الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 7944-7983

يقول المؤلف: إن الزوجة ليست كحُكْم غيرها، ماذا يكون الحكم؟ تحريم الزوجة ظِهار، هذا المشهور من المذهب، والظِّهار أغلظ من غيره، كيف ذلك؟ لأن الظِّهار أولًا وصفه الله تعالى بأنه مُنْكَر من القول، وبأنه زُور، مُنْكَر؛ لأنه حرام، زُور؛ لأنه كذِب.
وكيفية الظِّهار أن يقول الرجل لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، هذا الظهار، وكانوا في الجاهلية يجعلون الظِّهار طلاقًا بائنًا كالطلاق الثلاث، فبيَّن الله سبحانه وتعالى أن هذا الحُكْم حُكْمٌ باطل، وجعل على المُظاهِر الكفارة المُغَلَّظة، وهي: عِتْق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا.
هذه كفارة مُغَلَّظَة، ومع ذلك لا يحل له أن يمسَّ زوجته - أي يجامعها- حتى يُكَفِّر؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: 3]، وقد صرح الله بهذا الشرط في العِتْق، وفي الصيام، وسكت عنه في الإطعام، فاختلف العلماء في الإطعام: هل يجوز أن يمس الزوجة المُظاهَر منها قبل الإطعام، أو لا يجوز حتى يُطعِم؟ اختلفوا في ذلك على قولين، وسبق لنا أن المشهور من مذهب الحنابلة -وهو قول أكثر أهل العلم- أنه لا يمسها حتى يُطْعِم.
إذن تحريم الزوجة ما حُكْمه؟ طلبة: ظِهار.
الشيخ: حُكْمه أنه ظهار، أعرفت؟ فإذا قال الرجل لزوجته: أنتِ عليَّ حرامٌ، صار مُظاهِرًا، الزوجة لا تحرُم، لكن لا يجامعها حتى يكفِّر.
وإذا قال: إنْ فعلتُ كذا فزوجتي عليَّ حرام، فَفَعَلَه صار ظِهارًا، يعني لا فرق -على المذهب- بين أن يجعله صيغة قَسَم، أو أن يَبُتَّ التحريم، كلاهما حُكْمه حُكْم الظِّهار، أي: سواءٌ عَلَّق تحريمها على شرط، أو لم يُعلِّق تحريمها على شرط فإنه يكون ظِهارًا، أنتم فاهمين الآن؟ طلبة: نعم.

الشيخ: التعليق على الشرط تارة يجري مجرى اليمين، وتارة يكون شرطًا مَحْضًا، الشرط المَحْض هو الذي لا قَصْد للإنسان فيه، مثلُ أن يقول: إذا طلعت الشمس فزوجتي عليَّ حرام، هذا شرط محض ولَّا لا؟ طلبة: مَحْض.
الشيخ: شرطٌ مَحْض.
الجاري مجرى اليمين أن يقصد بذلك التأكيد المنع، تأكيد ولَّا توكيد؟ طلبة: توكيد.
الشيخ: توكيد أفصح، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91]، أن يقصد توكيد المنع، مثل أن يقول: إن كلَّمتُ فلانًا فزوجتي عليَّ حرام، هذا ليس كقوله: إن طلعت الشمس فزوجتي عليَّ حرام، ولَّا لا؟ لأن قصده هنا ألَّا يكلِّم هذا الرجل، فهذا التعليق جارٍ.. طلبة: مجرى اليمين.
الشيخ: مجرى اليمين، أما التحريم بلا شرط فأن يقول: أنتِ عليَّ حرام، والأقسام الثلاثة كلها -على المذهب- حُكْمها حُكْم الظهار.
هذا هو تقرير المذهب في هذه المسألة، والصحيح أن تحريم الزوجة كغيرها، حُكْمه حُكْم اليمين؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾.
فإذا قال قائل: النبي صلى الله عليه وسلم إنما حرَّم العسل؟ فالجواب: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، الله عزَّ وجل ما قال: يا أيها النبي لِمَ تحرِّم العسل، قال: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ و (ما) هذه من صِيَغ؟ طلبة: العموم.
الشيخ: العموم، فيشمل حتى الزوجة، فإذا قال: أنتِ عليَّ حرام -يقول لزوجته- فهو يمين، إذا جامعها وجب عليه كفارة يمين فقط، وله أن يفعل الكفارة قبل وتكون تَحِلَّة، أو بعدُ وتكون كفارة، أعرفتم؟ إي نعم.
طالب: (... ) يا شيخ (... ).

الشيخ: دقيقة يا أخي، فصار الإنسان إذا حرَّم زوجته فهو يمين؛ لعموم الآية التي ذكرناها، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226، 227]، والإيلاء في الواقع أن يحلف ألَّا يطأ زوجته، وهذا في معنى التحريم، ومع ذلك فإنَّ عليه الكفارة.
فإن قال: أنا أردتُ بقولي: إنها عليَّ حرام، أردتُ الطلاقَ.
قلنا: إذا أردتَ الطلاق فإن هذا اللفظ قابل لهذه النية؛ لأن المطلقة حرام على زوجها، حتى وإن كانت رجعية فليست كالزوجات، فإذا أردتَ بهذا اللفظ الصالح للفراق، إذا أردت به الطلاق صار طلاقًا؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2). إذا قال: أردتُ به الظِّهار، وأردتُ: أنتِ عليَّ حرام كحرمة أمي، أنا ما لفظت بها لكن هذه نيَّتي، قلنا: هو ظهار؛ لأن اللفظ مطلَق، والنية قيَّدَتْه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
فإذا قال: أنا قلتُ: أنتِ عليَّ حرام، ولا نويت الطلاق، ولا الظِّهار، ولا اليمين.
طلبة: يمين.
الشيخ: يُجعل يمينًا؛ لأن هذا مقتضى اللفظ المطلَق، فإذا أَطْلَق كان يمينًا، فصار الذي يقول لزوجته: أنتِ عليَّ حرام، له أربع حالات: أن ينوي الظِّهار، أن ينوي الطلاق، أن ينوي اليمين، ألَّا ينوي شيئًا.
إذا نوى الظِّهار.
طلبة: فهو ظهار.
(... ). الشيخ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، أظن واضح الآن.

إذا قال قائل: هل تُجْرُون هذه الأحكام في لفظ الظِّهار؟ فتقولون: إذا قال الرجل لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإنه يقع ما نواه من طلاق، وظِهار، ويمين، فإن لم يَنْوِ شيئًا فظِهار؟ طلبة: الجواب: لا.
الشيخ: الجواب: لا؛ لأن اللفظ هنا صريح في الظهار، ولو جعلناه طلاقًا لكُنَّا وافقنا حُكْم مَنْ؟ طالب: الجاهلية.
الشيخ: الجاهلية، وهذا لا يجوز أن نُغَيِّر الحكم الشرعي، فنقول: إذا قلت: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فهو ظهار بكل حال.
فإن قلتَ: إذا أجراه مجرى اليمين بأن قال: إن فعلتُ كذا فزوجتي علي كظهر أمي؟ طلبة: (... ). الشيخ: فهذا، لا، هذا حُكْمه حُكْم اليمين ما لم يَنْوِ الظِّهار؛ لأنه ظاهر فيه أن المقصود.
طلبة: المنع.
الشيخ: الامتناع، فهو جارٍ مجرى اليمين، فنقول: هذا حُكْمه حُكْم اليمين ما لم يَنْوِ الظهار؛ لأنه واضح أنه استعمله استعمال اليمين، ما ظاهَر مظاهرة.
وبهذا نعرف أن القول الراجح في هذه المسألة -في مسألة التحريم- ها؟ طلبة: له حُكْم اليمين.
الشيخ: أنه لا فرق بين الزوجة وغيرها.
رجل قال لأمته التي يتسرَّاها: أنت عليَّ حرام، يمين ولَّا ظِهار؟ طلبة: يمين.
الشيخ: يمين؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: حتى على المذهب؟ طلبة: لا.
الشيخ: نشوف، يقول المؤلف: (مِنْ أَمَةٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ لِبَاسٍ)، (مِنْ أَمَةٍ).
طلبة: (... ). الشيخ: (... ). طلبة: (... ). الشيخ: إذن.
طلبة: (... ). الشيخ: هي يمين، تكون يمينًا كالزوجة.
قال: (وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ)، واضح، فإن لم يفعله فلا شيء عليه.
إذا قال الرجل: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، إنْ فعل كذا وكذا، وفَعَلَه.
واحد يقول له: تعالَ يا فلان، اذهب معنا نزور فلان، قال هو يهودي إن زاره، قال: إن زاره فهو يهودي أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو شيوعي، أيش نقول؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: حُكْمه حُكْم اليمين ولَّا التوبة فقط؟ طلبة: التوبة فقط.

الشيخ: إي، اختلفتم كما اختلف العلماء من قبلكم، بعض العلماء يقول: حُكْمه حُكْم اليمين؛ لأن هذه الأمور مكروهة عنده، ولهذا جَعَل فِعْل هذا الشيء كراهته له ككراهته أن يكون يهوديًّا، أو نصرانيًّا، أو شيوعيًّا، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا فيكون حُكْمه حُكْم التحريم؛ تحريم المباح، فيلزمه كفارة يمين، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو مَرْوِي عن ابن عمر وغيره من السلف.
وقال بعض العلماء: إنه لا كفارة عليه؛ لأن هذا ليس يمينًا، وليس في معنى ما وَرَد من اليمين، ولكن الصحيح أنَّ حُكْمه حُكْم اليمين.
طالب: التوبة؟ الشيخ: لا، ما (... )؛ لأنه نقول: افعله أو لا تفعله وكَفِّر، هو ما قصد الدخول في دين اليهودية والنصرانية.
طالب: شيخ ورد حديث وإن كان غريب الإسناد بما معناه لم يدخل إليه سالم.. الشيخ: هذا صحيح، هذا إذا قاله قولًا، أما هذا ما قصد هذا القول، قصد الامتناع.
(فَصْلٌ في كفارة اليمين) قال: (يُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) إلى آخره، (يُخَيَّرُ)، ويش معنى (يُخَيَّرُ) أي: يفعل ما يشاء، خَيْرَ الأمرين، وإذا قيل بالتخيير فهل هو تخيير إرادة وتشهِّي، أو هو تخيير مصلحة؟ طالب: الأول.
الشيخ: فيه تفصيل؛ إذا كان المقصود به التيسير على المكلَّف فهو تخيير.
طلبة: تشهِّي.
الشيخ: إرادة وتشهِّي، وإذا كان المقصود به مراعاة المصلحة فهو تخيير مصلحة، انتبهوا لهذا، خيَّر الله عزّ وجل الحانث بيمينه بين هذه الأمور، لماذا؟ للمصلحة ولَّا للتيسير والتسهيل؟ للتيسير والتسهيل، بدليل قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [البقرة: 196]، فإذا كان للتسهيل والتيسير فأنا أفعل ما هو أيسر وأسهل لي.
وقال تعالى في فِدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، هذا تخيير؛ مصلحة ولَّا تشهِّي؟ طلبة: تشهِّي.

