الشيخ: والله عز وجل مُنَزَّه عن ذلك، فهو غني عن العالمين، وهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فليس بحاجة إلى أن يبقى له نسل مثلًا، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 1 - 3] ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، شوف الآية: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ بقي قسم ثالث أن يكون هناك تولُّد؛ لأن بعض الأشياء تتولَّد ولا تتوالد، تتولد بالعفونات ولا تتوالد، فنفى ذلك، بل ما هو أعم منه بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
الحاصل أن الذي يتخذ لله صاحبة يكون كافرًا، لماذا؟
أولًا: لتكذيبه القرآن، وثانيًا: لتضمُّن إثباته الصاحبة لله تنقص الله عز وجل؛ لأن هذا يتضمن نقصًا بلا شك، فهذا يكون كافرًا نسأل الله العافية، قال الله تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 171]، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: 101].
طالب: خلطت بين آيتين يا شيخ.
الشيخ: لا، ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 171]، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: 101] هذه في سورة الأنعام.
الطالب: (... ) النجم.
الشيخ: هذه في سورة الأنعام: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 100، 101].
الطالب: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾.
الشيخ: نعم ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: 101].
قال: (أو اتخذ لله صاحبة أو ولدًا) (ولدًا) ذكرًا ولا أنثى؟
طلبة: أيهما.
الشيخ: ذكر وأنثى؛ لأن كلمة ولد في اللغة العربية تشمل الذكر والأنثى، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] يعني لا ذكر ولا أنثى.
قال: (أو اتخذ لله ولدًا) فزعموا أن لله ابنًا، أو أن لله بنتًا فهو كافر، ونقول في العلة: لأنه مُكذِّب لله عز وجل، ولأنه واصف الله بما يقتضي النقص.
هل تكذيب الله عز وجل في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: 91]؟ وهذا يقول: إن لله ولدًا، هل أحد من الناس قال: إن لله ولدًا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، ﴿قَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: 30]، وقال المشركون: الملائكة بنات الله ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158]، ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: 153]، فاليهود قالوا: إن عزيرًا ابن الله، وعزير رجل صالح، قالوا: إنه ابن الله، والنصارى قالوا: إن المسيح ابن الله، فصار اليهود والنصارى على حدٍّ سواء في اعتقادهم في ربهم، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، ولهذا يجب علينا أن نبغض النصارى كما نبغض اليهود؛ لأن الكل أعداء لله عز وجل، الكل قال الله تعالى فيهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51].
ومن قال: إن النصراني أو اليهودي أخ لي فهو مثلهم يكون مرتدًّا عن الإسلام؛ لأن هؤلاء ليسوا إخوة لنا، الأُخوَّة بين من؟
الطلبة: المسلمين.
الشيخ: بين المؤمنين بعضهم لبعض ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]، أما هؤلاء فليسوا إخوة لنا.
فإذا قال قائل: إنهم إخوة لنا في الإنسانية؟
قلنا: لكن هؤلاء كفروا بالإنسانية، ولو كان عندهم إنسانية لكان أول من يُعظِّمون خالقهم عز وجل، وربهم الذي بعث إليهم الرسل، وأنزل إليهم الكتب، وحتى رسلهم بشرت بمن؟
طلبة: بالنبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: بمحمد عليه الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: 157].
وقد كتب الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله في سورة الأعراف على هذا الموضع نصوصًا كثيرة تدل على أن محمدًا عليه الصلاة والسلام مكتوب في التوراة والإنجيل، وهي نصوص نافعة مُلزِمة لهؤلاء النصارى واليهود الذين أنكروا نبوة محمد عليه الصلاة والسلام إلى عموم الناس، وقالوا: إن محمدًا مرسل إلى العرب فقط، وهم كاذبون فيما قالوا، بل هو مرسل إلى جميع الرسل، ونقول لهم: إذا أقررتم أنه رسول فقد قامت عليكم الحُجَّة.
طالب: (... ) جميع الرسل؟
الشيخ: إلى جميع الخلق، إذا أقررتم أنه رسول، فقد أقررتم بعموم رسالته، أنتم إذا قلتم: إنه رسول إلى العرب فإنكم قد أقررتم بعموم رسالته إلى الخلق، كيف ذلك؟ نقول: لأنكم إذا قلتم إنه رسول لزم من ذلك أن يكون صادقًا وإلا.
طالب: كيف يكون رسول؟ !
الشيخ: وإلا لم يكن رسولًا، فإذا كان صادقًا فقد قال هو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158] هكذا قال الله له، أمره أن يقول: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً» (2).
الحاصل أن هؤلاء النصارى اتخذوا لله ولدًا، وقالوا: المسيح ابن الله، واليهود قالت: عزير ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، فمن قال: إن لله ولدًا فهو كافر مرتد عن الإسلام.
(أو جحد بعض كتبه) (بعض كتبه) سواء كان ذلك بعضًا من كتاب، أو بعضًا من كتب، فاهمين الفرق؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: سواء كان بعضًا من كتاب أو بعضًا من كتب فإنه يكفر، مثلًا لو أنكر التوراة، وجحد أن الله أنزل التوراة على موسى كان كافرًا؛ لأنه مُكذِّب لله ورسوله، أنكر أن الله أنزل الإنجيل على عيسى، نقول: هو كافر أيضًا، أنكر أن الله أنزل القرآن على محمد، نقول: هو كافر، أنكر أن شيئًا من القرآن نزل على محمد فهو كافر أيضًا، لو أنه أنكر شيئًا من الكتب السابقة بناءً على أنه محرف، مثل: وجد في الكتب التي بأيديهم الآن أن محمدًا رسول إلى العرب فقط، وقال: هذا أبدًا ليس في التوراة ولا في الإنجيل؛ أن محمدًا رسول إلى العرب فقط، يكفر ولَّا لا؟
طلبة: لا يكفر.
الشيخ: هذا لا يكفر؛ لأن هذا كذبٌ قطعًا؛ فإنه ليس في التوراة ولا في الإنجيل أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة بالعرب، بل كلها تدل على أنها عامة، فإذن نقول: (بعض كتبه) التي ثبت أنها من كتب الله عز وجل، فإذا أنكر بعضها فهو كافر.
إذا قال قائل: لماذا لا نقول: إن هذا يتبعض، فإذا أنكر بعض الكتاب وآمن بالبعض قلنا: هو مؤمن بما آمن به وكافر بما كفر به كما تقولون فيما إذا عمل معصية لا تصل إلى الكفر كان مؤمنًا بإيمانه فاسقًا بكبيرته؟
طالب: كيف يا شيخ؟
طلبة: (... ).
طالب: هذا كافر.
طالب آخر: (... ).
الشيخ: نعم، نقول: عندنا أدلة على كفره، وهذا إيمان ما هو عمل، هذا إيمان وضده الجحد، وليس بعمل، فالعمل نعم يمكن أن يتبعض، لكن الإيمان لا يتبعض؛ بمعنى أن من أنكر شيئًا من الكتب فهو كإنكار الجميع، قال الله تبارك وتعالى منكرًا على بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 150، 151]، فهؤلاء كفارٌ حقًًّا، شوف أكَّد ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ ﴿حَقًّا﴾ مصدر مُؤكِّد لمضمون الجملة كما تعرفون، وعامله محذوف وجوبًا؛ لأن الجملة هذه هي معنى ﴿حَقًّا﴾، ولا يمكن أن يُجمع بين العوض والمعوَّض عنه كما قال ابن مالك: .................................. . كـ (ابْنِي أَنْتَ حَقًّا صِرْفًا)
(أو جحد بعض كتبه) من الذي نعرف من الكتب؟
طلبة: الزبور، والتوراة، والإنجيل، وصحف إبراهيم وموسى.
الشيخ: خمس: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
طالب: والقرآن.
الشيخ: والقرآن، خمسة.
طالب: ستة.
الشيخ: تخلون صحف إبراهيم وموسى اثنين؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: طيب ستة، هذه نعرفها بأعيانها، ولكن مع ذلك نؤمن بأن كل رسولٍ معه كتاب كما قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213]، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، لكن منها ما لا نعلمه، وإن كنا نعلم الرسل، لكن لا نعلم الكتب التي أُرسلت معهم، المهم أن من أنكر شيئًا من الكتب، أو أنكر بعضها فهو كافر، (... ). مرتدًّا عن (... )؛ لأن الواجب علينا أن (... ) لجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام (... ) ما علمنا منهم (... ) ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: 78]، ومن لم يقصص علينا فإننا (... ) ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285] من حيث الإيمان، فنؤمن بهم (... )، أولهم نوح، وآخرهم محمد صلى الله عليهم وسلم، أولهم نوح؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [النساء: 163] النبيون رسل؛ لقوله في آخر الآيات: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. (... ) أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، ودليل (... ) ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213].
المهم أن الأدلة على أن أول رسول أُرسِل إلى أهل الأرض هو نوح متعددة في القرآن وفي السنة، صلى الله (... ) آخر الرسل والأنبياء أيضًا ﴿لَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]، وتأمل لِمَ عدل عن أن يقول: ولكن رسول الله وخاتم الرسل مع أن الحديث الآن في الرسل، بل قال: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ليتبين أنه لن يأتي بعده لا نبي ولا رسول، فمن ادعى النبوة بعد الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه كافر؛ لأنه مُكذِّب للقرآن، ويدل على هذا أيضًا آيات أخرى كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، وما أشبه ذلك من الآيات الدالة على أنه رسول إلى يوم القيامة، وهذا يدل أن الناس لا يحتاجون بعده إلى نبي ولا رسول؛ لأن شريعته ستبقى، ومن ثَمَّ قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
هؤلاء الرسل يجب علينا أن نؤمن بأعيانهم، مَنْ علمنا منهم، ومَنْ لم نعلم فإننا نؤمن بهم على سبيل الإجمال والعموم، ثم إن الإيمان بالكتب والإيمان بالرسل ينقسم إلى قسمين:
أولًا: الأمور الخبرية، فيجب الإيمان بها وتصديقها بدون تفصيل، كل ما جاء، أو كل ما صح من الكتب السابقة، أو عن الرسل السابقين من خبر فإنه يجب علينا أن نصدق به جملةً وتفصيلًا، لماذا؟ لأن الخبر لا يمكن أن يُنسخ، فما أخبرت به الرسل من قبل أو الكتب لا يمكن أن يُنسخ بالقرآن؛ لأنه خبر عن الله عز وجل، وخبر الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يُنسخ، لماذا؟ لو جاز نسْخ الخبر لكان أحد الخبرين كذبًا، والكذب محال، اللهم إلا أن يأتي طلب بلفظ الخبر فقد يُنسخ؛ لأنه حينئذٍ يكون طلبًا، وأنتم تعلمون أنه في بعض الأحيان تأتي الصيغة الخبرية مرادًا بها الطلب، هذا ما سبق من الكتب السابقة والرسل.
