الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 8224-8263

الشيخ: لا يا أخي غلط، هي صفة للقاسم؛ يعني (بقاسم ينصبونه) أو بقاسم (يسألون الحاكم نصبه)، ولكنه سبق لنا أن الأفعال الخمسة يجوز حذف نونها للتخفيف، ولو بدون ناصب أو جازم، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا»، (1) «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا».
ولو كانت على الأصل لقال: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ثم قال: «وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا».
طيب «تُؤْمِنُوا»، الأولى، و «تَحَابُّوا»، حذف النون فيها على الأصل؟ طالب: الأولى صحيحة.
الشيخ: و «تَحَابُّوا» على الأصل، منصوبة بأن مضمرة بعد حتى.
طيب، المهم لا ننتقل لبعيد.
إذن (أو يسألوا الحاكم) يجوز حذف النون تخفيفًا؛ يعني يجوز أن يختاروا قاسمًا ينصبونه هم بأنفسهم، فيذهبون إلى القاسم المعروف، والغالب أن القسَّامين يكونون معروفين، ويقولون: تعالَ، اقسم لنا هذه الأرض، اقسم لنا هذا البيت، اقسم لنا كذا وكذا، أو يسألون الحاكِم نصبَه، يذهبون إلى القاضي ويقولون: نحن بيننا شركة في أرض، أرسِلْ لنا قاسمًا يقسم لنا.
لماذا جاز هذا وهذا؟ لو قال لك قائل: أين الدليل؟ قلنا: لدينا قاعدة: لا يُطالَب الْمُبِيح في المعاملات بالدليل.
طالب: على الأصل.
الشيخ: توافقون على هذا؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: لا يُطالَب المبيح في المعاملات بالدليل، كل من قال: هذا مُباح في معاملة، ما نقول له: ويش دليلك؟ لماذا؟ لأن هذا هو الأصل، الأصل في المعاملات، والأصل في المأكولات، والمشروبات، والملبوسات، والمسكونات والمنتفع بها، الأصل فيها الحل حتى يقوم دليل التحريم، بخلاف العبادات، فالعبادات الأصل فيها الحظر حتى يقوم دليل التشريع، ولهذا نقول لمن تعبَّد لله بعبادة، وقال: هذا مسنون، هذا مشروع، نقول له: هات الدليل، وإلا فهي مردودة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
(2)

إذن إذا قال قائل: ما الدليل على أنه يجوز أن ينصبوا القاسم أو يسألوا الحاكم؟ نقول: الدليل على الأصل، وهو الإباحة.
وما الدليل على المنْع؟ ما فيه دليل، لكن كلمة (قاسم) يقتضي أن يكون له نوع من الحكم، ولهذا لا بد أن يكون عالمًا بالقسمة وأمينًا، أما يجيبوا واحد درويش ما يعرف يقسم، ثم يقولوا: اقسم، يصلح؟ ما يصلح.
لا بد أن يكون أيضًا أمينًا، قد يكون عالمًا بالقِسمة وجيدًا، لكن ليس عنده أمانة، يُرجِّح جانبًا على آخر لأجل أن يُحيله إلى شخص يحابيه به من أحد الشركاء، فلا بد أن يكون عالمًا أمينًا.
قال: (وأُجرته على قدْر الأملاك) مُطلقًا.
أجرته على قدْر الأملاك، أو على قدْر الملاك، أو على الشَّرط؟ أقوال ثلاثة، المذهب كما قال المؤلف: (على قدْر الأملاك)، لا على قدر الملاك، فمثلًا: إذا استأجرنا هذا القاسم بست مئة، وكانت الأرض مشتركة؛ لواحد سهمان، وللآخر أربعة، كم على صاحب الأربعة؟ أربع مئة، وعلى صاحب السهمين مئتان؛ لأن الأجرة على قدْر الأملاك.
طيب، الأرض اللي بين شخصين لأحدهما اثنان من ستة، وللآخر أربعة من ستة، يعني الثلث والثلثان، كيف تُقسم؟ تُقسم سهمين ولَّا ثلاثة أسهم؟ طالب: ثلاثة.
طالب آخر: سهمين اثنين.
الشيخ: لا، ثلاثة أسهُم لازم، ثلث، وثلث، وثلث، ثم يُقرع، ولهذا قالوا: تكون على قدْر الأملاك؛ لأن صاحب الثلثين أتاه قسمتان ولَّا لا؟ وصاحب الثلث أتاه قسمة واحدة، فلهذا صارت على قدْر الأملاك.
فيه قول الآخر يقول: على قدْر الْمُلَّاك، فعلى هذا في المثال اللي ذكرنا لأحدهما ثلثا الأرض، وللآخر الثلث، والأجرة ست مئة.
كم نوزعها؟ مناصفة؛ لأن المالِكَيْن اثنان، فمناصفة.
والقول الثاني: على الشرط، وبدون الشرط على قدْر الأملاك، فإذا قال: بنروح إلى القاسم، وترى الأجرة أنصافًا؛ لأني أنا واحد وأنت واحد، فرضي بذلك جاز، وإلا فعلى قدْر الأملاك.
وهذا القول أصح.

أما كونه على قدْر الأملاك فقد سبق بيان وجهه، وأما كونها على حسب الشرط فلعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ»، (3) وقوله: «إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ»، (4) فهذا يدل على أن الشروط يُوفى بها، وقوله: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».
(5) قال: (فإذا اقتسموا أو اقترعوا).
عندكم (أو) ولَّا (واقترعوا)؟ طلبة: (أو اقترعوا).
الشيخ: (أو اقترعوا)، عندي أنا: (واقترعوا لزمت القسمة، وكيف اقترعوا جاز).
إذا اقتسموا لزمت القسمة؛ هذا إذا كانت القسمة قسمة إجبار، فإذا اقتسموا ورضي كل واحد منهم بها لزِمت القسمة ولا خيار، ولو كانوا في مجلس القسمة، هذا في قسمة أيش؟ قسمة الإجبار، بأن اقتسموا الآن وتراضيا، وقال: يا فلان، هذا لك، وهذا لي، تلزم القِسمة، ولا فيها خيار، لماذا؟ لأنها إفراز أيش؟ لا بيع، أما إذا كانت قِسمة تراضٍ، فإنها لا تلزم بمجرد القسمة، بل لهما الخيار ما داما في المجلس، لماذا؟ لأنها بيْع، والبيع فيه الخيار، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا».
(6) بيننا أرض كبيرة، قسمة الأرض الكبيرة قسمة إجبار؛ يعني لو واحد امتنع يُجبر، قسمناها الآن، قلت لك: ماذا تريد؟ قال: أبغي هذا، الجانب الشرقي، ولك الجانب الغربي، فقلت: موافق.
تلزم القِسمة الآن.
لو أراد يرجع، وقال: أنا أريد نصيبك أو أنت، له الحق ولَّا لا؟ ليس له الحق، متى اقتسموا لزمت القسمة، والقسمة الآن هنا بيْع ولَّا إفراز؟ إفراز، الآن أفرزت نصيبي من نصيبك وخيَّرتك، ما ترجع.

أما إذا كانت القِسمة قِسمة تراضٍ، لا يُجبر أحدهما عليها، كدار صغيرة عدلناها بالقيمة، وجعلنا مع الرديء منها زيادة فلوس، واقتسمنا، وقال: أنا أريد الرديء وتعطيني الفلوس، قلنا: ما يخالف.
فهنا القِسمة بيع ولَّا إفراز؟ بيع، لكل واحد منا الخيار ما دمنا في المجلس، العلة؟ لأنها بيع، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا».
(6) كذلك إذا اقتسموا واقترعوا، إذا اقتسموا وتمت القِسمة، فلتمييز نصيب أحدهما طريقان؛ إحداهما: التخيير، والثاني: القرعة.
التخيير، أخذنا مثاله: لما قسمنا الأرض المشتركة قلت لك: اخترْ، فتخيرت.
هذا أظن المسألة فيه واضحة.
قلت: خيِّرني؟ قال: ما أنا مخيرك، خير لنا أنت؟ قلت: ما أنا مخيرك، كل واحد منا أبى أن يُخيِّر الآخر، ويش نعمل؟ نلجأ إلى القرعة، القرعة كيفما اقترعنا جاز، على أي صفة تكون، فإذا اقترعنا لزمت القرعة.
هذا في قسمة الإجبار.
في قسمة التراضي كما سبق لكل منا الخيار ما دمنا في المجلس.
طيب، لو قسمنا بيننا ثمر نخل، بيننا ثمر نخل، وقسمناه خرصًا على رؤوس النخل، يجوز ولَّا لا؟ يجوز؛ لأن هذا إفراز وليس ببيع، ولو كان بيعًا ما جاز؛ لأنه لا يجوز أن يبيع عليك ثمر نخل عندك مثلًا، قسمناه وخيَّرناه، خيَّر أحدنا الآخر فاختار الْمُخيَّر نصيبه، ثم بعد ذلك رجع، وقال: والله القِسمة فيها خطأ، يُقبل ولَّا لا؟ لا يقبل.

وهنا قصة غريبة وقعت هنا في البلد: اقتسَم رجلان ثمر نخل بينهما، وكان ذلك في شهر رمضان، فقال أحدهما للآخر: اختَرْ.
تمشَّى الْمُخَيَّر بين النخل وقال: أختار هذا الجانب، قال: خُذْه، ثم قال للجذَّاذين الذين يجذون النخل: أُحب أن تأتوا إليَّ في نهار رمضان، في النهار.
لماذا؟ قال: لئلا يأتي المساكين يأكُلون، في نهار رمضان، ما يأكل المساكين التمر، فجاء الجذَّاذون في النهار، وجذوا التمر ودخَّلوه، أما أحدهما فأعلن عند باب المسجد، قال: إنه سيجذ نخله بعد عيد الفطر في النهار، فمن أحب منكم أن يأتي فنحن نتشرف بذلك، أو قال: فالله يحييه، ولما أفطر الناس، وكان الناس في ذلك الوقت في جوع شديد، قال: تصدقون فيه واحد الآن موجود عندنا هنا حي يُرزق، يقول: كان أبوه إذا أتى بالنوى، تعرفون النوى؟ العبس، نجتمع إليه ونحن صغار إذا وجدنا عبسة أو نواة فيها (... )، أخذناها نمصها، إلى هذا الحد! هذا واقع يا ناس، نحن ما نعرف الأمور هذه، الحمد لله.
الفقراء لما أفطروا رمضان، وصاروا في اليوم الثاني، وجاء الجذَّاذ، ذهبوا إلى هذا الرجل، وجعلوا يجذون النخل، ويأكلون ويشبعون، في ذلك الوقت الواحد يأكل ما شاء الله الشيء الكثير.
طالب: لا (... ).

الشيخ: ما يشبع، أكلوا كثيرًا، ودخل كثيرًا سبحان الله العظيم! دخَّل كم من حمل؟ أكثر من حمولة صاحبه الشريك الذي جذ في النهار في رمضان، فادَّعى الغبن، الشريك الأول المخيَّر ادَّعى الغبن والخطأ في القسمة، وقال: أنا والله غُبنت والقسمة خطأ، قال: والله ما أسرق، أنا خيرتك، قسمنا جميعًا وخيَّرتك، ورجعت إلى النخل، ومشيت فيه، واخترت أنت.
تحاكموا إلى القاضي، قال: ويش القصة؟ قال: والله ما خبرنا إلا أنه جذَّ في النهار في رمضان لئلا يأكل منه الفقراء، أما أنا فأخَّرته حتى أفطر الناس وجاؤوا يأكلون ويشبعون.
قال: هذه هي العلة.
والحمد لله أنه ما صار تملك حشفًا، يعني الذي جذَّ في رمضان.
كقصة أصحاب الجنة (... ).


