والدليل على ذلك سنة الرسول صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية؛ أما القولية فقوله لعبد الرحمن بن عوف: «أَوْلِمْ» (2)، وهذا فعل أمر، وأقل أحوال الأمر ويش أقلها؟ الاستحباب.
وأما الفعلية فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أولم على نسائه (3)، فتكون الوليمة ثابتة بالسنة القولية والفعلية.
قال: (بشاة فأقل) المعنى أنها لا تزيد على شاة، تُسَن لكن بقدر لا تزيد على شاة، من الشاة فأقل.
بعض علمائنا يقول: إن الناس حكُّوا النقطتين، ويش يصير؟ (بشاه) على كل حال، تُسَن بشاه.
طالب: (... ).
الشيخ: أقل من الشاة، فهو تمر يمكن!
طالب: الماء.
الشيخ: الماء زين، على كل حال تسن بشاة لا أكثر؛ يعني: من الشاة فأقل؛ خبز، وإدام، تمر، حيس، وما أشبه ذلك، هذه الوليمة.
وقال بعض أهل العلم: إن الوليمة من النفقة الراجعة إلى العرف، فتسن بما يقتضيه العرف؛ للموسع قدره، وللمقتر قدره، لكن بشرط ألَّا تصل إلى حد الإسراف أو المباهاة، فإن وصلت إلى حد الإسراف أو المباهاة صارت محرمة أو مكروهة.
وقول الفقهاء: بشاة فأقل، ما هو دليلهم؟ قالوا: لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (2).
وهذا الحديث لا يدل لما قالوا، بل يدل على أن أقل شيء الشاة، ولم يأت مثل هذا التعبير في اللغة العربية مرادًا به بيان الأكثر، وإنما يأتي في اللغة العربية مرادًا به بيان الأقل، فالصواب أنها للغني ولو بشاة، فإن كان غناه كبيرًا يجعل شاتين أو ثلاثًا، حسب حاله والعرف، ولكن بشرط -كما قلت- ألَّا يخرج إلى حد الإسراف وألَّا يراد به المباهاة؛ يعني: إني أنا أكثر منك، أنا صنعت وليمة أكثر، وما أشبه ذلك، فإن خرجت إلى حد الإسراف فالإسراف محرم، أو إلى حد المباهاة فإنها مكروهة.
قال المؤلف: (وتجب في أول مرة إجابةُ مسلمٍ يحرم هجره إليها إن عينه ولم يكن ثم مُنْكَر) انتقل المؤلف من بيان حكمها إلى بيان حكم الإجابة عليها إذا دُعِي، قال المؤلف: تجب إجابة، (تجب) فعل مضارع، (إجابةُ) فاعل (تجب).
(إجابةُ مسلمٍ) احتراز من الكافر، فالكافر ما تجب إجابته، لو كان لك جارٌ من الكفار حصل عنده زواج وأولم ودعاك إلى وليمته فإن الإجابة لا تجب، لكن هل تجوز؟
طالب: نعم.
طالب آخر: تجوز.
الشيخ: تجوز لكن لا تجب؛ لأن إجابة دعوة الكافر جائزة إلا فيما يقصد به الشعائر الدينية، فإن ما يقصد به الشعائر الدينية في الكفار تحرم الإجابة إليه؛ مثل أعيادهم، فإن أعيادهم لا يجوز أن يجيب الإنسان إليها؛ لأن إجابته إلى الأعياد معناها الرضا بها، وهي إنما تُفْعَل على سبيل التدين، فكأنه رضي بدينهم وأقره، ومعلوم أن الرضا بالكفر كفر -والعياذ بالله- ولهذا باتفاق أهل العلم أنه لا يجوز أن يُهَنَّئوا به؛ أي بعيدهم.
وأما تهنئتهم بالمناسبات -كالولد والزواج وما أشبه ذلك- ففيه خلاف بين أهل العلم، لكنهم أجمعوا على أن تهنئتهم بأعيادهم محرمة، ولا يجوز أن نهنئهم مهما كان الأمر؛ لأن الرضا بشعائر الكفر هذا أمره عظيم، والعياذ بالله.
طالب: النكاح فيه شعائر؛ يعني من إقامة الدين؟
الشيخ: لا، النكاح يشترك فيه هم والمسلمون، كلٌّ يتزوج.
الطالب: أنا أقصد طريقة العقد، هذا من إقامة الشعائر يعني..
الشيخ: ما أحضر العقد، العقد لا أحضره.
طالب: شيخ، عيدهم الوطني هذا اللي يقولون عليه، ويش (.. )؟
الشيخ: إيه، عيد الكفار الوطني؟
الطالب: إي، يعني -مثلًا- تجيء تهنئة يقول: هذا (... )؟
الشيخ: شوف الظاهر أن الذي ليس بشعائر دينية أنه يدخل في الخلاف الذي اختلف فيه أهل العلم؛ فمنهم من يقول: إنه يجوز أن نهنئهم بغير الأعياد أو بغير المواسم الشرعية عندهم، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة أو دفع مضرة، أو أنهم يفعلون ذلك بنا فنكافئهم عليه.
طالب: المشاركة في الجنائز -يا شيخ- بالنسبة للكفار يجوز ولا.. ؟
الشيخ: ما يجوز تشييع جنائزهم.
يقول: (وتجب في أول مرة إجابةُ مسلمٍ)، ثانيًا (يحرم هجره) أفادنا المؤلف رحمه الله أن من المسلمين من يجوز هجره أو لا؟ نعم، وهو كذلك؛ فمن المسلمين من يجوز هجره، ومنهم من يسن هجره، ومنهم من يجب هجره.
قال أهل العلم: المجاهر بالمعصية يسن هجره كحالق اللحية مثلًا؛ حالق اللحية مجاهر بالمعصية، وشارب الدخان في الأسواق وفي المجالس، هذا مجاهر بالمعصية، فيسن أن يهجر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هجر كعب بن مالك وصاحبيه وأمر أصحابه بهجرهم (4).
الثاني: من يجب هجره، ومثلوا لذلك بالروافض، وقالوا: إنه يجب هجرهم؛ لأن بدعتهم لا تحتمل، وكذلك من ضاهاهم من أهل البدع كالجهمية والمعتزلة لا سيما الدعاة منهم.
وأما من يباح هجره فمن يفعل معصية لكنه لا يجاهر بها إنما يستخفي بها، فهذا لا بأس من هجره، وليس بسنة ولا محرم.
ولكن الصحيح في مسألة الهجر أنه حرام إلا إذا كان فيه مصلحة، وأنه يحرم أن يهجر الإنسان أخاه المؤمن الذي لا يصل إلى حد الكفر إلا إذا كان في ذلك مصلحة.
والدليل لذلك عمومات الأدلة الدالة على حقوق المسلم على المسلم عامة، والمؤمن لا يخرج من الإيمان بمجرد الفسوق والعصيان عند أهل السنة والجماعة، وعلى هذا فالأصل ويش الأصل؟ تحريم هجر المؤمنين ولو تجاهروا بالمعصية، ولو فعلوا المعصية، هذا هو الأصل؛ لأنه مؤمن، وحق المسلم على المسلم ست؛ منها إذا لقيته فسلِّم عليه.
وهنا قال أيضًا: (حق المسلم) ولم يقل: حق المؤمن، وهو أوسع؛ لأن الإسلام أوسع من الإيمان، لكن إذا كان في الهجر مصلحة فإنه إما أن يسن، وإما أن يجب، حسب ما تقتضيه المصلحة وحسب عظم الذنب؛ إذا كان هذا الرجل الحالق للحيته إذا هجرناه ارتدع وخجل وصار كأنه يمشي بين الناس غريبًا لا يسلم عليه ولا يرد سلامه، فيخجل ويعفي لحيته، ماذا يكون هجره حينئذٍ؟
طالب: سُنة.
الشيخ: سُنة أو واجبًا، قد يكون واجبًا؛ لأنه من باب التعزير المفيد، أما إذا كان هذا الرجل إذا هجرناه ازداد شره ونفر من أخيه المؤمن وحصلت الوحشة بينهما، فماذا يفيد الهجر الآن؟ ما أفاد إلا الضرر والتفريق بين الناس، فلا يُسَن الهجر هنا بل ولا ينبغي.
بالنسبة للمسبل الذي يسبل ثيابه ويش يعتبر؟ مجاهر بالمعصية، وهو أعظم -فيما يبدو لنا- أعظم من حلق اللحية، ومع الأسف أنه كثير عند الناس الآن، لأنه تُوُعِّد عليه، فهو من الكبائر من كبائر الذنوب وأعظم من شرب الدخان، مع أن شرب الدخان عند الناس أعظم من حلق اللحية وأعظم من الإسبال ولكن الأمر بالعكس.
فالمهم أن الفقهاء رحمهم الله يقسمون الهجر إلى ثلاثة أقسام الهجر غير المحرَّم: واجب، وسنة، ومباح، ولكن الصحيح عندنا أنه لا ينقسم إلى هذه الأقسام، وأن الأصل في الهجر التحريم إلا إذا كان في الهجر مصلحة، وهذا بالنسبة لمن كان مسلمًا، أما غير المسلمين فإنهم لا يبدؤون بالسلام، سواء كان غير منتسب للإسلام؛ بأن يصرح بأنه يهودي ولا نصراني ولا وثني، أو كان منتسبًا للإسلام لكن بدعته تخرجه من الإسلام، فإنه لا يجوز أن يُبْدأ بالسلام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول في أهل الكتاب: «لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ» (5).
لكن إن سلم علينا من لا نسلم عليه نرد عليه؛ إن قال: السلام عليكم، قلنا: عليكم السلام، إن قال: السام عليكم؟
طلبة: وعليكم.
طالب: وعليكم السام.
الشيخ: قلنا: وعليكم، وإن قال: السام عليكم، قلنا: عليكم.
فالمسألة لها ثلاثة أوجه؛ إن سلَّم بلفظ السلام الصريح رددنا عليه بالسلام الصريح، وإن سلَّم بالسام الصريح رددنا عليه بالسام الصريح، قلنا: عليكم السام، أو نقول: عليكم أحسن؟
طلبة: (عليكم) أحسن.
الشيخ: (عليكم) أحسن، نقول: وعليكم، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام (6)، وإن سلَّم بسلامٍ أدغمه نقول: وعليكم (... ).
أولًا: ما معنى وليمة العرس عند الدخول؟ فالصحيح أنه كل ما يصنع في أيام العرس حسب العرف.
طالب: ومن قال -يا شيخ-: إنها تُسَن؛ يعني الدخول قبلها بثلاثة أيام قبل الوليمة، هل هذا صحيح؟
الشيخ: لا، ما لها أصل.
وقول المؤلف: (تُسَن) هل هناك قول آخر، فيه قول آخر؟
طالب: أنها تجب.
الشيخ: أنها تجب.
طيب ما الدليل؟
الطالب: مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بعبد الرحمن بن عوف فقال: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» (2)، كذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث أولم على صفية (7).
الشيخ: طيب استدلاله بالأمر صحيح؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: طيب بالفعل؟
الطالب: لا.
الشيخ: غير صحيح؛ لأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب.
جمهور أهل العلم، تقدم لنا أن جمهور أهل العلم يرون أنها؟
طالب: سُنة.
الشيخ: سُنة، وقالوا: إن الذي صرف الأمر عن الوجوب أنه طعام بمناسبة سرور حادث، وهذا لا يقتضي الوجوب؛ لأنه ليس دفعًا لضرورة كالنفقة فتجب، وليس واجبًا في زكاة أو نذر فتجب، إنما هو لسرور فلا يكون واجبًا.
طيب ما هي الحكمة من مشروعية الوليمة؟
طالب: والراجح يا شيخ؟
الشيخ: واللهِ نقول: افعل، وأمر الرسول بهذا.
طالب: الحكمة أولًا: أنها من باب إظهار النكاح، وإظهار النكاح واجب؛ ليتميز النكاح من السفاح.
