الطالب: الصحيح أنه جائز.
الشيخ: الصحيح أنه جائز.
ما معنى قول المؤلف: (يَلزمُ في حقِّ الراهنِ فقط)؟
طالب: نعم يا شيخ، المصنف رَحِمَهُ اللَّهُ يشير إلى ما كان لازمًا وما كان جائزًا، فأما الرهن..
الشيخ: معنى (يلزم) هنا اللزوم الشرعي أو الوضعي؟
الطالب: اللزوم الوضعي، وليس اللزوم الشرعي.
الشيخ: نعم، أي أنه لو رهن شيئًا؟
الطالب: أي أنه إن رهن شيئًا فليس جائزًا في حقه.
الشيخ: نعم، يعني: فلا يملك فسخ الرهن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: والمرتهن؟
الطالب: والمرتهن له ذلك؛ لأنه جائزٌ في حقه.
الشيخ: نعم.
لماذا لا يملك الراهن فسخَ الرهن؟
الطالب: الراهن لا يملكه لأنه تعلق به حق الغير.
الشيخ: أحسنت، والمرتهن ليش يجوز أن.. ؟
الطالب: والمرتهن لأن هذا حقه، وله أن يُسْقِط حقه.
الشيخ: بارك الله فيك.
أشار إلى أن الحقوق أو العقود تنقسم إلى؟
طالب: ثلاثة أقسام.
الشيخ: نعم.
الطالب: لازم من الطرفين، وجائز من الطرفين، ولازم من طرف وجائز من طرف.
الشيخ: نعم، لازم من الطرفين، وجائز منهما، ولازم في حق أحدهما، الرهن لازم في حق أحدهما، والبيع؟
الطالب: لازم من الطرفين.
الشيخ: من الطرفين، الدليل على الأخيرة؟
الطالب: على اللزوم؟
الشيخ: إي، على لزوم البيع؟
الطالب: حديث ابن عمر في الخيار.
الشيخ: حديث ابن عمر في الخيار: «إِنْ تَفَرَّقَا».
الطالب: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» (2).
الشيخ: نعم، الثالث؟
الطالب: جائز من الطرفين.
الشيخ: مثل؟
الطالب: الوكالة.
الشيخ: الوكالة، جائز من الطرفين.
ما معنى قول المؤلف: (يصح رهن الْمُشَاع)؟
طالب: الْمُشاع أي: المشترك.
الشيخ: المشترَك، صورته؟
الطالب: أن يكون بيت مشتركًا بين اثنين، فأحد الاثنين يقترض من الآخر دَيْنًا، يقول: رهنتك نصيبي في البيت.
الشيخ: أحسنت، كأن يكون بيت مشتركًا بين اثنين، فيستقرض أحدهما من شخص ويقول: رهنتك نصيبي من البيت.
يقول المؤلف: (ما لا يجوز بيعُه لا يصحُّ رهنُه)، مثِّل؟
طالب: كالكلب مثلًا.
الشيخ: كالكلب.
الطالب: لا يجوز بيعه فلا يصح رهنه.
الشيخ: فلا يصح رهنه، لماذا؟
الطالب: لأنه لا فائدة من رهنه؛ لأن المرتهن إذا لم يف بالوعد فلن يستفيد..
الشيخ: أحسنت، وجه ذلك أنه لا فائدة من هذا الرهن؛ إذ إن المرتهن إذا حلَّ الدين ولم يوفِ الراهن لم يستفد شيئًا؛ لأنه لا يُبَاع.
هل يُسْتَثْنَى من هذا شيء؟
طالب: إلا الثمرة والزرع قبل بُدُوّ صلاحهما.
الشيخ: نعم، إلا الثمرة والزرع قبل بُدُوّ صلاحهما، فيجوز رهنهما، ولا يجوز؟
الطالب: ولا يجوز بيعهما.
الشيخ: بيعهما، لماذا اسْتُثْنِي هذا من القاعدة؟
طالب: اعتبارًا بالمآل.
الشيخ: اعتبارًا بالمآل؛ لأنه لو رهنهما فلا يمكن بيعهما إلا بعد بُدُوِّ الصلاح.
استدان شخص من آخر دَيْنًا وأرهنه حَمْلَ ما في بطن شاته، ما تقول؟
طالب: يصح الرهن يا شيخ.
الشيخ: يصح الرهن؟ لا تستعجل بالجواب، هل يجوز بيع الْحَمْل؟
الطالب: لا يجوز.
الشيخ: وما لا يجوز بيعه؟
الطالب: لا يصح رهنه.
الشيخ: إذن تَغَيَّر رأيك ولّا لا؟
الطالب: تغير.
الشيخ: تغير، إذن لا يصح أن يرهن الْحَمْل في البطن؛ لأنه لا يصح بيعه.
استدان مِن شخص شيئًا ورهنه شاة حاملًا، ما تقول؟ يصح الرهن؟
الطالب: نعم، يا شيخ.
الشيخ: يصح؟
الطالب: يصح؛ لأنه يجوز بيعه.
الشيخ: لأنه يجوز بيع الحامل، الحامل مجهول؟
الطالب: لكن الشاة يا شيخ يجوز بيعها.
الشيخ: إي، بس هذه شاة بها حمل؟
الطالب: وإذا كان، ما يمنع هذا من البيع.
الشيخ: ما هي القاعدة التي تنطبق عليها هذه المسألة؟
الطالب: أي شيء يا شيخ؟
الشيخ: القاعدة التي ينبني عليها أن الحمل لا يصح، ولو أنه رهن حاملًا صح الرهن؟
الطالب: يثبت تَبَعًا ما لا يثبت استقلالًا.
الشيخ: يثبت تَبَعًا ما لا يثبت استقلالًا، تمام.
المؤلف يقول: (إن الرهن لازم في حق الراهن، لكنه لا يلزم إلا بشرط)؟
طالب: القبض.
الشيخ: القبض، نعم، ما هو الدليل؟
الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283].
الشيخ: قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾، فدل هذا على أنه لا بد من قبض الرهن، هل هناك قول آخر خلاف ذلك؟
الطالب: نعم، الصحيح أن الرهن لازم عن الراهن بالعقد.
الشيخ: نعم.
الطالب: والدليل في الآية: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283].
الشيخ: كيف الجواب عن أول الآية: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؟
الطالب: هذا رهان مقبوضة إذا لم يكن هناك أمان بين..
الشيخ: لأن هذا من تمام؟
الطالب: نعم، هذا من تمام الرهن.
الشيخ: التوثقة، ولهذا قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾، وشرط آخر: ﴿وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا﴾، ومثل هذا لا بد أن يقبض الرهن، وإلا لضاع حقه؛ لأنه ما فيه أحد يشهد، فصار ذِكر القبض هنا من أجل تمام أيش؟ التوثقة، والدليل على هذا أن الذين قالوا بأنه لازم إلا بالقبض لم يجعلوه في هذه الصورة فقط، ولو أردنا أن نستدل بالآية للزم أن نتمم الاستدلال ونقول: يُشْتَرَط القبض فيما إذا كان على سفر ولم يجد كاتبًا.
رجلٌ رهن سيارته عند شخص، ثم قال الراهن للمرتهن: أَعِرْنِيها سأصل عليها إلى البلد الفلاني، فأعارها إياه، هل يبقى الرهن في هذه الصورة لازمًا أو جائزًا؟ فهمنا الصورة ولّا لا؟
استقرضتَ مني عشرة آلاف ريال، قلت: أريد قرضًا قدره عشرة آلاف ريال، فأعطيتك، لكن قلت: أعطني رهنًا، فأعطيتني سيارتك، أخذت السيارة وحطيتها عندي بالبيت، ثم أتيتَ إليَّ أنت وقلت: أَعِرْنِيها أصل عليها الرياض، فأعرتك إياها، هل يبقى الرهن لازمًا أو لا؟
طالب: ما هو لازم.
الشيخ: ليش؟
الطالب: أخذت السيارة أنا، الرهن اللي أنا أعطيتك إياه (... ).
الشيخ: ولَّا فيه خلاف؟
طالب: على ما مشى عليه المؤلف أنه رهنٌ زال.
الشيخ: زال اللزوم.
الطالب: زال اللزوم.
الشيخ: وعلى القول الراجح؟
الطالب: الراجح أنه لم يَزُل.
الشيخ: أنه لم يَزُل، صح، وما ذهب إليه المؤلف قد يكون حيلة، يتحايل بعض الناس يأخذها ويتصرف فيها ويقول: الرهن غير لازم.
إذا رهن بيتًا وأخذه المرتهِن، فهل يبقى البيت مُعَطَّلًا أو يؤجَّر أو ماذا؟
طالب: حسب المصلحة يا شيخ.
الشيخ: أنا أريد أن تقرِّر، أن يكون الجواب على حسب ما في المتن.
الطالب: إنه ما يؤجَّر.
الشيخ: يعني يبقى مُعَطَّلًا.
الطالب: الراجح.
الشيخ: الراجح؟ !
الطالب: حسب المصلحة، إذا تضرر منه المرتهِن (... ).
الشيخ: يعني أن مَن طلب تأجيره أُجِيبَ بشرط ألَّا يكون هناك ضررٌ على الآخر.
إذا قال قائل: كيف يُجْبَر الراهن على أن يؤجِّر ملكه؟
طالب: أَعِد أحسن الله إليكم.
الشيخ: السؤال: إذا قال قائل: ذكرتم أن القول الراجح أنه إذا طلب أحد التأجير فإنه يُؤَجَّر إذا لم يكن على الآخر ضرر، فإذا قال قائل: كيف يُجْبَر الراهن على أن تأجير ملكه؟
الطالب: لأنه لا يدخل عليه ضرر.
الشيخ: إي، لكن يقول: ملكي، أليس للإنسان يجوز أنه يُبْقِي بيته مغلقًا ولا يؤجِّره؟
الطالب: بلى.
الشيخ: طيب، وهذا؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، تجده إن شاء الله الآن.
الطالب: أَعِدْهَا عَلَيَّ.
الشيخ: أعيدها عليك؛ رهنتني بيتك، ثم إني أنا طلبت أن يؤجَّر البيت، قلت: يؤجَّر، فأنت قلت: لا، فالقول الراجح: نُجْبِرك على أن يؤجَّر، فلماذا نُجْبِرك وهو ملكك؟
الطالب: لأنه في هذه الحالة ليس عليه ضرر والبيت الآن مرتهَن عند المرتهِن، وليس عليه ضرر؛ على الراهِن.
الشيخ: يقول: أنا ما علي، هذا بيتي؟
طالب: فيه مصلحة له، بحيث إنه يسد الدَّيْن اللي عليه.
الشيخ: إي.
طالب: نقول: المرتهن هنا له مصلحة، وهو أنه إذا زاد الرهن يكثر للطمأنينة على حقه الذي هو الدَّيْن.
الشيخ: نقول: الآن تعلق به حق الغير وهو المرتهن؛ لأن الأجرة سوف تكون رهنًا، فيستفيد المرتهِن، ولأن في عدمه؟
طالب: تعطيلًا.
طالب آخر: تضييع مال.
الشيخ: تعطيلًا لمصلحة، وإضاعة للمال، فلذلك قلنا: يُجبر على هذا.
لو قال هذا الراهن: أنا أخشى أن المستأجِر يُدَمِّر البيت، كما هو الواقع فيمن استأجر بيتًا وعنده أطفال وسفهاء؟
طالب: هنا يا شيخ لا يُجبر.
الشيخ: هنا لا يُجْبَر، إذن لا يُجْبَر على أن يؤجر شخصًا بعينه خوفًا من الضرر، إي نعم.
كيف يقول المؤلف: (كَفَنُ الرَّهْن على الراهن)؟
طالب: كُلّ ما هو كلفة..
الشيخ: هو الرهن؛ إذا رهنتك بيتًا (... ) كفن البيت؟
الطالب: لا، يعني إذا كان عبدًا، يعني في هذه الحالة إن كان عبدًا.
الشيخ: يعني إذا كان آدميًّا عبدًا ثم مات..
الطالب: ثم مات يُكَفَّن على...
الشيخ: فالكفن على الراهن، لماذا؟
الطالب: لأنه له غُنْمُه وعليه غُرْمُه.
الشيخ: إي، لأنه ملكه، فله غُنْمُه وعليه غُرْمُه، صحيح.
أظن وقفنا على (وهو أمانةٌ).
طالب: نعم.
الشيخ: فيه سؤال مهم: لو أن الراهن باع الرهن، هل يصح بيعه؟
طالب: لا يصح بيعه إلا بإذنه.
الشيخ: بإذن المرتهِن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لكن المرتهن ما أَذِن.
الطالب: ما أَذِنَ لا يصح.
