهما أصلي قطعًا، حتى لازم يكبس عليهما جميعًا، ولَّا لو مس واحدًا ثم الثاني.
الطلبة: كله استوى.
الشيخ: كله استوى.
قال: (ولمسهما من خنثى مُشْكِل، وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه، أَوْ أُنْثَى قُبُلَه، لِشَهوةٍ فيهما)
(وَلَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه) الهاء في (ذكره) يعود على الخنثى، و (أُنْثَى قُبُلَه) (قبله) الضمير يعود على الخنثى، لكن هذا المس قال: (لشهوة فيهما) معناه: إذا مس أحد فرجي الخنثى لشهوة -كما قلنا فيما سبق- إذا مس أحدهما لا ينتقض، وإن مسهما جميعًا انتقض، إذا مس أحدهما لشهوة؛ إن كان الذكر مس الذكر انتقض، وإن مس الفرج لم ينتقض، الأنثى إن كانت مست الفرج انتقض وضوؤها، وإن مست ذكره لشهوة لم ينتقض، قد تقول: إن العكس هو الأولى.
ولَمْسُ ذَكَرٍ ذَكَرَه أو أُنْثُى قُبُلَها لشهوةٍ فيهما، ومَسُّهُ امرأةً بشهوةٍ أو تَمَسُّه بها، ومَسُّ حَلْقَةِ دُبُرٍ لا مَسُّ شَعَرٍ وظُفُرٍ وأَمْرَدَ ولا مع حائلٍ ولا ملوسِ بدَنِه ولو وَجَدَ منه شَهوةً، ويَنْقُضُ غُسْلُ مَيِّتٍ، وأَكْلُ اللحمِ خاصَّةً من الْجَزورِ،
مس الإنسان ذكر الخنثى أو قُبُلَه لشهوة، قلنا: لغير شهوة ما فيه نقض؛ إذا مس هذا أو هذا، لغير الشهوة لا نقض، لكن إذا كان لشهوة إن مس الذكرُ ذكرَ الخنثى انتقض، وإن مس فرجَه لم ينتقض، وإن مست الأنثى ذكرَه لم ينتقض، وإن مست فرجَه انتقض، استمع لكلام المؤلف: (ولَمْسُ ذكرٍ ذكرَه).
طالب: فرجه ولا فرجها؟
الشيخ: لا، فرج الخنثى.
الطالب: يعني: شخصين ولَّا شخص واحد؟
الشيخ: لا، شخصين؛ امرأة عندها خنثى، ولنفرض أنه ابنها خنثى، وعلى كل حال ما ودي نفرض أنه ابنها؛ لأنه ما ودنا بالشهوة تكون بين المرأة وابنها، لكن عندها مثلًا ابن عمها خنثى، ومست ذكرَه أو قُبُله لشهوة، نقول: إن مست الذكر لم ينتقض وضوؤها، وإن مست الفرج انتقض وضوؤها، هذا كلام المؤلف، نشوف كلام المؤلف.
قال: (ولَمْسُ ذكرٍ ذكرَه) الهاء مين يعود عليه؟
طلبة: الخنثى.
الشيخ: طيب، (أو أنثى قُبُلَه) أي: الخنثى، وقوله: (لشهوة فيهما) أي: في المسألتين؛ في مسألة لمس الذكر ذكره، أو الأنثى قُبُله.
طالب: (ذكرَه) عندنا بالفتح.
الشيخ: ويش اللي بالفتح؟
طالب: (ذكرَه).
الشيخ: صح، (ذكرَه).
(أو أنثى قبلَه؛ لشهوة فيهما) في المسألتين.
نشوف، الآن كلام المؤلف قد يبدو أن الأمر بالعكس، لكن نقول: لا، الأمر كما قال المؤلف: إذا مس الذكرُ ذكرَه لشهوة، فإن قُدِّر أن الخنثى أنثى فقد مسها لشهوة، صح ولَّا لا؟ وإن قُدِّر أن الأنثى ذكر فقد مس الذكرُ ذكرَه.
طالب: ذكرَ غيره؟
الشيخ: يا إخواني، عندنا رجلان؛ هذا واحد خنثى على اليسار، وواحد رجل ذكر صحيح على اليمين، هذا الذكر الصحيح مس ذكر الخنثى لشهوة، نقول: ينتقض وضوؤه؛ وضوء اللامسِ الرجلِ الصحيحِ.
طالب: إذا كان الخنثى رجلًا؟
الشيخ: هو مشكلة لا ما يدري عنه، انتبهوا يا إخواني، العلة نقول: لأنك لما مسست هذا الجزء من بدنه لشهوة؛ إن كان أنثى فقد مسستها لشهوة ولَّا لا؟ ومس المرأة لشهوة ينقض الوضوء، كما سيأتي، وإن كان ذكرًا فقد مسست ذكره، ومس الذكر ينقض الوضوء، فالآن انتقض وضوؤك على كل تقدير؛ لأننا إن قدرنا أن الخنثى ذكرًا فقد مسست ذكره، وإن قدرنا أن الخنثى أنثى فقد مسستها لشهوة، واضح يا إخواني؟
طلبة: واضح.
طالب: منفصل يا شيخ عنه؟
الشيخ: ما هو منفصل يا أخي، ذكر متصل.
الطالب: اللامس بعيدًا عنه؟
الشيخ: بعيد.
الطالب: كيف ينتقض وضوؤها؟
الشيخ: (... ) لمسه، كأنه يلمس الذكر هذا، سبحان الله!
طالب: (... ) ذكره الخاص.
الشيخ: أنت تظن أن الرجل يلمس ذكره هو؟
طالب: هذا هو الأصل أنه هكذا.
الشيخ: لا، (لَمْسُ ذكرٍ ذكرَه) أي: ذكر الخنثى، رجل، أنا مثلت لكم يا جماعة، أوجدوا لي خنثى حتى نحطه قدامنا.
طالب: لا، مشكل عليهم يا شيخنا أن الذكر هذا يظنون مس ذكرَه هو لا ذكرَ غيرِه.
الشيخ: لا، ما أظنه، هذا ظنكم؟
طالب: نعم، إذا لمس نفسه.
الشيخ: شوف كلام المؤلف: (ومس ذكر متصل) كلام المؤلف في الأول (ومس ذكر متصل) سواء ذكر الإنسان نفسه أو ذكر غيره، واضح؟
طالب: أو ذكر غيره؟
الشيخ: أو ذكر غيره، أنا ظنيت أنكم فاهمين هذا.
طالب: لا؛ لأن ذكر غيره يكون منفصلًا عنه؛ عن اللامس..
الشيخ: إي، ولو كان أو ذكر غيره، أنتم فهمتم المسألة هذه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا مس الرجل ذكر الخنثى، أنا قايلكم: الخنثى هذا مشكل أمره.
طالب: زيد وعمرو.
الشيخ: زيد وعمرو زينب؛ لأن الخنثى ما ندري هو ذكر ولا أنثى نسميه عمرًا وزينب، استمع الآن، هذا زيدٌ مس هذا الخنثى؛ مس ذكره لشهوة، نقول: الآن انتقض وضوؤك، على كل تقدير؛ لأننا إن قدرنا أنه ذكر فقد مس ذكرَه، إن قدرنا أنه أنثى فقد مسها لشهوة، ومس الرجل المرأة لشهوة ينقض الوضوء.
مس أنثى قُبُله لشهوة ينقض الوضوء، هذه امرأة صحيحة، ما هي خنثى، عندها خنثى فمست قُبُل الخنثى لشهوة ينتقض وضوؤها، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لماذا؟ نقول: هذا الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمستيه لشهوة، ومس المرأةِ الرجلَ لشهوة ينقض الوضوء، وإن كان الخنثى أنثى فقد مسستِ فرجها، ومس الفرج المرأة ينقض الوضوء، اتضح المقام ولَّا لا؟
جئنا للرجل المرة ثانية، هذا الرجل مس فرج الخنثى لشهوة ما ينتقض وضوؤه؟
طالب: نعم.
الشيخ: يا جماعة، رجل يمس فرج الخنثى لشهوة ما ينتقض وضوؤه، لماذا؟ إن كان الخنثى ذكرًا فقد مسه لشهوة، ومس الذكر الذكر لشهوة لا ينقض الوضوء، وإن كان أنثى فقد مس فرجها وانتقض وضوؤه، لكن ما عندنا علم الآن، فيه الشك، فيبقى الوضوء على أصله ولا ينتقض الوضوء.
نعيدها مرة ثانية، هذا رجل صحيح وخنثى مشكل، الرجل الصحيح مس بيده فرج الخنثى لشهوة؟
طالب: ما ينتقض.
الشيخ: نقول: ما ينتقض وضوؤه، لماذا؟ لأن هذا الخنثى يحتمل أنه ذكر ويحتمل أنه أنثى؛ إن كان أنثى ويش حكم وضوء اللامس؟ ينتقض؛ لأنه فرج، إن كان ذكرًا لا ينتقض، طيب هو مسه لشهوة؟ نقول: نعم، ولو مسه لشهوة؛ لأن مس الرجلِ الرجلَ لشهوة لا ينقض الوضوء، فالاحتمال الآن موجود، ولا نقرب الاحتمال.