الشيخ: طيب هذه واحدة.
الطالب: والشيء الثاني: أنه يكون به طعمة للفقراء إذا قدموا يأكلون من الطعام، وثم أيضًا يدخل فيه باب صلة الرحم إذا حضر الأقارب (... ).
الشيخ: طيب.
طالب: اجتماع المسلمين والتعارف بينهم.
الشيخ: طيب، هذه أربعة.
طالب: إذا كان هناك البعض (... ) الإعلان.
الشيخ: تدخل (... ) الإعلان.
طالب: شكر الله عز وجل بهذه المناسبة.
الشيخ: نعم، طيب.
طالب: إظهار الفرح والسرور بهذه المناسبة.
الشيخ: بهذه المناسبة، فيكون فيه جبر بخاطر الزوجة وأوليائها، المهم أن فيها عدة مصالح؛ الوليمة.
طيب حكم الإجابة إليها أظن ما تكلمنا عليه.
طالب: بدأنا فيه.
الشيخ: بدأنا فيه.
طيب حكم هجر المسلم (... ).
يعني أنها صنعت أول مرة.
ثانيًا: (إجابة مسلم) (إجابة) يعني: لا حضور بلا دعوى؛ يعني مثلًا إذا كان جاري عنده دعوة وليمة وهو ما دعاني، ما يجب عليَّ أني أحضر إلا بدعوة تستحق الإجابة.
(مسلم) هذا الشرط الثاني، (مسلم) احترازًا من الكافر، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- بيان حكم إجابة الكافر في كلام المؤلف.
(يحرم هجره) احترازًا ممن؟ ممن يجوز هجره؛ أي: ممن لا يحرم هجره، فدخل في ذلك من يجب هجره ومن يجوز هجره فإنه لا تجب إجابة دعوته، وقد سبق أنه قد تجب هجرة المسلم؛ وذلك إذا كان على معصية وكان في هجره مصلحة أنه يترك المعصية، يرى الناس قد هجروه تركها وتاب.
هذه ثلاثة شروط.
طالب: (... ) أول مرة.
الشيخ: أول مرة، الداعي مسلم، الثالث يحرم هجره، فأما من يجوز هجره -ويدخل في ذلك من يجب هجره من باب أولى- فإنها لا تجب إجابته.
الشرط الرابع قال المؤلف: (إن عَيَّنه) ويش لون؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا، فيها (إليها) أي: إلى وليمة العرس احترازا من الدعوة إلى غير وليمة العرس فإن الإجابة لا تجب، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم أن الإجابة لغير دعوة العرس لا تجب.
ودليل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ؛ يُدْعَى إِلَيْهَا مَنْ يَأْبَاهَا، وَيُمْنَعُهَا مَنْ يَأْتِيهَا، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (8)، هذا الشاهد «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ».
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوب إجابة الدعوة حتى من غير الوليمة، وقالوا: إن هذا من حقوق المسلم على المسلم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» (9)، وهذا عام يدخل فيه وليمة العرس وغيرها، وتخصيص وليمة العرس بالوجوب لا يدل على أن غيرها غير واجب؛ لأن ذلك من باب ذكر بعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام في حكم مطابق لا يقتضي التخصيص، وهذا ما ذهب إليه أهل الظاهر على أن الإجابة تجب لكن بالشروط التي لا بد منها، لا بد من الشروط، الكلام على أن الإجابة -إجابة المسلم إذا دعاك- واجبة.
طالب: لو هجره ثلاثة أيام (... )؟
الشيخ: إي، الظاهر إنها ما تجب في هذا الحال.
وقوله (إن عينه) هذا الشرط ماذا يكون هذا الشرط؟ الخامس إن جعلنا قوله: (إليها) رابعًا، وإن قلنا: ما شرط وجوب إجابة الدعوة في وليمة العرس؟ يصير هذا هو الرابع أو لا؟ إي نعم، وهو كذلك؛ لأن إحنا الآن كلامنا على إجابة دعوة وليمة العرس، فيكون هذا الرابع، ويش هو الأول؟
طالب: الأول: لأول مرة.
الشيخ: والثاني؟
طالب: أن يكون مسلمًا؛ الداعي، والثالث: أن يكون يحرم هجره، الرابع: إن جعلنا (إليها) شرطًا.
الشيخ: هذه ما نجعلها شرطًا؛ لأنا نسأل عن ما حكم إجابة وليمة العرس؟ فـ (إليها) إذن ليست بشرط.
الرابع (إن عينه) أي: عين الداعي المدعوَّ؛ يعني قال: يا فلان احضر إلى وليمتي، وعُلِم منه أنه إن لم يعينه فلا يجب؛ مثل لو أطل برأسه على جماعة وقال: تفضلوا إلى وليمة العرس فإنه لا يجب؛ لأنه لم يعينه، وجَّه الكلام إلى الجميع، ما قال: يا فلان أحضر؛ ولهذا لا يعد الناس من تخلف عن هذه الدعوة لا يعدونه كمن عُيِّن وتخلف، أيهن أشد؟ من عُيِّن وتخلف أشد؛ لأن هذا يقول: ما دام ما دعوتني بخصوصي فأنا -مثلًا- لي شغل، أو ما أراد الدخول، أو ما أريد شيئًا، أو ما أشبه ذلك.
هذه أربعة شروط.
الشرط الخامس: (ولم يكن ثَمَّ مُنْكَر)، (ثَمَّ) أي: هناك، ويغلط كثير من الناس حتى من طلبة العلم فيقولون: (ثُمَّ)، وهذا غلط لأن (ثُم) حرف عطف، و (ثَمَّ) ظرف، ظرف اسم بمعنى: هناك، أي: ولم يكن في مكان الدعوة منكر، والمنكر ما أنكره الشرع والعرف، والعبرة بأيش؟ بإنكار الشرع؛ فما أنكره الشرع فهو المنكر ولو أقره العرف؛ لأن بعض الأعراف -والعياذ بالله- يقرون المناكر، فالعبرة بما أنكره الشرع، وما أنكره الشرع فإن العقل السليم والعرف السليم ينكره، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ» (10) لأن الناس ينكرونه، وهذا في أناس فطرهم سليمة ومنهاجهم مستقيم.
طيب إذن الشروط صارت خمسة الآن خمسة شروط.
فيه شرط سادس ذكره بعضهم: وألَّا يكون ماله حرامًا، فإن كان ماله حرامًا لم يجب؛ مثل أن يكون ممن يتعامل بالربا أو بالغش أو بالكذب، وحقيقة الأمر أن هذا الشرط ليس في النصوص ما يدل عليه لكنه محل اجتهاد من أهل العلم، والنبي عليه الصلاة والسلام أجاب دعوة اليهودي (11)، وأكل من الشاة التي أتتها له اليهودية (12)، مع أن اليهود أكالون للسحت ويأخذون الربا.
ثم إن الذي ماله محرم تحريمُ مالِه هنا لعينه أو لكسبه؟
طالب: لكسبه.
الشيخ: لكسبه، وكسبه أثمه عليه، والذي قدم لي خبزًا وإدامًا ولحمًا طيبًا، لكن محرم لكسبه فإثمه عليه، لكن في هذه المسألة إذا كان إجابة دعوة هذا الرجل المعروف بالربا والغش والكذب وما أشبه ذلك، إذا كانت إجابته مما يغريه بما هو عليه ويغر غيره أيضًا فهنا لا تجيبه.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، حسب المصلحة قد تقتضي المصلحة وجوب عدم الدعوة؛ عدم الإجابة.
اشترط بعض العلماء ألَّا يكون في الإجابة دناءة؛ مثل أن تعرف المدعوين ناس من السفهاء والسفل مثلًا، وأنت رجل محترم بين الناس بالنسبة لهؤلاء، قالوا: إنه إذا فعل فإنه إذا أجاب فإنه ينزل قدره عند الناس ويكون عليه ضرر في هذا.
لكن هذا الشرط أيضًا ليس بصحيح؛ لأنه يفتح للناس باب الطبقية والترفع والتعاظم، بل نقول: احضر وانصح، لعل الله أن ينفع بك، قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولهذا نحن الآن نأتي إلى المسجد، وفيه ناس نصلي إحنا وإياهم جنبًا إلى جنب فيهم دناءة وسفل وكل شيء ما علينا منهم، أنا أمرت بالإجابة فأجيب، وأما إني أتعلَّى وأترفع فهذا لا ينبغي، لا سيما إذا كان العلو أو الترفع على هؤلاء من أجل أنهم فقراء وأنا غني، هذا أشد، هذا معلوم أنه أشد وأشد.
طالب: ولو بالسافل يا شيخ؟
الشيخ: نعم ولو كانوا بالسافل أحضر وأدعوهم، اللهم إلا رجل يمكن أن توجه إليه التهمة بحضوره معهم، والناس يختلفون؛ إذا كان إن الرجل هذا لو حضر مع هؤلاء وجهت إليه التهمة فهذا ضرر عليه ما يجب عليه أنه يحضر، لكن رجل مثلًا، لنفرض أنه من كبار علماء المسلمين دُعِي، هل يمكن أن تلحقه التهمة؟
طالب: لا.
الشيخ: ما يمكن أن تلحقه، بل يقولون: جزاه الله خيرًا، جاء لعله ينصحهم ينفعهم، فالناس يختلفون، كذلك رجل مشهور بين الناس بالإرشاد والتوجيه والدعوة، لكل مقام مقال.
اشترط بعض العلماء ألَّا يلحقه ضرر في ذلك، فما رأيكم؟
طالب: (... ) لا ضرر ولا ضرار.
الشيخ: هذا صحيح؛ لأن جميع الواجبات كل الواجبات من شرط وجوبها انتفاء الضرر، فهذا من باب أولى، لو كان يخشى على نفسه ضررًا في ماله أو في بدنه أو في عرضه أيضًا فإن له أن يمتنع ولا يجب عليه، وهذا قد يكون معلومًا من القاعدة العامة في الواجبات.
فتلخصَّ لنا الآن ستة شروط.
طالب: سبعة.
الشيخ: لا، اثنين ضعفناهما.
الطالب: (... ).
الشيخ: طيب نشوف: أول مرة، أن يكون الداعي مسلمًا، يحرم هجره، وأن يُعَيَّن، وأن لا يكون ثَمَّ منكر، وألَّا يكون..
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هذه فيها نظر، ألَّا يكون عليه ضرر، هذه؟
طالب: خمسة.
الشيخ: لا، ستة.
طالب: شيخ، أول مرة (... ) أول مرة.
الشيخ: ستة، أول مرة معناه أنه يكون الدعوة في أول مرة احترازا مما لو صنع الزوج مرتين؛ حط وليمة اليوم، وحط وليمة بكرة، اللي لها حكم الوجوب الأولى؛ اللي بأول يوم.
طالب: ما تحرم هذه يا شيخ؟
الشيخ: إي بيجينا الآن، بيجينا إن شاء الله.
طالب: يقول: المطر الذي يبل الثياب لعذر هو البرد الشديد، هذا صحيح؟
الشيخ: هو عذر هذا عن حضور الجماعة.
الطالب: لكن (... ) إجابة الدعوة هذه.
الشيخ: ما أظن إلا أن تضرر، إن تضرر لا.
الطالب: وإذا كان يخاف من منكر، ربما يخاف (... ).
الشيخ: بيجينا.
عرفتم الآن الشروط ستة، صارت الشروط ستة، إذا تمت هذه الشروط وجبت الإجابة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» (8)، وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36]، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ» (9) بقي..
طالب: الدعوة لغير العرس (... ) ويش الراجح؟
الشيخ: أوما قلنا هذا؟ قلنا: إن الظاهرية يرون الوجوب.
الطالب: (... )؟
الشيخ: واللهِ أنا ما ترجح عندي الوجوب ولا عدمه، إنما أقول: أجب، مثلما قلت للأخ، أقول: أجب، وأولم مثلما قلت للأخ أيضًا..