[باب الدعاوى والبينات] الدعاوى والبينات، الدعاوِي، أو الدعاوَى جمع (دعوى)، وهي في اللغة: الطلب، قال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس: 57]، أي: ما يطلبون، وأما في الاصطلاح فهي إضافة الإنسان لنفسه شيئًا على غيره، سواء كان هذا الشيء عينًا، أو منفعة، أو حقًّا، فكله يُسمَّى دعوى.
والإضافة إما أن تكون إضافة الإنسان شيئًا لنفسه على غيره، فهذه أيش؟ دعوى، أن يضيف الإنسان شيئًا لنفسه على غيره، يقول: لي على فلان كذا، سواء كان هذا عينًا أو منفعة، أو حقًّا أو دَيْنًا؛ أربعة أشياء، فالإضافة ثلاثة أقسام: أن يضيف الإنسان شيئًا لنفسه على غيره؛ وهذه دعوى، أن يضيف الإنسان شيئًا لغيره على نفسه؛ وهذا إقرار، أن يضيف الإنسان شيئًا لغيره على غيره؛ وهذه شهادة، فهذه أنواع الإضافات.
نحن الآن في النوع الأول؛ وهو أن يضيف الإنسان شيئًا لنفسه على غيره، هذا الشيء إما عين، وإما منفعة، وإما دَيْن، وإما حق، أربعة أشياء؛ إما عين بأن يقول: أدعي على فلان أن هذا الذي بيده من كتاب، أو حقيبة، أو غيره لي.
هذا ادعى عينًا.
منفعة: أدعي عليه أني استأجرته لمدة شهر، هذه منفعة.

دَيْن: أدعي عليه أن في ذمته لي مئة ريال، هذا دَيْن.
حق: يدعي فلان على فلان أنه قذفه، هذا لا هو دَيْن ولا عين ولا منفعة، ولكنه حق، وكذلك لو قال: أدعي عليه استحقاق شفعة أو ما أشبه ذلك.
المهم أن نقول في تعريف الدعوى أيش؟ إضافة الإنسان شيئًا لنفسه على غيره، هذا الشيء إما عَيْن، أو دَيْن، أو مَنْفعة، أو حق.
أما (البينات)، فالبينات جمع (بَيِّنة)، وهي ما أبان الشيء وأظهره.
وهي أنواع، وفي كل موضِع بحسبه، فبيِّنات الرسل آياتهم التي تدل على رسالتهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الحديد: 25]، وبينات اللُّقَطة أن يصفها مُدَّعوها، وبينات القسامة أن يحلف المدعون خمسين يمينًا، وهكذا، إنما البينة نقول: كل ما أبان الشيء وأظهره، سواء كان قرينة أو حجة شرعية كالشهادة.
سليمان بن داود لما تخاصمت إليه المرأتانِ في ولد إحداهما، دعا بالسكين ليشقه بينهما نصفين، فقالت الكبيرة: شُقَّهُ نصفين، وقالت الصغيرة: لا تَشُقَّه، هو ولدها.
فقضى به للصغيرة.
(7) أين البينة؟ هذه القرينة القوية بَيِّنة، فلهذا حكم به للصغيرة بدون يمين، وبدون أي شيء؛ لأن امتناعها من أن يُشقَّ الولد نصفين دليل على أنها أمه، أما تلك الأخرى فهي ما بسائلة، لأن ولدها مأكول، وتريد أن (... ) ما يهمها.
فهمنا الدعوى والبينة الآن.
الدعوى: إضافة الإنسان شيئًا لنفسه على غيره.
البَيِّنة: كل ما أبان الشيء وأظهره، وهو في كل موضع بحسبه، فإما أن يكون حُجَّة شرعية يجب قبولها، وإما أن يكون قرينة يُباح الأخذ بها.


فَسَّر المؤلف المدَّعِي والْمُدَّعَى عليه، فقال: (الْمُدَّعِي من إذا سكت تُرِك، والمدَّعَى عليه من إذا سكت لم يُترك).
هذا المدعِي، المدعِي هو الذي إذا سكت يُترك، والمدَّعَى عليه إذا سكت لم يُترك.
هذا تعريف المؤلف.

مثال ذلك: ادَّعيت عليك مئة ريال، إذا سكتُّ أنا عن الدعوى تتركني أنتَ ولَّا لا؟ إي، تتركني، والحمد لله اللي فكر أنه..، لكن أنت إذا سكتَّ، هل أتركك؟ لا أتركك، هكذا يقول المؤلف، والمسألة فيها شيء من النظر؛ لأن المدَّعَى عليه قد يُترك إما لزهادة الدعوى، تكون عشرة ريالات ولا تسوى منه يطالبه ويذهب إلى المحكمة وإلى الشرطة، وما أشبه ذلك، فيُترك.
لكن أضاف بعض العلماء إلى هذا قيدًا وقالوا: مَنْ إذا سكت لم يُترك بعد المطالَبة؛ لأن المدعى عليه إذا كان المدعى به شيئًا زهيدًا يمكن يُترك ولَّا لا؟ يمكن يترك، دائمًا يكون للإنسان يبقى عشرة ريالات عند واحد، أو أكثر، أو أقل من الأشياء البسيطة المزهود فيها، ولا يطالبه، يتركه.
وقال بعضهم: المدَّعِي من يُضيف الشيء إلى نفسه، والمدَّعَى عليه من يُنكره، سواء تُرِك أو لم يُترك؛ فإذا أضفت شيئًا لنفسك إلى غيرك وأنكر، فأنتَ المدعِي وهو المدَّعَى عليه، وهذا هو الذي يوافق الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، (8) وعليه فيكون هذا التعريف أقرب من تعريف المؤلف؛ لما يرد على تعريف المؤلف من الانتقاض في أن المدَّعَى عليه قد يُترَك.
وأظن المسألة ما تحتاج إلى ذلك العناء الكبير؛ لأنه مفهوم، الطالب مُدَّعٍ، والمطلوب مُدَّعًى عليه، وهذه يمكن كل واحد يعرفها (... ).


(ولا تصح الدعوى والإنكار إلا من جائز التصرف) وهو البالغ، العاقل، الْحُر، الرشيد.
هذا جائز التصرف.
فضد البالغ الصغير، هذا لا تصح منه الدَّعْوى ولا الإنكار، إلا فيما يجوز له التصرف فيه؛ لأنه سبق لنا في البيع أنه يجوز تصرف الصبي والصغير بإذن وليهما في الشيء الزهيد اليسير، لكن الشيء الذي لا يصح التصرف فيه لا تصح الدعوى منه، ولا الإنكار.
طيب، إذن من يُدَّعى عنه، ومن يكون منكرًا؟

وليُّه هو الذي يُقيم الدَّعوى على منْ عليه حق لهذا الصغير؛ لأن الصغير لا بد له من ولي، فوليه هو الذي يُقيم الدعوى عليه، ووليه أيضًا هو الذي يتولَّى الإنكار فيما لو ادَّعى عليه، أما الصبي فلا يصح منه دعوى ولا إنكار.
الشرط الثاني: أن يكون عاقلًا، ضده المجنون، فالمجنون لا يصح منه دعوى ولا إنكار، لكن الدعوى عليه تصح ولَّا لا؟ كالصغير، الدَّعوى عليه تصح، لكن الدَّعوى منه والإنكار ما يصح.
من يتولى ذلك؟ وليُّه.
الْحُرُّ ضده العبد الرقيق، فلا تصح منه دعوى ولا إنكار فيما لا يصح تصرفه فيه، أما ما يصح تصرفه فيه كطلاق امرأته مثلًا، فيصح الدعوى منه والإنكار، لكن الأمور المالية لا يصح منها دعوى ولا إنكار؛ لأن العبد لا يملك، والمال الذي بيده لسيده، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ، فَمَالُهُ لِبَائِعِهِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ».
(9) إذا كان المال الذي بيده ليس له، وإنما هو لوليه؛ فإنه لا يصح منه دعوى ولا إنكار؛ لأنه لا يملك هذا المال.
الشرط الرابع: الرشيد.
الرشيد هو الذي يحسن التصرف في ماله، في هذا الموضع هو الذي يحسن التصرف في ماله، ضده: السفيه الذي يبذل ماله في المحرم، أو في غير فائدة، فالمحرم كأيش؟ كالدخان، في غير فائدة؟ مَثَّل العلماء قالوا: يشتري نفطًا، يعني بترول، يشتري جاز، يشتري غاز (... ). هذا يقولون: إنه ليس برشيد؛ لأنه يبذل ماله فيما لا فائدة فيه، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال، (10) وإضاعة المال صرفه في مُحرَّم، أو فيما لا فائدة فيه.
إذن لا تصح الدعوى إلا من جائز التصرف، وكذلك الإنكار، وغير جائز التصرف يقوم وليه مقامه.


(وإذا تداعيا عينًا بيد أحدهما فهي له بيمينه، إلا أن تكون له بينة فلا يحلف).

(إذا تداعيا عينًا) يعني رجلان تداعيا عينًا، كل واحد منهما يقول: هي لي، (وهي بيد أحدهما فهي له بيمينه، إلا إذا كان له بينة فإنه لا يحلف) اكتفاء بماذا؟ اكتفاء بالبينة.
مثال ذلك: ادَّعى زيدٌ على عمرو أن المسجل الذي معه له، أين زيد؟ فقال: عمرو: ليس لك، العين الآن بيد مَنْ؟ بيد عمرو، نقول: هي لكَ بيمينك، إذا حلف قال: والله إن هذا المسجل لي وليس لفلان، فهي له، إلا إذا كان عنده بينة، فلا حاجة إلى اليمين، اكتفاءً بالبينة؛ لأن البينة أقوى من اليمين، ولا يرِد الأضعف على الأقوى، بل يدخل في الأقوى، الأضعف لا يرد على الأقوى، بل يدخل فيه، وحينئذٍ يُكتفى بالبينة.
قد يقول قائل: كيف يُعمل بالبينة وهو مُدَّعًى عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»، (8) فجعل البينة في جانب المدعي، وجعل اليمين في جانب المدَّعَى عليه؟ فالجواب أن يقال: نعم، الرسول عليه الصلاة والسلام قال هذا اكتفاءً بأدنى موجب ومثبت وهو اليمين؛ لأنه لما كانت العيْن بيده ترجَّح جانبه فاكتُفي فيه باليمين؛ هذا الجواب، فصار الحديث إنما ذُكر به أدنى موجِب لانتفاء الحق عنه وهو اليمين، فإذا وُجِد ما هو أعلى وهو البينة اكتُفي بها.
إن أقام الْمُدَّعي بينة، فلمن؟ فللمُدَّعِي، إذا أقام بينة فهي له، واضح.
لو أقام بينة وحلف المدَّعى عليه؟ لم يُعتدَّ بيمينه، البيِّنة تُقدَّم.
قال المؤلف: (وإن أقام كل واحد بينة أنها له؛ قُضي للخارج ببينته، ولغت بينة الداخل).
أقام المدَّعِي بينة أنها له، وأقام المدَّعَى عليه بينة أنها له، يقولون: يُقضى ببينة الخارج دون بينة الداخل.
ويش الداخل والخارج؟ الداخل من هي بيده، والخارج من ادَّعى، المدعِي؛ فيُقضى للخارج ببينته وتُلغى بينة الداخل.