الشيخ: لا يصح، لماذا؟
الطالب: لأنه تصرَّف في غير حقه.
الشيخ: لا، تصرف في غير حقه وهو ملكه؟ !
الطالب: ليس ملكه يا شيخ.
الشيخ: لماذا ما هو ملكه؟ له غُنْمُه وعليه غُرْمُه؟
طالب: لأنه تعلَّق به حق المرتهِن.
الشيخ: إي، تعلَّق به حق الغير، وإلا ويش الفائدة من الرهن إذا قلنا: يصح؟ هل يُسْتَثْنَى من هذا شيء؟
طالب: من البيع؟
الشيخ: لا، لو قلنا: إنه ما يصح التصرف فيه، فهل يُسْتَثْنَى بذلك شيء؟
الطالب: بالإذن.
الشيخ: الإذن انتهينا منه، لكنه ما أَذِنَ.
الطالب: ما يُسْتَثْنَى.
الشيخ: ما يُسْتَثْنَى شيء، يعني جميع التصرفات لا تصح.
الطالب: نعم.
الشيخ: إي.
طالب: استثنى المذهب عتق الراهن.
الشيخ: على كلام المؤلف يستثنى عتق الراهن، يعني أن الراهن لو أعتق العبد المرهون نَفَذَ العتق.
العلة؟
الطالب: العلة لقوة سريان العتق.
الشيخ: لقوة سريان العتق، ما فيه غير هذا؟
طالب: ولأن الشارع مُتَشَوِّف للعتق.
الشيخ: نعم، ولقوة تشوُّف الشارع للعتق، وفي هذا الحال إذا قلنا بصحة العتق ماذا نقول؟
طالب: ماذا؟
الشيخ: إذا قلنا بصحة العتق على ما مشى عليه المؤلف هل يضيع حق المرتهن؟
الطالب: لا يضيع حق المرتهن، يرجع إلى نفس..
الشيخ: لا، ما هو بأصل الدَّيْن، لكن هل يضيع حق المرتهِن من الرهن؟
طالب: يقولون: تلزمه قيمته.
الشيخ: إي نعم، تؤخَذ قيمته رهنًا مكانه، إذا كان الراهن مُعْسِرًا ليس عنده شيء؟
الطالب: على قول المذهب؟
الشيخ: إي نعم، نقول: انتظر حتى يغنيه الله ويوفيك، على القول الراجح في هذه المسألة الحكم؟
طالب: أن العتق لا يصح.
الشيخ: إي نعم، أن العتق لا يصح، ونسلَم، نقول: العبد لا زال عبدًا، ولو أعتقته فهو لاغٍ، فيه قول ثالث توسَّط بين القولين؟
طالب: إذا كان مُعْسِرًا يا شيخ.
الشيخ: إذا كان معسرًا نَفَذَ، وإن مُوسِرًا؟
الطالب: لم ينفذ.
الشيخ: لم ينفذ.
الطالب: لا، العكس يا شيخ.
طالب آخر: إذا كان معسرًا لا يصح.
الشيخ: نعم، إذا كان معسرًا لم ينفذ، وإن كان موسرًا نفذ، ولكن القول الراجح أنه لا ينفذ مطلقًا؛ لأن العتق لا يقع إلا قُرْبَة، ولا يُتَقَرَّب إلى الله تعالى بمعصيته، ولأنه تعلَّق به حق الغير.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وإن ادَّعى دفعَ الثمنِ إلى المُرْتَهِن فأنكَرَهُ ولا بَيِّنَةَ، ولم يكنْ بحضورِ الراهنِ ضَمِنَ كَوَكِيلٍ، وإن شَرَطَ ألَّا يبيعَه إذا حلَّ الدَّينُ، أو إن جاءه بحقِّه في وقتِ كذا، وإلا فالرَّهْنُ له لم يصحَّ الشرطُ وحدَه).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما معنى قول المؤلف: (ويكون عند مَن اتَّفقا عليه)؟
طالب: المراد به العدل.
الشيخ: إي نعم، العدل الذي يرضيانه.
إن اختلفا فقال أحدهما: أريد فلانًا، والثاني قال: أريد فلانًا؟
الطالب: يُرجع في هذه الحالة إلى الحاكم.
الشيخ: نعم، يُرَدُّ الأمر إلى الحاكم ويُعيِّن، ولا تُسْتَعْمَل القرعة هنا؛ لأنها ليست حقًّا ماليًّا، إنما هي توثقة.
إذا قبض العدل الثمن وتلف في يده، فهل يضمن؟
الطالب: العدل؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لا، إذا تلفت بدون تعدٍّ أو تفريط لا يضمن.
الشيخ: نعم، إذا قبض الثمن أو تلف بيده بتعدٍّ أو تفريط فهو ضامن، وإلَّا فليس بضامن.
ثم قال -هذه المسألة الآتية الآن مهمة جدًّا-: (وإن ادَّعى دفعَ الثمنِ إلى المُرْتَهِن فأنكَرَ ولا بَيِّنَةَ، ولم يكنْ بحضورِ الراهنِ، ضَمِنَ) أي: ضمن العدل، (كَوَكِيلٍ) أي: كما يضمن الوكيل في مثل هذه الصورة.
العدل باع الرهن بإذن الراهن؛ لأن الدَّيْن حلَّ والراهن لم يُوفِِ، فباعه، وادعى أنه دفع الثمن إلى مَن؟ إلى المرتهن الذي هو صاحب الحق، فأنكر المرتهن، قال: أبدًا، ما جاءني شيء، فهنا مشكلة: العدل أمين، والمفروض أن يُقْبَل قوله، لكن المؤلف يقول: لا يُقْبَل، إذا أنكر المرتهن الذي له الدَّيْن أن العدل سلَّمه ثمن الرهن فإن العدل يضمن، إذا لم يكن هناك بينة ولم يكن بحضور الراهن، انتبهوا.
مثال ذلك أو صورة المسألة: أذِن الراهن للعدل أن يبيع الرهن ويوفي صاحبه، فباعه ثم جاء إلى صاحبه في دكانه وقال: يا فلان، هذا ثمن الرهن الذي ارتهنتَه، قال: بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وما آمنَك من عدل! ثم أخذ الدراهم وأدخلها في الدُّرْج، وفي آخر النهار ذهب المرتهِن إلى الراهن وقال: أَوْفِني، فرجع الراهن إلى العدل وقال: ألستَ تقول: إنك أوفيته؟ قال: بلى.
قال: الرجل يقول: أوفني، فذهبَا إلى المرتهِن فقال: لم يُوفنِي، والعدل ما عنده بينة، والراهن ما حضر، من يضمن؟ العدل؛ لأنه فرَّط، كيف فرَّط؟ فرَّط أنه لم يُشهِد، وكان عليه أن يُشْهِد حتى تبرأ ذمته ويؤدي الأمانة كما أُمِر.
نعم لو أن العدل استأذن من الراهن وقال: يا فلان، إنَّ المرتهِن رجل شريف كريم، وأبغي أجيب واحد أشهده على أني أوفيته، هذه تكون ما هي طيبة في حقه، قال: أوفِه وإن لم تُشهِد، وثبت أن الراهن قال هذا، فهل يضمن أو لا؟ لا، وكذلك لو كان بحضور الراهن الذي عليه الدَّيْن، يعني أوفاه، يَنظر، فلا ضمان على العدل؛ لأن المفرِّط هنا مَنْ؟ الراهن الذي عليه الحق، لماذا لم يطلب شهودًا يشهدون أنه أوفى؟
والخلاصة: أن العدل إذا أوفى المرتهن بدون بينة ولا حضور الراهن وأنكر المرتهِن فعليه الضمان.
قال: (كوكيل) يعني: كما لو فعل الوكيل في قضاء الدَّيْن وقال: إني أوفيتُ، وأنكر الدائن، ولم يكن هناك بينة، ولم يكن بحضور الموكِّل؛ فإنه يضمن، وهذه مسألة تقع كثيرًا، انتبهوا لها؛ واحد مثالًا راعي بَقَّالَة اشتريتُ منه كيس خبز، بكم ريال؟ بريال، ثم أتيت به إلى البيت، وإذا جاري ذهب يشتري خبزًا، فقلت: يا فلان، خذ هذا الريال قيمة الكيس أعطِه البقَّال، فأخذ الريال وأعطاه البقال، قال: هذا عن الرجل الذي أخذ منك كيس الخبز، ولم يكن هناك شهود، والموكِّل دخل بيته وأكل خبزه.
ثم إن صاحب البقالة لما مَرَّ به المشتري قال: أعطني قيمة الخبز، فقال: أعطيته رجَّالًا جاري، قال: ما أعطاني شيئًا، أذهب إلى الجار أقول له أو أضمن الريال؟ لأنك لم تُشهِد عليه، صح؟ نعم، هذا مقتضى كلام المؤلف؛ لأنه ما أشهد، كان الواجب عليه أنه راح دوَّر اثنين يشهدون بأنه سلَّم هذا ريال قيمة كيس خبز، هكذا كلام المؤلف.
لكن ينبغي أن يُقَال: لكل مقام مقال، الشيء الخطِر؛ يعني الدراهم الكبيرة الكثيرة، هذه لا بد أن يُشهِد عليها، فإن لم يفعل فهو مفرِّط، أما الشيء اليسير الذي جرت العادة أنه لا يُشهَد عليه فإنه لا يُعَدّ مفرِّطًا، والرجل الْمَدِين قد ائتمنه ورضي بأمانته.
فالصحيح في هذا أنه لا يضمن؛ لأن هذا الوكيل يقول للذي وكَّله: أنت لو ذهبت تُوفِي هذا الريال.. أيش؟ ما أشهدت عليه، كيف تَعدُّني مفرِّطًا وأنت بنفسك تفعل ما أفعل؟ !
فالصواب في هذه المسألة أن فيها تفصيلًا، فالمال الخطِر يجب أن يُشهِد عليه؛ لأنه كثير اللي جرت العادة بأنه يُشهد عليه، والشيء اليسير لا يعد مفرِّطًا إذا لم يشهد؛ لأن العادة لم تَجْرِ به، وأنا أعتقد أنكم كُلّكم ترون أني لو أردت أن أوفي صاحب البقالة ريالًا ثمن كيس خبز وجيبت اثنين يشهدون، تعالوا اشهدوا أني سلَّمته ريالًا، أن هذا أيش؟ قَدْح ونَقْص عقل، تُشْهِد أنك أوفيته ريالًا ثمن كيس خبز؟ !
فهذا القول هو الصحيح؛ الصحيح أنه ليس على إطلاقه، وأن يقال: المال الخطِر الذي لا يُقْضَى مثله إلا ببيِّنة هذا لا بد من البيِّنة، وإذا لم يكن بينة فهو مفرِّط فيضمن، وأما ما جرت العادة بأنه يوفَى بلا إشهاد فإنه لا يعد مفرِّطًا.
الفاتورة، ما تقولون فيها؟ يعني لو أن صاحب الدكان أعطى الوكيل فاتورة بأنه استلم الثمن؟
طالب: بينة.
طالب آخر: قرينة.
الشيخ: نشوف، الظاهر أن الفاتورة بمنزلة الإقرار؛ لأن صاحب المحل أقرَّ بأنه استلم الثمن، ووقَّع على ذلك، وإن كان أحيانًا قد يفعل صاحب المحل هذا ثقةً بمن؟ بمن سَلَّم، وهذا وارد، لكننا نقول: الأصل أن الإقرار مقبول، هذا هو الأصل، فيكفي إعطاء الفاتورة عن الإشهاد.
طالب: شيخ، في حال رهن ريال واحد هل الضمان على المشتري أم على صاحب البقالة، فالوكيل قد برئ؟
الشيخ: برئ الوكيل.
الطالب: وفي هذا (... ).
الشيخ: صاحب البقالة عاد يطالب المشتري.
الطالب: والمشتري (... ).
الشيخ: لكن هذا الذي أعطاه إياه أمين، وأدَّاه على الوجه المعروف، فيُقَال: أنت يا صاحب البقالة ارجع إلى الذي أخذ منك الخبز وخذ الريال، فيذهب الريال على مَن الآن؟
الطالب: على المشتري.
الشيخ: على المشتري، صح.
الطالب: والمشتري فيه ضرر، راح منه ريالان (... ).
الشيخ: نعم، لكنه بفعل نفسه، هو الذي ائتمن هذا الرجل، والرجل أدى الأمانة على ما جرى به العُرف.
طالب: شيخ بارك الله فيك، بالنسبة للشهادة لا بد أن تكون كتابية أم يكفي أن تكون.. ؟
الشيخ: لا ما هو لازم، لكن الأحسن لا سيما في الأمور الْخَطِرة أن يكتب، قال الله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: 282].