طالب: الضرر في الوقت إذا صار كل يوم فيه تزاوج وقت الأعراس، هذه كل يوم فيه تزاوج يتضرر وقت.. ؟
طالب آخر: (... ).
الشيخ: مراجعة تفويت مصلحة.
طالب: لا، إذا كثر يصل لحد الضرر.
الشيخ: إذا وصل إلى حد الضرر يطبق الشرط هذا.
بقي البطاقة الآن التي ترسل وسأل عنها الأخ، البطاقة التي ترسل هل ترونها من التعيين وأنها تلزم بالحضور؟
طالب: إذا ذُكِر اسمه.
الشيخ: إي ذُكِر، اسمه مكتوب (... ).
طالب: لا، العرف يدل على أن (... ) القرائن تدل على عدم التعيين (... ).
الشيخ: غير صحيح، إذا رأيت أن الاسم مكتوب تقول: هذا تعيين، لكن إذا رأيت أنهم ما هم بيبالون، عبارة عن مجاملة فقط أنك صاحب ولَّا قريب، بدليل أنهم ما يقولون: هل أنت بتيجي أو لك شغل أو شيء؛ يعني: ما يعقبون عليك ولا وده تحضر، يعقب عليك يقول: وصلت البطاقة، مثلًا، فالظاهر لي أن البطاقة أصبحت مثل الجفل؛ مثل دعوة الجفل إلا إذا كان هناك شيء آخر؛ مثل قرابة لو لم تأت لعدها قطيعة، أو لقال الناس: ليش ما جاء لقريبه؟ هذا شيء آخر.
طالب: إذا كان فيه سرف (... )؟
الشيخ: سرف يعني زيادة طعام؟
الطالب: نعم.
الشيخ: الإثم على المسرف، أنت احضر وانصح.
طالب: ما يعتبر الإسراف منكرًا؟
الشيخ: إلا منكر لا شك، لكن منكر قد حصل.
طالب: ذكرنا في الدرس الماضي (... ) إذا خرجت إلى حد الإسراف فهي محرمة.
الشيخ: (... ).
الطالب: إلى حد المباهاة فهي مكروهة، قلنا هذه.
الشيخ: طيب.
طالب: بالنسبة للجار ما يعتبر معينًا، ما ذكره في شيء ولا دعاه؟
الشيخ: لا، ما دام ما دعاه (... ).
الطالب: يعني العرف (... )؟
الشيخ: والله ما دعاه، ما دعاني ممكن أزعل (... ).
طالب: طيب البطاقة -يا شيخ- ما تعد من الإسراف نفسها طبعها الآن؟
الشيخ: والله يا أخي فيها الحقيقة بعضهم يصل لحد الإسراف وبعضهم لا؛ بعض البطاقات يطبع بالاستنسل ويقطعهم بالمقص ويرسلهم.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم صحيح، هذا غلط، هذا إسراف، ولهذا ينبغي لنا أننا نحذر الناس منها.
طالب: آية تطبع.
الشيخ: آية ولَّا أبيات شعر.
الطالب: أين الأبيات..
الشيخ: لا، الأبيات (... ).
الطالب: الآية يكتبونها.
الشيخ: (... ).
طالب: عقاقير (... ).
الشيخ: عجيب! لا أنا رأيت هذا من الخبث -والعياذ بالله- بعضهم فيه صورة رجل وامرأة.
طالب: وبعضهم (... ).
طالب آخر: شيخ، في رواية صحيحة أن عبد الرحمن بن عوف كان يتطيب بالزعفران (13)، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتطيب الرجل بالزعفران (14)؟
الشيخ: عليه رَدْعٌ من زعفران، والنهي عن المعصفر لباس الأصفر فقط.
الطالب: لا، الطيب.
الشيخ: الطيب اللي تمضخ كله، أما الشيء اليسير ما فيه بأس.
طالب: الظاهر العموم في (... ) تعميم إجابة الدعوة سواء..
الشيخ: هو جيد، أنا أميل إلى الوجوب لكن ما أجزم به.
طالب: إذا سلم البطاقة بيده (... )؟
الشيخ: الظاهر أن هذا دليل على التعيين أنه قاصد.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، تأكيد واحترام له، على كل حال إذا عيَّنه نحن نقول: إذا عينه ثم عاد يأتي تحقيق المناط هل إن البطاقة من باب التعيين أو لا؟ إحنا نقول: مجرد البطاقة ليست تعيينًا فيما يظهر لنا، لكن إن وُجِد معها قرينة تؤيد التعيين وأنه يريد أن تحضر بعينك فلها حكم هذا.
قال: (ولم يكن ثَمَّ مُنْكَر) هذا الشرط الثالث يقول في مفهومها: ولم يكن ثم منكر -أخر رحمه الله- لما ذكر المؤلف الشروط منطوقًا ذكر مفهومها قال: (فإن دعا الجفلى) دعوة الجفلى هي دعوة العموم؛ مثل أن يقول: هلموا أيها الناس وما أشبه ذلك، وهي -أي: دعوة الجفلى- مما يفتخر بها العرب، كما قال شاعرهم:
نَحْنُ فِي الْمَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى لَا تَرَى الْآدِبَ فِينَا يَنْتَقِرْ
النقرى أنه يُعَيِّن يقول: يا فلان تعال، والجفلى أنه يُعَمِّم، يعمم جميعًا، يقول: لا ترى الآدِب، من هو الآدِب؟ صانع المأدَبة أو المأدُبة بالضم.
فينا ينتقر؛ يعني: يدعو بالتعيين.
إذا دعا الجفلى يقول المؤلف: (كُرِهت الإجابة)، لماذا؟ ما هو الدليل؟ ما فيه دليل.
ما هو التعليل؟ قال: لأن في ذلك دناءة، يجيء واحد لما نكون جميعًا -مثلًا عالَم- يقول: اتفضلوا وتروح أنت، هذا دناءة، هكذا عللوا رحمهم الله، وهذا التعليل -كما عرفتم- عليل.
طالب: ما هي يفتخر بها العرب؟
الشيخ: لا، بالنسبة للداعي يفتخر بها، لكن بالنسبة للمدعو دناءة بالنسبة للمدعو أنك تجيء.
طالب: (... ) الكراهة؟
الشيخ: الصحيح أنها لا تكره وأنها جائزة، وقد ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر أنس بن مالك أرسله فقال له: «ادْعُ فُلَانًا وَفُلَانًا وَمَنْ لَقِيتَ» (15)، في الأول تعيين، وفي الثاني عام «وَمَنْ لَقِيتَ»، فالصواب أنه لا بأس به، وأن الإجابة في هذه الحال ليست بمكروهة، بل في ظني أن عدم الإجابة إلى الكراهة أقرب؛ لأنك إذا دعوت الناس جميعًا عمومًا وتخلف واحد، ويش يقولون الناس؟ يقولون: هذا متكبر مترفع ما جاء، فالصواب أنها لا تكره الإجابة، صحيح أنها لا تجب على كل واحد؛ لأن الدعوة عامة، فهي تشبه فرض الكفاية، لكنها لا نقول: إنها مكروهة، فالصواب أنها ليست بمكروهة وليست بواجبة، لكن إذا علم أحد المدعوين أنه يسر الداعي أن يحضر فإنه ينبغي له أن يجيب.
طالب: حتى لو كان في عرس -يا شيخ- لأن فيه بعضهم عنده عرس يجيهم مجلس يقول: يا جماعة تفضلوا كلهم؟
الشيخ: إي، ولو كان هذا ما يفتخر به العرب أو لا.
كذلك أيضًا أو دعاه (في اليوم الثالث) دعاه في اليوم الثالث، وين جواب الشرط؟ قال: (كُرِهت الإجابة) إذا دعاه في اليوم الثالث فإنه كُرِهت الإجابة؛ لأنه يُرْوَى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّ الْوَلِيمَةَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ» (16)، وإذا كانت رياء وسمعة فلا ينبغي أن نشجع صاحبها، ولأنها إذا خرجت إلى اليوم الثالث صارت إسرافًا وعناءً، فالإجابة تكون مكروهة، لكن إذا لم تكن رياء وسمعة -مثل أن يكون له أقارب ما حضروا إلا في اليوم الثالث- فهذه ما هي رياء ولا سمعة، هذه لها مناسبة؛ وهي حضور هؤلاء، فمثل هذه الصورة لا تكره الإجابة.
لكن ينبغي لمن أجاب أولًا أن يقتصر على الإجابة الأولى؛ لأنه كلما إذا تكررت إذا الإجابة في أيام متتابعة فلا بد فيها من دناءة، اللهم إلا أن يكون هناك سبب خاص تنتفي به الدناءة؛ مثل أن يكون قريبًا أو صديقًا أو جارًا.
طالب: إن كرر (... )؟
الشيخ: في الثالثة لا يجيب إلا إذا كان لها سبب.
طالب: القارئ يقول: إن سنده لا يصح؟
الشيخ: هو فيه ضعيف؛ ولهذا قلنا لك: يُرْوَى، لأنه يُرْوى عن النبي صلى الله عليه وسلم فالفقهاء استدلوا به، ونحن اعتمدنا على التعليل وهو أنه؟
طالب: إسراف.
الشيخ: أنه إسراف.
قوله: (أو دعاه ذمي كُرِهت الإجابة) (دعاه ذمي) من هو الذمي؟ اليهودي أو النصراني، أو على الأصح غيرهم أيضًا ممن عُقِدَت له الذمة؛ بأن يقيم في بلاد المسلمين وتؤخذ منه الجزية من اليهود والنصارى وغيرهم، فهذا الإسلام مسيطر عليهم ولَّا لا؟ وخاضع لأحكام الإسلام وله حقوق (... ).
فإذا دعاك لوليمة العرس فالمذهب أنه يكره، لماذا؟ قالوا: لأن المطلوب هو إذلال أهل الكفر واحتقارهم وازدراؤهم وألَّا أجيبهم، وظاهر كلامهم ولو كانوا يجيبوننا إذا دعوناهم؛ لأن الإسلام يعلو ولا يُعْلَى.
ولكن هذا فيه نظر، والصواب أنهم يجابون ولا تُكْرَه إجابتهم؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أجاب دعوة اليهودي (11)، وسئل الإمام أحمد فقيل له: أجيب دعوة الذمي؟ قال: نعم، وهذا هو الصحيح، نعم الوجوب ما تجب لكنها تجوز، لا سيما إذا كان في ذلك تأليفًا لهم ومصلحة.
وهذا في إجابتهم إلى الأمور العادية؛ كالزواج والقدوم من سفر، وما أشبه ذلك، أما الإجابة إلى الشعائر الدينية فإنها حرام ما يجوز، فلو دعانا نصراني إلى عيد الميلاد حرمت الإجابة؛ لأن الإجابة هنا معناه إقرار شعائر الكفر، وشعائر الكفر لا يرضاها الله عز وجل، وهكذا نقول في تهنئتهم: ما يهنئون بعيدهم، تهنئتهم بعيدهم محرمة ولا تجوز؛ لأن معنى ذلك الرضا، بل التهنئة أعظم من الرضا، أهنئك -ما شاء الله- أنك أدركت هذا العيد وأنك عيدت! يقول ابن القيم: هذا أعظم مما إذا هنئت رجلًا بالزنا.
وله السفَرُ بالْحُرَّةِ ما لم تَشتَرِطْ ضِدَّه، ويَحْرُمُ وَطؤُها في الْحَيْضِ والدُّبُرِ، وله إجبارُها على غُسْلِ حَيْضٍ ونَجاسةٍ، وأَخْذِ ما تَعَافُه النفسُ من شَعْرٍ وغيرِه ولا تُجْبَرُ الذِّمِّيَّةُ على غُسْلِ الْجَنابةِ.