وأما القسم الثاني: وهو الأحكام التي في الكتب السابقة، وعند الرسل السابقين، فإن هذا ينقسم إلى قسمين، بل إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما جاءت شريعتنا بتقريره، فهذا يجب الإيمان به، لماذا؟ لأن شريعتنا قررته، وحكمت به، فنؤمن به؛ لأنه توجه الطلب به من جهتين: من جهة الشريعة الإسلامية، ومن جهة الشريعة السابقة.
القسم الثاني: ما جاءت شريعتنا بخلافه ونَسَخته، فلا يجوز العمل به؛ لأنه منسوخ، وما نسخه الله عز وجل فإنه قد انتهى حُكمه، حتى المنسوخ في شريعتنا لا يجوز العمل به؛ لأن الله تعالى أنهاه، فلا يجوز أن نتعبَّد لله تعالى بما لم يرتضِ الله سبحانه وتعالى أن يبقى لنا شرعًا، فالله عز وجل لا يرتضي لنا الحكم المنسوخ؛ لأنه نسخه؛ فلا يجوز لنا أن نتعبد له به.
القسم الثالث: ما لم يرد شرعنا بخلافه ولا وفاقه، وهذا محل خلاف بين العلماء، هل هو شرع لنا أم لا؟ فمنهم من قال: إنه ليس بشرع؛ لأن الأصل أن شريعتنا نسخت ما سبقها، فلا يبقى ما سبقها شرعًا إلا ما أيدته وقررته.
ومنهم من قال: إنه شرع لنا، وهذا القول هو الراجح بل المتعين؛ لأن الله عز وجل يقول لما ذكر الرسل قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90] وهذا عام، وقال عز وجل: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُِوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف: 111]، ولكن هل هو شرع بالتشريع السابق، أو بالتشريع اللاحق؟ الجواب: أنه شرع بالتشريع اللاحق؛ لأننا نحن الآن استدللنا على أنه مُقرَّر بأدلة من كتاب الله، وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحينئذٍ فيكون الفرق بينه وبين القسم الأول؛ أن الأول نصت الشريعة عليه بعينه، وهذا ذكرته على سبيل الإجمال.
إذن يجب علينا أن نعرف جحد بعض الكتب والرسل، فقلنا: الآن إن كان من باب الخبر فما الواجب؟
طلبة: (... ).
الشيخ: والواجب الإيمان به وتصديقه؛ لأن الكل من عند الله، ونسخ الأخبار مستحيل، لماذا؟
لأن نسخ أحد الخبرين بالآخر يستلزم تكذيب أحد الخبرين؛ أن أحدهما كاذب، وهذا شيء مستحيل.
أما الأحكام فذكرنا أنها على ثلاثة أقسام: ما ورد شرعنا بتقريره وإثباته، وما ورد بخلافه ونسخه، وما لم يرد فيه إثبات ولا نسخ، وهذا محل خلاف بين العلماء.
قال المؤلف: (أو سب الله أو رسوله) أعوذ بالله (سب الله) أي وصفه بالعيب، وأعظم السب أن يلعن الله والعياذ بالله، أو يعترض على أحكامه الكونية أو الشرعية بالعيب، ولو على سبيل اللمز والتعريض، حتى لو كان تعريضًا فإنه يكفر؛ لأن هذا امتهان لمقام الربوبية، وهو أمر عظيم، فمن سب الله سواء كان سبه بالقول أو سبه بالإشارة، وسواء كان جادًّا أو هازلًا، بل سَبُّ الله هازلًا أعظم وأقبح، فإنه يكون كافرًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65، 66]، ولأن سب الله عز وجل تنقُّص له؛ فيكون كُفرًا، كل من تنقَّص الله بقوله أو فعله أو بقلبه فهو كافر؛ لأن الإيمان إيمان بمن؟ بالله عز وجل، وبما له من الصفات الكاملة والربوبية التامة، فإذا سب الله فإنه يكون كافرًا، حتى وإن قال: إنما قلت ذلك هازلًا لا جادًّا، نقول: هذا أقبح؛ أن تجعل الله تعالى محل الهزء والهزل والسخرية.
كذلك من سب الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا سب النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كافر.
وقول المؤلف: (أو رسوله) ينبغي أن نجعلها من باب المفرد المضاف؛ حتى يشمل جميع الرسل، فمن سب أي رسول من الرسل فإنه كافر؛ لأن هذا ليس تنقُّصًا للرسول بشخصه، بل هو تنقُّص لرسالته وهي الوحي، ويتضمن تنقصًا للذي أرسله؛ لأنه لا شك أنه من النقص أن يُرسَل بشر إلى الخلق يستبيح دماءهم وأموالهم وذراريهم، وهو محل النقص، يعتبر هذا سفهًا ولَّا لا؟ يُعتبر سفهًا؛ فسب الرسول سب لمن أرسله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] فهو سبحانه وتعالى ما جعل الرسالة إلا فيمن هو أهل لها وجدير بها لما علم سبحانه وتعالى في سابق علمه أنه أهل لتحمل ما كُلِّف به، وليس كل أحد يكون أهلًا للرسالة، ولهذا قال السفَّاريني رحمه الله، أقوله مستشهدًا لا مستدلًّا قال: وَلَا تُنَالُ رُتْبَةُ النُّبُوَّهْ بِالْكَسْبِ وَالتَّهْذِيبِ وَالْفُتُوَّهْ
لَكِنَّهَا فَضْلٌ مِنَ الْمَوْلَى الْأَجَلْ لِمَنْ يَشَا مِنْ خَلْقِهِ إِلَى الْأَجَلْ
الحاصل أن سب الرسول عليه الصلاة والسلام سبٌّ لمن؟ لمن أرسله، ومُنافٍ لحقه الذي هو أوجب الحقوق البشرية، وحقه التعظيم والإجلال والتوقير، حتى إن الله عز وجل جعل من أسباب الرسالة، ومن حكمة الرسالة أن نؤمن بالله ورسوله، ونُعزِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم ونُوقِّره: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 8، 9]، هذا ركن وأساس وحكمة من حِكم إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام.
ولا شك أن سبَّ النبي عليه الصلاة والسلام مع كونه تنقصًا له ولمن أرسله هو أيضًا تنقصٌ لشريعته؛ ولهذا إذا سب أحد من الناس رجلًا فإن سبه ينعكس على منهاجه الذي انتهجه، ويكون نفس المنهاج الذي انتهجه عند الناس منقوصًا؛ لأنه سب من قام بهذا المنهج، فسب الرسول عليه الصلاة والسلام إذن تضمن ثلاثة أمور؛ كل واحد منها كفر؛ تضمن: سب الله، وسب الرسول، وسب شريعته؛ لأنه بلا شك أنه إذا سُب الرسول عليه الصلاة والسلام فإن هذا يستلزم تنقص ما جاء به؛ لأن الناقص ليس أهلًا لأن يُقتدى به بأقواله أو أفعاله.
(أو سب رسوله كفر) الجملة هذه جواب أيش؟
طلبة: جواب الشرط.
الشيخ: أين الشرط؟
طلبة: (من).
الشيخ: أين (من)؟
طلبة: (فمن أشرك بالله).
الشيخ: (فمن أشرك بالله) نعم.
وقوله: (كَفَر) أي كفرًا مخرجًا عن الملة، ولا نقول: إنه كفر كفرًا دون كفر؛ لأن الباب هذا باب حُكم المرتد؛ يعني الكافر كفرًا مطلقًا.
ثم انتقل المؤلف لنوع آخر من أسباب الردة؛ وهو الجحد، ويدخل في أي الأمور الأربعة السابقة؟
طالب: الاعتقاد.
الشيخ: في الاعتقاد؛ لأن الجحد سواء إن كان بالقلب؛ فهو في الاعتقاد، باللسان؛ فهو من القول.
يقول: (من جحد تحريم الزنا) بأن قال: الزنا حلال والعياذ بالله، إذا جحد فيُنظر إن كان جاهلًا لم يكفر، وإن كان عالمًا كفر، لكن أي ميزان ندرك به أنه عالم أو غير عالم؟ إذا كان ناشئًا بين المسلمين فإن هذا يقتضي أن يكون عالمًا، ولو ادعى الجهل لم يكفر، وإن كان حديث عهد بإسلام، أو ناشئًا ببادية بعيدة؛ لأن البادية والأعراب بعيدون عن معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله، فإن هذا لا يكفر إذا ادعى أنه جاهل، يقول، والله ما علمت من يوم إحنا صغار، والواحد يسرح بالغنم مع بنت عمه، ويتمتع بها، وأنا حسب هذا ما فيه شيء، ونرى أنه حلال، يمكن هذا ولَّا ما يمكن؟
طلبة: يمكن.