الشيخ: تشهِّي وإرادة، يعني تشتهي أنت افعل، حتى لو كانت المصلحة في ذبح الشاة لا يلزمك ذلك، الأمر موكول إليك، ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].
طلبة: تخيير مصلحة.
الشيخ: تخيير مصلحة، على القول بأنها للتخيير؛ لأن بعض العلماء يقول: الآية للتنويع، وبعضهم يقول: للتخيير، لكن على القول بأنها للتخيير هي تخيير مصلحة، يعني يُتْبَع في ذلك ما هو.. طالب: أصلح.
الشيخ: أصلح وأردع.
إذا قيل لولي اليتيم: أنت بالخِيار بين أن تُقْرِض ماله، أو تدفعه مضاربة، أو تحفظه عندك، فالتخيير هنا.. طلبة: مصلحة.
الشيخ: مصلحة، الدليل: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]، واضح؟ القاعدة الآن فهمنا، إذا خُيِّر الإنسان بين شيئين أو أشياء، فإن كان المقصود بالتخيير التيسير فالتخيير؟ طلبة: إرادة.
الشيخ: تشهِّي وإرادة، وإذا كان المقصود المصلحة فهو تخيير؟ طلبة: مصلحة.
الشيخ: مصلحة، إذن بناءً على ها القاعدة كل مَنْ خُيِّرَ بين شيئين وهو متصرِّف لغيره فتخييره مصلحة، ما هو تشهِّي.
قال: (يُخَيَّرُ) التخيير اللي معنا من أي الأبواب؟ طلبة: التشهِّي.
الشيخ: التشهِّي، نعم، (مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) شوف دقة التعبير؟ (مَنْ لَزِمَتْهُ) ومتى تلزم؟ إذا تمت الشروط السابقة، كم الشروط السابقة؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة شروط، على كلام المؤلف، ونحن زدنا رابعًا.
(مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بَيْنَ إِطْعَامِ) إلى آخره، فرجل قال: والله ليقدَمَنَّ زيد غدًا، فلم يقدَم؟ طلبة: (... ). الشيخ: على المذهب تلزمه الكفارة، وعلى القول الراجح؟ طلبة: لا تلزمه.

الشيخ: لا تلزمه؛ لأنه يُخْبِر عمَّا يغلب على ظنه.
قال رجل لأخيه عند دخول الباب: والله لتدخل أنت، ادخل ما أدخل، قال: لا، ادخل أنت، والله لتدخل أنت، أبى ذاك، أبد ما أدخل، لو أرجع ما دخلت قبلك، يحنث الحالف؟ تلزمه الكفارة؟ طلبة: ما تلزمه، لا تلزمه.
طالب: لَغْو اليمين.
الشيخ: إي، هو قَصَد اليمين، قَصَد عَقْدَها.
طلبة: تلزمه.
الشيخ: تلزمه الكفارة؟ هذه المسألة فيها خلاف، المشهور من المذهب أن الكفارة تلزمه؛ لأنه قَصَد اليمين وحلف وحَنِث، حَنِث في يمينه.
والقول الثاني: لا تلزمه إذا كان قَصَدَ الإكرام؛ لأن الإكرام حصل بيمينه، فقوله: والله لتدخلن، كقوله: والله إني لأُكرِمُك، هذا هو المقصود؛ لأنه ما له هدف في أن يدخل قبله إلَّا.. طلبة: الإكرام.
الشيخ: إلَّا الإكرام، فكأنه حلف على الإكرام الحاصل.
قالوا: وعلى هذا يُخَرَّج قصة أبي بكر رضي الله عنه، لما قَدَّم الطعام للضِيفان، قالوا الضِيفان: كل أنت، قال: والله ما آكل -يقول أبو بكر- قالوا لزوجته: كُلِي، قالت: والله ما آكل، قال الضِيفان: والله ما نأكل، حلفوا كلهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: هذا من الشيطان، أنا اللي آكل، فتقدم أبو بكر وأكل، وأكلوا بعد ذلك، فلما أصبحوا غَدَوْا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: «أَنْتَ خَيْرُهُمْ وَأَبَرُّهُمْ»، (3) ولا أمره بالكفارة.
هذا الحديث اختلف فيه العلماء؛ فبعضهم قال: لم يأمره بها؛ لأن الكفارة معلومة، وهنا فِعْلُ أبي بكر من باب الحِنْث في اليمين إذا كان خيرًا، حَنِث في اليمين؛ لأنه خير، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن سَمُرَة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكِ، وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ»، (1) فهذا من باب أيش؟ الحِنْث للخير، والكفارة تسقط به ولَّا ما تسقط؟ طلبة: ما تسقط.

الشيخ: ما تسقط.
وقال بعض العلماء: ليس هذا حِنْثًا في الواقع؛ لأن أبا بكر لم يقصد إلزامهم بذلك، وإنما قصد.. طلبة: إكرامهم.
الشيخ: إكرامهم به، وإنما قصد الإكرام، والإكرام حصل، ثم هؤلاء الذين أَبَوْا أن يأكلوا هل قصدوا تحنيثه ولَّا إكرامه؟ طلبة: إكرامه.
الشيخ: قصدوا إكرامه أيضًا، فالإكرام حصل من الطرفين، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وقال: إن الحِنْث -على اسمه حِنْث- إثم، فأبو بكر ما قَصَد الإلزام، وهم ما قَصَدوا تحنيث أبي بكر، كل منهم قَصَد.. طلبة: الإكرام.
الشيخ: الإكرام، والإكرام حصل ولَّا ما حصل؟ طلبة: حصل.
الشيخ: حصل، فحينئذ لا يكون هناك حِنْث، ولا شك أنَّ حديث أبي بكر أن دلالته -على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- واضحة، وهي في الحقيقة فيها فَرَج للناس، هذا القول فيه فَرَج للناس، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأن الناس دائمًا يحلفون هذه الأَيْمان، أما إن قَصَد الإلزام، فإذا قَصَد الإلزام واضح أنه يحنث، مثل يجيء بعض الناس غشيم إذا صبيت له فنجانين شاهي وقال: بس، تقول له: اشرب، قال: رُوِيتْ، اشرب وإلَّا بهذه العصا، هذا إلزام ولَّا لا؟ طلبة: إلزام.
الشيخ: إلزام، ولهذا يقال: إن رجلًا من الأعراب جاء إلى شخص وصب له الشاهي، شرب الأعرابي ثلاثة أو أربعة وانتفت رغبته، وقال: خلاص بس، قال له: خذ هذا يا ابن الحلال، أخذ الواحد، شرب وقال: بس، شرب الواحد وقال: بس، قال: لا يا رجَّال هذا ما يضرك، أَخَذَه، انتهى من الفنجان، وقال له بس، قال: لا، يلزمك، قال: يلزمني؟ قال: يلزمك، ولَّا هو معه هراوة، تعرفون الهراوة؟ قال: أنا أبو فلان، انْتَخَى عليها الأعرابي، أنا أبو فلان، والله ما حملت هذه إلَّا عن ضيم الرجاجيل، ثم خشك رأسه؛ لأن هذا الرجل الحقيقة ألزمه تلزيمًا بالغًا، هذا هل نقول: قصد الإلزام ولَّا الإكرام؟ طلبة: الإكرام.

الشيخ: على كل حال، قصد الإكرام أو الإكراه، على كل حال الآن فهمنا أن بعض العلماء يقول: إذا لم يكن القصد باليمين الإلزام فإنه لا يحنث بالمخالفة، لماذا؟ قال: لأن الإكرام حصل، فكأن يمينه كأنه يقول: والله إني أكرمك بهذا، وقد تم، ولهذا يقول: (يُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ)، (مَنْ لَزِمَتْهُ) الاحتراز منين؟ طلبة: ممن لا تلزمه.
الشيخ: ممن لا تلزمه، (بَيْنَ إِطْعَامِ عَشرَةِ مَسَاكِين، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ عتقِ رَقَبَةٍ).
انتقد النحويون على الفقهاء كلمة (أَوْ) في هذا المكان، وقالوا: (أَوْ) ما تستقيم مع التخيير، وكان عليهم أن يقولوا: يخير بين إطعام عشرة مساكين وكسوتهم وتحرير رقبة، ولا نستدل بالآية الكريمة؛ لأن الآية الكريمة فيها: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ﴾ [المائدة: 89] أو كذا، والتخيير ما فيها (يخيَّر)، فـ (أَوْ) لا يحتاج أن نأتي بها؛ لأننا إذا أتينا بها جمعنا بين الفعل الدال على التخيير، والحرف الدال على التخيير، وهذا لا حاجة إليه.
ولكن قال بعض النحويين: إن هذا جائز وسائغ، وتكون (أَوْ) هنا بمعنى.. طالب: الواو.
الشيخ: بمعنى الواو، ولا حَرَج أن يؤتَى بها.
طالب: لو رجل قال: لو فعلت كذا فأنا زوجتي طالق؟ الشيخ: نعم.
الطالب: أو أن (... ) إن فعلت كذا زوجتي طالق.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل هذا يكون الطلاق ولَّا؟ الشيخ: لا لا، هذا يمين.
الطالب: يمين؟ الشيخ: هذا يمين.
الطالب: طيب اللفظ.
الشيخ: هو العلة فيه، هذا اللفظ جاء به للتوكيد، يعني إن أغلى ما عندي زوجتي، ومع ذلك أبغي أرخِّص فيها من أجلك، لتأكيد الإلزام، وهذا الواقع إن الحلف بالطلاق ما كان في عهد الصحابة، ولذلك ما وردت الآثار به، لكن كان في عهد الصحابة الإقسام بالنذر، وقد جعلوا حُكْمه حُكْم اليمين.

الطالب: إن الحلف بالظهار حلف بالطلاق.
الشيخ: كل الحلف إذا قصد الحلف فهو يمين، سواء ظهار أو طلاق أو عِتق أو وقف فهو يمين.

الطالب: قولهم: الطلاق وما تصرَّف منه؟ الشيخ: إي هذا إذا كان صيغة طلاق، مثل قال: زوجتي طالق، زوجتي مُطَلَّقَة، طلقتك، وما أشبه ذلك.
الطالب: زين، مَنْ قال: زوجتي طالق إِنْ ما فعلت كذا.
الشيخ: إي، لمَّا جاءت (إِنْ) صار لليمين، أما إذا قَصَد الطلاق فمعلوم يكون طلاق، ولذلك الآن في الحقيقة إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا، فإذا علَّق الطلاق بشرط فإما أن يكون شرطًا محضًا فهنا.. طلبة: يقع الطلاق.
الشيخ: يقع الطلاق، مثل؟ طلبة: إن طلعت الشمس.
الشيخ: إذا طلعت الشمس زوجتي طالق، واضح، وإما أن يغلب على الظن أنه يمين، مثل أن يحلف بالطلاق على فِعْل نفسه، أو على فِعْل غيره، فهذا ظاهر أن المقصود به اليمين؛ لأن الزوجة ما لها دخل المسكينة، مثل: إنْ فعلتُ كذا فزوجتي طالق، أو إنْ فعلتَ أنتَ كذا فزوجتي طالق، هذا الظاهر فيه أيش؟ طلبة: اليمين.
الشيخ: اليمين، القسم الثالث أن يكون فيه احتمال، مثل أن يحلف على زوجته بالطلاق، فيقول: إن فعلتِ أنتِ كذا فأنتِ طالق، فهنا؟ طالب: يحتمل.
الشيخ: يحتمل أنه يريد أنها إذا فعلت هذا الشيء فقد طابت نفسه منها؛ لأنها عَصَتْهُ، ولَمَّا عصته صارت مكروهة عنده، فهذا يقع؟ طلبة: الطلاق.
الشيخ: الطلاق، ويحتمل أنَّه قَصَد بذلك أن يهددها ويخوفها لتمتنع، فهذا حُكْمه؟ طلبة: حُكْم اليمين.
الشيخ: حُكْم اليمين، لكن أيهما أظهر؟ طلبة: الامتناع.
الشيخ: الظاهر لي أنا إنْ كان الشيء كبيرًا فالظاهر أنه يريد الطلاق، وإنْ كان صغيرًا فيريد الامتناع، فإذا قال: إنْ شربتِ ماء هذا الكُوز فأنتِ طالق، هذا الظاهر أنه قَصْدَه اليمين، ولَّا لا؟ لكن إنْ قال: إنْ كَلَّمْتِ فلانًا الفاجر فأنتِ طالق.
طلبة: طلاق.
الشيخ: الظاهر أنه يريد الطلاق؛ لأن هذا يُخِلُّ بشرفها، بخلاف شرب ماء الكُوز.
طلبة: (... ). الشيخ: صحيح، هذا سؤال وجيه، ما فيه إشكال.