(فصلٌ)
ويَلْزَمُه أن يَبيتَ عندَ الْحُرَّةِ ليلةً من أربعٍ، ويَنفرِدَ إن أرادَ في الباقي، ويَلْزَمُه الْوَطْءُ إن قَدَرَ كلَّ ثلُثِ سَنَةٍ مَرَّةً، وإن سافَرَ فوقَ نِصْفِها وطَلَبَتْ قُدومَه وقَدِرَ لَزِمَه، فإن أَبَى أحدُهما فُرِّقَ بينَهما بطَلَبِها، وتُسَنُّ التَّسميةُ عندَ الوَطءِ وقولُ ما وَرَدَ، ويُكرهُ كَثرةُ الكلامِ، والنزْعُ قبلَ فَرَاغِها، والوَطءُ بِمَرْأَى أَحَدٍ، والتَّحَدُّثُ به ويَحْرُمُ جَمْعُ زَوْجَتَيْهِ في مَسكنٍ واحدٍ بغيرِ رِضاهما، وله مَنْعُها من الخروجِ من مَنْزِلِه، ويُسْتَحَبُّ إذنُه أن تُمَرِّضَ مَحْرَمَها وتَشْهَدَ جَنازتَه، وله مَنْعُها من إجارةِ نفسِها ومن إرضاعِ وَلَدِها من غيرِه إلا لضَرورتِه.
(فصلٌ)
وعليه أن يُساوِيَ بينَ زَوجاتِه في القَسْمِ لا في الوَطْءِ، وعِمادُه الليلُ لِمَنْ مَعاشُه النهارُ والعكسُ بالعكسِ، ويُقْسَمُ لحائضٍ ونُفَسَاءَ ومَريضةٍ ومَعيبةٍ ومَجنونةٍ مأمونةٍ وغيرِها، وإن سافَرَتْ بلا إذْنِه أو بإذْنِه في حاجتِها أو أَبَت السفَرَ معه أو الْمَبِيتَ عندَه في فِراشِه فلا قَسْمَ لها ولا نَفَقَةَ، ومَن وَهَبَتْ قَسْمَها لضَرَّتِها بإذْنِه أو له فجَعَلَه لأُخْرَى، جازَ فإن رَجَعَتْ قَسَمَ لها مُستقبَلًا,
ولا قَسْمَ لإمائِه ولا أُمَّهَاتِ أَولادِه، بل يَطَأُ مَن شاءَ متى شاءَ، وإن تَزَوَّجَ بِكْرًا أقامَ عندَها سبعًا ثم دارَ، وثَيِّبًا ثَلاثًا، وإن أَحَبَّتْ سَبْعًا فَعَلَ وقَضَى مِثْلَهُنَّ للبَوَاقِي.
ما لم تشترط ضده، فإن اشترطت ضده فلا حق له أن يسافر بها؛ لما سبق من الدليل أو من الأدلة على وجوب الوفاء بالشروط.
ما رأيكم فيما لو سافر بها، ولكنها بعد أن سافر بها أصابها مرضٌ نفسي من هذا السفر، هل يلزمه أن يردها إلى بلدها أو لا؟
الجواب: نعم يلزمه، قياسًا على ما سبق في قوله: (وله الاستمتاع بالحرة ما لم يضر بها)، فإذا كان هذا السفر أوجب لها المرض فإن عليه أن يعيدها إلى بلدها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
(1)
وقوله: (وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده)، تشترطه باللفظ، وكذلك بالعرف، لو كان من المطَّرِد عند أهل هذا البلد أن الرجل لا يسافر بامرأته إلا بشرط فإنه يؤخَذ بالشرط.
طالب: الشرط اللي (... ) عمر رضي الله عنه عُرِضَ عليه مثل هذا الأمر ففي مرة أمضاه، وقال لها: إن (... ) إلى الزوجة، وفي مرة أخرى قال: هي مع زوجها، فالشوكاني كان بسط القول في هذه المسألة، وقال: إنها ليس لها أصلًا أن تشترط مثل هذا الشرط؛ لأنه ليس من حقها.
الشيخ: تقدم لنا في باب الشروط أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن جميع الشروط المباحة في النكاح لازمة، وواجب له الوفاء بها، الوفاء بها واجب؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود، وبالعقود، وبالشروط، وما عدا ذلك مما ورد عن بعض الصحابة فإنه يُحْمَل على قضايا معيَّنَة قضوا بها يمكن أنه فيها أحوال رأوا أن المصلحة تقتضي عدم التنفيذ، فحكموا به، ما دام عندنا أدلة عامة فيجب الأخذ بها.
طالب: شيخ، قوله: (وله الاستمتاع ولو على تَنُّور)، (... ) شرط الاستمتاع ولو على تنور (... )؟
طالب آخر: (... ) الأدلة تفسير التنور (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، بس إنما هم يريدون يفهمون المعنى، التنور معروف، يعني: ولو كانت تخبز ما تقول: خليني أكمل خبزي.
طالب: لا، عند اللبس يعود إلى غير الاستمتاع.
الشيخ: لا، يعود على الاستمتاع، أما ظهر القتب، فالقتب نوع مما يُرْحَل على البعير، مثل (... ) اللي يكون على البعير، يقول: حتى في هذه الحال لو أراد أن يستمتع بها على بعير، على بغلة قتب فلا حرج، أو قتب على الأرض أيضًا، المهم يستمتع بها في كل حال ما لم يضر بها (... ).
طالب: أقول: ويباشرها (... ).
الشيخ: لأنها زوجته معلوم، لكن ما نخصه بالأَمَة؛ لأن قد يقول أو يتوهم مُتَوَهِّم (... ) ليلة فقط ويباشرها، أي الآن، ولكن يباشرها -أي: الزوجة- سواء أَمَة ولَّا حرة.
قال: (وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ وَفي الدُّبُر)، أما وطؤها في الحيض فهو بنص الكتاب العزيز، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222]، فلا يجوز للمرء أن يجامع زوجته وهي حائض، ولا يفعل ذلك إلا بعد أن تطهُر وتطَّهَّر؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فأتوهن﴾ البقرة: 222].
وأما الاستمتاع بما دون الوطء للحائض فهو جائز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ» (2)، ولكن ينبغي أن يأمرها بالاتِّزَار، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر عائشة أن تتزر فيباشرها وهي حائض (3)، وذلك لئلا يرى منها من الدم ما يوجِب التَّكَرُّه فيكره المرأة من أجله.
وكذلك في الدُّبُر يحرُم الوطء، للأحاديث الواردة في ذلك، وهو مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ».
(4)
وكذلك وردت أحاديث متعددة وإن كان في إسنادها ما يقال، إلا أنها بمجموعها تصلح للاستدلال والحجة.
وكذلك بالقياس على الحيض؛ لأن الله عَلَّلَ تحريم الوطء في الحيض بأنه أذى، ومعلوم أن الأذى الحاصل في وطء الدبر أشد من الأذى الحاصل بالحيض، الحيض دم، لكن هذا غائط ونجاسات ملوثة.
ثم قال شيخ الإسلام: وإذا تواطأ الزوجان على ذلك فإنه يفرَّق بينهما، وصدق رحمه الله، لو أن الزوج والزوجة اتفقَا على هذا الأمر -على الوطء في الدبر- وجب أن يفرَّق بينهما؛ لأنه استمتاع مُحَرَّم.
وقول المؤلف: (في الحيض أو في الدُّبُر) المراد أن يُولِج في الدُّبُر، وأما إذا استمتع بين الأليتين أو بين الفخذين بدون إيلاج فهذا لا بأس به.
طالب: حديث صَحَّحَه بعض العلماء أن إتيان النساء في أدبارهن حرام.
(5)
الشيخ: صحَّحَه بناء على كثرة شواهده.
قال: (وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غُسْلِ حيضٍ)، أو (على غَسْلِ حيض)، إن قلنا: على غَسل حيض، فالمراد أن تغسل أَثَرَ الدم، وإن قلنا: على غُسْل حيض، فالمراد الاغتسال، وكلاهما صحيح، له أن يُجْبِرَها على غسل الحيض؛ لأنه ما يمكن أن يطأها حتى؟
طالب: تغتسل.
الشيخ: تغتسل، فإذا طهرت من الحيض، وأرادت ألَّا تتعجل في الاغتسال فله أن يجبرها على ذلك، حتى وإن لم يكن وقت صلاة، لو فُرِضَ أنها طهرت بعد أن طلعت الشمس بنصف ساعة، باقٍ على الظهر مدة، وأراد أن تغتسل لأجل أن يستمتع بها، فله أن يفعل، وله أن يُجْبِرَها على هذا.
طالب: (على غُسْلٍ من حيض).
الشيخ: أنا عندي بدون (من).
وكذلك أيضًا لو طلب منها أن تغسل أَثَرَ الدم فله ذلك، له أن يجبرها؛ لأن الدم نجس، ولأن رؤيته توجب النفور من المرأة، كذلك له إجبارها على غسل نجاسة، أيًّا كانت؟ أيًّا كانت.
ولكن هذا فيه نظر، فإنه لا يجبرها على غسل النجاسة إلا في حالين: إذا كانت تُفَوِّت عليه كمال الاستمتاع، أو كان وقت صلاة، في هاتين الحالين له أن يجبرها على غسل النجاسة، أما فيما عدا ذلك فليس له أن يجبرها عليها؛ لأنه لا يفوت في ذلك لا حق الله ولا حق الزوجة، مثل لو أصابها في ثوبها شيء من البول، وهذا ليس وقت صلاة، والبول يبس ولا له لا لون ولا شيء، فإن هذا ليس له الإجبار.
نعم يشير عليها أن تغسله؛ لأن الأفضل أن يبادر الإنسان بغسل النجاسة، أما الإجبار فلا يجبرها إلا في حال من حالين: إما أن يفوت بهذه النجاسة كمال الاستمتاع، وإما أن يكون في وقت صلاة فإنه أن يجبرها لأجل أن تصلي وهي طاهرة.
وكذلك له أن يُجْبِرها على (أَخْذ ما تعافه النفس من شَعر وغيره)، الشَّعر مثل لو نبت لها شارب، وهذا قد يحصل، بعض النساء ينبت لها شارب، وبعضهم شارب ولحية أيضًا، إي نعم، لو حصل هذا الأمر له أن يجبرها على أن تأخذه؟
طالب: نعم
الشيخ: إي نعم، له أن يجبرها، فإن قالت له: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَعْفُوا اللِّحَى وَحُفُّوا الشَّوَارِبَ» (6)، ماذا نقول؟ نقول: هذا خاصّ بالرجال، أما النساء فهذا يُعْتَبَر عيبًا فيهن، ولهذا جاز إزالته، وإذا طلب الزوج ذلك وجب إزالته، كذلك لو كان في وجهها شامة فيها شعر تعافها نفسه فله إجبارها على إزالتها، وكذلك شعر العانة، وشعر الإبط له أن يجبرها على إزالتها.
وقوله: (من شعر) ونحوه، كظُفْر، له أن يجبرها على تقليم الأظفار، أو قَصّها، فلو قالت: إن هذا أنا أريد أن أطول ظفر الخنصر؛ لأن هذا هو علامة التقدم، أبغي أخليه كالحربة، له أن يجبرها؟ إي نعم، له أن يجبرها على ذلك، ومن العجب أن الشيطان لعب ببعض النساء حتى أصبحن يُطِلْنَ ظفر الخنصر.
طلبة: حتى الرجال..
الشيخ: إن كان ما أدري، اللي علمت به ظفر الخنصر الصغير هذا..
طالب: فيه دلوقتي يا شيخ كمان ولا مؤاخذة فيه حاجات يجيبوها يركبوها في الأظافر، الظفر يحطوه على الظفر نفسه.
طالب آخر: ممكن أظافر ذهب.
الشيخ: مناكير يمكن.
الطالب: لا، ظفر ثاني زي الظفر دهوه..
الشيخ: عجيب.
الطالب: وتركبه وتقول: عايزة الظفر يبقى طويل كده.