الشيخ: في البادية يمكن، البادية البعيدة يمكن، فهذا إذا أنكر تحريمه، وقال: إنه جاهل؛ لا يكفر، لكن إذا عُلِّم فأصر وقال: والله ما إحنا بتاركين عادتنا، لو قلتم: إنه من الحرام، أنتم الحرام ما تعرفونه، إحنا أفقه منكم، وهذا في مذهبنا حلال، أما مذهب الحُرَّام فلا نقر به، فهذا يكون.
طلبة: كافر.
الشيخ: يكفر، ليش؟
الطالب: لأنه أصر.
الشيخ: لأنه أصر بعد أن عُرِّف.
إذا أنكر تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المجمع عليها مثل: تحريم الربا، قال: الربا حلال، يعني ما جحد تحريم نوع معين منه مما يجري فيه الخلاف بين العلماء، مثلًا تفاحة بتفاحتين؛ ربا عند الشافعي وليست ربًا عند الإمام أحمد، فلو قال أصحاب الإمام أحمد: إن تفاحة بتفاحتين حلال، يكفرون؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لكن مراد المؤلف إذا أنكر تحريم الربا جملة، قال: إن الربا حلال، فهذا كافر بلا شك، ليش؟ لأن تحريم الربا نص في القرآن: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، فيكون جحْد تحريمه تكذيبًا لله عز وجل، فيكون كافرًا، وتحريم الربا من حيث الجملة فيه خلاف ولَّا مُجمع عليه؟
طلبة: مجمع عليه.
الشيخ: مجمع عليه، من حيث الجملة مجمع عليه إجماعًا قطعيًّا، كل المسلمين مجمعون على أن الربا محرم، الخمر؟ الخمر مجمعٌ عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، الخمر مُجمع عليه إجماعًا قطعيًّا بين المسلمين.
فإذا قال قائل: إن الخمر ليس بحرام؛ فهو كافر، ولكن بشرط أن يكون ناشئًا بين المسلمين، وعارفًا أحكام الإسلام، أما لو فُرِض أنه أسلم حديثًا ولا يعلم، هو في حال كفره يشرب الخمر، فوجدناه يشرب الخمر بعد إسلامه، كيف تشرب الخمر؟ ! قال: الخمر حلال ما هو حرام، فإن هذا لا يكفر، ليش؟ لأنه جاهل، وجاحد التحريم إذا كان جاهلًا به فإنه لا يكفر، ولهذا المؤلف قيده.
وقال المؤلف: (المحرمات الظاهرة) احترازًا من المحرمات الخفية التي لا يطَّلع على تحريمها إلا العلماء، فإن هذه لا يكفر منكر تحريمها؛ لأن الناس عامتهم يجهلونها.
قال العلماء أيضًا: أو أنكر تحليل المحلَّلات الظاهرة المجمع عليها؛ فإنه يكون كافرًا، مثل.
طالب: الخبز.
الشيخ: البيض؟
طالب: الخبز والدواجن.
الشيخ: إي نعم، لو أنكر حِل البيض بيض الدجاج أيضًا، قال: بيض الدجاج حرام، لماذا؟ لأنه غير مستطيل، والبيض الحلال بيض الدجاجة الأول اللي يكون مستطيلًا، أما هذا مستدير فهذا حرام، نقول له: هذا بتأويل ولَّا بغير تأويل؟
طلبة: بتأويل.
الشيخ: هو بتأويل، لكنه ما (... ) سائغ ولَّا غير سائغ نشوف.. (... )
أنكر تحليل شيء من المحللات الظاهرة المجمع عليها قال العلماء: فإنه يكفر؛ لأنه أنكر حكمًا من أحكام الإسلام بما لا يسوغ فيه التأويل، وذكرتم المثال على ذلك مثل لو أنكر تحريم البيض، لو أنكر تحريم البيض من الدواجن بحجة أنه مستدير، وأن البيض السابق كان مستطيلًا.
طالب: تحليل ولَّا تحريم يا شيخ!
الشيخ: تحليل، قصدي لو أنكر تحليله، نقول: هذا لا يسوغه هذا التأويل، لكن ربما لو كان عاميًّا محضًا قد يكون هذا شبهة لديه، فنعلمه بأن هذا التعليل تعليل لا أثر له، وأن البيض سواء كان مستطيلًا أو مستديرًا فهو حلال بكل حال.
طالب: ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب حكم المرتد: وهو..
الشيخ: (وهو)، قال المؤلف صاحب الإقناع عشان نعرف مين هو.
الطالب: قال المؤلف صاحب الإقناع: باب حكم المرتد: وهو الذي يكفر بعد إسلامه ولو مميزًا طوعًا ولو هازلًا، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته.
الشيخ: طيب تحبون نُعلِّق على هذا، ولا نخليه يمشي؟
الطلبة: علِّق.
الشيخ: قوله: (طوعًا) احترازًا مما إذا أُكرِه، فإذا أكره على الكفر فكَفَر، فإن فعله لداعي الإكراه؛ أي دفعًا للإكراه فإنه لا يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].
وأما إذا فعله لا لداعي الإكراه، لكنه لما أكره كفر، وليس في قلبه تلك الساعة؛ أنه يريد بذلك مدافعة الإكراه، فقد اختلف العلماء هل يكفر أو لا؟ والصحيح أنه لا يكفر؛ وذلك لأنه غير مريد لذلك، ولا مختار له، وعموم الآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ يشمل هذا.
أما إذا فعله مطمئنًا بذلك، وقال في نفسه: لما أُكرهتُ على الكفر فإنه سيكفر، فلا شك في أنه يكفر؛ لأن قلبه حينئذٍ غير مطمئن بالإيمان، فصار المكره له ثلاث حالات:
إما أن يفعل ذلك لدفع الإكراه؛ فهذا لا يكفر قولًا واحدًا، أو يفعل ذلك مطمئنًا بما أُكره عليه؛ فهذا يكفر قولًا واحدًا، أو يفعله غير مطمئن، لكن لأنه مكره وهو لا يريد ذلك، فهذا فيه خلاف، والصحيح أنه لا يكفر.
وكذلك نقول في مسألة الإكراه على الطلاق وشبهه، وجامع ذلك أنه لا اختيار له ولا إرادة له، وهو يحب أن تنطبق عليه السماء، ولا يُكره على الكفر.
الطالب: قال: أو صفة من صفاته أو اتخذ له.
الشيخ: وقوله: (ولو هازلًا) يعني لو يمزح، بل قلنا فيما شرحنا: قد يكون الهازل أعظم من الجاد؛ لأنه جمع بين الكفر والهزء بالله عز وجل، فمن سخر بالدين، وقال: أنا ما قصدت إلا المزح والضحك، قلنا: إنك كفرت، وإذا كنت صادقًا فتُبْ إلى الله عز وجل، واغتسل وعُد إلى الإسلام، والتوبة تَجُبُّ ما قبلها.
الطالب: قال: فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو اتخذ له صاحبة أو ولدًا، أو ادعى النبوة، أو صدَّق من ادعاها، أو جحد نبيًّا أو كتابًا من كتب الله أو شيئًا منه، أو جحد الملائكة أو البعث، أو سب الله.
الشيخ: كل هذا أيضًا أكثره مر علينا بالمتن.
طالب: إي نعم.
الشيخ: الملائكة ما ذكرها، لكن لو جحد الملائكة فهو كافر، أو جحد الجن فهو أيضًا كافرٌ؛ لأنه مُكذِّب للقرآن، فأما من جحد دخول الجن في الإنس فهو ضال، وليس بكافر، ضال؛ لأنه قال قولًا ينكره الواقع، وينكره الثابت بالأخبار عن النبي عليه الصلاة والسلام وعن غيره، وقصة الصبي الذي جاءت به أمه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يُصرَع، فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام للجن اللي فيه: «اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ» (3). فخرج الجني من هذا الصبي، والحديث صحيح، فلما رجع النبي عليه الصلاة والسلام من غزوته، وكان قد قال لأمه: أخبريني عن شأنه، لما رجع وجد أمه قد أعدت للنبي عليه الصلاة والسلام شاة وسمنًا وأقِطًا، وأخبرته أن ولدها شُفِي ولم يعد إليه ذلك الجني.
والأخبار الكثيرة عن أئمة المسلمين وعلماء المسلمين في ذلك لا تُنكر، وكان شيخ الإسلام رحمه الله يُؤتى إليه بالمصروع فيضربه ويُخاطب الجني ويعاهده، فيخرج ولا يعود، وجيء إليه برجل مصروع حكاه عنه تلميذه ابن القيم جيء إليه برجل مصروع فأُلقي بين يديه، فكلم الجنية التي صرعته، وقال لها: اخرجي، قالت: إني أحبه، قال: هو لا يحبك، يعني ولا مات عليها ولا على حبها، وبعدين قالت: إني أريد أن أحج به، شوف كيف؟ ! بعدما قالت: أحج معه، تبغي تحج وتشيله إلى مكة.
قال: هو لا يحب أن يحج معكِ، ثم جعل يَعِظها، وأبت أن تخرُج، فجعل يضرب الرجل على رقبته حتى إن يده كلَّت يد شيخ الإسلام ابن تيمية، فخرجت، لكنها قالت: أخرُج كرامة للشيخ.
قال: لا، اخرجي طاعة لله ورسوله.
شوف الله أكبر! إنكار الذات كما يقول الناس، اخرجي طاعة لله ورسوله، وإلا لو أمثالنا كان يقول: وين جنية تخرج كرامة لي! يفرح بهذا، يقول: بس أنتِ اطلعي كرامة لي ومشي، لكن هو قال: لا، اخرجي طاعة لله ورسوله، فخرجت، فلما أفاق الرجل قال: ما الذي جاء بي إلى حضرة الشيخ؟ ! تعجب! ويش اللي جابه لمكان شيخ مجلس شيخ الإسلام ابن تيمية، فقيل له: كيف ما أحسست بهذا الضرب الذي كان يضربك ما أحسست به؟ قال: لا، والله ما أحسست به، شوف كيف هذا، يقع الضرب على الصارع، ولا يحس المصروع.