طالب: إذا أنكر المرتهِن تُقْبَل شهادة الراهن إذا حضر القبض؟
الشيخ: الراهن؟
الطالب: نعم.
الشيخ: هذا لاحَظ بنفسه، يشهد لنفسه الراهن.
الطالب: لا، الذي قد أقبضه؛ العدل.
الشيخ: إي، لكن هو يشهد الآن لنفسه.
الطالب: ما تُقْبَل.
الشيخ: ما تُقْبَل.
طالب: العتق يا شيخ لو قال قائل: إنه يصح العتق مع التحريم؛ لأن الجهة مُنْفَكَّة بين التقرب إلى الله بالعتق وتحريمه، كالصلاة في دار مغصوبة.
الشيخ: لا لا، الصلاة في الدار المغصوبة غيرها؛ لأن الدار المغصوبة يحرم استعمالها بالصلاة أو غيرها.
الطالب: وهذا أيضًا يا شيخ لا يصح التصرف في البيع وغيره، وفي العتق وغيره.
الشيخ: لا، لا يصلح البيع؛ لأنه تعلق به حق الغير، وصار فيه إبطال لحق الغير.
طالب: بارك الله فيكم، لماذا لم نذهب إلى يمين الراهن أو العدل في تسليم الثمن؟
الشيخ: ما يحتاج إلى الحَلِف، اللهم إلا بالنسبة لصاحب البقالة، وحتى صاحب البقالة مُدَّعًى عليه فعليه اليمين، يعني اليمين ما تتوجه على أحد الآن.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأن صاحب البقالة الآن منكِر، يُحَلَّف، إذا وصلت المسألة إلى الحكومة يُحَلَّف لا شك، لكنه سيحلف.
طالب: شيخ، (... ) من جواز بيع الرهن في حالة الضرورة إذا خِيفَ التلف مثلًا تلف الرهن؟
الشيخ: هذا من الأصل لا بد منه، يعني مثلًا لو رهنه بطيخة، البطيخة لو بقيت فسدت، هذه تباع وتبقى قيمتها رهنًا.
طالب: هل ينعقد الرهن إذا لم يتفقَا على العدل؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: مش إحنا بنقول: يلزم القبض للرهن؟
الشيخ: الصحيح أنه لا يلزم، إحنا رجَّحْنا أنه لا يلزم، وعمل الناس الآن عليه من قديم، تجد الرجل قد رهن سيارته وهو الذي يستعملها، قد رهن بيته وهو ساكنٌ فيه، فالصحيح أن قابض الرهن ليس بشرط اللزوم وأن الرهن يلزم بالعقد.
طالب: شيخ بارك الله فيكم، هل يُقْبَل قول الراهن لو ادَّعَى بأن العدل قد غَرَّر به، حينما قال له: إن المرتهن عدلٌ وثقة وأمين، فجاء الراهن وقال: أنا غَرَّرَنِي هذا العدل وأنا ما ظنيت أنه ليس كذلك، فهل يُقْبَل قوله ويُعَادُ على الـ..
الشيخ: لا يُقْبَل، والسبب أنه لماذا لم يَحْتَط لنفسه، الواجب أن يحتاط، إذا شك في الإنسان لازم يعيد النظر فيه ويبحث.
طالب: إذا تَدَيَّنْت المبلغ ورهنته مثلًا فيلا أكثر من المبلغ، هل تُعْتَبَر ربًا؟
الشيخ: لا لا؛ لأن هذا صاحب الدَّيْن إذا باع الرهن لا يأخذ من ثمنه إلا مقدار دَيْنِه فقط.
(... )
يقول المؤلف: إن الرهن أمانة في يد المرتهن، فما هو الضابط في كون الشيء أمانة؟
طالب: ما صار في يد العدل.
الشيخ: ما حصل في يد الإنسان.
الطالب: ما حصل في يد الإنسان بإذنٍ من الشارع أو بإذنٍ من المالك فهو أمانة.
الشيخ: مثال ما حصل للإنسان بإذنٍ من مالكه؟
طالب: لو كان يعطيه الشيء فيقول: هو أمانةٌ عندك.
الشيخ: ما هو شرط هذا.
طالب: المستأجر والمضارب والشريك.
الشيخ: والرهن.
الطالب: والرهن.
الشيخ: الرهن بيد المرتهِن أمانة بيد المالك.
ومثال ما كان بيد الشارع أمانة من قِبَل الشارع؟
طالب: كالولي على مال اليتيم.
الشيخ: كالولي على مال اليتيم، فمال اليتيم حصل بيده بإذنٍ من الشارع.
الضابط فيما تلف بيد الأمين من حيث الضمان؟
طالب: إن تلف بتعدٍّ أو تفريط ضمن (... ).
الشيخ: أنت قلت: (أو تفريط) والمؤلف يقول: (بغَيْرِ تَعَدٍّ).
الطالب: لا بد من الزيادة.
الشيخ: لا بد من الزيادة، كُلُّ مالٍ بيد الغير أمانة، إذا تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان، ما الفرق بين التعدي والتفريط؟
الطالب: التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.
الشيخ: التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.
مثال التعدي؟
طالب: لو أقرضه ناقة فذبحها عمدًا فهو متعدٍّ.
الشيخ: لا يا أخي، إذا أقرضه الناقة ملكها، يذبحها ويسوِّي فيها ما يشاء.
الطالب: لا، يعني إن جعلها أمانة عنده حتى يأتي من سفر مثلًا، فذبحها فهو متعدٍّ.
الشيخ: والتفريط؟
الطالب: والتفريط أن يضعها مثلًا في غير مكانها فتنطلق فتصدمها مثلًا شاحنة أو كذا فتموت، فهكذا يكون تفريطًا.
الشيخ: يعني ألَّا يضعها في مكان يُحْرِزها.
الطالب: نعم.
الشيخ: أو يتركها مثلًا في شتاءٍ شديد البرودة، أو في حر شديد الحرارة، المهم ترك ما يجب.
رجل ارتهن سيارتين بمئة ألف، ثم تلفت إحدى السيارتين، فهل ينفك الرهن في خمسين ألفًا مثلًا؟
طالب: لا، إنما يكون الباقي بجميع الدَّيْن رهنًا.
الشيخ: يكون الباقي رهنًا بجميع الدَّيْن، ما الفرق بين قولنا: إنه يبقى خمسون ألفًا بدون رهن، أو أن نقول: إن الرهن رهن بجميع الدَّيْن؟
طالب: كيف يا شيخ؟
الشيخ: ما الفرق بين أن نقول: إنه إذا تلفت إحدى السيارتين المرهونتين فإنه يبقى خمسون ألفًا لا رهن فيها، أو أن نقول: إن الرهن الباقي رهنٌ بجميع الدَّيْن؟
طالب: شيخ، الرهن ليس في مقابل الدَّيْن، إنما هو توثقة فقط، فمتى نَقَصَ فيبقى هو في مقابل الدَّيْن.
الشيخ: إي، لكن فما الفرق بين هذا وهذا؟ يعني لماذا لا نقول: بقيت خمسون ألفًا الْمُرْسَلة ليس فيها رهن، وخمسون ألفًا رهن بالسيارة الباقية.
الطالب: لأنه أول كان العقد على جميع السيارتين.
الشيخ: يعني مُشَاعٌ، وأنا أريد الآن ما الفرق من حيث الحكم؟
طالب: أنه إذا سَدَّد الخمسين ألفًا في كون خمسين مُرْسَلة انفك الرهن، وإذا كان الرهن للجميع لم ينفك الرهن إلا بسداد جميع الدَّيْن.
الشيخ: إي، يعني مثلًا لو جاب خمسين ألفًا وقال: هذه عن السيارة المرهونة الآن، خذ خمسين ألفًا وأعطني سيارتي، تبقى الخمسون الأخرى مُرْسَلة، فيقول: لا، السيارة رهنٌ بجميع المئة، فلا يمكن أفك رهنها حتى توفي المئة كلها.
حَلَّ الدين وامتنع الْمَدِين من الوفاء والرهن موجود، فماذا نصنع؟
طالب: ننظر في حاله، هل أَذِنَ للمرتهن أو العدل أم لا؟ إن أذن له يكفي إذن الأول، فيبيع العدل الرهن ووَفَّى الدَّيْن، وإلا أَجْبَرَه الحاكم -هذا الرجل- لوفائه ببيع الرهن.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: إن كان عنده شيء بوفاء وإلا فببيع الرهن.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، إن امتنع، قال: لا أوفي ولا أبيع الرهن؟
الطالب: الحاكم يبيع هذا الرهن ووفاه الدَّيْن.
الشيخ: إي، الحاكم يتولى البيع ويوفي الدَّيْن، أليس جاء في الحديث: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (3)؟
الطالب: وكذلك وفاء دَيْن الغير، وهذا معسر.
الشيخ: ما هو مُكْرَه الرجل الآن؟ مُكْرَه على بيعه.
الطالب: لا، حق الغير لا يجزئه، فإذا كان هو معه وهو يقول: أنا معي، فالحاكم ما عنده قدرة على ذلك فلا بد أن يُجْبِرَه حتى (... ).
الشيخ: نقول: هو أجبره بأيش؟ بحق، وبيع الْمُكْرَه إذا كان بغير حق، ثم إنه هو الذي رهنه، وهو يعرف أن الرهن توثقة إذا لم يوفِ استوفي من الرهن، فقد دخل على بصيرة، إذن ما فيه إكراه في الواقع.
المؤلف يقول: إن الرهن يكون عند مَن اتفقا عليه، معنى هذا؟
طالب: يعني أنه إذا لم.. مثلًا الراهن قال: أنا ما أضمن على حقي بأن يبقى عندك، وهذا قال له: أنا ما أعطيك شيئًا حتى ترهنني، فاتفقَا على أن يكون عند فلان زيد أو خالد، فيبقى الرهن عنده.
الشيخ: المراد بالعدل هنا من اتفقَا عليه أو لا بد أن يكون عدلًا في دِينه؟
الطالب: الظاهر هنا أنه لا بد أن يكون عدلًا، وإن لم تتوفر به كُلُّ الشروط حتى مثلًا يعطي كلًّا منهما.
الشيخ: يعني إذن معناه أن يكون عند من اتفقَا عليه ولو كان فاسقًا؟
الطالب: إي.
الشيخ: توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، صح، فكلامه هنا -كلمة العدل- يعني مَن اتفقَا عليه حتى وإن كان فاسقًا، لو فُرِضَ أنهما اتفقا على شخصٍ يدخِّن أو شخصٍ يحلق لحيته فالأمر إليهم.
أَذِنَا له في البيع، فهل يبيع بجنس الدَّيْن أو بنقد البلد؟
طالب: بنقد البلد، العدل يبيع بنقد البلد.
الشيخ: بنقد البلد، فإن قال: بِعْه بجنس الدَّيْن؟
الطالب: لا يجوز له أن يبيعه بجنس الدَّيْن.
الشيخ: قالَا جميعًا: بِعه بجنس الدَّيْن؟ يعني رجل استدان دولارات وأرهن سيارته، وعند حلول الأجل قال: بِع، فهو ما دام في السعودية يبيع بالنقد السعودي، لكن إذا قال: بعْ بجنس الدَّيْن، فهل يجوز أن يبيع بجنس الدَّيْن؟
الطالب: إذا أَذِن له الراهن والمرتهن؟
الشيخ: كلاهما.
الطالب: الظاهر يجوز إذا أَذِنَا له.
الشيخ: هذا الظاهر يجوز، والباطن؟ !
طالب: يحتمل الجواز ويحتمل عدم الجواز.
الشيخ: إذن فيها وجهان (... )؟ !
طالب: يجوز قطعًا.
الشيخ: يجوز، الحق لهما، والأصل أنه سيوفي من جنس الدَّيْن، هذا حتى لو بعناه بنقد البلد الآن فالوفاء سيكون بجنس الدَّيْن، عرفتم يا جماعة؟ فإن قال: لا بأس أن تعطيني دراهم سعودية بدل الدولارات، قلنا: نطبقه على حديث عبد الله بن عمر رَضِي الله عَنهُ (2)، لا بأس في ذلك بشرط أن يكون بسعر يومها، وألَّا يتفرقَا حتى يتقابَضَا.
قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وَإِنْ شَرَطَ).
فيه مسألة مهمة؛ مسألة قضاء الدَّيْن بالوكالة بدون إشهاد، ما هو ظاهر كلام المؤلف؟
طالب: ظاهر كلام المؤلف أن الوكيل إذا لم يُشْهِد يُعْتَبَر مُفَرِّطًا.
الشيخ: يعني يضمن بكُلِّ حال.
الطالب: يضمن بكُلِّ حال.
