الشيخ: يجوز، يعني أنني أطلب هذا الرجل عشرة، وواحد يطلبني خمسة، فأحلته بخمسته على خمسة من العشرة اللي في ذمة الرجل ذاك، يجوز ولَّا لا؟ إي، هذا معنى قوله: (ولا يؤثر الفاضل).
طالب: هذه (ولا يؤثر الفاضل) ما في (... )؟
الشيخ: يعني أنه إذا كان الدين المحال عليه أكثر من الدين الذي حاله فإنه لا يضر، ويبقى الفاضل لصاحبه ما يُعْطَى المحتال.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا المثال: محمد نور عنده للأخ محمد واصل مئة ألف، وصالح يطلبك ثمانين ألفًا، فأحلته بثمانين ألفًا على محمدٍ، بيأخذ ثمانين ألفًا، ويبقى؟
طلبة: عشرون.
الشيخ: عشرون، ما يؤثر هذا ما يضر؛ لأنك الآن أحلته بثمانين على ثمانين من مئة، وهذا ما يضر، فالفاضل سيبقى لك أنت فلا يضر.
(... ) رحمه الله تعالى: (وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل) إذا صحت الحوالة؛ يعني" بأن تمت شروطها.
واعلم أن هنا شرطًا لا بد منه في كل عقد؛ وهو أن يكون العاقد جائز التصرف، كل عقد لا بد أن يكون فيه جائز التصرف؛ وهو البالغ، العاقل، الرشيد، الحر، وكل عقد لا بد أن يكون فيه من مالك للعقد أو من يقوم مقامه، هذان شرطان اصطحبوهما معكم في كل عقد، وهما: جواز التصرف، وملك العقد عليه، هذا لا بد أن يكون في كل عقد؛ في البيوع، والأوقاف، والرهون، والهبات، وكذلك الأنكحة وغيرها.
(إذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه) من أي ذمة؟
طلبة: من المحيل.
الشيخ: من ذمة المحيل، (وبرئ المحيل) (برئ) يعني: يكون كأنه سلَّم الحق، ولا يحق للمحتال أن يطالبه؛ لأنها برئت ذمته نهائيًا.
هل يشترط رضا المحيل؟
نشوف يقول المؤلف رحمه الله: (ويعتبر رضاه) (رضاه) وهذا أيضًا شرط في كل عقد، كل العقود لا بد فيها من الرضا، إلا من أكره بحق.
فصار عندنا ثلاثة شروط لا بد منها في كل عقد: جواز التصرف، وملكه، والرضا به، إلا من أكره بحق.
يعتبر رضا المحيل؛ يعني: يُشْتَرط لصحة الحوالة رضا المحيل، فإن أكره لم تصح.
مثال ذلك: رجل يطلب شخصًا مئة ريال، والمطلوب له طلب على آخر مئة ريال، فجاء الطالب وقال: أوفني، قال: واللهِ، ما عندي شيء الآن، قال: حولني على فلان، أنت تطلبه، وفلان أحسن منك وفاءً، حولني عليه، قال: لا، هل يملك إجباره؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يملك إجباره؛ لأنه لا بد أن يرضى، فلو ألزمه أن يحيله ما صحت الحوالة، إذن رضا المحيل شرط.
(لا رضا المحال عليه) معلوم، المحال عليه ما يُشْتَرط رضاه، فلو أننا أحلنا عبد الرحمن بن داود على فهد بدراهم، قال فهدٌ: أنا ما أقبل عبد الرحمن، ما أقبل أتحول عليه، أنا بوفيك أنت؛ يعني اللي يطلبه هل يُعْتَبر رضاه ولَّا لا؟
طلبة: لا يُعْتَبر.
الشيخ: يقول: يا ناس، فكوه من عبد الرحمن، عبد الرحمن إلى (... ) إن جاء يطلب يقعد عند عتبة الباب من أول ليلة إلى آخرها، أنا لا أريد هذا، ويش نقول؟ نقول: إذا كان (... ) على عتبة الباب من أول الليل إلى آخره أعطه وانفك منه.
إذا قال قائل: لماذا لا يُشْتَرط رضا المحال عليه؟
فالجواب: لأن المحيل له أن يستوفي الحق بنفسه وبنائبه، والمحتال كأنه نائب عن المحيل، إذن رضا المحال عليه ليس بشرط، هذان طرفان؛ المحيل يُشْتَرط؟
الطلبة: رضاه.
الشيخ: المحال عليه؟
الطلبة: لا يشترط.
الشيخ: لا يشترط.
بقي ثالث من هو؟
طلبة: المحتال.
الشيخ: المحتال هل يُشْتَرط رضاه أم لا؟
طلبة: لا يُشْتَرط.
الشيخ: نشوف، قال: (ولا رضا المحتال على مليء) إذن المحتال فيه تفصيل؛ إن أُحِيل على مليءٍ لم يشترط رضاه، وإن أُحِيل على غير مليءٍ اشترط رضاه، فالمحتال إذن في اشتراط رضاه تفصيل؛ إن أحلناه على مليء فإنه لا يُشْتَرط رضاه؛ لأنه يجب عليه أن يتبع، وإن أُحِيل على غير مليءٍ اشترط رضاه، ما هو الدليل؟
الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (1) أي: فليحتل، «إِذَا أُحِيلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (2) مفهوم، إذا أُحِيل على غير مليءٍ لا يلزمه الاحتيال، وإنما يحتال إذا أُحِيل على مليءٍ.
وقوله عليه الصلاة والسلام: «فَلْيَحْتَلْ» اختلف فيها العلما هل الأمر للوجوب أو هو للاستحباب؟
فقال بعضهم: إنه للوجوب، وقال آخرون: إنه للاستحباب، والأصل في الأمر الوجوب، وعليه فنبقى على الأصل إلا إذا تضمن ذلك ضررًا على المحتال، فإنه لا يلزمه أن يقبل.
من هو المليء؟ المليء: هو القادر بماله، وقوله: وبدنه.
هذا المليء؛ المليء: هو القادر على الوفاء بماله وقوله وبدنه.
فالقادر بماله: أن يكون عنده قدرة على الوفاء عنده مال، وبقوله: أن لا يكون مماطلًا؛ يعني ما يقول: ائت بكرة، ائت بعد بكرة، إلى آخره، وببدنه: أي تمكن محاكمته شرعًا وعادة؛ يعني يمكن إحضاره لمجلس الحكم، والمراد محاكمته شرعًا وعادةً، إذن من هو المليء؟
طالب: هو الذي قادر في ماله وقادر..
الشيخ: قادر على أيش؟
الطالب: (... ).
الشيخ: قادر على الوفاء في ماله.
الطالب: وقوله..
الشيخ: وبدنه، القادر في ماله: أن يكون عنده من المال ما يوفي به، في قوله: ألا يكون مماطلًا، في بدنه: أن تمكن محاكمته شرعًا وعادةً.
أحلت شخصًا يطلبني دراهم على شخص أطلبه لكنه فقير، يلزمه أن يقبل؟
طلبة: لا يلزمه.
الشيخ: يجوز أن يقبل؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، وجزاه الله خيرًا، إذا قبل الحوالة على الفقير (... ) معاملته.
أحلته على شخصٍ مماطل عنده مال، لكن تأتي إليه اليوم يقول: بكرة، ائتنا بكرة، قال: علشان (... ) بعد يومين، أتيته بعد يومين قال: علشان أتأكد أكثر ائت بعد أربعة أيام، وكلما جيت ضاعف المدة، يصح الحوالة عليه ولَّا ما يصح؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما تصح الحوالة عليه؛ لأن هذا يتعبني.
وكذلك أيضًا ربما نقول: إذا كان المحال عليه يحتاج إلى سفر؛ مثل هو يطلبني هنا مئة ريال وقال: أعطني المئة، قلت: أحلتك على فلان الذي أطلبه أنا في الرياض بمئة ريال أحلتك عليه، قال: طيب، السفر (... )؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يكلف مئتي ريال، كيف أنا أسافر؟ قال: تقدح بفلان، قال: لا، فلان ما عنده، هو عنده مال، لكن ما هو اللي يصل إليه؟ قال: وَكِّل إنسانًا، وكَّلت إنسانًا، يقول: طيب، أنا آخذ لك المال من فلان، لكن ما أعطيك إلا تسعين، عشرة ريال أجرة للتاكس وما أشبه ذلك، عليه ضرر ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: عليه ضرر، ما يلزمه القبول.
الثالث: أن يكون قادرًا ببدنه بمعنى أن يمكن محاكمته شرعًا وعرفًا أو عادةً، فإن لم تمكن محاكمته شرعًا لم يلزم قبول الحوالة؛ مثل: الأب، الأب لا تحاكمه شرعًا، ليس لك أن تحاكم أباك أبدًا، إلا فيما تتوقف عليه حياتك؛ وهي النفقة، أما غيره لو يقصد مالك يأخذه أو تسلفه فلوسًا ولا يوفيك ما تطالبه أبدًا؛ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (3).
هذا رجل أطلبه ألف ريال، قال: واللهِ، أبغي (... )، لكن أنا أطلب أباك ألف ريال، أبغي أحولك على أبيك، تقول: ما أقبل، لك الحق أن تقول: ما أقبل، قال: ما تقبل أباك -أعوذ بالله- لو أحد يقول: أنا ما أقبل الحوالة على أبيك هوشته، وأنت تقول: ما أقبل الحوالة على أبي، ويش جوابه؟ قال: نعم؛ لأنك إذا أحلتني على أبي ما أستطيع أن أطالب أبي، معنى ذلك أنها ضاعت فلوسه، صح، هذا لا تمكن مطالبته أيش؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا.
لا تمكن مطالبته عادةً؛ أنت -مثلًا- في بلد تطلب إنسانًا عشرة آلاف ريال، قال: بحولك على رئيس الجمهورية، تقبل ولَّا ما تقبل؟
طلبة: لا.
الشيخ: يلزمك تقبل ولَّا ما يلزمك؟
طلبة: ما يلزم.
الشيخ: ليش ما يلزمك؟
طلبة: لا يمكن مطالبته عادةً.
الشيخ: لا يمكن مطالبته عادةً، صح ولَّا لا؟ هل يمكن تروح تشكيه على من؟
طالب: على نفسه.
الشيخ: تشكوه على وزير الداخلية، وزير الداخلية ما يقدر يجيبه.
طالب: أقل منه.
الشيخ: أقل منه.
طالب: القاضي يجيبه.
الشيخ: إي، لكن من الذي يحوله على القاضي؟ مشكل.
المهم الذي لا تمكن مطالبته عادة لا يلزم التحول عليه.
نعود إلى أصل المسألة: هل يشترط رضا المحتال أو لا يشترط؟
فيه التفصيل؛ إن أُحِيل على غير مليء فرضاه شرط، وإن أُحِيل على مليء فرضاه غير شرط، بناءً على أن الأمر في قوله صلى الله عليه وسلم: «فَلْيَتْبَعْ» (1) للوجوب.
أما على قول جمهور أهل العلم -أن الأمر للاستحباب- فإن رضا المحتال شرط بكل حال؛ لأن الجمهور يرون أن اللام في قوله: «فَلْيَتْبَعْ» أن اللام للأمر الذي يُرَادُ به الاستحباب، وبناءً على ذلك فإن تحوله يشترط فيه الرضا بكل حال.