والمسألة هذه ما ينكرها أحد أبدًا؛ لأن الشيء المعلوم بالحس إنكاره يكون مكابرة وضلالًا، وقد أنكر بعض الناس هذا الشيء وأظن ممن أنكره الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله، وهذه من هفواته، أظن ما أجزم، لكن قد مر بي بعيدًا، وأنكره أيضًا بعض المعاصرين، لكن قيل لي: إن الشيخ عبد العزيز جزاه الله خيرًا..
أو سبَّ اللهَ أو رسولَه فقد كَفَرَ، ومَن جَحَدَ تحريمَ الزِّنَا أو شيئًا من الْمُحرَّماتِ الظاهرةِ الْمُجْمَعِ عليها بجَهْلٍ عُرِّفَ ذلك، وإن كان مِثلُه لا يَجهلُه كَفَرَ.
(فصلٌ)
ومن ارْتَدَّ عن الإسلامِ وهو مُكَلَّفٌ مُختارٌ, رجلٌ أو امرأةٌ, دُعِيَ إليه ثلاثةَ أيَّامٍ وضُيِّقَ عليه
مجلة المجتمع في العدد الرابع والعشرين في اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجة، إي نعم.
طالب: (... ).
الشيخ: فيه أدلة كمثل: ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275].
الطالب: أو سبَّ الله أو رسولَه أو استهزأ بالله أو كتبه أو رسله، قال الشيخ: أو كان مُبغِضًا لرسوله أو لما جاء به اتفاقًا.
الشيخ: (الشيخ) مَن؟
طلبة: الموفَّق.
الشيخ: لا، صاحب الإقناع إذا قال: (الشيخ) فهو شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه ذكره في أول كتابه، لكن إذا سمعت (الشيخ) في الإنصاف، أو (الشيخ) في الفروع، أو (الشيخ) في التنقيح فالمراد به الموفَّق، لكن صاحب الإقناع إذا قال: (الشيخ) فالمراد به شيخ الإسلام ابن تيمية.
طالب: (... ) الفروع ما هو..
الشيخ: إي، يقول: قال شيخنا صاحب الفروع: إذا نقل عن (الشيخ) يقول: قال شيخنا.
طالب: التنقيح لمن؟
الشيخ: التنقيح لصاحب الإنصاف للمرداوي.
الطالب: قال: أو كان مبغضًا لرسوله أو لما جاء به اتفاقًا، وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم إجماعًا.
انتهى، أو سجد لصنمٍ، أو شمسٍ، أو قمر.
الشيخ: شوف سبحان الله العظيم بإجماع المسلمين اللي يجعل وسائط يتوكل عليهم من دون الله، أو مع الله، أو يدعوهم، أو يستغيث بهم، فهذا كافر بإجماع المسلمين، وسبحان الله أن يكون هذا بإجماع المسلمين ويوجد في الأمة الإسلامية الآن عامة كثيرة يدعون القبور، ومن يزعمونهم أولياء، ويستغيثون بهم، ويتوكلون عليهم أيضًا، وهذا شيخ الإسلام يقول إنه بالإجماع.
الطالب: أو سجد لصنمٍ، أو شمسٍ، أو قمر، أو أتى بقولٍ أو فعل صريحٍ في الاستهزاء بالدين، أو وُجِدَ منه امتهان القرآن.
الشيخ: (بقول أو فعل صريح) فإن أتى بقول أو فعل غير صريح فإننا لا نُكَفِّره، لماذا؟ لأن الأصل بقاء الإسلام، ولا نخرجه من الإسلام إلا بدليلٍ بيِّن، فالذي يحتمل التأويل ما نكفره به، لكن إذا كان صريحًا في الاستهزاء، سواء بالفعل بأن كان يحكي الصلاة ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها متهكمًا؛ فهذا يكفر.
طالب: قال: أو وُجِدَ منه امتهانُ القرآن، أو طلب تناقضه، أو دعوى أنه مختلف أو مُختلَق، أو مقدور على مثله، أو إسقاط لحرمته.
الشيخ: اللي يُعلَم منه امتهان القرآن، كيف نعلم هذا؟ مثلًا لو ألقاه في الزبالة، أو في الكنيف، أو وطئ عليه -نسأل الله العافية- هذا ويش الغرض منه؟ الامتهان بلا شك هذا كفر، أو طلب تناقضه، أو ادعى أن فيه تناقضًا، أو اختلافَه، أو اختلاقَه أنه كذب فكل هذا كفر؛ لأن القرآن كلام مَن؟ كلام الله رب العالمين، فأي عيب تسلطه على هذا الكلام العظيم فإنك مسلطه على من تكلم به، فيكون أي عيب، أو امتهان، أو طلب تناقض، أو فساد، أو ما أشبه ذلك مما يكون قدحٌ في القرآن فإنه قدحٌ في الله سبحانه وتعالى، وبهذا نعرف عظمة هذا القرآن العظيم الذي لو أُنْزِل على جبلٍ لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله، والله لولا كثرة نسخه عندنا لكان الإنسان يطلبه بآلاف الدنانير، كما يوجد الآن في بعض المسلمين في بعض البلاد الإسلامية يعني يقولون: بعض الناس يتقاتلون على نسخة من المصحف مقاتلة، وبعضهم يأخذ المصحف وينسخه بيده، نعم وحُقَّ أن يُفعل به ذلك، فإن هذا القرآن ما يحتاج، هو كلام الله رب العالمين، فلا كلام أعظم منه، ولا كلام أشد منه حرمة، ووجوب بالعمل به والتصديق بأخباره.
الطالب: قال: أو إسقاط لحرمته أي: وُجِد منه إسقاطٌ لحرمته أو أنكر الإسلام أو الشهادتين أو أحدهما كفر، لا من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده.
الشيخ: صح، لو قال: قال فلان كذا وكذا هذا معلوم؛ لأنه إذا كان لا يعتقده، فإن حكاه يعتقده، لكن حكاه تَستُّرًا مثلما قيل: إن عبد الله بن أُبيٍّ كان يحكي الإفك لا ينسبه إلى نفسه لكنه يعتقده، يعني: يحب أنه صدر منه، لكن لنفاقه كان لا يعتقده، فلو أن أحدًا جاء بكلمة كفرية، وليكن أمام شباب يشككهم في الدين الإسلامي، وقال: قال فلان ابن فلان، نسبه إلى غيره لكن هو يعتقده، فهذا كافر، ما فيه شك كافر باطنًا، أما ظاهرًا ما نكفره؛ لأنه نسبه إلى غيره، لكن هو في الباطن كافر، وهذا يوجد والعياذ بالله من بعض الزنادقة الذين يتسمَّوْن بالإسلام، يأتون بأشياء تشكك، لكن ما يقولون: نقول، يقول: لو قيل، أو قال فلان، أو أشكل عليَّ كذا مثلًا، إي نعم.
الطالب: قال: لا من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده، أو نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها، ولا من جرى على لسانه سبقًا من غير قصدٍ لشدَّة فرحٍ أو دهشٍ أو غير ذلك.
الشيخ: صحيح، دليل ذلك الرجل الذي قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، هذه كلمة كفر، نعم متى قال: أنت عبدي وأنا ربك؟ من شدة الفرح؛ لأنها ضاعت ناقته ودوّرها وعجز أن يلقاها، ويش صنع؟ نام تحت شجرة، ميت، فلما استيقظ إذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، ويش فرح هذا؟ اعتقد أننا لا نتصور هذا الفرح إلا إن وقعنا في مثله، ولا مهما تصورت من الفرح فهذا الفرح أعظم منه، أمسك بخطام الناقة، ويش الخطام؟
طلبة: الحبل.
طلبة آخرون: الزمام.
الشيخ: الزمام، وكأن بعض الناس يقول: ما الزمام؟
طلبة: الرَّسَن.
الشيخ: الرَّسَن، وكأن آخر يقول: ما هو الرَّسَن؟ الحبل الذي تُقاد به، إي نعم، أمسك بها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك -سبحان الله- لو قال هذا عن شعور لكان بلا شك كافرًا، فإذن نقول هذا كما قال شيخ الإسلام: من قال كلمة الكفر لا يعتقد معناها، ولكن قالها لشدة فرح، أو ذهول، أو ما أشبه ذلك، أو سبقة لسان كما يقع بعض الأحيان، فإن هذا لا يضر والحمد لله.
الطالب: قال: كقول مَنْ أراد أن يقول: اللَّهُمَّ أنت ربي وأنا عبدك فقال: أنت عبدي وأنا ربك، ومن أطلق الشارع كفره فهو كفر لا يخرج به عن إسلامه؛ كدعواه لغير أبيه، وكمن أتى عرَّافًا فصدقه بما يقول؛ فهو تشديد وكفر لا يخرج به عن الإسلام.
الشيخ: نعم، هذا صحيح، لكن ما هو على إطلاقه، فيه تفصيل؛ لأن هذا لا شك أنه عمل كفر، لكن ليس بكفر، اللهم إلا أن يقترن به ما يقتضي الكفر؛ كتصديق الكاهن بعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وما أشبه ذلك، فهذا يكون كفرًا لا من هذه الناحية لكن من ناحية أخرى.
الطالب: وإن أتى بقولٍ يخرجه عن الإسلام؛ مثل أن يقول: هو يهوديٌّ أو نصرانيٌّ أو مجوسيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام أو القرآن أو النبي عليه الصلاة والسلام، أو يعبد الصليب، ونحو ذلك على ما ذكروه في الإيمان.
الشيخ: (في الأيمان).
الطالب: في الأيمان.
الشيخ: في الأيمان، ما هو من كتاب الإيمان.
الطالب: في الأيمان، أو قذف النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: لأنهم قالوا: هو يهودي إن فعل كذا يكون حكمه حكم اليمين.