لو قالت الزوجة لزوجها: أنتَ عليَّ حرام، فما حُكْمه على كلام المؤلف، ويش حُكْمه؟ طلبة: حلال.
الشيخ: (حَلاَلًا سِوَى.. ). طلبة: (زَوْجَتِهِ).
الشيخ: (زَوْجَتِهِ)، ما قال: وسوى زوجها، (سِوَى زَوْجَتِهِ)، وعلى هذا إذا حرَّمت زوجها؟ طلبة: كفارة يمين.
الشيخ: فعليها كفارة يمين.
إذا قالت لزوجها: أنتَ عليَّ كظهر ابني، أو كظهر أبي.
طلبة: عليها كفارة يمين.
الشيخ: عليها كفارة يمين على القول الراجح، لا ظهار؛ لأن الظهار بيد الرجل، المذهب -سبحان الله- يقولون: عليها كفارة ظِهار، وليس بظهار، يعني زوجها يقربها ما يخالف، وعليها كفارة ظهار، ولكن الصحيح أنَّ عليها كفارة.. طلبة: يمين.
الشيخ: أنَّ عليها كفارة يمين، إذا قالت لزوجها: أنتَ طالق بالثلاث، تَطْلُق؟ طالب: الرجل اللي يُطَلِّق.
الشيخ: لا، ما تَطْلُق، نعم.
طالب: قضية أبي بكر قضية عَيْن.
الشيخ: نعم.
الطالب: وعدم النقل فيها ليس نقلًا للعدم.
الشيخ: نعم.
الطالب: عندنا أدلة أخرى، فلماذا نستدل بقضية العين ونترك.. الشيخ: شيخ الإسلام -رحمه الله- يقول: إن الحِنْث ما يكون إلَّا بالإلزام، ولَّا صحيح لو أنها جرت مجرى الإلزام كان كما تفضلت، هي قضية عين، والعمومات الأخرى تدل على وجوب الكفارة، لكن شيخ الإسلام يقول: ما قُصِد به الإكرام فلا حِنْث فيه أصلًا؛ لأن أبا بكر ما قَصْده يلزمهم، قَصْده يُظْهِر إكرامهم، وقد ظهر.
طالب: شيخ ما أكفر عن يميني.
الشيخ: نعم؟ الطالب: عليَّ يمين مثْل هذه.
الشيخ: والله، على كل حال، انظر ما هو أقرب إلى الصواب واعتمده.
(فصلٌ)

يُخَيَّرُ مَن لَزِمَتْه كَفَّارَةُ يمينٍ بينَ إطعامِ عَشرةِ مَساكينَ أو كِسوتِهم أو عِتْقِ رَقَبَةٍ، فمَن لم يَجِدْ فصيامُ ثلاثةِ أَيَّامٍ مُتتابِعَةٍ، ومَن لَزِمَتْه أَيمانٌ قَبلَ التكفيرِ مُوجِبُها واحدٌ فعليه كَفَّارَةٌ واحدةٌ، وإن اخْتَلِفَ مُوجِبُها كظِهارٍ ويَمينٍ باللهِ لزِمَاهُ ولم يَتَدَخَّلَا.

﴿باب جامع الأيمان﴾ يُرْجَعُ في الْأَيمانِ إلى نِيَّةِ الحالِفِ إذا احْتَمَلَها اللفظُ، فإن عُدِمَت النِّيَّةُ رُجِعَ إلى سببِ اليمينِ وما هَيَّجَها، فإن عُدِمَ ذلك رُجِعَ إلى التعيينِ، فإذا حَلَفَ: " لا يلبس هذا القميصَ" فجَعَلَه سراويلَ أو رِداءً أو عمامةً ولَبِسَه, أو: "لا كَلَّمْتُ هذا الصبِيَّ" فصارَ شيخًا, أو: "زوجةَ فلانٍ هذه، أو صديقَه فلانًا، أو مَملوكَه سعيدًا" فزَالَت الزوجيَّةُ والْمِلْكُ والصداقَةُ ثم كلَّمَهم، أو: " لا أَكَلْتُ لحمَ هذا الْحَمَلِ" فصارَ كَبْشًا, أو: " هذا الرُّطَبَ " فصارَ تَمْرًا أو دِبْسًا أو خَلًّا, أو: " هذا اللبنَ " فصارَ جُبْنًا أو كِشْكًا أو نحوَه, ثم أَكَلَه حَنِثَ في الكُلِّ، إلا أن يَنْوِيَ ما دامَ على تلك الصفةِ.
(فصلٌ) فإن عُدِمَ ذلك رَجَعَ إلى ما يَتناولُه الاسمُ، وهو ثلاثةٌ: (شرعيٌّ) و (حقيقيٌّ) و (عُرْفِيٌّ).
فالشرعيُّ: ما له مَوضوعٌ في الشرْعِ وموضوعٌ في اللغةِ فالمطلَقُ يَنصرِفُ إلى الموضوعِ الشرعيِّ الصحيحِ، فإذا حَلَفَ لا يَبيعُ أو لا يَنْكِحُ فعَقَدَ عقدًا فاسدًا لم يَحْنَثْ، الحلف.. استخدام الحلف في الإكرام، ما حكم هذا الفعل والإكثار منه؟ الشيخ: والله الإكثار منه ما ينبغي، لا شك، أولًا: لأن فيه إحراجًا، وثانيًا: لأن فيه عند الجمهور فيه الكفارة بالحِنث فيه، فالإحسان أن تُكرم أخاك بما يحب، تقول: تفضل، إذا ما وافق ما وافق.


قال رحمه الله تعالى: (فصل: يخير من لزمته كفارة يمين بين إطعام) (يخير من لزمته)، متى تلزمه؟ تلزمه إذا تمت الشروط الثلاثة السابقة والحنث، إذا حنث، الشروط ثلاثة.
طالب: أربعة.
الشيخ: أربعة؟ ما هو الرابع؟ طالب: عالِمًا، أن يكون عالمًا وضده الجهل.
الشيخ: ثلاثة شروط: أن تكون اليمين منعقدة، وأن يحلف مختارًا، وأن يحنث عالمًا ذاكرًا مختارًا، إذا تمت الشروط لزمته الكفارة، يُخيَّر من لزمته الكفارة بين إطعام عشرة مساكين، والمسكين هنا يتناول الفقير، وهو الذي لا يجد كفايته وكفاية عائلته لمدة سنة.
(أو كسوتهم) يعني كسوة العشرة، سواء كانوا صغارًا أو كبارًا.
(أو عتق رقبة) إلى آخره.
الإطعام له كيفيتان: إما أن يصنع طعامًا فيطعمهم، بأن يصنع ما يكفي عشرة مساكين أو أكثر، ثم يدعوهم إليه ويأكلون غداءً أو عشاءً؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- أطلق، قال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، فإذا صنع طعامًا وتغدوا أو تعشوا فقد أطعمهم.
فإن لم يفعل رجعنا إلى التقدير، كيف التقدير؟ التقدير قدرناه بنحو كيلو من الرز لكل واحد، فيكون عشرة كيلوات للجميع، ويحسن في هذه الحال أن يجعل معه ما يؤدمه من لحم أو نحوه؛ ليتم الإطعام؛ لأن الله يقول: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
هذا الإطعام، الكسوة؟ كيف نكسوهم؟ هل هو بقميص؟ أو قميص وسراويل؟ أو إزار ورداء؟ وهل مع ذلك عمامة، أو غترة أو طاقية؟ وهل مع ذلك مشلح؟ وهل مع ذلك كوت، أم ماذا؟ نقول: أما في الإطعام، فقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، و ﴿أَوْسَطِ﴾ بمعنى وسط، وليست بمعنى أعلى، وإن كان الوسط يطلق بمعنى الأعلى، لكن هنا المراد به المتوسط، استدلالًا بقول النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذ بن جبل: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ» (1)، فلو أوجبنا الأعلى لكنا أخذنا من كرائم الأموال.

أما الكسوة فإن الله -سبحانه وتعالى- لم يقيدها بشيء، وعلى هذا فأي شيء يطلق عليه أنه كسوة يحصل به المقصود، فمثلًا نحن عندنا الكسوة قميص، يكفي أو ما يكفي؟ طلبة: لا، ما يكفي.
الشيخ: قميص (... ) في الصلاة يصل إلى الركبة.
طلبة: لا يكفي.
الشيخ: الواقع أنه ما يكفي عند الناس، لو يجي واحد يبغي يقول: كسوت فلانًا، ما يتصور الناس أنه إزار من السرة إلى الركبة، ولا يجي واحد يقول: والله الحمد لله جزاه الله خيرًا، فلان كساني، نظرنا ولا صدره طالع وكله طالع إلا ما بين السرة والركبة، يصير كسوة ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يصير، إذن نقول: الكسوة في كل مكان بحسبه، ففي بلادنا تكون درعًا وغترة.
طالب: أيش الدرع؟ الشيخ: الدرع القميص هذا، الثوب، ثوب وغترة وطاقية، لا، ما هي لازم.
طالب: السراويل؟ الشيخ: السراويل، لا، ما هي لازمة، من الكمال السراويل.
وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين الصغير والكبير والذكر والأنثى.
طالب: ما يكون ثوبًا شفافًا.
الشيخ: لا، ثوب يحصل بالكسوة، أيضًا لا فرق بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، مع أن كسوة الأنثى غالبًا أكثر من كسوة الرجل.

(أو عتق رقبة)، عتق بمعنى: تحرير الرقبة وتخليصها من الرق، وقول المؤلف: (عتق رقبة) أطلق، فظاهر كلامه أن الرقبة تُجزئ ولو كانت كافرة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه، وابن المنذر، وجماعة من أهل العلم، قالوا: لأن الله عز وجل أطلق فقال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]، وأطلق، وقال في كفارة القتل: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، فقيدها الله عز وجل بالإيمان في الآية الكريمة في كفارة القتل، وفي كفارة اليمين أطلق، وفي كفارة الظهار أطلق، وليس لنا أن نقيد ما أطلقه الله، وإذا كنا نقول: إنه لا إطعام في كفارة القتل؛ لأنه لم يذكر فكذلك نقول: إنه لا يشترط الإيمان في كفارة الأيمان وكفارة الظهار؛ لأنه لم يُذكر.
ثم نقول مرة أخرى: آية القتل اشترط الله فيها الإيمان في موضعين، ولنقرأ: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطًَا وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ شوف مقيدة ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: لا، موضعين.
الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: موضعان.
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: موضعان.
طلبة: موضعين.

الشيخ: موضعان، هذيك في غيرها، هذيك ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ تريدون هذا؟ هذا المقتول.
طلبة: ذكرته ثلاث مرات.
الشيخ: نقرؤه مرة ثانية ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
طلبة: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
الشيخ: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
طلبة: ثلاث.
الشيخ: (... ) ما تغلبوننا (... )، ثلاث؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: ثلاث مرات قُيِّدت الرقبة بالإيمان، مع أنه لو كنا نقول بالعمل بحمل المطلق على المقيد لكان يكفي أن تقيد في الآية الكريمة؟ طلبة: مرة واحدة.
الشيخ: مرة واحدة، ثم تحمل.
طالب: جميع الآيات.
الشيخ: الآيتان عليها، فإذا كان كل مرة يذكر العتق يقيده بالإيمان، والسبب واحد -وهو قتل النفس المحترمة- دل ذلك على أن الإيمان ليس شرطًا في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، لا سيما وأن الجماع في نهار رمضان الرسول يسأل الرجل الذي تجب عليه الكفارة يقول: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟ » (2). ولم يقل له: مؤمنة، مع أن المقام يقتضي أن يقول له ذلك، ولهذا كان هذا القول قويًّا جدًّا -الذي هو مذهب الإمام أبي حنيفة وابن المنذر وجماعة من العلماء- كان قولًا قويًّا.
أما الذين قالوا باشتراط الإيمان، فاستدلوا بالقاعدة المعروفة: (أنه يُحمل المطلق على المقيد إذا كان الحكم واحدًا).