يقول: (وإن كان مفلسًا ولم يكن رضي رجع به) (إن كان) الضمير يعود على المحال عليه، (مفلسًا) وهو ما رضي فإنه يرجع به؛ يعني مثلًا أحالني على فلان، أنا أطلب هذا الرجل مئة ريال، وأحالني على فلان، لما ذهبت إلى فلان قبلت الحوالة، ذهبت إلى فلان فوجدت الرجل فقيرًا، لي أن أرجع ولَّا لا؟ لي أن أرجع؛ لأنه تبين أنه فقير وأنا لم أعلم.
فإن علمت أنه فقير ورضيت بالحوالة عليه، ثم عجزت عن الاستيفاء، فهل أرجع ولَّا لا؟ لا؛ لأنني رضيت به؛ ولهذا قال: (ولم يكن رضي) رضي بأن يتحول على هذا الفقير، فإن رضي أن يتحول على هذا الفقير فليس له أن يرجع.
لو تعذر الوفاء فيما بعد يرجع ولَّا لا؟ ما يرجع؛ لأن الرجل رضي، والحوالة إذا تمت برئ من؟ بريء المحيل؛ ولهذا قال: (وإن كان مفلسًا ولم يكن رضي رجع به) فإن رضي لم يرجع.
وإن قال: رضيت به إن كان مليئًا؛ قيد الرضى، رضيت به إن كان مليئًا، ثم ذهبت إليه فلم أجده مليئًا؟
طالب: فله أن يرجع.
الشيخ: فله أن يرجع.
والخلاصة الآن: أنه إذا أُحِيل على غير مليءٍ فهل له الرجوع أم لا؟
نقول: إن رضي به وهو يعلم أنه غير مليءٍ فلا رجوع، وإن رضي به وهو لا يعلم فله الرجوع، وإن اشترط الملاءة فله الرجوع إن تبين أنه غير مليء.
(ومن أُحِيل بثمن مبيع) انتبهوا للمسألة هذه؛ لأن فيها معركة بيننا وبين بعض الطلبة تحتاج إلى تفهم، (من أُحِيل بثمن مبيع أو أُحِيل به عليه) هاتان صورتان؛ أُحِيل بثمن المبيع، أو أُحِيل به -أي: بثمن المبيع- عليه، صورتان.
الصورة الأولى: اشتريت منك شيئًا بعشرة، ثم أحلتني على فلان الذي تطلبه عشرة، فالآن أنا أحلت بثمن مبيع أو لا؟ أليس كذلك؟ أحلت بثمن مبيع.
أو أُحِيل بثمن المبيع عليه، عكس المسألة الأولى؛ يعني أن البائع أحال عليًّ شخصًا لتسلم ثمن المبيع، الصورة الأولى المشتري هو الذي أحال البائع، وهنا أحال البائع المشتري، هذا معنى (أُحِيل به عليه).
وأيضًا من المصلحة أن ندع هذه المسألة إلى درس جديد حتى (... ).
من أركان العقد (... ) أن الصيغة في العقود من أركان العقد فتكون الأركان ستة، فيه محيل ومحتال ومحال عليه من الذي يعتبر رضاه؟ (... ).
(ومن أُحِيل بثمن مبيع أو أُحِيل به عليه) (أُحِيل بثمن مبيع) يعني: أن المشتري أحال البائع بالثمن، مثال ذلك: اشتريت منك كتابًا بعشرة ريالات، وأنا أطلب فلانًا عشرة ريالات، فأحلتك بثمن الكتاب على فلان، أنت الآن محال بثمن مبيع.
(أو أُحِيل به عليه) أُحِيل بثمن المبيع عليه؛ يعني أن البائع أحال شخصًا يأخذ الثمن من المشتري، البائع لما باع عليَّ الكتاب بعشرة ريالات ثبت في ذمتي له عشرة ريالات، كذا ولَّا لا؟ البائع مطلوب لشخص عشرة ريالات، فقال البائع للذي يطلبه: حوَّلتك على محمد بثمن الكتاب، هذا ويش نقول؟ أُحِيل به عليه؛ يعني أُحِيل بثمن المبيع على شخص، فهنا البائع أحال فلانًا عليَّ بثمن المبيع، فهمتم الصورة؟ الصورة الأولى: من أُحِيل بثمن المبيع تكون الحوالة من المشتري للبائع على مدينٍ لمن؟ للمشتري، أُحِيل به عليه، تكون الحوالة من البائع لغريمٍ على المشتري، البائع مدين لشخص، فيحيله على المشتري هذه الصورة، أظن الصورة واضحة.
طالب: ما فهمتها.
الشيخ: ما فهمتها، اشتريت من ياسر كتابه بعشرة ريالات.
طالب: كتابه؟
الشيخ: كتابه بعشرة ريالات، ويش ثبت لك عليه؟
طالب: ثبت لي عليه عشرة ريالات.
الشيخ: عشرة ريالات، عبد الله يطلبك عشرة ريالات، فقلت لعبد الله: حوَّلتك على ياسر، الآن عبد الله أُحِيل بثمن مبيع، واضح ولَّا لا؟ هكذا (... ).
طلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، المشتري أنا أخطأت هذه الصورة الثانية، المشتري يا ياسر اشترى منك الكتاب بعشرة، كان يطلب عبد الله عشرة، فقال لك: خذ ثمن الكتاب من عبد الله، الآن أنت محال؟
طالب: على عبد الله.
الشيخ: محال إلى عبد الله في ثمن المبيع.
طالب: ثمن الكتاب.
الشيخ: اللي هو الكتاب ثمن بيع الكتاب، هذه واضحة ولَّا غير واضحة؟
طالب: واضحة.
الشيخ: أُحِيل به عليه، أنت -مثلًا- عبد الله يطلبك عشرة ريالات، وبعت الكتاب على ياسر، ثبت لك في ذمة ياسر عشرة ريالات، فقلت لعبد الله: خذها من ياسر، خذ العشرة من ياسر، فهنا عبد الله محال بثمن المبيع على ياسر.
(فبان البيع باطلًا فلا حوالة) إذا تبين أن البيع باطل فلا حوالة؛ يعني تبين في المثال اللي ذكرنا أن الكتاب الذي باعه طلال ليس له، وإنما هو كتاب عبد الرحمن بن داود، صار مغصوبًا الآن ولَّا غير مغصوب؟
طلبة: مغصوب.
الشيخ: مغصوب، يصح بيع المغصوب؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما يصح، إذن البيع؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل، إذا بطل البيع بطلت الحوالة؛ لأن الدين المحال به أو المحال عليه صار غير ثابت، إذا بطل الأصل بطل الفرع؛ ولهذا يقول المؤلف: (فبان البيع باطلًا فلا حوالة) السبب: لأنه لما بطل الأصل بطل الفرع، ويبقى كل إنسان على حقه؛ الصاحب الذي باع الكتاب يأخذ الكتاب، والمشتري لا يلزمه شيء، والديون اللي أُحِيل بها أو عليها باقية على ما هي عليه.
(وإذا فُسِخ البيع لم تبطل) إذا فُسِخ البيع لم تبطل؛ لأن البيع باقٍ، والفسخ باختيار المتبايعين فلا تبطل الحوالة، فاهمون؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، إذا فُسِخَ البيع لم تبطل في مثال، خلينا على المثال الأول؛ باع طلال على ياسر كتابًا بعشرة ريالات، ياسر يطلب عبد الله عشرة ريالات، فأحال ياسر طلالًا على عبد الله بالثمن، تمام الآن ولَّا لا؟
طالب: تمام.
الشيخ: زين، تبين أن الكتاب مغصوبٌ بطل البيع، تبطل الحوالة ولَّا لا؟ الآن طلال يستطيع يأخذ من عبد الله عشرة ولِّا ما يستطيع؟
طلبة: لا، ما يستطيع.
الشيخ: ما يستطيع؛ لأن الحوالة؟
طلبة: باطلة.
الشيخ: بطلت، إذا فسخ البيع لم تبطل الحوالة، كيف فسخ البيع؟ يعني -مثلًا- ياسر لما اشترى الكتاب ونظر إلى الكتاب ما أعجبه، فجاء إلى طلال وقال: جزاك الله خيرًا، أنا أريد أن أفسخ البيع، فقال: أهلًا وسهلًا، أعطني الكتاب، أعطاه الكتاب، هل تبطل الحوالة ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: ما تبطل، طلال الآن يستطيع أن يأخذ الدراهم من عبد الله أو ما يستطيع؟
طلبة: يستطيع.
الشيخ: يستطيع؛ لأن الحوالة باقية (... )، طلال الآن أخذ الكتاب، لما فسخ العقد وراح لعبد الله وأخذ عشرة ريالات الثمن، وياسر الآن ويش يسوي؟
طالب: يرجع على طلال.
الشيخ: يرجع على طلال ولَّا لا؟ يرجع على طلال، فيقول -مثلًا- ياسر لطلال (... ) بكرة، جاءه من باكر، قال: بعد بكرة، جاءه من بعد قال: واللهِ، أنا عندي نية زيارة الأهل لمدة أسبوع، فرجع من زيارة الأهل، قال: واللهِ، عندي نية أن أصل الشام، أبغي أشوف الشام والخضر والفواكه إن كان فيه خضر وفواكه، راحت العشرة على ياسر ولَّا ما راحت؟
طالب: راحت.
الشيخ: أظن أنها راحت نشتكيه، المهم الآن الحوالة تبطل ولَّا لا؟
الطلبة: ما تبطل.
الشيخ: الحوالة لا تبطل، ومعنى قولنا: (لا تبطل) أن المحتال يجوز أن يأخذ من المحال عليه، ولكن (... ) تمام الآن، هذا معنى قول المؤلف: (وإذا فسخ البيع لم تبطل).
قال: (ولهما أن يحيلا) هذا عاد، نشوف أيش المعنى: (لهما أن يحيلا)، إحنا قلنا الآن: ياسر رَدَّ الكتاب على طلال، طلال له أن يأخذ الحق منين؟ من عبد الله، في هذه الحال يجوز لطلال أن يحيل ياسر على عبد الله أو لا؟ له أن يحيله، يقول: تعالَ، أنا الآن ثبت لي على عبد الله بمقتضى الحوالة عشرة ريالات، أبغي أحولك عليه، هل لياسر يقول: ما أقبل؟
طلبة: لا (... ).
الشيخ: لا، له أن يقول، إذا كان غير مليء له أن يقول، إذا قدَّرنا عبد الله أنه افتقر -مثلًا- فله ألَّا يقبل؛ ياسر: واللهِ، أنا ما أقبل، قال: أنا قبلت الحوالة عليه في الأول، ليش أنت ما تقبلها الآن؟ قلت: واللهِ، أنت -جزاك الله خيرًا- رجل طيب، وقبلت الحوالة على معسر، وأنا رجل شحيح، ولا أقبل الحوالة على معسر، أو لا؟
إذن هذا معنى: (ولهما أن يحيلا) فهنا يحيل البائع المشتري على من أحاله عليه بالثمن، الصورة التي ذكرنا الآن يحيل البائع -اللي هو طلال- المشتري -وهو ياسر- على المحال عليه -وهو عبد الله-.
الصورة الثانية تكون بالعكس، فقول المؤلف: (لهما أن يحيلا) يعني: أن هذا جائز، لكن هل يلزم لو أن -مثلًا- ياسرًا لما رد الكتاب على طلال قال له: أعطني، عد الدراهم (... )، أعطني دراهمي، قال: لا، اصبر، قال: حولني على عبد الله (... ).