ادَّعَى زيدٌ على عمرو بأن هذا المال الذي في يد عمرو له، قال عمرو: لا، لي، وعندي بينة، وجاء ببينة.
وزيد المدَّعِي جاء ببينة أيضًا، كل منهما جاء ببينة.
يقول المؤلف: إنه يُقضى بها للمدَّعِي، يُقضى بالعين للمدعِي، لزيد؛ لأنه هو الخارج.
الخارج الذي ليس بيده؛ لأنه خارج برَّه، والداخل التي هي بيده؛ يعني المدعِي خارج والمدَّعَى عليه داخل.
لماذا؟ قالوا: للدليل والتعليل؛ أما الدليل فإن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل البينة في جانب المدَّعِي، قال: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي» (11). وهي خطيرة في التحمُّل، وفي الأداء، أما التحمل فيجب ألا يتحمل الإنسان شهادة إلا وقد علمها عِلم اليقين، حتى إنه رُوي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لرجل: «تَرَى الشَّمْسَ؟ ». قال: نعم.
قال: «عَلَى مِثْلِهَا فَاشْهَدْ أَوْ دَعْ».
(12) على مِثل الشمس، حتى لو وجدت قرائن تدل على الأمر، لا تشهد بها، لكن اشهد بالقرائن التي رأيت، أما أن تشهد بما تقتضيه هذه القرائن، فهذا لا يجوز؛ لأن الشهادة لا بد أن تكون عن عِلْم.
ومع الأسف أن شهادة الزور كثرت في هذا الزمن، حتى أصبحت رخيصة، يجد الإنسان في السوق من يشهد له بعشرة ريالات، بل بأقل، وأحيانًا ربما يقول: كم مقدار الدعوى التي تدعي؟ قال له: أدعي مليون ريال، قال: مليون ريال كثيرة، أبغي أشهد بألف ريال.
ولو قال له: مئة ألف، قال: يكفيني مئة ريال.
على حسب الدعوى، كبرها من صغرها، وكل هذا -والعياذ بالله- تلاعُب، وظُلم، وعُدوان.

﴿كتاب الشهادات﴾ تَحَمُّلُ الشَّهاداتِ في غيرِ حقِّ اللهِ فَرْضُ كِفايةٍ، وإن لم يُوجَدْ إلا مَنْ يَكْفِي تَعَيَّنَ عليه، وأَداؤُاها فَرْضُ عينٍ على مَن تَحَمَّلَها مَتى دُعِيَ إليها وقَدَرَ بلا ضَرَرٍ في بَدَنِه أو عِرْضِه أو مالِه أو أَهْلِه، وكذا في التَّحَمُّلِ، ولا يَحِلُّ كِتمانُها، الشهادة نوعان: تحمُّل، وأداء.

مدخل

التحمُّل معناه: التزام الإنسان بالشهادة، أن يلتزم الإنسان بالشهادة؛ هذا يُسمَّى تحملًا، والأداء أن يشهد بها عند الحاكم؛ هذا أداء.
وكل منهما صعب؛ لأن التحمل لا بد أن يكون عن عِلْم، وتأتي -إن شاء الله- أنواع طرق العِلْم، والأداء لا بد أن يكون عن ذِكْر مع العِلْم.
الذي يرد على التحمل: الجهل، والذي يرد على الأداء: النسيان، وكلاهما يجب على الإنسان أن يحترز منه.
أما تحملها فيقول المؤلف: (تحمل الشهادة في غير حق الله تعالى فرْض كفاية، وأداؤها فرض عَيْن).
(تحمل الشهادة) ويش معنى تحملها؟ طالب: أداؤها.
الشيخ: الالتزام بها، ما هو أداؤها، الالتزام بها، هذا في غير حق الله فرض كفاية، فإذا طلب منك شخص أن تشهد على إقرار زيد بحق له فالشهادة فرْض كفاية، إن قام بها من يكفي سقطت عنك، وإلا وجب عليك؛ ولهذا قال: (وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه).
دعاك شخص لتشهد على إقرار زيد بحق له، ولا في المكان غيرك، يجب أن تجيب؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: لأنه ما فيه غيره.
الشيخ: لأنه ما فيه غيره، ما فيه من يقوم بالكفاية.
دعاك إلى أن تشهد ومعه شاهد واحد؟ يجب ولَّا لا؟ يجب، فإذا قال: معكَ شاهد؟ قال: نعم، لكن الشاهد ما يكفي.
قال لك: الشاهد مع يمينك كافٍ.
ماذا يقول؟ يقول: أولًا: هذه مسألة خلاف، وأخشى أن نتحاكم إلى قاضٍ لا يرى هذا الرأي فيضيع حقي.
الثاني: أن اليمين الذي يُحكم به، هذا لا يكون إلا عند الضرورة، فإذا وُجِد من يشهد فلا حاجة لليمين.
دعاك لتشهد له، فقلتَ: هذا أبوكَ عندك، أبوك يشهد لك؟

طلبة: (... ). الشيخ: أبوه يا إخوان؟ أبوه؟ يقدح في أبيه؟ نعم، ما يقدح بأبيه، لكن ما تُقبل شهادته له، يقول: نعم، أبي ونعم، ولا فيه شيء، لكن لو شهِد لي ما تُقبل.
إذن يتعيَّن ولَّا ما يتعين؟ يتعيَّن.
هذا في حقوق الآدميين، أما في حقوق الله فلا يتعين التحمل، فلو دعاك شخص لإنسان وقال: تعالَ شوف، تعالَ اشهد على فلان يشرب الخمر، فإنه لا يجب عليك أن تتحمل الشهادة؛ لأن هذا حق لله عز وجل، وبإمكانك أن تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر دون أن تشهد، لكن لو فُرِض أن امتناعك يتضمن ضررًا على هذا الذي دعاك، فربما نقول: يجب دفعًا للضرر، أما إذا لم يكن ضرر فإن تحمُّلها في حق الله ليس بواجب.
طيب، لماذا؟ يقولون: لأن هذا لا يضيع حق آدمي، إنما هو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والستر على فاعل المحرم أو على العاصي قد يكون أفضل من إظهاره وإعلانه، وهذا يختلف بحسب الحال.


يقول المؤلف: (وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه) الدليل: قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: 282]، وهذه الآية قد يُعارض فيها معارِض، كيف؟ يقول: إن الله قال: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، وهذا في الأداء ولَّا في التحمل؟ طالب: في الأداء.
طالب آخر: في التحمُّل.
الشيخ: في الأداء واضح؛ لأن الرجل المدعو شاهد لا شك: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، ولكن قد يقول قائل -كما استدل به الأصحاب-: إن الشهيد هنا يشمل من شهد بالفعل، ومن دُعِي ليشهد، فهو شهيد؛ لأنه دُعِي للشهادة، ولنا أن نُثبت هذا أيضًا بالقياس؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ [البقرة: 282]، وأيهما أشد الكاتب ولَّا الشاهد؟ أيهما أشد؟ الكاتب، الكاتب يحتاج إلى تعب وعمل، هذا ما يحتاج إلى تعب ولا عمل، غاية ما هنالك أن يطلع فيضبط الشهادة.


قال: (وأداؤها فرْض عين على من تحملها متى دعي إليه) الأداء معناه؟ ويش معنى الأداء؟ إثبات الشهادة عند القاضي مثلًا، فإذا تحمل الشهادة وجب عليه أن يشهد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]، فحَكَم الله عز وجل بإثم قلب الإنسان الذي كتم، وأضاف الإثم إلى القلب؛ لأن شهادته لا يعلمها إلا الله عز وجل؛ من الجائز أن يُنكِر، الكاتم منكِر، فلما كان إنكار الشهادة وهو يعلم أنه شاهد محله القلب، قال: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾.
وقال بعض العلماء: أداؤها فرض كفاية، ويظهر أثر الخلاف فيما لو أشهد عشرة، وتحملوا الشهادة، وتحاكم مع خصمه للقاضي، فذهب إلى اثنين من العشرة وقال: إني حاكمت خصمي، فاذهبا معي لأداء الشهادة.
على رأي المؤلف: يتعين أن يذهبا معه، وعلى القول بأنه فرْض كفاية لا يتعين؛ يعني يقولان له: اذهب إلى ثمانية آخرين غيري يشهدون معنا، اطلب اثنين منهم.
ولكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف: أنه إذا دُعِيَ إليها وجب عليه عينًا أن يشهد؛ لأننا لو قلنا بجواز أن يحول الشهادة إلى الآخرين، وراح لاثنين من الثمانية قالا: معنا أربعة باقون، فراح لاثنين قالا: باقي اثنين، راح لاثنين قالا: (... ) يضيع المسكين حقه.
فالصواب أنه إذا تحمَّل ودُعِيَ وجبَ عليه عينًا أن يؤدي الشهادة، ولو لم يكن منها إلا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]. طالب: (... ). الشيخ: لا، ما يمكن؛ لأن الدعوى تنتهي للمحاكمة أول مرة، إلا إذا ادَّعى سببًا جديدًا.
الطالب: (... ). الشيخ: سبب جديد، قال: اشتريتها منه مثلًا، يمكن.
طالب: (... ).

الشيخ: هو على كل حال، لو وجد أن البينتين مؤرختان، وقال في البينة بينة الخارج: نشهد أنها ملك زيد، باعها عليه، وبينة الداخل قال: نشهد أنها ملكه، ولا نقول: باع ولَّا ما باع.
هذا ربما نكون نُرجِّح بينة الخارج؛ لأنها ذكرت سببًا لانتقال الملك.
أو مثلًا قال: بينة الداخل، نشهد أنها ملكه في أول الشهر، والخارج قال: نشهد أنها ملكه في الخامس عشر من الشهر.
عرفنا الانتقال، الكلام على التعارض من كل وجه.
طالب: (... )؟ الشيخ: نعم، هم يقولون هذا، يقولون: الظاهر هنا بينة يجب قبولها، وهي بينة الداخل؛ لأن الظاهر إذا كان حُجَّة شرعية يجب قبولها فهو مقدم على الأصل.
طالب: (... ). الشيخ: هذا ما فيه بينة، ما عندنا حجة شرعية يجب قبولها هنا، قالوا: لأن الحجة الشرعية اللي هي البينة تمحو كل قرينة وكل سبب.
طالب: (... ). الشيخ: صورة ادعاء المنفعة؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما تعرفها؟ الطالب: (... ). الشيخ: ما مثلنا بها.
طالب: بالإجارة.
الشيخ: بالإجارة، السبب هو (... ) العقد، وعلى استلام الأجرة، وهذا المستأجر يقول: ما أوفى عندي، إلى الآن أنا أطالبه بالمنفعة.
طالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، (8) لماذا نطالب المدَّعَى عليه بالبينة ويكفينا يمينه، ما نحتاج لبينة منه، حتى لو وُجدت البينة لها سبب لوجودها.
الشيخ: الآن هو أتى بها، لما جابلك بينة (... ) تؤخذ منه العين، فهنا عندي شهود، شهود مع يميني.
الطالب: نقول: اليمين يكفي (... ). الشيخ: يكفي لو ما كان فيه بينة، اليمين يكفي إذا لم يكن بينة، إذا لم يكن للمدعي بينة كفت اليمين.
الطالب: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «الْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ»، ما قال: إذا حضر بينة على (... ). الشيخ: معروف، البينة على الْمُدَّعِي، فإن لم يكن له بينة فاليمين على من أنكر؛ هذا معنى الحديث.

طالب: (... ) إذا كانت بينة الداخل أقوى من بينة الخارج؟ الشيخ: ما دام أن بينة الخارج مقبولة، ما دام أنها متصفة بصفة القبول فلا عِبْرة بالأقوى.
طالب: (... ). الشيخ: الشجر فرع ثابت.
الطالب: (... ). الشيخ: إي، قسمة الشجر، ما هي قسمة الثمر.
الطالب: إي نعم، وإذا دعا لقسمة الأرض من الشجر يعني (... ) ولم ينظروا إلى عدد الشجر، هل هو.. ؟ الشيخ: لا، هذا لا بد من مراعاته.
الطالب: يعني (... ). الشيخ: يرجع إلى الأصل.
الطالب: قسمة التراضي.
الشيخ: نعم.
طالب: ذكرنا في قسمة التراضي أنه يراضي أحدهما الآخر، سواء نقصت القيمة أو لم يستفد بما في يده، ولكن إذا كان لم يستفد بما في يده (... )؟ الشيخ: لأنه في هذه الحال يقولون: إنه له أن يهبه إطلاقًا، هو ما أضاع المال الثاني، لو اشتراه صاحب الأسهم الكثيرة جاز، ما هو إضاعة مطلقًا، أما نعم لو أنه ما هو مستفيد إطلاقًا قلنا: نمنعه؛ لأنه إضاعة مال.
طالب: (... ) في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 19]، على أن لفظ الشهادة لا يُشترط فيه (أشهد)؟ الشيخ: يمكن، يُستدل بالآية على أنه ما يشترط فيها (أشهد).
الطالب: بالنسبة لشهادة الأعمى حين (... )؟ الشيخ: مع أن الآية ما هي من باب الشهادة، إلا قوله: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ يعني قولهم.
الطالب: الظاهر أنهم ما قالوا (... ). الشيخ: ﴿وَجَعَلُوا﴾، اعتقدوا هذا.
الطالب: بالنسبة لشهادة الأعمى (... ). الشيخ: إي، تُقبل (... ) السمع (... ).