نرجع مرة ثانية إلى المرأة مع الخنثى؛ هذه امرأة مست ذكرَ الخنثى لشهوة، ما ينتقض الوضوء؟
طلبة: لا ينتقض.
الشيخ: يا ناس، مست آلة الجماع لشهوة ما ينتقض وضوؤها، لماذا؟ لأن هذا الخنثى يحتمل أن يكون أنثى ويحتمل أن يكون ذكرًا؛ إن كان ذكرًا فقد مست ذكره وانتقض وضوؤها، وإن كان أنثى فقد مستها لشهوة، ومس المرأةِ المرأةَ لشهوة لا ينقض الوضوء، إذن فلا نقض.
فصارت الصور عندنا أربعًا، وإن شئتم نزيد الخامسة: بدون شهوة؛ حتى تتم الصور.
أولًا: مسُّ أحدي فرجي الخنثى بدون شهوة، أجيبوا؟
طلبة: لا ينتقض.
الشيخ: لا نقض مطلقًا، سواء كان اللامس ذكرًا أم أنثى.
مس أحد فرجي الخنثى المشكل لشهوة له أربع صور؛ صورتان ينتقض، وصورتان لا ينتقض، الصورتان التي ينتقض:
1 - إذا مس الذكر ذكره.
2 - إذا مست الأنثى فرجه.
الصورتان التي لا ينتقض: إذا مس الذكر فرجه، وإذا مست الأنثى ذكره، هذه الصورة.
أما التعليل فقد علمتموه، التعليل فهمناه.
يقول المؤلف رحمه الله: (ومسه امرأة بشهوة أو تمسه بها) هذا أي الناقض؟
طالب: الخامس.
الشيخ: (ما خرج من السبيل، وخارج من بقية البدن، وزوال العقل، ومس الذكر المتصل) الخامس.
(مسُّه) الضمير يعود على الإنسان أو الذكر، (مسُّه) أي: الذكر ما هي الخنثى؛ يعني: ومس الرجل أو مس الذكر امرأة بشهوة.
(أو تمسه بها) المس هنا ما قيده المؤلف بكونه باليد أو بالكف، فيكون عامًّا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يكون عامًّا؛ إذا مسها بيده، أو بمرفقه، أو بذراعه، أو بساقه، أو بفمه بشهوة انتقض وضوؤه، كذا ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: والباء في قوله: (بشهوة) للمصاحبة؛ يعني: مسًّا مصحوبًا بالشهوة، وبعضهم يعبِّر فيقول: مسه امرأةً لشهوة، باللام، ونجعل اللام في هذا التعبير للتعليل؛ يعني: مسًّا يحمل عليه الشهوة.
على كل حال، بشهوة أو لشهوة المعنى واحد، ولكن المؤلف اشترط أن يكون المس بشهوة، ما هو الدليل؟
أولًا: كلمة (امرأة) ليست ككلمة (أنثى)، بل المرأة: البالغة، ولكن البلوغ ليس بشرط، والمراد: المرأة التي تتعلق بها الشهوة.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: 6]، قالوا: ﴿لَامَسْتُمُ﴾ وفي قراءة سبعية: ﴿لَمَسْتُمُ﴾، واللمس والمس معناهما واحد، وعلى هذا فيكون ناقضًا للوضوء.
إذا استدللنا بالآية فليس في الآية قيد الشهوة أو لا؟ لامستم النساء بشهوة ولَّا ما فيه؟ ما فيه، فمن أين جاءت؟ قالوا: لأن الشهوة هي مظنة الحدث، فوجب حمل الآية عليه.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل، وكانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تمد رجليها بين يديه، فإذا أراد السجود غمزها، فكفت رجليها (1)، ولو كان مجرد اللمس ناقضًا لانتقض وضوء الرسول صلى الله عليه وسلم واستأنف الصلاة، فلما لم يكن ذلك علم أن مجرد المس لا ينقض الوضوء، بمجرد المس فيه مشقة عظيمة؛ إذ قلَّ أن يسلم منه أحد، لا سيما فيما لو كان الإنسان عنده أم كبيرة أو ابنة عمياء أو ما أشبه ذلك، يمسك بيدها؛ ليدلها، وما كان فيه حرج ومشقة فإنه منفي شرعًا، وهذا هو المذهب؛ أنه ينقض مس المرأة إذا كان بشهوة.
فيه رأي آخر يقول: إن مس المرأة ينقض مطلقًا، ولو بغير شهوة، ولو بغير قصد، واستدلوا بعموم الآية، وأجابوا عن حديث عائشة رضي الله عنها بأنه يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يمسها بظفره، والظفر في حكم المنفصل، أو أن هناك حائلًا فليس بصريح، والدليل إذا دخله الاحتمال بطل به الاستدلال، فلا يكون دليلًا على ذلك، فنحن نأخذ بظاهر الآية.
ولهذا تجد هؤلاء الذين يأخذون بهذا المذهب في المطاف تجد بعضهم يلبس قفازين وهو رجل، لأيش؟ يقول: أخشى مع الزحام أن تمسني يد امرأة، فإذا مست يدي يد امرأة انتقض الوضوء، وإذا انتقض الوضوء بطل الطواف.
ولكن آخرين من أهل العلم قابلوا هؤلاء قالوا: لا نقض مطلقًا، لا ينقض مس المرأة مطلقًا، ولو الفرج بالفرج لا ينقض، ولو بشهوة، كيف؟ ويش حجة هؤلاء؟ قالوا: حجتنا في هذا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قبَّل امرأة من نسائه، وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، حدثت به عائشةُ ابنَ أختها عروة بن الزبير، فقال: ما أظن المرأة إلا أنتِ، فضحكت (2)، وهذا الحديث صحيح، وله شواهد متعددة.
وقالوا أيضًا: إن الأصل عدم النقض، حتى يقوم دليل على النقض دليل صحيح صريح؛ لأن الرجل -وقد ذكرتها من قبل- إذا أتم طهارته بمقتضى الدليل الشرعي فلا يمكن أن ترتفع هذه الطهارة إلا بدليل شرعي، وعلى هذا فعندنا الآن دليل إيجابي ودليل؟
طالب: شرعي.
الشيخ: لا، سلبي، الدليل الإيجابي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبِّل ولا يتوضأ، والدليل السلبي: عدم الدليل؛ أنه ليس هناك دليل، ومن ادعى النقض فليتفضل.
فإن قالوا: نحن ندمغكم بكلام الله عز وجل: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، وفي قراءة سبعية: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
فالجواب: أن المراد بالملامسة: الجماع، كما صح ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما (3) (... ).
امرأة لشهوة فيهما (ومسه امرأة بشهوة، أو تمسه بها) (مسُّه) الضمير يعود على الرجل، (مسه) أي: مس الرجل، (امرأة بشهوة) الباء هنا للمصاحبة؛ يعني: مسًّا مصحوبًا بشهوة.
وقوله: (مسه) أي: الرجل، ظاهر كلامه العموم، وأنه لا فرق بين الصغير والكبير، والعاقل والمجنون، والحر والعبد.
وقوله: (امرأة) كلمة (امرأة) تطلق في الغالب على المرأة البالغة، ولكن المراد بها هنا الأنثى مطلقًا، فظاهره أنه يشمل الأنثى، سواء كانت صغيرة أو كبيرة، حرة أو عبدة، من محارمه أو من غير محارمه، ما دام لشهوة فإنه ينتقض.
ولكن الفقهاء رحمهم الله قيدوا ذلك بمن بلغ سبعًا، سواء من اللامس أو من الملموس، لا بد أن يبلغ سبعًا؛ يعني: يشترط للرجل إذا مس المرأة بشهوة أن يكون قد بلغ سبع سنين، وللمرأة الملموسة أن تكون قد بلغت سبع سنين.
وهذا أيضًا فيه نظر؛ لأن الغالب أن من له سبع سنوات أنه لا يدري عن هذه الأمور شيئًا؛ ولهذا قيده بعض العلماء بمن يَطأ مثلُه، ويُوطأ مثلُها؛ يعني: بمن تشتهى، والذي يطأ مثله -كما مر علينا- من تم له عشر سنوات، والمرأة من تم لها تسع سنوات.
وعلى هذا فيكون الحكم معلقًا بمن هو محل للشهوة، وهذا أصح؛ وذلك لأن الحكم إذا علق على وصف فلا بد أن يوجد محل يكون قابلًا لذلك الوصف، أما إذا لم يوجد محل قابل لذلك الوصف، فإن هذا الوصف يكون لاغيًا؛ لأنه لا محل له، وعلى هذا فلا بد من أن يكون اللامس والملموس محلًا للشهوة؛ بحيث يُوطأ مثلها إن كان ملموسًا، ويَطأ مثله إن كان لامسًا.
وقول المؤلف: (مسُّه) كلمة (مس) لا تصدق إلا على ما إذا لم يكن حائل، أما مع الحائل فلا مس، وعلى هذا فلو ضمَّ الإنسان امرأته بشهوة لكن ما خرج شيء، فإنه لا ينتقض وضوؤه، لماذا؟ لعدم اللمس، والمؤلف رحمه الله يقول: (مسه امرأة) ولم يقيد باليد كما قيد في مس الفرج.