من الطرفين، وأظن هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية أن كل فسخ لا يتم إلا بالتراض من الطرفين إلا برضاهم، وبناءً على هذا القول الراجح نقول: إن طلالًا يُلزم؛ إما بالتسليم، وإما بالإحالة إذا قبل، إذا قبل مَنْ؟ ياسر أن يتحول، أما المذهب يقول: (لهما) ولم يقل: يلزمهما، قال: (لهما أن يحيلا)، والصواب أنه إذا طالب من له الحق بالتحويل أو التسليم فإنه يُلْزَم بذلك، وإلا لضاعت الحقوق.
طالب: وإن لم يستلم طلالٌ من عبد الله؟
الشيخ: أنه ما استلمها، المفروض ما يستلمها؛ لأنها إذا اسْتُلِمَت فإن المحال عليه برئ، الآن يعني لو أن طلالًا استلم الحوالة قبل أن يفسخ البيع ما فيه شك، ما نرجع على المحال عليه، المحال عليه برئت ذمته.
باب الصلح
ثم قال المؤلف: (باب الصلح) الصلح هو في اللغة: قطع النزاع، قطع النزاع يسمى صلحًا، وقد قال ربنا عز وجل في كتابه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]، وهذه عبارة شاملة عامة، الصلح في كل الأمور خير؛ لأنه يقطع العداوات والحزازات ونصل به إلى المقصود برضا الطرفين؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]، وجاز شرعًا أن يكذب الإنسان من أجل الوصول إلى الصلح والمصالحة بين الناس، وحثَّ الشرع على الإصلاح بين الناس.
لكن يمتنع الإصلاح في حالة واحدة؛ وهي ما إذا تبين للقاضي أن الحق مع أحد الخصمين فإن الصلح هنا ممتنع، ما لم يبين لصاحب الحق أن الحق له ويطلب منه الصلح؛ يعني فيه قضاة علمهم ضعيف؛ كل مسألة ترد عليهم يجعلونها صلحًا، وهذا حرام، ما يجوز؛ ولهذا إذا تبين للقاضي أن الحق مع أحد الخصمين حَرُمَ عليه طلب الصلح، إلا إذا أعلم صاحب الحق وقال: إن الحق لك، نعم، ولكن لو تصالحتما لكان أحسن، فإذا رضي بالصلح فحينئذٍ فلا بأس.
الصلح يكون في أمور كثيرة، في كل مشاكل الحياة؛ الحقوق والأموال والأعراض، داخل في كل شيء؛ ولهذا أطلق الله سبحانه وتعالى هذا في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾.
كلام الفقهاء هنا في هذا الباب يريدون به الصلح في الأموال، ويذكرون الصلح في باب النزاع بين الزوج وزوجته في باب عِشْرَة النساء، وفي كل موضعٍ بحسبه، وذكروا الصلح في باب أهل الزكاة في الغارم لإصلاح ذات البين، والمهم هنا أن الذي معنا الآن هو الصلح في الأموال.
الصلح في الأموال على نوعين: صلح على إقرار، وصلح على إنكار، بمعنى أن الصلح يكون على شيء أقرَّ به مَنْ عليه الحق، ويكون الصلح على شيء أنكره من عليه الحق، فهو إما في إنكار، وإما في إقرار.
(إذا أقرَّ له بدين أو عين فأسقط أو وَهَبَ البعض وترك الباقي يصح) قوله: (إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب) هذا من باب اللف والنشر المرتب ولَّا المشوش؟
طلبة: المرتب.
الشيخ: المرتب؛ يعني يذكر شيئين، ثم يثنِّي بذكر حكمهما مرتبًا، فيُسَمَّى لفًّا ونشرًا مرتبًا، يوجد القسمان في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106، 107]، هذا لف ونشر؟
طلبة: مشوش.
الشيخ: مشوش أو لا؟ مشوش.
طالب: غير مرتب.
الشيخ: إي، غير مرتب، صح، هذا لفٌّ ونشرٌ غير مرتَّب، لماذا؟ ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾، لو كان مرتبًا لقال: (فأما الذين ابيضت وجوههم)، لكنه بدأ فقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾، هذا لف ونشر غير مرتب.
مرتب قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 105، 106]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ [هود: 108]، هذا لفٌّ ونشر مرتب.
كلام المؤلف الآن يقول: (إذا أقر له بدَيْنٍ أو عين فأسقط أو وهب) (أسقط) عائد على (الدَّيْن)، (أو وهب) عائد على (العين)؛ لأن العين إذا أعطيتك إياها ما يقال: أسقطت، بل يقال: وهبت، والدين إذا أبرأتك منه أو من بعضه يقال: أسقطت.
مثال الدَّيْن: أقر له بمئة ريال، قال: واللهِ، أنت الوجه مبارك، أقررت لي بمئة ريال، قال: نعم، الحق أحق أن يتبع، قال: أسقطت عنك خمسين ريالًا، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز.
لكن قد تقول: أين هذا من الصلح؟ هل حصل نزاع حتى يحصل صلح؟ ما حصل، لكن الفقهاء يقولون: لو وقع هذا بلفظ الصلح ما صح، هذا وجه مناسبة إدخاله في باب الصلح؛ يعني لو أن صاحب الحق قال للمقر: قد صالحتك على بعض الدين، يقولون: ما يصح، لماذا لا يصح؟ قال: لأنه لا يمكن أن يصالحه عن ماله ببعضه؛ لأن هذا (... ) الآن، فلا وجه للصلح معه، لكن القول الثاني أنه يصح بلفظ الصلح، وأن المقصود المعنى.
وهب في العين؛ جاءني رجل قال: واللهِ، أنا أقر لك بأن هاتين الشاتين لك، ملكك، أعرف أنهما ملكك، جاءتا من غنمك إلى غنمي، فهما لك، هنا أقر بماذا؟
طلبة: بعين.
الشيخ: بعين، قال: واللهِ، جزاك الله خيرًا، أن جيت أنت بنفسك تخبرني بأن عندك لي شاتين لك إحداهما، الآن وهب بعضها بعدما أقر به، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح، فيه إشكال ولَّا ما فيه إشكال؟
ما الذي جاء به إلى باب الصلح؟
قالوا: لأنه لو قال: صالحتك على إحدى الشاتين لك فإنه لا يصح، ولو قال: وهبته إحدى الشاتين صح، فهذا وجه إدخاله في باب الصلح، والصحيح أنه يصح حتى وإن وقع بلفظ الصلح؛ لأن المقصود هو المعنى.
الخلاصة الآن: هذا النوع من الإقرار ويش يسمى؟ صلحًا.
لو أن المقر قال: لا أقر إلا أن تسقط عني بعض الدين أو تهب لي بعض العين؟
طالب: ما يجوز.
الشيخ: يصح؟
طالب: اشترطه.
الشيخ: أنا أطلبه مئة ريال، (... ) أعطني مئة ريال (... )، أعطني المئة ريال، قال: ما يمكن، أقله ما عندي لك شيء، اتقِ الله، قال: إن (... ) عن عشرين أقررت لك، فصالحته على هذا، صالحته على أنه يقر لي بالمئة، وأجزئ عنه عشرين غصبًا علي، ما يصح؛ لأنه مكرهني، وإذا أكرهني فالإكراه منافٍ لصحة العقود، وقد مر علينا -أظن قبل يومين- أن جميع العقود يُشْتَرط فيها أن تكون من جائز التصرف، ومن مالك للتصرف، ومن راضٍ للتصرف، إذن ما يصح.
جئت إليه وعنده كتابي، قلت: يا أخي، أعطني كتابي، قال: ما عندي لك، اتقِ الله، قال: ما عندي لك كتاب، إن كنت تبغي أن أقر لك فأنا أبغي نصف الكتاب وأقر لك، وصالحته على هذا، يجوز؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، ليش؟ لأني صالحته على ذلك مكرهًا، فلا يصح الصلح، ما أعطى لي حقي (... ) إلا بذلك الآن.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، لو لم أقر لذهب مالي (... )، هذا ما يصح، إي نعم، لأنه في الحقيقة لا يتوصل إلى ماله أو (... ) لبعض ماله إلا بهذا، فهو مكره، أنا لو اختار ما أعطيته ولا قرشًا من الدين ولا قرشًا من العين.
لو وقع الأمر هكذا، فالمقر هل يُلْزَم بالكل؟ يعني في الحكم الظاهر هل يلزم بالكل ولَّا لا؟
طالب: يلزم.
الشيخ: ظاهرًا؟
طالب: ظاهرًا ما يلزم.
الشيخ: ظاهرًا ما يلزم؛ لأنه ما أقر له به، قال: أنا أقر لك ببعضه فقط إلا إذا ثبت أصل الدين ببينة، فحينئذٍ لو تصالحوا على هذا ما يقبل؛ لأن البينة (... ) ذلك.
طالب: (... ).
الشيخ: عندكم (شرط) ولَّا (شرطاه)؟
طلبة: (شرطاه).
الشيخ: (شرطاه) أي: المتنازعان، (أو إن لم يكن شرطًا) أي: إن لم يكن هذا الإسقاط أو الهبة شرطًا؛ بأن قال: أقر لك بشرط أن تضع عني من الدين كذا وكذا، أقر لك بهذه العين بشرط أن تهب لي بعضها، إن كان شرطًا فهذا لا يجوز؛ لأنه لا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه، هذا حرام، هذا من أكل المال بالباطل.
كذلك قال بعض العلماء -وهو المذهب-: ألَّا يقع بلفظ الصلح، فإن وقع بلفظ الصلح لم يصح، كأن يقول: نعم، عندي لك ألف ريال، لكن (... ) تصالحني على ثمان مئة، فقال: ما يخالف، أنا صالحتك باختياري، المذهب أنه لا يصح، لماذا؟ قال: لأنه لا يصح أن يصالح ببعض ملكه عن بعضه، ما يمكن.
ولكن القول الثاني يقول: يصح، ما دامت المسألة باختياره فالخلف الآن اختلاف في اللفظ؛ لأن (صالحتك) و (أسقطت عنك) معناهما واحد، والعبرة في العقود بمقاصدها لا بألفاظها، هذا هو الصحيح؛ أن العبرة في العقود بمقاصدها؛ لأن الله تعالى ورسوله أطلقها، فيُرْجَع فيها إلى ما تدل عليه عرفًا، انتبهوا للشرط، الشرط الأول ويش قلنا؟ ألَّا يُشْتَرط ذلك؛ بمعنى أن يقول: أقر لك بشرط أن تعطيني كذا أو تسقط كذا، الثاني على المذهب ألَّا يكون بلفظ الصلح، فإن كان بلفظ الصلح لم يصح.
الشرط الثالث يقول: (وممن لا يصح تبرعه) يعني: وبشرط أن يكون ممن لا يصح تبرعه.
طالب: (... ) لا يصح.
الشيخ: (ولا يصح)؟
طلبة: (... ).
الشيخ: أنا عندي: (وممن لا يصح).
إذن نقول: ويُشْتَرط أيضًا ألَّا يكون ممن لا يصح تبرعه، كما قلنا: (إن لم يكن شرطاه) وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه، فقوله: (وممن لا يصح) معطوفة على (شرطاه) يعني: وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم يصح.
ومعنى التبرع: الإعطاء بلا عوض، وهو أضيق من التصرف، يعني إذا قلنا: هذا لا يصح تصرفه، وهذا لا يصح تبرعه، أيهما أضيق؟
طالب: التبرع.