وسبق لنا أن الشهادة لها تحمل وأداء، فالتحمل الالتزام بها، والأداء هو الشهادة بها عند الحاكم مثلًا، وسبق لنا أن التحمُّل فرض كفاية، إذا وُجِد من يكفي سقط عن الباقين، وأن الأداء فرْض عين.
والفرق بينهما؛ أن التحمل لم يلتزم به الإنسان، ولا يُلزم به إلا إذا لم يُوجد سواه، أما الأداء فقد التزم به أولًا وتحمله، فيلزمه الأداء، ونطلب الدليل الآن على كون التحمل فرض كفاية؟ طالب: كون التحمل فرض كفاية؟ الشيخ: نعم.
الطالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]. الشيخ: لماذا أضاف الإثم إلى القلب؟ طالب: لأن الكتمان يكون في القلب.
الشيخ: نعم؛ لأن الكتمان يكون في القلب، والشهادة محفوظة في القلب.
يقول المؤلف رحمه الله: (أداؤها فرْض عين على من تحمَّلها) لكن بشروط، قال: (متى دُعِيَ إليها)، فإن لم يُدعَ إليها لم يلزمه الأداء، ولكن لو أدَّى بدون أن يُدعى إليها، فهل هذا محمود أو هو مذموم؟ اختلف العلماء في هذا، فمنهم من قال: إنه مذموم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ»، (13) وفي رواية: «يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا» (14)، فقالوا: إن هذا ذم لمن يَشهد قبل أن يُستشهد.
وعلَّلوا ذلك أيضًا بأن الإنسان الذي يُبادِر إلى الشهادة قبل أن يُستشهد قد يُتهم، ويُظن أن معه تحيُّزًا للمشهود له، أو للمشهود عليه، وإلا فما الذي جعله يشهد قبل أن تُطلب منه الشهادة؟ !

وقال بعض العلماء: بل الأفضل أن يشهد وإن لم يُسْتشهد؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ -أو قال: - أَلَا أُنَبِّئُكُمْ- بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا».
(15) وهذا يدل على فضيلة من شَهِد قبل أن يُسْتشهد.
والصحيح أن في ذلك تفصيلًا، فإن كان المشهود له لا يعلم بالشهادة فإنه يؤديها وإن لم يُسألها.
كيف لا يعلم؟ مثل أن يكون الشاهد قد استمع إلى إقرار المشهود عليه من غير أن يعلم به المشهود له، فيكون قد أقر عنده في مجلس بأن فلانًا يطلبني كذا وكذا، أو بأن العين التي في يدي لفلان، أو ما أشبه ذلك، والمشهود له لم يَعلم، فهنا إذا علم الإنسان أن المسألة وصلت إلى المحكمة، فالواجب عليه أن يشهد ويُبلِّغ؛ لئلا يفوت حق المشهود له، أما إذا كان المشهود له عالِمًا وذاكرًا فإنه لا يشهد حتى تُطلَب منه الشهادة؛ لأنه إذا تعجَّل فقد يُتَّهم في شدة محاباته للمشهود له، أو معاداته للمشهود عليه.
وأما الحديث في ذم قوم يشهدون ولا يُستشْهدون، فإنه لا يتعين أن يكون المراد به أداء الشهادة؛ إذ يحتمل أن المعنى: يشهدون دون أن يتحملوا الشهادة، فيكون هذا وصفًا لهم بشهادة الزور، ولا شك أن شهادة الزور من أكبر الكبائر؛ وهذا هو المتعيِّن في قوله: «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ»، (16) وأما قوله: «يَشْهَدُونَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدُوا»، (17) فتُحمل على قوله: «يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ»، فالتفصيل الذي ذكرنا هو المتعيِّن، أن يقال: إذا كان لدى المشهود له علم بشهادته، فلا يشهد حتى يُطلب منه ذلك، وإلا فعليه أن يُبيِّن ويشهد.

قال: (متى دُعي إليها).
ثانيًا: (وقدر) الشرط الثاني: أن يكون قادرًا على الأداء، فإن كان عاجزًا فإنه لا يلزمه؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ومن القواعد المقرَّرة المأخوذة من هذه الآية أنه لا واجب مع عجز، وعلى هذا فإذا كان عاجزًا عن أدائها فإنه لا يلزمه للعجز.
الشرط الثالث: انتفاء الضرر، ولهذا قال: (بلا ضرر في بدنه، أو عرضه، أو ماله، أو أهله)، فإذا كان عليه ضرر في بدنه بأن خاف أن يُضرب حتى يتضرر، أو في عِرضه بأن خاف أن يَغتابه المشهود عليه، أو ما أشبه ذلك.
(أو ماله) بأن خاف أن يُحرق دكانه، أو يكسر زجاج سيارته، أو ما أشبه ذلك، فهذا ضرر في المال.
(أو أهله) بأن خاف أن يُؤذَى ولده، أو زوجته، أو أبوه، أو ما أشبه ذلك، فإذا خاف الضرر، فإنه لا يلزمه لا التحمل، ولا الأداء في ظاهر كلام المؤلف.
ونحن نقول: أما في البدن والمال والأهل، فمُسلَّم أنه إذا خاف الضرر في هذه الأشياء الثلاثة، فإن الواجب يَسقط عنه، واجب الشهادة تحملًا أم أداء؛ لِمَا أشرنا إليه من الآية وهي: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
وأما العِرْض، فالعِرْض يُنظر إذا كان الضرر من المشهود عليه، فإن الغالب أنه لا يتضرر به، حتى إذا اغتابه عند الناس فإن الناس لا يقيمون وزنًا لغيبته، لماذا؟ لأنه مشهود عليه، يقول: طيب، ما اغتابه إلا لأنه شهد عليه، ولا يؤثر (... ).

أما إذا كان الضرر كبيرًا بحيث يتأثر عِرْضه، وتسقط عدالته عند الناس، وما أشبه ذلك، فقد يُسلَّم كلام المؤلف رحمه الله، فالعِرْض إذن فيه تفصيل؛ إذا كان الضرر محققًا وكبيرًا، فهذا قد يُسقط الواجب من أداء الشهادة أو تحملها، إذا كان الضرر ليس كبيرًا، أو قد لا يوجد ضرر أبدًا، مثل أن يكون انتهاك العِرْض من المشهود عليه، فإن ذلك لا يمْنع من وجوب الشهادة تحملًا أو أداء.
فالشروط إذن ثلاثة: أن يُدْعى إليها، وأن يكون قادرًا، وانتفاء الضرر.
قال: (وكذا في التحمل)، يعني أنه يشترط انتفاء الضرر.
وهل يُشترط القدرة في التحمَّل؟ نعم، يشترط، فلو دعاك شخص لتشهد له وأنت لا تستطيع، أو أنت مريض، أو تخشى إن ذهبت أن يضيع مالك، أو ما أشبه ذلك، فلا يلزمك.
لكن (متى دُعي إليها) هل يُشترط أن يُدعى إليها في التحمل أو لا يشترط؟ يعني هل يُشترط أن أدعوك وأقول: تعالَ اشهد على نُطق فلان أو على فِعْل فلان، أو لا يُشترط، بحيث إنك إذا سمعت أو رأيت وجبَ عليك أن تتحملَ؟ طالب: لا يشترط.
الشيخ: الظاهر الثاني، وأن الإنسان متى رأى أو سمع وجب عليه أن يحفظ ما سمعه أو شهده من أجل أن يؤديه إذا دُعِيَ إلى ذلك.
قال المؤلف: (ولا يحل كتمانها) أي: كتمان الشهادة؛ لما سبق من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]. ولا يَحِلُّ كِتمانُها، ولا أن يَشهدَ إلا بما يَعْلَمُه برؤيةٍ، أو سَماعٍ، أو استفاضَةٍ فيما يَتَعَذَّرُ عِلْمُه بدونِها كنَسَبٍ وموتٍ ومِلْكٍ مُطْلَقٍ ونِكاحٍ، ووَقْفٍ ونحوِها، ومَن شَهِدَ بنِكاحٍ أو غيرِه من العُقودِ فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ شُروطِه، فإن شَهِدَ برَضاعٍ أو سَرِقَةٍ أو شُرْبٍ أو قَذْفٍ فإنه يَصِفُه، ويَصِفُ الزنا بذِكْرِ الزمانِ والمكانِ والْمَزْنِيِّ بها، ويَذْكُرُ ما يُعْتَبَرُ للحُكْمِ ويُخْتَلَفُ به في الكُلِّ.
(فصلٌ) شُروطُ مَن تُقْبَلُ شَهادتُه سِتَّةٌ:

(البلوغُ) فلا تُقْبَلُ شَهادةُ الصِّبيانِ.
الثاني (العقلُ) فلا تُقْبَلُ شَهادةُ مَجنونٍ ولا مَعتوهٍ، وتُقْبَلُ مِمَّنْ يُخْنَقُ أَحيانًا في حالِ إفاقتِه.
الثالثُ (الكلامُ) فلا تُقْبَلُ شَهادةُ الأَخْرَسِ ولو فُهِمَتْ إشارتُه إلا إذا أَدَّاها بخَطِّه.
الرابعُ (الإسلامُ).
حتى لو أمكن أداء الحق بدونها فإنه لا يحل كتمانها؛ مثل لو شهد شاهدان على زيدٍ بحقٍّ، ثم أدى شاهدٌ الشهادة، وطُلب من الثاني أن يشهد، فقال لصاحب الحق: يكفي يمينك مع الشاهد؛ لأنه يُقْضَى في المال بالشاهد واليمين، فهل يحل له ذلك؟ هل يحل للشاهد الثاني أن يقول لصاحب الحق: عندك شاهد، واحلف معه، وسيُقْضَى لك بيمينك إذا شهد معك شاهد؟ نقول: لا يحل، لا يجوز، لا يحل له أن يمتنع عن الشهادة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]. يُشْتَرط أيضًا شرط لم يذكره المؤلف؛ وهو أن تكون الشهادةُ مقبولةً لدى الحاكم، فإن لم تكن مقبولة لم يلزمه أن يشهد؛ لا تحملًا، ولا أداءً.
فلو طلب الأب من ابنه أن يشهد له بحق فإنه لا يلزمه أن يشهد له، لماذا؟ لأن شهادته غير مقبولة عند الحاكم، فإن شهادة الولد لوالده لا تُقْبَل.
وكذلك العكس، لو قال الولد لأبيه: تعالَ اشهدْ، فإنه لا يلزم الوالد أن يشهد؛ وذلك لأن شهادته غير مقبولة، فلا فائدة من الشهادة.
لو كان فاسقًا، لو كان معروفًا بالفسق، وأن القاضي سيرد شهادته؛ كحالق اللحية -مثلًا- بحيث يُعْرَف هذا القاضي بردِّ شهادة حالق اللحية، وجاء إنسان وقال: تعال اشهد لي، جزاك الله خيرًا، هل يلزمه أو لا؟ لا يلزمه.
فإذا قال له صاحب الحق: تعالَ اشهدْ، قال: ما يلزمني؛ لأني لو شهدت عند القاضي ما قبلني؛ لأني حالق اللحية، فقال له صاحب الحق: اشهدْ، لعل الله يتوب عليك وتوفِّر لحيتك، فيه احتمال ولَّا لا؟ فيه احتمال، فهل يلزمه حينئذٍ؟ طلبة: لا يلزمه.