الطالب: في الأيمان، أو قذف النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الآن إذا قال الرجل: هو يهودي أو نصراني أو بريءٌ من الإسلام أو من القرآن أو من ملة محمد أو ما أشبه ذلك فهو كافرٌ مرتد، كافرٌ مرتد نأخذه بقوله هذا، فإن قال: ما أردت، فإن وُجِدَت قرينة تدل على صدقه تركناه، وإن لم يوجد فإننا نقتله إلا أن يتوب.
الطالب: أو قذف النبي صلى الله عليه وسلم أو أمَّه أو اعتقد قِدَمَ العالَمِ أو حدوث الصانع أو سخر بوعد.
الشيخ: إذا قذف النبي عليه الصلاة والسلام يكفر؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أمَّه؟
طلبة: يكفر.
الشيخ: وكذلك زوجاته على القول الراجح.
إذا اعتقد حدوث الصانع أو قِدَم العالم، الصانع يريد بذلك الله عز وجل، إذا قال: إن الله حادث بعد أن لم يكن -تعالى الله– فإنه يكفر؛ لأن الله يقول: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [الحديد: 3] و ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الحديد: 4] فهو خالق، وما سواه مخلوق.
(أو اعتقد قِدَم العالم) وهذه المسألة فيها نزاع طويل، وهو تسلسل الحوادث، وهل العالَم قديم بالذات، أو قديم بالنوع، أو قديم بالجنس؟ فيه خلاف، أحسن ما نقول في هذا الخلاف: إنه لغو من القول، وأن الذي أدخله على الأمة الإسلامية هم الفلاسفة، ومن ضاهاهم من المتفلسفة من علماء المسلمين، وإلا فالرسول -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه ما بحثوا في هذا ولا تكلموا، ونحن في غِنًى عن ذلك، هذا لا يزيد الإنسان إلا خوضًا بالباطل، وربما يصل به إلى الشكِّ والحيرة، كما وجد ذلك في كثير من العلماء الذين دخلوا في الفلسفة، وتورَّطوا، ونشبوا فيها؛ فصاروا كالواقع في جُبٍّ من حب (... )، إن تحرك نزل، وإن سكن نزل، ما يقدر.
طالب: (... ).
الشيخ: حبوب ملسة صغيرة، هذه لو نضعها في جُبٍّ، تعرف الجُبَّ ولَّا لا؟ ﴿أَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ﴾ [يوسف: 10].
طلبة: البئر يعني.
الشيخ: هي البئر، لو تحطها فيها وتخلي تنزل واحد على سطح هذه المُلَيسة، ووصل للقاع ما يقدر يتحرك.
الطالب: أو اعتقد قدم العالم أو حدوث الصانع، أو سَخِر بوعد الله أو بوعيده أو لم يُكَفِّر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شكَّ في كفرهم، أو صحح مذهبهم).
الشيخ: الله أكبر، هذه مسألة خطيرة إذا لم يكفِّر من دان بغير الإسلام فهو كافر، إذا لم يكفِّر من دان بغير الإسلام فهو كافر، فيه الآن ناس جُهَّال سفهاء يقولون: إنه لا يجوز أن نكفِّر اليهود والنصارى، ما يجوز، كيف ما تكفرهم وهم الذين يصفون ربك بكل عيب؟ ! كيف لا تكفر من يقول: إن ربك ثالث ثلاثة؟ ! لماذا لا تكفر من يقول: إن ربك له أبناء؟ ! لماذا لا تكفر من يقول: إن يدي ربك مغلولة؟ ! لماذا لا تكفر من يقول: إن الله فقير؟ ! أعوذ بالله.
إذا قالوا هذا قلنا: أنتم كفار، بل لا شك في كفر مَنْ شك في كفركم، ولا أحد يشك أن اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين كلهم كفار، ولو قالوا: آمنا بالله، نقول: كذبتم، أنتم كافرون بالله العظيم وبرسله، عرفتم؟
طالب: نعم.
الشيخ: والواجب علينا أن نصيح بهم صيحة تملأ آذانهم بأنهم كفار، وأن نتبرأ منهم براءة الذئب من دم يوسف، نعم هكذا يجب علينا، أما أن نداهنهم ونصانعهم ونقول: لهم أنتم إخوتنا في الدين، أنتم على دين سماوي، ونحن على دين سماوي، وما الخلاف بيننا وبينكم إلا كالخلاف بين الإمام أحمد والشافعي -نسأل الله العافية- فهذا هو عين الكفر، وقد حُدِّثتُ أن بعض القائمين على اتحادات هناك في بلاد الغرب يقولون مثل هذا القول، وأنا أشهدكم أننا منهم بريئون ما داموا يقولون بهذا القول، بل إن دين الإسلام منهم بريء، وأنه يجب عليهم أن يتوبوا إلى الله -عز وجل- ويرجعوا إلى دينهم، ويقولوا قولًا يفخرون به؛ بأننا نكفِّر كل من كفره الله، والأمر ليس إلينا ولا إليهم، الأمر إلى الله، فمن كفَّره الله فهو كافر، ومن لم يكفره الله فليس بكافر.
هذا شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: إن الذي لا يكفِّر من دان بغير الإسلام فهو كافر، وصدق رحمه الله؛ لأنه إذا لم يكفره فإن قوله يستلزم أن يقبل الله دينه، وهذا يستلزم تكذيب قول الله عزَّ وجل ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: 19] فقط لا غير.
الطالب: أو قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة فهو كافر، وقال الشيخ: مَنِ اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يُعبد فيها، وأن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله، وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر، وقال في موضعٍ..
الشيخ: والله إن كثيرًا من الناس مبتلى بهذا اليوم، يعتقدون أن الكنائس بيوت الله، وأنها محل عبادته وطاعته، وأن هؤلاء الذين يزعمون أنهم يتقربون إلى الله بها هم متقربون إليه، وهذا كما ترون كفر؛ فالمسألة خطيرة؛ لأن دين الإسلام واحد، الدين الذي ارتضاه لعباده هو هذا الدين الذي جاء به محمد -عليه الصلاة والسلام- فما عدا ذلك فليس بدين، وإن اتخذه أصحابه دينًا فليس بدين أبدًا، لكنه دين يعبد به الشيطان، صحيح أنهم يدينون بذلك للشيطان، أما للرحمن فكلا والله.
الطالب: وقال في موضع آخر: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسَهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرمًا عُرِّف ذلك، فإن أصر صار مرتدًا.
وقال قول القائل: ما ثَمَّ إلا الله.
إن أراد ما يقوله أهل الاتحاد؛ من أن ما ثَمَّ موجود إلا الله، ويقولون: إن وجود الخالق هو وجود المخلوق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد ونحو ذلك من المعاني، وكذلك الذين يقولون: إن الله تعالى بذاته في كل مكان، ويجعلونه مختلطًا بالمخلوقات؛ يستتاب، فإن تاب وإلا قُتل.
وقال: مَنِ اعتقد أن لأحدٍ طريقًا إلى الله من غير متابعة محمد -صلى الله عليه وسلم- أو لا يجب عليه اتباعه، وأن له أو لغيره خروجًا عن اتباعه، وأَخْذِ ما بُعث به، أو قال: أنا محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو قال: إن من الأولياء من يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخَضِرَ الخروجُ عن شريعة موسى، أو إن هدي غير النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أكمل من هديه فهو كافر.
وقال: من ظن أن قوله تعالى..
الشيخ: ترى كل هذا الذي قال، الشيخ ترى قيل به، يعني: هو ما نفى شيئًا إلا وقد قيل به، كل هذا قد قيل به، والشيخ -كما ترون- يرى أنه كافر، فمن زعم أنه يسعه الخروج عن هدي النبي عليه الصلاة والسلام، أو أن هناك طريقًا إلى الله أفضل من طريقه أو أن هديًا أكمل من هديه فإنه كافر مرتد، بل من زعم أن هناك هديًا مساويًا لهدي النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾ (... ) [المائدة: 50].
طالب: يحضرون معهم في العبادة ويجلسون ويستمعون فاللي غالبًا يعني..
الشيخ: لكن لا يحل لهم أن يوافقوا أبدًا، يجب عليهم أن يرفضوا رفضًا تامًا حضور الكنائس.
الطالب: خليه يفعلها حياءً (... ) أو لحب اطِّلاع.
الشيخ: لا، أما لحب الاطلاع لا بأس، ما فيه مانع.
الطالب: ولو فعلوا (... )؟
الشيخ: أبدًا، حرام هذا.
الطالب: يعني: هذا لا يفعلونه؟
الشيخ: لا، حرام هذا، لا يجوز أبدًا، ولا أحد يرضى به من المسلمين، أما إذا ذهب إليه لحب الاطلاع فهذا لا بأس به، ما فيها مانع إن الإنسان يدخل ويشوف، ربما يعتبر في هؤلاء، وأما أن يوافقهم ظاهرًا، أعوذ بالله.
الطالب: من رضي بعمل من أعمالهم في الدنيا؟
الشيخ: لا يجوز، يرضى بالكفر ولَّا بغير الكفر؟
الطالب: بعمل من أعمالهم في الدنيا؟
الشيخ: فلا بأس، يعني: لو رضي مثلًا بأنهم يصعدون إلى الجو ويخرقون طبقات الجو وما أشبه ذلك، ما فيه شيء.
الطالب: مَن ظنَّ أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] بمعنى قَدَّر، فإن الله ما قدَّر شيئًا إلا وقع، وجعل عُبَّادَ الأصنام ما عبدوا إلا الله، فإن هذا من أعظم الناس كفرًا بالكتب كلها.