الشيخ: الثاني أضيق؛ لأن الذي يصح تصرفه يصح تصرفه تبرعًا ومعاوضة، والذي لا يصح تبرعه لا يصح تبرعه ويصح معاوضة، فمثلًا ولي اليتيم يصح تصرفه في مال اليتيم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويصح تبرعه؟ لا، الوكيل يصح تصرفه فيما وكل فيه، ولا يصح تبرعه، إذا صالح ولي اليتيم أو إذا أسقط ولي اليتيم بعض دينه وأخذ الباقي هل يصح الإسقاط؟ لا؛ لأن ولي اليتيم لا يصح تبرعه، الوكيل إذا أسقط بعض الثمن وأخذ الباقي؛ يعني: باع السلعة وثبت ثمنها عند المشتري، فقال للمشتري: أعطني بعض الثمن، والباقي أسمح عنك، يصح ولَّا لا؟
طلبة: ما يصح.
الشيخ: لأن الوكيل لا يصح تبرعه، وهذا واضح.
ولكن قد يقال: إنه إذا لم يتمكن إلى الوصول إلى حقه إلا بالإسقاط فإن الإسقاط جائز؛ لما في ذلك من المصلحة.
يعني -مثلًا- هذا رجل مماطل، وأنا بعت عليه على أنه رجل موفٍ وأنه مليء، ثم تبين الأمر بالعكس، ثم صالحته على إسقاط بعض الشيء، فهنا استدراك بعض الشيء خير من فوات الكل، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]، فإذا كان إسقاط بعض الشيء من مصلحة اليتيم فلا بأس من الإسقاط حينئذٍ.
وهل يضمن الولي في هذه الحال؟
يُنظر؛ إن كان مفرِّطًا في أصل التصرف ضمن، وإن كان غير مفرط لم يضمن؛ يعني -مثلًا- باع على إنسانٍ غني وَفِيٍّ، لكن أصابت هذا الرجل المشتري جائحة اجتاحت ماله، فأصبح فقيرًا، فهنا لا ضمان عليه، أما لو باع على شخص لا يعرفه ولا يدري عن حاله، ثم تبين أنه مماطل أو معسر، فإذا أسقط شيئًا فعليه الضمان؛ لأنه مفرِّط.
يقول المؤلف: (وإن وضع بعض الحال وأجَّل باقيه صح الإسقاط فقط) يعني: دون التأجيل، صح الإسقاط دون التأجيل.
مثال ذلك: أطلب زيدًا ألف ريال حالًّا، فجاء إليَّ وقال: أنا -واللهِ- ما عندي شيء، والدنيا حياة وموت، وأنا أبغي -جزاك الله خيرًا- أن تجعل الألف ثمان مئة وتؤجلها إلى سنة، فقال: أهلًا وسهلًا، أسقطت عنك مئتين، وبقي ثمان مئة، وهي مؤجلة عليك إلى ذي الحجة في 1408، يصح الإسقاط؛ لأنه أسقط باختياره، فصح، دون التأجيل فلا يصح، ما يصح التأجيل، ليش؟ قالوا: لأن الحال لا يتأجل، هذه قاعدة عندهم.
وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن الحال إذا أُجِّل تأجل؛ لأن أقل ما نقول فيه: إنه وعد، والوفاء بالوعد واجب، فإني إذا أجلت إلى سنة معناه أني وعدتك بألَّا أطالبك إلا بعد سنة، وهذا الذي قلته هو الصواب، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
أما الحال لا يتأجل بالتأجيل؛ لأنه عهدٌ ووعد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في آيات المنافق: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (4)، ولأن هذا الذي أجلته عليه ربما يبني على تأجيلك إياه تصرفًا يتصرفه، لولا أنك أجلته ما تصرفه، فإذا قلت: أعطني إياه الآن، تضرر.
ونظير ذلك: جئت إلى رجل وقلت: أنا الآن محتاج عشرة آلاف ريال، اشتريت سيارة بعشرة آلاف ريال ولا عندي شيء، أقرضنيها وأجلها عليَّ إلى سنة؛ لأن ما بيدي شيء، فقال: تفضل، هذه عشرة آلاف ريال وقتي مؤجلة عليك إلى سنة، أخذها الرجل واشترى السيارة، فلما اشترى السيارة أتيت إليه من الغد وقلت: أعطني عشرة آلاف ريال، لي أن أطالبه؟ على المذهب: لي أن أطالبه؛ لأن القرض حال، والحال لا يتأجل، ويش اللي ترتب من الضرر على المسكين؟ يمكن لولا أني عطيته ما اشترى السيارة (... ) الأمر، أما أني أروح أقرضه قرضًا مؤجلًا إلى سنة، ومن غد آتي وأطالبه، فلا شك أن هذا حتى الفطرة السليمة ما تقبله.
أما على رأي شيخ الإسلام فيرى أنه يتأجل، وأن المسلمين على شروطهم، وما دمت اشترطت له أنه مؤجل فليكن مؤجلًا، من الذي أجبرك على أن تؤجله؟ لا أحد، إذن يكون متأجلًا.
المهم المذهب الآن إذا وضع بعض الحال، أجيبوا.
طلبة: صح.
الشيخ: إذا أجل الحال؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، بناءً على ذلك.
طالب: الدليل على صحته؟
الشيخ: الدليل أنه يخالف مقتضى العقد؛ لأن مقتضى العقد الحلول، ولا يمكن أنك تشترط ما يخالف المقتضى.
قال: (وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا أو بالعكس فإنه لا يصح) وهذه المسألة انتبهوا لها، صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا فهو لم يصح، كيف ذلك؟
أطلب هذا الرجل عشرة آلاف ريال مؤجلة إلى سنة تحل في ذي الحجة عام 1408، فجاء هذا الرجل إليَّ وقال: أنا الآن توفر عندي دراهم، بدي أني أعطيك إياهم، أعطيك بعض المؤجل هذا، وتسقط الباقي، فقال الطالب: وأنا -واللهِ- محتاج الآن دراهم، أنا محتاج بعض الدراهم، كم المبلغ؟ ألف ريال، فقلت: أعطني ثمان مئة الآن، وأسقط عنك الباقي، أنا انتفعت بماذا؟ بالتعجيل، وأنت انتفعت بالإسقاط، فصار النفع للطرفين.
المذهب يقولون: لا يصح، ما يجوز، يقولون: لا يجوز، لماذا؟ قال: لأن هذا ربًا، أنت الآن اشتريت أو بعت ألف ريال بكم؟
طلبة: بثمان مئة.
الشيخ: بثمان مئة، بعت ألف ريال بثمان مئة، والبيع محرم؛ بيع نقدٍ بنقدٍ مع التفاضل حرام، إذن هو ربًا فلا يصح.
يقول المؤلف: وإن صالح المؤجل ببعض الحال لم يصح.
ولكن القول الثاني في المسألة: أنه يصح، أن ذلك جائز، وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال للأنصار: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» (5) في دينٍ لهم، «ضَعُوا» يعني: أسقطوا، «وَتَعَجَّلُوا» المؤجل، وهذا نص في الموضوع.
وأيضًا فإن الربا في هذا بعيدٌ جدًّا؛ لأن المدين لم يطرأ على باله حين استدان أنه سوف يرده على هذا عن قصد معجلًا، ولا طرأ على باله، فالمحظور الربا بعيدٌ جدًّا، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله؛ أنه يجوز أن يصالح عن المؤجل ببعضه حالًّا؛ لانتفاع الطرفين.
يقول المؤلف: (أو بالعكس) أيش العكس؟ صالح عن الحال ببعضه مؤجلًا، هذه المسألة هي الأولى، هي قوله: وإن وضع بعض الحال وأجل باقيه، فهذا عليه دين ألف ريال حالًّا، فقال للدائن: أريد أن نجعلها ثمان مئة مؤجلة إلى سنة، ما الذي يصح؟
طالب: الإسقاط.
الشيخ: يصح الإسقاط دون التأجيل، لكن يصح الإسقاط إذا كان بلفظ الإسقاط والإبراء، أما إذا كان بلفظ الصلح فلا يصح؛ ولهذا هنا قال: (لم يصح) وأطلق؛ لأنه إذا وقع بلفظ الصلح فقد صالح عن ملكه ببعضه، وهذا لا يجوز.
(أو أقر له ببيت فصالحه على سكناه) أقر له مَنْ؟ الذي عنده البيت، جاء (... ) مثلًا وقال: هذا البيت اللي أنت فيه هذا بيتي، قال: نعم، هذا بيتك، الحق يقال، لكن أبغيك تصالحني على الإقرار به على أن أسكنه لمدة سنة، يجوز ولَّا لا؟ لا يجوز؛ لأنه صولح عن ملكه بمنفعته بمنفعة الملك، وهذا لا يجوز، ما دمت أقررت بأن البيت بيتي اطلع أنت ما تقر ولا ساعة، قال: هذا بيتك صحيح، وهو لك، وأبغي أصالحك على أن أبني فوقه غرفة، وصالح على ذلك، يصح؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه (... ).
الشيخ: إذا قال: اللي فوق ما هو لك، أقول: لي، نعم، لي إلى السماء، إذا مرت الطيارة من فوق أمنعها من فوق بيتي، ما هو لي إلى السماء، ولي إلى الأرض السابعة ولَّا لا؟
أنا بين بيتي رجل وجاء من أسفل يحفر خندق لأجل يطلع على بيته الثاني، لي أني أمنعه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أمنعه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لا، ما يصير، شوف الآن ما شفت النفق في مكة، الأنفاق فوقها جبال عظيمة، (... ) نفق تحت بيتك، له يمنعه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش الدليل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (6) قال: أنا لي إلى الأرض السابعة، ما لك حق أنك تدخل من تحت أرضي.
هذا الرجل قال: أصالحك على أن أبني فوقه غرفة والبيت بيتك، يقول المؤلف: إنه؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح؛ لأن هذا ملكي، كيف تصالحني على ملكي؟ !
(أو يبني فوقه غرفة، أو صالح مكلفًا ليقر له بالعبودية) قال: تعالَ، فيه ملك يشتري العبيد، وأبغي أصالحك على أنك تكون أنت عبدي وأبيعك عليه، ونأخذ الدراهم، والثمن بيننا، وأنت (... ) عنده اهرب (... )، فاهمون الصورة هذه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قال: أنا عبدك (... ) على هذا الملك، وخليه يعطيك العوض، وأنا -إن شاء الله- (... ) هربت ففعل، هذا يصح ولَّا لا؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش ما يصح؟
طالب: لأنه مكلف.
الشيخ: لأنه مكلف حرٌّ، وقد قال الله تعالى: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» (7).
ومن الغرائب -غرائب الصدف- أن رجلين اتفقا على هذا؛ على أن يكون أحدهما عبدًا للآخر ويهديه على ملك من الملوك، هذه واقعة من مدة يمكن (... ) أكثر من ثمانين سنة، اتفق وإياه وراحوا للأمير، وقال: واللهِ، يا طويل العمر، أنا رأيت أنك محتاج إلى خادم وإلى عبد، وعندي هذا العبد عبدٌ طيب وشهم وهمام وخفيف (... )، والآن هو هدية لك، فقال الأمير: قبلت، بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ويش (... ) نعطيك اللي يرضيك، يا فلان ادع لي بالحلاق علشان يخصاه؛ لأننا نحب أن يكون عند النساء، فإذا خصيناه ما عاد يأتي النساء.