وعليه، فإذا مس المرأة بيده أو رجله أو ذراعه أو أي مكان من البدن، منه أو منها، فإن الوضوء ينتقض إذا كان بشهوة.
بعد هذا نقول: ما هو الدليل على أن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء؟
الدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [المائدة: 6]، وفي قراءة سبعية: ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، واللمس: هو الجس باليد أو بغيرها؛ أدني ملامسة؛ ولأن مسها لشهوة مظنة الحدث بخروج شيء قد لا يعلم به، وما كان مظنة فإنه يُلحق بالْمَئِنَّة؛ بالعلم، بدليل النوم؛ لما كان مظنة الحدث كان موجبًا للوضوء، فعندنا الآن دليل وتعليل.
وبناءً على ذلك نكون قد قيدنا الآية الكريمة؛ لأننا لو أخذنا بظاهرها ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ﴾ لكانت شاملة للمس بشهوة أو بغير شهوة، لكنا قيدناها بالذي لشهوة؛ لأنه مظنة الحدث، وهذا فيه خلاف بين الأصوليين؛ هل يُخَص العموم بالعلة أو لا يخص؟ وليس هذا موضع البحث، وهذا ما استدل به من قال: إن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء.
والمسألة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم، هذا أحدها، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
القول الثاني: أن مس المرأة ينقض مطلقًا لشهوة أو لغير شهوة؛ أي امرأة يمسها رجل لشهوة أو لغير شهوة من محارمه أو من غير محارمه فإن وضوءه ينتقض، حتى لو تصافح امرأة انتقض وضوؤك؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ما في الآية قيد، فيجب أن نأخذ بعمومها.
القول الثالث: أنه لا ينتقض الوضوء مطلقًا، عكس القول الثاني، واستدلوا لذلك وعللوا أيضًا.
أما استدلالهم فقالوا: إن عائشة رضي الله عنها أخبرت أن النبي صلى عليه وسلم قبَّل بعض نسائه، وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ (2)، ولو كان اللمس ناقضًا لتوضأ الرسول صلى الله عليه وسلم قبل أن يصلي، فقولها: خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، يدل على أنه لم ينتقض وضوؤه.
فإن قيل: أفلا يمكن أن يكون هذا التقبيل لغير شهوة؟
طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، لكن بعيد، رجل يقبِّل امرأته يكون تقبيله بغير شهوة! هذا بعيد جدًّا، ثم إن عائشة رضي الله عنها يظهر أنها استدلت بذلك على أن القبلة لا تنقض الوضوء.
واستدلوا أيضًا بأن عائشة كانت تنام بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصلي من الليل، فإذا أراد أن يسجد غمزها (1)، قالوا: وهذا دليل على أن المس لا ينقض الوضوء.
لكن هذا ليس دليلًا، ولا يصح أن يكون دليلًا، لماذا؟ لأن الشهوة هنا بعيدة جدًّا، نعم هو دليل على من يقولون: إن المس ناقض مطلقًا، هذا صحيح؛ إذا كان الرسول يمس بشرتها عند غمزه إياها بدون حائل.
وأما التعليل -وهو تعليل قوي- فقالوا: إن الوضوء حين تمَّ صحَّ بمقتضى دليل شرعي، وما ثبت بمقتضى دليل شرعي ما يجوز أن يرفع إلا بدليل شرعي، وهذا كلام سليم ولَّا غير سليم؟ هذا كلام سليم، لا شك فيه، والأصل عدم النقض.
لكن إذا قال قائل: عندنا دليل شرعي؛ الآية الكريمة: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ هذا دليل شرعي، وعندنا تعليل؛ وهو أن مس المرأة لشهوة مظنة الحدث، فوجب أن ينتقض الوضوء به.
إذن لا بد أن نجيب على هذا الدليل، وإلا صار الحق مع من يقول: إن المس ينقض الوضوء؛ إما مطلقًا، أو لشهوة.
أجابوا عن هذا قالوا: إن الآية الكريمة يراد بالملامسة فيها: الجماع، ويش الدليل؟ ترى الدليل تفسير ابن عباس رضي الله عنهما الذي دعا له النبي عليه الصلاة والسلام أن يعلمه الله التأويل (4)، وقد فسرها بالجماع، وهو أولى من يؤخذ قوله في التفسير، إلا أن يعارضه من هو أرجح منه.
ثم إن هناك دليلًا من تقسيم الآية الكريمة، الآية الكريمة فيها تقسيم؛ تقسيم للطهارة: أصلية وبدل، وتقسيم للطهارة: كبرى وصغرى، وتقسيم لأسباب الطهارة: الصغرى والكبرى، فهنا ثلاث جهات، الآية فيها مقسمة ولَّا لا؟ طهارة أصلية وبدل، والثانية: صغرى وكبرى، والثالث: سبب أصغر وسبب أكبر.
ولننظر، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6] هذا طهارة بالماء أصلية صغرى.
ثم قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ هذه كبرى أصلية ولَّا بدل؟ أصلية، ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿تَيَمَّمُوا﴾ هذا البدل.
﴿جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ هذا بيان سبب الصغرى، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ بيان سبب الكبرى، ولو حملناه على المس الذي هو الجس باليد لكانت الآية الكريمة ذكرَ اللهُ فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، مع أنه ذكر طهارتها، وهذا خلاف البلاغة القرآنية.
وعليه، فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ أي: جامعتم النساء؛ ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة؛ السبب الأكبر والسبب الأصغر، السبب الأصغر في أي كلمة؟
طلبة: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾.
الشيخ: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾، والأكبر ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.
في الطهارتين؛ الصغرى في الأعضاء الأربعة، والكبرى في جميع البدن، البدل في عضوين فقط، البدل اللي هو طهارة التيمم في عضوين فقط؛ لأنه يتساوى فيه الطهارة الكبرى والطهارة الصغرى.
وعلى هذا فالقول الراجح أن مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء إلا إذا خرج منه شيء، وإلا فلا نقض؛ لما علمت من الحديث الذي روته عائشة رضي الله عنها من أن الأصل بقاء الطهارة وعدم النقض، وعلمت الجواب عما استدل به القائلون بالوجوب.
يقول: (ومس حلقة دبر) أيضًا من النواقض، ولا يحتاج أن يُخَص ويذكر؛ لأنه داخل في عموم مس الفرج، غير الذكَرِ؛ يعني: لو قال المؤلف: مس الفرج لاكتفى، لكن لما ذكر مس الذكر احتاج أن يقول: (ومس حلقة دبر).
حلقة الدبر إذا مسها الإنسان انتقض وضوؤه؛ لأنه مسُّ فرجٍ، وقد روى الإمام أحمد (5) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ مَسَّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ»، والدبر فرج بلا شك؛ لأنه منفرج على الجوف، ويخرج منه ما يخرج، وعلى هذا فينتقض الوضوء بمس حلقة الدبر، وهذا فرع مما سبق من قولنا: إن مس الذكر ينقض؟
طلبة: الوضوء.
الشيخ: وعلى هذا فنقول: إن القول الراجح أنه لا ينقض الوضوء، ولكن يستحب فقط.
وقوله: (مس حلقة) لكن لو مس ما هو قريب من الحلقة من الصفحتين -وهما جانبا الدبر- هل ينتقض وضوؤه أم لا؟ لا، ولو مس العجيزة لم ينقض، ولو مس الفخذ لم ينقض، ولو مس الأنثيين لا ينتقض.
قال: (لا مس شعر وظفر وأمرد، ولا مع حائل، ولا ملموس بدنه، ولو وجد منه شهوة) انتبه للخمس هذه، (لا مس شعر) يعني: لا ينقض مس الشعر ممن ينقض مسه، مس المرأة تقدم أنه ينقض إذا كان لشهوة، هذا رجل ما مس المرأة، ما مس الجلد، لكن مس شعر امرأته (... ) فيه بشهوة شديدة، لكن ما خرج شيء، ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟ ما ينتقض ولو كان بشهوة، لماذا؟ قالوا: لأن الشعر في حكم المنفصل، فكما أنه لو مس خمارها لشهوة لم ينتقض وضوؤه، فكذلك إذا مس الشعر؛ لأن الشعر في حكم المنفصل؛ ولذلك ليس فيه حياة، لو أن أحدًا قصه تقول: أح ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما تقول: أح، إذن هو منفصل لم تحله الحياة.
كذلك لو مس الإنسان ظفر امرأته لشهوة فإن وضوءه لا ينتقض، سواء كان هذا الظفر مما طال أو مما قصر.
وبمناسبة الظفر أحدثكم حديثًا عجيبًا؛ وهو أن موضة خرجت من نساء الآن يرون أن من الجمال والتجميل أن يكون الظفر طويلًا، وهذا قلب للحقيقة وقلب للفطرة، الرسول صلى الله عليه وسلم وقت للأمة كم؟ أربعين يومًا، وهؤلاء المساكين الجهال من نساء وأشباههن يقول: طوِّل الظفر؛ لأن هذا جمال، وبعضهن يطول ظفر الخنصر فقط ويقول: هذا جمال، وهذا من وساوس الشيطان؛ أن تكون الفطرة التي يطلبها كل ذي عقل سليم تقبيحًا، وضدها يكون تجميلًا.