الشيخ: أعوذ بالله، أخشى من هذا أن يكون مثل وصل الشعر.
طالب: أنا شوفته هنا يا شيخ، ما شوفته في مصر، شوفته هنا (... ).
طالب آخر: (... ) مصر أيضًا.
الشيخ: بارك الله فيكم، المهم أنه له أن يجبرها على قص الأظفار وتقليمها؛ لأن هذا مما تعافه النفس.
لو كانت شعثاء ما تُصْلِح شعرها ولا تهتم به، له أن يجبرها عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم له أن يجبرها على إصلاحه.
بالعكس؛ هل لها أن تُجْبِرَه على ذلك؟
طلبة: نعم لها.
الشيخ: لها؟
طلبة: لها.
الشيخ: (... )، الظاهر ما لا (... ) الإجبار، لكنه يجب عليه هو..
طالب: (... ).
الشيخ: لأنها ما لها سلطة هي، هي بمنزلة الأسير عنده، لكن لها الحق أن تقول له: أَزِل يا أخي هذا؛ لأنه يؤذيني، فلها أن تجبره، إلا على اللحية، فإنها ليس لها الحق في أن تقول له: احلقها، وإن كان بعض الناس إذا خاطبناهم وقلنا لهم: هذا يجب إعفاؤها، قال: إن السيدة ما ترضى، هذا لا يُقْبَل، هذا كثير الآن، أنا سمعته كثيرًا، وهنا السيدة، وهم عادة يعبرون بالسيدة يقولون: الست لا ترضى، فنقول: هذا ولو كانت لا ترضى لا بد أن تنفذ ما أمر الله به ورسوله، لكن لو طلبت منه إزالة الأظفار، والعانة، والإبطين، هذا لا شك أنه يجب عليه أن يعاشرها كما يحب أن تعاشره هو.
طالب: يزيل الشعر (... ) هذا يجزئ، ولَّا لازم يحدِّد؟
الشيخ: ما فيه تحديد، إذا صار مما يجوز إزالته ما فيه تحديد.
طالب: (... ) الشعر بشيء لاصق؟
الشيخ: ثم ما ينبت على كده؟
طالب: لا، ينبت (... ).
طالب آخر: شيء لاصق.
الشيخ: كله واحد، بس اللاصق هذا إذا كان يمنع وصول الماء نقول: يحرُم (... ).
طلبة: (... ).
الشيخ: قوله: (غسل الجنابة)، هذه المسألة خالف فيها الماتن المشهورَ من المذهب، والماتن أحيانًا يخرج عن المذهب -رحمه الله-، المذهب أنها تُجْبَر الذِّمِّيَّة على غسل الجنابة، والمؤلف يرى أنها لا تُجْبَر، ولكل وجهة، أما المؤلف فيرى أنها لا تُجْبَر على غسل الجنابة؛ لأنها ليست ممن يصلي حتى تجبر على أن تغتسل من الجنابة، وأما المذهب فيقولون: إن بقاء الجنابة عليها مرة بعد أخرى يؤثر في نفسية الزوج، وربما يحصل روائح كريهة بسبب تجمعات الجنابات عليها، فله أن يجبرها على غسل الجنابة، وإن كان لا يقع منها تطوعًا لله؛ لأنه ما يقبل منها هذا الغسل، وليس عليها صلاة حتى تغتسل لها.
والصواب ما عليه المذهب؛ أن الذمية تُجْبَر على غسل الجنابة؛ لأن هذا شيء يتعلق بالاستمتاع، كما يتعلق بالصلاة والعبادة يتعلق أيضًا بالاستمتاع، فله أن يجبرها على غسل الجنابة، خلافًا لما قاله الماتن رحمه الله.
ثم قال المؤلف: (فصل.. وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ الحُرَّةِ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، وَيَنْفَرِدَ إِنْ أَرَادَت الباقي)، أبغى شوف كلامي صحيح؟ ينفردُ ولَّا ينفردَ؟
طلبة: ينفردَ.
الشيخ: (وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ الحُرَّةِ لَيْلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، وَيَنْفَرِدَ إِنْ أَرَادَت الباقي) ينفردُ بالرفع؟
الطلبة: لا، وينفردَ.
الشيخ: لا، بالرفع، ما يجوز الوجهان، يجب الرفع؛ لأن الواو للاستئناف هنا ليست عاطفة، يعني: وله أن ينفردَ.
يلزمه أن يبيت ليلة من أربع عند الحرة، يبيت عندها في المضطجع ما هو بعندها في البيت، عندها في نفس المضطجع؛ لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34] أي: فيه تواصل، وليس المعنى أن يبيت -مثلًا- في حجرة وهي في حجرة البيت، لا، يبيت في المضطجع ليلة من أربع، وثلاث ليالٍ من الأربع له أن ينفرد.
الدليل: قالوا: الدليل أثر ونظر؛ الأثر: هو أن امرأةً جاءت إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقالت تثني على زوجها: إن زوجي يقوم الليل ويصوم النهار، وليس لي منه حظ، فأمير المؤمنين رضي الله عنه استغفر لها، وأمرها بالصبر، وأثنى على زوجها، ثم انصرفت، وكان عنده كعب بن سوار، فلما انصرفت قال: يا أمير المؤمنين، إنك ما قضيت حاجتها، قال: لماذا؟ قال: لأنها تستعديك على زوجها، يعني تشكو زوجها إليك، فأرسل عمر رضي الله عنه إلى زوجها وأخبره، ثم قال لكعب: اقضِ بينهما، فإنك علمت من حالهما ما لم أعلم، فقال: لها ليلة من أربع ولك الباقي (7).
لأنه يجوز له أن يتزوج أربعًا، فإذا تزوج أربعًا صار ثلاثًا للزوجات الثلاث، وواحدة لها ليلة، فتعجب عمر رضي الله عنه من حُكْمِه وقضائه، ونَفَّذَه، وهذا هو النظر، العلة هو أنه -أي الزوج- يتزوج أربعًا، فيكون له ثلاث ليال، ولكل زوجة ليلة، وهذا الذي قضى به كعب بن سوار بحضرة عمر رضي الله عنه وأقره عليه يكون حجة بإقرار عمر رضي الله عنه؛ لأنه أحد الخلفاء الراشدين.
وقال بعض أهل العلم: إنه يجب عليه أن يبيت عندها بالمعروف، ولا يلزم من كونه لا يلزمه إلا ليلة إذا كان عنده أربع نساء لا يلزم ألَّا يلزمه أكثر إذا لم يكن له إلا واحدة؛ لأن كونه لا يلزمه إلا ليلة إذا كان عنده أربع نساء هو من ضرورة العدل، إذا صِرْنَ أربعًا لازم يكون كل واحدة لها ليلة من أربع، ولا بد من ذلك، بخلاف ما إذا كان مُخْلِيًا لها وليس معه أحد، فإن الحكم يختلف، فيجب عليه أن يبيت عندها ما جرت به العادة.
والظاهر أن ما جرت به العادة يكون مقاربًا لما قضى به عمر رضي الله عنه عند التشاحّ، وعند التنازع، أما في المشورة والإرشاد والنصح فإنه ينبغي أن يشارَ على الزوج، فيقال: هذه زوجتك، ولا ينبغي أن تهجرها؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ [النساء: 34]، متى؟ ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾، أما مع عدم خوف النشوز فلا ينبغي أن تُهْجَر ولا ليلة، إلا إذا جرى العرف بذلك.
قال المؤلف: (وينفرد إن أرادت الباقي) فإن لم يُرِد الانفراد ما تمنعه، شوف لو أرادت الزوجة أن تمنعه إلا من ليلة واحدة من أربع تملك هذا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الانفراد راجع إلى إرادته، فلو قالت له: أنت لو كان لك أربع زوجات ما حصلت لك إلا ليلة واحدة، فأنا الآن أمنع نفسي إلا ليلة واحدة فقط.
قلنا: لا تملك هذا، له أن يبيت عندها كل ليلة، وله أن ينفرد في ثلاث ليال.
(وَيَلْزَمُهُ الوَطْءُ إِنْ قدر عليه كُلَّ ثُلُثِ سَنَةٍ مَرَّةً)، الجماع ما يلزمه إلا بالسنة ثلاث مرات، أو لا؟ كل ثُلُث سنة مرة فقط، إذا قدر عليه أيضًا، ولو كانت المرأة من أشبّ النساء هو ما يلزمه إلا مرة واحدة في كل أربعة أشهر، ولو بات عندها، هو الآن يبيت عندها ليلة من أربع، ولكن نقول: ما يلزمك أن تجامعها إلا في كل أربعة أشهر مرة واحدة، لو كنت شابًّا وهي شابة ماذا تصنع؟
وقول المؤلف: (إن قدر) مفهومه إن عجز فلا يلزمه؛ لأن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا إثم عليه في ذلك، ولكن يبقى النظر أنه إذا كان عاجزًا عن الوطء فهناك صاحب حق، مَن؟ الزوجة، ماذا نصنع؟ تقدَّم لنا أنه إذا كان عنينًا فإنه يؤجَّل سنة، وتفسخ النكاح، وإذا كان عجزه لمرض فالمذهب أنه لا فسخ لها كما سبق.
واختار الشيخ رحمه الله -شيخ الإسلام- أن لها أن تفسخ بعجزه عن الوطء، وقال: إنّ عجزه عن الوطء أولى بالفسخ من عجزه عن النفقة، إذا عجز عن النفقة لها الفسخ، ولَّا لا؟ لها الفسخ، حتى على المذهب، فإذا عجز عن الوطء فيقول: إنه لا فسخ لها.
ولكن الصحيح ما قاله الشيخ؛ أن لها الفسخ لعجز؛ لأن كثيرًا من النساء تريد العشرة مع الزوج، وتريد الأولاد أكثر مما تريد من المال، أليس كذلك؟ ولا يهمها المال عند هذه الأمور، فكوننا نقول: إذا عجز عن النفقة فإن لها الفسخ، وإذا عجز عن الوطء فليس لها الفسخ، إلا إذا ثبتت عُنَّته، هذا فيه نظر.
الصواب ما قاله الشيخ -رحمه الله- أنه إذا عجز عن الوطء لمرض وطلبت الفسخ فإنها تفسخ، إلا إذا كان هذا المرض مما يُعْلَم أو يغلب على الظن أنه مرض يزول بالمعالجة، أو باختلاف الحال، فليس لها الفسخ؛ لأنه يُنْتَظَر زواله.
وقول المؤلف في أصل المسألة: (في كل ثُلُث سنة مرة)، ما هو الدليل أنه لا يجب عليه إلا في السنة ثلاث مرات؟
قالوا: الدليل لأن الله تعالى قال: ﴿للذين يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226، 227]، فضرب الله له أربعة أشهر، والإيلاء لا يُسْقِط واجبًا، ولا يوجِب ما ليس بواجب، فلو كان يلزمه أن يطأ أقل من أربعة أشهر لوجب عليه، وكانت مدة الإيلاء كم؟ أقل ولّا أكثر؟
طالب: أقل.
الشيخ: أقل من أربعة أشهر، ولو كان أيضًا لا يجب عليه كل أربعة أشهر مرة ما لزمه بالإيلاء، فالإيلاء لا يوجِب ولا يُسْقِط، لا يوجِب واجبًا، ولا يُسْقِط واجبًا، فلما ضرب الله له أربعة أشهر عُلِمَ أن الواجب أن يجامعها في كل أربعة أشهرٍ مرة.
ولكن هذا التعليل عليل؛ لأن الإيلاء حالٌ طارئة، والرجل أقسم ألَّا يجامع زوجته، وهذه حالة طارئة ولّا حال راتبة لكل زوج؟
الطلبة: حال طارئة.
