وما يَصِحُّ بيعُه صَحَّ قَرْضُه إلا بَنِي آدَمَ، ويَمْلِكُ بقَبْضِه فلا يَلْزَمُ ردُّ عينِه, بل يَثْبُتُ بدَلُه في ذِمَّتِه حالًا، ولو أَجَّلَه، فإن رَدَّه الْمُقْتَرِضُ لَزِمَ قَبولُه وإن كانت مُكَسَّرَةً أو فُلُوسًا فمَنَعَ السلطانُ المعامَلَةَ بها, فله القِيمةُ وقتَ القَرْضِ، ويُرَدُّ الْمِثْلُ في الْمِثْلِيَّاتِ والْقِيمَةُ في غيرِها، فإن أُعْوِزَ الْمِثْلُ فالقيمةُ إِذَنْ.
و(يَحْرُمُ) كلُّ شَرْطٍ جَرَّ نَفْعًا، وإن بَدَأَ به بلا شَرْطٍ, أو أَعطاهُ أَجودَ أو هَدِيَّةً بعدَ الوفاءِ جازَ، وإن تَبَرَّعَ لِمُقْرِضِه قبلَ وَفائِهِ بشَيْءٍ لم تَجْرِ عادتُه به لم يَجُزْ, إلا أن يَنْوِيَ مُكافأتَه أو احتسابَه من دَيْنِه، وإن أَقْرَضَه أَثمانًا فطَالَبَه بها بَبَلَدٍ آخَرَ لَزِمَتْه، وفيما لِحَمْلِه مَؤُونةُ قِيمتِه إن لم تَكنْ ببَلَدِ الْقَرْضِ أَنْقَصَ.
﴿باب الرهن﴾
يَصِحُّ في كلِّ عينٍ يَجوزُ بَيْعُها، حتى الْمُكَاتَبِ، مع الْحَقِّ وبَعْدَه بدَيْنٍ ثابتٍ، ويَلْزَمُ في حقِّ الراهنِ فقط،
استثنى المؤلف قال: (إلا بني آدم) فإنه يصح بيعه، والمراد الأرقة منهم.
(ولا يصح قرضه) يعني: ما يصح أن آتي إليك وأقول: أقرضني عبدك، لكن يصح أن آتي إليك وأقول: أقرضني شاتك، ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح، لماذا؟ لأنه يصح بيعه.
يصح أن آتي إليك وأقول: أقرضني قلمك؟ يصح؛ لأنه يصح بيعه، كل شيء يصح بيعه فإنه يصح قرضه إلا بني آدم.
طالب: الحر أم العبد؟
الشيخ: لا، الحر يُبَاع!
طالب: العبد؟
الشيخ: ما فيه شك أنه العبد، أما الحر ما هو بيباع، (إلا بني آدم) يعني: إلا الأرقة من بني آدم فإنه يصح بيعهم ولا يصح قرضهم.
ما هو التعليل على عدم صحة قرض العبيد؟
يقولون: لئلا يؤدي إلى أن يستقرض أَمَة فيجامعها ويتمتع بها، ثم يردها.
وهل جائز أن يرد الإنسان ما استقرضه؟
إي نعم، جائز، لو استقرضتُ منك شيئًا، ثم بعد يوم أو يومين استغنيت عنه ورددته عليك بعينه إذا لم يحصل فيه التغير يجب عليك قبوله، قالوا: فلو أجزنا إقراض بني آدم لكان يؤدي إلى أن يستقرض الإنسان أمة، فيستمتع بها ما شاء الله ثم يردها.
وبناء على هذا التعليل، إذا أقرضت أمة لامرأة ينتفي التعليل ولَّا لا؟
الطلبة: ينتفي.
الشيخ: ينتفي التعليل؛ ولهذا ذهب بعض الفقهاء إلى أنه إذا انتفت هذه العلة جاز القرض، فلو أقرضت رجلًا لرجل فلا بأس، ولو أقرضت أنثى لأنثى فلا بأس، ولو أقرضت امرأة لرجل؟
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يجوز، ولو أقرضت رجلًا لامرأة؟
الطلبة: يصح.
الشيخ: لا، ما يجوز أيضًا، يمكن تستقرض هذا العبد؟ نعم؛ لأنه جائز لها، وتفعل الفاحشة معه، ثم ترده، وإن كان العبد ما يجوز أن يطأ سيدته، ولكن هي ما هي مبالية.
وظاهر كلام المؤلف في قوله: (ما يصح بيعه) أنه يصح قرض المنافع؛ لأن المنافع يجوز بيعها، أو ما يجوز بيعها؟
طالب: ويش المنافع؟
الشيخ: المنافع يعني: دون الأعيان، منفعة الشيء هل يجوز بيعها؟
طالب: لا.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: يجوز، مثل أيش؟
الطالب: مثل الإجارة.
الشيخ: لا، الإجارة ما هي بيع.
الممر في دار -مر علينا في نفس الكتاب هذا- كالممر في الدار يجوز بيعه، أملك المنفعة في هذا الممر، لكن ما أملك الممر، فبيع المنافع جائز.
فهل يجوز إقراض المنافع؟
المذهب: لايجوز إقراض المنافع، واختار شيخ الإسلام جواز ذلك؛ بأن أقول: أقرضني نفسك اليوم لتساعدني على الحصاد، إذا صار اليوم الثاني أوفيك، ويش لون أوفيك؟ أحصد معك، ويجب في هذا الحال إذا أوفيته، ألَّا أقصر (... ) أضجع، وكلما حصد (... ) اضجعت، هذا ما يصح لازم أن أوفي الحق كاملًا.
والصحيح ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ أنه يجوز إقراض المنافع؛ لأنه لا دليل على المنع، والناس فيما بينهم كانوا يتعارفون بذلك، كان الناس فيما سبق يجتمع الفلاحون عند واحد منهم وينهون زرعه، ثم في اليوم الثاني يذهبون إلى الآخر، وينهون زرعه، وهكذا..
صار الضابط الآن: أن كل ما يصح بيعه صح قرضه إلا بني آدم، ونستثني أيضًا وإلا المنافع.
ولكن قد يقول قائل: إنها غير داخلة في قوله: (ما صح بيعه)؛ لأن المراد بما صح بيعه من الأعيان، وحينئذٍ فلا تدخل المنافع أصلًا حتى نحتاج إلى استثنائها.
قال: (ويُمْلَك بقبضه) (يُمْلَك) الضمير يعود على المُقرَض؛ يعني: على المال المُقرَض، يُمْلَك بمجرد القبض، ومن الذي يَملكه؟ الذي يَملكه المُقترِض، بمجرد ما يقبضه مَلَكَه.
فلو أنه استقرض مني مالًا، قال: اتفضل هذه عشرة ريالات قرضًا، ثم في نفس المكان قلت: هات، أعطني إياها، يلزم رد عينه ولَّا لا؟ قال المؤلف: (فلا يلزم رد عينه) لو قال: أعطني مالي، أقول: لا، أنت أقرضتني إياه، فأنا أملكه؛ لأنه انتقل منك على سبيل التمليك، فأملكه بالقرض.
قال: (فلا يلزم رد عينه، بل يثبت بدله في ذمته حالًّا، ولو أجله) في ذمة مَن؟ المقترِض، (حالًّا) يعني: بدون تأجيل، (ولو أجله) فإنه لا يتأجل؛ لأنه ليس عقد معاوضة حتى يُؤجَّل، فهو موضوعه الحلول، فإذا أجَّله خرج به عن موضوعه.
فلو قال قائل: أقرضني -يا فلان- عشرة آلاف ريال إلى سنة؛ لأني محتاجهن ولا عندي دراهم، لكن بعد سنة سيأتيني مال، فقال: أهلًا وسهلًا، هذه عشرة آلاف ريال إلى سنة رُحْ الله يبيحك.
يقول المؤلف: إن القرض يثبت حالًّا، فأنا أعطيتك إياها أمس، لي أن أطالبك بها اليوم، طيب ألست قد أجلته؟ قال: نعم، لكنه لا يتأجل؛ لأن القرض موضوعه أيش؟ الحلول، فإذا أجَّلناه خرجنا به عن موضوعه، فخالفنا مقتضى العقد، وكل شرط يخالف مقتضى العقد فإنه باطل؛ لأنه يخرج بالعقد عن موضوعه الشرعي فيكون مخالفًا لكتاب الله عز وجل، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.
هذا هو تقرير هذه المسألة على المذهب.
وقول المؤلف: (يثبت بدله) كلمة (بدل) تشمل المِثْل إن كان مثليًّا، والقيمة إن كان متقومًا؛ لأن القرض قد يكون مثليًّا، وقد يكون متقومًا، فالحيوان على المذهب مثلي ولَّا متقوم؟
طالب: متقوم.
الشيخ: متقوَّم؛ لأنه ما هو مكيل ولا موزون.
فإذا أقرضتك شاة، يجوز ولَّا ما يجوز؟
الطالب: يجوز.
الشيخ: نعم، يجوز؛ لأنها يصح بيعها، يجوز، لكن ما يثبت في ذمتك شاة، وإنما يثبت في ذمتك قيمة الشاة وقت القرض، سلَّفتك الشاة هذه تسوى مئتين، فلما أردت أن أوفيك شاة مثلها أو أقيم منها، وإذا الغنم قد نزلت فصارت الشاة ما تسوى إلا مئة، ما الذي يلزمك على المذهب؟ يلزمك مئتان؛ وذلك لأن الحيوان ليس مثليًّا فالواجب أيش؟ الواجب قيمته، متى؟ وقت القرض، فنقول: الشاة لما أعطيتك إياها ذاك اليوم تساوي مئتين، واليوم نظيرها ما يساوي إلا مئة، أنا أريد منك مئتين، ولكن الصحيح -كما سبق لنا- أن الشاة وشبهها من الأمور المثلية.
وقول المؤلف -نرجع إلى قوله-: (ولو أجَّله) كلمة (ولو أجَّله) إشارة خلاف، الخلاف أن بعض أهل العلم -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- يرى أنه إذا أجَّله يكون مؤجَّلًا ولا يملك المطالبة به، انتبه، مثال ذلك..، المثال الأول قلنا: أقرضتك عشرة آلاف ريال؟
الطالب: (... ).
الشيخ: مؤجَّلًا إلى سنة، طيب، هل لي أن أطالبك في اليوم الثاني أو الثالث؟
الطالب: نعم.
الشيخ: على المذهب لك أن تطالبني، للمُقرِض أن يُطالب المقترِض في ثاني يوم، أما على رأي شيخ الإسلام فيرى أنه يتأجَّل إذا أُجِّل، قال: وهذا الأجل لا ينافي مقتضى العقد، بل هو من تمام مقتضى العقد؛ لأن المقصود بالقرض ما هو؟ الإرفاق والإحسان، وإذا أجَّلته صار ذلك من تمام الإنفاق والإحسان.
أيما أحسن للمقترِض أن يُطالَب فور الإقراض أو أن يتأجل إلى سنة أو سنتين، حسب ما يتفقان عليه؟
الثاني أرفق به، فيقول شيخ الإسلام: إن هذا من تمام الإرفاق والإحسان، فليس خارجًا عن مقتضى العقد، بل هو موافق له غاية الموافقة، هذا من وجه، من وجه آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (1)، وهذا شرط لا يخالف الشرع، وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا عقد على صيغة معينة، فيجب الوفاء به، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، والمقرِض الذي أجَّله قد تعهد لك بألَّا يطالبك إلا بعد انتهاء الأجل، فيكون هذا العهد مسؤولًا عنه عند الله، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ» منها: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (2)، وأنت قد وعدتني ألَّا تطالبني إلا بعد سنة، فإذا طالبتني قبل ذلك فقد أخلفتني.
فإذن دلالة الكتاب والسنَّة والمعنى كلها متفقة على أن التأجيل في القرض جائز، وأنه مُلزِم ولا بد منه.
