الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 7664-7703

الشيخ: بالأغلظ؛ عتق رقبة، صيام شهرين متتابعين، إطعام ستين مسكينًا.
كذلك في كفارة القتل ترتيب ولَّا تخيير؟ طلبة: تخيير.
طلبة آخرون: ترتيب.
الشيخ: الترتيب.. التخيير، لا الترتيب ولا التخيير، ما يصلح هذا، اجزم.
طالب: ترتيب.
الشيخ: ترتيب، وانظر إلى كفارة اليمين، كفارة اليمين تخيير ولَّا ترتيب؟ طلبة: تخيير وترتيب.
الشيخ: فيها التخيير؛ ثلاثة خصال التي بالتخيير بدأ بالأخف.
طالب: إطعام عشرة مساكين.
الشيخ: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهما، أو تحرير رقبة.
وانظر إلى فدية الأذى؛ إذا كان الإنسان محرمًا واحتاج إلى حلق رأسه حلقه ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، أيهما أشد؟ النسك، ثم أيش؟ طلبة: الصدقة.
الشيخ: الصدقة، ثم الصيام، وهذا في عهد الصحابة رضي الله عنهم ومن كان مثل حالهم، إذن يقول هؤلاء الذين قالوا: إن الآية ليست للتخيير ولكنها للتنويع: إن (أو) فيها للتنويع وإنها على حسب الجريمة، قالوا: إن عهدنا بالقرآن أن الشيء إذا كان على الترتيب بدأ بالأغلظ، وإذا كان على التخيير بدأ بالأخف، فصار الدليل عندهم أثر ونظر.
وذهب الإمام مالك رحمه الله إلى أن (أو) في الآية للتخيير، وأن الإمام مخير؛ إن شاء قتل وصلب، وإن شاء قتل ولم يصلب، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى، هو مخير، لكن على مذهب مالك يجب على الإمام أن ينظر ما هو الأصلح، فإذا كان الأصلح القتل والصلب قَتَلَ وصَلَبَ، وإذا كانت في القتل فقط قَتَلَ فقط، وإذا كان بالقطع قَطَعَ، فمثلًَا إذا انتهك الناس حرمة الحقوق وصاروا لا يبالون بقطع الطريق فما هي المصلحة؟ طلبة: القتل والصلب.
الشيخ: القتل والصلب، وإذا كان صلب هذا الرجل يؤدي إلى فتنة؛ بأن كان سيد قومه وخفنا إذا صلبناه أن تثور هذه القبيلة وأن يحصل دماء ومفاسد، فما هو الأصلح؟ طالب: القتل فقط.

الشيخ: القتل فقط (... ) أن (أو) للتخيير وليست للتنويع، ما هو مخير، وإذا كان مخيرًا فإنه يجب عليه أن يتبع الأصلح.
ولكن القول الثاني -اللي هو الأول في تقريرنا- أصح، وأنه لا خيار، ولا سيما في وقتنا هذا؛ لأننا لو فتحنا للحكام باب الخيار لتلاعبوا، وصار هذا يقتل ويصلب في نظرهم، والآخر يُنْفَى من الأرض ومشى، فالصواب في هذه المسألة القول الأول، وأن تكون هذه الحدود مُعَيَّنة ليس للإمام فيها خيار، ونجعل (أو) لأيش؟ طالب: للتنويع.
الشيخ: للتنويع لا للتخيير.
طالب: ذكرنا ما دون النفس (... )؟ الشيخ: يعني الذي يظهر لي أن الإمام ينظر للمصلحة؛ لأنه يأخذ بالقولين معًا على اختلاف الحالين.
الطالب: وإذا خشينا (... ) كيف يشردوا في الأرض (... )؟ الشيخ: ما نخشى عليهم الهلاك نوفر لهم الطعام والشراب، ولكن ما نخليهم يجوا للأماكن المأهولة والمطلوبة.
الطالب: (... ) توفير الطعام؟ الشيخ: معلوم؛ لأنه ما هو المقصود إهلاكهم، المقصود اتقاء شرهم.
طالب: (... ) كقول (... ) المستشفى أسرق يقطع (... )؟ الشيخ: هذا سؤال يقول: رجل في يده اليمنى آفة، وقال: بدل من أن أذهب إلى الطبيب وأخسر خمس مئة ريال في قطعها ودوائها أسرق خمس مئة ريال، ويجينا خمس مئة ريال، وتقطع إيدي ببلاش مجانًا، ويش تقولون في هذا؟ طالب: نعامله بما فيه القطع.
الشيخ: ماذا نعمل؟ الطالب: نقطع يده.
طالب آخر: نقطع اليمنى.
الشيخ: الظاهر أن نقطع اليمنى (... )، لكن في هذه الحال إذا علمنا أنه فعل هذا لأجل أن تقطع قد نقول: إن الإمام يعذره على هذه النية الفاسدة.
طالب: شيخ، (... )؟ الشيخ: ما ذكروا لهذه الآية اختلاف العلماء في هذه الآية فقط.
طالب: في حال إذا ما سرقوا فقط؛ أخذوا المال فقط ولم يقتلوا؟ الشيخ: تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
الطالب: تقطع اليد والرجل من خلاف، وإذا جنوا دون القتل قطعوا اليد اليمنى، مثلًا قطعوا اليد اليمنى فكيف تكون الجناية واحدة، الجناية مختلفة؟

الشيخ: هم أخذوا المال ولَّا ما أخذوا المال؟ الطالب: أخذوا المال.
الشيخ: أخذ المال مع قطع اليد، نعم نقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، نقطع اليد اليمنى.
الطالب: هي مقطوعة بسرقة المال فقط.
الشيخ: لا، هي ما قطعت إلى الآن، ماسكينه الحين.
الطالب: لا، أنا لو قلت: يعني هو لو سرق بدون جناية تقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، إن سرق وقطع اليد اليمنى المجني عليها.
الشيخ: نقطع اليد اليمنى، وتكون قُطِعَت لسببين.. الطالب: إي، بس العقوبة واحدة، والجناية أقوى في.. الشيخ: إي؛ لأنا المحل واحد الآن، مثل أن يجب عليه القصاص ورُجِمَ -مثلًا- طبعًا إذا القصاص لما كان حقًّا لآدمي إذا قال: أنا أريد أن أقتص، قلنا: يقتص ويسقط الرجم.
طالب: شيخ (... ) يعوض في العلاج؟ الشيخ: إي نعم، يجوز، وهذه مسألة تفتح لنا باب سؤال آخر بعد؛ هل يجوز أن نبنج السارق وقاطع الطريق عند قطع أعضائه ولَّا ما يجوز؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: يجوز -بارك الله فيكم- يجوز أن نبنج قاطع الطريق والسارق بقطعه؛ لأن المقصود إتلاف العضو ما هو الألم، بخلاف من وجب عليه القصاص فإنه لا يجوز أن نبنجه؛ لأن القصاص لا يجب أن ينال من الألم مثلما نال المجني عليه.
(... )


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أخذ كل واحد قدر ما يقطع بأخذ السارق ولم يقتلوا قُطِعَ من كل واحدٍ يدُه اليمنى ورجلُه اليسرى في مقام واحدٍ وحُسِمَتَا، ثم خُلِّيَ) شرحنا هذا.
(فإن لم يصيبوا نفسًا ولا مالًا يبلغ نصاب السرقة نُفُوا؛ بأن يُشَرَّدُوا فلا يُتْرَكُون يأوون إلى بلد) ثم قال.. طالب: شيخ، بالنسبة لـ (يُصَلَّبوا) قلنا: فيه الترتيب من الأغلظ إلى الأخف؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: قتل، ثم قتل وصلب، والقتل والصلب أعظم؟ الشيخ: أعظم منه؛ يعني في الآية قصدك؟ الطالب: إي نعم، في الآية.

الشيخ: لا، في الآية لا، فيه جمع بين هذا وهذا.
الطالب: يا شيخ، من قال: فيصلبوا.. الشيخ: قال المؤلف: (ومن تاب منهم قبل أن يُقْدَر عليه سقط منه ما كان لله من حق من نفي وقطع وصلب وتحتم قتل).
(ومن تاب منهم) التوبة في اللغة: الرجوع، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، فإن كانت بترك واجب؛ فبالقيام به إن أمكن استدراكه، أو بالقيام ببدله إن لم يمكن استدراكه وكان له بدل، فإن لم يكن له بدل فإنه يكفي مجرد الندم على ما فوت، فمثلًا إذا قلنا بوجوب صلاة الخسوف ولم يصل الإنسان، فالتوبة منها أيش؟ طالب: بالندم.
الشيخ: بالندم؛ لأنه ليس لها بدل، ولا يمكن استدراكها؛ لفوات سببها.
وإذا تاب من ترك واجبًا في الحج فله له بدل ولَّا لا؟ (... ) بنفسه، كما لو أفسد صلاته حتى خرج وقتها أو لم يخرج، فتمام التوبة بأن يصلي الصلاة.
أما إذا كانت التوبة من فعل محرم فتكون بالإقلاع عنه والنزع عنه فورًا، فإن لم ينزع عنه فإن توبته مع إصراره على فعله استهزاء بالله عز وجل، فأنت لو قلت: اللهم إني أستغفرك من الربا وأنت تمارس أكل الربا، فما هذا إلا نوع استهزاء بالله سبحانه وتعالى.
لو أنك تقابل ملكًا من ملوك الدنيا نهى عن شيء ثم تقول: يا أيها الملك إني تبت إليك وأنت بيدك ما نهى عنه يراها، ماذا يقول الملك؟ يقول: أنت تستهزئ بي، هذا استهزاء ويعذبك أكثر.
ولهذا نقول: إن شروط التوبة خمسة؛ الإخلاص لله عز وجل، والندم على ما فعل، والإقلاع عنه، والعزم على ألَّا يعود، وأن يكون في الزمن الذي تُقْبَل فيه التوبة، خمسة شروط للتوبة.
أما الإخلاص فظاهر؛ بألَّا يتوب الإنسان خوفًا من مخلوق أو تزلفًا إليه، وإنما يتوب خوفًا من رب العالمين وتقربًا إليه تبارك وتعالى.
وأما الندم فأن يشعر بقلبه أنه فعل أمرًا يأسف له، ليس أمرًا يمر مر الكرام.
وأما الإقلاع عنه فأن يبادر بتركه، وإذا كان لآدمي فأن يبادر باستحلاله وإيصاله الحق.

وأما العزم على ألَّا يعود فهو بالقلب؛ يعزم على ألَّا يعود لهذا الذنب، وليس الشرط ألَّا يعود، بل أن يعزم ألَّا يعود؛ ولهذا لو عزم ألَّا يعود ثم عاد فإن التوبة الأولى لا تنتقض؛ لأنها تمت شروطها.
وأما أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة كأن تكون قبل حضور الأجل وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن التوبة بعد حضور الأجل ومعاينة العذاب غير مقبولة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18]، وقال عز وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (85) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 84، 85]، والتوبة واجبة على الفور، ويش معنى الفور؟ يعني بدون تأخير؛ لأن الإصرار على الذنب ذنب، ولأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الأجل فيُحْرَم من التوبة.
ثم إذا تاب هؤلاء قطاع الطريق؛ فإن كانت بعد القدرة عليهم فلا تُقْبَل توبتهم وليس لها أثر، وإن كان قبل قُبِلَت.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34]، وجه الدلالة من الآية أنه قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وختمها باسمين كريمين يدلان على أيش؟ طلبة: المغفرة.
الشيخ: العفو والمغفرة، وفُهِمَ من الآية الكريمة: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أنهم لو تابوا بعد القدرة فإنه لا تسقط عنهم العقوبة، والحكمة من ذلك أنهم إذا تابوا قبل أن يُقْدَر عليهم فإنه دليل على أن توبتهم صادقة، فيتوب الله عليهم، أما إذا تابوا بعد أن يُقْدَرَ عليهم فإن القرينة تدل على أن توبتهم أيش؟ طلبة: خوفًا من (... ).