الشيخ: حال طارئة، فما دام الرجل حلف، نقول: نظرًا لحالك ويمينك وقسمك نؤجّلك هذه المدة، إن جامعت ورجعت إلى زوجتك فذاك، وإن لم تجامع فُسِخَ النكاح، وأما مَن لم تطرأ عليه هذه الحالة، ولم يوجَد سبب لتأجيله، فإن الواجب أن يعاشرها بالمعروف، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وليس من المعروف أبدًا أن الإنسان الشابّ والمرأة الشابة تزوجت (... ).
قال: (وَإِنْ سَافَرَ فَوْقَ نِصْفِهَا وَطَلَبَتْ قُدُومَهُ وَقَدر لَزِمَهُ)، (إن سافر) عمّن؟ عن زوجته فوق نصف السنة، (وطلبت قدومه وقدر)، هذه ثلاث شروط، (لزمه)، أيّ شيء يلزمه؟ يلزمه الرجوع والحضور إلى زوجته، عندي بالشرح: قال: (في غير حج أو غزو واجِبَيْنِ أو طلبِ رِزْقٍ يحتاجه)، يكون هذه أربعة شروط:
أولًا: أن يزيد السفر عن نصف سنة، فإن كان نصف سنةٍ فأقلّ فليس لها حق المطالبة، فلو سافر لمدة أربعة شهور، أو خمسة شهور، فليس لها حق المطالبة، مع أنه تقدم أن الْمُولِي يُضْرَب له كم؟
طالب: أربعة أشهر.
الشيخ: أربعة أشهر، وهذا الذي سافر بدون حاجة هو في الحقيقة أشد من الْمُولِي؛ لأن الْمُولِي عندها ويؤنسها وتستأنس به، وأما هذا فقد سافر وتركها وحدها في البلد -مثلًا-، أو عند أهلها، ويقولون: يقيَّد بنصف سنة.
الشرط الثاني: (وطلبت قدومه)، فإن لم تطلب قدومه فلا يلزمه، حتى لو بقي سنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، لكنه يُشْتَرَط أن يكون آمنًا عليها، فإن كان غير آمن فإنه لا يجوز أن يسافر أصلًا، لو كان لا يأمن على زوجته من الفتنة بها، أو منها، فإنه لا يجوز أن يسافر.
الشرط الثالث: (وقدر)، فإن عجز فلا يلزمه، مثل ألَّا يجد راحلة توصله إلى زوجته، انقطعت الأسفار، أو حصل خوف، أو ما أشبه ذلك، فلا يلزمه.
الشرط الرابع: ما ذكره في الشرح: ألَّا يكون لطلب رزقٍ يحتاجه، أو في أمرٍ واجب، كحج وغزو.
الحج يستغرق نصف سنة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: إي نعم، في الزمن السابق يستغرق أو أكثر، أما الآن فلا يستغرق، وإذا تمت هذه الشروط فإنه يلزمه الحضور، الشروط الآن كم؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: عدّهم.
طالب: أولًا: أن يكون نصف سنة.
الشيخ: أكثر.
الطالب: أكثر من نصف سنة.
والثاني: تطلب قدومه (... )، والثالث: (... ).
الشيخ: والرابع: ألَّا يكون سفره لحج أو غزو واجِبَيْنِ، أو في معيشة يحتاجها، فإن كان في معيشة يحتاجها، وقال: أنا ما أستطيع أني آتي، أنا آجَرْت نفسي على هذا الرجل لمدة ثمانِ شهور، وأنا مضطر إلى هذا، فإنه لا يلزمه الحضور، وليس لها حق الفسخ.
قال: (فإن أبى أحدَهما فُرِّق بينهما بطلبها)، (إن أبى أحدَهما) الضمير مُثَنّى، وهل الذي سبق اثنان؟ نعم، وهما الوطء كل ثُلُث السنة، والثاني: الحضور من السفر، فإذا أبى أحدَهما مع وجوبه عليه فُرِّقَ بينهما بطلبها، (فُرِّقَ) بناه للمجهول؛ لأن الذي يفرِّق بينهما الحاكم، القاضي يفرِّق بينهما بطلبها إذا طلبت الفُرْقَة، فإذا غاب أكثر من نصف سنة -مثلًا- وهو في غير حجٍ، أو غزوٍ واجب، أو معيشةٍ يحتاجها، وطلبت أن يرجع فأبى مع قدرته فإنه بمجرد ما تتم نصف السنة تذهب إلى القاضي، وتقول: افسخ النكاح.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يحتاج إلى مراجعة الزوج، يعني أن الحاكم لا يحتاج إلى أن يراجع الزوج، أو يراسله، بل يفسخ وإن لم يراسله.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يجوز أن يفسخ حتى يراسل الزوج، يكتب إليه مثلًا، أو المهم يتصل به، ويقول: إنه لا بد أن تحضر، وإلا فسخنا النكاح، وهذا القول أصح؛ لأن الزوج ربما لا يبين العذر لزوجته، ربما يقول: ما أنا بحاضر، انتظري، ولا يُبَيِّن العذر، فإذا راسله القاضي، وعرف أن المسألة وصلت إلى حدٍّ يوجِب الفراق فربما يبيِّن العذر، ثم هذا لا يضر، إذا صبرت الآن نصف سنة فلتصبر ما تيسر لمراجعة زوجها.
(وَتُسَنُّ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الوَطْءِ)، (تسنّ التسمية عند الوطء) من الزوج ولَّا من الزوجة والزوج؟ ظاهر النص أنه من الزوج؛ لأنه آكل والزوجة مأكولة؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» (8)، قال: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ، ولم يقل: قال وقالت، فظاهره أن التسمية من الزوج، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ إِنْ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا» (8)، لا يشكل عليكم أنه ربما يكون الرجل هذا ملتزمًا بذلك، بالتسمية عند كل جماع، ويأتيه أولاد يضرهم الشيطان.
فاختلف أهل العلم في ذلك؛ فقال بعضهم: لم يضره ضررًا بدنيًّا، وذلك لأن الشيطان إذا وُلِدَ الإنسانُ فإنه يطعن في خاصرته، يطعن بيده في خاصرته، ولهذا يصرخ الطفل إذا وُلِدَ، أحيانًا يُرَى أثر الضرب أزرق في الخاصرة، لماذا؟ من أجل أن يهلكه، فيقول: «لَا يَضُرُّهُ» أي: بطعنه إياه في الخاصرة، لا أنه لا يضره ضررًا دينيًّا، وقال بعض العلماء: بل الحديث عام، لم يضره الشيطان أبدًا، والتأبيد يدل على أن ذلك مستمر.
ولكن الجواب عن الصورة التي ذكرنا، وهو أنه قد يضره الشيطان مع تسمية والده عند الجماع في كل مرة، أن يقال: إن هذا سبب، والأسباب قد تتخلَّف بوجود موانع، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» (9)، وإلَّا فكلام الرسول عليه الصلاة والسلام حقٌّ وصدق، لكن هذا سبب من الأسباب، وقد يوجَد موانع.
فإذا قال لنا قائل: إذا كان هذا سببًا وقد يوجد موانع إذن ما الفائدة؟ نقول: هذا غلط ليس بصحيح، الفائدة أنك فعلت السبب، والموانع عارضة، والأصل وجودها أو عدم الوجود؟
طلبة: عدم الوجود.
الشيخ: الأصل عدم الوجود، فأنت تعرف السبب، وكل إنسان يريد أن يفعل شيئًا له أسباب ما يقول: أخشى من الموانع، بل يفعل الأسباب والموانع عارضة، هذه واحدة، يُسَنّ التسمية.
وقول الوارد، الوارد هو ما ذكرنا: «اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا» (8)، فإن لم يُسَمِّ فإن الشيطان ربما يضر ولده، وربما يشارك الإنسان في التمتع بالزوجة، قال الله تعالى للشيطان: ﴿أَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ﴾ [الإسراء: 64]، قال بعض العلماء: المشاركة في الأولاد أن الرجل إذا لم يُسَمِّ عند الجماع فقد يشاركه الشيطان في التمتع بزوجته.
(وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ الكَلاَمِ)، كثرة الكلام يعني عند الوطء والجماع، إذا كان الإنسان يجامع زوجته فلا ينبغي أن يُكْثِر الكلام، ويتكلم ولَّا ما يتكلم؟
طلبة: يتكلم.
الشيخ: يتكلم، لكن لا يُكْثِر، عندي حديث لكنه ضعيف: «لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ عِنْدَ مُجَامَعَةِ النِّسَاءِ فَإِنَّ مِنْهُ يَكُونُ الْخَرَسُ وَالْفَأْفَأَةُ» (10)، الخرس معناه.. ويش معناه؟
طلبة: ألَّا يتكلم.
الشيخ: ألَّا يتكلم، والفأفأة أن يكون عند كلامه بالفاء يكرِّرها عند نطقه بها، ولكن لا شك أن كثرة الكلام في هذه الحال ما تنبغي؛ لأن الإنسان كاشف فرجه وكذلك المرأة، وقت (... ) كما يقول العوام ما هو بالآن، لكل مقام مقال.
ثانيًا: (ويُكْرَه أيضًا النَّزْعُ قَبْلَ فَرَاغِهَا)، أن ينزع، والنزع معناه أن يُنْهِي الإنسان جِمَاعه، فيُخْرج ذَكَرَه من فرج امرأته قبل فراغها هي من الشهوة، أي: قبل إنزالها، والفراغ من الشهوة يكون بالإنزال، فيُكْرَه أن ينزع قبل أن تُنْزِل هي، وذلك لأنه يفوت عليها كمال اللذة، ويحرمها من كمال الاستمتاع، وربما يحصل عليها ضرر بكون الماء متهيِّئًا للخروج ثم لا يخرج إذا انقضى الجماع.
وأما الحديث اللي ذكره فهو –أيضًا- ضعيف، لكنه من حيث النظر صحيح، أنه لا ينبغي، فكما أنك أنت لا تحب أن تنزع قبل أن تُنْزِل فكذلك هي ينبغي ألَّا تعجلها.
قال: (والوطء بمرأى أحد)، هذه من أغرب ما يكون أن يقتصر فيه على الكراهة، يعني يُكْرَه أن الإنسان يجامع زوجته والناس ناظرون بمرأى أحد، وهذا تحته أمران:
أحدهما: أن يكونَا بحيث تُرى عورَتاهما، فهذا لا شك أن الاقتصار على الكراهة غلط، لماذا؟ لوجوب ستر العورة، فإذا كان بحيث يرى عورتهما أحد فلا شك أنه مُحَرَّم، وكلام المؤلف ليس بصحيح إطلاقًا، أما إذا كان بحيث لا تُرى العورة فإن الاقتصار على الكراهة أيضًا فيه نظر، يعني -مثلًا- لو كان ملتحفًا معها بلحاف، وصار يفعل بها فتُرى الحركة، هذا في الحقيقة لا شك أنه إلى التحريم أقرب؛ لأنه لا يليق بالمسلم أن يتدنى إلى هذه الحال، وأيضًا ربما يثير شهوة الناظر، ويحصل بذلك مفسدة، ربما يثير شهوة الناظر، ويكون هذا الناظر ممن لا يخاف الله -عزّ وجل- فيسطو على المرأة بعد فراغ زوجها منها.
والصحيح في هذه المسألة أنه يحرم الوطء بمرأى أحد، اللهم إلَّا إذا كان الرائي طفلًا لا يدري، فهذا لا بأس به، إذا كان طفلًا ما يدري ولا يتصور ما يُفْعَل، أما إن كان يتصور ما يفعل فلا ينبغي أيضًا أن يحصل الجماع بمشاهدته ولو كان طفلًا؛ لأن الطفل قد يتحدث بما رأى عن غير قصد، الطفل الذي في المهد -مثلًا- له أشهر هذا لا بأس، ولو رأى؛ لأنه ما يدري عن هذا الشيء، ولا يتصوره، لكن له ثلاث سنوات، أربع سنوات، يأتي الإنسان أهله عند هذا الطفل، هذا لا ينبغي؛ لأن الطفل ربما في الصباح يتحدث، يقول -مثلًا-: إن أباه راكب على أمه قدَّام الناس، صحيح ما عنده شيء، ولا يفهم شيئًا، فلهذا يُكْرَه أن يكون وطؤه بمرأى طفلٍ، وإن كان غير مميِّز إذا كان يتصور ويفهم ما رأى.
