الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3540-3579

(أو يقصد جرحه بما له نفوذٌ في البدن فيموت به) يقصد جرحه فيما له نفوذ، ومعنى النفوذ: الدخول في البدن فيقتله به، مثل بَطَّه برأس إبرة مثلًا مع أدنى شيء من جسمه، هو إن كان في مقتل فلا شك أنه يموت به غالبًا، ولا لا؟ لو بطه بمقتل كما لو بطه في فؤاده في قلبه بهذا، فلا شك أنه يموت به، فهو عمد، لكن لو بطه بإبرة في مكانٍ لا يموت به عادةً مثل أيش؟ طالب: يده ورجله.
الشيخ: مثل يد أو رجل أو ورك أو ما أشبه ذلك، نعلم أنه ما يموت به (... ) الإنسان بمسمار برجله وتجرحه الزجاج ولا يموت، لكن هو بطه بإبرة بسيطة وطلع دم بسيط، أراد الله سبحانه وتعالى هو مات بهذا الشيء، على المذهب يكون عمدًا فيرون أن الجرح يقوم مقام الآلة القاتلة، ولو كان الجرح بسيطًا لا يقتل غالبًا، ولكن القول الصحيح أننا نأخذ بالقاعدة الأولى؛ وهي أن يقتله بما يغلب على الظن موته به؛ لأن هذا الرجل يقولك: بطيته بمسمار، لو قال: أنا ما قصدت قتله، يُصدَّق ولا ما يُصدق؟ طالب: يصدق.
الشيخ: يصدق؛ لأن حقيقة هذا ما يقتل، لكن لو يضربه مثلًا بحجر مع رأسه، حجر كبير كبر الرأس، وقال: أنا ما قصدت قتله؟ ما يصدق، فالصحيح في هذه المسألة أن ما له نفوذٌ في البدن إن فعل ذلك فيه بموضعٍ يموت منه فهو عمد، وإن فعله في موضعٍ لا يموت به فليس بعمد، يكون شبه عمد من القسم الثاني.

نقف عند هنا ونقول: ما هو العمد؟ العمد أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا فيقتله بما يغلب على الظن موته به، هذا هو العمد، ونضيف إلى ذلك على المذهب: أو يجرحه بما له نفوذٌ في البدن فيموت به.
هذا هو تعريف العمد على المذهب، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: 93] إلى آخره، هل من العمد أن يلقيه في ماءٍ يغرقه ولَّا لا؟ نعم من العمد، لكن بشرط أن يكون غير عارفٍ في السباحة، أما إذا كان عارفًا بها والماء لا يغرقه مثلًا لقصر مساحته، فهذا ليس بعمد، لكن لا يلقيه في البحر لو هو متعلم، في بحر بعيد عن الساحل، وهو وإن كان متعلمًا بالسباحة، فإن ذلك يميته يكون عمدًا.
طيب؛ ألقاه في حضرة الأسد، أمام الأسد؟ طالب: عمد.
الشيخ: عمد، بس مين اللي قاتل؟ اللي قاتل الأسد، لكن الأسد لا قصد له، إلا أنهم اشترطوا في هذه المسألة أن يلقيه مكتوفًا بحضرة الأسد.
طالب: جوعان.
الطلبة: (... ). الشيخ: أنتم تعرفون قصة جحدر بن مالك الذي حبسه الحجاج، وهو كان خارجًا عليه، وحبس أسدًا لمدة سبعة أيام ما يأكل، وقال لجحدر بن مالك: أنا سأغل إحدى يديك، وأعطيك السيف باليد الأخرى، وألقيك بين يدي هذا الأسد، إن نجوت منه نجوت وإن أكلك استرحنا منك، فقال: لا بأس، ما فيه مانع، فغل إحدى يديه وأعطاه السيف باليد الأخرى، وأبقاه في مكان وأرسل عليه الأسد، الأسد أقبل له زئيرٌ عظيم، يبغي يأكل ها الإنسان، لما قفز عليه ليأكله وإذا السيف بيد جحدر فضربه في لبته فخر الأسد صريعًا، هذا مع أنه مكتوف بيدٍ واحدة، فهم يقولون: إن الإنسان يمكن أن يتخلص من الأسد إذا كان يمكن بيد، فيمكن بيدين.
المهم على كل حال العلماء يقولون: ما يصير عمدًا إلا إذا أبقاه مكتوفًا بين يدي الأسد، أما غير مكتوف فيكون شبه عمد.

وبالحقيقة إن هذا كلامهم بالنسبة للرجل الشجاع المتمرن قد نقول: إن هذا شبه عمد؛ لأنه يمكن أن يتخلص بالهرب أو ما أشبه ذلك، لكن بالنسبة للإنسان اللي ما تعود في ظني أنه لو يرى الأسد ما يتحرك أبدًا، فالمسألة هذه تعود إلى حال الرجل.
طيب لو ألقاه في جُحْر حية على بابها وأمسكه حتى لدغته؟ عمد ولا لا؟ طلبة: عمد.
الشيخ: إي نعم، هذا عمد؛ لأنه أمسكه فلا يمكنه أن يتخلص؛ إذن معناه فعل البهائم ملغى بالنسبة لفعل المكلف، يعني: ما نقول: إن عندنا الآن متسبب ومباشر، صح ولَّا لا؟ الإنسان إذا ألقى شخصًا بحضرة الأسد بين يدي الأسد، فهو متسبب والأسد مباشر، لكن مباشرة غير الآدميِّ لا تُعْتَبر شيئًا، إذ إن إحالة الضمان عليه غير ممكنة، فلو قيل مثلًا: الضمان على الأسد، منين نأخذه من الأسد؟ غير ممكن فتكون إحالة الضمان على هذا المتعمد.
إذا ألقاه في نار، هل هو عمد ولا شبه عمد؟ طلبة: عمد.
الشيخ: لا تسرعوا في الجواب، أنتم الآن على رأس القضاء أو على رأس التعليم.
إذا ألقاه في نار نقول: عمد على طول، إي نعم إذا كان يمكنه أن يتخلص فليس بعمد، وإن كان لا يمكنه فهو عمد، لو ألقاه مثلًا في نار كبيرة تتلظى في وسط النار، هذا يعتبر عمدًا؛ لأنه ما يمكن يتخلص، ولو ألقاه على جمر يمكنه أن يقع عليه ويهرب لم يكن عمدًا؛ لأننا نقول لهذا الإنسان المُلْقَى: لماذا لم تهرب؟ قد يكون هذا الإنسان الملقى قد ملَّ من الحياة، يقول: هذه جابها الله، أبغي أقعد على ها الجمر (... )، هذا ما يمكن نقوله، إذن نقول: لا بد أن تكون النار هذه أيش؟ طالب: قاتلة.
الشيخ: قاتلة، لا يمكنه أن يتخلص منها، أما إذا أمكنه (... ).


نقرأ شبه العمد.

شبه العمد (أن يقصده) مَنْ يقصد؟ (من يعلمه آدميًّا معصومًا)، أن يقصده، وكل الكلام معطوف بعضه على بعض، (أن يقصده)، (أن يقصد من يعلمه آدميًّا معصومًا) بأي شيء؟ بما لا يغلب على الظن موته به، ولم يجرحه، هذا شبه العمد، إذن يشترك شبه العمد يشترك مع العمد في أي شيء؟ طالب: في القصد.
الشيخ: في القصد؛ أنه قصد من يعلمه آدميًّا معصومًا، ويختلف عنه في الآلة؛ الآلة في العمد إما جارحة، أو يغلب على الظن موته بها، أما في شِبْه العمد فإن الآلة ليست بجارحة ويش بعد؟ ولا يغلب على الظن مَوتُه بها، واضح يا جماعة؟ إذن هما يشتركان ويفترقان؛ يشتركان في أي شيء؟ طالب: في القصد.
الشيخ: في القصد، ويختلفان في الآلة؛ الآلة في العمد نوعان: إما ما يغلب على الظن موته به؛ كالحجر الكبير والخشبة الكبيرة وما أشبهها، أو أنها جارحة وإن لم يغلب على الظن موته بها، والصواب في هذا النوع من الآلة، الصواب أنه ليس بعمد، وأنه شبه عمد، وأظن هذا المتقرر عندكم؛ لأنه الغرز بالإبرة والمسمار والزجاجة الصغيرة في غير مقتل، الصحيح أنها شبه عمد، والمذهب أنها من العمد؛ ولهذا يجعلون آلة العمد قسمين؛ إما آلة كبيرة يغلب على الظن أن يموت بها وإن لم تجرحه، وإما آلة جارحة ولو صغيرة لا يغلب على الظن أن يموت بها، والصواب في هذا القسم الثاني، ويش الصواب؟ أنها شبه عمد؛ لأن الرجل يقول: ما قصدت القتل، وهذا شيء لا يقتل، والأصل في الجاني العصمة ولَّا الإهدار؟ الجاني الأصل فيه العصمة، ما يمكن نقتله حتى يتبين أن الرجل أراد القتل بوسائل القتل؛ وهي الآلة التي تقتل، لكن قلت لكم: إننا سنمشي على المذهب في المذكرة لكننا نبين الراجح في هذه المسألة.

(شبه العمد أن يقصده)، مَنْ هو؟ الهاء في قوله: (يقصده) تعود إلى من يَعْلَمُه آدميًّا معصومًا بأي شيء؟ بما لا يغلب على الظن موتُه به ولم يجرحه؛ لأنه إن كان يغلب على الظن موته به، صار عمدًا، أو جرحه صار عمدًا على المذهب، وعلى القول الصحيح لا، إذن على القول الراجح نحذف (ولم يجرحه) ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نحذفه فنقول مثلًا: بما لا يغلب على الظن موته به مطلقًا سواء جرح أم لم يجرح، هذا هو القول الصحيح في هذه المسألة؛ مثال ذلك: إنسان ضرب شخصًا بعصا، عصا صغيرة في غير مقتل، السوط تعرفونه، ضربه بسوطٍ في غير مقتل، فلما ضربه سقط ميتًا، هل يكون عمدًا؟ طالب: لا.
الشيخ: لا؛ لأن هذا الرجل بلا شك ما قصد القتل، لو أراد قتله ما ضربه بالسوط، لو أراد قتله جاب له عمود خيمة ويضربه به، أما يضربه بالسوط ما أراد قتله، إذن لا يعتبر ذلك عمدًا، بل هو شبه عمد.
ما رأيكم سلط عليه سلك كهرباء خط مئة وعشرة، فلما ضربه مات، يعني: ضربه بهذا، ويش ترون في هذا؟ طالب: عمد.
الشيخ: عمد ولا شبه عمد؟ طالب: عمد.
طالب: (... ). الشيخ: لا، مئة وعشرة، كله واحد.
هل مئة وعشرة يموت الإنسان؟ (... ) أنا ما حطيته في ماء.
إذن أنا وأنتم اختلفنا ونرجع إلى أهل الخبرة في ذلك، إذا قال أهل الخبرة: إن خط مئة وعشرة يموت فليكون عمدًا.
طالب: (... ). الشيخ: نجرب بك، على كل حال، هو في الحقيقة ما أدري عمدًا إذا كان (... ) الخمسين ما أدري، يمكن؛ لأنه يكون (... )، إنما خط مئة وعشرة (... )، ستين ما يمكن يموت إلا بأسباب أخرى إضافية كالماء؛ لأنه يتضاعف مع الماء، على كل حال المرجع فيما إذا اختلفنا في هذه الأمور إلى من؟ إلى أهل الخبرة، إذا قالوا: إن هذا يقتل غالبًا، قلنا: هو عمد، وإذا قالوا: لا يُقتل غالبًا، فهو شبه عمد.