الشيخ: والصحيح؟
الطالب: قلنا: الصحيح أن نفرق بين الشيء الخطِر الذي لا يقضى عادة إلا بالإشهاد، وبين الشيء اليسير الذي يُقْضَى بدون إشهاد، فإذا لم يُشْهِد في الأول كان مُفَرِّطًا، والثاني ليس مُفَرِّطًا.
الشيخ: أحسنت، وهذا هو الصحيح، يعني إذا أعطيتك عشرة ريالات وقلت: أوفي صاحب البقالة عشرة ريالات فأعطيتَه، هل نقول: إنه لا بد من الإشهاد؟
الطالب: لا.
الشيخ: أبدًا، ما جرت به العادة، حتى لو استشهد الوكيل أحدًا عُدَّ ذلك مخالفًا للعادة، لكن إذا قال: خذ مئة ألف أعطها فلانًا قيمة السيارتين، فهذا لا بد من الإشهاد.
ثم قال: (وَإِنْ شَرَطَ ألَّا يَبِيعَهُ إِذَا حَلَّ الدَّيْنُ، لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ).
(إن شرط) الفاعل هو الراهن، (ألَّا يبيعه) أي: المرتهن، (إذا حَلَّ الدَّيْن) قال: رهنتك هذه السيارة بخمسين ألفًا بشرط ألَّا تبيعها إذا حَلَّ الدَّيْن.
فالرهن صحيح، والشرط فاسد، ولو أن أحدًا قال بعدم صحة الرهن والشرط لكان له وجه؛ لأن هذا الشرط لو صَحَّحْناه لكان منافيًا لمقتضى العقد؛ إذ مقتضى العقد هو التوثقة، وإذا كان إذا حَلَّ الدَّيْن لم يَبِعْه فأين التوثقة؟ !
لكن المذهب أن العقد صحيح والشرط فاسد، وبناءً على ذلك إذا حلَّ الدَّيْن فهل يجوز للمرتهِن أن يبيعه؟ نعم؛ لأن الشرط غير صحيح.
هذه مسألة، المسألة الثانية يقول: (أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده).
(إن جاءه) الفاعل مَنْ؟ الراهن، والمفعول؟ المرتهِن.
(بحقه) الضمير يعود على مَنْ؟ المرتهن، والحق هو الدَّيْن.
(إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له) فإنه لا يصح الشرط وحده، فإن جاءه بحقه في الوقت انفك الرهن، وإن لم يأتِ بحقه في الوقت المحدد بقي الرهن بحاله، وبقي الدَّيْن بحاله؛ لأن الشرط غير صحيح.
مثال ذلك: رجل أرهن شخصًا سيارة، قال: خذ السيارة رهنًا عندك، فإن جئتُ بحقك في أوَّلِ يومٍ من رمضان وإلا فالسيارةُ لك.
قال: ما فيه مانع.
اتفقا على هذا الشرط، الشرط هذا لا يصح، إذا جاء أول يومٍ من رمضان ولم يَجِئْ بحقه، بقيت السيارة على رهنها، وبقي الدَّيْن في ذمة الراهن، يعني كأن شيئًا لم يكن، ما دمنا ألغينا هذا الشرط صار كأنه لم يكن.
فإن قال قائل: ما وجه بطلان الشرط؟
قالوا: وجه بطلان الشرط أنه بيعٌ معلَّق، إن جاءه بحقه وإلا فالرهن له، وهذا بيع، لكنه بيعٌ معلَّق، ومن شروط البيع أن يكون مُنَجَّزًا، فالبيع المعلَّق غير صحيح، لا بد أن يكون مُنَجَّزًا، هذا وجه المنع.
وفيه أيضًا دليل آخر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (4)، يعني: لا يؤخذ منه قسرًا.
فأما التعليل الأول بأن البيع معلَّق فيحتاج إلى دليل، يعني يُقَال: ما هو الدليل على أن البيع المعلَّق غير صحيح؛ هذه واحدة.
أما الثاني: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ»، فهنا الرهن لم يَغْلَق من صاحبه، غَلَقُ الرهن من صاحبه أنه إذا حلَّ الدَّيْن ولم يأتِ به أخذه المرتهن قهرًا، سواءٌ يساوي الدَّيْن أو أكثر أو أقل، هذا الذي يقال إنه غُلِقَ من صاحبه، وأما إذا كان باختيار صاحبه فهو باختياره، ما فيه أحد أغلقه عليه، فصار هذا التعليل غير صحيح، والاستدلال غير صحيح.
نرجع إلى الأصل، الأصل في العقود وشروطها الجواز والصحة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا يشمل الوفاء بالعقد أصلِه وشرطِه، ولقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]، والشرط عهد، ولقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (5).
فعُلِمَ منه أن الشرط الذي لا ينافي كتاب الله صحيح، ولقول النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (6).
فهذه أربعة أدلة؛ اثنان من القرآن، واثنان من السُّنَّة، مع بطلان ما استدل به الأصحاب رحمهم الله.
التعليل قلنا: لا دليل عليه، والدليل قلنا: لا دلالة فيه.
وحينئذٍ يكون القول الثاني أن هذا الشرط صحيح، فإذا قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك في وقت كذا وإلا فالرهن لك، وقَبِلَ؛ فهو صحيح، وبهذا أخذ الإمام أحمد رحمه الله في فعله، فإنه اشترى -أظن- من بقال شيئًا ورهنه نعليه، الإمام أحمد، ما عنده فلوس! رهنه نعليه وصار يمشي حافيًا، وقال له: إن جئتك بحقك في الوقت الفلاني وإلا فالنعال لك، فوافق صاحب البقالة، يمكن النعال أكثر من قيمة الدَّيْن، والله أعلم.
على كُلِّ حال هذا عمل من الإمام أحمد -رَحِمَهُ اللَّهُ-، فيكون في المسألة عنه روايتان:
الرواية الأولى: القولية؛ أنه لا يصح؛ لدخوله في الحديث: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ».
والرواية الثانية: الفعلية، وهو أنه فعل ذلك بنفسه، وهذا هو القول الراجح.
بقي علينا أن يُقَالَ: ربما يكون الرهن حين العقد مساويًا للدَّيْن، لكن عند حلول الدَّيْن قد تزيد قيمته وقد تنقص، الإيراد واضح؟ نعم.
رهنه هذه السيارة بخمسين ألفًا، وقال: إن جئتك بحقك في أول يوم من رمضان وإلا فالسيارة لك، هي تساوي في ذلك الوقت خمسين ألفًا، لكن لما دخل رمضان صارت تساوي عشرين ألفًا، أو صارت تساوي ثمانين ألفًا، أفهمتم؟ هذا وارد ولّا غير وارد؟ وارد، فيكون حينئذٍ الثمن مجهولًا، وقد نهى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عن بيع الغَرَر (7).
يقال: أما إذا نقصت قيمة الرهن فإن المرتهن قد أسقط بعض الدَّيْن باختياره، دخل على بصيرة، وأما لو زادت فإن الراهن لا يمكن أبدًا أن يؤخِّر الوفاء عن وقته؛ لئلا تفوته هذه أيش؟ الزيادة، واضح؟
إذن فلا غَرَر، وذلك بالنسبة للمرتهن أنه يجوز أن يُسْقِط بعض حقه، وحصوله على بعض حقه خير من عدمه بالكلية، أما بالنسبة للراهن فقلت لكم: إنه لا يمكن أبدًا أن يؤخِّر الوفاء عن وقته إذا كان يعلم أن قيمة الرهن أكثر من الدَّيْن؛ لأنه لا أحد يرضى بهذا، لو ذهب يستقرض ويوفِي لفعل؛ لئلا تفوته هذه الزيادة، وعلى هذا يُجَاب عن هذا الإيراد فيزول الإشكال.
إذن الصحيح أنه إذا رهنه شيئًا وقال: إن جئتك بحقك في الوقت الفلاني وإلا فالرهن لك، الصحيح أن هذا جائز، شرطٌ صحيح ولازم.
يقول رَحِمَهُ اللَّهُ: (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ).
يعني لما حَلَّ الدَّيْن أتى الراهن بألف ريال، وقال للمرتهن: تفضل هذا دينك، أعطني الرهن، قال: الدَّيْن ما هو ألف ريال، الدَّيْن خمسة آلاف ريال.
فقال الراهن: بل هو ألف ريال.
يقول المؤلف: (يُقْبَل قول الراهن)، وهذا مُقَيَّدٌ بما إذا لم يكن للمرتهن بينة، أما إذا كان للمرتهن بينة فالقول قول مَنْ؟ القول قول ما شَهِدت به البينة، وهي شهدت للمرتهن، فيلزمه كم في المثال؟ خمسة آلاف.
كذلك أيضًا يُقْبَل قول الراهن مع يمينه، لا بد أن يحلف؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (8)، ونحن الآن لدينا طرفان: الطرف الأول الراهن ينكر أنه يلزمه خمسة آلاف، والطرف الثاني المرتهن يدعي أن له خمسة آلاف.
نطبق على الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، فنقول: القول قول الراهن بيمينه، وأما المرتهن فلا نقبل قوله إلا بالبينة.
وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه لا فرق بين أن يكون الدَّيْن الذي ادَّعاه الراهن قريبًا من قيمة الرهن أو بعيدًا؛ هذا ظاهر كلامه؛ أنه يُقْبَل قوله في قدر الدَّيْن مطلقًا، سواءٌ كان قريبًا من قيمة الرهن أو لا.
فلو رهنه سيارة مثلًا بِدَيْن، ولما حلَّ الدَّيْن جاء الراهن إلى المرتهن بمئة ريال، فقال المرتهن: الدَّيْن أكثر، الدَّيْن خمسة آلاف ريال، قال: لا، مئة ريال، فهنا عندنا أصل وعندنا ظاهر، ويش الأصل؟
الأصل عدم ثبوت ما ادعاه المرتهن؛ لأن الراهن أيش؟ ينكره، يقول: أبدًا، ما يلزمني إلا مئة ريال، فالأصل عدم لزوم ما ادعى به المرتهن.
لكن عندنا ظاهر، ما هو الظاهر؟ السيارة، لم تجر العادة أن شخصًا يرهن سيارة تساوي خمسة آلاف بمئة ريال، أو قل: تساوي خمسين ألفًا، قال: والله أنت تطلب المئة ريال، قال: سبحان الله! أنا أطلبك ثلاثين ألفًا، هذا مثال آخر، السيارة تساوي خمسين ألفًا وهو يقول - أعني المرتهن -: إن الدين ثلاثون ألفًا، وذلك يقول: الدين مئة ريال، مئة ريال ما تساوي ولا كفر السيارة، وهو يقول: سيارة بخمسين ألفًا يقول: رهنتها بمئة، فإذا كان هناك ظاهر وأصل، فأيهما نقدم؟
كلام المؤلف ظاهره العموم، لكن إذا أردنا أن نطبقها على قواعد الشريعة فإننا نقدم الأقوى من الظاهر أو الأصل؟ نقدم الأقوى، ولهذا لو ثبت ببينة أَخَذْنَا بما قالت البينة، ولو كان هذا ادعاء أقل، أعني الراهن.
على هذا نقول: إن الظاهر يُكذِّب مَنْ؟ يكذب قول الراهن، فيكون الأصل مع المرتهِن.
ولكن يبقى النظر: إذا ادعى المرتهن أن الدَّيْن خمسون ألفًا، بناءً على أن قيمة السيارة تساوي خمسين ألفًا، ولكن هذا لما رأى أنه غير مقبول قال: إذن الدَّيْن أربعون ألفًا، فهل في هذه الحال نقول: إن رهن سيارة قيمتها خمسون ألفًا قريبٌ من أن يكون الدَّيْن أربعين ألفًا، فهل لما رجع نقبل قوله، أو نقول: إن هذا الرجل كاذب فلا يُقبل قوله؟
الظاهر أن الثاني هو الأَوْلَى، وعليه فنقول: يكون الدَّيْن ما ادَّعَاه المرتهِن.
وعلى هذا لنأخذ قاعدة في هذه المسألة: متى ادعى أحدهما ما يخالف الظاهر مخالفة بينة فإننا لا نقبله.
طالب: في هذا الوقت إذا اتفق الراهن والمرتهن على إن خلى الدَّيْن وما أوفيته إليه والرهن له، ثم نقص قيمة الرهن، ثم نقصها المرتهن من دَيْنِه بنصف مثلًا، والنصف الآخر يطلبه من الراهن و.. الشيخ: إي، لا ما يحصل، لا يحصل هذا، يعني لو أنه قال: إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك، فقال: قبلت، وحَلَّ الدَّيْن ولم يأت بحقه، وصار الرهن يساوي نصف الدَّيْن فقط، نقول للمرتهن: ليس لك إلا هذا.
طالب: فيه غرر.