(والتحدث به) التحدث به، سبحان الله العظيم، يقول المؤلف: إنه يُكْرَه التحدث بالجماع؛ بجماع زوجته، وهذا أيضًا فيه نظر ظاهر، والصواب أن التحدث به محرَّم، وقد ورد في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى الْمَرْأَةِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يُصْبِحُ يَتَحَدَّثُ بِمَا جَرَى بَيْنَهُمَا» (11)، فهو من شر الناس منزلةً، كيف يقول هذا، يقول: مكروه الرجل إذا أصبح جلس مع أصحابه وأصدقائه، قال: إنه فعل بزوجته كذا وكذا وكذا؟ هذا ما يليق إطلاقًا، والغالب أن اللي يفعل هذا كما فضح زوجته هي تفضحه أيضًا، فتقول عند النساء: إنه فعل فيها كذا، وفعل فيها كذا، إلى آخره.
والصواب في هذه المسألة أنه حرام، وأنه لا يجوز للإنسان أن يتحدث بما جرى بينه وبين زوجته.
فإن قال قائل: أليس عمر بن أبي سلمة لَمَّا سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل يُقَبِّل امرأته وهو صائم؟ فقال: «سَلْ هَذِهِ» (12)، فقالت: إنه كان الرسول يُقَبِّل وهو صائم، قلنا: التقبيل ليس هو كمسألة الجماع، ثم إنه ما جرى ما تحدَّث بقضية معينة، بل تحدَّث عن جنس القبلة، كما لو قال الرجل -مثلًا-: إنه يجامع زوجته فلا يُنْزِل فيغتسل مثلًا، ففرق بين التحدث عن الجنس، والتحدث عن الفعل المعيَّن، بينهما فرق ظاهر، والناس يعرفون الفرق بين هذا وهذا.
يقول: والتحدث به (ويَحْرُم جَمْع زوجتيه في مسكن واحدٍ بغير رضاهما)، اعلم أن المسكن والبيت يختلفان، (في مسكن واحد) يعني: في حجرة واحدة، يجعل الحجرة لهما جميعًا، فهذا يحرُم إلا برضاهما؛ لأن في ذلك ضررًا على الأخرى، كيف هذه المسألة تيجي، إذا كانت ليلة الأخرى يجي يقول: أظل معها في الفراش، والزوجة الأخرى إلى جانبه؟ ! هذا ما فيه شك أنه تقصير في حق النساء، إذا لم يَرْضَيْن بذلك فلا يجوز، فإن رَضِينَ به يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذا رضين بذلك فلا حرج، حتى لو رَضِينَ أن يكون الثلاثة في فراش واحد، له زوجتان، وقال: أنام بينكما، ورضيَتَا بذلك فلا حرج؛ لأن الحق لهما، لكن بغير رضاهما لا يجوز، فإن جامعهما في بيت واحد، ولكل واحدة منهن مسكن خاص بها يجوز ولَّا لا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، إلا عند الشرط، إذا اشترطت عليه عند العقد ألَّا يُسْكِنَها مع زوجته الأولى فإنه يجب الوفاء بما شرط.
طالب: أحيانًا يا شيخ فقط تكون بالنظر فقط يعني ولا..، يعني ما يقال: يُكْرَه؟
الشيخ: لا، هو في الحقيقة التحريم شديد في هذا، والغريب أن هذا يحرُم، والمسائل الأولى؟
طلبة: يُكْرَه.
الشيخ: يُكْرَه.
طالب: هذا غريب.
الشيخ: هذا غريب، لكن نظرًا إلى أنه ربما يحدث معهما غَيْرَة، مَفْسَدة عظيمة توجِب أن الرجل يتعب وهما تتعبان أيضًا.
طالب: لو ما عنده قدرة أن..
الشيخ: ما عنده قدرة؟
الطالب: يعني يجعل (... ).
الشيخ: يحق (... ) الحمد لله، ما أظن أحدًا ما يجد إلا حجرة ما تسع إلا..
طالب: نقول: يُكْرَه فقط، ولأن التحريم يحتاج لدليل.
الشيخ: نعم التحريم يحتاج إلى دليل، صدقت، لكن الدليل هو أن ما يحصل بينهما من المفسدة.
طالب: شيخ إذا قلنا: بأنها تُكْرَه لكن لا يُحَرَّم يعني، إذا جامع إحداهما فهو على مرأى من الثانية؟
الشيخ: إي، بس هذه غير هذا، حتى لو على مرأى؛ لأن مسألة العورة بالنسبة للزوج..
طالب: إي، بس العورة الأخرى ليست لها..
الشيخ: ما هي بشايفة، إنما على كل حال هو للتحريم من جهة ضرره، نقول: من هذه الناحية فقط.
يقول: (وله مَنْعُها من الخروج من منزله)، اللام هذه للإباحة، والضمير في (له) يعود على الزوج، والهاء في (منعها) يعود على الزوجة، (من الخروج من منزله).
وظاهر كلام المؤلف: ولو لمسجد، والأمر ليس كذلك، فإن المساجد نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن تُمْنَع النساء منها، وقال: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللهِ مَسَاجِدَ اللهِ» (13)، إلا إذا خُشِيَ بخروجها إلى المسجد فتنة فله المنع، أو كانت لا تخرج إلى المسجد إلا مُتَجَمِّلة مُتَطَيِّبَة فله المنع.
طالب: (... ).
الشيخ: أيش القاعدة (... )؟
الطالب: (... ).
الشيخ: ما فيه أيش؟
الطالب: النساء لا يلتزمن..
الشيخ: إذا لم تلتزم تُمْنَع.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، أيضًا ظاهر كلامه أن له منعها (... ).
أُمّ الزوج إذا رأت أن الزوج يحب زوجته ذهبت تُفْسِد بينهما، كأنها جارتها، وهذا كله مُحَرَّم، ولا يجوز.
المهم أن الصحيح أنه ليس له أن يمنعها من زيارة أبويها، إلا إذا خشي مفسدة، لماذا؟ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وليس من المعروف أن تُمْنَع الزوجة من زيارة أبويها أبدًا، هذا لو تقوله لأدنى واحد من العامة: هل هذا مقبول لديك ولَّا لا؟ ماذا يقول؟ لقال: إنه غير مقبول، فأي معروف! لكن مع ذلك قال:
(ويستحب إذنه أَنْ تُمَرِّضَ مَحْرَمَهَا، وَتَشْهَدَ جِنَازَتَهُ).
قال: (وَيُسْتَحَبُّ إِذْنُهُ) الاستئذان أو أذنه.
طلبة: إذنه.
الشيخ: إذنه، يعني أن يأذن، الإذن هذه مصدر أَذِن، يعني يستحب أن يأذن لها في أن تُمَرِّض مَحْرَمَها وتشهد جنازته، أيش معنى تُمَرِّض مَحْرَمَها؟ يعني إذا كان مَحْرَمها مريضًا يحتاج إلى تمريض والمريض تعرفون أنه يحتاج إلى مَن يقوم بعنايته، ولها مَحْرَم كعم وخال، وابن أخ، وابن أخت وابن، وأب، كل هؤلاء من محارمها، فإنه ينبغي أن يأذن لها في تمريضه، وهذا صحيح أنه يستحب، أما عيادته فالصحيح أنه يجب أن يأذن لها، وهناك فرق بين التمريض والعيادة، أيش الفرق بينهما؟
طلبة: العيادة واجبة.
الشيخ: العيادة تعود وترجع، لكن التمريض تبقى عند هذا المريض حتى يأذن الله له بالشفاء أو الموت، ولهذا نقول: أما التمريض فنعم سُنَّة، وأما العيادة فالصحيح أنه يجب عليه أن يُمَكِّنَها من ذلك؛ لأن العيادة بالنسبة للقريب من صلة الرحم، وليس من المعروف عند الناس أن تمنعها من أن تعود أقاربها إذا مرضوا.
وقوله: (وتشهد جنازته) هذا فيه نظر؛ لأن شهود المرأة للجنازة كيف يكون؟ إن أراد أن تشهد الصلاة عليها وتتبعها فهذا أيش حكمه؟ مكروه، وإن أراد أن تبقى هناك عند موته، فهذا يُخْشَى منه النياحة والندب، فشهود الجنازة لا وجه له إطلاقًا، لكن عيادة المرض تقدم الكلام عليها، يعني -مثلًا- جاءهم الخبر بأن قريبها -أي مَحْرَمها- قد مات، وقالت لزوجها: أفأروح أشهد جنازته إذا غسلوه وكفنوه وخرجوا به (... )، له الحق أن يمنعها؛ لأن شهودها لا داعي له، وربما يكون ذلك أشد عليها حزنًا وتأثيرًا، فتنفجر، ويحضر النساء أيضًا معها فتحصل النياحة.
ثم قال المؤلف رحمه الله..
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) الاتباع لا بأس بها.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما هو بلازم، وإن دعته مصلحة قد يكون ذهابها إلى الصلاة فيه (... ) عليها أو (... ) عامة، وليس في عرفنا الآن أن النساء يشهدن الصلاة على الجنازة، ليس بلازم.
طالب: شيخ، في عرفنا الآن (... ).
الشيخ: لا، في عرفنا (... ) إلا أن يشترط.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) فيه ناس تقدر تمتنع عن (... ) شهر شهرين إلا لمناسبة.
طالب: (... ).
الشيخ: إلا لمناسبة، أو إذا شرط عليه، المهم يتبع العرف في ذلك، العرف المطَّرِد يُتْبَع.
طالب: )... ).
الشيخ: لا، يجب عليه (... ) فيه فارق.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يهم، إذا لم يوجد إلا هذا فأيهم؟
طالب: يجب عليه.
الشيخ: عليها أو عليه، حتى أحيانًا ربما لو فرض أن هي ما تستطيع (... ) لوحدها ولا فيه أحد يقوم بهذا الأمر إلا زوجها (... ).
طالب: شراء حاجتها.
الشيخ: ما يلزمه (... ) باستطاعته أن يقول: ماذا تريدين براحته؟ والحقيقة أنه لو فتح الباب للنساء في مسألة شراء الحوائج لتعبت وأتعبت؛ لأن كل يوم ينزل في السوق طاقم جديد من الثياب، والأواني وغيرها، ولهذا بعض الناس تجد بيوتهم كأنها معارض، كلما جاء زي تطلب منه أن يشتريه، كل ما ييجي شيء جديد من الأواني وغيرها طلبت منه أن يشتري، ولكن (... ) تحتاجينه أعطيك (... ) اللي تحتاجينه أعطيك (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: ما أدري (... ).
طالب: للوجوب.
طالب آخر: عن أنس أن رجلًا سافر ومنع زوجته من الخروج، فمرض أبوها، فاستأذنت الرسول الله صلى الله عليه وسلم في عيادة أبيها فقال لها عليه السلام: «اتَّقِي اللهَ، لَا تُخَالِفِي زَوْجَكِ»، فَأَوْحَى اللهُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن قد غَفَرْتُ لها بطاعتها زوجها (14).
وسياق هذا الحديث في مجمع الزوائد مع اختلاف في بعض ألفاظه، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عصمة بن المتوكل، وهو ضعيف.
الشيخ: قال المؤلف: (وله منعها من إجارةِ نفسها)، إجارة النفس نوعان: إجارة خاصة، وإجارة مشتركة؛ الإجارة الخاصة: أن تؤجر نفسها عند قوم لتكون خادمًا لهم -مثلًا- فهذا له أن يمنعها من إجارة نفسها، والسبب؟ لأنها تفوت عليه حقه، فإذا قالت: أنا أريد أن أكون عند آل فلان بالنهار، فله أن يمنعها؛ لأن ذلك يفوت عليه.