الآن وقعت ورطة كيف يتخلص؟ هذه وقعت يحكيها لنا الكبار يقولون: فعلًا وقعت هذه، فورط الرجل الآن ماذا يقول؟ هل يقول: هذا كذب؟ هل يقول: (... ) بالشفاعة والوساطة، يا اللهِ، يصل إلى أن يسمح عنه، ويعلمونه بالقضية، وإنا كلنا محتاجين، أنا محتاج، وهذا أيضًا محتاج، واتفقنا على أن يقر بأنه عبد لي، وأنت تعطينا ما شاء الله وبعدين يهرب، لكن كان الأمير -الله يغفر له- كان الأمير حليمًا، فلما علم أن هذه الحيلة مدبرة من أجل الحاجة سمح عن الجميع، وأعطى كل واحد منهم ما تيسر وخلاهم يروحون، إي نعم.
طالب: (... )؟
الشيخ: يعني يبيعه؟
الطالب: لا، يعني (... ).
الشيخ: هذا أمير ما (... ) ولَّا عاد العلماء يقولون: لو أنه فعل هذا عتق العبد أو أنه حرام ويعتق العبد؛ لأنه تمثيل، لكن الشاهد من هذا المكر، شوف اللي يمكر دائمًا يُمْكَر به (... ).
(أو امرأة لتقر له بالزوجية) فهو ما يجوز؛ يعني: أمسك امرأة وقال: هذه ألف ريال وأقري بأنك زوجتي، هذا حرام، ما يجوز؛ لأن الزوجية لا تثبت إلا بعقدٍ شرعيٍ صحيح، والمرأة لا تملك أن تبيع نفسها، كما لا تملك أن تهب نفسها إلا للنبي صلى الله عليه وسلم.
ما الذي يريد الإنسان من امرأة أن تقر له بالزوجية؟ يمكن يكون هناك راتب من الدولة لا يُعْطَى إلا لمن له زوجة، وهذا رجل ما عنده زوجة حقيقة، فأتى بامرأة وقال: تعالِ، أقري لي بالزوجية؛ بأنك زوجتي، وما حصل من الدولة فهو بيننا، أو أقري لي وأعطيك كذا وكذا، ويكون ما يحصل له هو وحده.
فالمهم أن هذا أمر واقع، كما أنه يقع من بعض الناس (... ) تكون الدولة ترتب راتبًا لمن ليس له زوجة، فيأتي ويكتب طلاق زوجته، ويشهد على ذلك وهو كاذب، أو يطلقها فعلًا، وإذا حصل من الحكومة ما رتب على عدم الزوجية راجعها.
طالب: (... )؟
الشيخ: الآن موجود، هذا حرام، لا يجوز، وهو من التلاعب بآيات الله عز وجل.
المهم إذا صالح امرأة لتقر له بالزوجية فالصلح غير صحيح.
لو كانت المرأة زوجته حقيقة وأنكرت أنها زوجته، وقالت: أبدًا، ما أعرفك ولا تعرفني، قال: أنا متزوجك (... )، فين الشهود؟ الشهود قد ماتوا، ووثيقة النكاح ضاعت، ما بقي الآن إلا أيش؟
طلبة: إقراره.
الشيخ: إلا إقراره.
طالب: العقد في المحكمة ما يجوز؟
الشيخ: على كل حال، هذا اللي إحنا نقوله، نحن نفرض الآن أن الوثيقة ضاعت والشهود ماتوا، ما يثبت النكاح الآن إلا بإقرارها، فصالحها لتقر له بالزوجية، فما حكم هذا الصلح؟
طلبة: (... ).
الشيخ: هذا جائز بالنسبة للرجل، أما بالنسبة للمرأة.
طالب: حرام.
الشيخ: فحرامٌ عليها، حرامٌ عليها أن تأخذ عوضًا عن هذا الإقرار؛ لأنها امرأته، ولكن بالنسبة له يجوز أن يبذل العوض؛ لأن فيه استنقاذًا لحقه.
ونظير ذلك لو أن أحدًا أخذ منك شيئًا، أخذ منك مالًا وأبى أن يقر أنه لك إلا بعوض تعطيه إياه، فأعطيته العوض، فهنا بالنسبة لك جائز، وبالنسبة له محرم.
قال المؤلف: (وإن بذلاهما له صلحًا عن دعواه صح) (إن بذلاه)؟
طالب: (بذلاهما).
الشيخ: (إن بذلاهما) عندكم، (وإن بذلاهما له صلحًا عن دعواه صح) (بذلاهما) الفاعل في (بذل) يعود على العبد والمرأة، والضمير المثنى في (هما) يعود على العوضين؛ يعني: وإن بذلت المرأة عوضًا لمن ادعى أنها زوجته صلحًا عن دعواه صح، وإن بذل العبد العوض صلحًا عن دعوى العبودية صحَّ.
مثال ذلك: رجل أمسك امرأة وقال: أنتِ زوجتي، امشِ أقري عند القاضي أنكِ زوجتي، قالت: أبدًا، لست زوجة لك، فصالحته هي على دعواه قالت: دعني، وأنا أعطيك كذا وكذا من المال، يصح ولَّا ما يصح؟ يصح للزوجة؛ لأنها تدفع عن نفسها باطلًا، ولا يصح بالنسبة للزوج؛ لأنه زوج مدعٍ وهو كاذب.
إذا كانت زوجته حقيقة وأنكرت وبذلت صلحًا عن دعواه؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يصح من جهته هو، ولا يصح من جهتها هي.
لو أنها قالت: خذ هذا وطلقني، صار هذا من باب الخلع، فلا بأس به، أما أن تعطيه مصالحة عن دعواه فإن هذا لا يصح إذا كانت هي زوجته حقيقة.
والحاصل أن من ادعى زوجية امرأة؛ فإما أن تقر، أو تنكر، إن أقرت فهي زوجته، وإن أنكرت؛ فإما أن تكون زوجة له في الواقع، أو لا، إن كانت غير زوجة له فإنكارها صحيح وجائز، وأخذ عوض على ذلك يُعْتَبر حرامًا، وإن أنكرت وهي صادقة فإنكارها جائز، وأخذ المدعي عليها عوضًا عن ذلك يُعْتَبر حرامًا؛ لأنه أكل للمال بالباطل.
طالب: (... )؟
الشيخ: أيهم؟
الطالب: (وإن بذلاهما صلحًا عن دعواه صح).
الشيخ: معناه: لو ادعى شخص على إنسان بأنه عبده، وقال: ما أنا بعبدك ولا شيء، ولا أعرفك، فألح عليه وأراد أن يخاصمه ويراجعه إلى القاضي، فقال المدعى عليه: أنا أبغي أصالحك على ها الدعوة، هذه مصالحة، هذه -مثلًا- خمس مئة ريال وفكني وأفكك، يكون جائزًا هذا؟
طالب: كيف يجوز؟ ! هذا ظلم.
الشيخ: ما هو على كل حال ظلم، قد يكون صادقًا في دعواه، إي نعم.
طلبة: (... ).
الشيخ: ما عنده شهود، الآن المسألة متوقفة على إقرار هذا العبد، والعبد ما هو بمقر العبد، وإذا كان هذا المدعي كاذبًا وبذل صلحًا عن دعواه صح بالنسبة للمدعى عليه، أما بالنسبة للمدعي فهو حرام، وسيأتي إن شاء الله.
طالب: (... )؟
الشيخ: صح بذهاب المعروف؛ لأنه سيأتينا -إن شاء الله- في باب الصلح على إنكار أن الكاذب لا يصح الصلح في حقه.
طالب: (... )؟
الشيخ: يقول: (وإن بذلاهما له صلحًا عن دعواه صح، وإن قال: أقر بديني وأعطيك منه كذا ففعل صح الإقرار لا الصلح) رجل منكرٌ دينه؛ الدين الذي عليه، فقال صاحب الدين: أقر به وأعطيك كذا وكذا، يقول المؤلف: (صح الإقرار لا الصلح) صح الإقرار؛ لأنه وقع من أهله، ولا يصح الصلح؛ لأنه أكل للمال بالباطل.
مثال ذلك: إذا قدرنا أن ياسرًا يطلب طلالًا عشرة آلاف ريال هكذا؟
طالب: ما أطلبه.
الشيخ: إي، هو اللي يطلبك.
الطالب: هو ما يطلبني.
الشيخ: ما يطلبك؟ طيب أنا بفرض أنه يطلبك عشرة آلاف ريال، فجاء ذات يوم ياسر وقال: أعطني العشرة آلاف ريال، قال: ما عندي لك شيء أبدًا، عندك بينة، ياسر ما عنده بينة؛ لأنه رجل واثق من زميله، في هذه الحال يضيع حق ياسر؟ إي، يضيع، يضيع حق ياسر؛ لأنه لو ترافع إلى القاضي سيحلف طلال أنه ما عنده له شيء ويمشي، لكن كان ياسرٌ ذكيًّا وقال له: أقر بديني عشرة آلاف ريال وبعطيك ألف ريال، هذا أزيد لك، تزيد ألف ريال، وتبرأ ذمتك، وبدأ يحسن له الإقرار، فأقر قال: نعم، عندي لك عشرة آلاف ريال، يصح هذا الإقرار ولَّا ما يصح؟ يصح، أما الصلح فلا يصح.
ماذا يلزم طلال؟ يلزمه العشرة كاملة، يقول: يعطني زي ما أعطى العشرة الكاملة، قال: اتق..
صَحَّ الإقرارُ لا الصلْحُ.
(فصلٌ)
ومَن ادَّعَى عليه بعينٍ أو دَيْنٍ فسَكَتَ أو أَنْكَرَ وهو يَجْهَلُه ثم صالَحَ بمالٍ صَحَّ، وهو للمُدَّعِي بيعٌ يُرَدُّ مَعيبُه, ويُفْسَخُ الصلْحُ, ويُؤْخَذُ منه بشُفْعَةٍ، وللآخَرِ إبْراءٌ, فلا رَدَّ ولا شُفعةَ، وإن كَذَبَ أحدُهما لم يَصِحَّ في حَقِّه باطِنًا, وما أَخَذَه حرامٌ، ولا يَصِحُّ بعِوَضٍ عن سَرِقَةٍ وقَذْفٍ ولا حَقِّ شُفعةٍ وتَرْكِ شَهادةٍ، وتَسْقُطُ الشُّفعةُ والْحَدُّ.
وإن حَصَلَ غُصنُ شَجرتِه في هواءِ غيرِه أو قَرارِه أَزَالَه، فإن أَبَى لَواهُ إن أَمْكَنَ، وإلا فله قَطْعُه، ويَجوزُ في الدَّرْبِ النَّافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودِكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في مِلْكِ جارٍ ودَرْبٍ مُشتَرَكٍ بلا إِذْنِ الْمُسْتَحِقِّ، وليس له وَضْعُ خَشَبِه على حائطِ جارِه إلا عندَ الضرورةِ إذا لم يُمْكِنْه التسقيفُ إلا به، وكذلك المسجِدُ وغيرُه، إذا انْهَدَمَ جِدَارُهما أو خِيفَ ضَرَرُه فطَلَبَ أحدُهما أن يُعَمِّرَه الآخَرُ معَه أُجْبِرَ عليه، وكذا النهْرُ والدُّولَابُ والقَناةُ.