الشيخ: خوفًا من النكال والعقوبة؛ فلذلك لا تُقْبَل، وهذا في قطاع الطريق.
أما الكافر فتُقْبَل توبته ولو بعد القدرة عليه، فإذا كان كافرًا حربيًّا يُظْهِر العداوة للمسلمين، فقدرنا عليه، فتاب بعد أن قدرنا عليه فإنا نرفع عنه القتل؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، وهذا عام، ولحديث أسامة رضي الله عنه في قصة المشرك الذي لحقه أسامة حتى أدركه، فلما علاه بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، فأُخْبِرَ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ » قال: نعم، يا رسول الله، إنما قالها تعوذًا، قال: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ » قال: نعم، فما زال يرددها عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد (7)، مع أن الرجل واضح -يعني حسب ما يظهر، والعلم عند الله- أنه قالها تعوذًا، لكن فيه احتمال أنه قالها عن صدق، وأنه لما رأى الموت قالها.
وهذا ليس كالذي حضره الأجل؛ لأنه من الممكن أن يمتنع القادر عن قتله؛ يعني: لا يُقَال: إن هذا ينافي الآية ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء: 18]؛ لأن هنا جائز أن هذا الذي شهر عليه السلاح أن أيش؟ طالب: يرحمه.
الشيخ: يرحمه ويكف عنه، لكن إذا حضر الأجل وحضر الملك لقبض الروح ما عاد فيه مشى الإنسان، فالحاصل أن نقول: هؤلاء المحاربون إذا تابوا قبل القدرة عليهم ارتفع عنهم الحد.
وهل مثل ذلك جميع الحدود؟ الجواب: نعم، كل الحدود إذا تاب الإنسان منها قبل القدرة عليه سقطت عنه، فإن طالب بإقامتها عليه فإن للإمام أن يقيمها عليه، فإن رجع عن طلب الإقامة بالقول أو بالفعل ارتفعت العقوبة عنه، وهذا بخلاف ما إذا ثبتت ببينة فإنها تقام.

على كل حال، الحدود من أين نعلم توبتهم؟ نعلم بذلك بأن يُلْقُوا السلاح ويجيؤوا تائبين؛ إما جمعًا، وإما بإرسال رسول منهم إلى الإمام ويقول: إن الجماعة كتبوا هذا العهد، وتعهدوا ألَّا يعودوا لما هم عليه، وحينئذٍ نعرف أنهم تابوا، وفي قوله عز وجل: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ إشارة إلى أن مقتضى رحمته ومغفرته جل وعلا أن يُغْفَر لهؤلاء ويُرْحَمُوا.
يقول: (سقط عنهم ما كان لله من نفي) وهذا متى يكون نفي؟ إذا لم يَقْتُلوا ولم يأخذوا مالًا، الآن ليس عليهم حق لآدمي، ويش هو النفي؟ متى يكون نفي؟ طالب: إذا كان ليس له حق عند آدمي.
الشيخ: لا.
طالب: إذا أخافوا ولم يَقْتُلوا ولم يأخذوا مالًا.
الشيخ: صح؛ لأنهم ما أخذوا من أحد شيئًا، فيسقط عنهم النفي.
(من نفي وقطع) قطع أيش؟ اليد والرجل من خلاف، (وصلب) واضح الصلب من حقوق الله، (وتحتم قتل) وحينئذٍ ما قال المؤلف: وقَتْلٍ؛ لأنهم إذا قتلوا مكافئًا وطالب أولياء المقتول بالقتل قُتِلَوا، لكن إذا لم يتوبوا كان قتلهم أيش؟ طالب: حتمًا.
الشيخ: حتمًا، سواء قتلوا مكافئًا أم غير مكافئ كما سبق، فالذي يسقط عنه الآن ما كان لله تعالى، وهي أربعة أشياء: النفي، والقطع، والصلب، وتحتم القتل، ولم يقل المؤلف: وقَتْلٍ، لماذا؟ الطالب: لأن (... ). الشيخ: لأنهم قد يقتلون مكافئًا وتتم الشروط -شروط القصاص- وحينئذٍ يُقْتَلون.
أرأيت لو أنهم قتلوا رجلًا من المسلمين وطالب أولياؤه بالقصاص، هل يُقْتَص منهم؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يقتص منهم؛ ولهذا قال المؤلف: (وأخذ بما للآدميين من نفس وطرف ومال) كان على المؤلف رحمه الله أن يقول: وتحتم قتل وقطع؛ لأن المؤلف يرى أنهم إذا قطعوه قطعًا يوجب القصاص؟ طالب: فلا بد من إقامة..

الشيخ: تحتم استيفاؤه، خلافًا للمذهب، وكان عليه أن يقول: وتحتم قتل وقطع، ولكن المذهب أنهم إذا قطعوا طرفًا فإنه لا يتحتم استيفاؤه، فلصاحبه الحق في القصاص أو الدية.
(وأخذ بما للآدميين من نفس) متى يكون النفس؟ إذا قتلوا مكافئًا، (وطرف) إذا قطعوا عضوًا، (ومال) إذا أخذوا مالًا.
مثال ذلك: هؤلاء قوم من قطاع الطريق قتلوا شخصًا، وبعد أن قتلوه وأخذوا ماله جاؤوا تائبين إلى الله عز وجل، فهنا يسقط عنهم الصلب أولًا، ويسقط عنهم تحتم القتل، فإن طالب أولياء المقتول بالقتل وتمت شروط القصاص قُتِلُوا قصاصًا لا حدًّا، والمال اللي هم أخذوه يسقط عنهم القطع بالنسبة لأخذ المال، وهل يُطَالَبُون به؟ نعم؛ لأنه حق آدمي، فطُولِبُوا به.
قال المؤلف: (إلا أن يُعْفَى له عنها) فإن عُفِيَ له عنها سقطت؛ لأنها حق آدمي، وحق الآدمي يُرْجَع إليه، ولكن هنا سؤال: هل الأفضل أن يُعْفَى لهم أو أن يطالبوا بالضمان؟ طالب: المصلحة.
الشيخ: الصواب أن فيه تفصيلًا، وأنه إن كانت المصلحة تقتضي أن يُعْفَى عنهم عُفِيَ عنهم، وإن كانت المصلحة تقتضي أن يُؤْخَذُوا به أُخِذُوا به؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، فاشترط في ثبوت الأجر على الله أن يكون مع العفو إصلاح، وهذا صحيح.
أما إذا كان في العفو إفساد فإنه لا يجوز العفو حينئذٍ.
وإن كان العفو مترددًا بين الإصلاح والإفساد فيجب أن يُغَلِّب الإنسان جانب العفو.
معنى (يجب) ليس معناه: يجب القول بتغليب جانب العفو لا الأخذ بذلك؛ لأن للإنسان الحق أن يعفو مطلقًا.
يقول: (إلا أن يعفى له عنها)، ثم قال: (ومن صال على نفسه)، أما نسخة: (ومن صيل) فهي خطأ بلا شك؛ لأن الفاعل موجود.
طالب: إذا قال (... )؟ الشيخ: يصلح، (إلا أن يُعْفَى له عنه).
الطالب: إلا ما يُعْفَى عنه.
الشيخ: ما يخالف، عندكم (ومن صيل) هذه لازم تصحح.
طلبة: (ومن صال).

الشيخ: فيه يا ناس (من صيل)، أنا أعرف نسخ فيها (ومن صيل)، اللي نسخته (من صيل) يجب أن يصححها؛ لأنه لا يستقيم أن يكون (صيل)، وهو فعل مبني للمجهول؛ لوجود أيش؟ طالب: فاعل.
الشيخ: لوجود الفاعل؛ وهو قوله: (آدمي).
(ومن صال على نفسه آدمي أو صال على حرمته) أي: حريمه (أو صال على ماله آدمي) إلى آخره، وسواء كان الصائل يريد القتل أو يريد الفاحشة وانتهاك العرض -والعياذ بالله- أو يريد الأذية التي دون القتل ودون انتهاك العرض.
وكذلك نقول في المال، وكذلك نقول في الحرمة والأهل.
يقول المؤلف: (آدمي) فاعل (صال)، والصول معروف؛ وهو الاقتحام والتعدي، (آدمي) يعني إنسانًا، (أو بهيمة) يعني حيوانًا، وسمي الحيوان بهيمة لانبهام أمره؛ حيث إنه لا ينطق ولا يفصح عما في نفسه، هل سمعتم أن بعيرًا جاع فقال لصاحبه وقد مر: يا صاحبي أعطني علفًا؟ طالب: لا.
الشيخ: لا، ويش يقول؟ طالب: (... ). الشيخ: يرغي ولَّا لا؟ الرغى ما ندري هل هذا لطلب الأكل أو لشيء فيه أيضًا، ما ندري، لكن ذكروا في آيات الرسول صلى الله عليه وسلم أن جملًا جاء إليه أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو صاحبه بأنه يجيعه فسأل النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه فأخبره فأمره أن يحسن إليه (8)، وهذا إنما يكون على سبيل؟ طالب: الآيات.
الشيخ: الآيات، والآيات خوارق للعادة.

(آدمي أو بهيمة فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يغلب على ظنه دفعه به) (فله الدفع عن ذلك) وسيأتي (... ) اللام هنا للإباحة؛ يعني: لا يجب عليه أن يستسلم بل يدافع، له أن يدافع، ولكن يدافع بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به؛ إن كان يندفع بالتهديد فلا يضربه، إن كان يندفع بالضرب باليد فلا يضربه بالعصا، إن كان يندفع بربط إحدى يديه فلا يربط الثنتين، إن كان يندفع بربط اليدين دون الرجلين فلا يربط الرجلين؛ يعني: إلى أن تصل إلى القتل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله؛ ولهذا قال المؤلف: (فإن لم يندفع إلا بالقتل فله ذلك ولا ضمان عليه).
إذا لم يندفع إلا بالقتل فله أن يقتله وليس عليه ضمان، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن الرجل يأتي إلى الرجل ليأخذ ماله قال: «لَا تُعْطِهِ»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فَأَنْتَ شَهِيدٌ»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هُوَ فِي النَّارِ» (9)، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا تُعْطِهِ»، فأنا لي أن أدافعه، فإن لم يندفع إلا بالقتل فلي قتله وليس علي ضمان، وعلي كفارة؟ لا، فهذا الدليل.
أما بناء على القواعد فلأن ما ترتب على المأذون ليس بمضمون، وأنا مأذون لي بأن أدافع عن نفسي، فما ترتب على هذا المأذون فإنه ليس بمضمون.