لكنه في الحقيقة سيبقى موضع إشكال فيما إذا ادعى القاتل أنه لا يعلم أنه يقتل عمدًا، أنه يقتل، إذا كان القاتل يقول، أو الجاني بالأصح يقول: أنا ما علمت أنه يقتل، فهل نقول الآن: ليس بعمد، أو نقول: العبرة بواقع الحال، لا بظنك؟ نقول: العبرة بظنك، ولكنه لا بد أن يحلف على هذا الأمر، إلا إذا كان شيئًا لا يمكن أن يجهله مثله، وادعى أنه جاهل، فإن هذا لا يصح، لا تصح دعواه.
إذن إذا اختلفنا هل يقتُل مثله أو لا يقتل، فالمرجع إلى من؟ إلى أهل الخبرة؛ إذا قالوا: هذا يقتل فهو عمد، إذا قالوا: لا يقتل فليس بعمد؛ شبه عمد.
البحث الثاني إذا ادعى الجاني أنه لا يعلم بذلك، فهل نقبل قوله؟ الجواب: فيه تفصيل؛ إن كان مما يمكنه جهله، فليس بعمد، نقبل قوله؛ لأن هذا أمرٌ ممكن والأصل في الجاني العصمة، إذا كان مثله لا يجهله، كما لو قُدِّر أن هذه الآلة التي قتل بها هو؛ أي القاتل من أهل الخبرة بها ويعلم أنها تقتل، فإنه يقبل ولَّا لا؟ لا يقبل، فإنه لا يقبل؛ وذلك أننا لا بد أن نؤسس قاعدة أن الأصل في الجاني العصمة حتى يتبين يقينًا أنه قتل عمدًا.
طالب: لو كان مثلًا ادعى (... ) ولكن مثلًا هذا المقتول (... ).


الشيخ: الخطأ وهو القسم الثالث؛ أن يفعل ما له فعله، فيقتل آدميًّا لم يقصده.
أن يفعل ما له فعله، ما نافية ولا اسم موصول؟ طالب: اسم موصول.

الشيخ: إي نعم، اسم موصول؛ يعني: أن يفعل الذي له فعله، وإن شئتم فقولوا: إنها نكرة موصوفة؛ يعني: أن يفعل شيئًا له فعله، فيقتل آدميًّا لم يقصده، طبعًا آدمي معصوم لأن غير المعصوم هدر دمه؛ أن يفعل ما له فعله مثل أن يرمي صيدًا، رمى صيدًا على شجرة فأصاب إنسانًا ما قصده، مثلًا يده تحركت وانحرفت منه، انحرف السهم، أو كان في هذه الشجرة رجلٌ لم يره فأصابه فهنا خطأ ولَّا لا؟ يعتبر خطأ، وقولنا: أن يفعل ما له فعله، مثل ذلك أيضًا لو ندَّ له بعير، رجل ندَّ له بعير وعجز عنه، وأراد أن يحذفه (... ) عليه؟ له ذلك ولَّا لا؟ له ذلك، أصاب آدميًّا في هذه الحال، يكون خطأ، إنسان مثلًا مشى بالسيارة فأصاب إنسانًا فقتله، يعتبر أيضًا خطأ.
وقول العلماء: أن يفعل ما له فعله، إذا فعل ما ليس له فعله، فأصاب آدميًّا فظاهر كلام العلماء أنه عمد، مثل أراد أن يرمي شاة لغيره، فأصاب إنسانًا، هل له أن يفعل في الأول؟ طالب: لا.

الشيخ: لا، لكنه أصاب إنسانًا فيقولون: إنه عمد؛ لأن هذا ناتج عن فعل محرم، فلا يمكن أن يخفف عنه، فيكون عمدًا يُقتَل به، ولكن هذا في الحقيقة لا يتبين صوابه؛ لأن من قصد قتل الشاة مثلًا ليس كمن قصد قتل الآدمي، أليس كذلك؟ وهل تساوي الشاة آدميًّا؟ لا، ولكننا نقول: إذا فعل ما ليس له فعله، فإن كان هذا الفعل يريد زيدًا فقتل عمرًا، فإنه يعتبر عمدًا؛ لأنه لا شك أنه قصد جناية على آدمي معصوم، وهذا لا فرق عند الله بين أن يقتل زيدًا أو عمرًا، لكن مَن قصد قتل شاة ليس عند الله ولا عند الخلق كمن قصد قتل آدمي.
ولهذا الصحيح في هذه العبارة أن نقول: أن يقصد أن يفعل ما له فعله أو يقصد غير آدمي فيصيب آدميًّا، وأما نقول: إنه إذا فعل ما ليس له فعله ولو شيئًا خفيفًا، ثم قتل إنسانًا نعتبره عمدًا (... ) أيضًا فقهاؤنا فإن هذا ليس بصحيح، والدليل على ذلك أن هذا الذي أراد قتل الشاة فأصاب إنسانًا لو كان يفكر أنه سيصيب إنسانًا هل يفعل؟ طالب: ما يفعل.
الشيخ: ما يفعل أبدًا، لكن مَنْ قصد زيدًا فأصاب عمرًا، فالحكم واحد، يكون هذا عمدًا بلا شك.
كلمة (أن يفعل ما له فعله فيقتل آدميًّا) واضحة، إذا كان ما فعل فعلًا يريد شيئًا إنما جاءت المسائل نتائج لأفعاله، وهو ما قصدها إطلاقًا مثل ما قلنا في السيارة إذا صدمت إنسانًا، أو شخصًا حفر طريقًا في السوق، ساقية حفرها في السوق وجاء إنسان وسقط فيها، أو بالوعة سقط فيها، يعتبر عمدًا ولَّا لا؟ لا؛ لأنه ما قصد الفعل إطلاقًا، لكنه ضامن ما لم يفعل الاحتياطات، ويكون التفريط من الساقط فحينئذٍ لا ضمان عليه.
قال المؤلف، أو قال في المذكرة: (وعمدُ الصبي والمجنون)؛ عمد الصبي خطأ، وعمد المجنون خطأ، أما المجنون فظاهر أن عمده خطأ؛ لأنه ليس له الحق.

المجنون عمده خطأ بلا شك؛ لأنه ما له قصد، والصبي عمده خطأ، وظاهر كلام أهل العلم ولو كان الصبي مراهقًا؛ يعني قريبًا من البلوغ، مع أن المراهق في الحقيقة له قصدٌ صحيح ويعرف، ولاحظوا إنسانًا يبلغ في تمام الساعة السادسة في هذا اليوم؛ لأنه وُلد في الساعة السادسة من واحد وعشرين محرم عام كم؟ العام الذي يبلغ به هذا العام.
طلبة: (... ). الشيخ: على كل حال (... ). طلبة: ثمانية وثمانين.
الشيخ: ثمانية وثمانين، إحنا (... ) الآن، ثلاثة وثمانين.
طالب: (... ). الشيخ: لا، البلوغ خمسة عشر (... ). إذن في الساعة السادسة من هذا اليوم عند الظهر يبلغ، إذا قتل إنسانًا في الساعة الرابعة، لم يُقتل به، وإن قتله في الساعة السادسة والنصف قُتل به، ليش؟ لأنه بالأول غير بالغ، وبالثانية بالغ، وكذلك أيضًا لو احتلم، في أثناء النهار احتلم صار بالغًا وفي أول النهار ليس ببالغ؛ فالمهم أن العلماء يربطون هذه المسألة بالبلوغ، ويستدلون لذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ» (11). فيقولون: كما أن النائم والمجنون ليس عليهما قصاص فكذلك الصبي، والأصل العصمة ولا عدمها؟ الأصل العصمة؛ أن ما نقتل هذا المراهق ونحن لم نتيقن أن الشروط قد تمت بالقصاص منه؛ لأن الأصل العصمة، وعلى كل حال في الحقيقة هذا القول لا بد من أن نقول به؛ وذلك لأننا لو لم نقل به لما كان عندنا حدٌّ فاصل بين من يُقتص منه من الشباب ومن لا يقتص منه؛ لأن بماذا (... ) عشرين سنة؟ ويش الدليل؟ (... ) ويش الدليل؟ إذن ما عندنا أقرب شيء نحد به وجوب القصاص هو أي شيء؟ البلوغ.

ففي العمد وأنا ذكرت لكم أننا ما حاجة أن نذكر الصور، أهم شيء عندي معرفة الضوابط، وأما الصور فالعلماء كتبوا صفحات في هذا، ولكن هذا سوف (... ) سيرنا، ويحصل فيه تأخير والمقرر كثير.
ما الذي يجب في العمد وفي شبه العمد وفي الخطأ؟ يقول: ففي العمد القصاص أو الدية المغلظة ولا كفارة فيه، وفي شبه العمد الدية المغلظة، وفي الخطأ الدية المخففة، وفيهما أي شبه العمد والخطأ الكفارة.
إذن العمد فيه القصاص أو الدية المغلظة وليس فيه كفارة، وفي شبه العمد الدية المغلظة والكفارة، وفي الخطأ الدية المخففة والكفارة، فكل واحد يختلف عن الثاني؛ وذلك لأن كل واحدٍ ينفرد عن الثاني بوصف استحق به أن يخالفه في الحكم: أولًا في العمد القصاص أو الدية، ما هو الدليل؟ الدليل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178]، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يُودَى» (12)؛ يعني: يأخذ ديته.
إذن نقول: في العمد القصاص أو الدية المغلظة، ما هي الدية المغلظة؟ خمسٌ وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون حِقَّة، وخمسٌ وعشرون جزعة؛ لأن الدية مئة بدنة، وكلها إناث الآن ولَّا لا؟ كلها إناث، تبدأ من سنة إلى أربع سنوات، أو لا؟ تبدأ مما له سنة إلى ما له أربع سنوات، بنت المخاض لها سنة، وبنت اللبون سنتان، والحقة ثلاث سنوات، والجزعة أربع سنوات، مفهوم؟ هذا في دية التغليظ، أن توجب الدية على أربعة أصناف من الإبل؛ وهي بنت المخاض، وبنت اللبون، والحقة، والجزعة.