فإن لم يستقم الأمر فإن الإيمان شرط فيها من باب القياس، وكيفية إجراء القياس أن يقال: رقبة وجب إعتاقها للخروج من الذنب، فاشتُرط فيها الإيمان، كالرقبة الواجبة في قتل الخطأ.
الطالب: كيفية القياس؟ الشيخ: أن يقول: إنها رقبة واجبة لكفارة فاشترط فيها.
طالب: الإيمان.
الشيخ: نعم، للخروج من الذنب المتوقع، فاشتُرط فيها الإيمان ككفارة القتل.
هذا إذن عندنا قياس، والثاني حمْل مطلق على مُقيَّد، ولكن قد يُعارض في ذلك، أما الأول -وهو حمل المطلق على المقيد- فقد نقول: إنه لا حمل هنا؛ لأن الحكم مختلف، في كفارة القتل عتق وصيام بدون إطعام، وفي كفارة الظهار عتق وصيام، ويش بعد؟ طلبة: وإطعام.
الشيخ: وإطعام، وكذلك في كفارة الجماع في نهار رمضان عتق، وصيام، وإطعام.
في كفارة اليمين، واضح الاختلاف ولَّا لا؟ إطعام، وكسوة، وصيام، ويختلف أيضًا اختلافًا بينًا عن الكفارة في القتل.
وأيضًا نقول: السبب مختلف، وإن كان اختلاف السبب لا يؤثر، لكن لا بد أن يكون مؤثرًا، أَثَّر في الحكم.
وأما القول بالقياس، فالقياس أيضًا قد يكون ممنوعًا، لماذا؟ لأن القتل أعظم ذنبًا من كفَّارة اليمين، أعظم من كفارة اليمين؛ كفارة اليمين الحنث فيها مباح، والقتل محرم مغلظ، فلهذا لا يقاس هذا على هذا.
فإن قلت: بماذا تجيب عن حديث معاوية بن الحكم حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن له جارية غضب عليها فصكها؛ يعني ضربها، وأنه يريد أن يعتقها، فدعا بها النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لها: «أَيْنَ اللَّهُ؟ ». قالت: في السماء.
قال: «مَنْ أَنَا؟ ». قالت: أنت رسول الله، قال: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (3). فقوله: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّ» الجملة هذه تعليل، يعني لإيمانها أعتقها، أفلا يدل هذا على أن غير المؤمن ليس محلًّا للعتق؟ لأنه قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»، غير محل للعتق، فهذا يقتضي أن الإيمان.
طالب: شرط.

الشيخ: شرط، وأيضًا لو أعتقنا الكافر فإنه يتحرر، ولا يُؤمَن أن يلحق بدار الكفر؛ يعني أصبح حرًّا، والأصل في الرق ما هو؟ الأصل في الرق الكفر؛ يعني لا نسترق بني آدم إلا بسبب الكفر.
فهنا قد يقول قائل أيضًا: إنه يُخشى إذا أُعتق وتحرَّر، ولم يكن لأحد عليه سلطان أن يلحق بدار الكفر، فيكون في ذلك ضرر عليه، وضرر علينا، ضرر عليه؛ لأنه إذا ذهب إلى دار الكفر كان أبعد لإسلامه مما لو بقي بدار الإسلام، وضرر علينا؛ لأنه قد يعينهم علينا في يوم من الأيام، ولا سيما إذا كان فيه حنق على المسلمين، وكان شجاعًا وجلدًا، ما نأمن، فلهذا نقول: لا نعتق الكافر مطلقًا، أصل إعتاق الكافر غير وارد إلا إذا أسلم.
هذا -الحقيقة- هو الذي يمنع من أن يُرجِّح الإنسان الإطلاق في كفارة اليمين وكفارة الظهار، فإذا كان الإنسان، يعني إذا أردنا أن نخرج من المتشابهات؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ» (4) إذا أردنا أن نخرج من المتشابه، نقول: لا نُعتق إلا مؤمنة؛ لأنك إذا أعتقت مؤمنةً أبرأت ذمتك بلا خلاف، وإن أعتقت كافرة أبرأت ذمتك على قول من الأقوال، قد يكون هو الصواب عند الله، وقد يكون الصواب.
طالب: الثاني.
الشيخ: خلافه.
هذا إذا جاءنا يسألنا في ابتداء الأمر نقول: أعتق رقبة مؤمنة؛ فهذا أحوط لك، واتقِ الشبهات، أما رجل قد أعتق ورأى أنه أبرأ ذمته؛ إما جهلًا، وإما تقليدًا؛ لقول بعض العلماء، فهذا لا نأمره بإعادة العتق؛ لأن أمرنا إياه بإعادة العتق مقتضاه القضاء عليه بماذا؟ القضاء عليه بالغرم، وهو أمر غير متيقَّن، فنكون ارتكبنا مفسدة التغريم بدون دليل بيِّن، وحينئذٍ يكون الحكم عليه بإبراء ذمته هو الاحتياط ولَّا عدمه؟ طلبة: الاحتياط.
طلبة آخرون: الاحتياط، عدمه، الاحتياط.

الشيخ: هذا رجل أعتق وانتهى، إذا قلنا: عتقك غير مجزٍ غرمناه الآن؛ لأنه سوف يعتق رقبة جديدة، الأولى عَتقت، فنحن هنا، هل الاحتياط في أن نغرمه ونلزمه بعتق رقبة جديدة مع أننا في شك من ذلك، أم أن الاحتياط أن نقول: ألا نغرمك؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني هو الاحتياط، ولهذا كثير من العلماء في مثل هذه الأمور المشتبهة التي تعارضت فيها الأدلة، أو تكافأت فيها أقوال العلماء -إذا لم يكن هناك دليل- يفرقون بين الشيء إذا وقع، وبين الشيء.
طلبة: قبل وقوعه.
الشيخ: قبل وقوعه، فيقولون: قبل الوقوع نأخذ بالأحوط، وبعد الوقوع أيضًا نأخذ بالأحوط، وهو عدم إفساد العبادة، أو عدم التغريم، أو ما أشبه ذلك.
ثم قال: (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعة)، من لم يجد أيش؟ هكذا جاءت الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ من لم يجد أيش؟ طلبة: الإطعام والكسوة.
الشيخ: المفعول محذوف، وحذف المفعول يدل على العموم، هذه من القواعد، أن حذف المعمول يدل على العموم، إذن من لم يجد ما يُطعِم به، أو يكسو، أو يعتق، ومن لم يجد مَنْ يُطْعم، أو يكسو أو يعتقه، فكذلك؛ يعني -مثلًا- إنسان عنده مال، غني، طلب رقبةً ما وجد، طلب مساكين ما وجد، قيل له: إن فيه مساكين في أقصى ماليزيا، وهو في المغرب الأقصى، واجد ولا غير واجد؟ طلبة: غير واجد.
الشيخ: يا ناس، عشرة مساكين، عنده ما يطعم ألف مسكين.
طالب: فيه مشقة.
الشيخ: هذا واجد ولَّا غير واجد؟ طلبة: غير واجد.
الشيخ: غير واجد، نعم، إذن (من لم يجد) صار حذف المعمول يفيد أيش؟ طلبة: العموم.

الشيخ: من لم يجد شيئًا يشتري به طعامًا، أو كسوة، أو رقبة، أو عنده مال لكن لا يجد محلًّا لهذا المال، لا يجد رقبة، ما تُباع في السوق، ولا يجد فقراء يكسوهم أو يطعمهم، ولهذا -الآن- هذه المشكلة عندنا -والحمد لله- قائمة، كثيرًا ما إذا قلنا للناس: عليكم إطعام عشرة مساكين، جيب لي مساكين، أعطيك تطعم لي؟ ما يجدون.
الشيخ: والله هذا كلامهم، على كل حال.
طالب: في قرى المملكة كلها في المدن منهم مساكين وفقراء.
الشيخ: إي، الله أكبر، يروح يستأجر سيارة! الطالب: كل واحدة بذاتها.
الشيخ: لا، يعني إحنا نقصد المدن المتوسطة، يعني أوساط البلد، أوساط البلاد صحيح فيه صعوبة.
الطالب: (... ) يستحي يقسم.. الشيخ: لا، عاد ما هي مشكلة، أنا والله يعني أفتي الناس أقول: هؤلاء المساكين الذين جاؤوا يعملون، العمال ها دولا غالبهم ذوو عائلات وفقراء، وإذا أعطيتهم من هذا الطعام رفدتهم، تعطيهم مثل صاعين مع اللحم يكفيهم غداء ولا عشاء، هم عشرة هم، يكفيهم غداءً وعشاءً، إما يومين أو يوم، يكتفون من أنهم يروحون يشترون.
الطالب: قد لا يصلي، منهم لا يصلون.
الشيخ: لا، الكافر ما يعطى، لا، الكافر لا يعطى، لكن كلامنا هذا الرجل المسلم.
(فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام)؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196]، ونحن نريد الآن من أحدكم أن يعرب لنا ﴿صِيَامُ﴾.
طالب: خبر (... )، تقديره: واجب صيام.
الشيخ: فالواجب صيام ثلاثة أيام.
الطالب: أو مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: فصيام عدد.
الشيخ: فعليه.
الطالب: عليه صيام.
الشيخ: صح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: (صيام ثلاثة أيام) شوف الآن الإطعام لا يقابل الصوم، صح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: الصيام كم؟ ثلاثة، والإطعام؟ طلبة: عشرة.
الشيخ: عشرة، وفي كفارة الظهار صيام شهرين أو إطعام ستين مسكينًا، مقارب ولَّا لا؟ وإن كان الشهران قد يكونان ثمانية وخمسين يومًا.
طالب: ستين مسكينًا.

الشيخ: وهذا ستون مسكينًا.
طيب في فدية الأذى؟ طلبة: ثلاثة أيام، أو ستة.
الشيخ: أو ستة مساكين.
طالب: مقارب.
الشيخ: إي، النصف.
طالب: (... ). الشيخ: دل هذا على أن هناك أمورًا تخفى على الناس، حِكم الله عز وجل ما نستطيع أن ندركها، وإلا لقال الإنسان: كما جعل الله إطعام المسكين في صيام رمضان عن يوم، وفي كفارة الظهار والجِماع في نهار رمضان عن يوم تقريبًا، لماذا جعل هذا مختلفًا؟ نقول: هذا من الأمور التي لا ندركها، الله أعلم.
وقال المؤلف: (متتابعة) يعني واحدًا تلو الآخر، فإن صامها متفرقة.
طلبة: لم تجزئ.
الشيخ: لم تجزئ، صام يومًا وأفطر يومًا، وصام يومًا وأفطر يومًا، وصام يومًا، كم بقي عليه؟ طالب: يومان، يوم واحد.
الشيخ: بقي عليه يومان؛ لأن اليومين السابقين أفطر بينهما فلم يَصِحَّا.
ما الدليل، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾، ولم يقل: متتابعة؟ طالب: الأصل، السنة.
الشيخ: ما هو الأصل، لما أراد الله تعالى التتابع قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾.
طلبة: ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4].
الشيخ: ﴿مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ولما أراد الإطلاق قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] هنا يعني عيَّن العدد، ولم يذكر.
طلبة: التتابع.
الشيخ: التتابع، قال العلماء: الدليل على ذلك قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (فصيام ثلاثة أيام متتابعة)، وقراءة ابن مسعود حجة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» (5)، يعني ابن مسعود؛ إذن فقراءته -إذا صحت عنه- تكون ثابتة، حجة، ويكون هذا هو الدليل، وإلا لوجب أن نطلق ما أطلقه الله.