الشيخ: الله أكبر، شوف كيف الضلال والعياذ بالله؟ ! قال: قضى ربك قضاءً كونيًا ألا نعبد إلا الله، لازم ذلك أن كل شيء نعبده فهو الله؛ لأن الله قضى قضاءً كونيًّا والقضاء الكوني ما يتخلف ألا نعبد إلا الله، فمعنى ذلك أن كل ما عبدناه فهو مقضي، ونحن لا نعبد إلا الله، هذا قال به مَن قال، يقول شيخ الإسلام: إن هذا أكفر ما يكون من الكفر، وهذا صحيح، ونحن نقول: إن ﴿قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ أي قضى قضاءً شرعيًّا ألا نعبد إلا الله، ولكن القضاء الشرعي قد يتخلف.
الطالب: وقال: مَنِ استحلَّ الحشيشة كفر بلا نزاع.
الشيخ: إي نعم، الحشيشة معروفة أظن.
طلبة: نعم معروفة.
الشيخ: شيء يُؤكل ويُسكِر، نعم اللي يقول: إنها حلال فهو يكفر، يقول: بلا نزاع، صحيح مثل من استحلَّ الخمر.
الطالب: وقال: لا يجوز لأحدٍ أن يلعن التوراة، ومن أطلق لعنها يستتاب فإن تاب وإلا قتل.
الشيخ: صح، صحيح هذا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: لأن التوراة كتاب منزل من عند الله يجب علينا أن نؤمن به، لكن لا يجب علينا أن نقول: أو أن نؤمن بأن ما في أيدي اليهود الآن هو التوراة التي أنزلت على موسى؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ [الأنعام: 91]، وأخبر الله تعالى عن أهل الكتاب أنهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 13].
فلا نثق بما في أيديهم من الكتب، ويدل لذلك أيضًا دلالة حسية أن هذه الكتب متناقضة، فالأناجيل والتلاميد التي بيد اليهود كلها متناقضة، ولو كان من عند الله هل يتناقض؟ أبدًا، ما يتناقض، فكونها تتناقض تناقضًا جوهريًّا يدل على أنها محرفة مبدلة، لكننا نؤمن بأن الله أنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام كتابًا هو الإنجيل، وعلى موسى كتابًا هو التوراة، يجب علينا أن نؤمن بها، وأن نقول: كل ما كان فيها من أخبار فهو صدق، وكل ما كان فيها من أحكام فهو عدل وحق، لكن طرأ عليها التحريف والتغيير، فنحن لا نثق بما في أيدي اليهود والنصارى منها اليوم.
الطالب: وإن كان ممن يعرف أنها منزَّلة من عند الله وأنه يجب الإيمان بها فهذا يقتل بشتمه لها ولا تقبل توبته في أظهر قولي العلماء، وأما مَنْ لعن دين اليهود الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس عليه في ذلك، وكذلك إن سبَّ التوراة التي عندهم بما يبين أن قصده ذِكرُ تحريفها، مثل أن يقال: نُسَخُ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها، ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر، فهذا الكلام ونحوه حق لا شيء على قائله.
الشيخ: يعني: لو لعن دين اليهود اللي هم عليه اليوم يحق هذا ولَّا لا؟
طلبة: نعم، يحق.
الشيخ: يحق له ذلك، أو دين النصارى اللي هم عليه اليوم يحق له ذلك، أو قال: نُسَخ التوراة أو الإنجيل اللي في أيديهم اليوم محرف مبدل لا يجب علينا أن نؤمن به على تحريفه وتبديله فهو حق وله ذلك.
طالب: فصل
وقال: ومَنْ سبَّ الصحابة أو أحدًا منهم، واقترن بسبِّه دعوى أن عليًّا إله أو نبي، وأن جبريل غلط فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك..
الشيخ: هذا موجود؟
طلبة: موجود، نعم.
الشيخ: هذا موجود، فيقول: هذا لا شك في كفره، بل لا شك في كفر مَن توقَّف في تكفيره، لو تصل تقول: هذا واحد يسب الصحابة، ويقترن بسبِّه أن عليًّا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط وكان قد أُرسل إلى عليٍّ فغلط وذهب إلى محمد، ويبقى ثلاثًا وعشرين سنة ينزل ليله ونهاره وهو غلطان ولا يُنَبه على غلطه! ويش تقولون في هذا: هو كافر ولَّا لا؟
طلبة: كافر.
الشيخ: لا، هو قال: والله خلى بشوف، براجع وبحقق في المسألة إلى متى؟ قال: إلى باكر، جينا يوم باكر ويش قلت يا فلان يا عالم، يا طيب؟ قال: والله حتى الآن ما تقرر عندي شيء، جئنا بعد بكرة.
قال: والله إلى الآن متردد، إلى متى؟ قال: إلى أجل غير مسمى، نقول: إلى أجل الموت الذي يأتيك وأنت كافر.
الطالب: قال: وكذلك من زعم أن القرآن يُنقص منه شيءٌ وكُتم.
الشيخ: قبل منها أو من إحداث شيء جديد، نعم.
طالب: يسب الصحابة (... ).
الشيخ: فالذي أرى أنه إذا سبَّهم -على سبيل العموم- يكفر أيضًا؛ لأن سب الصحابة قدحٌ في الشريعة الإسلامية؛ إذ إن الشريعة الإسلامية ما جاءت إلا من طريقهم، وسب الصحابة أيضًا سب للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن رجلًا يكون أصحابه محل التنقص والعيب والسب لا خير فيه؛ فإن الإنسان على دين خليله، وكيف يمكن لرجل مؤمن أن يقول: إن محمدًا عليه الصلاة والسلام صحابته من أخسِّ عباد الله، وأظلم عباد الله، وأنهم طواغيت وجبوت، وما أشبه ذلك؟ !
وسب الصحابة يتضمن بالإضافة إلى ذلك سب الله عز وجل حيث اختار لنبيه عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الخلق عنده مثل هؤلاء الرجال، ولذلك سب الصحابة يتضمن أربعة محاذير: سبهم، وسب النبي عليه الصلاة والسلام، وسب الشريعة الإسلامية، وسب الله عز وجل؛ نعم سب الله؛ لأنه اختار لنبيه هؤلاء الصحابة، وسب الله؛ لأنه أثنى عليهم فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: 10] إي نعم.
طالب: (... ) على الصحابة.
الشيخ: لا، هذا قد لا يكفر، اللهم إلا من أجمعت الأمة على الثناء عليه فقد يقال: وهو محل نظر، مثل لو سبَّ أبا بكر وعمر رضي الله عنهما بخصوصهما فقد يقال بكفره؛ لأن هذا مما أجمعت الأمة على الثناء عليهم، بل إن الله تعالى أثنى على أبي بكر في القرآن العظيم ووصفه بأنه صاحب الرسول عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام أعلن على المنبر في آخر حياته، قال: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ» (1)؛ إعلان على المنبر أمن الناس في ماله وصحبته أبو بكر، أمن حتى من علي بن أبي طالب؟ حتى من علي، حتى من العباس، حتى من حمزة بن عبد المطلب، أمن الناس على الرسول في ماله وصحبته أبو بكر رضي الله عنه، وقال: «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ أُمَّتِي خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ»، فمن يجرؤ وعنده في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، من يجرؤ على أن يقول: إن هذا الرجل كان ظالمًا مرتدًا منافقًا في الدرك الأسفل من النار؟ !
(... ) أعوذ بالله، ما أظن أحدًا يا أخي، الله أكبر، أنا أحرمكم الإجابة على هذا السؤال حتى يأتي الثلاثاء إن شاء الله، إذا كنا نبحث لا تمدوا أيدكم خلوا الإنسان يستمر في بحثه، أنتم الآن أشغلتم أنفسكم (... ).
الذي يبغضه لا أشك في كفرهم اللي يبغض أبا بكر وعمر ويسبهما، ويش؟ ماذا فعل في الإسلام؟ ما فعل إلا كل خير، فعمر رضي الله عنه يُضرب به المثل في عدله، وأبو بكر أيضًا يُضرب به المثل في قوته في دين الله عز وجل لكنه قوة بحكمة وتأنٍّ، ولكن ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 51]، يقولون: إن المراد بالجبت أبو بكر، وبالطاغوت عمر، نسأل الله العفو والعافية.
طالب: إذا كان يا شيخ (... ) الله ورسوله غير عمر وأبو بكر؟
الشيخ: والله يا أخي، هذه محل توقف؛ لأن حتى بعض الصحابة رضي الله عنهم قد يعيب بعض الناس، ما هو في دينه، في بعض الأشياء التي كانت وقعت منه، لكنه كما قال شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية: لهم من السوابق والفضائل ودعاء المؤمنين ما يوجب مغفرة ما صدر منهم.
الطالب: (... ) وعليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين وسلم تسليمًا، أما بعد قال صاحب الإقناع في باب حكم المرتد تكملة الدرس السابق: فصل
وقال: ومن سب الصحابة أو أحدًا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليًّا إله أو نبي، وأن جبريل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك من زعم أن القرآن يُنقص منه شيءٌ وكُتم، أو أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة ونحو ذلك، وهذا قول القرامطة والباطنية ومنهم الناسخية، ولا خلاف في كفر هؤلاء كلهم، ومن قذف عائشة رضي الله عنها بما برَّأها الله منه كفر بلا خلاف، ومن سبَّ غيرها من أزواجه صلى الله عليه وسلم ففيه قولان: أحدهما أنه كَسَبِّ واحدٍ من الصحابة، والثاني -وهو الصحيح- أنه كقذف عائشة رضي الله عنها، وأما من سبَّهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا..
الشيخ: وعلى هذا على هذا يكون كافرًا، الذي يسبُّ أحدًا من أمهات المؤمنين فإنه يكفر؛ لأن سبها قدحٌ في النبي صلى الله عليه وسلم، ولا سيما فيما يعود على دنس الفراش وفساد الأخلاق، فإن هذا من أكبر الجرائم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا فنقول: من سبَّ عائشة رضي الله عنها أو غيرها من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكفر على القول الراجح، وقيل: إنه كسب واحد من الصحابة.