ثم إن القول بجواز المطالبة بالمؤجَّل قد يترتَّب عليه ضرر، كيف الضرر؟ أنا عندما أقترض هذه العشرة آلاف ريال إلى سنة، كنت قد أعددت نفسي ألَّا أُطَالب بها إلا بعد السنة، مثلًا افرض أني اشتريت سيارة بعشرة آلاف ريال، واستقرضت من هذا الرجل إلى مدة سنة، فإذا جاء يطالبني بعد يوم أو يومين معناه أنه غرني، لو علمت أنه سيطالبني بعد يوم أو يومين هل أشتري السيارة؟ ما أشتريها فأتعب مع مطالبة هذا الرجل، فأحيانًا يكون في هذا تغرير للمقترِض إذا أُجل، ثم طُولِب به، وقيل: إن الأجل هذا لاغٍ.
فالصواب أنه إذا أُجِّل القرض فإنه يتأجَّل ويلزم التأجيل، ولا يجوز للمقرِض أن يُطالب به قبل ذلك.
طالب: (... )؟
الشيخ: يقول: لأنه ليس معاوضة، كيف نلزم هذا الرجل المحسن ألَّا يطالب إلا بعد الأجل؟ فيقال: ما ألزمناه، هو الذي ألزم نفسه، وهو الذي رضي بهذا الشيء.
قال: (فإن رده المقترض لزم قبوله) (إن رده) الضمير في (رده) يعود على أيش؟
الطلبة: المقرَض.
الشيخ: العين المقرضة؛ يعني: إن ردَّ المقترض ما أقرضه المقرِض، إن رده بعينه لزم قبوله، لكن بشرط ألَّا يتغيَّر، فإن تغيَّر لم يلزمه قبوله.
لو أنه استقرض مني شيئًا مثليًّا، ولو (... ) على المذهب تجب القيمة، لكن استقرض مني شيئًا مثليًّا؛ استقرض مني بُرًّا، أخذه مني؛ لأنه سيأتيه ضيوف، وسوف يطبخه له، لكن الضيوف تأخَّروا، فابتلَّ هذا البُر، فرده إليَّ بعينه، هل يلزمني قبوله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه تغير.
الشيخ: ويش اللي تغير؟
الطلبة: البر.
الشيخ: بالبلل؟
طالب: صفته.
الشيخ: طيب، ما دام أنه البلل هذا، ما (... ) عجنه، نحن الآن (... ) عشان يثبت عجنه، ولَّا لا؟
طالب: لا؛ لأنه قد يكون كثيرًا، وأثناء عجنه يدوب في عجنه.
الشيخ: ما يخالف، لنفرض أنه مُد، وأن المد يكفيني أنا وعيالي.
طالب: لكن قد تكون ما تريد أن تعجنه تريد أن تأكله.
طالب آخر: لو كان يريد عجنه، ما أبقاه.
الشيخ: ما أيش؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، الجواب السليم أن نقول: إن البلل عيب؛ ولهذا لو اشتريت حبًّا -يعني: برًّا أو رزًّا- ووجدته مبلولًا فلك أن ترده؛ لأن هذا عيب، وكذلك لو استقرض مني شاة، وقلنا بالقول الصحيح: إنها مثلية، ثم ردها عليَّ بعد يوم أو يومين، ولكنها فيها عرج حدث عنده، يلزمني قبوله؟
الطلبة: لا.
الشيخ: إذن فقول المؤلف: (فإن رده المقترض لزم قبوله) هو ما لم يتغير، هذا واحد، وما لم يكن متقوَّمًا، فيُسْتَثْنى إذن شيئان: إذا يتغير ولو كان مثليًّا، والثاني: إذا كان متقوَّمًا، لماذا لا يلزم قبول عينه إذا كان متقوَّمًا؟ يقول: لأنه لمَّا أقرضه ثبتت القيمة في ذمته، فيقول: أصلًا أنا ما وجب ليَّ المثل، وإنما وجبت ليَّ القيمة، فأعطني القيمة.
طالب: لو رده معيبًا مع الأرش؟
الشيخ: ما يلزمه القبول؛ لأنه ما هو معاوضة.
طالب: شيخ، لأنه معيب ولَّا لأنه ليس مقتضى الشرط؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: أخذ القرض، ثم رجعه فيه عيب.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: أنت قلت: على أنه فيه عيب لا يلزمني قبوله.
الشيخ: نعم، صح.
الطالب: طيب، ما نقول: لأنه أيضًا يخالف مقتضى الشرط، على أنه ما سلمه مثلما أخذ؟
الشيخ: لا، لو كان أطيب مما أخذه لزمه القبول، والسبب لأنه عيب.
قال: (وإن كانت مكسَّرة أو فلوسًا، فمنع السلطان المعاملة بها فله القيمة وقت القرض) (إن كانت مكسَّرة) المكسَّرة هي: الأجزاء من الدراهم أو من الدنانير؛ يعني مثل: ربع، نصف، ثمن، وما أشبه ذلك، فالمكسَّرة معناه: أجزاء الدراهم أو الدنانير، عندنا المكسَّرة ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، ما عندنا مكسَّرة، كان بالأول عندنا مكسَّرة، أما الآن ما عندنا، كان فيه في الأول ريال عربي له نصف وله ربع، من الفضة نفسها، هذه المكسرة.
وأما الآن اللي عندنا فلوس القرش هذا اللي عن قرشين أظن، وقرش عن خمسة قروش، وقرش عن عشرة قروش، هذا ما يُسَمَّى المكسرة، هذا يُسمى فلوسًا.
(إن كان مكسرة أو فلوسًا، فمنع السلطان المعاملة بها) يعني: ألغاها، ولم يقل المؤلف: إن كانت نقودًا، فمنع السلطان المعاملة بها؛ لأن النقود ما كان من عادة السلاطين أن يغيروها، إنما يغيرون المكسرات أو الفلوس، فإذا كانت مكسَّرة؛ يعني مثل أنا أقرضتك أربعة أرباع ريال، ثم إن السلطان منع المعاملة بهذه الكسور؛ ألغاها نهائيًّا، أو أبدلها بكسور أخرى، كما لو جعل الكسر جزءًا من خمسة أجزاء، وجعل للدرهم أخماسًا لا أرباعًا، الفلوس هي اللي نسميه عندنا القروش، منع السلطان المعاملة بها، ومثل ذلك الأوراق النقدية؛ الأوراق النقدية أحيانًا يمنعون المعاملة بها، ولَّا لا؟ ما هم قد منعوا المعاملة عندنا بها؟
طالب: أيوه.
الشيخ: فيه فلوس تتغير، إذا منع السلطان المعاملة بها أصبحت ما لها قيمة، فماذا يصنع؟ يقول المؤلف: (فله القيمة وقت القرض) فالبحث الآن: هل الفلوس أو المكسرات مِثْلية ولَّا متقوَّمَة؟ هي مِثْلية؛ ولهذا لو بقيت (... ) ممنوعة يرد مثلها أو يردها بعينها إن بقيت، لكن إذا منع السلطان المعاملة بها فإنَّ رَدَّ عينِها ممتنع؛ لأني لو رددتها على المقرِض فقد فسدت ما ينتفع بها.
فماذا نصنع؟
يقول المؤلف: (له القيمة وقت القرض) يشاوش قيمة هذه المكسرة في وقت القرض يسددها عند الوفاء، مثلًا إذا قدَّرنا أن الفلوس عشرة ريالات ومُنِعت، كم يرد عليه؟
طالب: عشرة.
الشيخ: ما عنده عشرة، ممنوعة.
طالب: ريال.
الشيخ: يرد عليه ريالًا، ولو كانت الفلوس الآن ما تساوي -يعني: العشرة- نصف ريال مثلًا، يرد عليه ريالًا كاملًا، حتى لو فُرِضَ أن الفلوس غلت فإنه يرد ريالًا، لو فُرِض أنها لما مُنِعَت صارت غالية؛ لأنها تُشْتَرى على أنها متاحف، فإنه لا يلزمه القبول، لكن له القيمة متى؟ وقت القرض، وهذا هو المذهب؛ أن المعتبر قيمتها وقت القرض.
القول الثاني أن المعتبر قيمتها وقت المنع.
ووجه هذا القول يقولون: لأن الواجب للمقرِض نفس هذه الفلوس إلى أن مُنِعَت، فيكون المعتبر قمتها وقت المنع.
والقول الثالث أن له قيمتها وقت الوفاء؛ لأنها واجبة في ذمة المقترضِ بأعيانها إلى أن يُوفِي، فيكون عليه القيمة وقت الوفاء.
فالأقوال في هذه المسألة ثلاثة، ما أدري أنتم فاهمين ولَّا لا؟ يبدو أكثركم يرى أنها (... ).
طالب: (... ) أوجه يا شيخ؟
الشيخ: ما بعد وصلنا للتصحيح، خلينا نشوف التصور الآن، بعد التصور نحكم، فاهم أنت؟ خليك أنت المقياس، الآن فاهم هذه القضية، كيف هي؟
طالب: (... ) ثلاثة أقوال.
الشيخ: لا، دعنا ويش هي أصل المسألة، أصل المسألة: أقرضتك فلوسًا.
الطالب: إي نعم، مكسرة.
الشيخ: فلوس ما (... )، المكسرة أجزاء الدراهم من الفضة، ولكن (... ) هذه المكسرة، الفلوس مستقلة؛ يعني مثل القروش الآن هذه فلوس.
الطالب: إي نعم، إحنا نتكلم عن المسائل الأخيرة تصح ولَّا..
الشيخ: إلا، أعطني -بارك الله فيك- الفلوس، أقرضتك -مثلًا- عشرة قروش.
الطالب: مُنِعَت.
الشيخ: مُنِعَت.
الطالب: منعها السلطان.
الشيخ: نعم.
الطالب: هي على ثلاثة أقوال.
الشيخ: إذا مُنِعَت الآن هل أطالبك بها ولَّا لي القيمة؟
الطالب: لك القيمة.
الشيخ: لي القيمة، أحسنت.
متى تعتبر قيمتها؟
الطالب: على ثلاثة أقوال.
الشيخ: نعم.
الطالب: القول الأول، أنها وقت القرض، القيمة وقت القرض.
الشيخ: صح، أحسنت.
الطالب: كم كانت قيمتها وقت القرض؟
الشيخ: تمام.
الطالب: القول الثاني أن القيمة وقت المنع.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: والثالث أن القيمة وقت القضاء.
الشيخ: أحسنت، تمام، واضح، طيب الآن نشوف الأمثلة عشان تتضح، لما أقرضتك عشرة فلوس كانت قيمتها وقت القرض درهمًا واحدًا، كذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وقت المنع كانت العشرة تساوي نصف درهم، وقت القضاء كانت العشرة تساوي درهمين، طيب عندنا الآن درهم، ونصف درهم، ودرهمان، أو لا؟ طيب، عند الإقراض تساوي العشرة درهمًا؛ لأن هذه قيمتها المعتبرة، عند المنع رخصت الفلوس؛ صارت العشرة ما تساوي إلا نصف درهم؛ يعني: الدرهم فيه عشرون، عند الوفاء لما فُقِدَت الفلوس بين الناس صارت آثارًا، وصار الناس يشترونها بغالي الثمن يجعلونها متاحف، صارت العشرة هذه تساوي درهمين، فعلى المذهب تعطيني كم؟
طالب: المذهب مثلها.
الشيخ: لا، تمامًا.
الطالب: نفسها تمامًا.
الشيخ: طيب، المذهب يقول: له القيمة وقت القرض، كم تعطيني؟
الطالب: يعني درهمًا.
الشيخ: درهمًا واحدًا، صح.
القول الثاني: القيمة وقت المنع، كم تعطيني؟
الطالب: نصف درهم.
الشيخ: نصف درهم، صح.
القول الثالث: القيمة وقت الوفاء، تعطيني درهمين، أيهم أحب إليك أنت؟
طالب: الدرهمين.