ولكن هنا مسألة: لو أنني قتلته دفاعًا عن نفسي وأهلي ومالي، ثم طالبني أولياؤه وطلبوا القصاص، وقالوا: أنت قتلته واعترفت بأنك قتلته، فنحن نطلب أن تقتل فقال: إني مدافع عن نفسي، قالوا: هات الشهود، قال: لو كان هناك شهود ما هاجمني، هو لم يهاجمني إلا إذا كان مكانه خاليًا، فقالوا: إذا كان ما عندك شهود ما عندك إلا دعوى، قال: هو في بيتي يا جماعة، انظروا إليه، قالوا: نعم، دعوته إلى بيتك لتقتله في بيتك، ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ ممكن؛ يعني: لا يحيله العقل، فإذن نطالب بأن تقتل، فماذا يصنع؟ القضاء يحكم بقتله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأَمْوَالَهُمْ» (10). ولو أننا قبلنا مثل هذه الدعوى لكان كل إنسان يمتلئ قلبه حقدًا على شخص يدعوه إلى بيته، وتفضل، أنت عزيز وغالٍ علينا، ونحبك، وقد أعددنا لك طعامًا طيبًا؛ فاكهة ولحمًا وخبزًا وما أشبه ذلك، تفضل، هذا يحضره الطمع حب الأكل ويجيب، فإذا دخل قتله وادعى أنه هو الذي دخل عليه البيت ليعتدي عليه وعلى حرمته، ممكن هذا ولَّا لا؟ ممكن، فلما كان هذا الأمر ممكنًا غير ممتنع صار من ادعى خلافه فعليه البينة، وإلا فيُقْتَل، ويوم القيامة سوف يحكم بينهم الحكم العدل عز وجل، أما نحن في الدنيا فإنه ليس لنا إلا الظاهر فقط، وهذا لا شك أنه جارٍ على قواعد الشرع في ظاهر الأمر.
ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إنه يجب أن يُنْظَر في القرائن؛ لأن وجود البينة في مثل هذه الحال متعسر أو متعذر، ولأن هذا يقع كثيرًا ما يصول الإنسان على أحد، ثم يدافع المصول عليه عن نفسه حتى يصل إلى درجة قتله.

قال رحمه الله: ينبغي أن يُنْظَر في هذا إلى القرائن؛ فإذا كان المقتول معروفًا بالشر والفساد والقاتل معروفًا بالخير والصلاح فالقول قول القاتل، وحينئذٍ لا ضمان عليه؛ لأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (11)، بالاتفاق أنها لا تختص بالشهود، فإن البينة: كل ما أبان الحق وأظهره، وإذا قامت القرينة القوية الظاهرة على صدق الدعوى فإنه يجب العمل بمقتضاها، كما قلنا في دعوى الرجل لباسًا بيد غيره وهو متخلٍّ عنه فإن القول قول المدعي.
كما لو رأينا شخصًا أصلع ما معه غطرة، وآخر معه غطرة لابسها وغطرة بيده وهو هارب، والأصلع يركض وراءه يقول: أعطني غطرتي، فوقف ذاك ويش غطرتك؟ ! مسكين أنت ما عندك واحدة، تقول: هذه غطرتي، ممكن يكون هذا ولَّا لا؟ ممكن، يمكن هذا الأصلع ما عنده غطرة حقيقةً، وجد هذا معه غطرتين فبيدعي أن هذه لي، لكن نقول: هنا الظاهر عندنا، ولَّا صحيح ما بيد الإنسان فهو له بلا شك، لكن هذه قرينة ظاهرة تؤيد دعوى المدعي فيعمل بها.
وعندكم أيضًا في مسألة القسامة، ويش فيها القسامة؟ فيها قتل ولَّا لا؟ مبنية على أيش؟ على القرينة، فجعلت الأيمان في جانب المدعي.
فقول شيخ الإسلام رحمه الله هو الحق في هذه المسألة، ولا يمكن إصلاح الخلق إلا به؛ لأنه ما أكثر الذين يعثرون على الناس الآمنين الوادعين في بيوتهم المعروفين بالصلاح وبعدم العدوان، فيصول عليهم هذا المجرم الخبيث، فإذا دافع المسكين عن نفسه وقتله؛ لأنه لم يندفع إلا بالقتل نقول: نضمنك، مشكلة! إذا كان يمكن دفعه بدون القتل فقتله، يضمن ولَّا لا؟ طالب: يضمن.
الشيخ: يضمن؛ لأن هذه دفع صيالة، فيجب أن يكون بالأسهل فالأسهل.
إذا خاف أن يبدره بالقتل، هو إلى الآن ما بعد اشتبكوا، لكن خاف أنه يبدره بالقتل لأنه معه السلاح، فهل له أن يبادر بالقتل؟ طلبة: نعم.

الشيخ: نعم، له أن يبادر؛ يعني: لو كان هذا المجرم معه سلاح وأشهره على المصول عليه قال: يلَّا، مكني من نفسك أو من أهلك وإلا قتلتك بهذا المسدس، وخاف إن امتنع أن يقتله فله أن يبادر بالقتل؛ لأن هذا غاية قدرته، لا يمكن أن يستسلم لهذا يقتله، فإن قلت: ألا يمكن أن يهدد فلا يفعل؟ طلبة: يمكن.
الشيخ: فالجواب: بلى، يمكن أن يهدد ولا يفعل، لكن ويش الأصل وهو مجرم الآن؟ أنه يقتل، لا حظوا أن المجرم ويش بيقول بنفسه؟ يقول: أنا مقتول مقتول، هذا بيقول: أنا مقتول مقتول؛ إما من هذا الرجل، ولَّا من السلطات، أنا بقتل (... )، أليس كذلك؟ ممكن.
إذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون المسدس -مثلًا- اللي في يديه لعبة صبيان؟ أقول: لا أعرف، هذا ممكن، لكن أنا الآن في حالة لا أتمكن من الاطلاع ولا من التثبت، وأنا خائف لو أتأخر لحظة قُضِيَ عليَّ، فالمسألة ما هي مسألة عقلية مسألة تصرفية؛ كيف أتصرف في هذا الحال؟ هذا أدنى ما أقدر على التصرف فيه؛ ولهذا قال العلماء: إن خاف أن يبدره بالقتل فله أن يبادر بالقتل، بخلاف ما إذا لم تخف فلابد أن تدفع بالأسهل فالأسهل.
(... ) أن يقتله ولو أنه حُكِمَ عليه بالظاهر بالقتل، أو الأولى أن يستسلم فيقتله المجرم؟ طلبة: الأول هو الأولى.
الشيخ: الأول هو الأولى بلا شك.
طالب: في الحالين (... ). الشيخ: إي، الأول نعم، لكن الأول يجب أن يدافع؛ أولًا: لأجل قطع دابر هؤلاء القوم، والشيء الثاني: أنه في احتمال أن يرفع عنك القتل حتى عند القاضي فيه احتمال (... ). طالب: لو صار الحكم على ذلك عادة؟ الشيخ: لا، ولو كان كل شيء يمكن، ما دام ما وقع كل شيء يمكن.
طالب: (... ) في الدروس السابقة إقامة الحدود (... )؟ الشيخ: إي نعم، ويش فيها؟ طالب: تقام؟

الشيخ: لا، الصحيح أنها لا تقام، وقد يُفَرَّق بين من كان فيه غناء للمسلمين فيرفع عنه الحد، ومن لم يكن كذلك فيقام عليه الحد، كما في قصة أبي محجن الثقفي (12)، وقد يقال: إنه يرجع في هذا إلى رأي الإمام، وهذا طيب.
طالب: ظاهر الحديث: قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ» (9) يجوز تقدير (... ) للإباحة؟ الشيخ: بيجينا، الإباحة هذا في مقابلة المنع؛ لأن العلماء -هذه قاعدة ينبغي أن نعرفها- قد يعبرون باللام في مقابلة المنع.
مثال ذلك في الحج يمكن مر عليكم قال: (وللقارن والمفرد إذا لم يسوقا الهدي أن يجعلاها عمرة ليحجا في هذا العام)، فقولهم: (وللقارن) في مقابلة قول من يقول: إنه ليس له ذلك، هم عاد يأتي الحكم، هنا قال فيما بعد: (ويلزمه الدفع عن نفسه وحرمته).
ويَلزمُه الدفْعُ عن نفسِه وحُرْمَتِه دونَ مالِه، ومَن دَخَلَ منزلَ رجُلٍ مُتَلَصِّصًا فحُكْمُه كذلك.

﴿باب قتال أهل البغي﴾ إذا خَرَجَ قومٌ لهم شَوكةٌ ومَنَعَةٌ على الإمامِ بتأويلٍ سائغٍ فَهُمْ بُغاةٌ، وعليه أن يُراسِلَهم فيَسألَهم ما يَنْقِمُون منه، فإن ذَكَروا مَظلِمةً أَزَالَها, وإن ادَّعَوْا شُبهةً كَشَفَها، فإن فاؤُوا وإلا قَاتَلَهم، وإن اقْتَتَلَتْ طائفتانِ لعَصبيَّةٍ أو رِياسةٍ فهما ظالمتان، وتَضْمَنُ كلُّ واحدةٍ ما أَتْلَفَتْ على الأُخْرَى.

﴿باب حكم المرتد﴾ وهو الذي يَكْفُرُ بعدَ إسلامِه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
ما تقول في رجل (... ).. السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله، والله غفور رحيم.
طالب: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38].

الشيخ: والله غفور رحيم، القارئ يقرأ: والله غفور رحيم، فقال الأعرابي: ما هكذا الآية، اقرأ زين، قال: والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله، والله غفور رحيم.
قال: ما يمكن، يقول الأعرابي، هو ما قرأ، ما يعرف القرآن، قال له: اقرأ، فقرأ الثالثة فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38]، قال له: الآن؛ لأنه عزَّ وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، شوف سبحان الله! هذه ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] يقول: لما غفر ورحم عفا، وسقط عنهم الحد؛ تاب قبل أن يُقْدَر عليه فسقط عنه ما كان لله، وما كان للآدمي؟ طالب: لا يسقط.
الشيخ: لا يسقط، لماذا؟ الطالب: لأن الآدمي يطالب بحقه، والله سبحانه وتعالى يستغني عن حقه وغفر للإنسان، لكن حق الآدمي فليس.. الشيخ: حق الآدمي، يقال: حق الآدمي له، أما الله فقد عفا عن حقه، وحق الآدمي له؛ إن عفا عنه سقط، وإلا أُخِذَ.
ما هو الذي لله (... ). تعرضنا له تعرضًا يسيرًا، خلونا نشوف.
هل يلزمه (... ) عن ماله أو لا؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: صح.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن صال على نفسه أو حرمته أو ماله آدمي أو بهيمة فله الدفع).
وذكر أنه إذا قَتَلَ الصائلَ على وجه لا يندفع إلا بالقتل فلا ضمان فيه، وإذا كانت بهيمة تُضْمَن؟ طالب: لا، من باب أولى.
الشيخ: صال عليه بهيمة؛ بعير صال على هذا الإنسان يريد أن يقتله، أو صال عليه ذئب يريد أن يأكل غنمه، ولم يندفع الجمل ولم يندفع الذئب إلا بالقتل، هل يضمن الجمل لصاحبه؟ وهل يضمن الذئب لأمه؟ ! طلبة: لا.