فيجب علينا نحن معشر طلبة العلم إذا سمعنا بمثل هذه الأمور التي قد تنقل المجتمع كله إلى مثل هذه العادات السيئة أن نبين في المجالس لو ما سئلنا، حتى لو أنك جالس مثلًا تتحدث تقول: هذا من الغرائب.
وأظن ذلك سببه -والله أعلم- هذه المناكير التي بلغت في المنكر صيغة منتهى الجموع، أظن هذا هو السبب؛ لأنه إذا كان الظفر طويلًا كان قبوله للمناكير أكثر وأشد، فمن أجل ذلك صاروا يخالفون الفطرة من أجل الحصول على هذه المناكير!
طالب: تغريب يا شيخ، هو جاي لنا من الغرب، نفس الشيء ما ينفعون به..
الشيخ: إي نعم، من الشيطان، طيب هذا الظفر لا ينتقض الوضوء بمسه ولو لشهوة؟
طلبة: ولو لشهوة.
الشيخ: فإن ضغط على ظفرها على الأنملة العليا على الظفر وما يقابله من أسفل؟
طالب: ينتقض.
الشيخ: لشهوة؟
طالب: ما ينتقض.
طالب آخر: ينتقض.
الشيخ: ينتقض، من الجانب الآخر مسها فيكون منتقضًا وضوؤه، بناءً على أن اللمس ينقض الوضوء.
طالب: شيخ في كلمة: (وتمسه بها)؟
الشيخ: إي نعم، صح، خلينا نكمل ها الخمس اللي بأيدينا الآن، قال: (وأمرد).
بقي علينا مما هو في حكم المنفصل شيء ثالث: السِّن؛ لو مس سنها لشهوة لم ينتقض وضوؤه، لأيش؟ قال: لأن السن في حكم المنفصل؛ لأنه ما يحس، ما فيه حياة، قال ابن عقيل رحمه الله: وإذا قلتم: إن هذه الثلاث ليس فيها حياة فقولوا: إن المس بالعضو الأشل لا ينقض الوضوء أيضًا، وأنتم تقولون بنقضه، العضو الأشل إنسان يده شلاء ما تحس، لو تلمسه بالنار ما حست.
طالب: فيها حياة.
الشيخ: بس حياة ما تشعر بشيء؛ يعني: هو يمس الحصى، ويمس الحار والبارد، واللين والقاسي، وهو عنده سواء، فيقول: هذا أبلغ، مع أن السن هو ما يحس.
طالب: ليس على الإطلاق.
الشيخ: ليس على الإطلاق، هو أشد إحساسًا من الشعر؛ لأن الشعر لو تغمسه في ماء يغلي، تحس بيه ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ولكن السن لو تشرب حار تحس ولَّا لا؟ فهو أقرب إلى الإحساس من الشعر، ومع ذلك قالوا: إنه في حكم المنفصل؛ لأنه ليس فيه إحساس.
(وأمرد) من الأمرد؟ الأمرد: هو الشاب الذي طرَّ شاربه؛ يعني: اخضر، ولم تنبت لحيته، هذا هو الأمرد.
يقول المؤلف: إن مس الأمرد ولو لشهوة لا ينقض الوضوء، لماذا؟ قال: لأنه ليس محلًّا لذلك؛ ولهذا قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم﴾ [الشعراء: 165، 166].
فالذكر ما خلق للذكر، فليس محلًا للشهوة، فهو كما لو مس بنت ثلاثة أشهر، واحد فيه بنية صغيرة ذات ثلاثة أشهر في المهد قام يلمسها وقال: إنه مسها لشهوة، ينتقض وضوؤه ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ ليست محلًّا للشهوة، قال: إذن مس الأمرد ليس محلًّا للشهوة؛ لأن الأمرد نفسه ما خلق لهذا، فمسه ولو لشهوة شديدة لا ينقض الوضوء، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا إذا قلنا بنقض الوضوء بالمس لشهوة؛ لأن من الناس من قَلَب الله فطرته -والعياذ بالله- وحسه وصار يشتهي الذكور كما يشتهي النساء، بل أشد، قوم لوط لما جاؤوا إلى لوط ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [الحجر: 71]، ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: 79]، ويش يريدون؟ يريدون ها الشبان اللي جاءت الملائكة بصورة الشبان.
فكون العقل السليم والفطرة تأبى أن تتعلق بذكَرٍ هذا صحيح، لكن يوجد من قَلَب الله فطرته وصار يتعلق بالذكور أكثر مما يتعلق بالإناث، نسأل الله العافية والحماية.
فالصواب بلا شك: أن مس الأمرد كمس المرأة سواء، حتى إن بعض أهل العلم قال: إن النظر إلى الأمرد حرام، كالنظر إلى المرأة مطلقًا، وقالوا: إنه يجب عليك غض البصر، وقال شيخ الإسلام: لا تجوز الخلوة بالأمرد ولو لقصد التعليم؛ لأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.
وكم من أناس كانوا قتلى بهذا الأمر، فأصبحوا -والعياذ بالله- فريسة للشيطان والأهواء، وهذه مسألة يجب الحذر منها؛ ولهذا كان القول الراجح الصواب المقطوع به: أن عقوبة اللوطي فاعلًا أو مفعولًا به راضيًا القتل بكل حال إذا كانوا بالغين عاقلين، حتى وإن كانوا غير محصنين، الزنا ما فيه رجم إلا في الإحصان، وأما اللواط -والعياذ بالله- ففيه القتل بكل حال.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن الصحابة أجمعوا على قتل الفاعل والمفعول به، لكن اختلفوا كيف يقتل؟
فأبو بكر رضي الله عنه حرَّقهم بالنار، وعبد الله بن الزبير حرقهم بالنار؛ اللوطية، وكذلك عبد الملك حرَّقهم بالنار (6)؛ لأن فعلتهم هذه فعلة من أقبح المنكرات؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32]، ﴿فَاحِشَةً﴾ يعني: من الفواحش، نكرة، لكن في اللواط قال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف: 80] الفاحشة، كأنها بلغت في الفحش غايته وأعلاه، والعياذ بالله.
فالصواب بلا شك: أن اللواط موجب للقتل، ويقتله الإمام بما يرى أنه أردع عن هذه الفعلة الخبيثة؛ لأن هذه الفعلة مشكل ما يمكن التحرز منها إطلاقًا، لكن الزنا قد يتحرز منه؛ فإن الرجل إذا وجد معه امرأة قلت: ما هذه المرأة؟ لكن رجل معه رجل، ماذا نقول؟
وهذا كما قالوا أيضًا: إن قتل الغيلة موجب للقتل بكل حال ولو عفا أولياء المقتول؛ لأن قتل الغيلة لا يمكن التحرز منه، وهذه الفاحشة كذلك.
فالحاصل: أن مس الأمرد إذا قلنا بأن مس المرأة بشهوة موجب للوضوء فمس الأمرد كذلك.
قال: (ولا مع حائل) يعني: ولا المس مع حائل، لماذا؟ لأن المس حقيقته الملامسة بدون حائل.
قال: (ولا ملموسٍ بدنُه) هذا رجل يمس امرأته لشهوة، لكن هي امرأة عجوز كبيرة باردة الشهوة ما تشتهي إطلاقًا، ويمس بشرتها لشهوة ينتقض وضوؤه وهي لا ينتقض وضوؤها؛ لأن ما عندها الشهوة.
لكن الغريب قال المؤلف: (ولو وُجِد منه شهوة) لو وُجِد منه شهوة فإنه لا ينتقض ليش؟ قال: لأن هذا لامس وهذا ملموس، فإذن لا ينتقض الوضوء.
امرأة مع زوجها وهي شابة وهو شاب ويقبلها لشهوة، وهي كذلك تشتهي متلذذة معه، نقول: هو يتوضأ وهي لا تتوضأ، مع أن العلة واحدة!
ولهذا القول الصحيح في هذه المسألة: أن الملموس إذا وجد منه شهوة انتقض وضوؤه، على القول بأن اللامس ينتقض وضوؤه، وهو القياس.
قال الموفق رحمه الله: كل بشرتين حصل الحدث بمس إحداهما فإن الطهارة تجب على اللامس والملموس، قال: فهذا التقاء الختانين فيه مُجامِع ومُجامَعة؛ الرجل مجامِع، والمرأة مجامَعة، إذا التقى الختانان بدون إنزال منهما يجب الغسل على من؟ عليهما جميعًا؛ المجامِع والمجامَع، إذن اللامس والملموس لشهوة يجب عليهما الوضوء؛ لأن البشرتين التمستا لشهوة، كما لو التقى الختانان.
وهذا القول الذي ذهب إليه الموفَّق قول صواب، لكنه أيضًا مبني على القول بأن مس المرأة لشهوة ينقض الوضوء، هذه خمسة ولَّا ستة؟
طالب: ستة مع السن.