وأما سبُّ الصحابة جميعًا فظاهر كلام الشيخ أنه لا يكفر إلا إذا اقترن به دعوى أن عليًّا إله أو نبي، أو أن جبريل غلط، ولكن هذا فيما يظهر غير مراد؛ لأن دعوى أن عليًّا إله، أو نبي، أو أن جبريل غلط فأوصل الرسالة إلى محمد عليه الصلاة والسلام بدلًا عن علي، هذا بمجرده يكون كافرًا، سواء سبَّ الصحابة أو ما سبَّهم؛ فالراجح أن من سبَّ الصحابة فهو كافر؛ لأنه كما مر علينا في الدرس الماضي سبهم يقتضي سب الشريعة وسب النبي صلى الله عليه وسلم وسب الله عز وجل، فيكون كافرًا، إي نعم.
الطالب: قال: وأما من سبَّهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا دينهم، مثل مَنْ وصف بعضهم ببخلٍ أو جبنٍ أو قلة علمٍ أو عدم زهدٍ ونحوه، فهذا يستحق التأديب والتعزير ولا يكفرُ، وأما من لعن وقبَّح مطلقًا فهذا محل الخلاف، أعني: هل يكفر أو يفسق؟ توقف أحمد في كفره وقتله، وقال: يعاقب ويجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عن ذلك، وهذا المشهور من مذهب مالك، وقيل: يكفر إن استحله، والمذهب يعزر كما تقدم أول باب التعزير، وفي الفتاوى المصرية يستحق العقوبة البالغة.
الشيخ: قوله: (إن استحل ذلك) المعروف أن الذين يسبون الصحابة يستحلون ذلك؛ يستحلون سبهم، بل يرون أن سبهم دين، وأنه يجب أن يسبهم إلا نفرًا قليلًا، وعلى هذا فيكون هؤلاء كفارًا؛ لأنهم يستحلون سب أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، بل يرونه دينًا وعبادة يتقربون به إلى الله، نسأل الله العافية، إي نعم.
الطالب: وفي الفتاوى المصرية يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين، وتنازعوا؛ هل يعاقبه بالقتل أو ما دون القتل؟ وقال: أما من جاوز ذلك كمن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نفرًا قليلًا لا يبلغون بضعة عشر وأنهم فسقوا، فلا ريب أيضًا في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر.
الشيخ: الله أكبر.
الطالب: انتهى ملخصًا من الصارم المسلول.
ومن أنكر أن يكون أبو بكر صَاحِبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: 40].
وإن جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئًا منها، ومنها الطهارة، أو حِلَّ الخبز واللَّحم والماء، أو حل الزنا ونحوه، أو ترك الصلاة، أو شيئًا من المحرمات الظاهرة المجمع على تحريمها كلحم خنزير والخمر وأشباه ذلك أو شك فيه ومثله لا يجهله كَفَر.
وإن استحل قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كَفَر، وإن كان بتأويل كالخوارج لم يحكم بكفرهم مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم متقربين بذلك إلى الله تعالى، وتقدم في المحاربين، والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله (... ).
ومن ترك شيئًا من العبادات الخمس تهاونًا، فإن عزم على ألا يفعله أبدًا استتيب عارفٌ وجوبًا كالمرتد، وإن كان جاهلًا عُرِّفَ، فإن أصرَّ قُتل حدًّا، ولم يَكْفُر إلا بالصلاة إذا دعي إليها وامتنع، أو شرط، أو ركن مجمع عليه فيقتل كفرًا، وتقدم في كتاب الصلاة، ومن شُفع عنده في رجل..
الشيخ: هذه الأركان الخمسة في الإسلام منها ما تركُه كفر بالإجماع؛ مثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، هذه إذا لم يشهد فإنه كافر ولا شك به بإجماع المسلمين، وأما بقية الأركان ففيها خلاف، فعن أحمد رواية أنه يكفر بترك ركن منها سواء كان الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج تهاونًا؛ قال: لأنها كلها أركان والشيء لا يتم بدون أركانه، ولكن الصحيح أنه لا يكفر إلا بترك الصلاة فقط إذا ترك الصلاة كفر ولو تهاونًا وكسلًا.
واشتراط المؤلف أن يدعوه الإمام أو أن يدعى إليها هذا هو ما جرى عليه الفقهاء المتأخرون رحمهم الله، ولكن ليس في الكتاب والسنة ما يدل على ذلك، بل هو كغيره يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا، ولا يشترط أن يدعوه إمام، فإن فرض أنه مات قبل الاستتابة، فإنه فيما بينه وبين الله كافر مخلد في النار، أمَّا نحن فإننا لا نحكم بكفره حتى يستتاب ويصر على تركه للصلاة.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا يقول المؤلف: إن مَنِ استحلَّ دماء المسلمين وأموالهم بغير تأويل فقد كفر؛ لأنه استحل أمرًا محرمًا بالإجماع، والإجماع على هذا إجماعٌ ظاهر معلوم بالضرورة من الدين، أما إذا كان بتأويل كما صنع الخوارج فإن في كفره قولين لأهل العلم؛ منهم من قال: إنهم يكفرون، ومنهم من قال: إنهم لا يكفرون، وسبق الكلام على هذا في قتال أهل البغي، وذكرنا أن ظاهر السنة يدل على أنهم كفار؛ لأنه يقول: «يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهُمْ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (2)، وهذا يدل على أنهم ليسوا بمسلمين، وأنهم مارقون من الإسلام.
والتأويل هنا تأويلٌ لا يُعذر فيه؛ لأنه تأويلٌ في أمرٍ لا يخفى، فإن استحلال دماء المسلمين وأموالهم بمجرد فعل الكبيرة، كما هو شأن الخوارج الذين يكفرون بفعل الكبيرة، هذا أمرٌ ظاهر البطلان، ولا يخفى على أحد فلا وجه للتأويل فيه.
طالب: قول المؤلف هو قول المذهب.
الشيخ: المذهب مختلف فيها.
طالب: قال: ومن شُفع عنده في رجل فقال: لو جاء النبي صلى الله عليه وسلم يشفع فيه ما قبلت منه، إن تاب بعد القدرة عليه قُتل لا قبلها.
الشيخ: لأن قوله: لو أتى النبي عليه الصلاة والسلام ما قبلت.
صريح في أنه سيعصي النبي صلى الله عليه وسلم، سيعصي الرسول عليه الصلاة والسلام، ولكن إذا علمنا أنه قال ذلك من باب المبالغة، يعني أن أغلى ما عندي وأوجب من يجب عليَّ قبول شفاعته من الناس هو الرسول - عليه الصلاة والسلام - ومع ذلك لو جاء ما قبلت شفاعته، فإنه إذا قالها من باب المبالغة فإنه لا يحكم بأنه يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فهناك فرق بين من يقصد معناها، ويقول: لو جاء الرسول ما قبلت، وبين من يريد المبالغة، وأنه يقول: لو جاء أعز الناس وأوجب الناس علي لقبول شفاعته ما قبلت، ولكن لو جاء الرسول فعلًا لكان يقبل، ولا يبالي بقبول شفاعته، فهذا لا يظهر أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه لم يُرِدْ رَدَّ قول النبي عليه الصلاة والسلام، بل أراد تعظيم الرسول عليه الصلاة والسلام.
طالب: هل تجب إجابة شفاعة الرسول في عهد الصحابة؟
الشيخ: لا تجب إجابة شفاعته أحيانًا، ولَّا ما تجب في كل حال.
الطالب: كيف يكفر؟
الشيخ: نعم، ما يكفر، يستتاب يقول..
الطالب: أقول: كيف نحكم بكفره لو رفض وعلمنا أنه.. ؟
الشيخ: لا ما يكفر، الشيخ ما يرى أنه كفر، يقول: يستتاب فإن تاب وإلا قُتِل يعني حدًّا؛ لأن ظاهر هذا أنه يستهين بالرسول عليه الصلاة والسلام ويحتقره، ويقول: ما أقبل الشفاعة.
الطالب: فصل
ومن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغٌ عاقلٌ مختار دُعي إليه ثلاثة أيام وضيق عليه وحبس، فإن تاب وإلا قُتل بالسيف إلا رسول الكفار إذا كان مرتدًا بدليل رسولي مسيلمة، ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه، حرًّا كان المرتد أو عبدًا، ولا يجوز أخذ فداء عنه، وإن قتله غيره بلا إذنه أساء وعُزِّر ولم يضمن، سواءٌ قتله قبل الاستتابة أو بعدها، إلا إن يلحق بدار حرب فلكُلٍّ قتلُهُ وأخذُ ما معه من مال، والطفل الذي لا يعقل.
الشيخ: إذن مسألة: المرتد مباح الدم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ» (3)، ولكن ليس كل أحد يتمكن من قتله، هو مباح الدم لكن قَتْلُهُ إلى الإمام، وبهذا نعرف أن الأمور الموكولة إلى ولاة الأمور لا يجوز التعدي فيها؛ لأنه يحصل بذلك فتنة وشر.
مثل لو أن أحدًا رأى منكرًا في السوق، وأراد أن يغيِّره بيده، فنقول: لا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ» (4)، لكن إذا كان هذا مما يغيره ولاة الأمور فإنه لا يجوز أن نفتات على ولي الأمر، ونعتدي على حقه، فنفعل نحن بأنفسنا؛ لأن هذا يترتب عليه مفاسد كثيرة أكثر من مصلحة تغييره، ويمكن أن يغير من طريق آخر، وهذه المسائل دقيقة ومهمة، فإن بعض الإخوة الغيورين على دين الله عز وجل قد يتجرؤون في مثل هذه الأمور، فيحصل من المفاسد أكثر مما حصل من المصالح، فالأمور المنوطة بالمسؤولين ليس لنا أن نفتات عليهم، أما غير المنوطة بهم فنعم نغير بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا، وهنا كما قال المؤلف: المرتد مباح الدم، ومع ذلك لو أن أحدًا من الناس قتله، يقول المؤلف: إنه يعزر، يُعزر هذا القاتل مع أنه قتل شخصًا حلال الدم، لكنه يُعزر لافتياته على الإمام، إلا إذا لحق المرتد بدار الحرب؛ يعني: لو لحق بدار الكفار الذين بيننا وبينهم حرب، فإنه حينئذٍ يجوز لكل واحد أن يقتله؛ لأنه صار في حكم هؤلاء المحاربين.