الشيخ: الاحتمال وارد الآن، نقول: يلزمه الإعفاء؛ سواء قبلت شهادته أم لم تقبل، لكن هذا الرجل ما هو مُعْفٍ لحيته، فربما نقول: إذا كانت الشهادة فورية بحيث لو تاب الإنسان لم يبقَ للحيته وقت تتوافر فيه فإنه لا يلزمه، أما إذا كانت القضية ربما تتأخر فقد يقال بلزومها.
لو دُعِيَ كافر إلى شهادة، هل يلزمه؟ طالب: كيف يلزمه؟ الشيخ: إي، يلزمه لحق الآدمي، أليست حقوق الجار تلزم الكافر؟ تلزمه، له حق الشفعة -مثلًا- على رأي بعض العلماء.
لو قال له الطالب للشهادة: اشهدْ ربما تُسْلِم؛ لأن الإنسان إذا تحمل الشهادة وهو كافر وأداها وهو مسلم تُقبَل منه، نقول: العبرة بالحال، وأما المستقبل فلا يُحْكَم به؛ لأنه غير معلوم، فلا يُجْبَر على الشهادة.
ثم قال المؤلف: (ولا أن يشهد إلا بما يعلمه) هذه معطوفة على قوله: (كتمانها) يعني: ولا يحل أن يشهد إلا بما يعلمه، وقد سبق لنا تفسير العلم: بأنه إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فلا بد أن يكون قد أدرك ما شهد عليه أو به إدراكًا جازمًا.
وقوله: (إلا بما يعلمه) يعني: ولمن يعلمه وعلى مَن يعلمه، كذا؟ طالب: إلا بما يعلمه.
الشيخ: إي، أقول: إلا بما يعلمه، ولمن يعلمه، وعلى من يعلمه.
أنتم فاهمون الآن؟ طالب: نعم.
الشيخ: (بما يعلمه) هذا المشهود به، ولمن يعلمه: المشهود له؛ وهو الطالب، وعلى من يعلمه: المشهود عليه؛ وهو المطلوب.
فهل يُشْتَرط العلم بالطالب أو لا يُشْتَرط؟ طلبة: لا يشترط.
الشيخ: طيب يا إخوان.
طالب: ليس في كل (... ). الشيخ: الآن لو شهد شخص بما يعلمه، ثم توفي، وطالَبَ الورثة، وقالوا: أنت الآن تشهد لمورثنا، قال: واللهِ، أنا ما أعرف مورثكم، ولا أدري هل أنتم ورثته أم لا؟ لكن أنا أشهد لإنسان صفته كَيْت وكَيْت، تحصل الشهادة؟ طالب: نعم.
الشيخ: طيب، نقول: هذا علم بالوصف لا بالعين.
من إذا شهد، قلنا: من يشهد عليه يُشْتَرط ولَّا ما يُشْتَرط؟ طالب: يُشْتَرط.

الشيخ: العلم بمن يشهد عليه؟ طلبة: يُشْتَرط.
الشيخ: يُشْتَرط، نعم.
طالب: باسمه ولَّا.
الشيخ: يُشْتَرط باسمه، أو بوصفه إن كان يراه.
أما يُقَال له -مثلًا-: اشهدْ على امرأة محجبة، جاب له امرأة قال: هذه فلانة بنت فلان، ما أنتِ بهي؟ قال: بلى، قال: ما عندك لي عشرة آلاف؟ قالت: بلى، قال: اشهدْ أن فلانة بنت فلان عندها لي عشرة آلاف ريال، وهي محجبة.
يمكن ولَّا لا؟ الطلبة: ما يُمْكن.
الشيخ: ما يمكن؛ لأن أي واحد يجيب امرأة محجبة، ويقول: هذه فلانة بنت فلان، ويُشَهِّدك عليها، إذن لا بد أن يكون عالمًا بمن يشهد عليه؛ إما باسمه، أو وصفه.
كذلك ما يشهد به من المال أو الحق أو الدَّيْن، كما سبق لنا في الدعاوى: لا يشهد إلا بما يعلمه، فلا يجوز أن يشهد بالقرينة، ولا يجوز أن يشهد بغلبة الظن، بل لا بد من العلم، فلو رأى شخصًا خرج من بيتٍ هاربًا وآخر يلحقه يقول: هذا الرجل سرق مني، رُدُّوا السارق، رُدُّوا السارق، هل يشهد بأن هذا الرجل سارق؟ طلبة: (... ). الشيخ: سبحان الله! طلبة: ما يشهد.
الشيخ: رجل رأى رجلًا خرج من البيت هاربًا وصاحب البيت وراءه يقول: السارق السارق؟ طلبة: (... ). الشيخ: نعم، نقول: لا يلزم أن تشهد بالسرقة؛ لأنك ما تعلم، ربما أن صاحب البيت قد هدده بالقتل (... )، ولما دعاه أراد منه شيئًا فأبى، فهدده بالقتل، فهرب، يمكن هذا.
إذن لا تشهد بأنه سارق.
لكن هل تشهد بما رأيت؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: بأني رأيته هاربًا، وصاحب البيت وراءه، يقول: السارق السارق؟ نعم، هذا يجوز.
يبقى النظر للحاكم؛ الحاكم له أن يحكم بما تدل القرائن عليه.
قال: (إلا بما يعلمه) طرق العلم خمسة ذكر المؤلف أكثرها وقوعًا، وهي: الرؤية والسماع.
طالب: الاستفاضة.
الشيخ: الاستفاضة، نعم، الاستفاضة؛ إما برؤية أو سماع، لا، الرؤية والسماع، وبقي من الحواس ثلاث: الشم، والذوق، واللمس.

إذن قوله: (برؤية أو سماع) إنما خص هذين النوعين من الحواس؛ لأن الغالب هو هذا، وإلا يجوز أن يشهد بما يعلمه عن طريق الشم؛ بأن يشهد بأن هذا طِيبٌ طيِّب، أو طِيب رديء، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: أو أن هذا اللحم منتن متغير، أو غير متغير، مثل تخاصم البائع والمشتري في اللحم، فقال المشتري: اللحم هذا متغير مُخْنِز، وقال البائع: أبدًا، فشهد رجل عن طريق الشم بأنه متغير.
الذوق يمكن؟ يمكن، قال المشتري: هذا تمر عتيق متغير الطعم، وقال البائع: أبدًا، هذا تمر جديد غير متغير، يمكن أن يشهد واحد عليه بالذوق؟ يمكن.
قال المشتري: هذا عنب لم ينضج بعدُ، فهو حامض، وقال البائع: بل هو ناضج حلو، بأي طريقة نعلم؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، بالذوق.
باللمس أيضًا يمكن؛ مثل طالب: يابس.
طالب آخر: حرير.
الشيخ: يابس أو رطب، لين أو خشن، يمكن.
على كل حال، لا يجوز أن يشهد إلا بما علمه بإحدى الحواس الخمس: الرؤية، والسمع، والشم، والذوق، واللمس.
الدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86]، ولأن الشهادة خبر عن أمر واقع، فلا بد أن يعلم هذا الأمر الواقع، فالشهادة خبر محض، ليست حكمًا حتى نقول: يجوز الحكم بالقرائن، الحكم بالقرائن سبق أنه يجوز، لكن الشهادة خبر محض، والخبر لا يجوز إلا إذا تيقن المخبِر وقوع الخبر، أو صحة ما أخبر به.
هل يُشْتَرط علم المشهود عليه بوجود الشاهد؟ طالب: لا، ما يشترط.
الشيخ: ما يشترط.
لو أن صاحب الحق أتى بالمطلوب في مكانه، وخلَّى واحد يشهد من وراء مختفيًا، يجوز؟ طالب: لا يجوز.
طالب آخر: نعم.

الشيخ: إي نعم، يجوز؛ لأن هذا الذي عليه الحق إذا كان منفردًا بصاحب الحق أقرَّ له، وإذا كان عنده أحد أنكر، فتحيَّل صاحبُ الحق وقاله له: تعالَ، دعاه -مثلًا- على قهوة، حضر فقال له: الآن لا نشاهد أحدًا، أنت ما تذكر لما كنت أقرضتك كذا وكذا في يوم كذا وكذا في المكان الفلاني؟ قال: بلى، أذكر، ولكن اصبرْ علي، هذا بيني وبينك، اصبرْ علي، قال له: ليش إذا صار عندنا أحد تنكر؟ قال: أخاف تطالبني، ثم يسجنني القاضي.
ممكن هذا ولَّا لا؟ الطلبة: ممكن.
الشيخ: يمكن، الرجل ما عنده نية يأكلهم، لكن يخشى يقر أمام الناس يُطَالَب ثم يسجن، قال: (... )، هذه تكفي، ما دام أقررت فيه واحد يشهد من وراء الجدار.
يجوز ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: يجوز.
هل هذه حيلة جائزة ولَّا غير جائزة؟ جائزة؛ لأن المقصود بها التوصل إلى الحق.
طالب: يجب علم الشاهد بهذا المشهود عليه لا يكون واحد غيره يعني.
الشيخ: المهم أنه يجوز هذا؛ فلهذا نقول: إذا شهد بما يعلمه، سواء علم المشهود عليه، أم لم يعلم.
طالب: (... ). الشيخ: طيب.
قال: (أو باستفاضة) الاستفاضة من: فاض الماء؛ إذا ظهر، وبان، وانتشر في الأرض، فمعنى الاستفاضة: أن يستفيض الخبر وينتشر، ولكن يقول المؤلف: (فيما يتعذر علمه بدونها)، الاستفاضة خاصة في الأشياء التي يتعذر العلم بها بدون الاستفاضة، في الغالب يعني، أما ما يمكن العلم به مباشرة فلا يجوز تحمُّل الشهادة فيه بالاستفاضة.
إذن بالاستفاضة فيما يتعذر علمه بدونها، بدون الاستفاضة غالبًا، مثل: (كنسب) أنا الآن أشهد بأن فلان ابن فلان، كذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: فلان ابن فلان، بأي طريق؟ طالب: بالاستفاضة.
الشيخ: هل كنت حضرت والده عند غشيان أمه، وأنها حملت به من هذا الوطء، وأنها ولدت به على فراشه؟ وأيش الجواب؟ أبدًا ما شهدتُ، لكن استفاض عند الناس أن هذا فلان ابن فلان، فأشهد أن هذا فلان ابن فلان.
كذا ولَّا لا؟ طالب: نعم.

الشيخ: قال العلماء: ولا بد في الاستفاضة أن تكون عن عدد يقع العلم بخبرهم؛ يعني: بأن يشهد بها أربعة فأكثر، فلو أخبره شخص شاهد بالاستفاضة فإنه لا يشهد بها، بل يكون فرعًا عن شهادة هذا الشاهد.
مثال ذلك: جاءني رجل وتكلم معي بالكلام، ثم انصرف، وإلى جنبي رجل آخر، قلت: من هذا؟ قال: هذا فلان ابن فلان، الرجل الذي أخبرني بأن فلان ابن فلان شاهد بأي شيء؟ بالاستفاضة، هل لي أنا أن أشهد بأن هذا الرجل فلان ابن فلان؟ على كلام المؤلف: لا، ما أشهد، لكني أشهد على شهادة الرجل.
ولكن اختار شيخ الإسلام رحمه الله وجدُّه المجد بن عبد السلام بأنه يجوز أن يشهد بما طريقه الاستفاضة بخبر الواحد الثقة، فيقول: هذا فلان ابن فلان، وقد سبق لنا هذا في التعريف أن شيخ الإسلام رحمه الله يرى أنه يجوز التعريف من واحد إذا كان عدلًا.
(وموت) كيف موت؟ مرت بي بجنازة، قلت: من هذا؟ قالوا: هذا فلان ابن فلان، لي أن أشهد؟ أقول: مات فلان ابن فلان؟ طالب: نعم.
الشيخ: إلا، كل الناس اللي مع الجنازة يقولون: هذا فلان ابن فلان؟ يجوز؟ طالب: نعم.
الشيخ: هل أنا حضرت هذا الرجل وهو محتَضَر حين خرجت روحه؟ لا.
بأي طريقة عرفت؟ بالاستفاضة.
كذلك (الملك المطلق) الملك نوعان: ملك مقيد، وملك مطلق.
الملك المقيد: بأن أشهد أن هذا ملك فلان، اشتراه من فلان، هذا ما يكفي فيه الاستفاضة.
الملك المطلق: أن أشهد بأن هذا ملك فلان، أنا أمر مع هذا الشارع وفيه بيوت، مشهور أن هذا بيت فلان، هل أنا شاهد يوم اشتراه؟ أبدًا، فيه احتمال أنه مستأجِر، لكن مشتهر عند الناس كلهم، عند أهل الحي -وربما وغيرهم- أن هذا البيت ملك فلان، أشهد به ولَّا ما أشهد؟ أشهد، حتى في المحكمة، أشهد بأنه بيت فلان.