(ولا كفارة فيها) ليس فيها كفارة؛ الدليل لأن الله تعالى إنما ذكر الكفارة في الخطأ، ولم يذكر الكفارة في العمد، هذا دليل أثري، وأما الدليل النظري فلأن العمد أعظم من أن تخففه الكفارة، أعظم؛ لأن الكفارة في الحقيقة تزيل أثر الدم، والعمد أعظم من أن تزيله الكفارة؛ ولهذا جعل الله جزاء العمد أن ﴿مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]؛ خمس عقوبات والعياذ بالله: دخول النار والخلود فيها والغضب واللعنة والعذاب العظيم، هذه خمس عقوبات ما يمكن أن تكون لها كفارة كصيام شهرين متتابعين أو بعتق رقبة، لكن الخطأ تنفع فيه الكفارة.
شبه العمد فيه الدية المغلظة، كم من صنف؟ أربعة أصناف؛ لأنه يشارك العمد في القصد، ولكن فيه الكفارة؛ لأنه يشارك الخطأ في عدم القتل؛ لأنه لا يقتل، هو قصد الجناية، لكن هذه الجناية لا تقتل، هو ما قصد القتل، لم يقصد القتل، فلما شارك الخطأ من وجه وشارك العمد من وجه، أخذ من العمد ما شاركه به، ومن الخطأ ما شاركه فيه، فيجب عليه دية مغلظة؛ للجمع بينه وبين العمد من قصد، وتجب فيه كفارة لأنه مجتمع مع الخطأ في عدم قصد القتل.
وأما في الخطأ الدية المخففة والكفارة، الدية المخففة معناه بدل ما تكون أربعة أصناف نجعلها خمسة أصناف، واحد من الأصناف من بني مخاض، يعني: عشرين من بني مخاض، وعشرين من بنات المخاض، وعشرين من بنات اللبون، وعشرين من الحقاق، وعشرين من الجزعات، أيهما أقل؟ المخففة أقل، معلوم؛ لأنها ما هي كلها إناث صار فيها ذكور وعادة أن الذكور أقل.. هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
طالب: والكفارة التي ذكرها الله تعالى في القرآن.

الشيخ: القرآن في قوله: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [النساء: 92]، وعلى هذا فنقول: كفارة القتل في شبه العمد والخطأ عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وقد علمتم في الظهار أن التتابع لا ينقطع إذا كان الفطر لعذر شرعي أو حسي.
صيام شهرين متتابعين، إذا لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين فإن الكفارة تسقط؛ لأن الله تعالى لم يذكر مرتبة ثالثة.
وقال بعض العلماء: ينتقل إلى المرتبة الثالثة؛ وهي إطعام ستين مسكينًا، ولكنه ليس بصحيح؛ لأن ما وجب فيه إطعام ستين مسكينًا سببه يختلف عن هذا، السبب مختلف، أليس كذلك؟ طالب: نعم.
الشيخ: صحيح الحكم واحد لكن السبب مختلف، وهنا لم يذكر الله تبارك وتعالى الإطعام، فدلَّ على أنه ليس بمشروع، وهذا أحوط وأولى؛ لأن الناس إذا علموا أنهم إذا لم يستطيعوا الصوم انتقلوا إلى إطعام يتهاونون في الصوم، لكن إذا قلت له: إما أن تصوم إن كنت تستطيع، وإما ألَّا تصوم، حينئذٍ الغالب أنه يصوم؛ لأن الإنسان يجد في نفسه شيئًا من القلق إذا لم يقم بهذه الكفارة، أما شروط القصاص فنقول.. طالب: يجب الدية بنصها؛ يعني بدليل، دليل شبه العمد؟ الشيخ: شبه العمد أيضًا ثبت به الحديث في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بالدية؛ بدية المقتولة على عاقلة القاتلة، وهذا الحديث صحيح؛ في الصحيحين، وفيه قصة حمل بن النابغة الذي اعترض هذا الحكم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ» (1). طالب: (... )؟ الشيخ: الخطأ وشبه العمد.
الطالب: (... ). الشيخ: ويش الإطلاق؟ الطالب: (... ). الشيخ: إفتاء؟ الطالب: (... ).

الشيخ: ليش ما يجب عليه؛ لأنه لا ينسب إليه القتل، وهذه المسألة تحتاج إلى تحقيق؛ لأن لدينا كثير من الناس كلما حصل صدم ولَّا قلب ولَّا شيء، قال على طول: فيه دية وفيه كفارة، وبعض الناس -لا- يتحرى، فإذا لم ينسب الفعل إلى قائد السيارة هو ما فيه شيء؛ لا دية ولا كفارة.
افرض مثلًا: رجل معه ركاب فقابله سيارة، فرأى أن من مصلحته ومصلحة الركاب أن ينحرف عن هذه السيارة التي قابلته، ثم انحرف وحصل أن انقلب ومات أحدهم معه، فهذا ليس عليه شيء، لماذا؟ لأنه تصرف بما فيه المصلحة، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
لكن في هذه الحال لو أنه لما انحرف أصاب واحدًا واقفًا، هو ما علم به، ومات هذا الواحد الواقف، يضمنه ولَّا لا؟ يضمنه؛ لأنه لم يتصرف لمصلحته.
ففي مثال اللي ذكرنا لما قابلته السيارة وشاف (... ) لا بد أن تصدمه، ورأى أن الأهون أن يخرج، فخرج، ثم أصاب واحدًا واقفًا على الخط ومات، وانقلب ومات معه واحد، الآن قتل؟ طالب: نفسين.
الشيخ: نفسين، لكن الراكب لا يضمنه؛ لا بدية ولا بكفارة؛ لأنه تصرف لمصلحته، وأما الثاني الذي على الخط وأصابه ومات فيضمنه بالدية والكفارة؛ لأن هذا التصرف هل لهذا الواقف على الخط مصلحة فيه ولَّا لا؟ طالب: لا.
الشيخ: ما له مصلحة.
طالب: (... ) قطع الخط (... )؟ الشيخ: لا حتى إذا قلنا: ربما يكون أن اللي قطع الخط هذا أنه ألقى بنفسه إلى التهلكة؛ بحيث إنه قطع الخط في حالٍ لا يتمكن صاحب السيارة من الإمساك ولا من الانحراف، فهنا ليس على صاحب السيارة ضمان؛ لأن من المعتدي؟ طالب: ما هو صاحب السيارة، اللي قطع.

الشيخ: المعتدي الذي قطع الخط، نعم لو فرض أني أنا كنت مسرعًا في مكانٍ لا يسوغ لي الإسراع فيه وقتلته، حينئذٍ أنا المتعدي يكون عليَّ الضمان، فهذه المسائل تحتاج إلى ما يسمونه في أصول الفقه تحقيق المناط، حتى يُعرَف هل ينطبق على هذا أنه مفرط أو متعدٍّ أو لا.
طالب: في الحال (... )؟ الشيخ: إي معلوم؛ لأنه ما هو متلازمة، والحال التي تسقط بها الدية لا تسقط بها الكفارة إذا كان سبب سقوطها من الآدمي، كما لو عفوا، بعض الناس يظنون إذا عفا أولياء المقتول سقطت الكفارة، وليس بصحيح.
طالب: في المسألة الأولى المتسبب الذي قتل ما عليه شيء.. الشيخ: اللي أيش؟ الطالب: الذي خرج بالسيارة (... ) بالسيارة ما عليه شيء.
(... ) الشيخ: لأنه ما ألجأه إلى أن يسقط في الحفرة -مثلًا- أو إلى أن (... ) ما ألجأه فيكون هذا من انحرافه.
الطالب: (... )؟ الشيخ: لا، ما ألجأه؛ لأنه بإمكانه أن ينحرف -مثلًا- بسهولة ولا يحدث شيء، أما لو صدمه فنعم، لكنه يعزر ذاك بما يليق به.
الطالب: (... )؟ الشيخ: ما يجب عليه؛ لأنه عندنا من المعروف (... ) متسبب ومباشر، الآن المباشر من؟ الطالب: صاحب السيارة.
الشيخ: اللي حصل منه التصرف، وذاك متسبب، والمباشر هو اللي يُحال عليه الضمان إذا كان يمكن إحالة الضمان عليه، لكن لو فرض ذاك صدمه صار الآن مباشرًا، والخطأ منه، فيكون الضمان عليه.


باب شروط القصاص

شروط القصاص.
أولًا تعريف القصاص، القصاص معناه: أن يُفْعَل بالجاني مثل ما فعل أو شبهه، هذا هو القصاص، وهو مذكورٌ في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: 179]، هذا القصاص، قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ حياةٌ لمن؟ للمقتَص منه ولَّا لعامة الناس؟ لعامة الناس؛ لأن المقتَص منه مات، وهذه العبارة -كما يقول أهل العلم-: هي (... )، ولا يمكن أن يُقَارن بين كلام الله وكلام البشر، لكن فيه عبارة مشهورة عند العرب يقولون: القتل أنفى للقتل؛ يعني أنك إذا قتلت القاتل انتفى القتل فيما بعد من الناس، ولكنها لا شك أن قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أنها أولى؛ لأنها ظاهرة، أولًا فيها ذكر حياة، وتلك ما فيها إلا القتل، ثم إن فيها قصاصًا، إشارة أيضًا إلى العدل، ثم إنها إيجابية؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ﴾، أما تلك نفي؛ القتل أنفى للقتل، ولها.. يعني ذكروا فروقًا كثيرة بينها، ولا قصدنا المقارنة، لكن نريد أن نبين أن الله سبحانه وتعالى أخبر بأن هذا القصاص لا يعني إتلاف الناس، وإنما يعني حياة الناس.
أما شروط القصاص فهي أربعة، بل خمسة: أولًا عصمة المقتول؛ أن يكون المقتول معصومًا، وضده من كان دمه هدرًا، فالزاني المحصن معصوم ولَّا غير معصوم؟ غير معصوم؛ لأنه يجب رجمه، والمرتد غير معصوم؛ لأنه يجب قتله إلا أن.. طالب: الحربي؟ الشيخ: الحربي كذلك؛ ولهذا نقول: المعصوم أن يكون مسلمًا أو ذميًّا أو معاهدًا أو مستأمنًا، هؤلاء الأصناف الأربعة هم المعصومون.
وكلمة أيضًا (مسلمًا) ما لم يكن واجب القتل؛ مثل الزاني المحصن، فإنه وإن كان مسلمًا لكنه ليس بمعصوم، إنما عدم عصمة الزاني المحصن ليس لفوات وصفٍ فيه، ولكن لحدوث وصفٍ فيه؛ وهو الزنا الموجب لذلك.