الطالب: قال: والطفل الذي لا يعقل، والمجنون، ومن زال عقله بنومٍ أو إغماءٍ أو شرب دواء مباح لا تصح ردته ولا إسلامه لأنه لا حكم لكلامه، فإن ارتد وهو مجنون فقَتَلَهُ قاتل فعليه القود.
وإن ارتد في صحته ثم جُنَّ لم يقتل في حال جنونه، فإذا أفاق استتيب ثلاثا، فإن تاب وإلا قتل، وإن عقد الصبي الإسلام صح إسلامه وردته.
الشيخ: أفادنا المؤلف بقوله: (زال عقله) بشيء مباح أنه لو زال عقله بشيء محرم، كما لو شرب مسكرًا متعمدًا فإنه يؤاخذ بأقواله، فحكمه حكم الذي معه عقله، إذا طلق وقع الطلاق، وإذا أقر بمال ثبت عليه ما أقر به، وإذا ارتد ثبت عليه حكم المرتد وقتل، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، والصحيح خلاف ذلك، وأن من شرب مسكرًا مع التحريم فإنه لا يعزَّر بأكثر مما جاءت به الشريعة، وهو أن يجلد أربعين جلدة، أو ثمانين جلدة، أو أكثر حسب ما يكون به ردع الناس عن هذا الشراب المحرم، وأما أن نؤاخذه بأقواله وأفعاله وهو لا يعقل فلا يمكن.
اختلف العلماء في فعله، هل يؤاخذ به؟ والصواب أن فعله كفعل المخطئ، لا كفعل المتعمد، فلو قتل إنسانًا لم يقتص منه؛ لأنه لا عقل له، ولكن تؤخذ منه الدية، إلا إذا علمنا أنه تناول المسكر لتنفيذ فعله فإنه يؤاخذ به، يعني لو فرضنا هذا الرجل يريد أن يقتل شخصًا، فقال: إن قتلته وأنا عاقل قتلوني به، ولكن أشرب مسكرًا وأقتله وأنا سكران لأجل لا يقتلونني، ففي هذه الحال نقول: إنه يقتل؛ لأنه سَكِرَ من أجل الوصول إلى العمل المحرم، والعبرة في الأمور بمقاصدها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (5).
وخلاصة الأمر الآن أن أقوال السكران غير معتبرة مطلقًا سواءٌ فيما يتعلق بنفسه أو بغيره، أفعاله كفعل المخطئ، يعني يؤاخذ بالأفعال التي يؤاخذ بها المخطئ، ما لم نعلم أنه أراد الوصول إلى هذا الفعل المحرم بتناول المسكر، فإننا في هذه الحال نعتبر فعله كفعل الصاحي، ويؤاخذ به.
وترى السكران ما يعترف بالجنيه الأفرنجي.
طالب: ذمته بريئة.
الشيخ: الصحيح أنه لا شيء عليه، وعلى المذهب.
طلبة: عليه.
الشيخ: يلزم بدفعه إذا كان المقر له لا يخاف الله؛ قال: يلَّا، أعطني اللي أقر، كذا؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: أما إذا كان الذي شرب المسكر معذورًا بجهل أو نسيان أو إكراه فإن أقواله وأفعاله غير معتبرة، إلا أن الأفعال يؤاخذ بما يؤاخذ به المخطئ المعذور بجهله، يعني: ما دري أن هذا الشراب مسكرًا فشربه، هذا ما عليه شيء، نسي هو يعلم أن هذا الشراب مسكر، لكن جاء وشربه ناسيًا.
مكرهًا على شربه، هذا معذور ولا يقع طلاقه، ولا ينفذ إقراره، ولا يؤاخذ بأفعاله إلا فيما يؤاخذ به المخطئ، إي نعم.
طالب: حتى على المذهب.
الشيخ: كيف؟
الطالب: حتى على المذهب.
الشيخ: حتى على المذهب، (... ).
أن الردة تكون بالاعتقاد والقول والفعل والترك، تكون بالاعتقاد والقول والفعل والترك، أليس كذلك؟ وبينَّا ذلك، وأن الاعتقاد إما أن يعتقد ما يكفره، أو يجحد ما يكفر بجحده؛ لأن الجحود نوعٌ من الاعتقاد، وأما القول فظاهر؛ إما أن يقول ما يكفر به إثباتًا، أو ينفي ما يكفر به نفيًا.
وكذلك نقول في الفعل؛ بأن يفعل ما يكون كفرًا، والترك بأن يترك ما يكون كفرًا أي: ما يكون تركه كفرًا.
وسبق لنا أن من أقسام الجحد أن يجحد تحريم شيءٍ مجمعٍ على تحريمه إجماعًا قطعيًّا ظاهرًا كتحريم الخمر، ولكن يشترط أن يكون عالمًا بذلك وغير متأول.
وبعد هذا قال المؤلف مبينًا كيف نعامل من ارتد عن الإسلام بأنواع الردة السابقة؛ قال: (فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار رجلًا كان أو امرأة).
(من) شرطية، جوابها (دُعي إليه ثلاثة أيام)، (من ارتد عن الإسلام) في واحد من أسباب الردة السابقة، لكن يقول: (وهو مكلف) إلى آخره.
وقوله: (عن الإسلام) المراد بالإسلام هنا الإسلام بالمعنى الخاص، وهو الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الإسلام له معنيان:
معنى عام يشمل كل مَنْ أسلم لله سبحانه وتعالى من هذه الأمة ومن غيرها، فإن غير هذه الأمة فيهم مسلمون كثير؛ ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44]، وقال يعقوب لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، وقال عن إبراهيم: ﴿كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67]، وقال عن بَلقيس: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44]، هذا الإسلام العام يشمل كل من أسلم لله سبحانه وتعالى بأن استسلم له ظاهرًا وباطنًا في كل ملة.
أما بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام فكان الإسلام لا يتناول إلا معنى خاصًا وهو الاستسلام لله بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم فقط.
فقول المؤلف: (مَنِ ارتد عن الإسلام) المراد به أي النوعين؟
الإسلام الخاص وهو الذي جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام.
لكن اشترط المؤلف؛ قال: (وهو مكلف) أي: بالغ عاقل، فإن كان غير عاقل فلا حكم لقوله؛ لأنه مجنون؛ المجنون لو قال: إن الله ثالث ثلاثة، أو إن الله اثنان، أو إن الله ليس بموجود، أو ما أشبه ذلك مما يكفر به العاقل فإنه لا يكفر؛ لأنه مجنون.
وفرق بين أن يكون فَقَد عقله بالجنون -كما قلت- أو بغير ذلك، فلو فقد عقله بآفة غير الجنون كالبرسام مثلًا، أو فقد عقله بحادث وصار يهذي، أو فقد عقله بكِبَر وصار يهذرم، أو فقد عقله بشرب مسكر غير عالم به، أو فقد عقله بشرب مسكر معذورًا به كمن شربه.
طلبة: لعطش.
الشيخ: لا، الصحيح في حكم ردة الصغير المميز$ ولكن المذهب أن ردة الصغير المميز معتبرة، ولكنه لا يُدعَى إلى الإسلام إلا بعد بلوغه، فيدعى إليه ويستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
وهناك قول ثالث في مسألة الصغير؛ أن ردته معتبرة، ويُدْعَى إلى الإسلام، فإن تاب وإلا قُتل، فالأقوال إذن ثلاثة:
أحدها: أن ردته غير معتبرة؛ لأنه غير مكلف، وكما لا يكفر بترك الصلاة والصيام وما أشبهها؛ لأنها غير واجب عليه فكذلك الإسلام لا يكفر بتركه.
والقول الثاني وهو المذهب: أنها تصح ردته ويكفر، لكن لا يستتاب حتى يبلغ؛ لأنه قبل ذلك مرفوعًا عنه القلم، فإن تاب وإلا قُتل.
والثالث: أن ردته معتبرة ما هي مقبولة، ردته معتبرة؛ يعني: تصح ردته ويستتاب فإن تاب وإلا قُتل.
لكن القول الصحيح أن ردته غير معتبرة؛ لعموم الأدلة الدالة على رفع الجناح عن الصغير.
إذن يُشترط البلوغ، والثاني العقل.
قال المؤلف: (مختار) اشترط الاختيار، يعني أن تقع منه الردة مختارًا، ضد الاختيار الإكراه، فلو أكره على الردة لم يكفر، بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان؛ يعني: بمعنى أنه لا يريد الكفر، وأنه يكرهه غاية الكراهة، لكن أُكْرِه عليه ففعل أو قال: فإنه لا يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106].
وهل يُشترط أن يفعله دفعًا للإكراه أو لا يشترط؟ سبق لنا أن قلنا: في هذا خلاف للعلماء، فمنهم من يقول: يشترط أن يفعل ذلك دفعًا للإكراه، فإن فعله لا دفعًا للإكراه بأن غاب عن ذهنه هذا الشيء فإنه يكفر، ولكن الصحيح أنه لا يكفر، ولو كان لم يطرأ على باله أنه يريد دفع الإكراه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾، ولأن العامة خصوصًا لا يشعرون بهذا المعنى؛ أي: لا يشعرون أنهم يريدون بذلك دفع الإكراه، لكن أُكْرِه على أن يكفر فكفر مع كراهته له، وهذا هو الواقع كثيرًا، بل ربما حتى غير العامي مع الذهول وشدة الموقف ربما يعزب عن باله أنه يريد دفع الإكراه، هذه ثلاثة شروط.