وكذلك أيضًا اليد التي على هذا البيت؛ مثل: الإنسان في هذا البيت له مدة يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم؛ يفتح بابًا، ويغلق بابًا، يفتح طاقة، ويغلق الطاقة، يأتي بالعمال يصلحون فيه أشياء، يؤجره أحيانًا.
هل أشهد بأنه ملكه؟ نعم، الصحيح أن لي أن أشهد بأنه ملكه، وإن كان بعض العلماء قالوا: لا يشهد، وإنما يشهد باليد، فيقول: أشهد أن يده عليه، وأنه يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم، قالوا: لجواز أن يكون وكيلًا لا مالكًا، وأنت إذا شهدت باليد فهو أسلم وأبرأ لذمتك، لكن المذهب: يجوز أن تشهد بالملك.
(ونكاح) يشهد بالاستفاضة في النكاح؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: مَرِّيت بقصر من قصور الأفراح وإذا هو منار، قلت: ما شاء الله، من المتزوج الليلة؟ قالوا: فلان ابن فلان، اشتهر أن فلان ابن فلان تزوج الليلة، هل أنت حضرت العقد؟ لا، بأي طريق استفدت ذلك؟ استفدنا ذلك بالاستفاضة.
قال: (ووقف) الوقف نوعان أيضًا: وقف خاص، هذا ما يُشْهَد فيه بالاستفاضة؛ يعني -مثلًا- لا أشهد بأن هذا البيت وقف على فلان؛ لأن هذا خاص.
وقف مطلق: بأن يعرف أن هذا البيت من أعمال البر، موقف في أعمال البر، موقف على تكفين الموتى، على أجرة القبور، على طلبة العلم، وما أشبه ذلك.
هذا ويش يصير؟ وقف مطلق ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يشهد الإنسان فيه بالاستفاضة ولَّا ما يشهد؟ يشهد بالاستفاضة.
فالوقف المطلق اللي على غير معين يشهد فيه بالاستفاضة.
كذلك أيضًا -مثلًا- يشتهر بين الناس أن هذا المسجد بناه فلان ابن فلان، أنا ما حضرت العقد الذي تم بين المقاول والرجل، لكن اشتهر عند الناس أن فلانًا هو الذي بنى هذا، يجوز أن أشهد ولَّا ما يجوز؟ يجوز.
المهم ما كان طريق العلم به الاستفاضة فإنه يُشْهَد فيه بالاستفاضة.
طالب: الاستفاضة هي التواتر؟ الشيخ: إي نعم، هي دون التواتر.

طالب: بعض القبائل -يا شيخ- إذا شهد على قريبه يصير فيها قطيعة رحم وكلام في عرضه في كل القبيلة، هل.. ؟ الشيخ: واللهِ، ظاهر كلام المؤلف أنه ما تجب عليه الشهادة في هذه الحال، ولكن عندي فيها نظر؛ لأن هذا واجب.
الطالب: (... ) قريب لك.
الشيخ: إي، صحيح، ولكن -واللهِ- في نفسي منها شيء؛ لأنه يُخْشَى أن تضيع الحقوق.
الطالب: (... ) إذا حصل من يشهد غيره؟ الشيخ: لا، هي المسألة إذا كانت فرض عين، أما إذا كانت فرض كفاية المسألة..، لو ما عليه ضرر، إذا صارت فرض كفاية يقول: الحمد لله، هذا فلان يشهد بدالي.
طالب: صاحب الحق أتى بالرجل المشهود عليه المطالَب بالحق واعترف عنده ولم يكن شهود، لكن إن كان معه -مثلًا- جهاز تسجيل يسجل شهادته، ثم ذهب به إلى القاضي وشغل المسجل أمامه وقال: اسمع، اعترف، هل (... ) القاضي؟ الشيخ: وأيش تقولون في هذا؟ طالب: السؤال هل المسجل قرينة أو لا؟ الشيخ: المسجل، هل نجعل التسجيل كالكتابة؟ يعني: لو أقر عن طريق الكتابة، كتب هو بيده، هل يعتبر هذا إقرارًا يحكم به ولَّا لا؟ طالب: الكتابة طبعًا.
الشيخ: الكتابة طبعًا؟ طالب: إذا ختم.
طالب آخر: فيه تفصيل يا شيخ.
الشيخ: فيه تفصيل الواقع، إذا كان صوته متميزًا بينًا فإنه بينة، وكذلك كتابته، إذا كان صوته غير بيِّنٍ؛ لأن بعض الناس تكون أصواتهم متقاربة، ما تستطيع تميز بين زيد وعمرو، فهذا ليس بشهادة؛ يعني لا يُقْبَل ولا يُحْكَم به.
بعض الناس الآن من يوم يكلمك، وأقرب شيء التلفون، اختبار التلفون، بعض الناس من يوم يكلمك تعرف أنه فلان، وبعض الناس يكلمك وتقول: أهلًا أبو فلان، ما شاء الله، يمكن بعد تكلمه بشيء خفي (... )، ما هو موجود هذا؟ يعني: تتشابه الأصوات مرة، تتشابه.
هذا لا يُحْكَم به.
فإذا قيل للرجل: تعالَ تكلم، هذا الآن عندنا مسجل، تكلم الآن، سجل كلامك، إذا تطابق فهذه بينة.

كذلك بالنسبة للكتابة؛ بعض الناس كتابته متميزة بينة، لو تأتي بعشرة خطوط عرفت خطه من بينهم، هذا خَطُّه بينةٌ.
وبعض الناس -وهم أصحاب الرِّقْعَة- أصحاب الرِّقْعَة الآن ما تقدر تميز بين خط فلان وفلان، كلهم يحطون نقطة النون هاء، والفاء أظن بعدها، القاف هاء، ما تقدر تميز، هذا ما يعتبر بينة.
فإذن التسجيل فيه تفصيل.
فإذا قال قائل: التسجيل يكون فيه التقليد؟ قلنا: والكتابة فيها التقليد، والكتابة معتبرة شرعًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ»، (1) التقليد ممكن في كل شيء.
ألم يجز العلماء شهادة الأعمى بالصوت؟ بلى، مع أنه يمكن التقليد، بعض الناس يقلد كلام بعض الناس، وإذا سمعته تقول: هذا فلان، بالتأكيد.
والمشكل أنه ظهرت شياطين إنس يستطيعون يجمعون حروف من كلمات شخص على ما يبغون هم، وهذه هي المشكلة.
طالب: (... ). الشيخ: نعم، المسجل، هذه المشكلة؛ يعني -مثلًا- أنا متكلم بكلام يجمع جميع الحروف الهجائية.
الحروف الهجائية كم؟ ثمانية وعشرون، لكن كلام مثل كلامي الآن بينكم، هم يريدون أن يحدثوا لي كلامًا أقر فيه بأن لفلان عليَّ كذا وكذا من درسنا الليلة، كيف يجمعون؟ يجيبون مثلًا (قال) فيها قاف، هات القاف، سجلها وحدها، جيب الهمزة قبل القاف (أقول)، جيب الواو، لو هي واو حرف عطف يحطونها جنب القاف تكون واو الفعل.
طالب: يبين.
الشيخ: هو يبين إذا تميز بحركة، لكن إذا كانت الحركة واحدة ما يبين.
طالب: (... ). الشيخ: لا، ما يبين، أنا قلت لكم: شياطين، وكلمة (شياطين) ما تعني أنها عادية.
طالب: يعني بلغوا الغاية.
الشيخ: إي نعم، شوف الأخ طلال يمكن عنده علم بهذا.

طالب: الكلمات -يا شيخ- أسهل من هذا الكلمات، يأخذون -مثلًا- كلام رجل لمدة سنة، بس المشكلة فيها أن الكلمات نبراتها تختلف؛ يعني واحد يرفع صوته غير واحد يخفيه.
الشيخ: لا، أنا سمعت أنهم يأخذون الحروف.
الطالب: (... ) الحروف نبراتها تختلف.
الشيخ: الحروف (... ).


(ومن شهد بنكاح أو غيره من العقود فلا بد من ذكر شروطه) هذه المسألة تكاد تكون مبنية على ما سبق في الدعوى؛ وهو أن المؤلف ذكر أنه إذا ادعى عقدًا فلا بد من ذكر شروطه، وذكرنا هناك الخلاف في المسألة، فهذه تشبه تلك.
إذا شهد بعقد نكاح (... ) بعقد يقول: أنا أشهد أن فلانًا عقد على بنت فلان، لا بد أن يذكر الشروط، فيقول -مثلًا-: بولي، وشاهدين، ورضًا معتبر، وتعيين؛ يعني: شروط النكاح أربعة: الولي، والشاهدان، والرضا، والتعيين، فيقول: أشهد أن فلانًا تزوج فلانة بولي وشهود وتعيين ورضًا معتبر، لا بد من ذكر الشروط.
فلو قال: أشهد أن فلانًا عقد على لفلان على ابنته، فقط، ولم يذكر الشروط فإن الشهادة لا تُقْبَل، لا تُقْبَل شهادته حتى يبين الشروط، لماذا؟ قالوا: لأنه قد يشهد بعقد نكاح يظنه صحيحًا وهو فاسد، وعقد النكاح يُحْتَاط له ولا يُتَهَاون به، فلا بد من ذكر الشروط.
كذلك أيضًا عقد آخر غير النكاح كالبيع مثلًا، قال: أنا أشهد أن فلانًا باع على فلان بيته، ما تكفي هذه الشهادة، لا بد أن يقول جميع شروط البيع، كم هي؟ سبعة شروط، لا بد أن يذكر الشروط السبعة، فإن لم يذكر الشروط السبعة فإن شهادته لا تُقْبَل.
وكذلك أيضًا لو شهد بوقف؛ بأن فلانًا وقَّف بيته، فلا بد من ذكر شروط الوقف الخمسة السابقة.
كل عقد لا بد فيه من ذكر الشروط.
وهل يُشْتَرط ذكر انتفاء الموانع؟ لا يُشْتَرط، ففي النكاح -مثلًا- لا يُشْتَرط أن يقول: وهي ممن تحل له، ما هو شرط؛ لأن الأصل في العقد الصحة وعدم المانع.