لو قتل الإنسانُ غيرَ معصوم فهل فيه قصاص ولَّا لا؟ ما فيه قصاص؛ لأن غير المعصوم هدرٌ؛ فلا قصاص فيه ولا دية ولا كفارة أيضًا، لكن الصواب أن فيه الكفارة ولكن ليس فيه الدية إذا كان معاهدًا أو ذميًّا أو مستأمنًا، وأما الحربي فليس فيه لا كفارة ولا قصاص ولا دية.
الشرط الثاني: تكليف القاتل، ويش معنى تكليف القاتل؟ يعني أن يكون بالغًا عاقلًا، فإن كان صغيرًا فلا قصاص؛ لأن عمده خطأ، وإن كان مجنونًا كذلك؛ لأن عمده خطأ.
إذن ما الواجب في قتل الصغير والمجنون؟ إذا قتل صغير أو مجنون معصومًا، فما الواجب؟ الواجب الدية، والدية سيأتي -إن شاء الله- بيان من يتحملها.
الشرط الثالث: ألَّا يكون القاتل أفضل من المقتول في الدين والحرية والملك، ألَّا يكون القاتل أفضل من المقتول في هذه الأمور الثلاثة: في الدين والحرية والملك.
أما في الدين فمعناه أن يكون أحدهما مسلمًا والثاني غير مسلم، وجميع الأديان غير الإسلام ليس بينها تفاضل في هذا المقام، إذن معنى هذا ألَّا يكون القاتل أفضل من المقتول في الدين؛ يعني: ألَّا يكون القاتل مسلمًا والمقتول غير مسلم.
الدليل على هذا الشرط قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِكَافِرٍ» (2)، بالعكس يقتل ولَّا لا؟ طالب: يقتل.
الشيخ: لو قتل كافرٌ مسلمًا يُقْتل؟ طلبة: يُقْتَل.
الشيخ: إي نعم يُقْتَل؛ لأن المسلم أفضل منه، ولأنه ثبت في الصحيحين وغيرهما في قصة اليهودي الذي رَضَّ رأسَ جارية من الأنصار وأخذ أوراقًا كانت عليها، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام به فَرُضَّ رأسُه بين حجرين (3)، فهذا دليل على أن غير المسلم يُقْتَل بمن؟ بالمسلم.
طالب: ولو كان مملوكًا؛ المسلم.
الشيخ: كيف لو كان؟ الطالب: المسلم مملوك.. الشيخ: وقتل غير مسلم.. طالب: (... ) كافر والمسلم المقتول مملوك؛ يعني عبد.
الشيخ: إي نعم يُقْتَل.
اصبر نشوف لحظة.

أيضًا في الحرية؛ ألَّا يكون أفضل منه في الحرية، فإن كان أفضل -بمعنى أنه حرٌّ والمقتول رقيق- فإنه لا يُقْتَل به؛ لأن الحر أفضل من العبد؛ إذ إن العبد يجري إتلافه مجرى الأموال؛ ولذلك يُضْمَن بالدية ولَّا بالقيمة؟ طالب: بالقيمة.
الشيخ: العبد إذا قُتِلَ ما نقول: ويش ديته؟ نقول: ويش قيمته، قد يقتل الإنسان -مثلًا- عبدًا شابًّا؛ يعني رقيقًا، ويكون ديته -مثلًا- خمس مئة ألف، تكون قيمته خمس مئة ألف يُضْمَن بخمس مئة ألف، وقد يقتل شيخًا كبيرًا هرمًا أعمى أصم أزمن وتكون قيمته عشرة ريالات، فلا يُودَى إلا بعشرة ريالات، فيقولون: ما دام أن الرقيق قد أُجْرَي مجرى الأموال فإنه لا يُقْتَل به الحر.
الحر بالحر أيضًا، والعبد بالعبد، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: 178]، قالوا: هذا أيضًا دليل أنه قرن الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى؛ معنى ذلك أن الحر لا يُقْتَل بالعبد.
طيب والعبد يُقْتَل بالحر؟ طالب: نعم.
الشيخ: الآية ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، الحر لا يُقْتل بالعبد؛ لأن الله يقول: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ فلا يُقْتَل الحر بالعبد، لكن العبد إذا قتل حرًّا هل يُقْتَل به؟ طالب: نعم.
الشيخ: الله يقول: ﴿الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، نقول: نعم، إذا كان العبد يُقْتَل بالعبد فمن باب أولى أن يقتل بالحر، لكن إذا كان الحر يُقْتَل بالحر، فلا نقول: من باب أولى أن يُقْتَل بالعبد.
إذن استدل القائلون بأنه يشترط ألَّا يكون القاتل أفضل من المقتول في الحرية بالآية الكريمة وبالقياس.
وجه استدلالهم بالآية أن الله قال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، فإذا كان كذلك فإنه لا يُقْتَل الحرُّ بالعبد.

القياس قالوا: لأن إتلاف العبيد يجري مجرى الأموال؛ بدليل أن دية العبد قيمته، وإذا كان يجري مجرى الأموال فإنه لا يُسَاوَى بالحر، وعليه فلا يجوز أن يُقْتَل الحر به.
وعلى هذا فالمثال اللي قاله عبد الرحمن مهنى لا يُقْتَل به؛ لأن القاتل حرٌّ والمقتول عبد؛ يعني: لو قتل يهوديٌّ حرٌّ عبدًا مسلمًا فإنه لا يُقْتَل به، لماذا؟ لأنه أفضل منه في الحرية، هذا حرٌّ وذاك عبدٌ.
ويرى بعض العلماء أنه يُقْتَل الحر بالعبد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ﴾ [المائدة: 45] إلى آخره، حتى قال الله في آخرها: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]، وقال بعد ذلك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]، فهذا ظاهره العموم.
وللحديث المرسل الذي روي عن سمرة: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ» (4)؛ يعني: من قطع أنفه.
قالوا: فإذا كان السيد يقتَل بعبده وقد فضله بالحرية والملك؛ هو مالك وحر، فالحر غير المالك من باب أولى، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذَمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ» (5)، ولأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 93]، وبالاتفاق أن قوله: ﴿مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ يشمل العبد، فدلَّ هذا على أن احترام نفس العبد كاحترام نفس الحر.

وبقي علينا على هذا؛ يعني هذه أدلة إيجابية، بقي علينا أن نجيب عن أدلة القائلين بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178]، نقول الآية يقول الله فيها: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، فأنتم إما أن تأخذوا بجميع الآية، وإما أن تأخذوا ببعضها، الأخذ ببعضها دون بعض غير ممكن، والأخذ بجميعها تمنع منه السنة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قتل الرجل بمن؟ بالأنثى (3)، فدلَّ هذا على أن الآية لا مفهوم لها، وأن المفهوم غير مراد.
ثم نقول أيضًا: سورة المائدة نزلت متأخرة؛ ولهذا يُروَى عن ابن عباس -أو عائشة، نسيت- أنه قال: ما كان فيها من حلال فأحلوه، وما كان فيها من حرام فحرموه (6). فهي من آخر ما نزل، ومعلومٌ أننا نعتبر الآخِر فالآخِر.
ويدل على ذلك أيضًا الحديث الذي أشرنا إليه: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَ عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ» (4)، فإن هذا يدل على العموم.
وهذا القول أرجح من القول الثاني اللي مشى عليه الفقهاء رحمهم الله.
بقي لنا الملك، كيف الملك؟ أليست الملك هي الحرية؟ لأنه ما يملك إلا حرٌّ، كيف؟ طالب: المالك.
طالب آخر: احترازًا من العبد.
طالب آخر: مملوك.

الشيخ: طيب، إذا صار حرًّا مالكًا تبينت الحرية، نقول: لا، فيه -مثلًا- فيه مالك وليس بحر؛ وهو المكاتب، فإن المكاتب إذا اشترى عبدًا يصح شراؤه له، مع أن المكاتب الآن قد انعقدت فيه أسباب الحرية فليس بمملوك، وإن كان إلى الآن ما بعد تمت، لكن انعقدت فيه أسباب الحرية، فيقولون: لو أن المكاتب قَتَلَ عبدَه فإنه لا يُقْتَل به، لماذا؟ يقولون: لأنه مالكه، وإن كان كل منهما يسمى عبدًا لكن هذا مالك، فهذا المكاتَب ليس بحر؛ لأنه عبدٌ ما بقي عليه درهم، فإذا اشترى عبدًا للتجارة؛ لأجل يتجر به علشان يوفي الدين الذي لسيده، ثم قَتل هذا المكاتبُ عبدَه، قلنا: لا قصاص، لماذا لا قصاص؟ لأنه يقتله بأي شيء؟ بالملك.
وهذا أيضًا أضعف من الذي قبله؛ لأن الواقع أن المكاتَبَ لا زال على رقه، وإن كان قد انعقدت فيه أسباب الحرية، لكن ما زال على رقه حتى يكمل ما كاتب سيده عليه، فهو أدنى رتبة من الحرِّ، فإذا أوجبنا القصاص في قتل الحر بالعبد فلأن نوجبه في قتل المكاتبِ عبدَه أولى.
الشرط الرابع: ألَّا يكون القاتل من أصول المقتول، والراجح أن ذلك ليس بشرط.
طالب: الراجح إذا قتل العبد، هل يُقْتَل؟ الشيخ: إي نعم، الراجح أنه يقتل، مثلما قلنا: الراجح عدم اشتراطه في الحرية والملك.
الرابع: ألَّا يكون القاتل من أصول المقتول؛ يعني -مثلًا- الأب ما يُقْتَل بالابن، لو جاء إنسان وقتل ابنه عمدًا فإنه لا يُقْتَل به، ولو جاءت الأم وقتلت ابنها عمدًا لم تُقتَل به، وكذلك الجدة والجد وإن عَلَوَا لا يُقْتَلان بفروعهم؛ لأن ألَّا يكون القاتل من أصول المقتول.
لماذا؟ قالوا: للدليل والتعليل.
أما الدليل فلأنه من الأحاديث المشهورة ألَّا يُقْتَل والدٌ بولده، وعسى أن نذكره ونتكلم عليه.
والتعليل لأن الوالد سببٌ لوجود المولود، صح؟ طالب: نعم.

الشيخ: الوالد سببٌ لوجود المولود، ولا ينبغي أن يكون من هو سببٌ للوجود يعدم لفناء فرعه؛ يعني معناه أن الوالد سببٌ في وجود الولد، فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدام الوالد.
هذا التعليل، وذاك الدليل.
والراجح أن ذلك ليس بشرط؛ الدليل لعموم قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، وعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ»، ولعموم الآية التي في البقرة: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178]، فعندنا الآن عمومات من الكتاب والسنة.
وأيضًا من حيث المعنى نقول: كان هذا سببًا في إعدام الولد فليكن ذلك سببًا في إعدامه.
إذن فالسبب في إعدامه نفسه ولَّا ولده؟ نفسه؛ لأنه هو الذي جنى، هو الذي أعدم غيره فكان سببًا في إعدام نفسه.
وأيضًا لا شك أن قتل الوالد لولده على وجه العمد المحض أنه من أعظم قطيعة الرحم، أليس كذلك؟ ولَّا ما هي قطيعة رحم؟ قطيعة رحم، فكيف نجازي هذا الذي قطع رحمه وقتل ابنه أو بنته ونقول: لا قصاص عليه، مع أن الله يكرر في القرآن: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾؟ ! وأما الحديث الذي استدلوا به فإنه لا أصل له، صحيح أنه مشهور لكن ليس له سندٌ معلوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولعله أن يكون قد رُوِيَ ممن بعد الرسول عليه الصلاة والسلام فتناقله الناس وصار عمدة لديهم، وإذا لم يكن له أصل صحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لا يمكن أن تخصص به تلك العمومات.
أما التعليل الذي ذكروا -أن الأب سببٌ في إيجاد الولد فلا ينبغي أن يكون الولد سببًا في إعدامه- فجوابه بسيط، ويش نقول؟ نقول: ما دام هو الذي قتل فهو السبب في إعدام نفسه، فانتقض هذا التعليل وسقط الدليل، فبقي الحكم مبنيًّا على أي شيء؟ على عموم الأدلة الدالة على وجوب القصاص.