الشيخ: مع السن ستة؛ مس الشعر، والظفر، والسن، والأمرد، والمس مع حائل، والملموس بدنه، وقد علمتم القول الصواب في بعضها.
أما قول المؤلف: (أو تمسه بها) (تمسُّه) أي: المرأة، فاعل ولَّا مفعول؟
طلبة: فاعل.
الشيخ: والهاء في قوله: (تمسه) يعود على الرجل؛ يعني: أو تمس المرأةُ الرجلَ لشهوة فينتقض وضوؤها، كيف؟ ويش الدليل، الله ما قال: أو لامستنَّ الرجال، قال ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾؟
قالوا: الدليل القياس؛ لأن الطبائع واحدة، فإذا كان المس لشهوة من الرجل ناقضًا فالمس من المرأة للرجل لشهوة يكون كذلك ناقضًا، هذا مقتضى الطبيعة البشرية، فيكون مس المرأة للرجل لشهوة ناقضًا للوضوء، قياسًا على مس الرجل للمرأة لشهوة، والقياس أظنه واضحًا، القياس هذا واضح جلي.
ولكن المؤلف يقول: (تمسه بها) فلو أن امرأة مست امرأة لشهوة، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟ يمكن، ينتقض وضوؤها ولَّا لا؟ ما ينتقض وضوؤها؛ لأن المؤلف يقول: (أو تمسه) أي: الرجل (بها)، أما لو مست امرأة فلا ينتقض.
ما نقول: هذه كمسألة الأمرد؛ لأن المرأة ليست محلًّا لشهوة المرأة الأخرى، كما قالوا في أن الرجل ليس محلًّا لشهوة الرجل، أفلا يجوز أن نقول: إن المرأة إذا مست شابة لشهوة وجب عليها الوضوء؟
نقول: نعم، القياس هكذا؛ القياس يقتضي أن المرأة إذا مست امرأةً شابةً لشهوة انتقض وضوؤها؛ لأن العلة واحدة، وكم من بعض النساء -ما أقول: كم كثير- يوجد بعض النساء تتعلق رغبتها بالشابات، مثلما أن بعض الرجال تتعلق رغبتهم بالشباب، وما دامت العلة معقولة، فإن ما شارك الأصل في العلة وجب أن يعطى حُكْمُهُ أو حُكْمَهُ؟
طلبة: حُكْمُه.
الشيخ: حُكْمُه؟ حُكْمَهُ مفعول، وجب أن يعطى حُكْمَهُ، صح، كما في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا﴾ نفْسُكَ؟
طلبة: ﴿إِلَّا نَفْسَكَ﴾.
الشيخ: ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ [النساء: 84]؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي، ﴿لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ﴾ يعني: لا تكلف أنت إلا نفسك.
طالب: يا شيخ، في مسألة مس المرأة ذكرنا ثلاثة أقوال، لم ترجح؟
الشيخ: لا، رجحنا عدم النقض.
الطالب: حتى ولو بشهوة؟
الشيخ: ولو بشهوة، ولو مع انتشار.
طالب: (... ) في المحاضرة (... ) المس مظنة الحدث (... ) حائل (... ) مظنة؟
الشيخ: نعم، فيه مظنة.
الطالب: (... ).
الشيخ: هذا ينتقض عليهم، وأيضًا ينتقض عليهم بحديث أبي هريرة: الرجل يجد الشيء في الصلاة يخيل إليه أنه خرج منه شيء، وهذه الرياح في البطن مظنة الخروج أو لا؟ ومع ذلك قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (7).
طالب: كنا رجحنا أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء، وفي مرور المرأة بين يدي المصلي تبطل صلاته، ربما تحرك شهوة الرجل لو قبَّلها؟
الشيخ: هو هناك ما هو من جهة..، يعني أولًا: التعليل الذي ذكرنا في مرور المرأة بين الرجل وبين سترته تعليل غير مسلَّم به عند بعض أهل العلم؛ لأن بعض العلماء يقول: هذا تعبدي، لكن على القول بذلك؛ لأن العلة في أنها تذهب الخشوع، وهذا مما يستدل به على وجوب الخشوع في الصلاة، هذا السبب ما هو لأجل الحدث، لكن تعلقه بها؛ بدأ يفكر فيها.
طالب: شيخ، تقول: إن المرأة ليست محلًّا للشهوة؛ لذلك إذا اشتهت المرأة مع المرأة فلا ينتقض الوضوء إذا مستها، فكيف يحصل إذن المساحقة وهي شهوة؟
الشيخ: لا، أقول: هذا تعليل..، الأصل عدم ذلك؛ يعني: هذا خروج عن الفطرة.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا، هذا تعليل المذهب، ولكني قلت لكم: إن مس الرجل للأمرد ينقض الوضوء، فكذلك مس المرأة للمرأة الأخرى لشهوة ينقض الوضوء، لكن أصل المسألة عندي: أن المس لشهوة إذا لم يخرج شيء لا ينقض الوضوء مطلقًا.
طالب: حديث طلق بن علي (8) وحديث بسرة (9)؛ حديث طلق يكون في الصلاة مس الذكر، وحديث بسرة عام، وجه الخلاف بين العلماء؛ لأن من المعقول أن الرجل يقف في الصلاة؛ يعني: لابس، وبينه وبين ذكره حائل، ويمتنع أنه يمسه لشهوة؛ لأن العلتين منفيتان في الصلاة، كيف ذلك الخلاف اللي دار بين العلماء؟
الشيخ: هم ما قالوا هكذا؛ لأن قول الرجل: مسست ذكري، معروف في اللغة العربية أن المس لا بد من مباشرة.
الطالب: بس هذا سأله في قضية معينة، قال له: في الصلاة؟
الشيخ: كله واحد، مثلًا يخيل إليه أنه يجد شيئًا في الصلاة، نفس الشيء لو كنت في غير الصلاة وحصل معك رياح في بطنك وشككت ما يجب عليك الوضوء.
الطالب: بس هذا سأله لقضية معينة، وبسرة سمعت الحديث من قضية ثانية؟
الشيخ: نعم، هذا وجه الجمع، نقول: الجمع بينهما أنه على سبيل الاستحباب فقط، نجمع بينهما بهذا.
طالب: أليس مدار الحكم على الشهوة التي تكون مظنة للحدث، المس، هذه العلة ألا تقوي القول بأن المس بشهوة ينقض مطلقًا؟
الشيخ: إي، بس من يقول هذا، يعني ينقض مطلقًا؟
الطالب: لا، المس بشهوة.
الشيخ: هذا السبب أنهم عللوا قالوا: لأنه إذا كان لشهوة ربما يخرج شيء وهو لا يشعر.
الطالب: كيف نجيب على هذا؟
الشيخ: نجيب بأنه لا نقض إلا إذا خرج الشيء؛ لأن كل الأحكام علقت على الوجود؛ ولهذا في المرأة التي تحتلم قال لها الرسول عليه الصلاة والسلام: «نَعَمْ، إِذَا هِيَ رَأَتِ الْمَاءَ» (10)، فلا بد أن يبرز الحدث.
طالب: قد يقول قائل: استدلالكم بحديث عائشة، الحديث أعله بعض أهل العلم بالانقطاع، وأن تفسير ابن عباس في الآية أنه وجد من خالفه من الصحابة (... ) ابن مسعود، وكذلك تؤيده القراءة ﴿أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، فكيف نرد على هذا؟
الشيخ: نرد على هذا بأن حديث عائشة صححه بعض أهل العلم، ومن صحح فهو حجة على من ضعف، إلا إذا بُيِّن الجرح، كما هو معروف، هذا بالنسبة للحديث، ثم حديث تفسير ابن عباس وابن مسعود نقول: ظاهر الآية -كما ذكرنا لكم- من جهة التقسيم يدل على أن تفسير ابن عباس أولى بها.
الطالب: القراءة؟
الشيخ: أما القراءة فاللمس يطلق على هذا، المس واللمس كله يطلق على الجماع؛ ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 237]، وما أشبه ذلك، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 236]، وهذا يكني الله عن الجماع بمثل هذا؛ لأنها جرت العادة بأن ما يستحيى من ذكره صريحًا يكنى عنه.
طالب: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ إن قلنا: إنهم قطعًا كفار فكيف يزوجهم بناته، إن قلنا: بالتزويج، وإن قلنا: إنه يعرض عليهم بناته، فمشكلة أيضًا -حاشا للوط أن يفعله- كيف الجواب؟
الشيخ: لا، ما فيه شك أنه يريد أن يزوجهم بناته بمقتضى الشريعة، لكن ما نعرف عادة الشريعة عندهم هل هي توافق شريعتنا في تحريم نكاح الكافر أم لا؟ لأنك تعرف أن تحريم نكاح الكافر ما نزل إلا متأخرًا بعد بدر.
الطالب: ظاهرهم هم مجموعة كيف يزوجهم، يزوجهم لاثنين فقط؟
الشيخ: يزوج اللي يمكن تزويجه، وبعض العلماء يقول: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ أنه يشير إلى نساء قومه.