الشيخ: ما فيه غرر، أرأيت لو حلَّ الدَّيْن وقال: أسقطت نصفه، يجوز أو لا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: يجوز، هذا هو، هذا يقول: الآن حلَّ الدَّيْن والرجل لم يوفينِي، يكفيني نصفه، وهو قيمة الرهن الذي نقص.
طالب: ونصفه (... ).
الشيخ: أجبنا عنه، هذا الغرر أجبنا عنه، ولّا لا يا جماعة؟ أجبنا عنه، وقلنا: الحق الآن للمرتهن، والمرتهن إذا حلَّ الدَّيْن وقال المدين: ما عندي إلا هذا، يجوز أن يتنازل.
طالب: شيخ، حفظك الله، ما اتضح الوجه الثاني؟
الشيخ: اللي هو؟
الطالب: تَكَلُّمُنَا عن فيما إذا جعل الوفاء فزادت قيمة الرهن أو نقصت، فذكرنا أنه بالنسبة للمرتهن هو الذي رضي بهذا الشيء، هو الذي أسقط حقه، فبالنسبة للراهن ما اتضح يا شيخ.
الشيخ: بالنسبة للراهن قلنا: إنه لا يمكن للراهن إذا عرف أن قيمة الرهن أكثر من دَيْنِه، لا يمكن أن يتوانى في الوفاء، لا بد أن يَحُثّ نفسه حتى يوفي، إذا كان دَيْنُه ثلاثين ألفًا والسيارة تساوي خمسين ألفًا، وحلَّ الدَّيْن، قَرُب حلول الدَّيْن، لا بد أن يبحث عن ثلاثين ألفًا حتى يوفي.
(... )
طالب: إذا حَلَّ الدَّيْن ولم يَفِ بالرهن، وقال الراهن للمرتهن: إن حلَّ الدَّيْن أوفيتك (... ) إذا غلق الدَّيْن (... ) فإنه لن يتضرر هذا الراهن لأنه سوف يوفيه بالنقود.
الشيخ: قلنا: لا بد أن يستقدر.
الطالب: يستقدر من غيره.
الشيخ: إي يستقدر من غيره.
الطالب: من نفسه هو.
الشيخ: من نفسه أو من غيره؛ لأن مصلحته لا يمكن أن يضيعها أبدًا.
طالب: شيخ، إذا قامت الراهن يا شيخ، إذا جاء إنسان للراهن وقال: أريد أن أشتري الرهن، فلا يجوز بيعه، ولكن إذا قال له: إن أوفيت الدَّيْن فالرهن عليك بكذا، يجوز؟
الشيخ: إن أوفيتَ؟
الطالب: يعني إن سددت الدَّيْن فالرهن.
الشيخ: يقوله الطرف الثالث؟
الطالب: إي نعم، يعلِّق بيع الرهن على سداد الدَّيْن.
الشيخ: يعني أنا أسدد عنك والرهن لي.
الطالب: لا يا شيخ؛ نفس الراهن يقول: إذا سددت الدَّيْن يعني أوفيت، فإن الرهن الذي رهنتُكَه عليك بكذا.
الشيخ: إي، ما يصح هذا؛ لأنه مجهول.
طالب: علشان ربما معلَّق.
الشيخ: لا، ما هو علشان معلق، علشان مجهول الآن، القيمة قد ترتفع وقد تنقص، والغالب من هذا ما يكون إلا إنسانًا مضطرًّا.
طالب: شيخ، إذا قال الراهن: إذا حال الأجل..
الشيخ: إذا حال ولّا إذا حَلَّ؟
الطالب: إذا حلَّ الأجل فالرهن لك، وحلَّ الأجل، وأخذ المرتهن الرهن، ونقصت القيمة، هل يجب على الراهن إعطاء المرتهن مقدار النقص؟
الشيخ: لا.
الطالب: وفي حال الزيادة، هل يجب على المرتهن إعطاء الرهن.. ؟
الشيخ: لا، هذا بيع تام.
طالب: شيخ، بالنسبة للمرتهن عندما يأخذ الرهن فإنه يأخذه في المقابل بعض دَيْنِه، هل يكون هذا إجحافًا في حق المرتهن أن يأخذ بعض دَيْنِه.
الشيخ: المرتهن راضٍ، أرأيت لو حلَّ الدَّيْن وقال الراهن: ما عندي شيء، فقال: أنا يكفيني نصفه، أعطني نصفه والباقي مُعْفًى عنه، ما هو يجوز هذا؟
الطالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: هذا يجوز على القول الراجح؛ لأن بعض العلماء ما يُجَوِّزُه، ولكن نحن نرى أنه جائز، فهذا مثله، هذا راضٍ بالنقص؛ لأنه كونه يعطيه بعض ماله ولا يفقد كُلَّ ماله.
الطالب: يا شيخ في حالة عدم رضاه، هل نعطيه هذا الرهن؟
الشيخ: هو راضٍ.
الطالب: أقول: في حالة..
الشيخ: وإذا كان.. شوف، المسألة ما هي إلزامية حتى يَرِد هذا الإشكال عليكم، المسألة إذا قال: لن أقول: إذا حلَّ الدَّيْن ولم أوفِ فالرهن لك، ما أنا بقائل، نبغي الرهن عادي، إذا حَلَّ الدين يباع الرهن ولي غنمه وعليَّ غرمه، يعني لا تظن المسألة ملزِمة، لكن هل يصح الشرط أو لا يصح، هذا محل الخلاف؟ أما أنه هل يلزم أو لا يلزم، هذا ما هو لازم، يعني لو أن الراهن لم يقل هكذا، لم يقل للمرتهن: إن حلَّ الدين وأنا لم أُوفِ فهو لك، فلا عليه، هذا هو الأصل في الرهن.
الطالب: شيخ، أيضًا في حالة البيع مثلًا يكون الرهن أقل مثلًا من دَيْنِه الذي هو له.
الشيخ: ما يخالف، قلنا: دَيْنُه خمسون ألفًا، حلَّ الدَّيْن ولم يوفِ، والسيارة المرهونة تساوي الآن ثلاثين ألفًا، فقال المرتهن: أنا أقبلها بثلاثين ألفًا، هل يُمْنَع من هذا؟
الطالب: لا.
الشيخ: أيضًا هذه المسألة.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى: (أو إن جاءه بحقِّه في وقتِ كذا وإلا فالرَّهْنُ له، لم يصحَّ الشرطُ وحدَه، ويُقبَلُ قولُ الراهنِ في قدر الدَّيْنِ والرَّهْنِ ورَدِّهِ، وفي كونِه عصيرًا لا خمرًا، وإن أَقرَّ أنه مِلْكُ غيرِه أو أنه جَنَى قُبِلَ على نَفْسِه، وحُكِمَ بإقراره بعد فَكِّه، إلا أنْ يُصدِّقَه المُرْتَهِنُ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
لماذا لا يصح شرط: إن جاء بحقه وإلا فالرهن له؟
طالب: لماذا لا يصح الشرط؟ قالوا: لأنه يعتبر بيعًا معيَّنًا، والبيع لا بد أن يكون مُنَجَّزًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: كذلك استدلوا بالحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُه، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (9).
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، هل هناك قول آخر؟
طالب: نعم فيه قول آخر.
الشيخ: وهو؟
الطالب: أنه يجوز.
الشيخ: أن الشرط جائز.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم.
ما دليل هؤلاء؟
الطالب: دليل هؤلاء عدم الدليل، وهو أن تعليلهم هذا ليس عليه دليل، والدليل أنه لا يغلق على الراهن أن هذا أغلق وهو موافق عليه.
الشيخ: إي، يعني والحديث مُنَزَّل على ما كانوا يفعلون في الجاهلية إذا حَلَّ الأجل ولم يَقْضِ الدَّيْن أخذه قهرًا، بارك الله فيك، أنت قلت: إن الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟ لماذا؟
الطالب: لأن الأصل في البيع الحِلّ.
الشيخ: أحسنت، وكل مَن ادعى خلاف الأصل نقول له: الدليل عدم الدليل؛ لأنه لا بد من دليل ينقل على الأصل، وإلا فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
هذه الرواية أو هذا القول هل عمل به الإمام أحمد؟
طالب: نعم.
الشيخ: كيف؟
الطالب: رُوِيَ عنه أنه اشترى من بقال ولم يكن معه ثمن يستوفيه، فرهن عنده نعالًا، فقال: أوفي لك بالثمن في وقت كذا وإلا فالنعال لك.
الشيخ: إي نعم، هكذا فعل الإمام أحمد رحمه الله.
يقول المؤلف: إذا اختلف الراهن والمرتهن في قدر الدَّيْن فمَن نقدِّم؟
طالب: نقدِّم قول الراهن.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه هو الغارم.
الشيخ: لأنه غارم، توافقون على هذا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: طيب، هل هذا على إطلاقه أنه يقدِّم قول الراهن؟
طالب: ليس على إطلاقه، إذا وُجِدَت قرينة تصرف عن قبول قوله فلا يُقْبَل، أما إذا لم توجد قرينة فنعم يُقْبَل.
الشيخ: كأنك فهمت أنه ليس على إطلاقه من قولي: هل هذا على إطلاقه، صحيح؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لماذا لم يكن على إطلاقه؟
الطالب: هو في الأصل أنه يبقى القول، لكن لو وُجِدَت قرينة تكذِّب قوله..
الشيخ: مثال؟
الطالب: يقول مثلًا: الرهن هذا صفته كذا، ولَمَّا تأملوا فيه وَجَدُوا أن القرينة لا تؤيد ما..
الشيخ: لا؛ لأن الآن الاختلاف في قَدْر الدَّيْن، يعني قال المرتهن: إن الدَّيْن خمسون ألفًا، وقال الراهن: الدَّيْن ألف ريال.
الطالب: قال الراهن: الدَّيْن ألف ريال؟
الشيخ: إي نعم، وذلك يقول: هو خمسون ألفًا.
الطالب: ننظر في الرهن كم يساوي.
الشيخ: إي، يعني معناه أننا ننظر إلى قيمة الرهن، إذا كانت تُرَجِّح قول المرتهِن فالقول قول.. ؟
الطالب: قول المرتهن، وإلا فـ..
الشيخ: يعني مثلًا لم تَجْرِ العادة أن الإنسان يرهن سيارة تساوي خمسين ألفًا ويتعطل من منفعتها بألف ريال، هذا ما جرت به العادة.
إذن معناه نرجع إلى قرينة الحال فنُغَلِّب من شهدت له القرينة، وذكرنا أن هذا من باب تعارض أيش؟
طالب: من باب تعارض الظاهر والأصل.
الشيخ: من باب تعارض الظاهر والأصل، وإذا تعارض الأصل والظاهر فأيهما نقدِّم؟
الطالب: نقدم الأقوى منهما.
الشيخ: الأقوى منهما، تمام.
قال: (وَيُقْبَلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ في رَدِّهِ).
أي: في رد الرهن، يعني: لو ادعى المرتهِن أنه رد الرهن إلى الراهن، وقال: لم ترده، فالقول قول الراهن، كيف يكون القول قول الراهن؟ لأن الأصل عدم الرد، وبقاءُ ما كان على ما كان، والرهن الآن في يد مَنْ؟ في يد المرتهِن.
فإذا قال قائل: ألستم تقولون: إن الوديعة -المودَعة يعني- لو ادَّعَى رد الوديعة إلى المودِعِ قُبِل قوله، فلماذا لا تقبلون قول هذا -أي قول المرتهن في رد الرهن؟ - فاهمون الإشكال الآن؟ يعني: إنسانٌ أعطى شخصًا وديعة قال: خذ هذه الساعة أمانة عندك، وبعد مدة جاء صاحب الساعة يطلبها، فقال المودَع: إني قد أعطيتُكها، فيُقْبَل قول المودَع، وهذا المرتهِن لا نقبل قوله، لماذا؟ لأن لدينا قاعدة: أن مَن قَبَضَ الشيء لحظ نفسه لم يُقبَل قوله في الرد، هذه القاعدة، ومَن قبضه لحظ مالكه قُبِلَ قوله في الرد.
أما في التلف فيُقبَل قولهما جميعًا، يعني لو ادعى المرتهن أن الرهن تلف قُبِل قوله؛ لأنه أمين، وفي نظم القواعد:
كُلُّ أَمِينٍ يَدَّعِي الرَّدَّ قُبِلْ
..................................
وعلى هذا فنقول: إذا ادَّعَى المرتهن أنه رد الرهن إلى الراهن فإننا لا نقبل قوله؛ فالقول قول الراهن.
واعلموا أن كُلَّ من قلنا: القول قوله، فلا بد من اليمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم: «الْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (8).