الشرط الخامس: أن تكون الجناية عمدًا محضًا، احترازًا منين؟ من شبه العمد والخطأ، فلا قصاص في شبه العمد والخطأ، والله أعلم.


(... ) بغير السيف فإنه يُقْتَل بالسيف، ما يمكن يُقْتَل بغير السيف، لماذا؟ يقولون: لأنه رُوِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ» (7)، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» (8). والقتل بالسيف أحسن ما يكون من القتلة.
فعلى هذا هل فُعِلَ بالجاني مثل فعله؟ يعني -مثلًا- الجاني قتل المقتول بخشبة حتى مات، فبماذا نقتله؟ بالسيف، إذن ما فعلنا به مثل فعله، ولكننا فعلنا به شبهه مما أدى إلى قتله، مع أن الصحيح أنه يُفْعَل به مثلما فعل، كما سيأتي -إن شاء الله- في استيفاء القصاص، طيب الشروط (... ). يكون القصاص على كيفية الجناية على القول الراجح (... ). شروط القصاص (... ). الخامس: أن تكون الجناية عمدًا محضًا، كلمة (عمدًا) يخرج به الخطأ، (محضًا) يخرج به شبه العمد.
الخطأ لا قصاص فيه، وكذلك شبه العمد؛ لأن الله تعالى أوجب في الخطأ الدية، فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92]، وقال تعالى في العمد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة: 178]، فلما أوجب في الخطأ الديةَ وهناك القصاصَ دلَّ على أنه -أي الخطأ- ليس فيه قصاص.
وأيضًا تعليل؛ نقول في التعليل: لأن هذا الذي قتله خطأ لم يتعمد الجناية ولا قصد قتله، فكيف نقتله به وهو لم يقصد؟ !

أما شبه العمد فدليله حديث المرأتين اللتين من هذيل اقتتلتا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الدية على عاقلتها، وأن في جنينها غرة؛ عبد أو أنثى، وحمل بن نابغة عارض في ذلك، وقال: كيف يغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطَل؛ يعني: يهدر، يريد ألَّا يضمن الجنين بالغرة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ».
من أجل سجعه الذي سجع (9)؛ ليبطل به الحق.
فالحاصل أن هذا ما جعل الرسول عليه الصلاة والسلام فيه قودًا، بل جعل فيه دية تحملها العاقلة، فدل ذلك على أنه لا قصاص.
إذن فالخطأ لا قصاص فيه وشبه العمد لا قصاص فيه، وإنما القصاص في العمد المحض.
ثم أخذنا عنوانًا جديدًا؛ وهو الاشتراك في القتل؛ يعني معناه إذا كان القتل ناشئًا من فعل جماعة، فيقول: (إذا اشترك جماعة في قتل عمدٍ قُتِلُوا جميعًا إن صلح فعل كل واحدٍ منهم للقتل أو تواطؤوا عليه) إذا اشترك جماعة في قتل عمد فإننا ننظر؛ إن تمالؤوا على ذلك الشيء وتواطؤوا عليه، وقالوا: نبغي نقتل فلانًا وتكتلوا على هذا، وجلسوا له -مثلًا- في مكان يبغون يقتلونه، فقاموا عليه، فبعضهم أصابه بيده جرحًا لا يُقَاد به، وبعضهم أصابه بجرحٍ يُقَاد به، والبعض الآخر بأكبر، المهم أنه مات، فهنا يقتلون جميعًا، حتى اللي ضربه بعصا بسيطًا يُقْتَل، مع أن هذا لو يُقَاد يُقْتَل ولَّا لا؟ طلبة: لا.

الشيخ: لو (... ) لم يُقْتَل؛ لأن فعله لا يقتضي القتل، لكن من أجل أنهم تمالؤوا على ذلك فإنهم يُقْتَلون جميعًا، حتى لو فُرِض أن بعضهم ما عمل شيئًا، بس أتى معهم لأجل أن يشجعهم ويُقَوِّمَهم ويقويهم، أو لينظر هل أتى أحد أو ما أتى؛ يكون عينًا لهم، فإنه يُقْتَل معهم، لماذا؟ لأن هذا القتل حصل من فعل واحدٍ منهم ولَّا من فعل الجميع؟ لا، من فعل الجميع، بالمباشرة من المباشِر، وبالمعاونة من غير المباشِر، فهو يُنْسَب إليهم جميعًا هذا الفعل، وقد ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه أقاد جماعة لشخصٍ اجتمعوا عليه فقتلوه، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به (10)؛ لو تمالأ عليه -تواطؤوا عليه- أهل صنعاء لقتلتهم به، فهذا الأثر عن عمر رضي الله عنه يؤيده المعنى، فإنه لا شك أن المعين كالفاعل؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في جماعةِ الرجلِ الذي قتل حمارًا وحشيًّا -وهو أبو قتادة رضي الله عنه- فأكل منه أصحابه، ثم شكُّوا في الأمر وجاؤوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ » فقالوا: لا، قال: «فَكُلُوا» (11)، والإشارة هل هي مشاركة فعلية ولَّا لا، ولَّا مساعدة فقط؟ مساعدة فقط، فدل هذا على أن المعين كالمباشر؛ ولهذا لو قالوا: نعم، أشرنا إليه لمنعهم من أكله؛ لأنهم صاروا قاتلين للصيد وهم محرمون.
فالحاصل عندنا الآن دليل على أنهم إذا تمالؤوا على القتل يقتلون جميعًا.
الدليل: أولًا أثر عمر، وهو نصٌّ في المسألة، والثاني حديث أبي قتادة في صيده الحمار الوحشي وهو غير محرم وأصحابه محرمون، فأكلوا منه، ثم شكُّوا في الأمر فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَشَارَ إِلَيْهِ؟ » قالوا: لا.

إذن إذا تمالؤوا قُتِلوا جميعًا، إذا لم يتمالؤوا عليه ولكن صار موته من فعل الجميع فهنا يجب أن ننظر من صلح فعلُه للقتلِ لو انفرد أُقِيد به، ومن لم يصلح فعله للقتل لو انفرد فلا قود عليه، أرجو الانتباه يا جماعة، إذا لم يتمالؤوا ويش ننظر إليه الآن؟ ننظر إلى موجَب الجناية من كل واحد؛ إن كانت جناية كل واحد منهم لو انفردت لقُتِل به قُتِلُوا جميعًا، وإن كانت جناية كل واحدٍ منهم لو انفرد بها لم تقتله لم يُقْتَل، وإن كان بعضهم هكذا وبعضهم هكذا قُتِلَ الذي يصلح ولم يُقْتَل الذي لا يصلح.
نشوف الأمثلة: هذا الرجل اشترك في قتله ثلاثة؛ واحد ضربه مع الفؤاد؛ مع القلب، وآخر ضربه مع الكبد، وآخر ضربه مع الكلى، كل ضربة من هذه تميت، يُقْتَلون ولَّا لا؟ طلبة: يقتلون.
الشيخ: لماذا؟ لأن كل واحد لو انفرد لقُتِل به، فهنا سواء جاء القتل من الجميع أو من واحد المهم أن فعل كل واحد صالحٌ للقتل، فيُقْتَلون جميعًا.
المثال الثاني: ضرب جماعةٌ رجلًا بسوطٍ صغيرٍ في غير مقتل فمات، يُقْتَلون ولَّا لا؟ كل واحد منهم ضربه بسوط في غير مقتل، فمات الرجل، ما يُقْتَلون، لماذا؟ لأن فعل كل واحدٍ لا يصلح للقتل، وهذا الفعل المتجمع اللي حصل به القتل لم يكن ناشئًا عن اتفاق، وإذا لم يكن ناشئًا عن اتفاق لم يكن فعلَ رجلٍ واحدٍ، صار أفعالًا متفرقة، وكل فعلٍ لا يقتضي القتل فلا يُقْتَل به.
الصورة الثالثة: ضربه أربعة رجال؛ أحد ضربه بعصا في ساقه؛ عصا بسيط، والثاني بعصا في ظهره، والثالث ضربه بخشبة في كبده، والرابع بخشبة في كليته، من الذي يُقْتَل؟ طلبة: الأخيران.
الشيخ: الاثنان الأخيران؛ الثالث والرابع؛ لأن فعل كل واحدٍ منهما يصلح للقتل، والأولان لا يُقْتَلان.
يُستثنى من ذلك مسألة واحدة: لو أن أحدهما أخرجه عن قيد الحياة، والثاني كَمَّل عليه؛ مثل واحد شق بطنه وطلع أمعاءه وبطنه، خلاهم برة (... )، وجاء واحد (... )، أيهما اللي يُقْتَل؟

طالب: كلهم.
طالب آخر: الأول.
الشيخ: الأول؟ (... )؟ الطالب: (... ). الشيخ: يقول: ما قمت بذلك؛ لأنه جاء (... ). الطالب: (... ). الشيخ: يكون الأول.
أيضًا مثال آخر: جاء إنسان وذبح شخصًا، فلما ذبحه جاء يضطرب في دمه، فجاء إنسان آخر وضربه بحربة في قلبه، يُقْتَل كلهم؟ طالب: الأول.
الشيخ: الآن واحد ذبح؛ قطع حلقومه ومريئه وودجيه.
طالب: ما يُقْتَل الأول.
الشيخ: الثاني جاء وهو يتشحط في دمه فضربه في قلبه؟ طلبة: الأول.
الشيخ: يقتل الأول؟ طالب: نعم.
الشيخ: والثاني؟ الطالب: ما يُقْتَل.
الشيخ: بس الثاني فعله يصلح للقتل الطالب: بعدما مات.
الشيخ: لكن بعدما مات صحيح.
إذن نقول: إذا كان جرح أحدهما مميتًا؛ مثل الذبح أو بإبانة الحشوة، مثل العلماء بمثالين؛ إذا ذبحه أو أبان حشوته؛ يعني: بطنه وأمعاءه، قطعها، أبانها؛ يعني: قطعها، ما هو بس أخرجها؛ لأن إخراجها ما يعتبر إبانة، فإن الثاني لا يُقْتَل؛ لأن الأول خلاص انتهت حياته، ما عاد بقي شيء.
انتبهوا للمستثنى الآن، صار يُسْتثنى من ذلك..، ويش يستثنى؟ إذا صلح فعل كل واحدٍ للقتل يُستثنى من ذلك ما إذا أخرجه فعل أحدهما عن الحياة؛ كالذبح، ويش بعد؟ وإبانة الحشوة.
طالب: (... ). الشيخ: دعنا من الاتفاق يا أخ، إذا اتفقوا ولو ما فعل واحد منهم شيء، إذا اتفقوا لو ما فعل شيء الثاني (... ).


يقول: (فإن كان فيهم) فيمن؟ في الجماعة المشتركين، (من لا يُقْتَص منه لقصورٍ في السبب أو لمعنى يختص به فعلى الشريك القصاص، وعلى الثاني قسطه من الدية، والمذهب لا قصاص إذا كان المانع قصور السبب) اللوح هذه لوح عربية ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: زين، ستفهمون إن شاء الله.