كذلك في البيع لا يُشْتَرط أن يقول: وأن هذا البيع لم يقع بعد نداء الجمعة الثاني، ولا في مسجد، ولا بيعًا على بيع أخيه، وما أشبه ذلك، ما هو شرط.
لا يُشْتَرط ذكر المانع، لماذا؟ لأن الأصل الصحة وعدم المانع، ولو أننا قلنا: لا بد لشاهد من ذكر الشروط والموانع، لكانت الشهادة أحيانًا تستوعب مجلدات، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: لأنه لازم يذكر الشروط، قد تكون الشروط كثيرة، والموانع أيضًا كثيرة، فإذا قلنا باشتراط هذا وهذا صَعُبَ على الناس.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يُشْتَرط ذكر الشروط، ولكن للمدعى عليه أن يبين إن كان هناك فوات شرط؛ وذلك لأن الأصل في العقود الصحة والسلامة.. ويدل لهذا حديث عائشة رضي الله عنها في البخاري (2): أن قومًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ قال: «سَمُّوا أَنْتُمْ وَكُلُوا»، فحكم بحل الذبح مع عدم تحقق الشرط؛ وهو التسمية، لماذا؟ لأن الأصل صحة الفعل.
فإن وُجد فَقْدُ شرط أو حَصَلَ مانع فإن للخصم أن يدعي ذلك ويُنظر فيه، لو قال المدعى عليه البيع: إن البيع وقع على وجه مجهول في الثمن أو المثمَن، حينئذٍ نقول: ما نحكم بصحة البيع حتى ننظر في دعوى هذا المدعي أن هناك شرطًا من الشروط لم يتم.
كذلك لو ادعى المدعى عليه، لو قال: إن البيع وقع بعد نداء الجمعة الثاني، ما نحكم بالشهادة حتى ننظر في دعوى المدعي أنه وقع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تجب عليه الجمعة.
هذا القول هو الراجح، ويدل لرجحانه حديث عائشة الذي أشرنا إليه، والتعليل أيضًا وهو: أن الأصل في العقود السلامة والصحة، حتى يوجد دليل الفساد؛ من فوات شرط، أو وجود مانع.
النكاح ذكره المؤلف، ونحن ذكرنا من العقود؟ طالب: البيع والنكاح والوقف.
الشيخ: والوقف.
فيه عقود أخرى؟ طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، فيه الرهن والهبة والإجارة والمساقاة والمزارعة والشركات وغيرها، المهم هذه القاعدة.


قال: (وإن شهد برضاع.. فإنه يصفه)، إن شهد برضاع فلا بد من ذكر شروطه ووصفه أيضًا، فيقول: إن هذا الطفل رضع من هذه المرأة خمس رضعات فأكثر، في زمن الإرضاع، لا بد أن يصف هذا.
فإن قال: أشهد أنه رضع من هذه المرأة، فقط، ولم يذكر شيئًا سوى ذلك، فإن الشهادة لا تقبل.
وقيل: بل تقبل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر له الرجلُ قولَ المرأة التي قالت عنه وعن زوجته: إني أرضعتكما، وأيش قال؟ قال: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ »، (3) وفارقها الرجل، وهي لم تزد على قولها: إني قد أرضعتكما.
وعلى هذا فلا حاجة إلى ذكر الشروط، إلا إذا علمنا أن هذا الإنسان يخفاه الشرط، علمنا أو غلب على ظننا أن الشروط تخفاه فإننا نستفصل، فإذا جاءت امرأة وقالت: إني أرضعتُ هذا الرجل أو هذه المرأة، ونحن نعلم أو يغلب على ظننا أن مثل هذه المرأة تخفى عليها شروط الرضاعة، فحينئذٍ لا بد أن نستفصل، وهذا لا ينافي ما سبق من قولنا: إن من شهد بعقد نكاح أو غيره فلا حاجة لذكر الشروط؛ وذلك لأنها إذا قالت: أرضعتُكما، فالأصل التعدد أو الإفراد؟ طلبة: التعدد.
طلبة آخرون: الإفراد.
الشيخ: التعدد والإفراد، إذا قالت أرضعتكما فالفعل يدل على مرة واحدة؛ فلهذا نقول: إذا علمنا أو غلب على ظننا أن هذه المرأة لا تعرف شروط الرضاع المحرِّم فلا بد من الاستفصال؛ لما ذكرنا الآن، وهو أن الأصل في الفعل الإفراد وعدم التعدد.
كذلك لو شهد (بسرقة) لو شهد بسرقة لا بد أن يصفها، ويذكر الشروط ولَّا لا؟ نعم، يذكر الشروط، كل الشروط، ويصف كيف سرق، ومتى سرق، ومن أي مكان سرق، وما الذي سرق، كل الشروط؛ احتياطًا للحدود.
والواقع أن هذا فيه ما يُحْتَاط له من وجهين: من جهة الحدود، ومن جهة حقوق الآدمي؛ لأن السارق يترتب على سرقته شيئان؛ الشيء الأول: ضمان المال المسروق، والشيء الثاني: القطع.

ولكن ينبغي أن يُسْتَفْصَل في هذا، فيقال: إذا شهد بالسرقة، كأن قال: أشهد أن فلانًا سرق من مال فلان كذا وكذا، أو سرق بعير فلان، أو شاة فلان، فإنه يُحْكَم عليه بمجرد هذه الشهادة بدون أن يصف، احتياطًا لأي شيء؟ لحقوق الآدميين، ولكن لا نقيم عليه الحد حتى يصف هذه السرقة، وأنه سرقها من حرز -مثلًا- درءًا للحد بالشبهات.
يقول المؤلف: (لو شهد أيضًا بشرب خمر) قال: أشهد أن فلانًا شرب خمرًا، يقول المؤلف: لا بد أن يصفه؛ يصف ذلك الخمر، فيقول: شرب من النوع الفلاني، شرب في المكان الفلاني، في الوقت الفلاني، المهم يصف كل ما يتعلق بهذه الشهادة، ولا يكفي أن يقول: أشهد أنه شرب الخمر.
والصواب أنه يكفي ذلك؛ لأن العقوبة مرتَّبة على مجرد شرب الخمر، فإن كان هناك مانع من العقوبة –كإكراه، مثلًا- فليَدَّعِه من شُهِد عليه.
لو قال قائل: يحتمل أن هذا الشاهد شهد بأنه شرب الخمر، لكنه مكره، أو لكنه غير عالِم بأنه خمر، ماذا نقول؟ نقول: الإكراه مانع، وعدم العلم بأنه خمر مانع، فنحن الآن نحكم بأنه شرب الخمر، ونحكم بمقتضى هذا الشرب، فإن ادَّعى الشارب ما يمنع هذه العقوبة وقال: إنه مكره، أو إنه شرب هذا الشراب ولم يعلم أنه خمر، فحينئذٍ ندرأ عنه العقوبة.
كذلك لو شهد (بقذف) فلا بد من أن يصفه.

القذف: هو الرمي بالزنا أو اللواط -نسأل الله العافية- والرمي بالزنا أو اللواط يترتب عليه ثلاثة أشياء ذكرها الله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ هذا واحد، ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ هذا اثنان، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 4] هذا ثلاثة، فإذا شهد بقذف فلا بد أن يصفه؛ لأنه قد يظن ما ليس بقذف قذفًا، فلا بد أن يصفه؛ بأن يقول (... ) يقول لفلان: أنت زانٍ، أنت لوطي، وما أشبه ذلك، أما إذا قال: إنه قذفه، فقط، فلا يكفي هذا؛ لاحتمال أن يكون قذفه بغير الزنا، فلا بد من أن يذكر نوع القذف الذي وقع منه.
يقول: (ويصف الزنا) إذا شهد به، (بذكر الزمان والمكان والمزني بها) يشترط ذكر ثلاثة أشياء: ذكر الزمان؛ بأن يقول: إنه في الليل، في أول الليل، في النهار، في آخر النهار، وما أشبه ذلك.
(والمكان) يقول: في البيت الفلاني، في الحجرة الفلانية، إذا كان في البر يقول: في النُّقرة الفلانية، في الوادي الفلاني، وما أشبه ذلك.
هذا المكان.
(المزني بها) يذكرها، ولكن كيف يذكرها؟ هل يذكرها باسمها أو بوصفها؟ طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: هو قد لا يعلم اسمها، يذكرها بوصفها، وإن كان يعلم اسمها فباسمها؛ لأنه قد يجامع امرأته، فيظن الرائي أنها أجنبية، فيشهد بأنه زنا، فلا بد أن يذكر المزني بها.
وقال بعض أهل العلم: إن الزنا فاحشة يُعَاقَب عليه بالحد الشرعي، ولا ضرورة إلى ذكر المزني بها، متى ثبت الزنا فقد ثبتت الفاحشة، وعلى هذا فلا يشترط ذِكر المزني بها.
ولأن العلم بالمزني بها قد يعسر أو يتعذر، بخلاف الزاني؛ فإن العلم بالرجال أكثر من العلم بالنساء.
وهذا القول أرجح؛ أنه لا يحتاج إلى ذكر المزني بها.

ولا بد أيضًا أن يصف الزنا؛ لأنه حد من الحدود، فيقول -مثلًا-: إنه رأى ذَكَره في فرجها داخلًا كما يدخل الميل في المكحلة، لا بد أن يقول هكذا؛ يعني: يشهد بأنه جامعها؛ أولج ذكره في فرجها.
فإن شهد بأنه راكبها، وأنه يهزها -مثلًا- فهل يكفي ذلك أو لا؟ لا يكفي؛ لأن مثل هذا لا يثبت به حد الزنا؛ يعني: لو أن شخصًا رأى إنسانًا على امرأة راكبها ورأى منه حركة تدل على الجماع فإنه لا يشهد بالجماع.
ولكن إذا اعتبرنا هذا الشرط في الشهادة بالزنا، فلا أظن أن زنًا يثبت بشهادة، ولَّا لا؟ إي نعم، متى يمكن أن يشهد الإنسان بأن ذكر الرجل في فرج المرأة؟ ولهذا لما قيل للذين شهدوا على رجل في عهد عمر رضي الله عنه بالزنا: هل رأيت ذكره في فرجها؟ والتزم بذلك وقال: نعم، قال المشهود عليه: واللهِ، لو كنت بين أفخاذنا ما شهدت هذه الشهادة.
هذا صحيح ولَّا غير صحيح؟ صحيح، هذا فيه صعوبة؛ ولهذا قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتاب المنهاج في الرد على الرافضة، قال: لم يثبت في الإسلام الزنا بالشهادة على الفعل أبدًا، إنما يثبت بالإقرار، الإقرار صح، لكن يأتي أربعة يشهدون بأن ذكره في فرجها بزنًا واحد، هذا صعب، جدًّا صعب.
على كل حال هذا القيد قد يكون فيه رحمة؛ وهو حفظ أعراض الناس؛ حتى لا يجرؤ أحد على الشهادة بالزنا بدون أن يتحقق هذا التحقق العظيم.
هل يجوز الوصف بالإشارة أو بالتصوير؟ طالب: (... ). الشيخ: الوصف بالإشارة مثلًا؛ يعني: يصف السرقة، فيغلِّق الباب ويقف له، ثم يقول: رأيت هذا، ثم يفتح الباب، ثم يدخل ويأخذ الدراهم ويغلق الباب ويطلع.
طالب: ما يتكلم؟ الشيخ: ما يتكلم.
طالب: (... ). الشيخ: نعم، نقول: إذا كان من أخرس فربما تصح بالإشارة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، إذا كان من غير أخرس، فنقول: تكلم، ليش بس تشير لنا، فتح الباب وأخذ الدراهم وإغلاقه وتمشي؟ لازم تصرح.
لو وصف هذا بالتصوير؟ طالب: ما يصح.