(وفي كونه عصيرًا لا خمرًا) يعني: يُقْبَل قول الراهن في كونه عصيرًا لا خمرًا، ولكن هذا في صورة معينة، يُقْبَل قول الراهن في كون الرهن عصيرًا في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، ولهذا يحتاج إلى هذا القيد: في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، بأن قال المرتهن: بعتُك هذه السلعة على أن ترهنني هذا العصير، قال: طيب، فأرهنه العصير.
ثم رجع المرتهن وقال: إن العصير كان خمرًا، يعني فلا يصح الرهن، إذا كان خمرًا لم يصح الرهن، وإذا لم يصح الرهن يقول البائع: فلي الفسخ؛ لأني اشترطت رهنًا، وتبيَّن أن الرهن غير صحيح، فلي الفسخ؛ لأنه صار العقد الآن بلا رهن، وأنا لم أَبِعْهُ إلا برهن، فقال الراهن: إنه كان عصيرًا وليس خمرًا، وإذا كان عصيرًا صار الرهن صحيحًا، وإذا كان صحيحًا فلا خيار للبائع، واضح؟ غير واضح.
مثلًا: رجل اشترى من شخص ساعة وليس معه ثمن، لكن معه كرتون عصير، كرتون العصير معروف ولّا لا؟ واضح، فقال للذي اشترى الساعة: خذ هذا الكرتون رهنًا، فقال: لا بأس، أبيعك هذه الساعة بمئة ريال بشرط أن ترهنني كرتون العصير، فقبضه المرتهن، قبض الكرتون رهنًا، ثم بعد أيام رجع، وقال: وجدت الكرتون خمرًا، يعني قد تخمَّر؛ لأن العصير إذا تأخَّر يكون خمرًا، وجدته خمرًا، ليش يقول هذا الكلام؟
طلبة: ليفسخ العقد.
الشيخ: ليكون العقد على هذا الخمر باطلًا، ما صح الرهن الآن، لما تبيَّن أنه خمر فالخمر لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا يجوز رهنه، تبين الآن أن الرهن غير صحيح.
لما تبين أن الرهن غير صحيح والبيع مشروط بالرهن صار الراهن لم يَفِ بالشرط حقيقةً، فيقول البائع الآن: لي الفسخ -فسخ العقد-؛ لأني بعتك بشرط الرهن، وتبيَّن أن الرهن غير صحيح، فلي الفسخ.
فقال الراهن: بل إنه كان عصيرًا وتخمَّر عندك، ليش؟ ليصح الرهن، فلا يكون للبائع فسخ العقد، واضح ولا ما هو بواضح؟ واضح.
إذا قال قائل: لماذا نقبل قول الراهن في هذه المسألة ولا نقبل قول المرتهن؟
نقول: لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، هو عصير، والأصل أنه عصير باقٍ، فيكون تَخَمُّرُه في عهدة مَنْ؟ في عهدة المرتهِن، والأصل أن هذا العصير باقٍ لم يتخمَّر، وحينئذٍ لا فسخ للبائع، واضح يا جماعة؟ الحمد لله.
يقول: (في كونه عصيرًا لا خمرًا).
إذن كلام المؤلف -رَحِمَهُ اللَّهُ- يحتاج إلى قيد، ما هو القيد؟
في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن، فرهن عصيرًا ثم ادعى المرتهِن أنه كان خمرًا من أجل أن يفسد الرهن، ثم يكون له الخيار في عقد البيع.
قال: (وإن أقر أنه ملك غيره)، (أقر) الفاعل يعود على الراهن، إن أقر الراهن أنه ملك غيره قُبِل على نفسه، ولم يُقبَل على المرتهِن، وهذا لا شك أنه عين الحكمة.
يعني هذا رجل رهن سيارة شخصًا استدان منه مئة ألف، ثم بعد يومين ثلاثة رجع المرتهن وقال: السيارة ليست لي، السيارة لفلان وهذه استمارتها، هنا ماذا نقول؟ القول قول مَنْ؟ قول الراهن من وجه، لكن لا على حق المرتهن.
نقول: الآن يُقْبَل إقرارك، لكن لا نحكم بمقتضاه حتى ينفك الرهن، تبقى السيارة الآن مرهونة، وإذا انفك الرهن قلنا: رجِّعها لمن أقررت أنها ملكه، أما الآن فلا؛ لأن هذا يؤدي إلى إبطال حق مَنْ؟ حق المرتهن، وحق المرتهن سابق على هذا الإقرار فيقدَّم عليه.
وهذا لا شك أنه عين الحكمة؛ لأننا لو لم نقل بذلك لكان كلُّ راهنٍ مبطِل إذا رهن ادَّعى أنه ملك لفلان، يعني اتفق هو وفلان وقال: تعالَ، أنا أريد أن أُقِرَّ بأن هذا الشيء لك، علشان أيش؟ علشان يقول: أنا رهنت ملك غيري، فنقول: الرهن باقٍ بحاله، وإذا انفك الرهن أخذه المُقَرُّ له، واضح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، إذا قدَّرْنَا أن الرجل لم يُوفِ الدَّيْن فهل يُبَاع؟ نعم يُبَاع، ويرجع المُقَرُّ له على مَنْ؟ على الراهن..
أو أنه جَنَى قبلُ على نفسِه, وحَكَمَ بإقرارِه بعدُ فَكَّه إلا أن يُصَدِّقَه الْمُرْتَهِنُ.
(فصلٌ)
ولِلْمُرْتَهِنِ أن يَرْكَبَ ما يَركبُ ويَحْلُبُ ما يَحْلُبُ بقَدْرِ نَفَقَتِه بلا إِذْنٍ، وإن أَنْفَقَ على الرَّهْنِ بغيرِ إذنِ الراهنِ معَ إمكانِه لم يَرْجِعْ، وإن تَعَذّرَ رَجَعَ ولو لم يَستأْذِن الحاكمَ، وكذا وَديعةٌ ودَوَابُّ مُستأْجَرَةٌ هَرَبَ رَبُّها، ولو خَرِبَ الرهنُ فعَمَّرَه بلا إذنٍ رَجَعَ بآلَتِه فقطْ.
(باب الضمان)
ولا يَصِحُّ إلا من جائزِ التَّصَرُّفِ، ولِرَبِّ الحقِّ مُطالَبَةُ مَن شاءَ منهما في الحياةِ والموتِ، فإن بَرِئَتْ ذِمَّةُ الْمَضمونِ عنه بَرِئَتْ ذِمَّةُ التضامُنِ، لا عَكْسُه، ولا تُعْتَبَرُ مَعرِفَةُ الضامنِ للمَضمونِ عنه ولا له, بل رِضَا الضامنِ، ويَصِحُّ ضَمانُ المجهولِ إذا آلَ إلى العِلْمِ
وإذا انفك الرهن أخذه المُقَرُّ له، واضح؟
طالب: نعم.
الشيخ: طيب، إذا قدرنا أن الرجل لم يوفِ الدَّيْن فهل يباع الرهن؟ نعم يُبْاع، ويرجع المُقَر له على مَنْ؟ على الراهن؛ لأن الراهن هو الذي أتلفه؛ حيث رهنه، هذا إن بقي على إقراره أنه لغيره.
إذن هذا الإقرار قُبِل من وجه، ولم يُقْبَل من وجه آخر.
الشيخ: فسر لي الوجهين؟
طالب: يُقْبَل قوله إذا أقر بأنه ملكٌ لغيره.
الشيخ: نعم، قلنا: يُقْبَل من وجه، ولا يُقْبَل من وجه.
الطالب: يقبل من وجه، بإقراره هذا لا يضيع حق المرتهن بأنه يبقى في..
الشيخ: يعني من قِبَل المرتهن لا يُقْبَل؟
الطالب: من ناحية المرتهن لا يُقْبَل؛ يعني: يبقى الرهن على ما هو عليه حتى يؤدي الدين.
الشيخ: طيب، ومن جهة المقَر له؟
الطالب: ومن جهة المقَر له يقبل أنه ملكه، فإذا حلَّ موعد السداد ولم يسد الدين بيع وأحيل على (... ).
الشيخ: المهم أنه يقبل في حق المقَر له فيطالبه بمقتضى إقراره.
يقول: (أو أنه جنى) (أو أنه) أي: الرهن، (جنى)، مَنِ المقِر؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: الراهن.
(أو أنه جنى) يُقْبَل على نفسه ولا يُقْبَل في حق المرتهن.
صورة المسألة: رجلٌ رهن عبدًا، وبعد أن تم عقد الرهن قال: إن هذا العبد قد جنى على فلان؛ إما بالنفس، أو بما دونها، أو بالمال، والعبد إذا جنى تتعلق الجناية برقبته، فيقال لسيده: إما أن تُسَلِّم الجناية، وإما أن تُسَلِّم العبد في مقابلة الجناية، وإما أن تبيع العبد وتُسَلِّم ثمنه للمجني عليه، ثلاثة أمور؛ لأنه يتعلق برقبته، المرتهن الآن ادعى أن العبد جنى على فلان..
طالب: الراهن.
الشيخ: نعم، الراهن، أحسنتم.
الراهن ادعى أن هذا العبد جنى على فلان، ومعلوم أن حق المجني عليه متعلق بالرقبة، أقوى من تعلق حق المرتهن، المرتهن متعلق بالرهن تعلُّق توثقة، ما هو ضمان، فهو أراد أن يبطل حق المرتهن بهذا الإقرار، فيقال له: إقرارك مقبولٌ من وجه، غير مقبول من وجه، من جهة المجني عليه الذي أقررت أن العبد جنى عليه: الإقرار مقبول، ومن جهة حق المرتهن: غير مقبول، تمام.
إذن ماذا نعمل بالنسبة للمجني عليه؟ نقول: يبقى العبد الآن رهنًا، ثم إذا انفك الرهن أوفينا المجني عليه حقه.
يقول: (قُبِلَ على نفسه)، (قُبِلَ) الضمير يعود على؟
طلبة: الراهن.
الشيخ: خطأ، يعود على الإقرار؛ أي: إقرار الراهن.
(على نفسه) الضمير هنا يعود على الراهن، يُقْبَل على نفسه؛ يعني: لا على المرتهن.
(وحكم بإقراره بعد فكه)، (حكم بإقراره) أي: بمقتضى إقراره، (بعد فكه)، فإذا كان أقر أنه ملك غيره نقول: إذا انفك الرهن ينتزعه المقَر له؛ يرجع للمقَر له، إذا كان جانيًا ينتزعه المجني عليه، أو يُبَاع ويُعْطَى قيمته؛ يعني: إما أن يفديه سيده ويقول: أنا أدفع الجناية كلها، أو يُسَلِّم العبد للمجني عليه، أو يبيع العبد ويعطيه قيمته؛ يُعْطَى المجني عليه.
قال: (إلا) استثنى المؤلف قال: (إلا أن يصدِّقه المرتهن)، (صدقه) الهاء يعود على مَنْ؟ الراهن، والمرتهن فاعل؛ يعني: إلا إذا صدَّق المرتهنُ الراهنَ في دعوى أنه ملك غيره أو أنه جنى، فإذا قال المرتهن: نعم، هو ملك غيرك، حينئذٍ يبطل الرهن، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: لأن الآن المرتهن أقر بأن الرهن غير صحيح؛ إذ إن الراهن رهن ما لا يملك، فيبطل الرهن ويُسَلَّم لمن أقر له الراهن.
وكذلك إذا قال المرتهن: نعم، العبد جنى.
نقول: خلاص، الآن الجناية مقتضاها تَعَلَّق برقبته، فسلِّمِ العبد لسيده.
لكن هل يمكن أن المرتهن يصدِّق الراهن في أمرٍ يُبطل حقه؟
طالب: يمكن.
طالب آخر: لا.
الشيخ: كيف لا؟ يمكن، إما أن يعرف أن هذا الراهن رجل صدوق ما يمكن أن يكذب، لكن اغتر أو نوى الخداع في أول الأمر ثم تاب، هذه واحدة، وإما أن يثبت ذلك ببينة، لكن إذا ثبت ببينة حكم بمقتضى البينة، سواءٌ صدقه المرتهن أم لم يصدقه، إي نعم؛ لأن كلامنا الآن على مجرد الإقرار.
ثم قال المؤلف: (فصلٌ: وللْمُرتَهِن أن يَرْكب ما يُرْكَب ويَحْلب ما يُحْلَب بقدر نفقته).
(للمرتهن) الذي له الدين، (أن يَرْكب ما يُرْكَب ويَحْلب ما يُحْلَب بقدر نفقته) (بقدر نفقته) متعلقة بـ (يَرْكب) و (يَحْلب) فقد تنازعها عاملان؛ يعني إذا كان الرهن مما يُركب، مثل؟
طالب: الحمار.
طالب آخر: الفرس.
طالب آخر: الحصان.
طالب آخر: السيارة.
الشيخ: لا، السيارة لا.