(إذا كان فيهم من لا يُقْتَص منه لقصورٍ في السبب فعلى الشريك القصاص، وعلى الثاني قسطه من الدية) القصور في السبب بمعنى أن الجناية لا تصل إلى العمد، مثل خطأ؛ جناية خطأ؛ اشترك رجلان في قتل واحد، أحدهما كان متعمدًا؛ رأى هذا الرجل ويريد يقتله، فأطلق عليه الرصاص، وفيه آخر يرقب صيدًا، فلما رأى هذا الجسم ظنه الصيد فأطلق عليه الرصاص، ومات من الرصاصتين، اشتركا في قتله الآن ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ترى بدون تواطؤ؛ لأن التواطؤ يجب ألَّا يكون واردًا علينا في هذا، اشتركا في قتله، لكن أحدهما جنايته لا توجب القصاص، لماذا؟ لأنها خطأ؛ قاصرة، والثاني توجب القصاص؛ لأنها عمد بالعدوان، نقول في الحكم: على الشريك القصاص، من هو الشريك؟ طالب: العمد.
الشيخ: العمد، المتعمد عليه القصاص، وعلى الثاني قسطه من الدية، كم القسط؟ لأنهم اثنان يكون عليه نصفها؛ عليه نصف الدية، يكون هذا الرجل المقتول مضمونًا بقصاص (... ). على المذهب في هذه المسألة لا قَوَد، حتى على المتعمد لا قَوَد؛ يقول: لأن الموت حصل من فعلٍ موجبٍ للقصاص وفعلٍ غير موجب، فلم يَقْوَ على القصاص؛ لأنه لا بد أن يتمحض الفعل، ويش تمحض؟ موجبًا للقصاص، لا بد أن يكون الشيء الذي حصل به الموت متمحضًا لإيجاب القصاص، وهنا تمحض ولَّا لا؟ ما تمحض، عندنا موجب للقصاص ومانع للقصاص، والواجب تغليب الحظر، اجتمع مبيح للقصاص وهو العمد، ومانع من القصاص وهو الخطأ، فغُلِّب جانب المنع، فلا يمكن أن يُقْتَص منه.
المثال الثاني الذي يكون يمتنع القصاص لمعنى يختص به: اشترك مسلم وكافر في قتل مسلم، مسلم وكافر اشتركا في قتل؟ طالب: مسلم.

الشيخ: في قتل كافر.. مسلم وكافر.. لا، عندنا القاتل مسلم والمقتول كافر، وكافر أيضًا مشارك في القتل، هنا اشترك في القتل رجلان، كلاهما يُقْتَص منه، كلاهما عمد يعني، كل واحد منهما متعمد لقتل هذا الرجل، لكن أحدهما لا قصاص عليه؛ لقصورٍ في السبب ولَّا لمعنى يختص به؟ طلبة: لمعنى يختص به.
الشيخ: ويش هو المعنى؟ طلبة: الإسلام.
الشيخ: أنه أفضل منه في الدين، فهنا الجناية نفسها صالحة للإيجاب، لكن هناك معنى يختص بأحدهما يمنع من القصاص، فهنا -حتى على المذهب- يُقْتَص من الكافر، وعلى المسلم نصف الدية، لماذا؛ لأن هذا الكافر مات من جنايةٍ موجبةٍ للقصاص، سواء من هذا الرجل أو من هذا الرجل، الجناية صالحة (... ) القصاص، لكن لمعنًى يختص بهذا الرجل امتنع القصاص، لا لقصور في السبب؛ في سبب الموت، ولكن لمعنى يختص به.
فالمذهب الآن يفرقون بين ما إذا كان المانع من القصاص لمعنًى يختص بأحد الشريكين، أو لقصورٍ في السبب؛ إن كان لقصورٍ في السبب فإنه يمتنع القصاص، وإن كان لمعنًى يختص في أحد الشريكين فإن القصاص لا يمتنع فيمن يُقْتَص منه.
مثال آخر: اشترك أبٌ وأجنبي في قتل ابنه، ما رأيكم في الأجنبي هنا، على المذهب؟ طالب: يجب أن يقتل.
الشيخ: يجب أن يقتل؟ القصاص هنا ثابت في حق الأجنبي، لماذا؟ لأن منع القصاص في جانب الأب لمعنًى يختص به، لا لقصور في السبب، الأب متعمد لقتل ابنه، والأجنبي متعمد لقتل هذا الابن، فالجناية صالحة للقصاص، لكن امتنع القصاص في الأب لمعنًى يختص به، لا للجناية التي قضت على هذا الرجل، فنقول في هذه الحال: يُقتص منه، حتى على المذهب يقتص منه.
طالب: من الأجنبي.
الشيخ: من الأجنبي، أما الأب فلا يُقتص منه؛ بناء على أنه لا يُقتل الوالد بالولد.

إذا اشترك جماعة في قتل عمد فإنهم يُقتلون به، ما رأيكم لو أن أولياء المقتول طلبوا الدية؛ قالوا: نبغي دية، ما نبغي القتل، ويش (... ) عشرة بواحد، ماذا نقول؟ يدفعون كل واحدٍ دية ولَّا كل واحدٍ بقسط من الدية؟ طلبة: قسط.
طالب: هل كانوا متواطئين؟ الشيخ: لا، ما هم متواطئين، سواء متواطئين ولَّا مشتركين اشتراكًا فعليًّا، المهم أن أولياء المقتول قالوا: ما نبغي قتل، نبغي دية.
(... ) ولَّا لا؟ ولهذا لو قتل رجلٌ امرأةً وقالوا: لا نريد القصاص وإنما نريد الدية، يُعْطَون دية رجل ولَّا دية امرأة؟ طلبة: امرأة.
الشيخ: إذن لو كانت الدية عن القاتل لأعطوا دية رجل، ولو قتلت امرأة رجلًا، وقال أولياؤه: نعفو عن القصاص نريد الدية، تعطيهم دية امرأة؟ دية رجل، إذن الدية عوض عن أيش؟ طلبة: المقتول.
الشيخ: عن المقتول، والمقتول من الجماعة كم؟ المقتول واحد، فعلى هذا إذا كانوا عشرة يجب على كل واحد عُشْر الدية.
كيف يجب عُشْر الدية عن عشرة أنفس؟ نقول: نعم؛ لأننا لنفرض أننا قلنا: كل واحدٍ يُقتل عُشر قتلة، يمكن؟ لو وزعنا القتل على العشرة يصلح ولَّا ما يصلح؟ بمعنى كل واحدٍ من الذين قتلوا عشر قتلة، واحد من عشرة من القتل، يستقيم ولَّا ما يستقيم؟ طلبة: ما يستقيم.
الشيخ: إذن القتل لا يتبعض، والدية تتبعض، لما كانت الدية تتبعض بعضناها، وقلنا: أعطونا كل واحد عشرًا من الإبل وأنتم عشرة، الجميع المئة من الإبل هذه الدية، لكن القتل هل يمكن يتبعض؟ ما يمكن، إذن لا يمكن الوصول في القتل إلى استيفاء الحق إلا بقتل النفس كاملة، فالفرق إذن -يا جماعة- أن الديةَ تتبعض والقصاصَ لا يتبعض.
ننتقل إلى المسألة الثانية فيها نوع مشاركة.
طالب: (... ).


الشيخ: قال المؤلف: (وإن أمسك شخصًا لآخر ليقتله بدون مواطأة فالقصاص على القاتل، ويُحْبَس الممسك حتى يموت).

هذه المسألة رجل أمسك شخصًا لآخر ليقتله، وهو ما منهم مواطأة، رجل (... ) امسكه (... )، يقول المؤلف: إنه يُحْبَس الممسكُ إلى أن يموت، والثاني يُقْتَل؛ لأن الثاني مباشِر والأول متسبِّب، ومعلومٌ أن القاعدة الفقهية أنه إذا اجتمع مباشر ومتسبب فالضمان على المباشر، وهنا هذا هو الذي باشر القتل، وكلمة (بدون مواطأة) معناه أنه إذا كان مواطأة فقد سبق أنهم يقتلون جميعًا، لكن بدون مواطأة.
وهذه المسألة بناء على ذلك تنقسم.. لأنا قلنا: إن أمسك شخصًا لآخر ليقتله، كلمة أيضًا (ليقتله) لو أمسكه له ظانًّا أنه يمزح وياه مثلًا، يتلاحقون يتلاعبون، ثم إن ذاك لما وصل قتله، فهنا ما أمسكه ليقتله، ولَّا لا؟ أمسكه على أنه يمازحه أو هازل، ولا ظن القتل إطلاقًا، لو ظن القتل لمنعه منه، فالصور إذن ثلاثة: أمسك شخصًا لآخر لا يدري ماذا يصنع به فقتله، فليس على الممسك شيء؛ لأنه ما قصد قتله، ولا أعان على قتله، ولا شارك فيه، ولكن القصاص يكون على من؟ على القاتل.
أمسك شخصًا ليقتله بمواطأة بينهما، فعليهما جميعًا القصاص، بناء القاعدة السابقة.
أمسك شخصًا ليقتله بدون مواطأة، فهذا على القاتل القصاص؛ لأنه مباشر، والثاني يُحْبَس إلى أن يموت؛ لأنه حَبَسَ هذا إلى أن مات، فيُجازى بمثله؛ ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، وقد روي في ذلك آثار عن الصحابة.
وقال بعض أهل العلم: بل يقتلان جميعًا، ما دام علم أنه يريد أن يقتله فقد أعانه، وصحيحٌ أن المباشر والمتسبب يكون الضمان على المباشر لكن هنا المباشرة مبنية على السبب، لو لم (... ) ما قتله، فإذن تكون هنا المباشرة مبنية على السبب فيُقْتَلان جميعًا.

وذهب آخرون -وسبحان الله! المسائل اللي ما فيها نص تكون المسائل فيها كثيرة- إلى أن الممسك يعزر فقط، ولا يجب أن يُحبس حتى يموت؛ لأن هذا الرجل ما فعل شيئًا يوجب القصاص، وإنما فعل محرمًا بالمعاونة على هذا الأمر.
فهذه الأقوال الثلاثة في هذه المسألة، ولكن المشهور من المذهب أنه يُحبس حتى يموت، وعن أحمد رواية أنه يقتل ما دام علم أنه سيقتله، وما دامت المسألة ليس فيها نصٌّ يَفْصِل بين الأقوال فنرى أن مثل هذه الحال ترجع إلى المصلحة؛ فإذا رأى الحاكم الشرعي أن من المصلحة أن يُقتل هذا لئلا يكثر العبث والفساد فإن هذا له وجه، وإذا رأى ألَّا يفعل فليمسك حتى يموت؛ فليحبس حتى يموت، أما كوننا نعذبه بجلدات أقل من عشرة على ما سيأتي (... ) فهذا لا يسوغ أبدًا.
فإذن إذا أمسك شخصًا لآخر فقتله، فكم صورة له؟ طلبة: ثلاث.
الشيخ: ثلاث صور.
طالب: (... ). الشيخ: (... ). الطالب: (... ) مواطأة؟ الشيخ: المواطأة معناها يتفقون، لكن هذا -مثلًا- رأى إنسانًا معه سيف يشاهره على هذا الإنسان، ويقول: رده رده (... )، صحيح.
طالب: (... ). الشيخ: اختلف أيضًا الفقهاء هل يطعم ويسقى أو يُقْتل؟ طالب: المحبوس؟ الشيخ: المحبوس.
طالب: (... ). الشيخ: إي، الضابط عندهم يقول: لا يُسقى ولا يُطعم، إذا كان ما سقي ولا أكل معناه ذبحناه أشد مما ذبح (... ) ولَّا لا؟ يدور يتلوى ويتعب وآخره يموت، لكن الصحيح أنه يُعطى أكلًا ويُعطى شربًا، إي نعم.
طالب: (... ). الشيخ: لا، (... ) العيَّان الذي يؤذي الناس بعينه يجب أن يحبس حتى يموت، العيَّان (... )، إي نعم.
طالب: روي عن الصحابة؟ الشيخ: أي؟ في مسألتنا هذه؟ إي نعم روي عن الصحابة، روي عن عمر رضي الله عنه، وأظن (... )، أما المعنى فظاهر أنه يقتضيه؛ لأنه -الحقيقة- حبس ذا حتى مات، بس المدة تختلف، هذاك حبسه ومات سريعًا، وذلك يموت -الله أعلم- بعد سنة.