(وينقض غَسْل ميت) (غَسْل) بالفتح بمعنى (تَغْسيل)، وأما (غُسل) بالضم فهو المعنى الحاصل بالتغسيل، إذن (ينقض غسل الميت) أي: تغسيل الميت؛ يعني: لو أن أحدًا غسل ميتًا فإن وضوءه ينتقض، وسواء غسَّل كله أو غسَّل بعضه.
وقول المؤلف: (غسل الميت) يشمل الذكر والأنثى، والصغير والكبير، فلو أن رجلًا غسَّل طفلًا صغيرًا انتقض وضوؤه، ولو أنه غسَّل رجلًا بالغًا انتقض وضوؤه ولو كان ابنه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو كان ابنه.
ولو أن امرأة غسَّلت امرأة كبيرة أو صغيرة انتقض وضوؤها، حتى من وراء حائل؟ نعم، حتى من وراء حائل؛ لأن المؤلف يقول: (غسل الميت) ولم يقل: (مس)؛ يعني: لو وضع على يده خرقة وصار يغسل فإنه ينتقض وضوؤه مطلقًا.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف من مفردات مذهب الإمام أحمد؛ يعني: أن الأئمة الثلاثة على خلافه، وحينئذٍ تكون المسألة من مسائل النزاع بين أهل العلم، ولدينا قاعدة أصَّلها الله عز وجل لنا وهي: أن مسائل النزاع ترد إلى الله ورسوله؛ فما وافق الكتاب والسنة قُبِلَ، وما لا فلا.
فلننظر، ما دامت هذه المسألة من مفردات مذهب الإمام أحمد فمقتضاه: أن جمهور أهل العلم على خلاف ذلك؛ أي: على أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء.
ما حجة هذا القول؛ أعني: القول بوجوب الوضوء؟ حجتهم: ما روي عن ابن عمر (11) وأبي هريرة (12) وابن عباس (13)، ثلاثتهم أنهم أمروا غاسل الميت بالوضوء، هؤلاء ثلاثة من الصحابة، كم بقي من الصحابة؟ بقي كثير، ثم إن أمرهم غاسل الميت بالوضوء يحتمل أنه على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، هذا الدليل.
الدليل إذن ما روي عن عبد الله بن عمر وابن عباس وأبي هريرة بأمر غاسل الميت بالوضوء.
التعليل قالوا: لأن غاسل الميت غالبًا قد يمس فرجه، ومس الفرج ناقض للوضوء، وحينئذٍ أوجبنا على من غسَّل ميتًا أن يتوضأ.
أما الذين قالوا بعدم النقض فقالوا: إن النقض يحتاج إلى دليل شرعي يرتفع به الوضوء الثابت بدليل شرعي، فنحن وإياكم متفقون على أن هذا الرجل على طهارة، أليس كذلك؟ إذا غسَّل الميت، فنحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة رسوله أو الإجماع على أن تغسيله ينقض الوضوء؛ التمسنا في القرآن ما وجدنا شيئًا، في السنة ما وجدنا شيئًا، في الإجماع ما وجدنا شيئًا.
المخالفون أكثر من الموافقين، فيكون على هذا عدم النقض أسعد بالدليل من النقض، ونجيب عن أمر هؤلاء الصحابة الثلاثة بأن الأمر يحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب، وفرض شيء على عباد الله من غير دليل تطمئن إليه النفس أمر صعب؛ لأن فرض ما ليس بفرض كتحريم ما ليس بحرام، ولأننا إذا فرضنا عليهم الوضوء أبطلنا صلاتهم إذا صلوا بدون وضوء، وإبطال الصلاة يحتاج إلى دليل، كيف نجترئ على أن نقول لهذا الرجل الذي غسَّل الميت وصلى بدون وضوء، كيف نجترئ عليه ونقول: عبادتك فاسدة، يجب عليك أن تعيدها بعد الوضوء؟ صعب، يحتاج إلى دليل بيِّن.
ولهذا يجب علينا أن نتحرى في مسألة نواقض الوضوء، فلا نجترئ على قولٍ بأن هذا ناقض، إلا إذا وجدنا شيئًا واضحًا يكون حجة لنا عند الله سبحانه وتعالى أن نوجب على عباد الله ما لم يوجبه أو نفسد عبادات عباد الله بدون دليل.
وأما التعليل الذي قالوا: إنه ربما يلمس فرج الميت فينتقض وضوؤه بمس الفرج، فنقول: إن هذا القياس غير صحيح.
أولًا: أننا لا نسلم أن مس الفرج ناقض للوضوء، هذه واحدة.
ثانيًا: سلمنا أنه ناقض للوضوء، فاحتمال أن يكون مس فرجه لا يوجب الوضوء، أليس كذلك؟ كما لو شك هل خرج منه شيء أم لا؟ فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (14).
ونقول لهم أيضًا: ما تقولون فيما لو غسل حيًّا؛ إنسان مريض يحتاج إلى تغسيل فغسله، هل ينتقض وضوؤه؟ يقولون: لا.
احتمال أن يكون مس فرجه وارد بتغسيل الحي؟ وارد، فالعلة التي ذكرتم إذن انتقضت بتغسيل الحي؛ ولهذا كان الصواب الذي اختاره الموفق وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم: أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، ما هو الدليل؟
طلبة: عدم الدليل.
الشيخ: عدم الدليل، ويش الكلام هذا؟ الدليل عدم الدليل! أنا أقول لك: قدم دليلك تقول: الدليل عدم الدليل، كيف هذا؟ ! نعم، نقول: عدم الدليل على النقض، وعدم وجود المفسد فيما كان قائم الإصلاح دليل، والله أعلم (... ).
(أكل اللحم خاصة من الجزور) كلمة (خاصة) تعود إلى اللحم لا إلى الجزور؛ لأن (الجزور) تغني عن كلمة (خاصة).
(أكل اللحم من الجزور) ناقض للوضوء، وهذا أيضًا من مفردات الإمام أحمد، والأئمة الثلاثة على خلاف ذلك.
فما هو شرح المؤلف؟ قال: (أكل اللحم) كلمة (أكل اللحم) يعم الني والمطبوخ ولَّا لا؟ لأن كله يسمى أكلًا، ويخرج به عدم الأكل، كما لو مضغه ولم يبلعه، فإنه لا ينتقض وضوؤه؛ لأنه لا يقال لمن مضغ الشيء ثم لَفَظَه: أكله.
وقوله: (أكل اللحم خاصة) خرج بكلمة (خاصة) ما عدا اللحم، ويش اللي عدا اللحم؟ الشحم والكرش والكبد والكلية والأمعاء، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا لا يسمى لحمًا، بدليل أنك لو قلت لشخص: خذ هذا الدرهم اشترِ به لحمًا لي، ثم جاء لك بكرش لقلت: أنا ما وصيتك على كرش، وصيتك على لحم، فالكرش وشبهها لا يدخل في اسم اللحم؛ لهذا الدليل، وعليه فيكون النقض خاصًّا باللحم الذي هو الهبر، هذا تسمونه أنتم: الهبر عندكم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: اتفقت لغات الجزيرة، اللحم يعني: الهبر، وما عدا ذلك فإنه لا ينقض الوضوء؛ لأنه لا يدخل في اسم اللحم، وأيضًا الأصل بقاء الطهارة، ودخول غير الهبر دخول احتمالي، واليقين لا يزول بالاحتمال، فإذا أكل كرشًا أو أمعاء أو كلية أو كبدًا فإن هذا يحتمل أن يكون داخلًا في الحديث، ويحتمل أن يكون غير داخل، والأصل بقاء الطهارة حتى نتيقن وجود الناقض، وعلى هذا فلا ينقض.
وأيضًا فإن النقض بلحم الإبل أمر تعبدي غير معقول المعنى؛ يعني: نحن لا نعقل العلة، وإن كنا نعلم أنه ما من شيء حكم الله به حكمًا كونيًّا أو قدريًّا إلا وله حكمة، لكن لقلة علمنا يفوتنا كثير من الحكم، وما فاتنا حكمته من الأحكام فإننا نسميه اصطلاحًا: تعبديًّا؛ بمعنى أنه علينا أن نتعبد لله به وإن لم نعلم حكمته، وإذا كان أمرًا تعبديًّا فإنه لا يمكن الإلحاق والقياس؛ لأن من شرط القياس أن يكون الأصل معللًا؛ إذ إن القياس: إلحاق فرعٍ بأصل في حكم لعلة جامعة، وإذا كان لا بد من العلة فالأمور التعبدية غير معقولة المعنى، وحينئذٍ لا نلحق غير الهبر بالهبر، هذا هو حجة القائلين بأن لحم الإبل هو الهبر خاصة.
وقوله: (من الجزور) كلمة (من الجزور) تعني: الناقة، خرج به اللحم من غير الجزور حتى وإن شارك الجزور في الحكم، كالبقر مثلًا، البقرة تسمى: بدنة، ومع ذلك فإن لحمها لا ينقض الوضوء.