الشيخ: يضمن الجمل لصاحبه؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يضمن، كذا ولَّا لا؟ لأن الصائل لا حرمة له؛ لأنه مؤذٍ، والمؤذي إن كان طبيعته الأذى قُتِلَ وإن لم يَصُل؛ كالفأرة والحية والعقرب، وما أشبهها، وإن لم يكن طبيعته الأذى فإنه يُقْتَل حال أذيته مثل هذا الصائل.
قلنا: لا يضمنه، لكن لو ادعى صاحب الجمل أن الجمل لم يَصُل، وقال: اضمن جملي، من قال: إنه صال عليك؟ فما هو الحكم؟ طلبة: يُنْظَر القرائن.
الشيخ: أما المذهب فيلزمه الضمان؛ لأن الأصل حرمة مال المسلم، الأصل أن هذا الجمل محترم، إلا إذا قامت البينة على أنه صال عليك ولم يندفع إلا بالقتل.
والصحيح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يرجع في ذلك إلى القرائن؛ فإذا عُلِمَ أن هذا القاتل الذي ادعى أنه صال عليه أنه رجل صالح لا يمكن أن يعتدي على حق غيره إلا بموجب شرعي فإن القول قوله، ولكن بيمينه، لا بد أن يحلف؛ لأن اليمين تكون في أقوى جانبي المدعيين.
وأما إذا كان غير معروف بالصلاح فإن الأصل ضمان مال الغير واحترامه.
قال المؤلف: (ويلزمه الدفع عن نفسه) يعني: يلزم من صال عليه آدمي أو بهيمة أن يدافع عن نفسه وجوبًا.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ومن استسلم للصائل الذي يريد قتله فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة ووقع فيما نهى الله عنه.
ولأن نفسه محترمة وأمانة عنده ومسؤول عنها أمام الله، فوجب عليه أن يدافع عنها.
هذان اثنان.
ولأنها نفس محترمة، ونفس الصائل نفس معتدية ليس لها حرمة، ومعلوم أنه يجب فداء النفس المحترمة بالنفس المعتدية، وأن تُتْلَف النفس المعتدية؛ لإبقاء النفس المحترمة.
هذه ثلاثة أشياء تدل على وجوب المدافعة عن النفس.
وكذلك ما أشار إليه الأخ من قوله عليه الصلاة والسلام: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قَاتِلْهُ» (1).

ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]، فأمر بقتلهم حتى عند المسجد الحرام مع حرمته وتعظيمه.
فالحاصل أنه يجب الدفع عن نفسه، لكن هل يُسْتَثْنَى من هذا شيء؟ اختلف العلماء في ذلك؛ فقال بعضهم: يُسْتَثْنى من ذلك حال الفتنة -نعوذ بالله من الفتن- إذا اضطرب الناس وافتتنوا وصار بعضهم يقتل بعضًا، لا يدري القاتل فيما قَتل، ولا المقتول فيما قُتِل؛ فتنة مائجة، فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدفع.
واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت إن دخل بيتي؟ -يعني: هل أقتله أم لا؟ - قال: «لَا تَقْتُلْهُ» (2). وقال عليه الصلاة والسلام: «فَإِنْ بَهَرَكَ السَّيْفُ أَوْ شُعَاعُ السَّيْفُ فَأَلْقِ رِدَاءَكَ عَلَى وَجْهِكَ» (3)؛ يعني: واستسلم.
واستدلوا أيضًا بفعل عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ فإن الصحابة طلبوا منه أن يدافعوا عنه الذين خرجوا عليه، ولكنه رضي الله عنه أبى، وقال: لا تقاتلوا (4)، فإذا كان فتنة فلا تُقَاتِل.
والصواب أن الفتنة إذا كان يترتب على المدافعة -يترتب عليها- شرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة لا تُجْدِي؛ لكثرة الغوغاء، ففي هذه الحال لا يجب الدفع، وإلا وجب الدفع؛ لما ذكرنا فيما سبق.
وتحمل النصوص الواردة على ذلك على هذه الحال، وكذلك ما ورد عن عثمان رضي الله عنه؛ لأن عثمان رأى أن أهل المدينة لو دافعوا لالتهمهم هؤلاء الخارجون؛ لأنهم عدد كبير لا طاقة لأهل المدينة بمدافعتهم.
ويرى بعض العلماء أنه يلزم الدفع مطلقًا، وأن الأحاديث الواردة في ذلك فيما إذا كان الإنسان لا يستطيع المدافعة فإن مدافعته إذا كان لا يستطيع لا فائدة منها.

قال: (دون ماله) يعني: يلزمه الدفع عن نفسه وعن حرمته، ما حرمته؟ يعني: أهله؛ كزوجته وابنته وأمه وأخته، وما أشبه ذلك، فيلزمه الدفع عنهم؛ لأن حماية النفوس -كما قلنا فيما سبق- واجبة، فيلزمه الدفاع عنهم.
أما ماله فيقول المؤلف: (دون ماله) فلا يلزمه الدفاع عنه؛ لأن حرمة المال دون حرمة النفس، ولكن هل يجوز؟ طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز الدفاع عن ماله وإن قلَّ، حتى لو كان جرَّة حبر أو ريشة قلم فإنه يجوز.
وقال بعض العلماء: إنه إذا كان المال يسيرًا فإنه لا يجوز أن يدافع عنه مدافعة تصل إلى القتل؛ لأن حرمة النفس أعظم من حرمة المال، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأحاديث عامة «دُونَ مَالِهِ»، حديث: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (5)، وهو عام، وقال: إن طلب مني مالي؟ قال: «لَا تُعْطِهِ» (1)، وهو عام أيضًا، فالصواب العموم.
وليست المسألة من باب المقابلة والمكافأة؛ لأنه لو كانت من باب المقابلة والمكافأة لقلنا: إنه لا يجوز المدافعة، إلا إذا كان المال الذي صِيل عليه بقدر الدية، وهذا لم يقل به أحد، بل المقاتلة من أجل انتهاك الحرمة حرمة المال.
فيه مسألة: لو أن أحدًا نظر إلى بيتك من خصاص الباب فهل هو كالصائل؟ طالب: نعم.
الشيخ: لا، ليس كالصائل.
الطالب: بس متعدٍّ.
الشيخ: بل هذا تُفْقَأ عينه بدون مدافعة؛ يعني: واحد يُوِز عليك من على الباب، تشوف هذا حاط عينه وأنت مطرف الباب ما حاجة تدافعه، تقول: يا فلان خف الله، لا تنظر لعورات المسلمين، إذا قلت: هذا بيروح ينصرف، لكن تَخفَّ له وخذ معك حربة وافقأ بها عينه، صح؟ طلبة: صح.
الشيخ: إي نعم، هكذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم (6)، وهذا يقول شيخ الإسلام رحمه الله: ليس من باب دفع الصائل، لكنه من باب عقوبة المعتدي.
أما لو كان الباب مفتوحًا؛ واحد فاتح بابه، وجاء الرجل ووقف عند هذا الباب المفتوح وجعل يتفرج على البيت، فهل له أن يفقأه؟ طلبة: لا.

الشيخ: لا؛ لأن الذي أضاع حرمة بيته صاحب البيت، أما إذا كان الباب موصدًا فإن هذا الرجل قد احتفظ لحرمة نفسه.
مثال آخر: رجل وجد على امرأته رجلًا -والعياذ بالله- يزني بها، فهل هو من باب دفع الصائل عقوبته؟ طلبة: لا.
الشيخ: الصحيح لا؛ يعني: ليس من باب دفع الصائل، وأنه إذا وجده يقول: يا فلان اتق الله، لا تنتهك حرمة الناس، هذاك يمكن يقول: جزاك الله خيرًا ويقوم يروح! لكنه من باب عقوبة المعتدي، إذا وجده على أهله فله أن يذهب إلى السيف، ثم يقده نصفين؛ يقد الرجل نصفين، من عند محل فعل الفاحشة، يتحرى مكان فعل الفاحشة، ثم يضربه بالسيف حتى ينقسم، يبقى صدره فوق وأسفله تحت.
بدون إنذار؟ طلبة: بدون إنذار.
الشيخ: بدون إنذار؛ لأن هذا -كما قال شيخ الإسلام- أيضًا من باب عقوبة المعتدي.
وقد وقعت هذه القضية في عهد عمر رضي الله عنه، فجاء رجل دخل على أهله فوجد عليهم رجلًا، فأخذ بالسيف فقدَّه نصفين، فطالب أولياء المقتول بدمه، ثم ارتفعوا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال الرجل: واللهِ يا أمير المؤمنين، إن كان أحد بين فخذي أهلي فأنا قد قتلته، ما ذهبت إلى السوق أو إلى بيوت الناس أقتل الناس، فقال: ما تقولون؟ قالوا: نعم، فأخذ السيف عمر وهزه، وقال له: إن عادوا فعد (7)؛ يعني: هذا من باب عقوبة المعتدي.
فانتبهوا لهاتين المسألتين: النظر من باب موصد، والثاني: إذا وجد رجلًا على أهله في الفاحشة، وهذا ليس من باب دفع الصائل، ولكنه من باب عقوبة المعتدي؛ بمعنى أننا نعاقب هذا الفاعل بدون إنذار.
قال المؤلف: (ومن دخل منزل رجل متلصصًا فحكمه كذلك) أيش معنى متلصصًا؟ أي: لصٌّ وإن كان ليس من اللصوص؛ يعني: ما اعتاد اللصوصية، لكنه دخل متلصصًا يريد أن يأخذ من هذا البيت.

(فحكمه كذلك) أي: كالصائل على المال؛ فيدافع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فإنه يُقْتَل، وإن قال الرجل: أنا دخلت أطلب كتابًا أريد أن أراجع، ما أريد أن أسرق، أو دخلت أريد مصحفًا أبغي أقرأ، أو دخلت أبغي أشرب ماء مثلًا، وأيش نقول؟ نقول: طيب، أولًا: لا يجوز أن تدخل إلا باستئذان، هذه واحدة، فأنت أخطأت من هذه الناحية.
والثاني: إذا كنت تريد ماء نجيب لك كاسَ ماءٍ واشرب وامش، ولَّا لا؟ ولَّا هذا ذل؟ وأيش تقولون؟ هل نسقيه لاحتمال أنه صادق ونخليه يطلع، أو ندور مصحف ونعطيه إياه، يمكن صادق يبغي مصحفًا؟ طلبة: يُنْظَر في القرائن.
طالب: لا نعطيه شيئًا؛ لأن الله نهى أن يدخل الإنسان بيوت الناس بغير إذن أهلها؛ لأنه كاذب على كل حال.
الشيخ: هو على كل حال ما هو كاذب على كل حال، لكنه مخطئ على كل حال، نقول: أنت الآن مستحق للأدب؛ لأنك دخلت البيت بدون استئذان، وكونك تطلب مصحفًا أو كتابًا أو ما أشبه ذلك هذا بعيد؛ لأن الذي يطلب هذا ما يأتي للبيوت يأتي للمكاتب، صح ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: كونه يطلب ماء، ممكن ولَّا غير ممكن؟ طالب: غير ممكن.
طالب آخر: ممكن يكون عابر سبيل أو مسافرًا، يمكن.
الشيخ: يمكن، هذا ممكن.
الطالب: أما لو كان مقيمًا في البلد ما يمكن.
الشيخ: ممكن إذا لم يكن هناك برادات في السوق بعد، ولا كان يقول: روح للبرادات، كما أنه يوجد أيضًا في بعض الأحيان..، في بعض البلدان تجد الباب مفتوحًا حتى في الليل الأبواب مفتوحة، فإذا جاء غريب ما يدري؛ دخل هذا المكان يظنه -مثلًا- سبيلًا أو وقفًا للناس يدخلوه.
على كل حال، متى وُجِدَت قرائن تدل على صدقه فإنه يُسْمَح له ويُعْفَى عنه، وإلا فإنه يؤاخذ بجريمته.