النوع الثاني: مشتركة، بأن تعمل للناس وهي في بيت زوجها، مثل أن تكون خيَّاطة، فتأخذ من الناس خياطة الثياب، أو تكون -مثلًا- خطَّاطة وتأخذ من الناس كتبًا تخطها، أو غير ذلك، وهذا ليس له حق في منعها؛ لأنها تملك نفسها، وهذا يمنعه من الاستمتاع بها ولَّا لا؟ ما يمنعه، لكن إن رأى أنه سيشغلها عن حوائجه ومتطلباته فله أن يمنعها، وإلا فالأصل عدم المنع، ولهذا قال المؤلف: (من إجارة نفسها)، ما قال: من أن تعمل بالإجارة، قال: من إجارة نفسها.
قال: (ومن إرضاع ولدها من غيره إلا لضرورة)؛ لأنه له أن يمنعها من إرضاع ولد من غيره إلا إذا اضطر الولد، وكيف ضرورة الولد؟ ألَّا يقبل ثديَ غيرِها، ما يقبل إلا ثدي أمه، فإنه يجب عليه أن يُمَكِّنها من ذلك.
وقوله: (ولدها من غيره)، عُلِمَ منه أنه ليس له منعها من إرضاع ولدها منه، وهو كذلك، إلا إذا كان في الأم مرض يُخْشَى على الولد منه (... ).
(أَنْ يُسَاوِيَ) (عليه) الضمير يعود على مَن؟
طلبة: على الزوج.
الشيخ: على الزوج، (عَلَيْهِ أَنْ يُسَاوِيَ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فِي القَسْمِ)، سواء كنَّ اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، (... ) سواء كنّ اثنتين، أو ثلاثًا، أو أربعًا، صحيح؟
طلبة: نعم صحيح.
الشيخ: خطأ.
طلبة: خطأ، ثلاثًا.
الشيخ: لا.
طالب: الإعراب يعني؟
طالب آخر: ثلاثة.
الشيخ: لا، أخطأت.
طالب: كيف يا شيخ؟ أعدها.
الشيخ: سواء كنّ اثنتين، أم ثلاثًا.
طالب: أو ثلاث.
الشيخ: الأفصح (أم)، بعد همزة التسوية، سواء كن اثنتين، أم ثلاثًا، أم أربعًا، عليه أن يسوي بين ذلك في القسم، ودليل ذلك من القرآن والسنة والنظر.
أما القرآن فقال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وليس من المعروف أن يقسم لهذه ليلتين، ولتلك ليلة واحدة، هذا (... ) المعروف، والجور فيه ظاهر.
ومن السنة فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (15)، -والعياذ بالله-، وهذا دليل على تحريم الميل إلى إحداهما.
وأما من النظر فلأنهما تساوَتَا في الحق، فوجب أن يتساويَا في القسْم، كل منهما زوجة، أليس كذلك؟ كل منهما زوجة، فهما قد تساوَيَا في الحق على هذا الرجل، فوجب أن يتساوَيَا في القسم، كالأولاد يجب العدل بينهم في العطية.
وقوله: (بين زوجاته في القسْم)، ظاهر كلامه سواءٌ كن حُرَّات أم إماءً أو لا؟ لأنه لم يَسْتَثْنِ.
لكن قال بعض العلماء -وهو المذهب-: إن للحرة مع الأَمَة ليلتين، فلِلْأَمَة ليلة؛ لأنها على النصف، وفي هذا نظر، والصواب أنه يجب القسم حتى بين الحرة والأَمَة.
قال المؤلف: (وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ لِمَنْ مَعَاشُهُ النَّهَارُ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ).
طالب: لا في الوطء.
الشيخ: نعم، لا في الوطء (... ).
القسم بينهن في الوطء؛ لأن الوطء له دوافع من أعظمها المحبة، والمحبة أمر لا يملكه المرء، والمحبة أمر لا يملكه الإنسان، فقد يكون إذا أتى إلى هذه الزوجة أحب أن يتصل بها، وإلى تلك لا يحب، فلا يلزمه أن يساوي بينهن في القسم في الوطء.
وقال بعض العلماء: بل يجب عليه أن يساوي بينهن في الوطء إذا قدر، وهذا هو الصحيح، والعلة تقتضيه؛ لأن ما دُمْنا عَلَّلْنا بأنه لا يجب العدل بينهن في الوطء بأن ذلك أمر لا يمكنه العدل فيه، فإذا أمكنه زالت العلة، ولَّا لا؟ زالت العلة، وبقي الحكم على العدل، وعلى هذا فلو قال إنسان: إنه رجل ليس قوي الشهوة، إذا جامع واحدةً في الليلة ما يستطيع أن يجامع الليلة الثانية مثلًا، أو يشق عليه ذلك، وقال: أبغى أجمع قوتي لهذه دون تلك، يجوز هذا ولَّا لا؟ ما يجوز، وذلك لأن الإيثار هنا ظاهر، هو يستطيع أنه يعدل.
فالمهم أن ما لا يمكنه القسم فيه لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وما يمكنه فإنه يجب عليه أن يقسم.
قال: (وَعِمَادُهُ اللَّيْلُ لِمَنْ مَعَاشُهُ النَّهَارُ، وَالعَكْسُ بِالعَكْسِ)، عماده، يعني: الأصل فيه الليل لمن معاشه النهار، وهو غالب الناس، كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (9) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 9، 10]، فغالب الناس معاشهم النهار، وسكونهم الليل، فيكون عماده، أي: عماد قسم الزوجات الليل، أما النهار فالإنسان يذهب في معيشته، ربما يتردد إلى بيت هذه لأمرٍ يتعلق بمعيشته، وبيعه، وشرائه، ولا يتردد إلى الأخرى، وربما يكون خزائن ماله في بيت واحدةٍ يحتاج إلى أن يتردد عليها، ولو لم يكن يومها، أما الليل فهو أصل، وأما مَن معاشه في الليل دون النهار فعماده في حقه النهار، كالحارس الذي يحرس ليلًا، وفي النهار يتفرغ إلى بيته، ولهذا قال: (والعكس بالعكس).
(وَيَقْسِمُ لِحَائِضٍ، وَنُفَسَاءَ، وَمَرِيضَةٍ، وَمَعِيبَةٍ، وَمَجْنُونَةٍ مَأْمُونَةٍ وَغَيْرِهَا)، والمراد: وغيرهن.
(يَقْسِمُ لِحَائِضٍ)، يعني: وإن لم يكن يتمتع بها بالوطء؛ لأن الكلام على القسم وأن يأتي إليها وينام عندها ويؤنسها.
ويقسم كذلك لنفساء، وهذا مبني على عادتهم أن المرأة إذا نفست تكون في بيت زوجها، ولا أدري أنتم أيها المصريون هل هذا عندكم إذا نفست المرأة في بيت زوجها ولَّا في بيت أهلها؟
طلبة: في بيت زوجها.
الشيخ: في بيت زوجها.
طالب: مختلف.
الشيخ: مختلف؟
طالب: فيه بعض النساء تلد عند (... )، وفيه بعضهن يَلِدْنَ في منزل الزوج (... ).
الشيخ: يختلفون، والسوريون؟
طالب: (... ) في بيت زوجها.
الشيخ: في بيت زوجها، النفساء إذا كانت.. المؤلف رحمه الله تعالى (... ) إذا كانت في بيت زوجها فإنه يقسم لها؛ لأنه لا فرق بينها وبين الحائض، (... ) وألَّا يكون (... ) عليه، أما إذا كانت في بيت أهلها كما هو المتَّبَع عندنا في السعودية فإنه جَرَت العادة أنها لا تريد القسم، يعني لا تُلْزِمه بقسْم، ولا تطالبه بالقضاء عما فات، وعلى هذا فيقال في هذه المسألة: يُرْجَع فيها إلى أي شيء؟
طلبة: إلى العرف.
الشيخ: إلى العرف، فما جرى في العرف بأن المرأة تطالب بحقها في القسْم فإنه يجب عليه أن يفعل ذلك.
كذلك يقسم لمريضة؛ المريضة يقسم لها؟ ويش الفايدة من المريضة أنه يقسم لها؟ لأنها إذا حضر عندها يؤنسها، وربما إذا تركها بدون قسم يزداد المرض عليها، وظاهر كلامه ولو كان مرضها خطيرًا، ولو كان يغمى عليها -مثلًا- ولا تحس به؛ لأنها وإن كانت لا تحس لكن يحس به غيرها، ولكن هذا ينبغي أن يقيَّد بالعرف، فإني لا أظن أنها إذا بلغت المرأة بمرضها هذا الحد لا أظن أنها تطالبه بأن يبيت عندها.
وكذلك يقسم لمجنونة مأمونة، يعني: يأمن على نفسه منها؛ لأن المجنونة قد يأمن على نفسه وقد لا يأمن، فالمجنونة المأمونة يجب عليه أن؟
طلبة: أن يقسم لها.
الشيخ: يقسم لها، فإذا قال: هذه مجنونة ما أتمتع بها كما ينبغي، فماذا نقول؟
(... ) اقسم ولَّا طَلِّق، لا بد من هذا، وأما إذا كانت غير مأمونة بحيث إنها تهدِّد بالسلاح، أو أن تكون -مثلًا- قوية يُخْشَى أنها تلقيه من على النافذة، أو ما أشبه ذلك فإنه لا يلزمه أن يقسم لها، لماذا؟ خوفًا من شرها وضررها.
وقوله: (وغيرها) يعني: غيرهن، مثل مَن آلَى منها، أو ظَاهَرَ منها، أو كان فيه مانع يمنع، مثل أن تكون صائمة فإنه يقسم لها حتى مَن لا يتمتع بها بالوطء يجب أن يقسم لها، إلا ما جرى به العرف، أو ما سمحت به.
لو فُرِضَ أن قال لها -مثلًا-: أنت والله الآن مريضة يشق علَيَّ أني آجي وأقسم لك، هل تسمحين، إذا سمحت فلا حرج؛ لأن الحق لها.
لو قال: لو كانت امرأة كبيرة في السن، فقال: لا والله أنا ما أقدر أني أقسم لك، فهل تحبين أن تبقي عندي وفي عصمتي بدون قسم، وإلا فأنا أطلقك، واختارت أن تبقى عنده، فما حكم هذا؟
طلبة: يجوز (... ).
الشيخ: يجوز، إذا قال قائل: هي إنما اختارت هذا على سبيل الإكراه خوفًا من الطلاق.
طالب: لا يجوز ألَّا يقسم لها؛ لأنها كبيرة.
الشيخ: (... ) كبيرة، وهو تزوج امرأة شابة وردت حالة (... ).
الطالب: هذا الإكراه من حقه.
الشيخ: إي نعم، هو يقول: (... ) هل ترضين بهذا النقص؟
الطالب: هو (... ) لو خَيَّرَها بذلك يعني.
الشيخ: إذن أنت تخالف هذا، تخالف الإكراه.
طالب: يجوز يا شيخ.
الشيخ: نقول: يجوز؛ لأن هذا إكراه لحقه هو، الحق صحيح لها، لكن في مسألة الضرار الحق لمن؟ له هو، فيقول: إذا كانت تسمح تبقى عند أولادها وفي بيتها فذاك، ما تحب أنا ما أريد أن أعلِّق ذمتي شيئًا، أطلقها وأستريح.
طالب: بس هذا يا شيخ من غير المعاشرة بالمعروف.
الشيخ: أبدًا، هي راضية ألَّا تعاشر بالمعروف، ما دام رضيت فالحق لها.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يخالف، أبدًا ما فيه شيء؛ لأن له الحق أن يطلق، هذا السبب، يقول: إن من حقي أن أطلِّق، تريدين أن أنفذ حقي هذا أو تريدين تبقي عندي بدون أي مسؤولية.