نعود مرة ثانية نقول: أنتم ذكرتم أن إطعام العشرة مساكين له صفتان: إما أن يغديهم أو يعشيهم، أو يعطي كل واحد كيلو، فمن أين أتيتم بالكيلو؟ من أين أتيتم؟ هذا تحكم.
قل كيلو، قل كيلوين، قل اللي يسده، منين جبت كيلو واحد؟ لازم، ائتِ بدليل، ولا قل: أطعمهم طعامًا غير مطبوخ يكفيهم للطعام المطبوخ.

طالب: العرف يكفي مسكين (... ). الشيخ: نعم، هو في الحقيقة ليس هناك دليل واضح في الموضوع إلا أن يقول قائل: إن دليلنا حديث كعب بن عجرة حين أذن له النبي عليه الصلاة والسلام أن يحلق، ويُطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، تعين، عيَّن لكل مسكين نصف صاع، فيقاس عليه البقية، نصف الصاع من التمر، قال العلماء: إنه في البُر وشبهه يكون على النصف، فيكون على هذا ربع صاع، ربع الصاع النبوي خُمس الصاع عندنا، وخُمس الصاع يقابل كيلو، والمسألة تقريبية؛ يعني ليس شيئًا حدًّا معروفًا، ولكنه تقريبي، وإذا تأملت وجدت أن الإطعام والْمُطْعم له ثلاث حالات: تارة يقدر الْمُعطى دون الآخذ، وتارة يقدر الآخذ دون الْمُعطى، وتارة يقدر الْمُعطى والآخذ.
مثال الذي قُدِّر فيه المعطى دون الآخذ؟ أوجب الله علينا طعامًا، قدَّر فيه الطعام، ولم يُقدِّر من يُدفع إليه هذا الطعام، مثل أيش؟ أوجب، فرض علينا، ويش هو هذا؟ الطالب: (... ). الشيخ: قُدِّر فيها المعطى -المدفوع- دون الآخذ، صاع من طعام، ولهذا يجوز أن تُوزَّع الفطرة الواحدة على أكثر من مسكين، ويجوز أن تُعطِي عدة فطرات لمسكين واحد، هذه قُدِّر فيها أيشس؟ طلبة: الْمُعطى دون الآخذ.
الشيخ: المعطى دون الآخذ، وإن شئت فقل: المدفوع دون المدفوع إليه.
طالب: قدر هنا يا شيخ، الفقير.
الشيخ: ما قُدِّر فيه المدفوع والمدفوع إليه.

طالب: فدية الأذى.
الشيخ: فدية الأذى؟ قال الرسول الله عليه الصلاة والسلام: «أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (6)، وفيه ما قدر المدفوع إليه دون المدفوع؟

طالب: الزكاة يا شيخ.
الشيخ: لا.
طالب: كفارة اليمين.
الشيخ: مثل كفارة اليمين، قُدِّر المدفوع إليه دون المدفوع، ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: ما دام الشرع لم يُقدِّر لنا فإن ما يسمى إطعامًا يكون مجزئًا، حتى الغداء والعشاء.
طالب: (... ) أليس هذا هو الراجح؟ الشيخ: بلى.
الطالب: (... ). الشيخ: إي؛ لأن بعض العلماء -نسأل الله لنا ولهم العافية والعفو- يقولون: إن القراءة إن لم تكن متواترة فليست بثابتة، وهذا غير صحيح، بل القراءة -إذا صحت- ولو غير متواترة (... ) عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن مثلًا ابن مسعود إذا كان يقرؤها معناها أنه رواها عن الرسول وسمعها منه، نحن نقول: لا تقرأ في الصلاة، مع أن شيخ الإسلام يقول: تقرأ، متى صحت القراءة وإن لم تكن متواترة فإنها تُقرأ في الصلاة.
طالب: حديث معاوية (... ). الشيخ: لا، بس هنا علَّل، اللهم إلا أن يُقال: إن قول الرسول: «فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (3) يعني والمؤمنة لا ينبغي أن يعتدي عليها بالصك، ولو كانت كافرة لكان أهون، لكن هذا يرد عليه أن كل مملوك تجب الرحمة به.
على كل حال مثلما قلنا: الأحوط ما دام الإنسان ما فعل أن يختار مؤمنة، لكن لو يجينا إنسان يستفتي قد فعل، نقول: أبرأ الله ذمتك.
طالب: (... ) النزاع (... )؟ الشيخ: لا.
طالب: (... ). الشيخ: (... )، لا بد من (... ). طالب: يا شيخ، هل فيه كفارة إذا مثلًا قتل قاتلًا بخطأ (... )؟ الشيخ: إي.
طالب: فيه الكفارة؟ الشيخ: هذا إذا كان، وكل الكفار اللي عندنا فيه بيننا وبينهم ميثاق.
الطالب: ويش بدل عن (... )؟ الشيخ: ما فيه بدل.
الطالب: وكم (... ). الشيخ: صيام شهرين متتابعين، فإن لم تستطع فلا شيء عليك.
طالب: شيخ، لماذا لا نطلق الإطعام والكسوة كما أطلقنا (... )، إطعام الكافر وغير (... )؟ الشيخ: إي، ويش تقولون في هذا؟ يقول: لماذا لا نُطلق الإطعام ونقول: يجوز إطعام الكافر والمؤمن؟ من قال: إطعام عشرة مساكين فقط.

طالب: (... ) صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُطْعِمْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَدْخُلْ دَارَكَ إِلَّا تَقِيٌّ» (7). الشيخ: إي، إلا تقي، فيه شيء بعد آخر؟ طالب: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبٍ أَجْرٌ» (8)، فنقول على هذا: إنه جائز.
الشيخ: إي، هذا يؤيد العموم.
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60]، هل يُعطى منها الكافر؟ طالب: ما يُعطى.
الشيخ: لا، إنما يعطى إذا كان مؤلفًا، فلذلك قاس العلماء الإطعام على الزكاة، وقالوا: إن الكفار ليسوا أهلًا، والمسألة فيها شيء من التأمل؛ لأنه قد يقال: حتى في الزكاة يُعطى الكافر إذا لم يكن حربيًّا.
طالب: طعام العشرة -عشرة كفار- خطأ جاهلًا بحالهم، يجزئ أو يعيد الإطعام؟ الشيخ: يعيد الإطعام.
الطالب: يعيد؟ في حالة تكافؤ الأدلة يرجع إلى الأحوط؟ يعني إنه هو الأبرأ للذمة؟ الشيخ: هذا أبرأ للذمة، هذا هو الأبرأ للذمة.
طالب: في حالة عدم تساوي الأدلة يرجع إلى الأقرب (... ). الشيخ: الآن القول بأنه لا يشترط الإيمان قول، القول بهذا قوي بلا شك، ثم هو بنفس الوقت أيسر على المكلف، يعني اشتراط الإيمان معناه سيزيده تعبًا، وربما يزيد قيمتها أيضًا عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد، فعليه كفارة واحدة)، (من): شرطية، وجواب الشرط: (فعليه كفارة واحدة)، وقوله: (من لزمته أيمان قبل التكفير موجبها واحد) مثل: أن يقول: والله لا أُكلِّم فلانًا، والله لا أدخل البيت، والله لا أذهب إلى السوق، هذه أيمان، كم؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، موجبها؛ يعني كفارتها، موجبها أي ما يجب بسببها، أو ما توجبه واحد، وهو: طالب: كفارة (... ). الشيخ: موجبها واحد وهو: إطعام، أو كسوة، أو عتق، فإن لم يجد فصيام، كلها تتفق في الموجب يعني أن كفارتها واحدة، فماذا يلزمه إذا حنث في الثلاثة؟ طلبة: كفارة واحدة.

الشيخ: يلزمه كفارة واحدة، قياسًا على ما إذا تعددت الأحداث، إذا تعددت الأحداث لم يلزمه إلا وضوء واحد، كرجل نام، وتغوط، وبال، وخرجت منه ريح، وأكل لحم إبل، هذه خمسة، كم يلزمه من وضوء؟ طلبة: واحد.
الشيخ: ما خمس مرات يتوضأ؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، واحد، قالوا: فهذه أسباب متعددة، والمسبب واحد، فلا يلزمه إلا كفارة واحدة، هذا إذا كان قبل التكفير.
إذا كان بعد التكفير، قال: والله لا أكلم فلانًا، فكلمه ثم كفر، وقد قال بعد ذلك قال: والله، نعيد المثال مرة ثانية، قال: والله، لا تكتب ما دام عندك في التسجيل ما حاجة للكتابة، خليك معنا.
إذا كان بعد التكفير مثل: قال: والله لا أكلم فلانًا، والله لا أدخل البيت، والله لا أذهب إلى السوق، كم هذه؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة أيمان، فكلم فلانًا، ثم كفر عن تكليمه إياه، انتهى هذا اليمين ولَّا لا؟ طلبة: انتهى.
الشيخ: ذهب إلى السوق ودخل البيت، هل تجزئه الكفارة الأولى؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا تجزئه؟ طلبة: لا.
الشيخ: نعم، لا تجزئه؛ لأن كفارة اليمينين الآخرين لم تلزمه إلا بعد أن كفر عن الأول، واضح هذا؟ لو نوى بالكفارة عن الأول الكفارة عن الأول والتحلة للثاني والثالث.
طلبة: يجزئه.
الشيخ: يجزئه؛ لأن الموجب؟ طلبة: واحد.
الشيخ: واحد، وهذا هو الذي مشى عليه المؤلف، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وذهب جمهور العلماء إلى أنه يلزمه لكل يمين كفارة إذا تعدد المحلوف عليه واليمين، إذا تعدد المحلوف عليه واليمين فعليه لكل واحد كفارة، مثل: والله لا أكلم زيدًا، والله لا أدخل البيت، والله لا أذهب إلى السوق، فالأيمان متعددة، والمحلوف عليه.
طالب: واحد.

الشيخ: لا، متعدد أيضًا، قالوا: فيلزمه كفارة يمين لكل يمين، وفي هذه الحال يلزمه ثلاث كفارات، وعللوا ذلك بعموم الآية: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، وهذه أيمان متعددة فيلزمه بعددها، كما لو قتل المحرم صيدًا، لو قتل صيدًا مثل عشر حمامات، الموجب؟ طلبة: عشر حمامات.
الشيخ: واحد ولَّا لا؟ طلبة: واحد.
الشيخ: واحد، وهي ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، كم يلزمه من ذبح شاة؟ طلبة: عشرة.
الشيخ: عشر شياه، قالوا: فهذا مثله؛ لأن السبب متعدد، وكل يمين مستقلة بنفسها للآية الكريمة: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى آخره.
وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهذه المسألة لها ثلاث حالات: إما أن يتعدد اليمين والمحلوف عليه واحد، تعدد اليمين والمحلوف عليه واحد؟ طالب: والله لا ألبس هذا.
الشيخ: الثوب.
الطالب: أقسم بالله، لا ألبس هذا.
الشيخ: نعم.
الطالب: بعزة الله لا ألبس هذا.
الشيخ: إي، صح؟ الأيمان متكررة، والمحلوف عليه شيء واحد.
أو مثلًا: قالت له أمه: البس الثوب، اليوم برد، البس الثوب؛ ثوب الصوف.
قال: والله ما ألبس، وافقه أخوه الكبير قال له: يا ولدي هذا لباس القيظ اللي عليك، البس ثوبك الصوف حقه أدفأ لك، قال: والله ما ألبسه، هذه اثنتان، لاقاه أبوه قال له: يا ولدي هذه ثياب القيظ، برد، البس ثوب الشتاء لا (... ) البرد، قال: والله لا ألبسه، الأيمان؟ طلبة: متعددة.
الشيخ: متعددة، لكن المحلوف عليه؟ طلبة: واحد.
الشيخ: شيء واحد، هذا -لا شك- أنه قولًا واحدًا أنه يجزئه كفارة واحدة، لا إشكال في هذا.
عكس هذه المسألة أن يكون اليمين واحدًا، والمحلوف عليه متعددًا، مثاله؟ طالب: (... ). الشيخ: خطأ، الحلف واحد، والمحلوف عليه متعدد؟ الطالب: والمحلوف عليه متعدد؟ الشيخ: نعم.
الطالب: والله ما، والله لا أذهب إلى السوق، ولا أفعل كذا (... ).