[باب قتال أهل البغي] ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب قتال أهل البغي) أهل البغي؛ البغي مصدر: بَغَى يَبْغِي بَغْيًا، والمراد بهم: الخوارج الذين يخرجون على أئمة المسلمين.

يقول المؤلف في تعريفهم: (إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ فهم بغاة) (إذا خرج قوم) القوم هم الرجال، والنساء الإناث، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11]، وهذا إذا قُرِنَ القوم مع النساء، وأما عند الإطلاق فيشمل الرجال والنساء؛ كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 105] وما أشبهها، وقال الشاعر: وَمَا أَدْرِي وَلَسْتُ إِخَالُ أَدْرِي أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءُ

(إذا خرج قوم) يعني: جماعة من الرجال؛ لأنهم هم ذوو الشوكة والمنعة.
(لهم شوكة ومنعة) شوكة؛ يعني: قوة، وسميت القوة شوكة؛ لنفوذها، كما تنفذ الشوكة في الجسم.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ ما هما الطائفتان؟ عِير أبي سفيان أو المقاتلون؛ قريش، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7] فالشوكة هي القوة.
(ومنعة) أي: امتناع؛ أي: أنهم قوم كثيرون يمتنعون أن ينالهم الإنسان بسهولة، فهم قوم جيش.
(على الإمام) من هو الإمام؟ هو الذي نصبه المسلمون إمامًا لهم، هذا الإمام؛ يعني: الخليفة أو أمير المؤمنين، هذا الإمام.
وهنا تكلم الفقهاء رحمهم الله على شروط الإمامة.
وبماذا تحصل الإمامة؟ تحصل الإمامة بالنص عليه؛ أي: بأن ينص عليه الإمام الذي قبله، وهذا هو العهد؛ يعني: أن الإمام الذي قبله ينص على أنه الخليفة بعده، وهذا كما حصل من أبي بكر رضي الله عنه لعمر (8). والثاني: اجتماع أهل الحل والعقد عليه، أهل الحل والعقد؛ يعني: وجهاء البلاد وشرفاء البلاد وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين ينصبونه إمامًا.

ومن ذلك الصورة المصغرة التي اختارها عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فإن عمر لم يعهد إلى شخص معين، ولم يجعل الأمر عائمًا بين المسلمين، ولكنه جعل الأمر بين أشخاص ستة تخيرهم رضي الله عنه، وعلل تخيره إياهم بأنهم توفي الرسول عليه الصلاة والسلام وهو عنهم راض (9)، فجعل الأمر بينهم -بين هؤلاء الستة- وهذا نوع من اختيار أهل الحل والعقد، ونوع من العهد بالخلافة إلى معين؛ لأن الخلفية الآن لا يخرج عن هذه الدائرة الضيقة، وهم ستة فقط؛ يعني: لو أن هؤلاء الستة اختاروا رجلًا غير عثمان -مثلًا- فإنه لا يصح اختيارهم؛ لأنه خلاف ما عهد به الخليفة السابق.
وتحصل الإمامة أيضًا بالقهر؛ بأن يخرج إمام على شخص فيقهر؛ يغلب ويقهر الناس، ويستولي ويأخذ السلطة، فهذا تحصل به أيضًا الإمامة؛ يعني بمعنى أنه يكون إمامًا للناس ومرجعًا يرجعون إليه.
أما شروط الإمام فقد ذكرها أهل الفقه في كتب الفقهاء، واختلفوا أيضًا فيها، لم يتفقوا على جميعها، بل اختلفوا فيها.
لكن إذا كان الإمام منتصبًا بأحد العوامل الثلاثة السابقة؛ النص والإجماع والقهر، فخرج عليه قوم لهم شوكة ومنعة، الشرط الرابع (بتأويل سائغ) يعني: خرجوا على الإمام بتأويل، ما خرجوا هكذا بس، قالوا: ما نبغي حكمك، وأخِّر عن الحكم، قالوا: خرجنا عليك؛ لأنك فعلت كذا، وفعلت كذا، ونرى أن هذا يسوغ لنا الخروج عليك، فخرجوا على الإمام.
يقول المؤلف -جواب الشرط-: (فهم بغاة) أي: جائرون ظلمة، وهؤلاء هم اللي معروفون بالخوارج الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ.
كم الشروط؟ إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة، ثالثًا: على الإمام، والرابع: بتأويل سائغ.
فإن خرج رجل واحد؛ خرج رجل واحد حمل سيفه وراح يركض لمكان الإمام، وقال: يلَّا تنازل عن الخلافة، وإلا قتلتك، وأيش يصير؛ باغٍ ولَّا لا؟ طلبة: لا.

الشيخ: إذا اختل شرطٌ واحدٌ، قال العلماء: فهم قطاع طريق، إذا اختل شرط واحد من هذه الشروط فهم قطاع طريق، إذن هذا الرجل نعتبره أيش؟ قاطع طريق، ونعامله معاملة قاطع الطريق.
خرج قوم ليس لهم شوكة ولا منعة؛ خرج قوم على الإمام ومعهم عصا من جريد قديم يريدون أن يزيلوا الإمام عن إمامته، جينالهم وين يا جماعة؟ جماعة كثيرة؛ ألفين، ثلاثة آلاف، عشرة آلاف، كلهم ما معهم إلا جريد قديم، لو يمسكه الواحد بيده انكسر، وين رايحين؟ قالوا: خارجين على الإمام، نريد أن نزيل هذا الإمام، وأيش يكونوا؟ طالب: قطاع طريق.
الشيخ: ليش؟ الطالب: ليس لهم شوكة ولا منعة.
الشيخ: لأنه ليس لهم شوكة ولا منعة، وهل الشوكة والمنعة نسبة إضافية؛ بمعنى أن هذه الشوكة والمنعة قد تكون شوكة ومنعة في زمان ولا تكون شوكة ومنعة في زمان آخر؟ فالسيوف والخناجر والرماح في زمان من الأزمان تعتبر شوكة ولَّا لا؟ لكن في زماننا هذا لا تعتبر شوكة فيما يظهر، اللهم إلا في بعض الحالات، أما في الأعمِّ الأغلب فليست بشوكة، كل هؤلاء لا يبلغون عشرين ألفًا أو أكثر تكفيهم طائرة واحدة تبيدهم عن آخرهم، فهنا يمكن أن نقول: إن الشوكة والمنعة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال.
(على الإمام) لو خرجوا على أمير في قرية، ما هو على الإمام، قالوا: الإمام، ونِعمَ وهو إمامنا، وفي أعناقنا بيعة له، لكن هذا الأمير ما نبغيه، وخرجوا على الأمير؛ أمير قرية مثلًا، هل هم بغاة ولَّا لا؟ طالب: ليسوا بغاة.
الشيخ: هؤلاء ليسوا بغاة؛ لأنهم ما نزعوا يدًا عن طاعة، لكنهم لا يريدون هذا الرجل المعين، والمؤلف يقول: (على الإمام).
(بتأويل سائغ) إذا خرجوا بغير تأويل أو بتأويل غير سائغ، بغير تأويل قلنا: ليش تخرجون؟ قالوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه؟ ! وأيش اللي يخليه ملكًا علينا وهو خضيري وإحنا قابليه؟ ! ما يمكن، هذا تأويل ولَّا لا؟ طلبة: تأويل غير سائغ.

الشيخ: هذا تأويل غير سائغ؛ لأن هذا لا يمنع أن يكون إمامًا.
أو خرجوا بغير تأويل؛ قالوا: بس ما نبغيه، والله نفوسنا ما تقبل هذا الإمام أبدًا، وأيش علتكم؟ قالوا: بس هذا أمر ما نقدر نقول: تعبدي، لكن ما نبغيه، وأيش نقول؟ طلبة: قطاع طريق.
الشيخ: قطاع طريق.
فإذن الشروط صارت خمسة ولَّا أربعة؟ لأن كلمة (بتأويل) هذا واحد، (وسائغ) اثنين، تكون خمسة؛ (قوم لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ)، خمسة شروط.
قال الفقهاء رحمهم الله: فإن اختل واحد من الشروط فهم قطاع طريق وليسوا بغاة، وتختلف معاملتنا للبغاة عن معاملتنا لقطاع الطريق؛ يعني: قطاع الطريق نأخذهم ونجري عليهم الحد السابق، والبغاة لا، يجب على الإمام أن يراسلهم؛ ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وعليه أن يراسلهم) ما يقاتلهم (... ). قتل؛ أريقت دماء كثيرة، لو قاتلوا الناس لأريقت دماء كثيرة، وحينئذٍ يسألهم يراسلهم؛ يرسل لهم إنسانًا يكون موثوقًا ويكون مرضيًّا بين الجميع أيضًا، ما يرسلهم إنسان يبغضونه، لو أرسل لهم رسولًا يبغضونه قتلوه ولا رجع إليه، لكن يرسل لهم إنسانًا مقبولًا لدى الجميع، فيتفاهم معهم؛ ماذا تنقمون؟ إن ذكروا مظلمة وجب عليه إزالتها، إذا قالوا: نحن ننقم من هذا الإمام كذا وكذا من المظالم فإنه يجب عليه أن يزيل المظلمة ويرد المظالم إلى أهلها، ويمنع الظلم المستقبل، وهذا وإن كان واجبًا عليه من الأصل؛ لأن الظلم محرم، لكن إذا كان بعد طلب هؤلاء ازداد وجوبًا؛ لحقن دماء المسلمين؛ لأنه لو أصرَّ على أن يبقى على مظلمته لحاربه هؤلاء وحصل الشر، فيقال: إنه يجب عليك إزالة المظلمة.
ما ذكروا مظلمة لكن ذكروا مشكلة، إذا ذكروا أيضًا مشكلة أو شبهة وجب عليه أن يبيِّنها لهم، قالوا: واللهِ أنت فعلت كذا وكذا، وهذا أمر مشتبه علينا.