لأنه يضيع حقي بدونه، فأنا مضطر إليه، فتكون هذه المصالحة غير صحيحة.
قال المؤلف: (صح الإقرار لا الصلح)، وهذه من المسائل التي ينبغي للإنسان أن يستعمل فيها ذكاءه، كما يُذْكَر عن رجلٍ قال لزوجته: إن كلمتك قبل أن يؤذِّن الفجر فأنتِ طالق، الآن تورطت أو هو اللي تورط؟
طلبة: هو اللي تورط.
الشيخ: لا، المسألة بالعكس، قال: إن لم تكلميني، كان يكلمها وهي معاندة ما تكلمه، قال: إن لم تكلميني قبل أذان الفجر فأنتِ طالق، هي فرحت بذلك؛ لأن هي تريد فراقه، صار يكلمها وهي ساكتة ما تتكلم كأنها حجر، فتورَّط الرجل، فذهب إلى الإمام أبي حنيفة -رحمه الله- وأخبره بالخبر، فقال له أبو حنيفة: اذهب إلى المؤذِّن الفلاني، اللي في حَيِّهِم، وقل له: ياللا طلع الفجر، روح أَذِّن، فذهب الرجل إلى المؤذِّن وقال له: القضية كذا وكذا، طلع الفجر ياللا امش، هذا قام بدون تفكير وذهب للأذان، وهذا ذهب إلى امرأته، فلما أَذَّنَ المؤذن قالت: الحمد لله الذي خلَّصَنِي منك، تقول لزوجها.
طالب: تكلمت.
الشيخ: تكلمت؛ لأن أذن الفجر، فقال: الحمد لله الذي ربطك عليَّ، ثم قال: انتظري، الآن المؤذِّن أخطأ، أَذَّنَ قبل الوقت، ونشوف بعد هل يطلع النهار ولا ما يطلع، فما رأيكم في مثل هذه الحيلة؟
طلبة: جائزة.
الشيخ: هي جائزة، لكن فيها مشكلة، حَلَّت مشكلة الزوج، لكن يبقى عندنا مشكلة الناس اللي بيصلون.
طالب: (... ) للمؤذن.
الشيخ: الناس اللي بيصلون يمكن الحل بأن يُخْبَرُون أو هم إذا رأوا الفجر ما طلع يعيدون الصلاة.
طالب: (... ) عند المؤذن علق الحكم بالأذان، أذان المؤذن، ما علق الحكم بوقت الفجر.
الشيخ: لا، هو قصدها الفجر ما فيه شك، إذا أذَّن لصلاة الفجر، نقف على الفصل (... ).
الصلح ينقسم إلى قسمين: صلحٌ على إقرار، وصلحٌ على إنكار، الصلح على الإقرار أن يُقِرَّ له بشيء فيصالحه على بعضه، أو يصالحه على تأجيله إن كان حالًّا، أو على تعجيله إن كان مؤجلًا، وسبق تفصيل القول فيه، وبَيَّنَّا أن الأصل فيه الجواز والصحة، بناءً على القاعدة العامة الأصلية في جميع العقود، وهي: أن الأصل فيها الحِلّ والصحة.
وهذه قاعدة ينبغي لك يا طالب العلم أن تجعلها دائمًا نصب عينيك؛ أن الأصل في المعاملات الجواز والصحة حتى يقوم دليلٌ على المنع، فأي إنسان يقول لك: هذه المعاملة حرام، فبكل بساطة تقول له: أين الدليل؟
لكن لو قال لك: هذه العبادة مشروعة، فقل له: أين الدليل؟ لأن الأصل في العبادات المنع والحظر حتى يقوم دليلٌ على المشروعية.
الصلح على إنكار: أن ينكر الإنسان ما ادُّعِيَ عليه ثم يصالح، ينكر ثم يصالح.
مثال ذلك ما قاله المؤلف: (ومَن ادُّعِيَ عليه بعين أو دَيْن)، (بعين) بأن قال المدَّعِي: هذا الكتاب لي، هذا عين.
(بِدَيْن) بأن قال المدَّعِي: أنا أطلبك مئة ريال، فالأول ادُّعِيَ عليه بعين، والثاني ادُّعِي عليه بِدَيْن.
إن قال: نعم، هذه العين لك، هذا الكتاب الذي قلت: إنه لي، هو لك، ثم صالحه، فهو من باب صلح الإقرار.
إذا قال: نعم أنت تطلبني مئة ريال، ثم صالحه، فهو من باب الصلح على إقرار، وهذا سبق.
لكن إذا سكت أو أنكر ثم صالح فهو صلح على إنكار، وبهذا نعرف أن مَن ادُّعِيَ عليه بشيء فإما أن يُقِرّ أو ينكر أو يسكت، إن أقر فالأمر واضح، ويلزمه ما أقر به، وإن أنكر فعلى المدَّعِي البينة، وعلى المنكِر اليمين، وإن سكت فإنه ليس كالْمُقِرّ وليس كالمنكِر، لكن للمُدَّعِي أن يطالبه إما بالإنكار أو بالإقرار.
لكن لو أن المدَّعَى عليه سكت أو أنكر وهو يجهل ما ادُّعِيَ عليه ثم صالح بمال صح الصلح.
قال: لا، هذا الكتاب ليس لك، أو الدراهم التي ادعيت مئة ريال ليس في ذمتي منها شيء، فهنا يقول: (ثم صالح بمالٍ صح)، ويش الدليل؟
الدليل أولًا نقول: ما الدليل على المنع؟ أليس كذلك؟ فنقول: الدليل هنا عدم الدليل؛ لأن الأصل الحِلّ.
ثانيًا: نقول: الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ» (1)، فإن مفهومه كل شرط في كتاب الله فهو حق.
ودليل ثالث: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا، أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (2)، وهذا لا يُحِلُّ حرامًا، ولا يُحَرِّم حلالًا فيجوز.
قال له -لما قال: هذا الكتاب الذي بيدك لي- قال: لا، ليس لك، ثم صالَحَ عنه، قال: هو ليس لك، لكن إذا تحب أن أصالحك بناءً على دعواك وتَعَلُّق قلبك به فأنا ما عندي مانع حتى يزول ما في قلبك، قال: لا بأس، صالِح، قلت: هذا الكتاب يساوي عشرة، وأنا بصالحك عنه بخمسة، قال: صالِح، يجوز ولَّا لا؟ كما قال المؤلف يجوز.
كذلك جاء إليَّ وقال: إن في ذمتك لي مئة درهم، فقلت: أبدًا، ليس لك عليَّ شيء، إنكاري هذا قد يكون عن علم، وقد يكون عن نسيان، وقد يكون عن جهل، عن جهل يعني: إني ما أدري هل الذي يطلبني فلان أو فلان، أنا أعرف أن أحدًا يطلبني مئة درهم، لكن لا أدري أهذا الرجل أم غيره، هذا جهل ولَّا نسيان؟
طلبة: جهل.
الشيخ: هذا جهل، المهم: ادَّعَى عليَّ بمئة درهم فأنكرت، أنكرت إما عن علم، أو عن جهل، أو عن نسيان، ولكن مع ذلك قلت له: ما دمت تدَّعِي عليَّ بهذا وأنا لا أُقِرُّ به لنجعل بيننا صلحًا، فأعطيك عن مئة الدرهم خمسين درهمًا، ووافق واصطلحنا، يجوز ولَّا لا؟ يجوز وينفُذ الصلح، ويلزم كل من الطرفين بما تم عليه الاتفاق، ولهذا قال المؤلف: (ثم صالح بمالٍ صح).
قوله: (بمالٍ) يشمل الحالَّ والمؤجَّل، لو صالح بمنفعة بأن قال: أنا أصالحك على أن تسكن داري شهرًا، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، ما فيه مانع؛ لأن المنفعة المباحة كالمال.
وقول المؤلف: (فسكت أو أنكر وهو يجهله) فإن سكت أو أنكر وهو يعلمه يصح الصلح ولَّا لا؟ يصح في طرف الثاني، ولا يصح في طرف الأول، يعني المنكِر الذي أنكر وهو يعلم أن الحق واجبٌ عليه لا يصح الصلح في حقه.
وأما الثاني فيصح، ولهذا المؤلِّف إنما قيَّده بقوله: (وهو يجهله)؛ لأن الحكم الآن في بيان صحة الصلح من الطرفين جميعًا.
ثم قال: (وهو للمُدَّعِي بيع يَرُدّ معيبَهُ ويفسخ الصلح، ويؤخَذ منه بشُفْعة، وللآخر إبراءٌ، فلا رَدَّ ولا شُفْعة، وإن كذَب أحدهما لم يصح في حقه باطنًا، وما أخذه حرام).
(وهو للمدَّعِي بيع)، (وللآخر) وهو المدَّعَى عليه (إبراء)، أظنكم تعرفون أن لدينا في هذه الصورة مُدَّعٍ ومدَّعًى عليه، من المدَّعِي؟
طالب: الذي ادعى أن له الحق.
الشيخ: الذي ادعى أن له الحق، يعني المسألة قلنا: عين أو دَيْن، قال: هذا الكتاب الذي بيدك لي، الآن المدَّعِي هو الذي قال: إن هذا الكتاب لي، والمدَّعَى عليه: الذي بيده الكتاب، واضح؟
قال إنسان لآخر: في ذمتك لي مئة درهم، هذا هو المدَّعِي، والمدَّعَى عليه: الذي قيل له: إن في ذمتك مئة درهم.
هذا العقد بالنسبة للمُدَّعِي يقول المؤلف: إنه بيعٌ؛ لأن المدَّعِي يعتقد أن ما ادعاه حق، وأن هذا عِوَضٌ عما ادعاه، وهذا هو حقيقة البيع؛ لأن البيع مُبَادَلَة مال بمال، وهذه مبادلة، فأنا مثلًا عندما أقول: هذا الكتاب الذي في يدك لي، وتقول أنت: لا، ثم أصالحك، أنا في اعتقادي إن الدراهم اللي أخذتها عِوَض عن أيش؟ عن الكتاب، كأنها ثمنٌ له، فيكون الصلح في حقي بيعًا، انتبه! ماذا يترتب عليه (يَرُدّ مَعِيبَه ويفسخ الصلح) إذا كان عيبًا، (ويؤخَذ منه بشُفْعَة).
يقول: (يرد معيبه ويفسخ الصلح) مثاله: قلت له: إن هذا الكتاب الذي في يدك لي، قال: لا، هذا ليس لك، وأنا ما عندي بينة، ولكنه قال: سأعطيك بدلًا عنه هذا القلم، قلت: طيب، أخذت القلم بدلًا عنه، ثم وجدت في القلم عيبًا، لي أن أرده ولَّا لا؟ لي أن أرده وأفسخ الصلح، وأطالب بالكتاب؛ لأن الصلح في حقي هنا بيع، هذا معنى قوله: (يرد معيبه ويفسخ الصلح).
(للآخر إبراءٌ فلا رَدّ)، يعني: لو وجده مَعِيبًا فلا رد له؛ لأنه أخذه على سبيل الإبراء لا على سبيل العِوَض؛ إذ إنه يعتقد أنه ليس له.
هذا الكتاب اللي أنا قلت: إنه لي، وأنكر، وصالحني على دراهم، وأخذت الدراهم ومشيت، بعد ما مشيت أو قبل أن أمشي فتَّش الكتاب وإذا الأرضة قد أكلته، ما فيه إلا أول ورقة وآخر ورقة، والباقي كله مأكول، عيب ولَّا غير عيب؟
طلبة: عيب.