الشيخ: لا، أنت بتعطيني أنا.
الطالب: آه، لا، أعطيك درهمًا واحدًا.. لا، أعطيك (... ).
الشيخ: جزاك خيرًا، هذا ورع.
لكن لو كنت طماعًا تقول: بعطيك القيمة وقت المنع، أعطيك نصف درهم.
طالب: أي الأقوال أقرب؟
الشيخ: أقرب شيء أن القيمة وقت المنع؛ وذلك لأنه ثابت في ذمتك لي عشرة فلوس إلى أن مُنِعَت؛ يعني: قبل المنع بدقيقة واحدة لو طلبتك تعطيني كم؟ عشرة فلوس تقول: ما عندي غيرها، وهي ما تساوي غير نصف درهم.
طالب: لو أن مثلًا (... )..
الشيخ: (... ) منع السلطان بلحظات، لكان الواجب قبوله على المقرِض، فإذا كان كذلك فإننا نقدرها وقت المنع؛ لأنها ما زالت باقية في ذمة المقترِض إلى أن منعها السلطان.
وأما الذين قالوا: إن هذا وقت التسليم، فإننا نقول لهم: نعم، هذا وقت التسليم، لكن لما منع السلطان المعاملة بها كنقد ثبتت القيمة من حين المنع.
(يَردُّ المثل في المثليات) يرد مَن؟ المقترِضُ المِثْلَ في المثليات، والقيمة في غيرها، ذكرنا فيما سبق أن المثليات على المذهب كل مكيل أو موزون، لا صناعة فيه مباحة، بل يصح السلم فيه، فخرج بذلك كل ما ليس بمكيل ولا موزون، فليس بمثلي وإن تماثلا، فالأقلام من صنعة واحدة يقولون: ليست مثلية، والسيارات من صنعة واحدة، ما هي مثلية، والفناجيل من صنعة واحدة، ما هي مثلية، وهكذا..، ولكنه سبق لنا أن القول الراجح في المثليات أن كل ما له مثيل أو نظير حتى ولو كان حيوانًا فإنه مثلي.
قال: (والقيمة في غيرها) يرد القيمة في غيرها؛ أي: في غير المثليات، مثل -على المذهب- الحيوان؛ استقرضت منك شاة، على القول الراجح أرد عليك شاة مثلها؛ ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم استقرض بَكْرًا، فرد عليها رباعيًّا (3)، من جنسها، ولكنه خير منها.
هم يقولون: إذا استقرضت شاة من شخص، فالواجب عليَّ قيمتها، قيمتها متى؟ وقت القرض، من يوم استقرضتها منه أذهب إلى أهل الخبرة في السوق وأقول: كم تساوي هذه الشاة؟ فإذا قالوا: تساوي -مثلًَا- مئتين، صار الواجب عليه الآن مئتا ريال، ما يجب عليه شاة، يجب عليه مئتا ريال؛ لأنها القيمة؛ ولهذا قال: (يرد القيمة في غيرها).
متى تعتبر القيمة؟ هذا ما ذكره المؤلف، متى تعتبر؟ تعتبر وقت القرض، انتبه، تعتبر وقت القرض، وقيل: إنها تعتبر وقت القرض، إلا في الجواهر ونحوها مما يتغير بسرعة فإن المعتبر قيمته وقت القبض، ولكن الصحيح أن المعتبر القيمة وقت القرض؛ لأنه هو الوقت الذي ملكت فيه ما أقرضني.
فإذا قال: أقرضتك هذه الجوهرة، والجواهر ما هي من المثليات؛ لأجل تعذر المماثلة فيها، ولكنها بقيت بيده ولم أستلمها إلا بعد العصر مثلًا، فالمعتبر قيمتها وقت القرض الذي هو الضحى.
أما القول الثاني فيفرقون بين الجواهر ونحوها.
فإن أعوز المثل؛ يعني: استقرضت مثليًّا ولكن أعوز المثل، ومعنى (أعوز) أي: تعذر أو تعسر، تعذر المثل أو تعسر، أما تعذره فأن يُفْقَد، ما يوجد، هذا يُسَمَّى تعذرًا، وأما التعسر فأن يكون بعيد المنال أو بعيد المكان؛ يعني -مثلًا- يوجد، لكن أين يوجد؟ قالوا: يوجد في الصين الشيوعية، ويش هذا؟
طالب: بعيد المنال.
الشيخ: بعيد المنال؟ لا، بعيد المكان الظاهر أو لا؟ هو رخيص هناك، لكنه بعيد المكان.
بعيد المنال؛ موجود لكن بدل ما كانت قيمته مئة صار الآن قيمته ألفًا؛ يعني غلا غلاءً عظيمًا، هذا بعيد بعيد المنال.
وقد يكون بعيد المنال والمكان؛ مثل لو كان في مكان بعيد وغالٍ جدًّا، وما هو متعذر، موجود، لكن في (... )؛ ولهذا المؤلف قال: (إن أعوز المثل) ليشمل التعذُّر والتعسُّر.
(فإذا أعوز المثل فالقيمة إذن) ويش معنى (إذن)؟ أي: وقت الإعواز.
فإذا قال: واللهِ الآن فُقِدَ من الأسواق، سُحِب ما هو موجود؟
نقول: العبرة بقيمته وقت إعوازه؛ يعني: قبل أن يُعْدَم؛ لأنه إذا تعذر الأصل رجعنا إلى البدل، فلما تعذر المِثْل رجعنا إلى القيمة.
ثم قال المؤلف: (ويحرم كل شرط جرَّ نفعًا) (يحرم كل شرط) يحرم؛ يعني: على المقرِض، (كل شرط جر نفعًا) نفعًا لمن؟ نفعًا للمقرِض حرام، وإذا كان حرامًا على المقرِض فهو حرام على المقترِض؛ لأنه من باب الإعانة على الإثم، فكل شرط يجر نفعًا للمقرِض فهو حرام؛ لأنه إذا دخله الشرط الذي يجر النفع صار من باب المعاوضة، فصار ربًا؛ ولهذا عبَّر بعضهم بقوله: كل شرط جر نفعًا فهو ربًا.
مثال ذلك: أقرضتك عشرة آلاف ريال على أن تعطيني معها ساعة إلكترونية عند الوفاء، صار المقصود بالقرض فاسد؛ المنفعة الدنيوية، فيكون ربًا؛ لأنك أعطيتني ما أعطيتك وزيادة، فيكون ربًا، أقرضتك عشرة آلاف ريال على أن تعطيني السيارة أَصِل بها إلى بُريدة وأرجع بعد ساعتين، يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؛ لأنه جرَّ منفعة للمقرِض، كل شرط جر منفعة للمقرض فإنه حرام؛ لأنه يُخْرِج القرض عن موضوعه الأصلي؛ وهو الإرفاق والإحسان، وقد ورد لكنه حديث ضعيف: «كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً فَهُوَ رِبًا» (4)، لكنه ضعيف، أما معناه فصحيح.
يقول المؤلف: (وإن بدأ به بلا شرط) من اللي بدأ به؟ المقترِض، (بدأ به) أي: بما فيه المنفعة، (بلا شرط) فإنه يجوز، لكن بشرط أن يكون بعد الوفاء.
مثاله: لما أقرضت هذا الرجل مئة ألف ريال وأوفاني إياها، بعد ذلك أرسل بهدية، فهل هذا جائز؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه بعد الوفاء، هذا معنى قولهم: بدأ بلا شرط.
(أو أعطاه أجود) يعني: أجود مما استقرض، استقرض منه بُرًّا وسطًا، فأوفاه بُرًّا جيدًا، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، ودل على ذلك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بَكْرًا فرد خيارًا رباعيًّا (3). هذا جائز.
فإن أعطاه أكثر، ما هو أجود؛ يعني: أفضل بالكمية لا بالكيفية، يجوز ولَّا لا؟ المذهب لا يجوز؛ يعني: أقرضه ألفًا فأوفاه ألفًا ومئة بدون شرط فإنه لا يجوز على المذهب، والصحيح أن ذلك جائز، ما دام هذا بلا شرط فإنه يجوز.
لكن قد تقول لي: إذا جوَّزت هذا لزم أن تجوِّز الفوائد البنكية؛ لأنك تعطي البنك -مثلًا- مئة ألف، ويعطيك بعد سنة مئة وعشرة، فهذا أكثر عددًا؟
فالجواب على هذا: أن البنك تعتبر زيادته هذه مشروطة شرطًا عرفيًّا ولَّا لفظيًّا؟ شرطًا عرفيًّا، والشرط العرفي كالشرط اللفظي؛ يعني: هذا معلوم من تعامله، لكن من أخذ في حروف أقوال أهل العلم قال: إنه يجوز أخذ الفوائد البنكية؛ لأن الإنسان حينما أعطاهم الدراهم ما اشترط عليهم أن يوفوه أكثر، مع أن المذهب -كما تعلمون المذهب الحنبلي- يرون أنه لا يجوز قبول الأكثر، يجوز قبول الأجود دون الأكثر، فيكون الفضل في الكيفية جائز، والفضل في الكمية غير جائز، لكن على القول بالجواز لا ترد علينا مسألة البنوك؛ لأنها مشروطة شرطًا عرفيًّا، فهو إذا قال لك: تريد أن يكون حسابًا جاريًا أو حسابًا بنكيًّا؟ تقول: أبغي حسابًا بنكيًّا، أيش معنى ذلك؟
طالب: يريد الفوائد.
الشيخ: أنك تريد الفوائد، فهذا شرط عرفي، ما مشروط بلفظ.
(أو أعطاه هدية بعد الوفاء) أعطاه مَن؟ المقترِض، (هدية بعد الوفاء) لكن بلا شرط، فإن ذلك جائز.
لو قال: أنا أعطيك قرضًا مئة ألف على أن تزوجني ابنتك، شو؟ يجوز ولَّا لا؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: قال: أنا ما شرطت مالًا، شرطت أتزوج البنت وبعطيها مهرًا، ما تقول؟ هذا ما يجوز؛ لأن فيه منفعة، وصار معاوضة، صار ما أراد به وجه الله، أراد به امرأة يتزوجها.
قال: أنا بقرضك مئة ألف على أن تأجرني بيتك لمدة سنة، لكن لاحظ إذا قال: على أن تؤجرني بيتك لمدة سنة وأنا بعطيك إيجارًا كاملًا، البيت بمئة ألف، أعطيك مئة ألف؛ يعني: بعشرة آلاف أعطيك عشرة آلاف كاملة، ما أنقصك ولا قرشًا، وبيتك الآن متعطل وأنا محتاج إليه؟
طالب: قرض جر نفعًا.
الشيخ: ويش المنفعة؟
الطالب: لأنه قد يكون ما يريد يأجرها عليه، يصبر يضطر يتسلم من واحد ما يرضاه.
طالب آخر: قد تكون قيمة البيت أربعين؛ قيمته الحقيقية.
الشيخ: لا، هو البيت الآن يساوي عشرة آلاف، أنا بعطيك أحد عشر ألفًا؛ لأني في حاجة.
طالب: (... ).
الشيخ: هي على المذهب ما تجوز، ما فيها شيء؛ لأنها إن لم تكن منفعة فهي شرط عقد في آخر.
طالب: لماذا لا يصح هذا العقد؟
الشيخ: هو ذات نفسه ما فيه إشكال، لكن الكلام إذا قاله بشرط، نقول كما قال الأخ: لأنه لولا أنه لا يريد أن يؤجره ما جعل التأجير شرطًا في القرض، ولَّا لا؟ هو سوف يضغط على نفسه بتأجير هذا الرجل وإن كان يكره أن يؤجره؛ من أجل القرض.
يقول المؤلف رحمه الله: (وإن تبرَّع لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز) تبرَّع مَن؟ المقترِض تبرَّع لمقرضه بشيء لم تجر عادته به قبل الوفاء فهو ما يجوز، وبعد الوفاء جائز، كما سبق في الهدية، أما قبل الوفاء فلا يجوز.