الشيخ: مثل صح، صحيح، قيل له: اذهب إلى صاحبك، قد دعاك إلى وليمة عرس، اذهب إليه، وكل من طعامه، وهنِّئه بالزواج، فقال: والله لا أذهب إليه، ولا أهنئه بالزواج، ولا آكل من طعامه، كم المحلوف عليه؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، لكن اليمين؟ طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة، هذا أيضًا يجزئه كفارة واحدة قولًا واحدًا؛ لأن اليمين واحدة.
الحال الثالثة: أن تتعدد الأيمان والمحلوف عليه، وهذا هو محل الخلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه يجزئه كفارة واحدة، ومنهم من قال: إنه لا بد لكل يمين من كفارة، وهذا الثاني مذهب الجمهور، والأول المشهور من مذهب الإمام أحمد، والظاهر ما ذهب إليه الجمهور أنها إذا كانت اليمين على أفعال، فإن لكل فعل حكمًا ما لم يكن على الصفتين السابقتين.
قال المؤلف: (موجبها واحد)، وعرفتم الموجب، ما هو الموجب؟ طلبة: كفارتها.
الشيخ: كفارتها؛ يعني ما يجب بسببها، (وإن اختلف موجبها)، موجب الأيمان، والموجب هو الكفارة، اختلف الموجب (كظهار، ويمين بالله لزماه، ولم يتداخلا)، معلوم أن كفارة الظهار غير كفارة اليمين، فإذا لزمته كفارة يمين وكفارة ظهار، فهل يجب عليه أن يكفر عن اليمين كفارة تامة، وعن الظهار كفارة تامة؟ أو يدخل هذا بهذا؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ لاختلاف الموجب، مثال ذلك: رجل قال: والله لا أكلم فلانًا، أو بعبارة أدنى قال: والله لا أكلم زوجتي وهي عليَّ كظهر أمي، في هذا.
طلبة: (... ). الشيخ: في هذا يمين وظهار، أراد الرجل أن يعود، نقول: الآن عليك كفارة يمين، وعليك كفارة ظهار.
قال: أنا أريد أن أعتق رقبة عن الجميع؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: سبحان الله! ! ما يجزئ عتق رقبة؟ طلبة: لا ما يجزئ، رقبتين.
الشيخ: رقبة ولا رقبتين؟ طلبة: رقبتين.
الشيخ: قال: الموجب واحد الآن، رقبة، نقول: لكن المعتبر أصل الكفارة، وعلى هذا فلو أراد أن يعتق رقبة واحدة عن اثنين ما صح.

قال: عليَّ صيام، أنا أصوم ستين يومًا -شهرين متتابعين- وأنوي ثلاثة من الشهرين عن اليمين والظهار، يجزئ ولَّا لا؟ طلبة: ما يجزئ.
الشيخ: ما يجزئ، يعني بداخله، نقول: ما يمكن، ما يتداخلن، قال: أطعم ستين مسكينًا إذا لم أستطع الصوم، وأنا بأطعم ستين مسكينًا، وأنوي عشرة من المساكين عن الظهار واليمين؟ طلبة: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، والعلة اختلاف الموجَب.
وعلى هذا إذا قيل: ما مثال هذا، أو على أي شيء يُقاس؟ قالوا: كالحدث الأصغر، والحدث الأكبر، على المذهب: لا يرتفع الحدث الأصغر بنية ارتفاع الحدث الأكبر فقط، لا بد أن ينوي بغسله رفع الحدثين، وعليه فنقول لهذا الرجل الذي قال: والله لا أكلم زوجتي، وهي عليَّ كظهر أمي، يلزمه -إذا عاد- كفارتان: كفارة لليمين، وكفارة للظهار.
قال رجل: لله عليَّ نذر ألا آكل من طعامكم، وقال: والله لا أخرج إلى السوق، وقال: إن كلمتُ فلانًا، فزوجتي طالق، يريد اليمين في الثالث، ثم حنث في الثلاثة، ماذا يلزمه على المذهب؟ طلبة: كفارة، ثلاث، كفارتان.
الشيخ: طيب، الأول قال: لله عليَّ نذر ألا آكل هذا الطعام، الثاني: والله لا أخرج إلى السوق، الثالث قال: إن كلمت فلانًا فزوجتي طالق، يريد اليمين.
طلبة: ثلاث، كفارتان.
الشيخ: عليه كفارة واحدة؛ لأن موجب هذه الأشياء الثلاثة واحد، النذر الذي يُقصد به اليمين يمين، والطلاق الذي يُقصد به اليمين يمين، وعلى هذا.
طالب: (... ). الشيخ: نعم؟ الطالب: على المذهب طلاق.
الشيخ: إي، بس إذا قلنا: لليمين، ولهذا قلت لكم: يريد اليمين، على المذهب يجزئه كفارة واحدة، ولكنها تطلق الزوجة، والصحيح أنها لا تطلق.
وعلى القول الثاني -الذي هو قول الجمهور- يلزمه ثلاث كفارات؛ لأن الأفعال متعددة.
[باب جامع الأيمان]

ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب جامع الأيمان) يعني جامع أحكام الأيمان، هذا الباب جامع لأحكام الأيمان، والأيمان جمع (يمين)، وهو القسم، وهذا الباب يبحث فيه على أي شيء ينزل القسم، هل على العرف؟ أو على اللغة؟ أو على النية؟ أو على السبب؟ أم على أي شيء؟ رجل حلف وقال: تعالوا يا جماعة، ويش تنزلون يميني، على أي شيء؟ في هذا ترتيب؟ قال المؤلف: (يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف إذا احتملها اللفظ) (إلى نية الحالف)، والدليل على أنه يرجع إلى نية الحالف الكتاب والسنة؛ أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، ووجه الدلالة من الآية أنه إذا رُجع إلى النية في أصل اليمين، فلأن يرجع إليها في المراد باليمين من باب أولى، واضح يا جماعة؟ واضح الدلالة من القرآن؟ ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾، والآية الثانية: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225]، فإذا كان يرجع إلى النية في أصل اليمين -هل هي يمين منعقدة أو غير منعقدة- فلأن يرجع إلى النية في المراد باليمين من باب أولى؛ لأن المراد باليمين عبارة عن وصف اليمين، هذا من القرآن، الدلالة واضحة إن شاء الله؟ طلبة: واضحة.
الشيخ: من السنة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (9)، ما أعظم هذا الحديث: «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
هذا الدليل على أنه يرجع لنية الحالف، لكن اشترط المؤلف: (إذا احتملها اللفظ) يعني بأن كان هذا اللفظ يمكن أن يُراد به ما نواه الحالف، فإن لم يمكن لم يُقبل منه؛ لأن هذا معاند للفظ، مضاد له، هذه النية، فلا تقبل.

مثال النية التي يحتملها اللفظ: إذا قال: والله لا أنام الليلة إلا على فراش لين، شرط، فراش ولين، خرج الرجل إلى (... ) وزبر له زبرة ونام عليها، قلنا: يلا، طلع الفجر وهو على الزبرة هذه، قلنا له: كفِّر، قال: ما أكفر، ليش؟ قال: لأني نويت بالفراش الأرض، الفراش نويتُ به الأرض، يصح هذا ولَّا لا؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن اللفظ يحتمله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22].
طلبة: لينا (... ). الشيخ: ما يخالف، قلنا: أنت قلت: اللين، قال: نعم، الرمل ألين ولا الحجر؟ طلبة: الرمل.
الشيخ: الرمل، صار يحتمله اللفظ ولَّا ما يحتمله؟ يحتمله، إذن نقول: ما عليك شيء.
طالب: (... ) المتبادر إلى الذهن (... ). الشيخ: دعنا من المتبادر، ما دام نيته الآن، ما دام أن اللفظ صالح.
طالب: ليش (... )؟ الشيخ: يا أخي، الكلام، نرجع إلى النية قبل كل شيء، ما دام يحتملها اللفظ، يكفي، هذه واحدة.
إذا نوى ما لا يحتمله اللفظ فإنه لا يُقبل، قال: والله لا أشتري اليوم خبزًا، فذهب إلى الفران، وقف عنده واشترى، فقلنا: يلا، كفِّر عن يمينك، قال: أنا أردت بقولي: واللهِ لا أشتري اليوم خبزًا، والله لا أُكلِّم فلانًا، ويش تقولون؟ طلبة: (... ). الشيخ: يصلح هذا ولَّا لا؟ طلبة: (... ) مجاز.
الشيخ: لماذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: هذا لا يصلح، لا مجاز إنس ولا جن ولا شيء أبدًا، ما يحتمله اللفظ إطلاقًا، لا أشتري خبزًا يعني لا أكلم فلانًا! ! هذا ما فيه ارتباط، (أشتري) ما تصلح.
إذن لا يصح هذا، لماذا؟ طلبة: لا يحتمله اللفظ.
الشيخ: لأنه لا يحتمله اللفظ.
قال: والله لأبيتن الليلة على وتد، سبحان الله على وتد! سبحان الله على وتد! عود مدقوق بجدار، قال.
طالب: جبل.
الشيخ: إي، ذهب إلى جبل، وبات عليه.
طلبة: صحيح، يحتمله اللفظ.
الشيخ: قلنا له: كفِّر يا أخي، الوتد ما شفناك تبيت عليه، قال: أنا أردت بالوتد.
طلبة: الجبل.
الشيخ: الجبل، صح؟ طلبة: نعم.

الشيخ: يحتمله اللفظ؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إذن الحمد لله، فهمتم الآن.
طالب: (... ) ما يصاحب.
الشيخ: كيف؟ الطالب: أقول: مثل هذا لا يصاحب.
الشيخ: على كل حال، نحن نقول: يرجع إلى نيته بشرط أن يحتملها اللفظ، نشوف الأخ يجينا بمثال أيضًا.
إلا تحت السقف، ثم خرج الرجل إلى البر، ووضع فراشه، ونام، وليس فوقه إلا السماء، (... ) فقيل له: عليك أن تُكفِّر؛ لأنك لم تنم تحت السقف، فقال: أردت السماء، صح هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32].
الطالب: قال: والله (... ) فدعا.
الشيخ: نعم، زين.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، ما يخالف، المهم يحتمله اللفظ، أو قيل له: ليش ما صليت؟ قال: والله ما أنا مصلي، أبدًا ما شفناك، قال: والله ما أنا مصلي، وقال: أنا أردت الدعاء، نقول: لفظه يحتمل النية، فيرجع إليك.
إذن خذ هذا أول مرتبة، (فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها)، (هيجها) يعني أثارها، وهو عطف تفسير على ما سبق؛ يعني إذا لم يكن له نية نرجع إلى سبب اليمين، شو السبب الذي جعله يحلف، فنحمل اليمين عليه، مثال ذلك: رجل قيل له: إن ابنك يصاحب الأشرار، قال: والله لا أكلمه ما حييت، شوف: بناءً على أيش؟ طلبة: على أنه يصاحب الأشرار.
الشيخ: على أنه يصاحب الأشرار، فجاء إليه رجل، قال: ليش أنك ما تكلم ولدك؟ قال: يصاحب الأشرار، من أصحابه؟ قال: فلان، وفلان، وفلان، قال: هؤلاء طيبون جدًّا، من أحسن الشباب، وكاد؟ قال: نعم، قال: قال لي فلان: إنهم أشرار، قال: نعم، هم أشرار عنده؛ لأنهم أخيار وهو شر، والشر يرى الأخيار.
طلبة: أشرارًا.
الشيخ: أشرارًا، هل إذا كلمه أبوه في هذه الحال عليه الكفارة؟ طلبة: لا، ما عليه.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: معروف قصده اليمين.
الشيخ: معروف قصده، سبب اليمين هو؟ طلبة: مصاحبة الأشرار.