(وإن أمسكه لسبع ونحوه مما ليس أهلًا للضمان فالقصاص على الممسك) شاف -مثلًا- سبعًا يلاحق إنسانًا، فأمسك هذا الإنسان للسبع، وقال: أخشى إن أمسكته وأعطيته السبع يأكله ويأكلني أنا، فمن هو عليه الضمان؟ طلبة: (... ). الشيخ: طيب، عندنا مباشر ومتسبب.
طالب: المباشر ليس أهلًا للضمان.
الشيخ: المباشر ليس أهلًا للضمان، ما يمكن نروح نطالب الأسد، ونقول: تعالَ، عليك الضمان نبغي نقتص منك ولَّا ادفع الدية، إذن فالقصاص على من؟ طالب: على الشجرة.
الشيخ: الله يهديك! القصاص على الممسك، السبب لأنه ما يمكن إحالة الضمان على السبع.
طيب، لو كان الذي لحقه مجنونًا، طبعًا القصاص ما يمكن على المجنون؛ لأنه تقدم أن عمد المجنون خطأ، لكن هل نقول هنا: إنه يضمن الممسك أو نقول: يُحبس حتى يموت وعلى المجنون الدية؟ هذا الأخير هو هذا، نقول: لأن المجنون وإن كان ليس له قصد صحيح لكن تمكن إحالة الضمان عليه في هذه الصورة؛ لأنه إذا قتل فإنه يجب، ويش يجب؟ الدية عليه؛ على عاقلته، فهنا نقول: يحال الضمان على المجنون ولكنه يضمنه بالدية؛ لامتناع القصاص في حقه.
هذه مسألة؛ مسألة الإمساك.
المسألة الثانية مسألة الإكراه: (أكره مكلفٌ مكلفًا على قتل معين فالقصاص عليهما)، هذه المسألة أيضًا مما اختلف فيه العلماء، (مكلفٌ) يعني: بالغ عاقل، (أكره مكلفًا على قتل معين) يعني -مثلًا- قال له: اقتل هذا الرجل، أو اقتل فلانًا، إذا لم تقتله قتلتك، وهو قادرٌ على تنفيذ ما هدده به، أما إذا كان غير قادر فليس بإكراه، لكن هو قادر؛ يعرف إن لم يفعل نفذ ما هدده به، فقال: اقتل فلانًا أو اقتل هذا الرجل، معين، فخاف الرجل من القتل فذهب فقتل، فعلى من يكون الضمان؟ القصاص عليهما.
عندنا الآن قاتل مباشِر ومتسبِّب؛ المباشر الذي أُكْرِه، والمتسبب الذي أَكْرَه، أفلا نقول: إنه إذا اجتمع مباشِر ومتسبِّب فالضمان على المباشر؟ طالب: لا.

الشيخ: قيل به، وأن الضمان على المكرَه فقط؛ لأنه المباشِر، ولأنه لا يجوز للإنسان أن يتلف غيره لاستبقاء نفسه، يجوز ولَّا لا؟ طالب: لا.
الشيخ: واحد -مثلًا- معه صبي صغير سمين، وهم في البر وماتوا من الجوع، جاعوا وقال: أنا إن بقيت أنا وها الصبي الصغير السمين هلكت من الجوع، ويبقى يهلك هو بعدي، لكن أبغي أذبحه وآكله، ما رأيكم؟ يصلح؟ حرام، ما يجوز، هذا الرجل قيل له: اقتل هذا الرجل ولَّا قتلناك، فقال: أقتله الآن؛ لأني أخشى من القتل، نقول الآن: أنت -في الحقيقة- أهلكت غيرك لاستبقاء نفسك، فأنت لا يجوز أن تهلك غيرك لاستبقاء نفسك، قل: لا، وإذا قتلك هذا الرجل الذي أكرهك فهو عند الله.
ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن القصاص على المكرَه فقط، عللوا ذلك بأنه مباشر ومتسبب، والضمان مباشر، والعلة الثانية: ولأنه لا يجوز للإنسان أن يهلك غيره لاستبقاء نفسه.
وذهب آخرون إلى أن القصاص على المكرِه فقط، وقالوا: إنه صحيح مباشر ومتسبب، لكن هنا المباشرة مبنية تمامًا على التسبب، والتسبب في الحقيقة هنا بمنزلة الإلجاء، فهو كما لو أمسك شخصًا فضرب به شخصًا آخر، فمات المضروب، أيهما اللي يضمن؟ واحد مسك رجَّال، وضرب به رجَّال آخر ومات المضروب، على من يكون الضمان؟ طلبة: الضارب.
الشيخ: طبعًا على الضارب، هذه ما فيها إشكال، فهم يقولون هنا: إن المكرِه حمل المكرَه حملًا ضروريًّا على أن يقتل ذلك الرجل، فيكون الضمان على المكرِه -بالكسر-؛ لأنه ملجئ.
بهذا التعليل وبالتعليل للقول الثاني نجد أن القول الأول -أن القصاص عليهما- يكون قولًا متوسطًا في الحقيقة؛ لأنه يأخذ من هذا تعليلًا ومن هذا تعليلًا، فيكون القول الوسط في هذه المسألة -وهو المذهب- على أن القصاص عليهما جميعًا.

كلمة (على قتل معين) لو كان على قتل مبهم، قال: يلَّا روح هالساعة روح جيب لي رأس أي واحد من (... )، وإلا قتلتك، فذهب الرجل (... ) واحد يقتله ويأخذه، على من يكون الضمان؟ طلبة: على المباشر.
الشيخ: نعم، على المباشر؛ لأنه ليس على قتل معين ملزمًا به وملجأ إليه، فهو على المباشر.
كلمة (مكلَّفٌ) و (مكلَّفًا)، لو أكره غير مكلف؛ مثل أكره صغيرًا، قال: يلَّا اقتل ها الرجَّال وإلا قتلتك، فالصغير قتل هذا المكلف، فما رأيكم؟ على المكرِه؛ لأن غير المكلف ليس له إرادة وقوة في المدافعة، فهو شبيه بالإلجاء تمامًا؛ فلذلك يكون على من أكرهه؛ أي: على المكرِه.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، (... ). إذا أكره غيرُ مكلفٍ مكلفًا على قتلِ معينٍ؟ يعني مثلًا -نسأل الله السلامة- واحد مجنون (... ) في السوق وقال: يلَّا ها الساعة اقتل ها الرجَّال، وإلا قتلتك، مجنون، فماذا يكون؟ طلبة: على المباشر.
الشيخ: كلام الفقهاء يقولون: إنه على المباشِر؛ لأن ذلك لا قصد له، يقول: لأن ذلك ما له قصد، مع العلم بأن هذا المجنون حري أن ينفذ ما هدد به أكثر من؟ طالب: المكلف.
الشيخ: من العاقل، صح ولَّا لا؟ العاقل ربما لو يقول له المكره: أنا ما يمكن أقتله (... ) أنا ما يمكن أقتل، يمكن ذاك المكرِه -وهو عاقل- يتردد ويتراجع، لكن هذا مجنون، اللي في رأسه يبغي ينفذه، يقول: إما أقتلك، وإلا قتلت، تقدر تقول: لا؟ إن قلتها فأنت جازم مئة بالمئة على أنه يبغي يقتلك، لا سيما إذا صار (... ) منك وتعرف أنه ينفذ ما يقول.

هذا كلام الفقهاء يرون أن القتل على المباشر، وفي الحقيقة أن في النفس من هذا شيء، وأنه لو قيل بسقوط القصاص هنا، وقطعًا لا قصاص على المجنون، لكن لو قيل بسقوط القصاص عن المكره، وأنه يكون على المجنون الدية، لو قيل بهذا -لكن ما رأيت فيه قولًا- لو قيل بهذا لكان له وجه، لكنهم يقولون: لا، يكون الضمان على المباشر؛ لأنه يقدر يقول: لا، ويهرب -مثلًا- أو عمل أي سبب، إذا أمكنه أن يهرب، مع أنه إذا أمكنه أن يهرب في الحقيقة ما يتحقق الإكراه ولَّا لا؟ لإمكانه المدافعة؛ لأن المدافعة ما هو بالإكراه بس بمجرد ما يهددك على طول، لكن إحنا قلنا: إنه من شرط الإكراه أن يكون قادرًا على تنفيذ ما هددك به، وإلا فلا إكراه، ولا صار يمكنك تهرب معناه ما هو إكراه.
طالب: (... )؟ الشيخ: الصحيح أنه إذا هدده بما دون القتل لا يجب القتل، فلو هدده -كما قلت- بضرب أو بأخذ مال فهذا لا يجوز القتل من أجله؛ لأن أخذ المال يمكن استنقاذه فيما بعد بطريق الولاية والسلطة، والضرب اللي ما يؤدي إلى الموت هذا ممكن (... ). طالب: يقع على من؟ الشيخ: يقع على المباشر.
الطالب: قطعًا؟ الشيخ: إي نعم، المباشر فقط.
الطالب: (... ). الشيخ: (... ) أيش؟ الطالب: (... ). الشيخ: أن يقتله؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: الأقارب تقتضي ألَّا يجوز، لكن مع ذلك إذا فعل فلأجل الإلجاء هذا والإكراه يكون القود عليهما جميعًا، مثلما هو المذهب.