هذا رجل استقرض مني عشرة آلاف ريال، وكان يسافر يمينًا وشمالًا ويقدم من السفر، ولا أعرفه ولا يعرفني إذا قدم من السفر، أقرضته عشرة آلاف ريال، وسافر بعد ذلك، ولما رجع قدَّم إليَّ هدية للأولاد؛ كيس حلوى وسيارة صغيرة (... ) ومجرار، وما أشبه ذلك، قال: هذه هدية للأولاد يفرحون بها، أيش تقولون في هذا؟
طالب: الله أعلم.
الشيخ: تبرع، ما أوفى إلى الآن؟
طالب: لا يجوز.
طالب آخر: يجوز.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه ما هي بعادة، كل النهار يجي ويروح ويسافر ما عمره أعطانا شيئًا للأولاد، أعطاني الهدية للأولاد بعد القرض، نقول: هذا لا يجوز.
(إلا أن ينوي مكافأته) أن ينوي المقرض مكافأته على ذلك، (أو احتسابه من دين) يعني: قبله، لكن نيته أنه يكافئه على هذا أكثر مما أعطى (... )، هذا اللي أعطاه للأولاد يساوي عشرين ريالًا، أخدته أنا حتى لا أكسر قلبه برد الهدية، لكن من نية أنني أعطيه أكثر؛ يعني: أعطيه مثلما أعطاني؛ يعني أن أهدي إليه شيئًا يساوي عشرين ريالًا، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
(أو احتسابه من دينه) بأن أنظر كم تساوي هذه الهدية، وأسقطها من الدين، أخصمها من الدين، هذا لا بأس به أيضًا؛ لأني الآن هل أخدت نفعًا لنفسي؟
الطلبة: لا (... ).
الشيخ: وقدَّمها لي وقال: من كان يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، أيش تقولون؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: نعم؟
الطلبة: (... ) ما جرت العادة.
الشيخ: لا، ما جرت العادة، لا أصلًا هو ما..، أنا الآن رايح للصديق؛ يعني لو أني استضفته قبل أن أقرضه يمكن يضيفني ما يتركني، يقول الفقهاء: تُحسَب الضيافة من الدَّيْن، ويَعُدُّ كم أكلت من تمرة؟ وأهل اليمن يبيعون التمر بالعدد، كم أكلت من تمرة؟ كم أكلت من خبزة؟ برتقالة؟ يحسبها جيدًا ويُسقَط من الدَّين، هذا هو المذهب.
لكن ذكر صاحب الفروع أنه يتوجه ألَّا يُحْسَب ذلك من الدين، الضيافة ما جرت العادة بأنها تعتبر هدية، إلا إذا كان الرجل المقرِض تعمد ذلك؛ بأن كان البلد فيه فنادق وفيه محلات للأكل والشرب، لكن قال: بدل ما أروح أخسر في الفندق ثلاث مئة ريال أو مئتين ريال، هروح أنزل على اللي أنا أمس محسن عليه بالقرض، فإذا تعمد ذلك فربما نقول: إن هذا لا يجوز؛ لأنه الآن جرَّ إلى نفسه نفعًا بوقاية ماله من الضرر، الذي سيدفعه للفندق.
طيب، الدعوات ما هي ضيافة، دعوات؛ يعني هذا الرجل حصل عنده مناسبة -المقترِض- وليمة عرس، أو وليمة قدوم غائب، أو وليمة ختان، أو ما أشبه ذلك، فدعاني كما يدعو الناس، هل أجيبه، ولَّا أقول: والله أنا مقرضك ولن أجيبك؟
الطلبة: يجيبه.
الشيخ: هذه أجيبه، حتى على المذهب يقولون: هو في الدعوات كغيره؛ ولهذا القاضي إذا دعاه أحد من أهل البلد التي هو قاطن فيها يقول: واللهِ أنا قاضٍ ما أجيب دعواك، أخشى تكون هذي رشوة، أو يجيب؟
طالب: يجيب.
الشيخ: يجيب، إي نعم.
يقول: (وإن أقرضه أثمانًا فطالبه بها ببلد آخر لزمته) إن أقرضه أثمانًا فطالبه بها ببلد آخر لزمته، لزمت مَن؟
طالب: المقترض.
الشيخ: المقترِض؛ يعني: أقرضته دراهم في بلدنا هنا، واتفقت معه في مكة، وطالبته بها، يجب عليه يوفيني ولَّا لا؟ يجب عليه يوفيني، هذا إذا كان معه شيء، أما إذا لم يكن معه شيء فهو معسِر، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، فإن قال هذا المقرِض: نعم، والآن ما معه شيء، ما معه إلا مقدار نفقته فقط، لكنه غني يستطيع أن يذهب إلى أي دكان ويقول: أقرضني، هل يجوز لي أن أطالبه؟ أما فهمتهم الصورة؟
أنا أقرضته ألف ريال هنا في بلدي، واتفقت معه في مكة حجاجًا وقلت له: أعطني ألف ريال، قال: والله ما عندي إلا نفقتي التي تؤديني إلى بلدي، قلت له: أنت غني تستطيع تروح لأي محل من المحلات وتقول: أقرضوني، هل يجوز لي مطالبته؟
طالب: يجوز.
الشيخ: لا، ما يجوز؛ لأنني إذا طالبته فسوف لا يوفيني إلا بعد إثقال ذمتي، فهو الآن معسر، لكن إذا كانت الدراهم معه، معه دراهم وطالبته بالقرض ببلد آخر، قال: والله أنا استلفت منك في بلدي، ما أوفيك إلا في البلد الذي أقرضتني فيه، لي الحق أن ألزمه؛ ولهذا قال: (لزمته) بخلاف ما سبق في باب السَّلَم، باب السَّلَم أين يكون الوفاء؟
الطلبة: في موضع العقد.
الشيخ: في موضع العقد، والفرق بينهما: أن السلم من باب المعاوضات، وهذا من باب الإحسان، فأنا الآن محسن إليك، وأنت الآن ما عليك ضرر أن تعطيني الدراهم في البلد الآخر، أعطني إياها؛ ولهذا يُفَرَّق هنا بين الدين القرض ودين السلم.
طالب: وأيش المحظور منه؟ إذا الإنسان اللي أقرض وُجد الإحسان ولَّا ما وُجد، ما (... ) في المسألة، وهذه إن كان (... ) الإحسان (... ) المذهب؟
الشيخ: يقول: إذا أوفيت (... ).
الطالب: فيه دليل؟
الشيخ: إي، فيه، الدليل أنه قرض جر منفعة؛ لأنه ربما إذا أعطاك هدية ربما تنظره من أجل هديته، كلما خاف أنك تطلب منه جابلك هدية، لنفرض أنك (... ) الفرَّان، الفرَّان كل يوم يجيب لك لفة خبز هدية علشان ما تطالبه، إذن صار شبه ربًا، أو -مثلًا- أقرضت الجزار، كل يوم يجيب لك كيلو لحم من أطيب لحم الغنم.
طالب: ما (... ) ما عندي (... )؟
الشيخ: كيف (... ) هذه نيته نظن أو نعلم علم اليقين هذه نيته، وأنت قلت: طبيعة الإنسان النفوس البشرية، لكن هذا واحد يحسن إليك، كل يوم يجيب لي هدية، أروح أطالبه أنا! بل ربما إذا كأني بخيل، أقول: الحمد لله، جاب الله لي واحد ما يكفيني شراء اللحم كل يوم، الحمد لله، خلِّ يبقى عشر سنين ما دام بيكفني أكل لحم أو عيش وخبز.
طالب: شيخ، (... ) أحسن إليه؟
الشيخ: وين؟
الطالب: هذا الرجل بالنسبة للصورة اللي ذكرتم (... ) ما جزار ولا عطار.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وأحضر هدية ما هي تكون بسيطة، ما أنا بقول: أنا بحسن إليك وما عندي كذا (... )؟
الشيخ: إي نعم، نقول: كل شيء قبل الوفاء جر منفعة، أنت -الحمد لله- ما عليك طلبه، بدل ما أنك طالبته وتكسر خاطره، نقول: أقبلها، ولكن احتسبها من الدين وقل: إنك كافأته، أما بعد فلا بأس؛ لأن الكل يخشى، كل العلماء يخشون من أنه يتمدد عدم المطالبة من أجل ملاحظة هذه الهدايا.
طالب: نحن نرفق بالقرض؟
الشيخ: إيوه قرض، كيف يسمونه؟
طالب: نحن نرفق بالقرض؟
الشيخ: كيف ترفقون به؛ لأن القرض قد يكون الإنسان محتاجًا وقد يكون غير محتاج، حتى الغني يجوز يقترض، القرض ينتفع به، كيف لا ينتفع؟
الطالب: كيف يكون الإرفاق؟
الشيخ: الإرفاق يعني بدل ما يكون عنده مليون وأعطيه أنا مليون صار عنده مليونين، يروح يراضيه يصيبه التجارة، هذا الإرفاق.
طالب: هذا مالي، نقول: لا يجوز؛ يعني: على أنه تبرع.
الشيخ: إن تبرع لمقرضه لم يجز للمقترض.
الطالب: إلا أن ينوي المقرض.
الشيخ: إلا أن ينوي المقرض.
الطالب: النية مسقطة؟
الشيخ: إي، عندنا الآن لم يجز للمقترض ذلك؛ يعني: ولا يجوز للمقرض قبوله، إلا أن ينوي المقرض، فعبارة المؤلف فيها شيء من الركاكة؛ لأن اختلاف الضمائر فيها، اختلاف الضمائر يجب أن العبارة تقدر على وجه سليم، فيقول: لا يجوز للمقترض أن يتبرع لمقرضه بشيء إلا إذا نوى المقرض، أو نقول أيضًا: وإن تبرع لمقرضه بشيء قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز للمقرض قبوله، إلا أن ينوي مكافأته.
طالب: لو أن رجلًا أحسن إلى رجل (... )؟
الشيخ: القرض الأصلي، طيب ونحن نريد الآن (... ) نناقش بعد، وسبق لنا أنه إذا أعطاه أجود مما أخذ فليس به بأس، وأنه إذا أعطاه أكثر مما أخذ، المذهب لا يجوز، وأن الهدية إن كانت قبل الوفاء فحرام، إلا أن ينوي مكافأته، أو احتسابه من دينه، وإن كانت بعد الوفاء فلا بأس بها؛ لأنها من باب المكافأة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ» (5).
وسبق أنه إذا أقرضه أثمانًا فطالبه بها بالبلد الآخر فإنه يلزمه تسليمها، وذكرنا الفرق بينه وبين دين السَّلَم؛ لأن دين السلم لما كان معاوضة صار الواجب أن يوفى في محل العقد، بخلاف القرض فإنه إحسان وتبرع محض، فإذا طلبه صاحبه ولو في بلد آخر لزمه، ولكنا قلنا: ينبغي أن يقيِّد ذلك بما إذا لم يكن عليه ضرر، وبما إذا لم يكن معسرًا، أما إذا كان معسرًا فقد ذكرنا دليله أمس.
وأما إذا كان يلزمه الضرر فدليله قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ» (6)، الضرر مثل أن يكون المستقرض أتى بمال إلى هذا البلد ليشتري به سلعًا ليتكسب بها، هذا الرجل لما رأى أنه إذا اشترى سلعًا بيجي مكسب جيد، فطلب (... ) علشان يضره ما يشتري، نقول: هذا أيضًا لا يجوز.
قال المؤلف: (وفيما لحمله مؤونة قيمته) (فيما) أي: في الذي لحمله مؤونة قيمته؛ قيمة ذلك المحمول، ويش معنى هذا؟ معنى ذلك أنه إذا كان المقرَض -يعني الذي أُقرض- لحمله مؤونة فإنه لا يلزم المقترِضَ إلا قيمته.