مثل: لو عاهد المشركين معاهدة سلمية، وقالوا: إحنا ما نقبل هذا، الجهاد قائم إلى يوم القيامة، هذه شبهة يجب عليه أن يبيِّنها ويكشفها، ويقول لهم: أنا -مثلًا- عاهدت هذه المعاهدة للضرورة؛ لأني رأيت أنه لا قِبَل لي بمقاتلة هذا العدو، ولا أتمكن، فرأيت المعاهدة خيرًا من عدمها، وأنا في وقت الاستعداد؛ أنا أستعد للقتال، أنا لن أدع قتال العدو، ولن أبطل الجهاد بهذه المعاهدة، لكني رأيت أن المعاهدة حينئذٍ فيها مصلحة ودفع مفسدة، وأنا أضمن لكم أن أقيم الجهاد، وأرفع علمه متى حانت الفرصة، حينئذٍ يكون كشف لهم الشبهة وبيَّنها.
كذلك -مثلًا- لو جعل ضريبة على أموال من أموال الناس، وقالوا: ليش تجعل الضريبة هذه؟ إحنا ما نقبل، هذا ظلم ومكس، وقال: أنا جعلت ضريبة من أجل أن أخفف من استيراد هذا الأمر الذي فيه ضرر على الناس، وهذه الضريبة التي أجعلها سأصرفها في مصالح المسلمين، فأنا أدفع بهذه الضريبة الضرر المتوقع من كثرة هذا الشيء بين أيدي الناس، وأصرف ما أحصِّل منها إلى مصالح أخرى من مصالح المسلمين.
المهم أنهم إذا ذكروا شبهة وجب عليه أن يكشفها.
لو قال مثلًا: ارجعوا وراءكم، أنا الإمام ولا لأحد عليَّ اعتراض، لا أسأل عما أفعل وأنتم تسألون، أيش نقول؟ طالب: يُقَاتَل.
الشيخ: نقول: هذا لا يجوز، حرام عليه أن يقول هذا القول.


(... ) رحمه الله تعالى: (وعليه أن يراسلهم فيسألهم: ما ينقمون منه؟ ) (ما) هنا استفهامية معلقة لـ (يسألون) عن العمل، فالجملة في محل نصب مفعول ثانٍ لـ (يسألهم).
(يسألهم: ماذا ينقمون؟ ) (ينقمون) بمعنى: ينكرون، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: 8] أي: ما أنكروا منهم إلا ذلك، فمعنى (ينقمون): ما الذي ينكرون عليه؟

(فإن ذكروا مظلمة أزالها) لأن خروجهم من أجل إزالة المظالم خروج بتأويل سائغ، صحيح أن الإنسان لا يجوز له أن يظلم الناس، وإن كان له السلطة العليا عليهم فلا يحل له أن يظلمهم.
وظاهر كلام المؤلف إن ذكروا مظلمة أنه لا فرق بين أن تكون المظلمة عامة أو خاصة.
مثال العامة: أن يضع ضرائب على الناس في تجارتهم، أو أن يلزمهم بهدم بيوتهم وبنائها على الشكل الذي يريد، أو يلزمهم بإخراج شيء من بيوتهم إلى الشوارع بغير عوض، وما أشبه ذلك من المظالم التي تكون عامة، نظامًا عامًّا لجميع الرعية.
أو مظلمة خاصة؛ بأن يظلم شخصًا معينًا في ماله أو في نفسه.
فإذا ذكروا مظلمة أزالها وجوبًا ولَّا لا؟ أزالها وجوبًا.
لماذا؟ لأن إزالة الظلم واجب، سواء طولب به من جهة الشعب، أم لم يطالب به، فإن الله عز وجل يقول: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا» (10)، هكذا جاء الحديث القدسي الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلَّم عن ربه.
(وإن ادعوا شبهة كشفها) شبهة؛ يعني: في حكم أو في حال؛ في حكم بأن قالوا: إنك منعت من كذا وقلت: إنه حرام، ونحن لم يتبين لنا تحريمه، أو قالوا: إنك قلت: هذا واجب وألزمت الناس به، ونحن لم يتبين لنا وجه إيجابه، فعليه أن يزيل هذه الشبهة ويبين لهم، أو أمرت بقتال هذه الفئة، ونحن لم يتبين لنا جواز قتالها، فعليه أن يبين لهم هذه الشبهة.
فإن قال قائل: كيف يلزمه أن يبين الشبهة وهو ولي الأمر وليس لأحد أن يحاسبه؟ فالجواب: أنه يلزمه أن يبيِّن ذلك درءًا للمفسدة، وليكون له عذر إذا قاتلهم، حتى لا يقول قائل: إنه قاتلهم قتالًا أعمى؛ لأنه إذا بيَّن الحق وأزال الشبهة ثم أصروا على القتال فله العذر في مقاتلتهم.
إذا أزال المظلمة وكشف الشبهة واستقام على ما ينبغي أن يكون عليه ولكنهم أصروا إلا أن يقاتلوا؟

قال المؤلف: (فإن فاؤوا، وإلا قاتلهم) وجوبًا، ما هو استحبابًا ولا إباحةً، إذا فاؤوا ورجعوا وأغمدوا سيوفهم وذهبوا إلى بيوتهم فذلك هو المطلوب، وهو الذي به الأمن والاستقرار، وإن أبوا قاتلهم وجوبًا ولَّا جوازًا؟ الطلبة: وجوبًا.
الشيخ: قاتلهم وجوبًا؛ لدفع شرهم؛ ولهذا قال المؤلف: (قاتلهم).
نقول: قَاتَلَهم ولَّا نقول: قَتَلَهُم؟ طلبة: قاتلهم.
الشيخ: ما الفرق؟ طالب: قاتلهم يعني (... ). الشيخ: الفرق أن القتال إذا كفَّ المقاتل وجب الكف عنه، ولا يجوز اتباعه ولا الإثخان على جريحه، ولا سبي ماله؛ لأنه يجوز قتاله فقط، ولا يجوز قتله، فإذا أدبروا وانهزموا فإننا لا نتبعهم، ولا نجهز على جريحهم، ولا نسبيهم، بل نكف عنهم، فهناك فرق بين القتال والقتل، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله؛ ولهذا يُقَاتل الناس إذا تركوا الأذان مثلًا، ولكن هل يجوز قتلهم؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، يعني لو أن ناسًا تركوا الأذان؛ قرية فيها مئة وخمسون نفرًا تركوا الأذان، والإمام باستطاعته أن يبيدهم في ربع ساعة جميعًا، فإنه لا يجوز أن يقتلهم، لكن يقاتلهم بمعنى: يلزمهم وإن أدَّى إلى المقاتلة بالأذان.

ومن هنا يظهر السر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]، ما قال: فقاتلوهم قال: ﴿إِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ وهذا يحتمل معنيين: أحدهما: إن قاتلوكم فسيجعل الله لكم التمكين حتى تقتلوهم، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33]، فإن هذا فيه إشارة إلى أن من قتل مظلومًا فسوف يظهر الله قاتله ويقتل؛ ولهذا قال: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، يكون المعنى: إن قاتلوكم فستكون الدولة لكم عليهم فاقتلوهم، أو أن المعنى -احتمال الآخر-: إن قاتلوكم فاقتلوهم وإن وضعوا السلاح؛ لأنهم بانتهاكهم حرمة المسجد الحرام كانوا مستحقين للقتل.
فالمهم أن هناك فرقًا بين القتال وبين القتل، فهؤلاء البغاة إذا لم يرجعوا فإن الإمام يجب عليه أن يقاتلهم.
وهل يجب على رعيته أن يعينوه على قتالهم؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يجب عليهم.
فإن قالت الرعية: نحن لا نقاتل قومًا مسلمين، كيف نقاتلهم؟ كيف نحمل السلاح عليهم؟ قلنا: لأنهم بغاة، فقتالهم من باب الإصلاح، وإذا لم يمكن الإصلاح إلا بقتالهم وجب، فيجب على الرعية طاعة الإمام إذا أمر بالخروج معه لقتال هؤلاء.
بقي أن يقال هنا حال ثالثة؛ لأن المؤلف ذكر حالين؛ حال يكف هؤلاء عن القتال إذا بُيِّن لهم الأمر، وفي هذه الحال ماذا نصنع؟ طالب: نكف عنهم.
الشيخ: نكف عنهم، ما داموا قد كفوا فنكف عنهم.
الحال الثانية: ألَّا يرجعوا، بل يستمروا في الخروج، فحينئذٍ يجب على الإمام أن يقاتلهم، ويجب على الرعية أن يساعدوا الإمام.

الحال الثالثة: إذا لم يكشف الشبهة ولم يزل المظلمة، قالوا: نريد أن تزيل المظلمة الفلانية، قال: لا، لا أزيلها، أو نريد أن تكشف لنا وجه ما فعلت، ووجه حكمه من الكتاب والسنة، قال: لا، في هذه الحال؛ إن فاؤوا فالأمر واضح وانتهى الإشكال، لكن إن أبوا، قالوا: ما دمت لم تُزل المظلمة ولم تكشف الشبهة لنا فإننا سنقاتلك، فالإمام يجب عليه قتالهم ولَّا ما يجب؟ طلبة: ما يجب.
الشيخ: ما يجب؟ طلبة: ما يصح.
طلبة آخرون: يحرم عليه.
الشيخ: وإذا قاتلهم هل يجب على الرعية أن يعينوه؟ طلبة: ما يجب.
الشيخ: نشوف، نقول: هؤلاء إذا أصرَّ الإمام على ظلمه وعلى تعمية الأمر ولم يبين لهم الوجه، فهل لهم قتاله أم لا؟ لا، لا ليس لهم قتاله، لا تكونوا الخوارج، ليس لهم قتاله؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الأمير: «اسْمَعْ وَأَطِعْ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ» (11)، ونهى أن ينزع الإنسان يدًا من طاعة، إلا أن يرى كفرًا بواحًا عنده فيه من الله برهان (12). فلهذا نقول: إن هؤلاء إذا خرجوا وطلبوا من الإمام إزالة المظالم أو كشف الشبهات، ولكنه أصرَّ، فنقول: لا شك أنه آثم بذلك؛ أما في الأول -وهو عدم رفع المظلمة- فهذا ظاهر.
وأما في الثاني فلأنه يجب عليه أن يبين الأمر درءًا للمفسدة، فإن لم يفعل فهو آثم بلا شك، لكن هؤلاء لا يجوز لهم الخروج عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك.
ومن أجل أنه لا يجوز الخروج لهم عليه، فهل نقول: إنه يجوز -الآن أنا بأعيد عليكم السؤال- هل يجوز أن نقول: إنه يجوز له قتالهم درءًا للمفسدة ولَّا لا؟ لأن السبب الذي قاموا من أجله لا يحل لهم القتال من أجله، إذن فهم معتدون، ودفع اعتداء المعتدي واجب، فأنا أتوقف في هذا؛ هل يجب عليه أن يقاتلهم ويجب على رعيته أن يعينوه أم لا؟ فتحتاج المسألة إلى مراجعة.
أما كلام المؤلف فظاهر أنه إنما يقاتلهم إذا بيَّن لهم الشبهة وأزال المظلمة.

هؤلاء الذين قُوتِلُوا إذا انهزموا يجوز لنا أن نتبعهم؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذا وُجِدَ منهم جريح يجوز أن نجهز عليه ونقتله؟ لا.
إذا وُجِدَ لهم مال أو ذرية فإنه لا يجوز أن نغنم أموالهم، ولا أن نسبي ذراريهم.
في باب التوارث؛ هل يقع التوارث بين هؤلاء وأقاربهم الذين مع الإمام؟ طلبة: (... ). الشيخ: كلهم مسلمون، القاتل لا يرث إذا قتل قريبه، ما هو من موانع الإرث القتل؟ طالب: ليس لهذا الغرض، ليس للإرث.
الشيخ: يقول العلماء: إن القتال الواقع بين هؤلاء غير مقصود في الحقيقة؛ ولذلك لا يمنع التوارث، وقد مر علينا في كتاب الفرائض أنه إذا قتل العادلُ الباغي أو الباغي العادلَ فإنهم يتوارثون.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إن كان القاتلُ العادلَ ورث من الباغي، وإن كان القاتلُ الباغيَّ لم يرث من العادلِ؛ لأن قتال العادل بحق وقتال الباغي بغير حق.
وسبق لنا أن هذا قول قوي جدًّا، وأما المذهب فكل منهما يرث الآخر؛ لأن هذا قتال بتأويل.