بقينا بالأمر الآن هذه الحقيقة دراسة اليوم ثلاث مسائل: الإمساك والإكراه والأمر، الأمر يقول: (إن أمر مكلفٌ مكلفًا بالقتل فالقصاص على المأمور إن كان عالمًا بتحريم القتل) (إن أمر مكلفٌ مكلفًا بالقتل) يعني: بالغ عاقل أمر بالغًا عاقلًا أن يقتل فلانًا، فالقصاص على المأمور، سواء كان الذي أُمِرَ بقتله معينًا أم غير معين، يكون القصاص على المأمور فقط، وترى كلمة القصاص في المسائل هذه المراد القصاص أو الدية، قد يعدل عن القصاص إلى الدية، لكن كلامنا الآن كله في مسألة القصاص.
(على المأمور) لكنهم قالوا: بشرط أن يكون عالمًا بتحريم القتل، أما إذا كان ما هو بعالم بتحريم القتل فالقصاص على الآمر؛ لأنه الذي غَرَّه.
طيب؛ هو أحد ما يعلم تحريم القتل؟ طالب: متأول.
الشيخ: إي نعم.
طالب: صغير.
الشيخ: لا، الصغير إحنا قلنا: مكلف، يمكن توه ناشئ في بلاد الإسلام، ما يدري، ناشئ في بلاد الإسلام؛ ولهذا مثل الخرقي قال: إن أمر أعجميًّا بالقتل، ومراده بالأعجمي أنه في ذلك الوقت الأعاجم توهم مسلمين، ما يدرون، فعلى كل حال الكلام على أنه إذا كان ليس عالمًا بتحريم القتل فالضمان على من؟ طلبة: على الآمر.
الشيخ: فالضمان على الآمر؛ لأن ذاك لا يدري، يحسب أنه قتل الإنسان وقتل الشاة واحد، فعلى هذا يكون هو الذي يضمن.
وإن أمر غير مكلف أو مكلفًا يجهل تحريمه فالقصاص على الآمر.
هذا مفهوم العبارة الأولى.
ما رأيكم لو أمر السلطان بقتل شخص، الحاكم، الأمير مثلًا، بقتل شخص، فقتله المأمور وتبين أنه ظلمٌ، فمن الضمان عليه؟ طالب: الآمر.
الشيخ: على الآمر أو على القاتل؟ طالب: على القاتل المباشر.
الشيخ: ما ندري إن كان يحتاج إلى تفصيل فصِّل.
الطالب: إن كان يعلم أنه معصوم نفس (... ) حق فإنه (... ). الشيخ: طيب، وإن كان ما يعلم؟ الطالب: إما أنه (... ) بحق فليس على شيء.

الشيخ: فليس عليه شيء، إي نعم صح، إذا كان هذا الذي أُمِرَ بقتل الرجل -أمره السلطان به- يعلم أن السلطان ظالم فالضمان عليه؛ لأنه قتل نفسًا محرمة عمدًا محضًا، وإذا كان لا يعلم أن السلطان ظالمٌ فإنه لا ضمان عليه، ولكن هل يجوز أن يُطيع السلطان في قتل من لا يعرف أنه مستحق؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ترى هذه المسألة مهمة، هل يجوز -مثلًا- أنه يقتل من أمر السلطان بقتله وهو لا يدري أنه بحق؟ قال بعض العلماء: يجوز؛ لأن الأصل وجوب طاعة السلطان إلا في المعصية، وهنا لم نتحقق أنها معصية، ما تحقق أنه ظالم، فإذا لم يتحقق أنه ظالم فإن الأصل أنه لا يأمره إلا بحق.
وقال بعض العلماء: لا؛ لأن الأصل طاعة السلطان، لكن عندنا أصل آخر؛ وهو عصمة الدماء، ونحتاج إلى أن نعلم.
والصحيح في هذه المسألة التفصيل؛ فإن كان السلطان عادلًا جاز له أن يقتله من غير أن يعرف السبب، وإن كان غير عادلٍ لا يجوز أن يقتله حتى يعرف السبب، وأنه مبيحٌ للقتل.
ثم ننتقل إلى استيفاء القصاص والعفو عنه.. طالب: إذا كان (... ) يعلم أنه بظلم مثلًا.. الشيخ: إي نعم.
الطالب: هل (... )؟ الشيخ: يعلم أنه بظلم؟ الطالب: نعم، يقاد من القاتل.
الشيخ: يقاد من القاتل والسلطان آثم، السلطان يأثم بلا شك.

باب استيفاء القصاص

استيفاء القصاص والعفو عنه؛ استيفاء القصاص غير شروط القصاص؛ لأن الأول شروط لثبوته هل يثبت أو لا يثبت؟ وهذه الشروط لا يستوفى إلا بشروط؛ شروط لتنفيذه، شروط التنفيذ غير شروط القبول، فالفرق بينهما إذن أن الأول؛ الشروط الخمسة شروط لأي شيء؟ لثبوته هل يثبت أو لا، والثانية شروط لتنفيذه؛ هل ينفذ أو لا ينفذ؟

يقول: لا يستوفى القصاص إلا بشروط: أولًا: أن يكون مستحقه مكلفًا؛ وهو البالغ العاقل، لكن من مستحق القصاص؟ مستحق القصاص الورثة؛ الورثة هم الذين يستحقون القصاص؛ لأنهم هم الذين يرثون ماله، فليرثوا دمه، والدية إذا سقط القصاص من ترجع له؟ ترجع للورثة، إذن المستحق للقصاص هم الورثة، سواء ورثوا بفرض أو تعصيب أو رحم، وسواء كان سبب إرثهم الزوجية أو القرابة أو الولد.
(أن يكون المستحق مكلفًا) فلو قُتِلَ إنسان وله ثلاثة أولاد؛ اثنان بالغان وواحد لم يبلغ، يُقْتَص ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما يُقْتَص.
اثنان بالغان وواحد مجنون؟ طالب: لا يُقْتَص.
الشيخ: لا يُقْتَص، نعم؛ لأنه ليس بمكلف الثالث.
(فإن لم يكن مكلفًا حُبس الجاني حتى يكلَّف) يحبس الجاني إلى أن يكلف، فمثلًا إذا كان أحد الورثة له شهرٌ واحد، صبي، كم يُحبس الجاني؟ خمس عشرة سنة إلا شهرًا، ولَّا لا؟ طيب، إذا كان أحد الورثة مجنونًا، كم يحبس الجاني؟ طالب: حتى يفيق أو يموت.
الشيخ: حتى يفيق، أو يموت وينتقل إلى ورثته، إلا أن العلماء قالوا: إن احتاج المجنون إلى نفقة فإنه لا بأس لوليه أن يتنازل عن القصاص إلى الدية؛ لأن المدة ستطول؛ لأنه ما تعلم المدة في الحقيقة، ربما يمضي سنوات كثيرة ما أفاق هذا.
الشرط الثاني: اتفاق مستحقيه عليه؛ اتفاق المستحقين على القصاص، فإن لم يتفقوا؟ طالب: فلا قصاص.
الشيخ: فلا قصاص، لو خالف واحدٌ لا يرث إلا واحدًا من الألف فإنه لا قصاص، الدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178]، فقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (شيءٌ) كلنا يعرف أنها نكرة في سياق طالب: النفي.
الشيخ: لا، ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ في سياق الشرط؛ (مَنْ) اسم شرط.

قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يشمل القليل والكثير، فإذا عُفِيَ عن القصاص ولو جزء من مئة أو ألف جزء فإنه يسقط القصاص؛ ولهذا قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178]، والله أعلم.


(... ) الغائب وبلوغ الصغير وإفاقة المجنون.
الثالث: (وأن يُؤْمَن تعدي ضرره لغير الجاني) (أن يُؤْمَن تعدي ضرره) أي: ضرر الاستيفاء لغير الجاني، فإن كان لا يُؤْمَن فإنه لا قصاص.
مثال ذلك: امرأة حامل وجب عليها القصاص، فلا يُقْتَص منها؛ لأن الاقتصاص منها يؤدي إلى قتل ما في بطنها، وما في بطنها هل حصل منه جناية؟ لا، إذن فهو معصوم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]. ويدل لذلك قصة المرأة التي زنت فحملت من الزنا، فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تنتظر حتى تضع، ثم وضعت الطفل فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تبقى حتى تفطمه، ففطمت الصبي وجاءت إليه وفي يده كسرة خبزٍ يأكلها؛ ليتبين أن الطفل قد فطم، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها (12). القصاص مثله وهو في غاية القياس، من أوضح القياس مثل هذا، فإنه لا شك أننا لو جنينا على الحمل لكنا قتلنا نفسًا بغير حق.
وقوله: (حتى تضع ولدها وتفطمه إن لم يُوجَد من يرضعه) فإن وُجِدَ من يرضعه وطالب أولياء المقتول بالقصاص اقْتُص منها؛ لأنه في هذه الحال يُؤْمن من التعدي، ولكن مع ذلك نقول: الأفضل أن تبقى حتى تفطمه؛ لأن لبن غير الأم لا يساوي لبن الأم، لا يساويه.
الحاصل الآن أن الشرط الثالث: (أن يُؤمن تعدي ضرره لغير الجاني)، فإن لم يُؤمن فما الحكم؟ لا يثبت القصاص ولَّا لا يُسْتَوفى القصاص؟ لا يُسْتَوفى القصاص حتى يزول الخطر.
إذا أضفنا هذه الشروط الثالثة إلى الشروط الخمسة السابقة صار القصاص لا يتم إلا بثمانية شروط؛ ثلاثة لجواز الاستيفاء، وخمسة لثبوت القصاص.

طالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم (... )؟ الشيخ: لا، ما (... )، بل أمرها أن ترضعه حتى تفطمه؛ ولهذا قلنا: الأولى ألَّا يُقْتَص منها حتى تفطمه، ولكن عاد الفرق بينهما أن ذاك حقٌّ لله سبحانه وتعالى، وأما هذا فهو حقٌّ للآدمي فإذا طالب بحقه.. إي نعم.

باب العفو عن القصاص

الفقرة الثانية: (يجوز العفو عن القصاص إلى الدية، أو مجانًا وهو أفضل، إلا أن تكون المصلحة في القصاص).
القصاص حقٌّ ثابت لمن؟ لأولياء المقتول، كل وارث له حقٌّ فيه؛ بفرض أو تعصيب حتى الزوج أو الزوجة، ويجوز العفو عن القصاص إلى الدية، فيختار الدية فقط.
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 178]، وهذا دليلٌ على جواز العفو إلى الدية؛ لقوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178]، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» (13). وظاهر الآية الكريمة أن ذلك الخيار ثابتٌ مطلقًا، وهو قول جمهور أهل العلم؛ لظاهر الكتاب والسنة.
وذهب الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعةٌ من أهل العلم إلى أن القتل الغِيلة لا خيار فيه، قتل الغيلة ليس فيه الخيار، وأنه يجب القصاص، حتى لو أن أولياء المقتول عفوا فإنه لا يسقط القصاص.
وقتل الغيلة هو الذي يكون على غِرَّة، يأتيه -مثلًا- وهو نائم أو في مكان آمن -كالمساجد والأسواق وما أشبه ذلك- فيقتله، فيقول الإمام مالك وشيخ الإسلام ابن تيمية: إنه لا خيار، وعلى هذا حملت قصة علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قتله عبد الرحمن بن ملجم فاقتص منه الحسن بن علي (14)، مع أن هناك ذرية صغارًا لم يبلغوا، لكنه اقتص منه ولم ينتظر بلوغ الصغار؛ لأنه هنا ليس فيه التخيير على هذا المذهب؛ ليس فيه التخيير بين القصاص وبين الدية، بل القصاص لا بد منه؛ فلهذا اقتص منه الحسن رضي الله عنه.

جارٍ التحميل