مثال ذلك: كنت قد أقرضته مئة صاع بُر، فلما وصلنا إلى مكة طالبته بها، مئة صاع البُر لحملها مؤونة ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، هي ما تُحمل إلا بأجرة كبيرة، فأنا إذا طالبته ما يلزمه أن يوفيني، كأنه يقول: هذه لها مؤونة حملها، فماذا يجب؟
يقول المؤلف: تجب قيمته لا مثله، وهذه كالمستثناة مما سبق في قوله: (يرد المثل في المثليات)، لكن قال: (إن لم تكن ببلد القرض أكثر) هو عندنا (أنقص)، لكن صوابها (أكثر)، (إن لم تكن في بلد القرض أكثر)؛ لأنه إن لم تكن في بلد القرض أنقص من باب أولى أن تجب القيمة؛ لأن المقرِض لا ينتقص بذلك؛ يعني -مثلًا- مئة الصاع طالبته إياها بمكة، تساوي في مكة مئتي درهم، وتساوي في بلد القرض مئتين وخمسين، لو أعطاه القيمة الآن يتضرر ولَّا لا؟ يتضرر؛ لأنها في بلد القرض مئتين وخمسين، وفي البلد الثاني بمئتين، ففيها نقص عليه، فإذا كان في بلد القرض أكثر فإنه لا يلزم المقرِض قبول القيمة، أما إذا كانت ببلد القرض أنقص هو بيقبل القيمة ولَّا لا؟ يقبلها من باب أولى؛ لأن إذا كانت ببلد القرض مئة الصاع تساوي مئتين، وفي بلد الوفاء تساوي مئتين وخمسين، أخذت مئتين وخمسين، فيها ضرر ولَّا لا؟ فيها ضرر على المقرض ولَّا ما فيها؟
طالب: لا.
الشيخ: ما فيها ضرر، ليس فيها ضرر على المقرِض.
فإذا قال المقترِض: أنا أريد أن أوفيك هنا، ولكن القرض لحمله مؤونة، وقال له: طيب أجل إذن آخذ القيمة، وكانت القيمة في البلد الذي فيه الوفاء بمئتين وخمسين، وفي بلد القرض مئتين، ففي هذه الحال يُلزم ذلك بأخذ القيمة؛ وذلك لأنه أربح له، أما لو كانت أنقص بدلالة القرض، فيقول: ما يمكنني أخذه بمئتين، وأنا ما أجده في بلدي إلا بمئتين وخمسين.
والحاصل أن المقترِض إذا أراد أن يُوفي في غير محل القرض فإن المقرِض يُلزم بذلك، إلا فيما لحمله مؤونة فلا يُلزم، ولكن يُعطى القيمة إن لم تكن ببلد القرض أكثر، فإن كانت أكثر فإنه لا يلزمه أخذ القيمة؛ لما عليه من الضرر.
وقول المؤلف: (أنقص) نبَّه الشارح على أنها خطأ، وأن الصواب: (إن لم تكن ببلد القرض أكثر).
[باب الرهن] (باب الرهن)
الرهن في اللغة: الحبس والثبوت والدوام، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38] أي: مرتهنة محبوسة، والحبس يلزمه الثبوت والدوام، هذا في اللغة، أما في الشرع فإنه: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها، توثقة دين بأيش؟
طالب: بعين.
الشيخ: بعين، يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها.
مثال ذلك: في ذمتي لك ألف ريال فأرهنتك سيارة، لا بل أرهنتك مسجلين، الآن اللي وثَّقناه؟
طالب: عين.
الشيخ: لا، اللي وثَّقته الدين وموثَّق به العين، هذه العين يمكن استيفاء الدين من بعضها؛ لأن المسجل يساوي مئة ريال، فيمكن استيفاء الدين من بعضه، فإذا كان الرهن أكثر من الدين فإنه يمكن استيفاء الدين من بعضه، وإذا كان الدين أكثر منها من العين المرهونة صار يمكن استيفاء بعضه منها، وإذا كان الدين بقدر العين صار استيفاؤه كله منها كلها، فالأقسام إذن ثلاثة: إما أن تكون العين المرهونة أكثر من الدين، أو يكون الدين أكثر من العين، أو يكونا متساويين.
إذا كانت العين أكثر من الدين صار يمكن استيفاؤه كله من بعضها، وإذا كان الدين أكثر من العين صار يمكن استيفاء بعضه منها، وإذا كان مثلها صار يمكن استيفاؤه كله منها كلها.
ثم على أن الرهن أحد الطرق التي يكون بها توثقة الحق، وهي ثلاثة: الشهادة، والرهن، والضمان، ومنه الكفالة أيضًا، وكلها موجودة في القرآن؛ أما الشهادة فقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِه﴾ [البقرة: 282]، وأما الرهن فقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، وأما الضمان فقوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: 72] أي: كفيل وضامن.
فهذه الأمور الثلاثة يكون بها توثُّق صاحب الحق لحقه أو لا؟ ولهذا من التفريط أن تتعامل مع شخص بدون شهادة ولا رهن ولا ضمان، تكون مفرطًا.
حكم الرهن جائز بالنص والإجماع، والنص من الكتاب ومن السنة، فلنقول: بالنص والإجماع والنظر الصحيح، فأدلته أربعة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح.
أما من القرآن فعرفتموه؛ قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283].
وأما من السنة فهي أيضًا قولية وفعلية؛ قولية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» (7)، وأما الفعل: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ودرعه مرهونة عند يهودي (8).
وأما الإجماع فالمسلمون مجمعون على ذلك، وهو معلوم.
وأما النظر الصحيح وهو القياس: فلأن الإنسان في حاجة إلى ذلك، الناس يحتاجون إلى هذا الأمر، وما احتاج الناس إليه ولم يكن فيه خلل في عبادتهم كان القياس أنه أيش؟ جائز ولَّا ممنوع؟
الطلبة: جائز.
الشيخ: أنه جائز، ومن أجل مصلحة الرهن للطرفين، وليس فيه ما يُخِلُّ بالعبادة أو بالعقل أو بالمال، الحيثيات المعروفة عندهم فهو جائز.
بقينا في التعريف: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها، من هذا التعريف نعرف أنه لا يصح الرهن بالمنافع ولا يصح الرهن بالدين.
مثال الرهن بالمنافع: أن أقول: رهنتك منافع هذا البيت -مثلًا- فإنه لا يصح، لماذا؟ لأنه ليس بعين، بل نقول: ارهنه البيت، فإذا قال البيت: وقف لا يمكن بيعه، أنا برهن المنافع؛ استغلاله، نقول: ما يصح، هذا على التعريف اللي ذكرنا.
الدين؛ مثل أن يقول: رهنتك ديني الذي في ذمة فلان لي، رهنتك إياه، واذهب إلى فلان، تذهب إلى فلان تقول: ترى الدين اللي في ذمتك مرهون لفلان، وإذا (... ) فإنه لا يتمكن من إيفائه حتى يأذن المرتهن، لكن هل يصح هذا ولَّا ما يصح؟ على التعريف اللي ذكرنا لا يصح، والصحيح أنه يصح الرهن في الدين والمنفعة؛ لأن المقصود التوثقة، وهي حاصلة بهذا وبهذا.
يقول: (يصح في كل عين يجوز بيعها) (في كل عين) خرج به الدين والمنافع فلا يصح رهنهما، ولا حجة لهم في ذلك، إلا أنهم يقولون: لأن الاستيفاء الكامل لا يكون إلا بالعين؛ لأن الدين الذي على فلان الذي رهنته إياه فأنا لا أستفيد منه، كما أني أطالبك بدينك، والثاني إذا رهنتني دينه أطالبه به، إذن ما استفدت شيئًا، كل من الدينين في ذمة المطلوب.
ولكن نقول ردًّا على هذه الشبهة: إن توثقة الدين بالدين نافعة للدائن، وأيش (... ) النفع؟ قد يكون رجائي لحصولي على الدين من فلان أقوى من رجائي من حصوله منك أو لا؟ مثلًا أنا بعت عليك هذا الشيء بمئة ألف ريال وأنت معسر، لكن لك دين على فلان الموسر، فرهنتني إياه، هل استفدت من هذا الرهن ولَّا لا؟
طالب: نعم، استفدت.
الشيخ: استفدت بأنه إذا حل الأجل ولم توفني أذهب إلى فلان وأطالبه وهو موسر بكل سهولة يعطيني هذا الدين، أما المنافع فكذلك أيضًا، صحيح أن المنافع بها أعيان، لكن أنا أنتفع إذا رهنت لي منفعة هذا البيت أنتفع بها؛ أؤجره وآخذ الأجرة تكون رهنًا، ففيه فائدة، وليس هذا من باب المعاوضة، حتى نقول: إن المنفعة مجهولة، بل هذا من باب التوثقة؛ لأنني حصلت على شيء، وإلا رجعت على مَن؟
طالب: على الأصل.
الشيخ: على الأصل الذي رهنني هذا الشيء.
وقول المؤلف: (يجوز بيعها) أفادنا أنه لا يصح رهن ما لا يجوز بيعه، فلو أن ذميًّا رهن مسلمًا خمرًا، يصح ولَّا لا؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لأنه ما يجوز بيعها.
الشيخ: لأنه لا يجوز بيعها، وإذا لم يجز بيعها فما الفائدة من الرهن؟ ما فيه فائدة، فلا يصح رهن ما لا يجوز بيعه.
طيب، رهنتك ما في بطن هذه الشاة؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، السبب: لأنه ما يجوز بيعه، ولكن الصحيح أنه يصح رهنه؛ لأن الرهن -كما قلنا- ليس هو عقد معاوضة حتى نقول: لا بد من تحريره وعلمه، هذا الحمل الذي في البطن لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون أكثر مما توقعت، أو يكون أقل، أو يموت، أو يكون مساويًا، أربع حالات.
إذا كنت أعطيتك حاجة بعشرة ريالات ورهنتك ما في بطن هذه الشاة، وكنا نتوقع أنه لا يوجد في بطنها إلا سخلة واحدة بعشرة ريالات، فماتت السخلة؛ خرجت ميتة، أو خرجت مريضة بحيث لا تساوي عشرة، هل ضاع حقي؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ما ضاع، غاية ما هنالك أن الوثيقة التي كنت أؤمل عليها نقصت أو عُدمت، ولكن حقي باقٍ.
طيب، لو صار الحمل هذا..، لو خرج سخلتان زاد عن الحق، ويجوز أن أرهن عينًا أكثر من الدين، فما دامت المسألة توثقة فقط والحق باقٍ لن يضيع، والصحيح أنه جائز، والرسول عليه الصلاة والسلام إنما نهى عن بيع الغرر (9).
وفرق بين البيع الذي يقصد فيه التحري في مقابلة العوض بالعوض وبين شيء لا يُقْصَد فيه إلا التوثقة؛ إن حصلت فهي كمال، وإن لم تحصل حقي باقٍ.
أما مسألة الخمر، فنعم الخمر لا يجوز؛ لأنه لا يمكن أن يصح عليه العقد بإطلاقه.
لو رهنتك مُلك زيد، أنت تبغي تعطيني -مثلًا- قرضًا عشرة آلاف ريال، كتب لي رهنًا، قال: أبغي أرهنك بيت أخوي، ولا بيني وبينه شراكة، بيت أخي، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: ما يجوز.
الشيخ: ليش ما يجوز؟ لأني ما أملكه، ما أملك العقد عليه، إذا قال الراهن للمرتهن: أنا برهنك بيت أخوي (... )؟ نقول: نعم، كلمة (... ) هذه شيء غير كلمة (... ) ما كل هذا الشيء، إذا صرت (... ) عليه فأروح أنا وإياك إلى أخيك، وإذا وافق (... ) نشوف.