اللحم المحرَّم ينقض الوضوء ولَّا لا؟ يعني: لو اضطر الإنسان إلى أكل الميتة أو إلى أكل الحمار فله أن يأكل ولا ينتقض وضوؤه، فما عدا لحم الإبل لا ينقض الوضوء، سواء كان حلالًا، أو حرامًا أبيح للضرورة، أو حرامًا تجرأ الإنسان عليه من غير ضرورة فإنه لا ينقض الوضوء، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الطهارة حتى يوجد دليل على النقض.
يبقى عندنا ما هو الدليل على أن لحم الإبل ينقض الوضوء؟ الدليل قال الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث البراء وحديث جابر بن سمرة؛ حديث جابر بن سمرة: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نَعَمْ»، قال: أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إِنْ شِئْتَ» (15).
وجه الدلالة على الوجوب من هذا الحديث: أن تعليقه الوضوء بالمشيئة في لحم الغنم دليل على أن لحم الإبل لا مشيئة به ولا خيار فيه، وأن الوضوء منه واجب.
وأما حديث البراء ففيه: «تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ» (16) بلفظ الأمر، والأصل في الأمر الوجوب، فعلى هذا يكون عندنا في ذلك حديثان صحيحان، كما صححهما الإمام أحمد، وكلاهما في مسلم، وإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فإنه يجب علينا التمشي بمقتضاه.
إذن هل العلماء الذين خالفوا الإمام أحمد في هذا قد عصوا الله؛ لأنهم تركوا الواجب؟
طلبة: هم مجتهدون.
الشيخ: هم مجتهدون، لكن ليس كل مجتهد مصيبًا؛ قد يجتهد الإنسان ويخطئ، وإذا كان قد بذل وسعه في طلب الحق ولكنه لم يوفق للصواب، فإن له أجرًا على اجتهاده، وعذرًا في خطئه؛ لأن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلى وسعها.
الذين قالوا بعدم النقض يقولون: إنه قد روى أهل السنن من حديث جابر رضي الله عنه قال: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار (17).
وكلمة: (مما مست) عام يشمل الإبل وغير الإبل، وهو قد صرح كان آخر الأمرين ترك الوضوء، وإذا كان آخر الأمرين فالواجب أن نأخذ بالآخر من الشريعة؛ لأن الآخر يكون ناسخًا للأول، وهذا معلوم.
فيه دليل آخر: عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ لَا مِمَّا دَخَلَ» (18)، وزاد بعض العلماء أو نسبوه أيضًا أثرًا: «وَالْفِطْرُ مِمَّا دَخَلَ لَا مِمَّا خَرَجَ» (19)، شوف تقابل.
القاعدة الثانية: لأجل يخرجون الحجامة؛ لأن الحجامة خارجة ما هي داخلة، فيكون: الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل؛ لأجل يخرجون لحم الإبل ما ينقض الوضوء، ولكن حديث ابن عباس ضعيف لا يصح مرفوعًا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن صح موقوفًا عليه فقد خولف.
وأما حديث جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، فإنه لا يعارض حديث نقض الوضوء بلحم الإبل، فضلًا عن كونه ناسخًا له، كيف لا يعارضه؟ لأن حديث جابر عام، وحديث الإبل خاص، والقاعدة المتفق عليها بين أهل العلم: أن العام يحمل على الخاص، وأنه يخرج منه الصورة التي قام عليها دليل التخصيص، تخرج من العام، وحينئذٍ هل هناك تعارض حتى نقول بالنسخ؟ لا، ولا يجوز لنا أن ننسخ أو أن نحكم بالنسخ مع إمكان الجمع؛ لأن النسخ مع إمكان الجمع معناه: إبطال أحد الدليلين مع أنه ليس بباطل.
إذن ما الغرض من حديث جابر؟ لا بد أن يكون له حكمة؛ يعني: سياقه هو أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أمر بالوضوء مما مست النار، وصح عنه الأمر بذلك أمر بالوضوء مما مست النار، فقال جابر: كان آخر الأمرين ترك الوضوء.
وعلى هذا فإذا كان الرسول قد أمر وترك؛ فمن أهل العلم من أصَّل أصلًا -لكنه ليس بأصيل- وقال: إن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أمر بشيء وفعله صار الفعل خاصًّا به، وبقي الأمر بالنسبة للأمة على مدلوله؛ يعني: للوجوب، انتبه لهذه القاعدة، ولكن هذا الأصل غير أصيل؛ لأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم قوله وفعله.
فإذا عارض قوله فعله؛ فإن أمكن الجمع فلا خصوصية؛ لأننا مأمورون بالاقتداء به قولًا وفعلًا، ولا يجوز أن نحمله على الخصوصية مع إمكان الجمع؛ لأن معنى ذلك إهدار شطر من السنة -وهو السنة الفعلية- بدون حاجة إلى ذلك.
والصواب: أنه إذا أمر بشيء وفعل خلافه أنه يدل على أن الأمر ليس للوجوب، هذا هو الصواب بلا شك، فيبقى الأمر كما هو، ولكن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام يدل على أنه ليس بواجب.
وهذا هو القول الراجح، والذي عليه جمهور أهل العلم -وإن كان الشوكاني رحمه الله يميل إلى الأول- إلى أن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام الذي يخالف قوله يكون خاصًّا به حتى مع إمكان الجمع.
إذن نقول: حديث جابر ويش المراد منه؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ويش المراد منه؛ سياقه يعني لأي شيء؟ ليبين أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب؛ لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام له في آخر الأمر، مثلما مر علينا في القيام للجنازة: قام، ثم قعد (20).
وعلى هذا فيكون ما استدل به هؤلاء على أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء يكون دليلًا ضعيفًا، ويبقى حديث الأمر بالوضوء من لحم الإبل سالمًا من المعارض المقاوم، وإذا كان سالمًا من المعارض المقاوم وجب الأخذ بمقتضاه وبمدلوله.
بقي أن يقال: ما هي الحكمة في أنه يجب الوضوء من لحوم الإبل؟
فالجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن نقول: إن الحكمة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، هذه الحكمة، فكل ما أتى به الرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فهو حكمة، والدليل على أن هذه حكمة مقنعة مسكتة: أن عائشة رضي الله عنها سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر أن بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة (21)، وهذا حكمة وأي حكمة، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36] هذه حكمة؛ لأننا نؤمن -والحمد لله- إيمانًا بكل قلوبنا أن الله لا يأمر بشيء إلا والحكمة تقتضي فعله، ولا ينهى عن شيء إلا والحكمة تقتضي تركه، وعلى هذا فهذه حكمة.
حكمة أخرى التمسها بعض العلماء وقال: إن لحم الإبل شديد التأثير على الأعصاب مهيج لها؛ ولهذا الآن الطب الحديث ينهى الإنسان العصبي أن يكثر من أكل لحم الإبل قالوا: والوضوء يهدئ الأعصاب ويبردها، كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالوضوء عند الغضب (22)؛ لأجل تسكينه وتهدئته.
وسواء كان هذه الحكمة أو لا، إنما الحكمة هي أمر الرسول عليه الصلاة والسلام، وكما أنه لا يمكن أن يجترئ أحد أن يطالب بالحكمة في عدد الصلوات، فهذه مثلها؛ إن علمنا حكمتها فهو من الله، وهذا زيادة علم، وإن لم نعلم فعلينا التسليم والانقياد.
إذا ثبت الآن أن لحم الإبل ينقض الوضوء فلا فرق بين الني والمطبوخ والقليل والكثير، ولكن عرفنا أن المشهور من المذهب الفرق بين الهبر وبين بقية الأجزاء، والصحيح أنه لا فرق بين الهبر وبقية الأجزاء؛ لأنه لا دليل على ذلك.
واللحم شرعًا يطلق على كل الأجزاء، كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِه﴾ [المائدة: 3] لحم الخنزير أي لحم؟
طلبة: كله.
الشيخ: لا، الأمعاء حلال! الكرش كله حرام، يشمل كل ما في جلد الخنزير وحتى جلده يشمله التحريم أيضًا فهو حرام، وإذا كنا نجعل التحريم -وهو منع- شاملًا لجميع الأجزاء فإننا نجعل الوضوء هو أمرًا شاملًا لجميع الأجزاء؛ بمعنى أنك إذا أكلت أي جزء منها فإنه يجب عليك الوضوء، والدليل على ذلك:
أولًا: أن اللحم في لغة الشرع يشمل جميع الأجزاء، بدليل الآية.
ثانيًا: نقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم أن في الإبل أجزاء كثيرة قد نقول: إنها تقارب الهبر، أجزاء كثيرة كلها سوى الهبر، ولو كان هذا غير داخل لكان الرسول يبينه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الناس يأكلونه بلا شك، فلو كان غير داخل في الحكم لأخرجه النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يعلم أنهم يأكلون هذا وهذا.