ثم قال المؤلف: (وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان) (اقتتلت طائفتان) منين؟ من المؤمنين.
(إن اقتتلت طائفتان من المؤمنين لعصبية أو رئاسة) الفرق بينهما؛ العصبية يكون سببها التفاخر، لا يريد أحدٌ أن يعلو على أحدٍ، لكن تشاجروا فيما بينهم، فقالت كل طائفة للأخرى: أنت القبيلة الفلانية فيك كذا وكذا، وفيك كذا وكذا، فحمي الأمر بين الطائفتين فاقتتلتا، هذا لماذا؟ لعصبية، يكون بين القبائل شتائم، سبٌّ، كما في الجاهلية وفيما بعدها أيضًا، عند السب والشتم وكل واحدٍ يقدح في الآخر يحمي الأمر بينهم ثم يتقاتلون، نقول: هذا قتال لأي شيء؟ طالب: لعصبية.
الشيخ: لعصبية.
(أو رئاسة) كل طائفة تريد أن تكون لها الرئاسة على الأخرى؛ يعني: يريدون أن يكتسحوهم ويضموهم إليهم، هذا نقول: لرئاسة.
(فهما ظالمتان) كل واحدة منهما ظالمة، ولكن هل تكفران؟ طلبة: لا.

الشيخ: لا؛ لأن قتال المؤمن ليس كفرًا مخرجًا عن الملة، وقتله أيضًا ليس كفرًا مخرجًا عن الملة، فماذا نعمل؟ يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 9، 10]. (فهما ظالمتان) يعني: كل واحدة ليست من ذوي العدل، بل كل واحدة ظالمة.
(وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى) بخلاف ما سبق؛ قتال بين البغاة والإمام ما فيه ضمان، لكن هذا فيه ضمان، تضمن كل واحدة ما أتلفتها للأخرى، فإن تساوت المتلفات تساقطوا، وإن زاد أحدهما فإنه يضمن له ما زاد.
مثال ذلك: اقتتلت طائفتان لعصبية، هذه تلفت عليها سيارات ومواشٍ وبيوت خيام، والأخرى كذلك، لما انتهى القتال وقوَّمنا ما تلف وجدنا أن هذه أتلفت على الأخرى ما قيمته مئة ألف، والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته مئة ألف، ماذا نصنع؟ طلبة: يتساقطان.
الشيخ: يتساقطان، إذن كل واحدة ليس لها شيء على الأخرى، وجدنا أن إحدى الطائفتين أتلفت على الأخرى ما قيمته مئة ألف، والثانية أتلفت على الأخرى ما قيمته خمس مئة ألف؟ طلبة: (... ). الشيخ: كيف؟ طلبة: (... ). الشيخ: خمس مئة ألف، وذيك مئة ألف، تضمن أربع مئة ألف، أيهم تضمن؟ الطلبة: الظالمة.
الشيخ: الناقصة تضمن؛ يعني: التي أتلفت مئة ألف تضمن أربع مئة ألف للتي تلف عليها خمس مئة ألف، واضح.

هنا إشكال: معلوم أن هذه الطائفة لم يتلف كل واحد منها هذا الشيء المعين؛ يعني: يكون هذا قد يتلف هذا الرجل عشرين سيارة وهو رجل واحد، ولَّا لا؟ وقد يكون بعضهم ما أتلف شيئًا أبدًا، وقد يكون بعضهم أتلف دون ذلك، فكيف يكون الضمان على الجميع؟ نقول: لأن من لم يُتلِف فهو مُعِينٌ وموافقٌ لمن أتلف، فأوجب العلماء الضمان هنا على مجموع الطائفتين وإن لم يُعْلَم عَيْنُ المتلف؛ لأن بعضهم أولياء بعض، وأنتم ترون خطاب الله عز وجل يخاطب الله بني إسرائيل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام فيما فعلت بنو إسرائيل في عهد من؟ في عهد موسى؛ لأن القبيلة أو الطائفة من الناس إذا فعل أحدٌ منهم فعلًا ووافقه الآخرون على ذلك ولم ينكروه صح أن يُنْسَب إلى الجميع، ففي هذه الحال يكون الضمان على كل الطائفة، وإن كان بعض أفرادها قد يكون أتلف شيئًا كثيرًا وبعض الأفراد لم يتلف شيئًا.
وكيف تُوَزَّع هذه القيمة؟ تُوَزَّع بعدد الأفراد، فمثلًا إذا قدَّرنا أن الخُسران مئة ألف، وأن عدد القبيلة ألف، كم على كل واحد؟ طالب: عشرة.
الشيخ: عشرة ريالات.
الطالب: مئة ريال.
الشيخ: قدَّرنا أن الخسائر مئة ألف وأن القبيلة ألف، على كل واحد مئة ريال بالسوية، فإذا جاء واحد قال: أن -واللهِ- ما قتلت ولا أتلفت شيئًا، قلنا: لكنك شريك ومُعِينٌ لمن أتلف، وكل واحد منكم يُقَوِّي الآخر ويسنده؛ فلهذا وجب الضمان على الجميع.
طالب: طيب، الشيخ والمرأة والصغير؟ الشيخ: كل من ساعد من أهل القتال، أما من ليس من أهل القتال فلا.


[باب حكم المرتد] ثم قال المؤلف: (باب حكم المرتد) المرتد عن الشيء معناه الراجع، هذا في اللغة العربية.

وفي الاصطلاح قال المؤلف فيه: (وهو الذي يكفر بعد إسلامه) هذا المرتد؛ كل من كفر بعد إسلامه فإنه مرتد، لكن اعلم أن الكفر الوراد في الكتاب والسنة ينقسم إلى قسمين: كفر مخرج عن الملة؛ وهو الكفر الأكبر، وكفر لا يخرج عن الملة؛ وهو الكفر الأصغر، الذي سماه ابن عباس رضي الله عنهما كفرًا دون كفر (13)؛ يعني: ليس هو الكفر الأكبر، والمراد هنا في هذا الباب الكفر الأكبر، لا الكفر الأصغر.
فهنا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» (14) من أي القسمين؟ طالب: الأصغر.
الشيخ: الأصغر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 10] مع أنهما طائفتان مقتتلتان، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (15) المراد الكفر الأكبر، كما تدل عليه نصوص أُخر، فكل من كفر بعد إسلامه فإنه مرتد.
لو أسلم من أجل الراتب، ولما نقص الراتب كفر، مرتد ولَّا غير مرتد؟ طلبة: مرتد.
الشيخ: فيه ناس يقولون لي من الأجانب: إنهم يسلمون من أجل أن يبقوا في البلاد، فإذا رجعوا إلى أهليهم ارتدوا، نقول: يعتبر ارتدادهم ردة عن الإسلام؛ لأننا نؤاخذهم بماذا؟ بظاهر حالهم، والسرائر لا يعلمها إلا الله عز وجل، ليس لنا فيها دخل، ما دام هذا الرجل أسلم وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فإنه يكون مسلمًا، وإذا عاد إلى ملته الأولى اعتبرناه مرتدًا.
طالب: (... )؟ الشيخ: واللهِ بعض العلماء كفَّرهم وقال: إنهم كفار؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال فيهم: «إِنَّ إِيمَانَهُمْ لَا يَتَجَاوَزُ حَنَاجِرَهُمْ، وَإِنَّهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (16).

وبعضهم قال: لا يكفرون؛ لأنهم متأولون، وقد سُئِلَ عنهم علي بن أبي طالب فقال: من الكفر فروا (17)، وأنا إلى الآن ما تحررت عندي المسألة، وكان من نيتي أن أراجعها بعد العصر اليوم لكن شغلت عنها.
طالب: هل كل باغٍ خارجي؟ الشيخ: إي نعم؛ ولهذا أهل البغي يسميهم العلماءُ الخوارجَ.
الطالب: حتى لو (... )؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: ما الدليل على الطائفتان (... )؟ الشيخ: إي نعم، قوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: 9]، فإن قوله: ﴿بِالْعَدْلِ﴾ معناه أنه يجب علينا أن ننظر ما يقتضيه الحكم الشرعي في هذا؛ ولهذا كُرِّرَت: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: 9].
طالب: (... ). فمَن أَشْرَكَ باللهِ، أو جَحَدَ رُبوبيَّتَه، أو وحدانيَّتَه أو سبَّ اللهَ أو رسولَه فقد كَفَرَ، ومَن جَحَدَ تحريمَ الزِّنَا أو شيئًا من الْمُحرَّماتِ الظاهرةِ ذكر المؤلف رحمه الله ما تحصل به الردة؛ أولًا: قال: (فمن أشرك بالله)، وليُعلم أن الرِّدَّة تكون بالاعتقاد وبالقول، وبالفعل وبالترْك؛ هذه أربعة أنواع للردة؛ بالاعتقاد كأن يعتقد ما يقتضي الكفر وظاهره الإسلام، مثل حال المنافقين، وتكون بالقول: كالاستهزاء بالله عز وجل، والقدح فيه، أو في دينه، أو ما أشبه ذلك، وتكون بالفعل كالسجود للصنم، وتكون بالترك كترك الصلاة مثلًا، وكترك الحكم بغير ما أنزل الله رغبة عنه.
كراهة ما أنزل الله من أي الأنواع؟ طالب: قيل: بأنها كُفْر أكبر.
الشيخ: إي، كُفْر أكبر، لكن من أي الأنواع الأربعة؟ طلبة: الاعتقاد.
الشيخ: هي داخلة في عمل القلب؛ لأن الكراهة عمل القلب؛ فهي عمل.
طالب: والشك يا شيخ ما يدخل؟ الشيخ: هذا اعتقاد؛ لأن الشك هذا ينافي الواجب من اعتقاد اليقين.

قال المؤلف رحمه الله: (فمن أشرك بالله) من أشرك بالله؟ الجواب: كفر، (من) هذه اسم شرط جازم، وفعل الشرط: (أشرك) وما عُطف عليه، والجواب كفر.
قوله: (من أشرك بالله) ظاهره الإطلاق، وأن كل شرك فهو كفر، ولكنه ليس على إطلاقه؛ لأن من الشرك ما هو أصغر، ومن الشرك ما هو أكبر، وهذا الباب إنما يكون في الشرك الأكبر؛ لأنه في باب الردة.
فالشرك الأصغر كالحلف بغير الله مُعتقدًا أن تعظيم هذا المحلوف به دون تعظيم الله، لكنه حلف به تعظيمًا له، ويسير الرياء وما أشبه ذلك مما هو معروف، هذا لا يدخل في الكفر، إلا أن يقال: إنه كُفر دون كفر، لكن على كل حال فإنه لا يدخل في كلام المؤلف هنا؛ لأن كلام المؤلف هنا يُراد به أيش؟ طلبة: الشرك الأكبر.
الشيخ: الشرك الذي يكون ردة، وهذا لا يكون إلا بالأكبر، أشرك بالله سواء كان باعتقاد، أو قول، أو فعل.
باعتقاد؛ بأن يعتقد بأن لله تعالى شريكًا في الخلق، أو في التدبير، أو في الملك، أو في العبادة، أو ما أشبه ذلك، هذا إذا اعتقد هذا، وإن لم يفعل فهو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة.
بالفعل، مثل أن يسجد للصنم، ما تكلم بشيء، لكن يسجد للأصنام أقول: هذا شرك بماذا؟ بالفعل.
بالقول مثل أن يدعو غير الله نتكلم في الشرك الآن؛ أن يدعو غير الله، أو يستغيث به، أو يقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك، وما أشبه ذلك، هذا المشرك بالقول.