(يجوز بيعها حتى المكاتب) (حتى) هذه إشارة خلاف، وقد ذكر بعض المحشين أن العلماء إذا قالوا: (حتى) فهو خلاف ضعيف، وإذا قالوا: (لو) فهو خلاف قوي، وإذا قالوا: (إِنْ) فهو متوسط، ولكن هذا غير قاعدة، ما هي مطردة.
(حتى المكاتب) من المكاتَب؟ المكاتَب هو: العبد الذي اشترى نفسه من سيده، مثاله؟
طالب: لو عنده عبد، العبد هذا قادر على أن يتعيش، يشتغل مثلًا، فيقول لسيده: كاتبني حتى أعمل وأعطيك العوض.
الشيخ: وأكون حرًّا.
الطالب: إي، هذا جائز.
الشيخ: هذا جائز، المكاتب هو: العبد الذي اشترى نفسه من سيده، مثاله: أن يقول العبد لسيده: أنا أحب أن أتحرر، ولا أحب لك الخسارة، أبغي أشتري نفسي منك بمئة ألف مؤجلة خمس سنوات، فيقول السيد: نعم، يجوز هذا ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، أنا الآن لي مكاتب، فاستقرضت من شخص مئة ألف درهم ورهنته مكاتَبِي، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن هذا المكاتَب يجوز بيعه، ولأن المرتهن سينتفع بهذا الرهن؛ لأن هذا المكاتب إن عجز عاد رقيقًا وأمكنني بيعه، وإن قدر فإن كسبه في هذه المدة يكون رهنًا، وهذا مما يؤيد القول بجواز الرهن إذا كان منفعة؛ لأن المكاتب الآن ليس لي سبيل إلى أن يقول: ببيعك الآن (... ) ما يمكن، إلا إذا إذا عجز، أما ما دام قادرًا ويوفي الآجال اللي عليه يمكن أن أبيعه، لكن هذه الآجال وهذه الدراهم التي يعطينا إياها تكون رهنًا؛ لأنه مغلة الرهن.
يقول المؤلف: (يصح مع الحق ويصح أيضًا بعده) فيه قسم ثالث: أن يكون قبل الحق، فقبل الحق لا يجوز، وبعد الحق جائز، ومع الحق فيه خلاف، والصحيح الجواز قبل الحق؛ مثل أن يقول لشخص: أنا ببيع عليك البيت، ولكن أريد ترهن لي بيتك، فيقول: رهنتك بيتي بثمن البيت الذي سأشتريه منك، فهذا ما يصح؛ لأن الرهن فرع عن ثبوت الدين، وما دام لم يثبت دين على الراهن فإن الرهن لا يصح، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، إلى قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، فهذا يدل على أن الرهن يكون متى؟ يكون بعد الحق.
ويصح أيضًا مع الحق؛ مثل أن يقول: بعتك هذا الشيء بمئة درهم على أن ترهنني بيتك، فيقول: قبلت، هذا العقد الآن تضمن بيعًا ورهنًا، يجوز الرهن هنا؛ لأنه صادف ثبوت شيء في ذمة الراهن، فالاقتران هنا جعله مصادفًا لثبوت شيء في ذمة الراهن فصح.
حكم الرهن، يقول المؤلف: إنه يجوز، وليس بواجب، وليس بمستحب، وليس بحرام، ولكنه جائز.
وهل يجوز في الحضر والسفر؟
طالب: فيه خلاف.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: يجوز؛ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي في المدينة (8).
وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: 283] فلأن الحاجة هنا تدعو إلى الرهن أكثر مما إذا كان في الحضر ووجد كاتبًا؛ لأنه إذا كان في الحضر ووجد كاتبًا توثق به لحقه، بماذا؟ بهذا الكاتب، فإذا كان على سفر ولم يجد كاتبًا فإنه يحتاج إلى الرهن أكثر؛ ولذلك الذين قالوا: إن الرهن لا يصح إلا في السفر تناقضوا؛ قالوا: يصح في السفر ولو مع وجود الكاتب، مع أن الله يقول: ﴿إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾ [البقرة: 283]؛ ولهذا الصحيح ما ذهب إليه المؤلف الجواز مطلقًا.
قال: (يصح بدين ثابت، ويلزم في حق الراهن)، (بدين ثابت) يعني: أن الرهن لا يصح إلا إذا كان الدين الذي وُثِّق ثابتًا على المدين.
مثاله: اشتريت منك هذا البيت بمئة ألف، وأنا ما عندي دراهم ورهنتك أرضًا لي، يصح هذا ولَّا ما يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأن الدين ثابت، الدين ثبت بمقتضى البيع، فإن كان الدين غير ثابت فإنه لا يصح؛ مثل الدين الذي على العاقلة، الدين اللي على العاقلة غير ثابت، الدين اللي على المكاتب غير ثابت.
فلو أن أحدًا جاء إلى عاقلة في شخص قاتل خطأ، وقال: أعطوني الدية، قالوا: الدية مؤجَّلة، قال: أعطوني بها رهنًا، وإلا حبستكم الآن، فإن رهنه هنا لا يصح، لماذا؟ لأن الدية ليست دينًا ثابتًا؛ إذ إنها لا تجب إلا على العاقلة إذا كانوا أغنياء في وقت الدفع، وهذا أمر غير محقق.
كذلك المكاتب إذا اشترى نفسه من سيده، وقال السيد: أنا أريد أن ترهنني شيئًا، فإنه لا يصح؛ لأن الدين اللي على المكاتب غير ثابت، بدليل أنه لو أعجز نفسه قال: والله أنا ما أقدر، الآن ما أقدر أوفي، هل يلزمه السيد؟ لا، ولكنه يعود إلى الرق.
وقول المؤلف: (بدين ثابت) ظاهره أن الرهن بالعين لا يصح؛ يعني معناه: إذا كان المرهون له عينًا فإنه لا يصح.
مثل: جاءني رجل وقال: أعطني السيارة أتجول عليها -مثلًا- فقلت: نعم، لكن أريد أن ترهنني شيئًا، يصح ولَّا ما يصح؟ ما يصح؛ لأن هذا ليس دينًا ثابتًا.
وكذلك لو أنني استعرت من شخص كتابًا وقال: لا أعيرك إلا إذا رهنتني شيئًا فإنه لا يصح؛ لأنه ما ثبت عليَّ دين حتى أرهنه، ونقول خلاف هذا القول: الصحيح أنه يصح أن الإنسان يأخذ رهنًا بالأعيان؛ لأن ذلك عقد جائز لا يتضمن شيئًا محظورًا، جاءني رجل يقول: بتعيرني السيارة لمدة يومين، أقول: ما أنا معيرك إلا إذا أرهنتني شيئًا، هل في هذا ضرر؟ أبدًا، ليس فيه ضرر.
وليس هذا كالتأمين؛ لأن التأمين يدفع المؤمِّن الدراهم على كل حال سواء حصل نقص أم لم يحصل، أما هذا فإني رهنت منه هذا الشيء؛ إن حصل على السيارة تلف فأنا آخذ من الرهن، وإن لم يحصل تلف فالرهن لصاحبه.
وكذلك أيضًا في المثال الثاني؛ إذا استعرت منه كتابًا وقال: لا أعيرك هذا الكتاب حتى ترهنني كتابك -الكتاب الثاني- ورهنته فإن هذا لا بأس به؛ لأن هذا الرهن الذي أخذته إن تلف بفعلي استفاد المرتهن من الكتاب الذي رهنته إياه، ويش فائدته؟ يبيعه ويستوفي ثمنه، أو يقدِّر ثمنه ويعوِّض به عما تلف، ففيه فائدة.
يقول: (بدين ثابت، ويلزم الرهن في حق الراهن فقط).
طالب: (... )
طالب آخر: الشرح.
الشيخ: شرح، نعم.
(ويلزم في حق الراهن فقط) (يلزم) يعني: أنه يجب الوفاء به، (في حق الراهن فقط) من هو الراهن؟ الراهن هو الذي أعطى الرهن، والمرتهن هو الذي أخذ الرهن، فعندنا إذن راهن ومرتهن.
ولنضرب لذلك مثلًا: أنا في ذمتي لك مئة درهم، أعطيتك هذا الكتاب رهنًا بها، أنا أُسمَّى راهنًا، وأنت مرتهن، هل الرهن لازم لا يجوز فسخه بالنسبة لي أو بالنسبة لك، أو بالنسبة لنا جميعًا؟ بيَّن المؤلف الحكم، قال: (يلزم في حق الراهن فقط) اللي هو أنا؛ لأن الحق عليَّ للمرتهن، وإذا كان حقه عليَّ لغيري فإنني لا يمكن أن أستقل به، وفي حق المرتهن جائز ولَّا لا؟
طالب: جائز.
طالب آخر: نعم.
الشيخ: جائز، لو قال المرتهن بعد أن أخذ الرهن رجع علي وقال: والله أنا عرفت أنك تحتاج هذا الشيء، فأنا ألغيت الرهن، يجوز؛ لأن الحق لمن؟
طالب: للمرتهن.
الشيخ: الحق له؛ أي: للمرتهن، فإذا رضي بإسقاطه سقط، وأفاد المؤلف في هذا أن العقود ثلاثة أقسام: عقد لازم في حق الطرفين، وعقد جائز في حق الطرفين، وعقد لازم من جهة غير لازم من جهة.
مثال العقد الجائز من الطرفين: الوكالة؛ وكلتك على أن تشتري لي كذا وكذا، فهذا عقد جائز من الطرفين، لي أن أفسخ الوكالة، ولك أن تفسخ الوكالة، ولكن العقد الجائز من الطرفين ذكر أهل العلم أنه إذا -وهو (... ) كما سيأتينا- إذا تضمن ضررًا على أحد الطرفين صار لازمًا في حق الطرف الآخر، جائزًا في حق من عليه الضرر.
ومثال اللازم من الطرفين: البيع، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ» (10)..
ويَلْزَمُ في حقِّ الراهنِ فقط، ويَصِحُّ رَهْنُ الْمَشاعِ، ويَجوزُ رَهْنُ الْمَبيعِ غيرِ الْمَكِيلِ والموزونِ على ثَمَنِه وغيرِه، وما لا يَجوزُ بيعُه لا يَصِحُّ رَهْنُه، إلا الثمرةَ والزرعَ الأَخْضَرَ قبلَ بُدُوِّ صلاحِهما بدونِ شَرْطِ الْقَطْعِ، ولا يَلزَمُ الرهْنُ إلا بالْقَبْضِ، واستدامتُه شَرْطٌ، فإن أَخْرَجَه إلى الراهنِ باختيارِه زالَ لُزومُه، فإن رَدَّهَ إليه عادَ لُزُومُه إليه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُ واحدٍ منهما فيه بغيرِ إِذْنِ الآخَرِ، إلا عِتْقُ الراهنِ فإنه يَصِحُّ مع الْإِثْمِ، وتُؤْخَذُ قِيمتُه رَهْنًا مَكانَه، ونَماءُ الرَّهْنِ وكَسبُه وأَرْشُ الْجِنايةِ عليه مُلْحَقٌ به، ومُؤْنَتُه على الراهنِ وكَفَنُه وأُجرةُ مَخْزَنِه، وهو أمانةٌ في يدِ الْمُرْتَهِنِ إن تَلِفَ من غيرِ تَعَدٍّ منه فلا شيءَ عليه، ولا يَسْقُطُ بهَلاكِه شيءٌ من دَيْنِه، وإن تَلِفَ بعضُه فباقِيهِ رَهْنٌ بجميعِ الدَّيْنِ، ولا يَنْفَكُّ بعضُه معَ بقاءِ بعضِ الدَّيْنِ، وتَجُوزُ الزيادةُ فيه دونَ دَيْنِه،
حقًّا لشخص على شخص فهو جائز في حقِّ مَنْ له الحق ولازم في حقِّ مَنْ عليه الحق.