ثالثًا: أننا نقول: لا يوجد في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم حيوان تتبعض أجزاؤه حلًّا وحرمة، وطهارة ونجاسة، وإيجابًا وسلبًا، أبدًا؛ يعني: ما فيه حيوان يكون بعضه حلالًا وبعضه حرامًا، بعضه طاهر وبعضه نجس، بعضه موجب وبعضه غير موجب، ما فيه، وإذا شئتم أعطوني، إلا على شريعة العوام؛ صدر الفرس حرام، مؤخره حلال، هذه درسناها لما كنا صغارًا يقولون: إن صدر الفرس حرام، ومؤخره حلال، لماذا؟ قالوا: لأن صدره يقابل الأعداء، فصار حرامًا لحرمته، كالصيد في حرم مكة حرام، عندهم قياس! حرام لحرمته، لكن هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا غير صحيح لا شك؛ لأن مقدم الفرس وإن كان هو اللي يقابل الأعداء، لكن إذا ذبح الفرس أو نحر ويش الفائدة؟ صدره انتهى الآن، انتهى دوره، فلا حرمة له.
إذن لا يوجد في الشريعة الإسلامية بحسب الحكم الشرعي، دون حكم العوام ما لنا به دخل، حيوان تتبعض أحكامه باختلاف أجزائه أبدًا، فإذا كان كذلك كان فلتكن أجزاؤه كلها واحدة، هذه ثلاثة.
رابعًا: أن نقول: هذه الأجزاء كلها تتغذى بدم واحد وبطعام واحد، وعلى فرض أنه لا يتناولها النص لفظًا فإنه يتناولها معنًى؛ يعني: عموم معنوي فيها على فرض أن اللحم يراد به الهبر، فيقال: إن الهبر لا فرق بينه وبين هذه الأجزاء، أبدًا؛ لأن الكل يتغذى بدم واحد، ومن طعام واحد، ومن شراب واحد، هذه أربع.
خامسًا: أننا إذا قلنا بالوجوب وتوضأنا وصلينا فالصلاة صحيحة قولًا واحدًا، وإذا قلنا بعدم الوجوب وأكلنا من هذه الأجزاء ولم نتوضأ وصلينا، فالصلاة فيها خلاف؛ من العلماء من يقول: تصح، ومنهم من يقول: لا تصح، ففيها شبهة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ» (23)، وهو أحوط، «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (24).
سادسًا: أنه قد روى الإمام أحمد (25) بإسناد حسن من حديث أسيد بن حضير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ»، وإذا كانت السنة دلت على الوضوء من ألبان الإبل فإن الأجزاء التي لا تنفصل عن الحيوان من باب أولى، فهذه ستة أوجه ترجح القول بالوجوب في جميع أجزاء الإبل، وهذا هو الصحيح.
وعلى هذا فنقول: أكل اللحم مطلقًا -ما نقول: خاصة- على القول الراجح نقول: أكل اللحم مطلقًا من الجزور.
الجزور لو كانت حاجة صغيرة؟
طالب: يشملها اللفظ.
الشيخ: يشملها اللفظ؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولو لم يجزئ في الأضحية؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وإن لم يجزئ في الأضحية؛ لأن الحديث عام: «مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ»، وهو عام، لا يقال: إن لحم الصغير ترف كلحم الضأن فلا يوجب، نقول: لأن هذه علة مظنونة، والعموم أقوى منها، فنأخذ به.
ثم قال المؤلف (وكل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا) (كل) عندي مكتوبة واحدة (كل) عندكم أيضًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش الصواب؟
طالب: الصواب هكذا.
الشيخ: الصواب هكذا (كل ما)، ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُم﴾ [البقرة: 87].
طالب: ليست شرطية.
الشيخ: ما هي شرطية؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، صح؛ لأن (كل) اسم مستقل، و (ما) اسم موصول؛ يعني: كل الذي أوجب غسلًا أوجب وضوءًا، هذه ضابط.
إذن لا بد أن نذهب الآن إلى أي باب؟ إلى باب الغسل نشوف ويش اللي يوجب الغسل؟ علشان نعرف أن هذا الذي يوجب الغسل يوجب الوضوء يكون هذا إحالة على باب سيأتي إن شاء الله.
لكن مع ذلك ننظر لماذا؟ هل هناك دليل على أن كل ما أوجب غسلًا أوجب وضوءًا؟
يقولون: إن الحدث الأكبر يدخل فيه الأصغر.
فمثلًا خروج المني موجب للغسل وهو خارج من السبيلين، فيكون ناقضًا للوضوء بقاعدة: أن ما خرج من السبيلين ناقض، الحيض كذلك خارج من السبيلين، فيكون على قاعدة: كل ما خرج من السبيلين، الجماع بدون إنزال؟
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) فيها نظر هذه.
طالب: مظنة.
طالب آخر: (... ).
الشيخ: إذا كان يقين ما خرج شيء؟
طالب: (... ) مس المرأة لشهوة.
الشيخ: إي، من هذا الباب، يدخل فيه مس المرأة لشهوة، إي نعم؛ لأن الغالب من محل جامع إلا لشهوة، فيكون من باب مس المرأة لشهوة.
ويش بقي؟ إسلام الكافر موجب للغسل، هو فيه الخلاف، لكن على القول بوجوبه ويش فيه من نواقض الوضوء؟
طالب: أصله غير متوضئ الآن وغير طاهر.
الشيخ: ما يخالف هو يقول: أنا بغتسل فقط ولا نبغي رفع الحدث الأصغر.
الطالب: يرتفع.
الشيخ: لا، على المذهب ما يرتفع إذا لم ينوِ الحدث الأصغر إذا لم ينوِ الاثنين ما ارتفع حدثه.
هذه القاعدة في الحقيقة في نفسي منها شيء؛ لأن الله عز وجل يقول..
وكلُّ ما أَوْجَبَ غُسْلًا أَوْجَب وُضوءًا إلا الموتَ، ومَن تَيَقَّنَ الطهارةَ وشَكَّ في الحدَثِ أو بالعكْسِ بَنَى على اليقينِ، فإنْ تَيَقَّنَهُما وجَهِلَ السابقَ فهو بِضِدِّ حالِه قَبْلَهما، ويَحْرُمُ على الْمُحْدِثِ مَسُّ المصحَفِ، والصلاةُ، والطوافُ.
قال بعده: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، ولم يأمر بغسل الأعضاء، فأوجب الله في الجنابة أيش؟ الغُسْل فقط، ولهذا القولُ الراجح كما سبق أن الجنب إذا نوى رفع الحدث الأكبر كفى، ما حاجة لينوي رفع الحدثين؛ لأن الله لم يوجِب إلَّا أيش؟ إلا أن نطَّهَّر فقط، ما أوجب علينا أن نغسل الأعضاء الأربعة.
وهذا دليل على أن موجَب الجنابة هو أيش؟ الاغتسال فقط، فما أوجب غُسْلًا لم يوجِب إلا الغسل، إلا إن دلَّ إجماع على خلاف ذلك فالإجماع مُتَّبَع، وإلَّا فإنا نقول: لا، ما أوجب غُسْلًا أوجب غُسْلًا فقط، إلا بدليل، لكن على كلام المؤلف هو هذا.
(وكل ما أوجب غُسْلًا) (إلا الموت)، شوف الموت استثنوه، الموت إذا مات الإنسان وجب غسله فالموت عندهم مُوجِب للغسل، لكن لا يُوجِب الوضوء، بمعنى أنه لا يجب على الغاسل أن يُوَضِّئ الميتَ أولًا، فيغسل وجهه إلى آخره، وهذا من غرائب العلم، كيف ينفون وجوب الوضوء في تغسيل الميت، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا»، ويش بعد؟ «وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا»، هذا من الغرائب.
لكن على كل حال على قاعدتهم يقولون: إن الموت موجِب للغسل، وليس مُوجِبًا للوضوء، بمعنى أنه لو جاء رجل ونوى وغَمَس الميت في نهر أو في بركة ناويًا تغسيله ثم رفعه، فإن ذلك يجزئ، ليش؟ لأن الموت يوجِب الغسل، ولا يوجب الوضوء، فيقال: نحن نوافق على أن الموت يوجب الغسل ولا يوجب الوضوء؛ لأنه ما فيه دليل على إيجاب الوضوء، وإن كنا قد نقول: إن فيه دليلًا وهو قوله: «وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا».
لكننا نقول: ليتنا نسحب هذه القاعدة في الموت على بقية موجِبات الغسل، ونقول: موجبات الغسل لا توجب إلا الغسل؛ لأنه لا دليل على إيجابها للوضوء.
طيب الموت ويش وجه استثنائه؟ قال: لأن الشارع إنما أمر بتغسيل الميت، فيقال: الشارع أمر بتغسيل الميت والبداءة بمواضع وضوئها، إن قالوا: لأن الموت حدث لا يرتفع.
قلنا: لكن تغسيله بمعنى ارتفاع الحدث، ما مر علينا في كتاب الطهارة؟ الطهارة ما هي؟
طلبة: (... ).
الشيخ: وما في معناه وزوال الخبث، فهذه في معنى ارتفاع الحدث؛ لأننا غسلناه وحكمنا بطهارته، مع أن الحدث الموجِب للطهارة لا زال باقيًا، فيكون هذا بمعنى ارتفاع الحدث.
طالب: من العلماء إذا سئل عن حديث غمس الذُّبَّان في الإناء (... ).