طالب: ما يركب من الحيوان.
الشيخ: نعم، ما يركب من الحيوان؛ بعير، حمار، بقرة.
طالب: لا، تركب البقرة.
الشيخ: البقرة لا تركب عادةً، لكن مما يُحلب، له أن يركبه بقدر النفقة، سواءٌ ركبه في داخل البلد أو ركبه في سفر، بشرط ألَّا يكون عليه في السفر ضرر؛ أي: على المركوب، فإن كان عليه ضرر فليس له ذلك، لكن إذا لم يكن عليه ضرر.
فيقال مثلًا: هذا البعير الذي يركبه المرتهن لو استُؤجر لمدة عشرة أيام لكانت الأجرة مئة، والنفقة بقدر مئة، حينئذٍ تساوت النفقة وتساوت الأجرة، فيكون لا له شيء وليس عليه شيء؛ لأنه ركب بقدر النفقة.
فإن كانت أجرته أكثر من النفقة فلا بد أن يدفع ما زاد على النفقة، إذا قدَّرنا أن نفقته خمسون وأن أجرته مئة، فعليه أن يدفع كم؟ خمسين؛ لأنه لو لم يفعل لكان ظالمًا للراهن، وإذا كان دينه قرضًا صار دينه قرضًا جرَّ نفعًا.
لو كان بالعكس: نفقته مئة وأجرته خمسون، فهل يرجع على الراهن بما زاد؟ نعم، يرجع على الراهن بما زاد.
النفقة مئة، وأجرة مثله خمسون، الآن يطالب الراهن بما زاد على النفقة وهو خمسون.
وكذلك يُقَال فيما يُحْلَب؛ كالشاة والبقرة.
طالب: الناقة.
الشيخ: الناقة في الغالب تُرْكَب؛ ولهذا مثَّلنا في الأول بالناقة.
هذا إنسان رهن بقرة وصار يحلبها، نقول: لك أن تحلبها بقدر النفقة، فإذا كان ثمن حليبها مئة في الأسبوع ونفقتها في الأسبوع مئة، ففي هذه الحال لا له ولا عليه، وإن كان الحليب يساوي مئتين في الأسبوع والنفقة مئة دفع للراهن مئة، لكن هذه المئة تكون رهنًا -انتبهوا- لأنها من نمائه، وإن كان بالعكس: النفقة مئتان، واللبن يساوي مئة، يرجع على مَنْ؟ على الراهن بما زاد على ثمن الحليب.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل، وما هي الحكمة؟
قلنا: الدليل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ».
رواه البخاري (1).
فقول الرسول: «بِنَفَقَتِهِ» (الباء) هنا ليست للسببية ولكنها بدليَّة، فيكون الركوب بمقدار النفقة، وكذلك الحليب بمقدار النفقة، فإذا زاد أو نقص فعلى ما شرحنا لكم.
أما الحكمة فلأن الحيوان يحتاج إلى نفقة؛ يحتاج إلى طعام وشراب وظلال وتدفئة في أيام الشتاء، ولو قلنا بأن المرتهن يقوم بهذا ثم يرجع على الراهن لحصل في هذا نزاع وشقاق، وكل يوم يأتي للراهن: أعطني نفقة هذا، ويحصل مشقة، فمن الحكمة أن الشرع جعل المركوب يُرْكَب بالنفقة، والمحلوب يُحْلَب بالنفقة.
وبناءً على هذا نقول: إن السيارة ليست كالبعير، لماذا؟
طالب: ما تحتاج نفقة.
الشيخ: ما تحتاج لنفقة.
طالب: بنزين؟
الشيخ: بنزين إذا مشت، لكن ما دامت ساكتة ما تبغي نفقة، لكن البعير؟
طالب: يموت.
الشيخ: يموت نعم، إلا على رأي بعض العامة فإن السيارة تحتاج إلى نفقة، فإن بعض الناس أول ما ظهرت السيارات لما قدم من كان في سيارة ذهبوا يحصدون المزرعة ويقدمون العلف للسيارة! على رأي هؤلاء تحتاج نفقة.
على كُلِّ حال الآن الحكم فيما يحتاج إلى نفقة لسد نفقته، والدليل كما سمعتم.
وقوله: (بلا إذن) ممن؟ بلا إذن من الراهن، اكتفاءً بإذن الشارع؛ بإذن محمد صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُحْلَبُ»، ومعلوم أن إذن الشارع مقدم على كل إذن؛ ولهذا إذا لم يأذن الشارع بشيء وأذن المالك به يُنفَّذ ولَّا لا؟ لا ينفذ، فإذا أذن الشارع بشيء نُفِّذَ ولو لم يأذن به المالك، وهنا صرح المؤلف رحمه الله: (بلا إذن).
طالب: وإذا كان (... ) يُقْبل قول الراهن من وجه ولا يُقْبل قوله في حق المرتهن؟
الشيخ: في المسألة الأولى؟
الطالب: في المسألة الأولى، يصدق المرتهن وبعد يقبل قوله (... ).
الشيخ: إذا صدَّق.
الطالب: إذا صدق، وهنا يجي بعض الناس (... ) مثلًا يأخذ من هذه السيارة يقول: هذا (... ) ثم بعد يوم يومين يقول: هذا (... ) ويصدق المرتهن فكان دينه (... ) مع أنه (... ) لأن جميع الناس (... )؟
الشيخ: إي نعم، أفهمتم سؤاله؟ يقول: إذا صدق المرتهن بأن الرهن ليس ملكًا للراهن طبعًا سيرفع يده عنه، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: يقول: هل يبطل حق المرتهن أو يكن له الخيار؟
نقول: إذا كان في عقدٍ شُرِطَ فيه الرهن فله الخيار، وأما إذا كان الرهن بعد انتهاء العقد؛ يعني: بعد أن انتهى العقد وثبت الدين في ذمة الراهن جاء المرتهن وقال: يا أخي أعطني ديني، وإلا فأعطني رهني، فهنا لا ينفسخ العقد؛ لأن الرهن صار غير مشروطٍ في العقد.
طالب: إذا رهن شيئًا، مثلًا رهن بُرًّا في أكياس، ثم بعد مدة أتى الراهن وقال: أعطني الرهن -مثلًا- بعد أن سَدد، فوجد أن الذي بالأكياس ليس بُرًّا، بل تراب، فيقول المرتهن: إن الأصل فيها تراب، والراهن يقول: بُر؟
الشيخ: وأيش الأصل؟
الطالب: ما فيه أصل.
الشيخ: ما فيه أصل؟
طالب: الأصل أنها بر يا شيخ.
الشيخ: وذاك يقول: الأصل أنها تراب.
الطالب: لا، هو عقد على أن الرهن بُر، والأصل تصديق قول الراهن في ذلك.
الشيخ: لا، هذه تحتاج إلى تأمل، هذه ليست كالعصير؛ لأن العصير اختلاف وصف، ويُقْبَل قول الراهن كما عرفتم، لكن هذا اختلف في عين، وربما تأتينا -إن شاء الله- اختلفا في عين هل هو بُر ولَّا تراب، يحتاج إلى تأمل.
طالب: بارك الله فيكم، لو أن المرتهن قال: أنا لا أريد أن أركب ولا أن أحلب؛ لأني (... )، هل نلزم الراهن بالنفقة؟
الشيخ: يقول المؤلف: (وللمُرتَهِن أن يَرْكَب) ولم يقل: وعلى المرتهن، (له) واللام لأيش؟ للإباحة؛ لأن الأصل أنه لا يجوز أن يستعمل هذا الرهن، مُلك غيره، لكن الشارع أباح له ذلك، فإذا قال: أنا لا أريد، أنا مستغنٍ، عندي حليب وعندي سيارة وعندي بعير أخرى، فهنا على المذهب تُعَطَّل، ما تُؤجَّر، والنفقة على الراهن.
طالب: إذا ثبت أن الراهن متلاعب في دعواه الإقرار، فهل للحاكم أن يغرمه ذلك الرهن تأديبًا له؟
الشيخ: أنه أيش؟
الطالب: يعني إذا قال: إن هذا الرهن ملك لفلان، وثبت أنه كاذب، فهل للحاكم مثلًا أن ينزع عنه ملكية هذا الرهن تأديبًا له؟
الشيخ: لا، لكن يؤدبه بما شاء.
الطالب: طيب، إذا أقر المرتهن أو إذا صدق الراهن وقال: أصدقه، لكن ما أعطيه إلا إذا أعطاني رهنًا مكانه، فهل ذلك له؟
الشيخ: لا، ليس له.
طالب: شيخ، إذا المرتهن حلب من هذه الدابة ثم ما زاد يزود منها باعه، وكان قيمة الدين مئة، فاجتمع له من ثمن هذا الحليب مئة، وجعله مع الرهن، فهل ينفك الرهن؟
الشيخ: خلاص إذا صار مئة يأتي الراهن ويقول: هذه المئة الدين، وأعطني دابتي.
الطالب: ينفك بها الرهن؟
الشيخ: لا، ينفك إذا أوفاه؛ يعني: إذا علم (... ) الراهن؛ لأن هذه ملك للراهن ورهن للمرتهن؛ المئة ملكٌ للراهن ورهنٌ للمرتهن.
الطالب: لتبقى مع الراهن؟
الشيخ: الآن ليش تبقى، ما دام الآن أدرك من نمائها مقدار حقه فليخبر الراهن، ثم يجري الاتفاق بينهما.
طالب: مسائل ذكرها الأخ عبد الله يا شيخ.
الشيخ: وهي؟
الطالب: إذا كل واحد ادعى منهما أن هذا يقول: رمل وهذا يقول: إنه بر، ممكن نرجع إلى القيمة -يا شيخ- أيهما أقرب إلى الدين؛ مقدار الدين.. ؟
الشيخ: لا، التراب ما له قيمة.
طالب: إذا رهن -مثلًا- بيتًا عند خمسة؛ يعني كل واحد يستدين منه ويرهن هذا البيت.
الشيخ: نعم؟
الطالب: كل واحد يستدين منه هذا الرجل يرهن هذا البيت؛ نفس البيت.
الشيخ: إي، نعم.
الطالب: كيف؟ وقال بعد فترة..
الشيخ: المعتبر الأول؛ المرتهن الأول.
الطالب: ما يقبل (... ) ما يقبل -يا شيخ- الأول.
الشيخ: الأول، العبرة الأول.
الطالب: والباقون؟
الشيخ: الباقون راح حقهم؛ لأنه تبين أنه مرهون، لكن للحاكم في مثل هذه الحال إذا استوفى الأول أن يقول هو رهنٌ للباقين، ويمشِّيهم على الأول فالأول.
إذا شرط ألَّا يبيعه إذا حلَّ الدين، فما حكم الشرط؟
طالب: ألَّا يبيعه إذا حل الدين؟
الشيخ: نعم، شرط الراهن على المرتهن أنه إذا حلَّ الدين ولم يوفه فإنه لا يبيع الرهن، فما حكمه؟
الطالب: يبيعه.
الشيخ: كيف يبيعه؟ ! حكم الشرط.
الطالب: (... ).
الشيخ: صحيح ولَّا غير صحيح؟
الطالب: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح، أليس الرسول يقول: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (2)؟
طالب: إي، ولكن يضيع حق الراهن.
الشيخ: يعني هذا معناه أنه يبطل فائدة الرهن؛ لأن فائدة الرهن أنه إذا حلَّ الدين ولم يوفِ باع.
شرط إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له، قال الراهن للمرتهن: إن جئتك بحقك أوَّل يومٍ من رمضان، وإلا فالرهن لك؟
طالب: على قول المؤلف الشرط غير صحيح، والصحيح أنه صحيح.
الشيخ: نعم، ما حجة المؤلف؟
طالب: أقول: إنه استدل بدليل وتعليل، أما الدليل فقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ عَلَى صَاحِبِهِ».
الشيخ: «مِنْ» «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (3).
الطالب: وقالوا: إن هذا نوعٌ من أنواع إغلاق الرهن على الراهن؛ على صاحبه، والتعليل أنهم قالوا: إن هذا أخذه بدون رضا صاحبه..
الشيخ: لا، برضاه.
الطالب: أخذه قهرًا.
الشيخ: أبدًا، هو قهره؟ هو اللي قال؟ الراهن هو اللي قال.
الطالب: ليس قهرًا، لكن..
الشيخ: يشبه القهر.
الطالب: بدون قصد.
الشيخ: حتى يكون جوابك شبيه الصواب!
طالب: يقولون: هذا البيع بقي معلقًا.
الشيخ: نعم، والبيع المعلق لا يصح، تمام، والقول الثاني؟
طالب: القول الثاني أنه صحيح.
الشيخ: صحيح.