قال: (ويلزم في حقِّ الراهِنِ فقط، ويصحُّ رَهْنُ المُشاع)، (يَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ) (المشاع) ما هو؟
يعني: ما فيه مساهمة على الشيوع؛ شركة على الشيوع يصح رهن الجزء المشترك؛ فإذا كان هذا البيت بيني وبين زيد نصفين، ثم إنني اشتريت من شخص سلعة، ورهنته نصيبي من هذا المشترَك، جائز ولَّا لا؟ نعم، جائز، بخلاف ما لو رهنت الجميع فإن الرهن يصح ولَّا لا؟ يصح في حقي فقط؛ فرهن المشاع جائز.
رهن المشترك غير المشاع؛ يعني المشترك المعيَّن، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، كما مضى لنا في السلطة في باب الزكاة؛ مثلًا بيني وبينك غنم لي منها عشرون معينة ولك منها عشرون معينة، رهنت نصيبي منها جائز ولَّا غير جائز؟ هذا جائز ولا إشكال فيه.
لكن الإشكال في المشاع؛ لأن المُشاع يحتاج بعد حلول الدين إلى المطالبة بماذا؟ بالقسمة أو البيع؛ فنقول: وليكن ذلك، يطالِب بالقسمة أو البيع، ويكون المرتهن قائمًا مقام الراهن.
(... ) راهن، ومرتهن، ومرهون، وصيغة؛ (... )، والراهن هو المطلوب، والمرتهن الطالب (... ).
فالرهن لازم في حق المطلوب اللي أعطى الرهن.
طالب: (... ) كلمة لازم في حق؟
الشيخ: لازم بمعنى لا يتمكن من (... )، وأما المرتهن فهو غير لازم، يتمكن منه.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
وهذا اللزوم ما هو بلزوم تكليفي، إذا قلنا مثلًا: يلزم فعل الصلاة جماعة؟ تكليفي، لكن الرهن لازم؟ هذا واضح.
يقول المؤلف: إنه (يَصِحُّ رَهْنُ المُشَاعِ) (... ).
قال: (ويجوز رَهْنُ المبيع غير المكيل والموزون على ثمنه وغيره) (يجوز رهن المبيع)؛ يعني: أنك إذا بعت شيئًا فلك أن ترهنه على ثمنه وغيره، سواء قبضت أم لم تقبض، إذا بعت شيئًا فإنه يجوز أن ترهنه على ثمنه وعلى غيره أيضًا، سواء قبضته أم لم تقبضه؛ مثال ذلك: بعتك هذا الكتاب بعشرة دراهم لمدة ستة أشهر بشرط أن ترهنني الكتاب، الآن رهنته على أيش؟
رهنت المبيع على ثمنه، أنا البائع رهنت على ثمنه.
وقوله: (وغيره) يعني: كما لو كان عند المشتري لي دَيْن سابق، فقلت: أبغي أبيع عليك هذا الشيء، وبعته رهنًا بدينك السابق، جائز ولَّا ما هو جائز؟ هذا جائز، وهذا رهن بعد الحق ولَّا قبله، ولَّا معه؟ الدين السابق، إذا رهنته بالدين السابق؟
طالب: قبل الحق.
الشيخ: لا، بعد الحق؛ يعني: أنا أطلب هذا الرجل، أطلب مئة ريال، فهمت؟ فبعت عليه هذا الكتاب بمئة ريال، وسلَّمني مئة ريال، كم باق اللي عنده؟
مئة ريال الدين السابق، فقلت له: أبغيك ترهني هذا الكتاب بدينك السابق، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ هذا معنى قوله: (... ) (وغيره)؛ (على ثمنه) في الصورة الأولى، (وغيره) في الصورة الثانية.
هل يجوز رهن على ثمنه وغيره جميعًا؟
نعم، يجوز؛ أنا بعت مثلًا هذا الكتاب على هذا الشخص بعشرة ريالات ثمن مؤجل، وعنده لي من قبل عشرة ريالات، فقلت: أريد أن آخذ هذا الكتاب رهنًا بثمنه، على ثمنه وعلى الدين السابق.
يجوز ولَّا لا؟ يجوز، وفائدتي أنا، أنك إذا أوفيتني عشرة ريالات، هل ينفك الرهن ولَّا يبقى مرهونًا بالدين السابق؟
يبقى مرهونًا بالدين السابق؛ فيجوز إذن رهن المبيع على ثمنه وغيره، سواء قبض الراهن أم لم يقبضه.
وقول المؤلف: (غير المكيل والموزون) هذا إنما يستثنى فيما إذا رهنه قبل القبض؛ إذا رهنته قبل قبضه، وهو لا يجوز في المكيل والموزون؛ لأن المكيل والموزون لا يجوز بيعهما إلا بعد القبض، وقد سبق لنا أن الرهن يصحُّ في كل عين يجوز بيعها، وهذا لا يجوز بيعه؛ فلا يصح رهنه؛ مثاله: بعت عليك مئة صاع من هذا البُر، فهنا لا يجوز أن أرهن هذا المبيع قبل أن أكيل لك وتقبض؛ لأنك لو أردت أن تبيعه وأنت المشتري، تبيع هذا الذي ما كيل، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز.
بيع المكيل لا يجوز حتى يكال؛ إذن رهن المكيل لا يجوز حتى يكال؛ أيضًا بعتك عليك هذا السكر، كيس من السكر بعته عليك، كل كيلو بكذا وكذا، فهل يجوز أن أرهن هذا الكيس بثمنه، ولَّا ما يجوز؟
طلبة: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، لماذا؟
لأنه لا يجوز بيعه، فلا يجوز رهنه؛ فالموزون لا يجوز بيعه ممن (... )، لا يجوز لمن اشتراه أن يبيعه حتى يزنه ويقبضه؛ إذن لا يجوز أن يرهنه حتى يزنه.
هل مثل ذلك المعدود؟
نعم؛ لأنه سبق لنا أنه لا يجوز التصرف في المعدود حتى يعده.
هل مثل ذلك المزروع؟ مثله؛ إذن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، فكل مبيع يرهنه الإنسان على ثمنه إن كان بعد القبض فلا بأس به إطلاقًا بدون تفصيل، وإن كان قبل القبض نظرت؛ فإن كان يصح بيعه قبل قبضه جاز رهنه قبل قبضه، وإن كان لا يصح بيعه إلا بعد قبضه فإنه لا يصح رهنه إلا بعد قبضه؛ لأن الرهن فرع على البيع، كل ما جاز بيعه جاز رهنه، وكل ما حَرُمَ بيعُه حرُم رهنه.
كلام المؤلف: (ويجوزُ رهنُ البيعُ غير المكيل والموزون) متى نحتاج إلى هذا الاستثناء؟
إذا كان الرهن قبل القبض، أما إذا كان الرهن بعد القبض فإنه يجوز سواء كان مكيلًا وموزونًا، أو غيرهما، ولنضرب لهذا أمثلة؛ بعت عليك هذا الكيس من البُّر؛ كل صاع بدرهم، فقبضته أنت، وكلناه، وتمَّ كلُّ شيء، فقلت: أرهني هذا البر بثمنه، ولا (... ) الآن، يجوز ولَّا ما يجوز؟
طالب: (... ).
الشيخ: المؤلف يقول: (غير المكيل والموزون)؟
طالب: (... ).
الشيخ: نقول: هذا قبل القبض، أما بعد القبض فيجوز ولو كان مكيلًا أو موزونًا؛ بعت عليك هذا الكيس من البُر بعشرة دراهم، وقلت لك: أعطني الدراهم وإلَّا أريد الرهن هذا الشيء، وهو إلى الآن ما كيل.
ما يجوز؟ لماذا؟ لأنه ما قبض، وما لم يقبض لا يجوز بيعه، وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، هذا هو المذهب.
والقول الثاني: أنه يصح؛ يصح رهنه ولو قبل قبضه حتى بالمكيل والموزون؛ وحجة هؤلاء القائلين؛ قالوا: لأن هذا المكيل الآن لما رهنه توثق بشخص، بخلاف البيع، فقد نهي عن البيع لئلا يتوالى الضمانات، ولئلا يربح كما هو الغالب فيما لم يضمن، وأما هذه المسألة فهي عقد توثقة، ما فيه معاوضة ولا محظور؛ وعلى هذا فنقول: يجوز رهن المبيع على ثمنه وغيره مطلقًا، سواء كان قبل القبض أو بعده، وسواء كان مكيلًا وموزونًا ومعدودًا ومزروعًا، أو غير ذلك.
يقول: (وما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه) صح، ما لا يجوز بيعه لا يصح رهنه؛ لماذا؟
لأن فائدة الرهن الاستيثاق؛ بحيث إذا حلَّ الدين ولم توف بعنا هذا الرهن، إن كان من غير جنس الدين بعنا هذا الرهن واستوفينا الثمن؛ هذه فائدة الرهن الذي لا يجوز بيعه، هل تتحقق هذه الفائدة؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: تحقق فيه الفائدة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ما يتحقق؛ هذا إنسان عنده وقف، فرهنه عند شخص بدين استدانه منه، حل الأجل، أجَّل الدين، فقال الطالب: أوفني.
قال: ما عندي شيء، هل يمكن أن يباع الوقف ليستوفي؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: ما يمكن، إذن ويش الفائدة من الرهن؟ لا فائدة.
طالب: أجره.
الشيخ: لا، التأجير هذا رهن منفعة، فيه اختلاف، لو (... ) الرقبة؛ نقول: هذا لا يمكن، ليش؟ لأنه إذا حل الدين وامتنع المدين من الوفاء لم ينتفع الدائن بهذا الرهن فيكون لغوًا (... ) العقود اللغوية لا يجوز.
أم الولد على المذهب لا يجوز بيعها، ويش أم الولد؟ يعني زوجتك إذا جابت ولد؟ !
لا، الأمة إذا أتت من سيدها بولد، صارت أم ولد، والمذهب لا يجوز بيعها، فهل يجوز رهنها؟
طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز؛ لأنه لا فائدة من ذلك، لكن على القول بجواز رهن المنفعة وهو الصحيح، يجوز أن يرهن منفعة الذي لا يجوز بيعه؛ لأن منفعته تملك، ويستفيد منها المرتهن.
استثنى المؤلف، قال المؤلف: (إلا الثمرة والزرع الأخضر قبل بُدُوِّ صلاحهما بدون شرط القطع) يستثنِي هذين الأمرين؛ الثمرة والزرع الأخضر قبل بُدُو صلاحهما بدون شرط القطع، يجوز رهنهما، وبيعهما لا يجوز، هل بيعهما لا يجوز؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: نعم، سبق لنا أنه لا يجوز؛ هذا إنسان عنده زرع أخضر ما بدا صلاحه حتى الآن ولم يشتدَّ، فاستدان من شخص دراهم ورهنه هذا الزرع، يجوز ولَّا لا؟
طالب: يجوز.
طالب آخر: لا يجوز.
الشيخ: يجوز الرهن، لكن لو باع الزرع، هل يجوز؟ لا يجوز.
إذن هذا مستثنى؛ فالزرع الأخضر لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع، ويجوز رهنه بدون شرط القطع؛ وعليه فهذا شيء جاز رهنه ولا يجوز بيعه، يقال: هذا مستثنى، والسبب في وجه الاستثناء أن حق المرتهن لا يضيع؛ لأنه سينتظر حتى يصلح هذا الزرع ويبيعه.
الثمرة أيضًا؛ رجل رهنني ثمرة نخله، الآن النخل ما بعد (... )، فاستدان مني شيئًا ورهنني ثمر النخل، يجوز ولَّا لا؟ يجوز، لكن لو أراد أن يبيعه ما يجوز إلا بشرط القطع؛ وهذا يجوز -أي الرهن- بدون شرط القطع.