الشيخ: اصبرْ يا شيخ، قبل يمشي السؤال تجيب؟ ! الطالب: لأنه يمكن تحريك إصبعه.
الشيخ: طيب، لو وصف ذلك بالتصوير؟ طالب: يعني يصوره في الواقعة يا شيخ؟ الشيخ: إي، يصور الواقعة.
طالب: ما يستطيع التصوير أن يصور الفرد ذكره في فرجها.
طالب آخر: يمكن يا شيخ.
طالب آخر: بالتزوير.
طالب آخر: السرقة.
الشيخ: السرقة ممكن، يتابع هذا الرجل ويصوره.
طالب: تزوير.
الشيخ: ما هو تزوير، هذا وجهه كله.
الطالب: يحط وجهه في صورة ثانية، يحط الصورة وصورة ثانية في مسجل (... ) بالمسجل (... ). الشيخ: مسجل؟ الطالب: يعني يلزق صورة بصورة.
الشيخ: الآن ياسر اعترض على هذه الشهادة، يقول: إنه يمكن يأخذ -مثلًا- وجه إنسان أو رأس إنسان ويضعه على جسد إنسان هو السارق، كذا تقول؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: شاف الحد.
ما فيه حد؟ الطالب: كيف؟ الشيخ: يعني هو جاب وجه إنسان وركبه على جسم سارق، اللي يشوفه يقول: هذا هو السارق، يشوف وجهه، وهو ما هو بهو، أنا أقول: هذا فيه حد، بيصير فيه حد؛ الفاصل بين الرأس المركب وجسم السارق.
طالب: يبين بالاختصاص يا شيخ.
طالب آخر: لازم يبان.
طالب آخر: فيه خدع سينمائية يا شيخ.
الشيخ: على كل حال هذه مسألة يمكن لو يُسْأَل القضاة عنها فهمنا عملهم فيها.
طالب: بالنسبة لواحد صعب يا شيخ في هذا.
الشيخ: هل يمكن الشهادة عن طريق التصوير؟ أما في بعض الدول فيمكن، لكنه التصوير المتحرك الذي يحكي الفعل؛ مثل الفيديو، فيه الآن، أنا ذكر لي واحد من قديم -يمكن من سبع سنوات- أنه اختُرِعَ جهاز إذا سُلِّط على مكان الحادث قبل مضي عشر دقائق صور الواقعة.
طالب: كيف هذا؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: الأشعة ما تحت الحمراء يا شيخ.
الشيخ: (... ) المهم أنه يقول: إذا جاؤوا إلى مكان الحادث قبل أن يمضي عشر دقائق وألقوا هذه الآلات على هذا المكان التقط صور الواقعة، وأن هذا الآن مستعمل في البلاد الغربية.
طالب: يكون موجودًا هذا في الحوادث الجنائية.

الشيخ: إي نعم.
طالب: في العصابات.
الشيخ: هو موجود في الجنايات.
المهم على كل حال، لو جاءت هذه الآلة وصورت الواقعة، تقبل ولَّا لا؟ تقبل؛ لأن هذا أمر حسي معلوم.
طالب: تقبل عن الشاهدين.
الشيخ: إي نعم؛ لأن الناس يشاهدونها الآن، تعرض على القاضي -مثلًا- أو على الحاكم الذي يريد النظر في القضية وتثبت.


قال المؤلف: (ويذكر ما يُعْتَبَر للحكم، ويختلف به في الكل) أي: في كل ما يشهد به، كل ما يشهد به فلا بد أن يذكر من الأوصاف والشروط ما يختلف الحكم به، ويذكر كذلك كل ما يعتبر للحكم.
كل هذا ذكره العلماء رحمهم الله تحريًا، لماذا؟ للشهادة.
ولكن سبق لنا أن الأصل في الأشياء الواقعة من أهلها، وأيش الأصل فيها؟ الصحة، فيُكْتَفَى فيها بالشهادة على الوقوع، ثم إن ادُّعِيَ فَقْدُ شرط أو وجود مانع حينئذٍ ينظر في القضية من جديد.


ثم قال: (فصل: شروط من تقبل شهادته ستة) انتبه لهذا، الفصل الأول ذكر فيه شروط الشهادة؛ تحملًا، وأداء، ومتى يشهد؟ وماذا يعتبر للشهادة؟ أما هنا فهي في شروط من تقبل شهادته؛ وذلك أن الشهادة لا بد فيها من أركان: شاهد، ومشهود به، ومشهود له، لا بد فيها من شاهد ومشهود له ومشهود به ومشهود عليه، كم دولا؟ أربعة.
الآن نذكر شروط الشاهد؛ أحدها: (البلوغ فلا تُقْبَل شهادة الصبيان) هذا الشرط الأول، البلوغ شرط من شروط الشهادة، لكنه شرط للأداء لا للتحمل، فلو تحمَّل وهو صغير وأدَّى وهو كبير قُبِلَت شهادته، كما تُقْبَل رواية الصغير إذا تحمَّل وهو صغير وأدَّاها بعد البلوغ، قال محمود بن الربيع رضي الله عنه: عقلت مجة مجها النبي صلى الله عليه وسلم في وجهي وأنا ابن خمس سنين.
(4) فالبلوغ شرط لأيش؟ للأداء ولَّا للتحمل؟ للأداء؛ ولهذا قال: (فلا تُقْبَل شهادة الصبيان) يعني: إذا أدَّوْها، فلو شهد صبي له ثلاث عشرة سنة على صبي آخر أنه فعل كذا وكذا، فالشهادة لا تُقْبَل.

حتى في المكان الذي لا يطلع عليه إلا الصبيان، مثل؟ طالب: الذي لا يطلع (... ). الشيخ: حتى في الموضع الذي لا يشهده إلا الصبيان غالبًا؛ مثل: الأسواق وملاعب الصبيان ما يشهدها إلا الصبيان.
طالب: (... ). الشيخ: لو جاء شخص صبي، بل لو جاء عشرة صبيان قالوا: نشهد أن هذا الصبي هو الذي جرح هذا الصبي؛ رماه بحصاة حتى انجرح، نقول: ما نقبل.
جاء كل الصبيان يشهدون، الصبيان خمسون صبيًّا، فشهد ثمانية وأربعون صبيًّا على أن التاسع والأربعين رمى الخمسين بحصاة وشجَّه، يُقْبَل؟ لا يُقْبَل.
لماذا؟ قالوا: لأن الصبي لم يتم عقله بعد، والصبي أيضًا عاطفي، يمكن الثمانية والأربعون يزعلون الخمسين، يزعلونه، تعرفون المزاعلة عند الصبيان؟ يقول: أنا هاجرك، يهجره حتى ما يذكر ولا اسمه، ويصير الثمان والأربعون يكونون كلهم مع التاسع والأربعين، ويشهدون عليه، هذا ممكن ولَّا لا؟ ممكن.
وأيضًا ظاهر كلام المؤلف: ولو في المكان نفسه قبل أن يتفرقوا؛ لأنهم إذا تفرقوا صح يمكن أن يلقنوا ويشهدوا، لكن إذا كان لم يتفرقوا بعد يكون أيضًا لا تُقْبَل شهادة الصبيان ولو لم يتفرقوا عن المكان الذي شهدوا فيه.
وقال بعض أهل العلم: بل شهادة الصبيان فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان غالبًا مقبولة إذا لم يتفرقوا.
وما قاله هؤلاء أصح، كما قال الفقهاء رحمهم الله: إنه في المكان الذي لا يطلع عليه إلا النساء تُقْبَل شهادة المرأة الواحدة، ما يتعدد بعد.
فهؤلاء الصبيان إذا كانوا في مكان لم يطلع عليه إلا الصبيان ولم يتفرقوا بعد، لماذا لا نَقبل؟ واحتمال أن يكونوا قد زاعلوا المشهود عليه الأصل عدمه، ولو أننا عملنا بهذا الاحتمال لكان كل شاهد ولو بالغًا يمكن أن يكون عدوًّا للمشهود عليه، ونقول: لا تقبل شهادته.

فإن تفرقوا فإنها لا تقبل؛ لاحتمال أن يلقَّنوا، وهذا أيضًا محل نظر، فينبغي أن يقال: حتى وإن تفرقوا فإن بعض الصبيان يكون عنده من الذكاء ومن الخوف من الله عز وجل ما لا يقبل معه التلقين، لو كان له أربع عشرة سنة هو صبي ولَّا غير صبي؟ صبي، ومتدين، وعاقل، ولا يمكن أن يُدخل ذمتَه شيئًا، فإن هذا -وإن فارق مكان الحادث- يبعد جدًّا أن يفتري الكذب في شهادته، ومثل هذا أيضًا يمكن للقاضي أن يخوِّفه، يقول: شوف، إذا شهدت شهادة زور فإنك تصاب بعذاب، ويخوفه، وحينئذٍ يرتدع ولَّا لا؟ يرتدع.
فإذن نقول: الأصل أن شهادة الصبيان فيما لا يطلع عليها إلا الصبيان غالبًا مقبولة ما لم يتفرقوا، فإن تفرقوا كان ذلك محل نظر؛ قد تقوم القرينة بصدق شهادتهم، وقد تقوم القرينة بعدم صدق الشهادة، وقد تكون الحال احتمالًا بدون ترجيح.
طالب: الشهادة على العقد بالنكاح هل يلزم المعرفة بحال البنت أنها لم تتزوج؟ الشيخ: لا.
الطالب: يعني القاضي يسأل: تشهد باللهِ أنها ما سبق لها زواج، أو أنها تقول: أنا بنت فلان.
الشيخ: لا، ما هو حاجة، هذا وجود المانع، ما هو شرط؛ يعني ما هو بشرط أن يشهد بانتفاء المانع.

الطالب: طيب، واحد رآني في الشارع قال: جزاك الله خيرًا، اشهد معنا في العقد على الزواج هذا، وأن هذه فلانة بنت فلان، وأنا ما أعرفه؟ الشيخ: لا، لا بد أن تعرف أنها بنته، كيف؟ ! لازم تعرف أنها ابنته.
طالب: لو ردت شهادة الشهود (... ). الشيخ: ولكن أيش؟ الطالب: يعني تخلف.. الشيخ: نعم، تخلف الشهادة بهذا.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: إذا كان بزنا يُجْلَد كل واحد ثمانين جلدة، الشهود يجلدون ثمانين جلدة.
الطالب: طيب، (... )؟ الشيخ: ما عليه شيء.
الطالب: (... )؟ الشيخ: لا، هم لو ما شهدوا بالزنا مثل هذه يقال: اشهدوا بأنكم رأيتموه على هذه المرأة، بدون أن تشهدوا بالزنا، وحينئذٍ تكون تهمة للرجل ويعزر.
الطالب: (... ) القاضي ورأينا كذا وكذا.

الشيخ: إي، لا بأس، لكن ما قالوا: زنًا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لا بأس، يعذر هذا ويؤدب، وهم يسلمون من الحد.
طالب: بارك الله فيك، بعض من يستدل بقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282] على عدم قبول شهادة الصبيان (... )، هل له وجه من الصحة؟ الشيخ: ما له وجه؛ لأن هذا إنما هو في ضبط الحقوق أولًا؛ يعني عندما تريد أن تشهد فاختر أعلى أنواع الشهادة؛ وهو رجلان.
طالب: قولنا: إنه لا يُشْتَرط معرفة المرأة في الشهادة، لكن ربما تكون هذه المرأة زوجته.
الشيخ: أحسنت.
الطالب: كيف يشهد بالزنا، وربما تكون زوجته؟ الشيخ: نعم، إذا ادعى أنها زوجته وقامت البينة على أن التي حصل منها الزنا هي هذه المرأة، قالوا: نعم، هذه هي المرأة اللي شهدنا عليه بها، عرفوها -مثلًا- في جسمها، في علامة فيها، فحينئذٍ لا يثبت عليه الحد.
الطالب: يعني يمكنوا من النظر إلى المرأة؟ الشيخ: إي نعم؛ للحاجة.
طالب: قول المؤلف: (ليشهد إلا بما يَعلَمُه) نقول: هل يشمل المشهود له؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، لا بد (... ).


(الثاني: العقل) العقل أصله مصدر: عَقَلَ، يَعْقِلُ، عَقْلًا، وعَقْل الشيء بمعنى: حبسه وحجره حتى لا ينطلق، ومنه: عِقَال الناقة؛ لأنه يَعْقِلها، ومنه: العِقَال الذي يوضع على الرأس؛ لأنه يَعْقِل الشماع، يمنعه ما يطير به الهواء.
إذن ما هو العقل؟ العقل نوعان: عقل به الإدراك؛ وهو ما يحصل به الميز؛ يعني: التمييز بين الأشياء، هذا يسمى عقل إدراك.
وعقل رشد؛ وهو ما يكون به حسن التصرف.
إذن العقل عقلان؛ عقل يحصل به الإدراك، وعقل يحصل به الرشد.
فالعقل الذي به الإدراك هو ما يحصل به الميز؛ أي: التمييز بين الأشياء، وقد سبق لنا أنه غريزة ومكتسب، مر علينا هذا في أصول الفقه.
الثاني: عقل رشد، يحصل به الرشد؛ وهو الذي يكون به حسن التصرف.

جارٍ التحميل