الشيخ: عيب، هل يرده عليه؟ لو (... ) قال: خذ كتابك أعطني الدراهم اللي أعطيتك.
طالب: (... ).
الشيخ: أقول: لا، أنت بنفسك قد قلت: إن هذا الكتاب ليس لي، كيف تطالب به، وأنت بنفسك مُقِرٌّ بأنه ليس لي، والذي أعطيتني الدراهم إبراء لذمتك ما هي عِوَض عن الكتاب؛ لأنك تعتقد أن الكتاب ليس لي، فكيف ترده عليَّ؟ ! ولهذا لا يرد بعيب بالنسبة لِمَن؟
طلبة: للمدَّعَى عليه.
الشيخ: للمدَّعَى عليه.
وقول المؤلف: يؤخذ من المدَّعِي بشفعة ولا يؤخذ من المدَّعَى عليه بشفعة، كيف ذلك؟
يعني: لو أن المدَّعَى عليه حين قلت له: إن هذا لي، قال: لا، ليس لك، ثم صالحني بشِقْصٍ له في عقار، عرفتم؟ صالحني بشِقْصٍ له في عقار فإن هذا الشِّقْص يؤخَذ مني بالشُّفْعة، يأخذه مَن؟ يأخذه الشريك، الصورة معروفة ولا نصوِّرها؟
طلبة: غير معروفة.
الشيخ: نشوف، ادعيت على هذا الرجل بأن الفيلَّا التي يسكنها لي، فقال: ليست لك، وأنا ما عندي بينة، ثم صالحني وقال: أنا سأعطيك عِوَضًا، وهو نصيبي في هذه الأرض، لي نصفها ولشريكي نصفها، قال: أعطيك نصيبي في هذه الأرض، فقبِلْتُ وأخذت النصيب، فقام شريكه وأخذه مني بشفعة، له الحق في ذلك ولَّا لا؟
طلبة: له الحق.
الشيخ: له الحق في ذلك، لماذا؟ لأنه دخل ملكي على سبيل أيش؟ المعاوَضة؛ لأنني أعتقد أن الفيلا ملكٌ لي، وأن هذا عِوَض عنها، فيأخذه شريكه مني بالشفعة.
أما العكس لو قلت لهذا الرجل: إن الفيلا التي أنت فيها لي نصفها، وقال: أبدًا، ما لك فيها شيء، بل هذا لي، ثم أخذت منه عِوَضًا عما ادعيت، فإن شريكه في الفيلا يأخذ هذا الشِّقْص الذي ادعيته بالشفعة ولَّا لا؟
طالب: لا يأخذه.
الشيخ: لا يأخذه؛ لأنه دخل على المنكِر لا على سبيل المعاوضة ولكن على سبيل الإبراء؛ لأنه لما أعطاني العِوَض أبرأته منه إبراءً، هذا معنى قوله: (وللآخر إبراء، فلا رد ولا شفعة).
الخلاصة أن هذا العقد هل هو بيع أو إبراء؟
طالب: إبراء.
الشيخ: إبراء؟ لا.
طالب: الأول ليس..
الشيخ: بالنسبة لمن؟
الطالب: للمُدَّعِي بيع، للمُدَّعَى عليه إبراء.
الشيخ: بالنسبة للمٌدَّعِي بيع، وللمُدَّعَى عليه إبراء.
ما الذي يترتب على هذا القول؟
طالب: أن المدَّعِي يرد بعيبها و..
الشيخ: يؤخَذ منه؟
الطالب: بشُفعة.
الشيخ: يعني يترتب عليه أحكام البيع، فيرد مَعِيبَه ويؤخَذ منه بالشفعة.
الطالب: وأما (... ) إبراء فهو المدَّعَى عليه، فلا يَرُد مَعِيبَه، ولا يؤخَذ منه بشفعة.
الشيخ: نعم؛ لأنه إبراء، اضرب مثلًا.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، على العين.
الطالب: العين، مثال: ادعى إنسان بأن الكتاب له، فأنكر هذا الشخص، ثم صالحه على –مثلًا- خمسين ريالًا فذهبت الخمسون، ثم تبين أن الكتاب مَعِيب، فطالب..
الشيخ: هذا بالنسبة للمدَّعَى عليه.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، اللي هو المدَّعَى عليه.
الطالب: لو تبين أن الكتاب معيب فقال له: إن الكتاب الذي أعطيتني مثلًا أرش العين، فهنا لا يُلْزَم بدفع أرش العين؛ لأنه لم يُقِرّ بأن الكتاب له.
الشيخ: وإذا كان العيب فيما أخذه المدَّعِي، مثاله؟
الطالب: مثاله صالحه على كتاب آخر وتبين أنه معيب..
الشيخ: فإن المدَّعِي له أن يرده بالعيب أو يأخذ الأرش، واضح يا جماعة ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: ما هو واضح؟ معه كتاب الآن، ادعيت أن الكتاب اللي معه -وهو زاد المستقنع- لك، فقال: لا، ليس لك، وأنت ما عندك بَيِّنَة، ما عندك شهود يشهدون بأنه لك، فصالحت أنت وإياه على أنه يعطيك دفتر ورق عِوَضًا عن الكتاب، أخذت الدفتر، ولما نظرت إلى الدفتر وإذا فيه عيب، أوراقه كلها مكتوبٌ فيها أب ت ث ج ح خ، وما أشبه ذلك، شيء ما يفيد، عيب هذا ولَّا غير عيب؟
طالب: عيب.
الشيخ: ترده عليه ولَّا ما ترده؟
الطالب: ترده.
الشيخ: ترده عليه؛ لأنه أعطاك إياه عِوَضًا عن مالك، فأنت تعتقد أن هذا بيع، هو لما ذَهَبْتَ وجد في الكتاب الذي ادعيته أنت وجد فيه عيبًا، وجده قد أكلته الأرضة أو قد صُبَّ عليه دهن أو ما أشبه ذلك، هل يرده عليك ولَّا لا؟ وجد فيه عيبًا.
طالب: لا، لأنه أخذه بدون بيع.
الشيخ: ويش لون أخذه؟
الطالب: ما فيه عقد.
الشيخ: لا، تم، ها الحين أنت لما وجدت بالدفتر عيبًا رَجَّعْتَه عليه، وهو إذا وجد بكتابك عيبًا ما يرده عليك؟ هذا ظلم.
الطالب: يرده.
الشيخ: يرده عليك، ويش تقول؟
طالب: الأول..
الشيخ: هل توافق على الرد ولَّا عدم الرد؟
الطالب: ما أوافق.
الشيخ: ما توافق على الرد؟ ليش تقبل الرد أنت إذا صار لك ولَّا صار عليك لا؟
الطالب: لأنه إذا صار هذا الكتاب ليس لي ووافق يكون هذا عِوَضًا، أما إذا كان الكتاب عنده وأعطاني معيبه فإنه أعطاني حقي، رجَّع حقي ومعيبه ليس..
الشيخ: إي، لكن أنت لما أعطيته الدفتر عوضًا عن كتابك ووجد فيه عيبًا رده عليك، يقول: ما يخالف، نبدل لك الدفتر.
الطالب: هنا بيع (... ).
الشيخ: بالنسبة للمدعي؟
الطالب: بيع.
الشيخ: وأنت؟
الطالب: إبراء.
الشيخ: ولو تيجي لَمّه تقول: هذا كتابك اللي تقول: إنه لي، وجدته كله معيبًا، ما فيه إلا اسم الكتاب فقط والفهرس، والباقي كله أكلته الأرضة.
الطالب: إي نعم، إبراء لا بيع.
الشيخ: ما تملك الرد عليه؟
الطالب: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنك أنت بنفسك تعتقد أن الكتاب ليس له، ولَّا لا؟ كيف تلزمه بشيء ليس له بإقرارك أنت، فهو في حقك إبراء وليس ببيع.
الشفعة؛ (يؤخذ منه بالشفعة) ويش معناها؟ مَثِّل بمثال.
طالب: لو صالحه على هذا البيت، أطلق هذا البيت، قال: عندي أرض، قال: سأعطيك عِوَضًا عن هذا البيت، وهذه الأرض فيها شريك، فإن للشريك هذا أن ينتزع حصة شريكه.
الشيخ: زين، أن ينتزع حصة..
الطالب: حصة هذا المصالِح له.
الشيخ: نعم، واضح أيضًا ولَّا ما هو بواضح؟ ما هو بواضح، نبين هذا إن شاء الله.
الرجل مثلًا الذي ادعيت عليه أن هذا الفيلا له ساكن لي، وقال: ما هي لي، فهمتم؟ قال: ليست لي، ثم بعد ذلك تصالحت أنا وإياه على أن يعطيني بدلًا عنها شِقْصًا له في أرض، يعني هو يملك أرضًا له شريك فيها، فأعطاني هذا الشِّقْص، فإن شريكه له أن يأخذ الشِّقْص مني بالشفعة، ومعني بالشفعة يعني أنه يأخذه ويعطيني قيمته، فيقدر هذا الشِّقْص ويش يسوى من الدراهم ويعطيني إياها، واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: بالعكس، إذا كانت الشفعة ستكون للمدَّعَى عليه فلا شفعة، ويش مثاله؟
طالب: السؤال غير واضح.
الشيخ: السؤال إذا كان الشِّقْص الذي فيه الشفعة في جانب المدَّعَى عليه، يعني: آل إلى المدَّعَى عليه فلا شفعة، ويش مثاله؟
الطالب: إذا قال الإنسان: ادعيت أن عند الرجل فيلا أنها لي، وهو أنكر ذلك، ثم قال: أعطيك النصف، له النصف من ها الأرض، والنصف شريك آخر، فيأخذ ها النصف الثاني على أنه غير بيع، له أن يأخذ النصف الثاني لكن ما يمكن له الشفعة.
الشيخ: لا، خطأ في المثال وفي الحكم، مثال؟
طالب: رجل ادعى أن له فيلا هذا (... ) الرجل هذا قال: هذه ليست لي، أي بيمثل لـ..
الشيخ: ما يصلح.
الطالب: يمثل لي إلحاق.
الشيخ: مَثِّل لكن إن كان على ما قلت فهو ما هو صحيح.
الطالب: ياسر ادعى (... ).
الشيخ: اللي ما فيه الشفعة.
الطالب: اللي ما فيه شفعة اللي عند ناصر الآن فيلا إذا جاء رجل وطالب ناصر بالشفعة فليس له؛ لأن الفيلا المفروض المنكر (... ) المنكرة هي عند..
الشيخ: لا.
طالب: رجل يعني ساكن في فيلا أو في عمارة، فجاءه مُدَّعِي عليه فقال له: إن نصف العمارة هذه لي، فأنكر عليه الساكن.
الشيخ: يعني الساكن الآن ساكن في عمارة، العمارة هذه يقول: نصفها لي -يقول الساكن- ونصفها لزيد، يعني هي مشتركة.
الطالب: مشتركة، هذا قال له: النصف هذا ليس لك، فصالحه على هذا النصف -المدَّعِي صالح المدَّعَى عليه على هذا النصف- فليس للشريك الآخر أن ينتزع من هذا المنكِر النصف الآخر.
الشيخ: نصيبه.
الطالب: نصيبه.