القاعدة الآن كل ما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه؛ التعليل لأن العقد هنا لا فائدة فيه، والعقود التي لا فائدة فيها لغو، وليست على شرط الله ورسوله فلا تصح، هل يستثنى من هذه القاعدة شيء؟ نعم، ما هو؟
الزرع الأخضر، والثمر قبل بدو صلاحه بدون شرط القطع، وعُلِمَ من قول المؤلف: (بدون شرط القطع) أنه لو كان بشرط القطع إذا كان جاريًا على القاعدة لأن بيع الزرع الأخضر بشرط القطع كما لو اشتراه ليكون علفًا جائز، فرهنه إذن جائز؛ (بدون شرط القطع).
ثم قال: (ولا يلزم الرهن إلا بالقصد) (لا يلزم) وأيهما الذي يلزم في حقه؛ الراهن ولَّا المرتهن؟
طلبة: المرتهن.
طلبة آخرون: الراهن.
الشيخ: الراهن، المرتهن، الراهن؟ ثبتوا عليها الآن.
طالب: أي نعم.
الشيخ: الراهن، ما الفرق بينهما؟
الطالب: المرتهن هو الذي أخذ المال، والراهن هو الذي أعطى.
الشيخ: صح؟ صحيح؟
طلبة: لا.
طالب: العكس باين.
الشيخ: المرتهن هو الذي أخذ الرهن، والراهن هو الذي أعطى الرهن، صح؟
طالب: لا
طالب آخر: نعم
الشيخ: (... )؟
طالب: (... ) قولك لم يقله.
الشيخ: تتفق مع ما أقوله؟
طالب: أي نعم.
الشيخ: على كل حال، يلزم في حق الراهن، لكن يقول المؤلف: (لا يلزم إلا بالقبض) يعني: لا يلزم بالعقد، لا يلزم بمجرد العقد؛ فإذا رهنتك بيتي ولم تستلمه فالرهن في حقي ليس بلازم، يجوز أبيعه.
رهنتك سيارتي وأنا أكُدُّها؟ الرهن ليس بلازم، يجوز أن أبيعها؛ لأيش؟ لأنه ما يلزم إلا بالقبض؛ فإذا رهنتك شيئًا ولم تقبضه لا أنت ولا وكيلك، فأنا حر؛ لو شئت بعته وإذا بعته بطل الرهن، ما هو الدليل؟
الدليل قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] شوف ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾؛ إذن الرهان اللي هي ما مقبوضة ما تنفع، هذا وجه الدليل، أيضًا دليل آخر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا» (1)، فإن الحديث واضح أنه في صورة ما إذا قبض المرتهن الرهن يركبه ويسلم العلف، وكذلك اللبن.
الدليل الثالث أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رهن دِرْعَه لليهودي (2) أقبضه إياه، فإذا كان كذلك فإنه لو لم يقبضه لم يكن الرهن لازمًا.
هذا هو الدليل.
والقول الثاني في المسألة..
طالب: الدليل الأخير (... ).
الشيخ: إن الرسول أقبضه إياه، أقبضه الدرع.
والقول الثاني في المسألة: إنه لا يشترط للزومه القبض؛ لأننا متفقون على أن الرهن يثبت بالعقد، أو لا، نعم ولَّا لا؟
يثبت، ما هو يلزم، يثبت بالعقد، فإذا اتفقنا على أنه يثبت بالعقد فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا يشمل الرهن قبل قبضه؛ لأنه عقد.
وأيضًا، فإننا لو قلنا بعدم اللزوم لكان في ذلك فتح باب لكل المتحيلين؛ يتحيَّل عليه بعدم القبض، ثم إذا كمل العقد والرهن كل شيء ذهب فباعه، وما كان ذريعة إلى الباطل فهو باطل.
وأما الجواب عن الآية فإننا نقول: إن الآية دليل عليكم وليست دليل لكم، اقرأ الآية كلها حتى يتبين، قال الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]، فإن آخر الآية يدل على أنه إذا حصل الائتمان بيننا، فإننا يجب علينا أن نعتمد على أداء الأمانة، سواء حصل القبض أو لم يحصل، وإلا لكانت هذه الجملة لا معنى لها.
أيضًا أنتم لا تقولون بالآية؛ لأن الآية لو أخذنا بظاهرها لكانت لا تجيز الرهن إلا في حال السفر، وأنتم ترون أنها تجوز في الحضر وفي السفر، وهو الحق.
إذن ما الفائدة من قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؟
الفائدة أنه لا تحصل تمام التوثقة إلا بالقبض؛ لأننا الآن مسافرون، وليس معنا كاتب، وتبغي ترهن مالك، إذا لم أستلمه أنا فإنه من الجائز أن تغدر بي؛ لأن من جاز أن يغدر إذا لم يكن هناك شاهد ولا كاتب فإنه يجوز أن يغدر إذا أرهنني، ولم (... )، فبيَّن الله عز وجل أنه لا تحصل تمام التوثقة في هذه الصورة، أي في حال السفر وعدم الكاتب إلا بالقبض.
أما إذا لم أقبض وأمَّنتك فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: 283].
وأما قول الرسول: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ»، «وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ» (1)، فليس فيه دليل على أن ذلك لازم، إنما دليل على أن ذلك واقع، ونحن لا ننكر وقوعه.
وكذلك نقول في المسألة الثانية؛ وهي رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند اليهودي (2)، وهذا القول الأخير هو الصواب بلا شك؛ لأن الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] تدل على وجوب الوفاء بعقد الرهن، ثم إن العمل عندنا على هذا، وهو خلاف المذهب؛ يعني عمل الناس الآن تجد الرجل الفلاح يستدين من هذا الشخص، ويرهنه أيش؟ مزرعته، وهو باقٍ في المزرعة.
يستدين صاحب السيارة -تاكسي مثلًا أو الحماليات- يستدين من شخص ويرهنه السيارة، والسيارة بيد صاحبها، وكل يعرف أن هذا المرهون لا يمكن أن يتصرف فيه الراهن، وأن الرهن لازم، عرفتم؟
في البيوت المرهونة، (... ) العقارية عندنا؛ على المذهب هل الرهن لازم ولَّا غير لازم؟
طالب: لازم.
طلبة: غير لازم.
الشيخ: غير لازم؟ السبب؟
طالب: لأنه غير مقبوض.
الشيخ: لأنه ما قُبِضَ، بأيدي الراهنين، لكن قد يقال: إن الرهن لازم، ما هو بمقتضى الرهن، بمقتضى الشرط المشروط على المستفيد؛ لأن من بنود الشرط (... ) ألا يتصرف فيه بنقل ملكه لأي واحد من الناس، ونفس المستفيد مُوَقِّع على هذا الشرط.
وعلى هذا فنقول: حتى على المذهب لا يجوز بيعها؛ لأن هذا الرجل التزم على نفسه ألا ينقل ملكها لأحد، فهي مرهونة بشرط، أما (... ) الأخير، أخيرًا رخصوا للإنسان أن يبيعها لكن بشروط، بشروط معروفة؛ أن يكون له خمس سنوات، وألا يبيعها إلا لشخص لم يستفد من الصندوق.
طالب: شيخ، يعني الآن.
الشيخ: الصندوق.
طالب: الصندوق؟
طالب: عنده.
الشيخ: إي، ما يكفي (... ) بله واشربه.
(... ) وعدم من جواز (... ).
والصحة معناه: (... )، هذا الفرق بينهما؛ فكل لازم صحيح، وليس كل صحيح لازمًا؛ الرهن قبل القبض صحيح وليس بلازم، وبعد القبض صحيح لازم.
مثال ذلك: استقرضت منك ألف درهم، ورهنتك سيارة، ولكن السيارة معي، الرهن صحيح غير لازم؛ لأنه ما قبض، فلا يلزم إلا بالقبض.
استقرضت منك ألف درهم، وأرهنتك سيارة زيد؟
طلبة: (... ).
الشيخ: ليس صحيحًا.
طالب: ولَّا لازم.
الشيخ: ولَّا لازم.
استقرضت منك ألف درهم، ورهنتك سيارتي وسلمتها إليك.
طالب: صحيح لازم.
الشيخ: صحيح.
طالب: لازم.
الشيخ: لازم، لا يلزم الرهن إلا بالقبض؛ فلو رهنتك شيئًا وهو معي، فالرهن (... ).
فيجوز لي أن أبيعه وأخسر فيه، وليس لك الحق في معارضتي، (... ) هو في حقي جائز، ما هو الدليل؟
يقولون: إن لنا دليلًا وتعليلًا؛ الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283]، صحيح.
دليل ثانٍ من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم رَهَن درعَه عند يهوديٍّ وسلمه له.
(2)
دليل ثالث أيضًا من السنة؛ أيش؟ «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» (1).
هذه ثلاثة أدلة؛ التعليل لا يتم الاستيثاق إلا بقبض الرهن؛ لأنني قبل أن أقبضه على وَجَلٍ؛ فإن صاحبه قد يتصرف فيه بأخذ شيء منه أو بيعه أو ما أشبه ذلك، وحينئذ فلا يلزم الرهن، وهذا هو المشهور من المذهب.
والقول الثاني أن الرهن يلزم بالعقد إذا صح، لكنه يلزم في حق مَنْ؟ (... ) لأن الحق له.
يلزم بمجرد العقد، وأن القبض من تمام الرهن، وليس من الأمر الذي لا بد منه؛ دليل ذلك من القرآن ومن السنة ومن النظر؛ من القرآن يقول الله عز وجل: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283].
وأنا إذا ارتهنت منك شيئًا وأبقيته عندك مؤتمنًا إياك فواجب عليك أن تؤدي الأمانة، وهذا يعني: أن الرهن لازم في حقك ما تتصرف فيه، بل هو لي، أنا الذي أستحق بيعه إذا حل الأجل ولم توف.
وأما الدليل من السنة فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (3).
ومن المعلوم أن المرتهن إنما ارتهن هذا الشيء من أجل الاستيثاق بحقه، فقد شرط عليك شرطًا حكميًّا ألا تتصرف فيه بما يضره فيكون لازمًا عليك.
ومن الأدلة -وهو من القرآن- ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيش؟
طالب: ﴿أَوْفُوا﴾.
الشيخ: ﴿بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وكلنا متفقون على أن الرهن يصح بالعقد؛ بمجرد العقد، فإذا صح بمجرد العقد لزم أن أوفي بما اقتضاه وهو حفظ هذا الرهن للمرهن، أما أرهنك وأروح (... ) وأبيع وأخسر الرهن فليس هذا وفاءً بالعقد.
وأما العلة أو النظر فلأن المرتهن إنما ارتهن هذا الشيء لحفظ حقه وأبقاه عندك ائتمانًا بك، فإذا كان كذلك فإن مقتضى هذه الأمانة أن تؤدي الأمانة إلى من ائتمنك، وألا تخونه فيها.
وأما الجواب عن الآية الكريمة وعن الحديث (... ) فنقول: إن الله سبحانه وتعالى إنما ذكر الرهان المقبوضة؛ لأنه لا يتم الاستيثاق في هذه الحال التي في الآية إلا بماذا؟
طالب: بالقبض.
الشيخ: إلا بالقبض؛ لأن المتعاملين على سفر، وليس عندهما كاتب، فإذا ارتهن شيئًا ولم يقبضه فإنه عرضة لسقوط هذه الوثيقة، لماذا؟ لأن ما فيه كاتب، وأيضًا على سفر، ما معه أحد يشهد من الناس، ثم نقول لهم: أنتم لا تقولون بالآية؛ لأنكم ترون القبض شرطًا حتى في الحضر وحتى مع وجود الكاتب.
فالآية الكريمة إنما ذكرت الرهان المقبوضة فيما إذا كنا على سفر ولم نجد كاتبًا، (... ) الآية، ثم نقول: إن في الآية في آخرها ما يدل على فقدان الاستدلال بها على ما ذكرتم وهو قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]، فإذا ائتمن المؤتمن الراهن فمقتضى (... ) أنه يجب على الراهن أن يؤدي الأمانة، فيبقى الرهن سليمًا سالمًا لصاحبه.