الشيخ: أن ابنه صحب الأشرار، فكأن هذا الحالف، قال: إن كان ابني مصاحبًا للأشرار فلا أكلمه، وهو وإن لم يقل هذا الشرط بلفظه فهو مضمره في نفسه، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: قيل له: اذهب معنا، نريد أن نسافر إلى بلد ما، فقال: البلد الفلاني؟ قالوا: نعم، قال: والله ما أسافر إليه، ليش؟ لأنه كان يعلم أنها بلد تُشرب فيها الخمور، ويُعصى فيها الله عز وجل علانية، ولا يُحكم فيها بغير بما أنزل الله.
طلبة: بما أنزل الله.
الشيخ: ولا يحكم فيها بما أنزل الله.
طلبة: بغير.
الشيخ: ولا يحكم فيها بما أنزل الله، صواب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فقيل له: لماذا؟ قال: لأن فيها كذا وكذا وكذا، قيل: لا، الحكم تغير، تولاها رجل مؤمن صالح، فأزال الظلم، وحكم بشريعة الله، واختفى الفساق، ماذا نقول؟ طلبة: (... ). الشيخ: لو سافر إليها عليه كفارة؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأننا علمنا أن سبب يمينه هو هذا البلاء الذي في هذا البلد، فكأنه لما قال: والله لا أسافر كأنه يقول: والله لا أسافر ما دامت.
طلبة: هكذا.
الشيخ: كذلك، الآن زال هذا الأمر، فله أن يسافر.
طالب: (... ) في رمضان وطء (... ) الزوج في نهار رمضان فوجبت عليه الكفارة، فإذا وطئها مرة ثانية يجب عليه كفارة ثانية؟ الشيخ: ما له دخل هذا في قراءتنا هذه، وسبقت في حديث أبي هريرة، في فوائد حديث أبي هريرة، سبقت راجع الشريط.
طالب: (... ) إن عدمت النية.
الشيخ: إي نعم، يعني حلف وليس عنده نية في شيء معين إلا اليمين فقط.
الطالب: (... ) على هذا.
الشيخ: يعني هذا الرجل قال: والله لا أكلم فلانًا، لماذا؟ الكلام الآن مطلق، لو رجعنا إلى عموم لفظه قلنا: لا يُكلمه في أي حال من الأحوال، لكن هو قال: لا أكلم فلانًا؛ لأن هذا الرجل فاعل لمعصية، فأراد أن يهجره من أجلها، وتبين أنه لم يفعلها، فنحن إذا رجعنا إلى ظاهر اللفظ؟ طالب: ما يكلمه مطلقًا.

الشيخ: ما يكلمه مطلقًا، ولكنه الآن يقول: أنا ما عندي نية، أكلمه مطلقة أو مقيدة، فيرجع إلى السبب.
طالب: (... ) يا شيخ (... ) المال؟ الشيخ: لا، ليس له مال، ما يُكفر إلا بالصوم.
طالب: بالنسبة لنبي الله أيوب عندما حلف على امرأته، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ فضرب.
الشيخ: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: 44].
الطالب: فكيف يعني؟ إذا طبقنا هذا ما يصلح مثال هذا (... )؟ الشيخ: يصح، يصح مثالًا؛ لأن الضغث هذا فيه مئة شمراخ، فإذا ضربها مرة واحدة فقد ضربها بمئة شمراخ.
الطالب: بس إذا كان قصده أنه يضرب مئة ضربة (... ). الشيخ: لا، إذا كان مئة ضربة كل ضربة منفردة عن الأخرى؟ الشيخ: أيش؟ طالب: التكفير مو بالحال؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: هذا الرجل.
الشيخ: يلزم التكفير فورًا، وهذه قاعدة سبقت لنا -أظن في أصول الفقه- أن (الواجبات تجب على الفور بدون تأخير)، إي نعم.
طالب: (... ) فيقول: أنا أحلف كثيرًا، وأصبر حتى (... ) مثلًا مجموعة أيمان.
الشيخ: ثلاثين يمينًا بآخر الشهر أكفر كفارة واحدة.
الطالب: (... ) يؤجلها يومين ثلاثة.
الشيخ: أما على القول الذي رجحنا هو ما يفيده التأخير.
الطالب: لازم الكفارة.
الشيخ: إذا قلنا: كل فعل له كفارة، إذا تعددت الأيمان والأفعال فلكل واحد كفارة، هذا ما ينفعه، أما على المذهب فينفعه، لكن الظاهر لي أن الرجل لو أراد أن يتحيل فإننا نعاقبه بضد قصده.
طالب: لو أتى ضيف مثلًا إلى رجل، مثلًا، وأردنا أن نذبح له، فقبل أن نذبح قال: والله لا تذبحون، ثم ذبحنا وشلنا مثلًا الرأس والأشياء (... ) قسمناها أجزاء مقسمة، فهل يعتبر هذا الرجل الذي حنث صاحب اليمين هذا آثمًا أم لا؟ الشيخ: آثم إذا لم يبلغه أنه حنث.
الطالب: لم يبلغه.
الشيخ: إي نعم، يكون آثمًا؛ لأنه.
الطالب: ويجوز للرجل بأن يأكل منها حتى لو علم أنها ذبيحة؟ الشيخ: لا، إذا علم أنها ذبيحة فهو يأكل منها ويُكفِّر.

الطالب: يجب عليه أن يأكل؟ الشيخ: ما يجب، من باب، يعني لو شاء أن يقول: أنا والله ما أبغي آكل؛ لأني حلفت عليك وأنت قطعت يميني ما أنا بمعطيك، ما أبغي آكل، أنت لم تكرمني فلن أكرمك.
طالب: إذا حلف على شيء واحد في أوقات معينة، مثلًا قال: لا ألبس هذا الثوب، والله لا ألبس هذا الثوب، وجاء في الغد وقال: والله لا ألبس هذا الثوب، وبعد غد (... ). الشيخ: كله واحدة.
الطالب: كله واحدة؟ الشيخ: إي، كفارة واحدة، إذا لم يكفر عن الأول.
طالب: شيخ، بالنسبة لو أنه قال: والله إني ما أنا بذابح الخروف، واحد ثاني جاءه وقال له، وأعطاه فلوس وذبح الخروف هذا، يُكفِّر؟ الشيخ: يعني اشتراه منه؟ الطالب: لا، أجره أجرة يا شيخ.
الشيخ: كيف؟ هذا بيجينا -إن شاء الله- إذا حلف على شيء فوكل من فعله، هذه؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: تأتينا إن شاء الله.
طالب: إذا حلف مثلًا بعض الناس بالصيام سنة.
الشيخ: إي.
الطالب: إذا قبل ما يذبح الذبيحة وقال: صيام سنة (... )؟ الشيخ: إي، هذا حكمه حكم اليمين.
الطالب: حكمه كفارة يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا كانت اليمين واحدة، الحالة الثانية إذا كانت اليمين واحدة والمحلوف عليه متعدد، نحن قسمنا ثلاث حالات.
الشيخ: نعم.
الطالب: ما تبين لي اتفاقًا هي كفارة واحدة ولَّا (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: الحالة الثانية إذا كانت اليمين واحدة والمحلوف عليه متعدد، عليه كفارة واحدة اتفاقًا؟ الشيخ: كفارة واحدة قولًا واحدًا.
الطالب: قولًا واحدًا؟ الشيخ: نعم.
طالب: بعض العامة يقول: يعلم الله أني ما آكل هذا، يحلف (... ). الشيخ: إي.
الطالب: هل الحكم؟ الشيخ: هذا يمين، أو أبلغ.
الطالب: (... ) يمين؟ الشيخ: إي، كيف؟ الطالب: يعني يريد أن الله يعلم (... ). الشيخ: يمين يمين؛ لأنه لو أكل معناه أنه رمى الله بالجهل، يقول: يعلم الله أني ما آكل، وأكل، فهذا يمين.

عادة، إذا حلف على فعل مستحيل فإنه تلزمه الكفارة في الحال؛ لأنه لا يمكن أن يفعلها، فهو حانث في كل حال، ما نقول: انتظر ربما تفعل.
أن السبب الذي جعله يحلف نحمل اليمين عليه، فإذا قال: والله لا أكلم زيدًا بناءً على أنه سمع أن زيدًا رجل وضيع، لا ينبغي لمثله أن يكلمه، فتبين له أن زيدًا رجل شريف، فكلَّمه، فهنا نقول: لا حنث عليه، لماذا؟ لأن السبب الذي جعله يحلف تبين عدمه، فحينئذٍ لا حنث عليه، أو قال: والله لا أدخل هذه البلدة، بناءً على أن هذه البلدة فيها ظلم، وفيها حكم بغير ما أنزل الله، وفيها فسوق، ثم تبين أن الأمر بخلافه، وأن البلد بلد يحكم فيها بشرع الله، وليس فيها ظلم، وليس فيها فسوق، فحينئذٍ؟ طلبة: لا حنث.
الشيخ: لا يحنث، يعني يدخل البلد ويسكنها ولا يحنث؛ لأنه إنما حلف على سبب تبين عدمه.
يقول: (فإن عُدم ذلك رُجع إلى التعيين)، هذه المرتبة الثالثة، إذا لم يكن له نية، ولم يكن لليمين سبب، رُجع إلى التعيين؛ يعني إلى عين المحلوف عليه، هذا معنى (التعيين)، يعني إلى عين المحلوف عليه، فإذا عين شيئًا تعلق الحكم به على أي صفة كان.
يقول المؤلف: (فإذا حلف لا يلبس هذا القميص) هذا فيه التعيين على الحلف؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ما طريقه؟ طلبة: الإشارة.
الشيخ: الإشارة، قال: والله لا ألبس هذا القميص، عيَّن الآن، ما نيتك؟ قال: ما لي نية، السبب ليش ما تلبسه؟ قال: ما لها سبب، إذن، تتعلق اليمين؟ بعين ذلك القميص (فجعله سراويل، أو رداءً، أو عمامةً، ولبسه)، هذا القميص شققه، وجعله سراويل، سراويل مفرد ولا جمع؟ طلبة: مفرد.
الشيخ: مفرد، قال ابن مالك: وَلِسَرَاوِيلَ بِهَذَا الْجَمْعِ شَبَهٌ اقْتَضَى عُمُومَ الْمَنْعِ

فالسراويل مفرد، وبعضهم يقول: إن سراويل جمع.
طلبة: سروال، سراويلات.