ما هو الدليل؟
الطالب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا يشمل الوفاء بأصلها وقيل: بوصفها، وقوله صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ» (4).
الشيخ: والمسلمون؟
الطالب: و «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ».
الشيخ: إذن القول الثاني أن هذا صحيح؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والأمر بالوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصلها والوفاء بوصفها؛ وهو ما شُرط فيها، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»، وقوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (2)، وهذا لا يُحِل حرامًا ولا يحرم حلالًا.
بماذا يجيبون على أدلة الآخرين؟
طالب: الذين يصححون؟
الشيخ: الذين يصححون.
الطالب: أن ذلك ليس بيعًا معلقًا..
الشيخ: هذا الجواب من كيسك.
الطالب: يجيبون عن أدلة القائلين بجواز بيعه؟
الشيخ: لا، أدلة القائلين بأن الشرط باطل.
طالب: أقول: ما ورد دليل على (... ).
الشيخ: طيب، أن نقول: أصل التعليل يحتاج إلى دليل، وهو عدم صحة البيع المعلق، هذه واحدة.
طالب: الثاني أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ»، هذا ما (... )، بل هو الذي رضي بذلك واتفقا.
الشيخ: أحسنت، وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ» (5)، فيقال: هذا ما أغلق، بل شرطه باختياره، أحسنت، وهذه قاعدة ينبغي لكم أن تفهموها: كُلُّ إنسان يضعِّف قول غيره فيحتاج إلى أمرين؛ الأول: تقوية قوله، والثاني: الرد على حجة الآخرين، ولا يكفي أن تذكر حجتك فقط، أجب عن حجة الآخرين، وإلا فأنت منقطع.
رجل رهن شيئًا، ثم أقر أن هذا مُلك غيره فما الحكم؟ هل يصدَّق أو لا يصدَّق؟
طالب: قُبِل قوله على نفسه ويحكم بإقراره..
الشيخ: اصبر، قُبِل على نفسه.
الطالب: على نفسه، ولا يُقْبل من جهة المرتهن.
الشيخ: إي، إذن يُصَدَّق من وجه، ولا يُصَدَّق من وجه آخر؛ يُصَدَّق بإقراره على نفسه، ولا يُصَدَّق بإقراره على المرتهن؛ لأن هذا يضيع حقه، ويطالب به بعد؟
الطالب: ويطالب بعد (... ).
الشيخ: أحسنت، بارك الله فيك، جيد.
هل تُرْكَب السيارة بنفقتها إذا كانت مضمونة؟
طالب: لا تُرْكَب؛ لأنه ما عليها نفقة.
الشيخ: لا، يقول: أنا بأركبها، أنا أتحمل البنزين والزيت؟
الطالب: لا تُرْكَب.
الشيخ: ألا يقاس على البعير؟
الطالب: ما يقاس؛ لأن البعير لا بد من النفقة عليه.
الشيخ: لا يصح القياس؛ لأن البعير يحتاج إلى نفقة، وإلا هلك، والإنفاق عليه من مصلحة الجميع، والسيارة؟
الطالب: لا تحتاج إلى نفقة.
الشيخ: لا تحتاج، تمام، إذن القياس ممنوع.
يقول رحمه الله: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع، وإن تعذر رجع وإن لم يستأذن الحَاكِمَ).
(إن أنفق) الضمير يعود على المرتهن، إذا أنفق على الرهن بغير إذن الراهن.
مثال ذلك: احتاج البيت المرهون إلى تعمير فَعَمَرَه؛ أتى بأناس يُليِّسونه، أو يصلحون بابًا سقط، أو ما أشبه ذلك، فهل يرجع المرتهن على الراهن أو لا يرجع؟
فيه تفصيل؛ إن كان الراهن قد أذن له رجع عليه؛ يعني: إن كان الراهن قد قال له: إن خرب شيء من البيت فأصلحه فإنه يرجع عليه؛ لأنه إذا عمل ذلك صار كالوكيل له، بل هو وكيل، فيرجع عليه، وحينئذٍ يُقْبَل قوله في قَدْرِ ما أنفق بيمينه، إلا أن يدَّعي شيئًا يُكَذِّبه الحس فلا يُقبل.
فلو قال: أذنتَ لي أن أصلح الأبواب إذا تكسرت، قال: نعم، أذنت لك، قال: قد فعلت، وقد أنفقت على كل باب ألف ريال، والنفقة المعتادة مئة ريال في مثل هذا العمل، فهل يُقبل قوله؟ لا؛ لأن هذا يُكَذِّبه الحس.
أما إذا ادعى شيئًا قريبًا فإنه يُقْبَل قوله، لكن بيمينه.
ثانيًا: أن يكون بلا إذنه؛ أن ينفِق بلا إذنه على الرهن، فيُنظر أيضًا: هل يمكن أن يستأذن منه لكونه قريبًا، أو بالهاتف، أو بالمكاتبة؛ فإنه لا يرجع إلا إذا استأذنه، لا يمكن؛ لكون الراهن رجلًا مغمورًا دخل هذه المدينة العظيمة الواسعة ولا يُدْرَى أين هو؟ والرهن يحتاج إلى تعميرٍ عاجل، فهنا يُعمِّره ويرجع وإن لم يستأذنه؛ لأنه لا يمكن استئذانه، فصارت المسألة لها أحوال:
الحال الأولى: أن يكون الراهن قد أذن له بالتعمير، فهنا يرجع؛ لأنه صار وكيلًا له.
الثانية: ألَّا يأذن له بالتعمير ويتعذر استئذانه، فهنا يرجع أيضًا؛ حفظًا لأصل الرهن؛ لأنه لو لم يعمره ازداد خرابه وانتشر وفسد، وصار في ذلك ضرر على الراهن والمرتهن.
الحال الثالثة: ألَّا يأذن له بالتعمير، ويمكن استئذانه، ولكنه عمَّره بدون استئذان، فهنا لا يرجع؛ لأنه يمكنه أن يستأذن ولم يفعل، مسألة سهلة.
فإن قال المرتهن: أنا عمرته لأجل المصلحة لي وله؟
قلنا: وإذا كانت المصلحة لك وله فليكن التعمير منك ومنه؛ بمعنى أنك تعمِّر بإذنه، وحينئذٍ ترجع، أما إذا لم تستأذن منه مع إمكان إذنه فالنفقة عليك.
قال: (ولو لم يستأذن الحاكمَ) هذه إشارة خلاف؛ بعض العلماء يقول: لا يرجع حتى يستأذن الحاكم؛ بمعنى أنه إذا تعذر على المرتهن أن يستأذن من الراهن، قلنا له: الحاكم ينوب منابه، استأذِن منه، فإن لم تفعل فلا رجوع لك.
وهذا القول يزيد المسألة تعقيدًا؛ لأنه يحتاج أنه إذا تعذر استئذان المالك -وهو الراهن- ذهب إلى المحكمة، المحكمة لن تقبل منه بسهولة، ستقول: هات بينة على أنه يحتاج إلى تعمير، فإذا أتى بالبينة أذنت له، وهذا قد يصعب.
والصحيح ما ذهب إليه المؤلف؛ أنه لا يحتاج إلى إذن الحاكم، وأنه إذا تعذَّر استئذان الراهن -الذي هو المالك- فإن المرتهن يعمره ويرجع بنفقته، سواءٌ استأذن الحاكم أم لم يستأذنه.
قال: (وكذا وديعة) وديعة هَرَبَ رَبُّهَا واحتاجت إلى تعمير وربُّها موجود، فهنا نقول: إن كان ربُّ الوديعة أَذِن لك في تعميرها فعمِّرْها، وترجع عليه أو لا؟ يرجع عليه؛ لأنه أَذِنَ له فهو وكيل، وإن لم يأذن له فهل يتعذر استئذانه؟ الجواب: إن كان يتعذر فإنه يرجع أيضًا؛ لأن تعميرها مما تدعو الحاجة إليه، وصاحبها الآن بعيد لا يمكن استئذانه، وإن كان يمكن وعمَّرها بلا إذن فعليه الضمان، ولا يرجع على المودِع؛ لأنه تمكن من استئذانه ولم يفعل.
كذلك (دواب مستأجرة) كيف دواب مستأجرة؟ إنسان عنده ناقة أجَّرها شخصًا يسافر عليها إلى مكة، وهرب الرجل، وتعلمون أن الدواب تحتاج إلى أيش؟ تحتاج إلى نفقة؛ تريد علفًا وشرابًا، هذا الرجل الذي استأجر الدواب قد أذن له ربُّها بأن ينفق عليها، فأنفق عليها وصار يشتري لها علفًا وماءً ويقوم برعايتها، أيرجع على ربها؟
طالب: نعم.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: لأنه أذن له.
الشيخ: لأنه أذن له، فيكون وكيلًا عنه، فيرجع.
لم يأذن له ربُّها وتعذَّر استئذانه؛ لأن الحاجة مُلِحة في الإنفاق عليها عاجلًا وتعذر عليه أن يستأذن، فهنا أيضًا يرجع.
ثالثًا: إذا كان موجودًا وتسهل مراجعته وأنفق عليها بدون إذنه، فما الحكم؟ يضمن؛ بمعنى أنه لا يرجع بما أنفق على صاحب هذه الدواب.
لكن لو فُرِض أن هذا المستأجر ذبحها واحتفظ بلحمها لصاحبها، وادَّعى صاحبها أنها لم تصل إلى حالٍ يضطر فيها إلى ذبحها، وقال: أنت ذبحتها وهي صحيحة معافاة، فقال: إنه ذبحها بعد أن خاف أن تموت، فتفوت، فمن القول قوله؟ القول قول المستأجر؛ لأنه أمين، والقاعدة: أن كل إنسانٍ أمين فإنه يُقْبَل قوله فيما ائتمن فيه، وإلا لحصلت مشاكل كثيرة إذا لم نقل بقبول قوله.
(وكذا وديعةٌ ودواب مُسْتَأجَرَةٌ) دوابُّ ولَّا دوابٌّ؟
طالب: دوابٌّ.
الشيخ: دوابٌّ؛ لأنها ممنوعةٌ من الصرف!
طالب: دوابُّ؛ لأنه جمعُ منتهى الجموع.
الشيخ: أسأل بالتنوين أو عدمه، بس.
الطالب: بغير تنوين.
الشيخ: بغير تنوين، لماذا؟
الطالب: لأنه جمع منتهى الجموع.
الشيخ: لأنه جمعُ منتهى الجموع؟ !
الطالب: لأنه غير (... ).
الشيخ: وأيش تقولون؟
طالب: صيغة منتهى الجموع.
الشيخ: صيغة منتهى الجموع، أو تقول: لأنه جمعٌ منتهى الجموع؛ بدون إضافة.
إذن نقول: (دوابُّ مُسْتَأجَرَةٌ هرب ربُّها) (ربها) أي: مالكها، والرب يكون بمعنى المالك، قال النبي صلى الله عليه وسلم في اللقطة: «فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا، وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا» (6)، وفي بعض ألفاظ حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّهَا» (7)، بدل «رَبَّتَهَا» (8)، وهذا جائز سائغ شرعًا ولغة.
(ولو خرب الرهن فعمره بلا إذن رجع بآلته فقط) لو خرب الرهن؛ كالدار مثلًا، (فعمره) من؟ المرتهن، (رجع بآلته فقط) أي: بما جعل فيه فقط؛ كاللَّبِن والخشب، أو نقول في الوقت الحاضر: كاللَّبِن والحديد والأبواب وما أشبهها، يرجع بهذه فقط دون أُجرة العمال والماء وما أشبه ذلك؛ يعني: يرجع بما بقي مما أنفقه من ماله فقط.
مثال ذلك: إنسان ارتهن دارًا وسقط جزءٌ منها، فقام بإصلاحه وأحضر اللَّبِن والمواد والأبواب وبناها، مادة البناء بعشرة آلاف ريال، وأجرة العمال وجلب الماء بعشرة آلاف ريال، فبماذا يرجع؟ بعشرة آلاف ريال اللي هي الآلة فقط، وأما الباقي فلا يرجع به، هذا إذا كان لم يستأذن من ربِّ البيت؛ الذي هو الراهن، أما لو استأذن فإنه يرجع بالجميع؛ لأنه وكيل.
وقال بعض العلماء: بل يرجع بالجميع؛ لأنه ليس كالإنفاق على الحيوان، الإنفاق على الحيوان إذا أكله الحيوان ذهب ولم ينتفع به الراهن، لكن هذا ينتفع به الراهن؛ لأن أثر العمل باقٍ والمصلحة لِمَنْ؟
طالب: للراهن.
الشيخ: للجميع في الواقع، للراهن؛ لأن مُلْكُه عُمِّر، وللمرتهن؛ لأن وثيقته بقيت؛ لأنه لو خرب ما بقي له شيء.