فالإشراك سواء كان بالقلب أو بالقول أو بالفعل يعتبر رِدَّة عن الإسلام، ومن الإشراك بالله أن يُشرك مع الله غيره في الحكم بأن يعتقد أن لغير الله أن يُشرِّع للناس قوانين يُحِلِّونها محل شريعة الله؛ فهذا أيضًا مشرِك بالله لقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: 31]، وكانوا يحلون ما حرم الله فيحلونه، ويحرمون ما أحل الله فيحرمونه، هذا المشرك بالله، أما من سنَّ هذه القوانين فقد جعل نفسه في مقام الألوهية، أو في مقام الربوبية، يعني جعل نفسه ربًّا مُشرِّعًا، ومن أطاعه في ذلك ووافقه عليه فهو مشرك؛ لأنه جعله بمنزلة الرب في التشريع والتقرير هذا الأول.
(أو جحد رُبوبيته) الْجَحْد غير الشِّرْك؛ لأن الشِّرْك فيه إثبات لشيئين، لكن هذا جَحْد، قال: إن الله تعالى ليس برب، وليس للناس رب، نسأل الله العافية، هذا جحْد، مثل مَنْ؟ طالب: الشيوعيين.
الشيخ: كالشيوعيين، والدهريين، وطائفة من العلمانيين، ومن أشبههم، فهؤلاء يجحدون الرب، ويقولون كما قال سلفهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24] نسأل الله العافية، قد سلخ الله قلوبهم عن اليقين وعن مشاهدة الآيات: ﴿وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 101]، ﴿وَكَأَيِّن مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: 105]، وإلا كيف يمكن لعاقل أن يجحد ربوبية الله عز وجل؟ !

الجاحد لله جاحد لنفسه قبل أن يجحد الله، ليش؟ لأنا نقول له: من خلقك؟ خلقك أبوك؟ هل أبوك هو الذي خلق هذا الماء الدافق الذي يتكون منه الجنين؟ هل أمك خلقت هذه البويضات التي تحل فيها هذه الحيوانات فتكون بشرًا؟ إما أن يقول: لا، وإما أن يقول: نعم، إن قال: نعم، فنقول: في أي معمل صنعها أبوك أو أمك، بَيِّن لنا؟ فسينقطع، إذا قال: لم يخلقها أبي ولا أمي، ومن خلقها؟ خلقها رئيسك؟ نعم، قطعًا سيقول: لا، مَنْ خلقها؟ النتيجة: سيقول: الله غصبًا عليه، إلا أن يكابر، فإذا كابر فالمكابر ما فيه فائدة في الكلام معه، هذا فرعون يعلم أن الذي أنزل التوراة على موسى هو الله، ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: ويخاطبه موسى بهذا الخطاب: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: 102]، ولم يقل: ما علمت، بل سكت، لكن مع ذلك يقول لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]، ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأَُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، يقول ذلك أيش؟ عن يقين واعتقاد ولَّا عن مكابرة؟ الطلبة: عن مُكابرة.
الشيخ: عن مكابرة، فالمكابر ما فيه فائدة، وإلا فكيف يمكن لأي عاقل يتدبر أدنى تدبر ينكر ربوبية الله عز وجل؟ ! هذا الكون العظيم بسمائه وأرضه ونجومه، وشمسه وقمره، وبحاره وأنهاره، وأشجاره وجباله، ووهاده أحد لا يخلقه؟ ! لو اجتمع الخلق كلهم على أن يخلقوا مثل أصغر نجمة وكوكب في السماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، لو جاءت جميع معدات الخلق لتبعث هذا الريح؛ الهواء الذي يعم المنطقة، ويأتي بهذه الريح العاصفة التي تقلع الأشجار، وتهدم الخيام، يستطيعون ولَّا لا؟ طلبة: ما يستطيعون.

الشيخ: ما يستطيعون، مَنْ اللي جاء بها إلا الله سبحانه وتعالى؟ ! ولكني أقول لكم: المكابر المعاند لا فائدة من مجادلته؛ لأنه سيقول: لا أُسَلِّم وبينصرف ما فيه فائدة، فالذي يجحد ربوبية الله لا شك أنه كافر، وهو أعظم من الذي يُشرك مع الله؛ لأن المشرِك أثبت بعض الحق، ولكن هذا أنكر كل الحق، فمن جحد ربوبية الله فلا شك في كفره.
وكذلك من جَحَدَ وحدانيته، ولعل المؤلف يريد بالواحدنية هنا وحدانية الألوهية؛ لأنه لو أراد بالوحدانية الشرك؛ يعني لو أراد بجحد الواحدنية الشرك لكان تكرارًا مع قوله: (فمن أشرك بالله)، لكن لما ذكر الربوبية، ثم الوحدانية، ثم الصفات، فالظاهر أنه يريد بالوحدانية هنا وحدانية الألوهية، يعني من أنكر أن الإله هو الله وحده فقد كفر، مثل أن يعتقد، أو يقول، أو يفعل ما يدل على أنه يرى أن هناك معبودًا سوى الله معبودًا يستحق أن يُعبد سوى الله عز وجل، مثل مَنْ؟ مثل الذين يعبدون اللات والعزى ومناة، يعبدونها، يتقربون إليها بالذبح والركوع والسجود، أما الدعاء فالدعاء من العبادة، وله تعلُّق بالربوبية.
إذا قال: إن هناك شيئًا من المخلوقات يستحق أن يُتأله له ويُعبد فهو كافر ومرتد.
(أو جحد صفة من صفاته) إذا جحد صفة من صفاته فظاهر كلام المؤلف -رحمه الله- أنه يكفر مطلقًا؛ لأنه أطلق صفة من صفاته، لكن تمثيله بالشرْح يدل على أن المراد بالصفات الذاتية التي لا ينفك عنها كالعلم والقُدرة، ومع ذلك ففيه نظر، الجاحد للصفات ويش معناه؟ المنكر لها، والمنكر للصفات يجب أن نقول: إنه ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يجحدها تكذيبًا، والثاني: أن يجحدها تأويلًا؛ إذا جحدها تكذيبًا فهو كافر بكل حال؛ لأنه مُكذِّب لما ثبت لله عز وجل، مُكذِّب، والمكذِّب لشيء من كتاب الله أو سُنَّة رسوله الثابتة عنه هذا كافر، مثال ذلك: أن يقول: ليس لله سمْع، ليس لله وجه، ليس لله يد، لم يستوِ الله على العرش، وما أشبه ذلك، نقول: هذا؟

طلبة: كافر.
الشيخ: كافر لماذا؟ لأنه مكذب، وتكذيب خبر الله ورسوله كفر، هذا القسم الأول، القسم الأول أن يكون جحده تكذيبًا، فهذا كافر على كل حال، لماذا؟ طلبة: لأنه مكذِّب لله.
الشيخ: لأنه مكذب لله ورسوله، وتكذيب الله ورسوله كفر، وسواء كانت الصفة ذاتية أم فعلية لا فرْق، حتى لو كذَّب أن الله ينزل إلى السماء الدنيا قلنا: إنه كافر، إذا قال: إن الله لا ينزل إلى السماء الدنيا قلنا: إنه كافر؛ لأن الرسول يقول: «يَنْزِلُ» (1). وهذا يقول: لا، ما ينزل، معناه كأنه يقول: يا محمد، كذبت.
أما القسم الثاني من الجحد فهو جحد التأويل: أن يجحد صفة من صفاته على سبيل التأويل، ما هو على سبيل التكذيب، يقول: نعم، إن الله استوى على العرش، لكن معنى استوى استولى، إن لله يَدَيْن، لكن المراد بها النعمة، وما أشبه ذلك، فهذا على قسمين: إن كان هذا التأويل له وجه في اللغة العربية فإنه لا يكفر؛ لأن هذا هو الذي أداه إليه اجتهاده فلا نكفِّره، وإن لم يكن له مساغ في اللغة العربية فهو كافر؛ لأن التأويل على هذا الوجه معناه؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا ما هو (... )، معناه التكذيب، نعم، مثال ذلك: لو قلت: أنا مثلًا اشتريت شرح ابن عقيل، فجاء واحد وقال: إن محمدًا اشترى الروض المربع، وقال: أردت بالروض المربع شرح ابن عقيل.
طلبة: كاذب! الشيخ: معناه كذبني، والسبب؟ طالب: أوَّل.
الشيخ: هل يحتمل التأويل هذا؟ طلبة: ما يحتمل.

الشيخ: ما يحتمل التأويل؛ لأنه لا يمكن أن يحول معنى شرح ابن عقيل إلى معنى الروض المربع، فإذا كان لا وجه للتأويل فإنه كافر؛ لأن معنى هذا التأويل الإنكار والتكذيب؛ إذ إنه لا مسوغ له في اللغة العربية، فلا يكون بذلك مُقِرًّا، فصار كلام المؤلف هنا ليس على إطلاقه، نعم، لو أنه أصر بعد أن تبين له أن الحق في خلاف تأويله، ولو كان له مساغ، ولكنه أصر، فهذا قد يُحكم بكُفْره ورِدَّته؛ لأنه أنكر الحقيقة الكلام مع العلم بأن تأويله ليس بصواب، وهذا ربما يُحكم بكفره.
قال: (أو اتخذ لله صاحبة) الصاحبة الزوجة؛ يعني قال: إن الله تعالى له زوجة، والعياذ بالله، فهذا يكفر.
فيه دقيقة قبل أن نخرج عن موضوع جحد صفة من صفات الله، قلت: إذا كان لها مسار في اللغة العربية فإنه لا يكفر إلا إذا تضمَّن هذا التأويل نقصًا في الله عز وجل، إن تضمن نقصًا فإنه يكفر؛ لأن إثباته ما يستلزم النقص، هو سَبٌّ لله عز وجل وعيب له.
طالب: إذا علم يا شيخ.
الشيخ: وسبُّ الله تعالى وعيبه كُفْر، مسألة العلم ستأتينا في كلام المؤلف.
(أو اتخذ لله صاحبة) يعني أيش؟ طلبة: زوجة.
الشيخ: زوجة.
(اتخذ) سواء قالها بلسانه، أو اعتقدها بقلبه فإنه يكون كافرًا؛ الصاحبة ما يحتاج لها إلا من لا يتخذها، إلا من كان محتاجًا إليها لتكمل حياته أو تُبقي نسله، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.

جارٍ التحميل