الشيخ: وأن سراويل جمع (سروال)، وجمع سراويل (سراويلات)، كما جاء في الحديث: «لَا يَلْبَسُ السَّرَاوِيلَاتِ» (10). على كل حال، هذا بحث لغوي، ما علينا منه، هذا القميص اللي قال: والله، لا ألبس هذا القميص، القميص هو مثل ثوبي هذا، شققه وجعله سراويل ولبسه، يحنث؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يحنث؛ لأنه عيَّنه، قال: هذا القميص، فالآن هذا المحلوف عليه هو عين هذا الشيء، أو (جعله رداءً) شققه، وجعله رداءً يرتدي به، كرداء الإحرام، يحنث ولا لا؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؛ لأنه عينه، (أو جعله عمامةً)، يحنث أيضًا، (ولبسه) فإنه يحنث، اعتبارًا بماذا؟ طلبة: التعيين.
الشيخ: اعتبارًا بالتعيين؛ لأن هذا الرجل لا عنده نية، ولا عنده السبب، وقد عين هذا الشيء، قال: لا ألبس هذا الشيء، إذن تتعلق اليمين بهذا الشيء على أي صفة كانت.
قال: (أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخًا) (لا كلمت) شوف كلم: فعل ماضٍ، لكن إذا دخلت عليها (لا) النافية في القسم قلبتها إلى مستقبل، تقلبها إلى مستقبل، وهذا أحد المواضع الذي ينقلب به الفعل الماضي مستقبلًا، فكما ينقلب بالشرط مثل: إن قام زيد قمت، كذلك ينقلب هنا في باب اليمين، فمعنى (لا كلمت) يعني؟ طالب: لا أكلم.
الشيخ: لا أكلم، هذا معناها، قال: والله لا كلمت هذا الصبي؛ صبي صغير، هذا الصبي كبر، وصار شيخًا كبيرًا، فكلمه.
طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؟ طلبة: نعم.
الشيخ: بناءً على؟ طلبة: التعيين.
الشيخ: التعيين، (أو لا كلمت زوجة فلان هذه) عينها، أو قال: (لا كلمت صديقه فلانًا) يعني هذا، (أو مملوكه سعيدًا) يعني هذا، (فزالت الزوجية) يعني لم تكن زوجة له، بماذا تزول؟ طلبة: بالطلاق.
الشيخ: بالطلاق أو الموت، زالت الزوجية، فأصبحت غير زوجة له، فكلمه؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: بناءً.
الطلبة: على التعيين.

الشيخ: على التعيين، كذلك صديقه، زالت الصداقة، كان هذا الرجل صديقًا لفلان، قال: والله لا أكلم صديق فلان هذا، ثم صار غير صديق له، وكلمه؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث، قال: والملك في قوله: (أو مملوكه سعيدًا)، هذا الرجل باع العبد الذي حلف على ألا يكلمه، فإنه يحنث.
أو قال: (لا أكلت لحم هذا الحمل) (الحمل): هو الصغير من أولاد الضأن؛ فصار.
طالب: كبشًا.
الشيخ: كبشًا زال وصف الحمل فيه، ولكنه عندنا التعيين، هو عينه، قال: (أو لا أكلت هذا الرطب فصار تمرًا) (الرطب فصار تمرًا)، وشو الفرق بينهما؟ طالب: (... ). الشيخ: (أو لا أكلت هذا الرطب فصار تمرًا، أو صار دبسًا)، هل الرطب يكون دبسًا؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي يعني ينعصر منه الدبس، ينعصر فيخرج منه الدبس، قال: والله لا أكلت هذا الرطب وأكل من دبسه؟ طالب: حنث.
الشيخ: من دبسه يحنث، (أو صار خلًّا) كيف خلًّا؟ الخل هو أن يوضع الرطب في الماء ويبقى له لمدة: يوم، يومان، ثم يشرب، فالماء يكتسب حلاوة من التمر، والتمر يمتص الرواسب التي ما هي طيبة في الماء، وكان الناس يستعملونه قديمًا، فحل محله الشاهي، حل محله الشاهي الآن، لكان الناس بالأول يستعملون هذا، وله طعم، من أحسن ما يكون، المهم صار الرطب خلًّا وشربه، يحنث ولَّا لا؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: يحنث؛ لأن طعم الرطب موجود الآن في الماء، قال: (أو حلف لا أكلت هذا اللبن) الزيادة عندكم؟ طلبة: لا.
الشيخ: الظاهر.
طالب: أو هذا اللبن.
الشيخ: إي، أو هذا اللبن، لكنها معطوفة على (أكلت) الأولى.
الطالب: على هذا اللبن.
الشيخ: ما هي عندكم الأولى، (أو ما أكلت لحم هذا الحمل)، (لا أكلت اللبن) قد تقولون: كيف يؤكل اللبن؟ فنقول: يجب أن يُقدَّر فعل يناسبه، فيكون التقدير: لا شربت هذا اللبن، على حد قول الشاعر: عَلفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا .................................. ماءً باردًا يعني؟ طلبة: سقيتها.

الشيخ: سقيتها، إذن الشارح عندي غريب مُقدِّر لأكلت هذا اللبن، واللبن ما هو يؤكل، هو يشرب ولَّا يؤكل؟ طلبة: يؤكل مع الخبز، مطعوم.
الشيخ: إي، مطعوم، لا بأس، الماء مطعوم أيضًا.
طلبة: يؤكل إذا كان (... ). الشيخ: على كل حال، لا شربت يعني.
طالب: إذا صار زبادي.
الشيخ: لا، شربت (هذا اللبن فصار جبنًا)، وأكل الجبن، الجبن ليس بلبن، لكن عندنا التعيين، عين يقول: هذا اللبن الذي في هذا الإناء (فصار جبنًا)، (أو صار كشكًا)، الكشك هو الجريش.
طلبة: ويش الجريش؟ الشيخ: ويش الجريش؟ طلبة: (... ). الشيخ: دقيقة، يقولون: هو البُر المطبوخ باللبن، بر مطبوخ بلبن، الجريش عندنا بر مطبوخ بلبن، لكنه مكسر، مكسر بالرحى قليلًا، ثم يطبخ باللبن، وأظن يسمى بعد البرغل.
طالب: إي نعم.
الشيخ: البرغل، على كل حال، هذا اللبن انتبه، قال: والله لا شربت هذا اللبن، وجعله كشك وأكله، يحنث؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: نعم؛ لأن طعم اللبن موجود، صحيح أن الكشك هذا لا يسمى لبنًا، لكنه طعمه فيه.
(ونحوه، ثم أكله حنث في الكل) كم مسألة ذكر؟ طالب: ثمانية.
الشيخ: نعدها، نعدها الآن: (لا لبست هذا القميص)، (لا كلمت هذا الصبي)، (لا كلمت زوجة فلان)، (أو صديقه) (أو مملوكه)، هذه خمس؟ الطالب: لا يا شيخ ثمانية.
الشيخ: اصبر يا شيخ، هذه خمس، (لا أكلت لحم هذا الحمل)، (لا أكلت هذا الرطب)، (لا شربت هذا اللبن)، ثمان مسائل: (حنث في الكل)، بناءً على أيش؟ طلبة: على التعيين.
الشيخ: بناءً على التعيين.
قال المؤلف: (إلا أن ينوي ما دام على تلك الصفة)، إذا نوى ما دام على تلك الصفة فقد سبق أن النية هي المرجع الأول في الأيمان، فإذا قال: أنا قلت: والله لا ألبس هذا القميص، ما قصدي عين القميص، قصدي صفته، يعني: لا ألبسه ما دام قميصًا، فشققه، وجعله سراويل فلا حنث عليه.

لا كلمت هذا الصبي، قال: لم أقصد عينه، لكن قصدت ما دام على صباه، هذا قصدي، ثم كلمه بعدما صار شيخًا يحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ما يحنث، لا شربت هذا اللبن، نيتي ما دام لبنًا، أما إذا تغير فأنا ما نويت هذا، نقول: يحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: لا يحنث، الدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (9)، فما دمت قد نويت ما دام على تلك الصفة فلك نيتك؛ والتعليل: لأن المرجع في الأيمان قبل كل شيء.
طلبة: النية.
الشيخ: إلى نية الحالف.
قال: نويت والله لا كلمت زوجة فلان هذه؛ لأني أعرف أن فلانًا ذا غيرة شديدة، لو يسمعني أكلم زوجته آذاني، وربما اتهمني، وربما قتلني، فإذا زالت الزوجية؟ زال هذا، زالت هذه النية.
ما ذكر المؤلف السبب، لكن نقول أيضًا: ما لم ينوِ ما دام على تلك الصفة، أو يكن السبب يقتضي ما دام على تلك الصفة، كالمثال الذي ذكرته أخيرًا الآن، قال: أنا لما قلت: لا أكلم زوجة فلان هذه، سبب ذلك.
طالب: الغيرة.
الشيخ: غيرة هذا الرجل؛ فإنه شديد الغيرة، وأخشى يؤذيني، فإذا طلقها زال السبب ولَّا لا؟ زال السبب، إذن نقول: ما لم ينوِ ما دام على تلك الصفة، أو يكن السبب -السبب واليمين- ما دام على تلك الصفة، لماذا أضفنا: (أو يكن السبب)؟ لأن السبب مقدم على التعيين.
فالخلاصة الآن: المراتب التي ذكرها المؤلف في هذا الفصل، كم؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة: النية، ثم السبب، ثم التعيين، كذا؟ فالتعيين يستمر مع هذا المعين وإن تغيرت صفته، ما لم ينوِ ما دام على تلك الصفة، أو يكن السبب ما دام على تلك الصفة.

المرتبة الرابعة: قال: (فصل: فإن عُدِم ذلك رُجِع إلى ما يتناوله الاسم) هذه المرتبة الرابعة، يعني إذا لم يكن نية، ولا سبب، ولا تعيين، نرجع إلى ما يتناوله الاسم، ومعنى: (ما يتناوله) أي: ما يدل عليه الاسم، نرجع إلى ما يدل عليه هذا الاسم، والمراد بالاسم هنا ليس ما يُقابل الحرف، بل المراد بالاسم يعني: المحلوف عليه، اللفظ الذي وقع الحلف عليه، فيرجع إلى ما يتناوله الاسم في ذلك المحلوف عليه.
الاسم -في الحقيقة- ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي، ولغوي، وعرفي، هذا الاسم؛ يعني أن الأسماء إما أن يكون لها مدلول شرعي، أو مدلول لغوي، أو مدلول عرفي، أحيانًا تتفق المدلولات في الكلمة الواحدة؛ يعني تكون هذه الكلمة معناها واحد في اللغة والشرع والعرف، وأحيانًا يكون لها معنى في اللغة غير معناها في الشرع، معنى في العرف غير معناها في الشرع واللغة، والمراد باللغة هنا: اللغة العربية، والمراد بالعُرف: اللغة العرفية.
يقول رحمه الله: (وهو ثلاثة: شرعي، وحقيقي، وعرفي) إذا اتفقت هذه الثلاثة في مدلول الكلمة فلا إشكال، لكن الإشكال إذا.
طلبة: اختلفت.
الشيخ: اختلفت، فأيها يقدم؟ يبينه المؤلف، السماء لها مدلول.
طالب: لغوي.
الشيخ: وشرعي.
طلبة: وعرفي.
الشيخ: وعرفي، المدلول واحد، البيضة مدلول.
طلبة: واحد.
الشيخ: واحد، شرعي وعرفي ولغوي، الأرض مدلول واحد، وأمثال هذا كثير، يعني هناك كلمات لا يختلف فيها الشرع، ولا العرف، ولا اللغة، هذه الأمر فيها واضح؛ إذا حلف تُحمل الكلمة على مدلولها، وهو لا يختلف.
فإن اختلف، فهل نقدم الشرعي، أو العرفي، أو اللغوي؟

جارٍ التحميل