الشيخ: واضح؟
المسألة هذه يكون المدَّعَى به شِقْصًا من مشترك، لازم، فأنا أجيء إلى هذا الرجل الساكن في فيلا، الفيلا هذه نفس الساكن يعتقد أنها بينه وبين زيد نصفين، فجئت إليه وقلت: إنك الآن ساكن في نصيبي، والفيلا مشتركة بيني وبين زيد، ما هي بينك وبين زيد، واضح الآن ولَّا لا؟ قال: أبدًا، الفيلا بيني وبين زيد، وأنت ليس لك فيها نصيب، ثم صالحني بدراهم وأعطاني الدراهم، هل لزيد أن يأخذ نصيب المدَّعَى عليه بالشفعة أو لا؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لأنه إبراء، فصارت المسألة إذا أردت أن تمثل بمثال يكون المدَّعَى عليه شريفًا فهو هذا المثال، بأن يدعي إنسان على آخر أنه يملك شِقْصًا مما ادُّعِيَ به على هذا الرجل، ثم ينكر، ثم يصالح، فهنا لا يؤخذ الشِّقْص بالشفعة؛ لأنه آلَ إلى المدَّعَى عليه بالإبراء لا بالعِوَض.
لو أن هذا المدَّعَى عليه وجد أن في الفيلا عيبًا؛ وجدها متشققة متكسرة، يردها على المدَّعِي ولَّا لا؟
طلبة: ما يردها.
الشيخ: ما يردها؛ لأنه هو بنفسه يقول: إنها ليست ملكًا له، فكيف نلزمه بما ليس ملكًا له؟ والله أعلم (... ).
تعالى: (وإن كذَب أحدهما لم يصح في حقه باطنًا، وما أخذه حرام) (إن كذَب أحدهما) أيهما؟ المدَّعِي، والمدَّعَى عليه.
(إن كذب أحدهما) أي: المدَّعِي أو المدَّعَى عليه، فإن الصلح في حقه لا يصح باطنًا، أي فيما بينه وبين الله عز وجل.
كذَب المدَّعِي بأن كانت دعواه باطلة، ليس المال ماله، ولم يثبت له دَيْن، لكنه قال: أبغي ادَّعِي عليه عشان يصالحني؛ لأنه رجل يحب الستر ولا يحب الذهاب إلى القاضي، وبيعطيني ما تيسر ويكفي، نقول: إن هذا المدَّعِي ما أخذه بدعواه حرام، والصلح في حقه غير صحيح باطنًا، أما ظاهرًا فصحيح؛ لأننا لا نحكم إلا بالظاهر، لكن فيما بينه وبين الله يكون ما أخذه عِوَضًا عن هذه الدعوى حرامًا.
المدَّعَى عليه؛ ادَّعَيْت على فلان بأن الكتاب الذي في يده لي، وأنكر وهو يعلم أنه لي، لكن أنكر كاذبًا، ثم صالحني، فالصلح حرام عليه ولَّا عليَّ أنا؟
طلبة: عليه.
الشيخ: عليه هو، ولا يصح في حقه، ويكون استعماله للكتاب بعد هذا الصلح استعمالًا محرَّمًا؛ لأنني أنا إنما صالحت كالْمُكْرَه، حيث إنه ليس لي بينة، فأنا اضطررت إلى أن أصالح؛ لأن وجود شيء من مالي خير من عدمه، فأنا صالحته للضرورة، فيكون هذا الصلح في حقه محرَّمًا، ويكون أكله للمال الْمُصَالَح عليه أكلًا باطلًا يأثم به عند الله عز وجل، وهكذا كل دعوى يدَّعيها الإنسان ويُحكم له بحكم الظاهر فإنه إذا كان كاذبًا لا تحل له، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ، وَإِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنِ اقْتَطَعْتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ جَمْرَةً مِنَ النَّارِ فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» (3)، فجعل الرسول عليه الصلاة والسلام هذا الحكم له جهتان: جهة الظاهر؛ يحكم بحسب الظاهر، وجهة الباطن؛ يعذَّب على حسب الباطل، لو كان الحكم الظاهر يقضي على الحكم الباطن لكان إذا حكم لأخيه بشيء حسب الدعوى هل تكون قطعة من النار ولَّا لا؟ ما تكون، لكنها إذا كانت دعوى باطلة كانت قطعة من النار.
إذن فدليل ما ذهب إليه المؤلف هذا الحديث، إذا قيل: ما هو الدليل على أنه إذا كذب أحدهما لم يصح في حقه باطنًا وما أخذه حرام؟
قلنا: هذا الحديث الذي سقناه وسمعتموه: «فَمَنِ اقْتَطَعْتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ أَخِيهِ فَإِنَّمَا أَقْتَطِعُ لَهُ جَمْرَةً مِنَ النَّارِ فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ».
قال: (ولا يصح بعِوَض عن حد سرقة وقذف، ولا حق شفعة وترك شهادة)، هذه أمور أربعة لا تصح المصالحة عنها بعِوَض.
أولًا: عن (حد سرقة) لما وصل السارق إلى القاضي وحكم بقطع يد، قال: يا جماعة لا تقطعوا إيدي أبغي أصالحه، الدية مئة ألف، أنا بعطيكم مليون ولا تقطعون يدي، قالوا: ما يخالف، مليون هذا مال كثير، قالوا: ويش ينفع يدك؟ ما تنفعنا بشيء، فصالحوه على هذا، يصح ولَّا ما يصح؟
الطلبة: ما يصح.
الشيخ: والمليون اللي هو سلَّم، حلال ولَّا حرام؟
الطلبة: حرام.
الشيخ: حرام، يجب أن يُرد إليه وتقطع اليد.
كذلك عن حق قذف: حق القذف، طالَب المقذوف بحقه وحُكم على القاذف بكم من جلدة؟
طلبة: ثمانين.
الشيخ: ثمانين جلدة، قال: أنا باعطيكم عن كل جلدة مئة ألف وفُكُّوني، كم يصير؟
طلبة: ثمان مئة.
الشيخ: ثمان مئة ألف، لا، كل جلدة مئة ألف، والجلدات في القذف؟
طلبة: ثمانين.
الشيخ: ثمانين، كم يصير؟
طلبة: ثمان ملايين.
الشيخ: إي، صح، أجل ما يقول، أقل، المهم إنه قال: بأعطيكم عن كل جلدة ألف، كم يصير؟
طلبة: ثمانين ألفًا.
الشيخ: ثمانين ألفًا، يصح ولَّا ما يصح؟
طالب: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأن هذا حق لله، لما وصل إلى الإمام فلا بد من أيش؟ من إنفاذه، وإنما مَثَّل المؤلف بالسرقة وبالقذف لأنهما يتعلقان بالآدمي، بدليل أن المسروق منه لو لم يطالب هل تُقْطَع يد السارق؟ لا تُقْطَع؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام لصفوان بن أمية: «هَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ؟ » (4).
وكذلك أيضًا القذف، لو لم يطالِب المقذوف هل يُجْلَد القاذف؟ لا، ومع هذا لا يصح بعِوَض؛ لا عن حد السرقة ولا القذف.
(ترك الشهادة) أيضًا؛ هذا رجل يشهد على رجل بأنه أقر بأن في ذمته لفلان مئة ألف، هذه شهادة، فجاء المشهود عليه وقال له: تعال -يقول للشاهد- أنت إذا شهدت عليَّ بأنني قد أقررت بأن في ذمتي لفلان مئة ألف أُخذ مني مئة ألف، لكن أنت ما تستفيد شيئًا، صح ولَّا لا؟
طالب: نعم صحيح.
الشيخ: ما يستفيد الشاهد؟
طلبة: (... ) عند الله.
الشيخ: انتبهوا يا جماعة!
طالب: في الدنيا ما (... ).
الشيخ: لا، دعنا من الآخرة، الآن هذا الشاهد شهد بأني أقررت بأن لفلان في ذمتي مئة ألف، إذا شهد وأُخذت مني مئة الألف هل يستفيد شيئًا من الدنيا؟ لا، ذهب المشهود عليه إلى الشاهد وقال له: تعال، أنت إذا شهدت علي بمئة ألف سيؤخذ مني مئة ألف، لكن ما يجيك شيء، أنا بعطيك الآن عشرة آلاف ريال واترك الشهادة، تسدك أنت وعيالك عشر سنين، الرجل قام يفكر، قال: هذا صحيح، أعطني العشرة آلاف ريال وأترك الشهادة، يجوز ولَّا لا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: لكن (... ) صلح وصالَح.
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، ما يمكن نقول: الصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا.
إذن لا يصح، ويجب على الشاهد حينئذٍ أن يشهد ويرد المال.
يقول: (ولا عن حق شفعة) ما يصح أيضًا حق شفعة، وهذه دعونا ننظر فيها؛ حق الشفعة هو أن يثبت للشريك الشفعة فيما باعه للشريك.
مثاله: بعت نصيبي من هذا العقار على فلان، فقال شريكي للمشتري: قد شفعت عليك، له الحق ولَّا ما له حق؟ له الحق، فيأخذ من المشتري ما اشتراه من شريكه، ولكن المشتري ذهب إلى الشريك، وقال له: أسقِط حقك من الشفعة وأعطيك ألف ريال، (... ) أنا أسقطت حقي من الشفعة أعطاني ألف ريال، يقول المؤلف: إن هذه المصالحة لا تصح؛ لأن الشفيع الذي هو الشريك إما أن يأخذ بالشفعة وإما أن يدع، وليس له الحق أن يُسْقِطَها بعِوَض، إما أن يسقطها مجانًا، وإما أن يأخذ بالشفعة كاملة.
المؤلف يرى أنه لو ذهب المشتري إلى الشريك الذي له حق الشفعة وقال: أسقط حقك بألف ريال، يرى أن هذا غير صحيح، ليش؟ يقول: لأن الشفيع له حق إما أن يأخذ أو يدع، أما أن يأخذ عِوَضًا على الترك فهذا حرام ولا يجوز.
لو فرض أنه فعل، فماذا يكون؟
قال المؤلف: (وتسقط الشفعة والحد) أيّ حد؟ حد القذف الذي أخذ عِوَضًا عن إسقاطه، يسقط الحد ولا عِوَض له.
ولكن الصحيح في مسألة الشفعة أن الصلح عنها جائز؛ لأن المشتري صالَح الشفيع عن حقٍّ له يتعلق به حق الله ولَّا حق محض للآدمي؟ حقٌّ للآدمي محض، فإذا أسقط الآدمي حقه بعِوَض فلا بأس بذلك، وما المحظور؟
فالصواب: أن الشفعة تسقط وأن الصلح جائز.
أما المذهب فإن المصالِح المسكين يفوته الأخذ بالشفعة ويفوته العِوَض، يفوته جلد القاذف ويفوته أيضًا العِوَض.
الخلاصة الآن: عندنا أربعة أشياء لا يصح الصلح عنها، وهي: حد السرقة، وحد القذف، والشهادة، والشفعة.
والصحيح أن المصالحة عن الشفعة جائزة، وأن الصلح لازم؛ لأنه حق محض للآدمي، فإذا أسقطه بعِوَض فلا بأس به.
وأما بالنسبة للقذف فالصحيح أنه لا يصح الصلح؛ لكن للمقذوف أن يطالب بحقه إذا علم أن الصلح غير صحيح؛ لأنه إنما أسقطه بناءً على أيش؟ بناءً على أن الصلح صحيح وهو بيأخذ عِوَضًا عنه، فإذا لم يكن هناك عوض فلا يمكن أن يفوت حقه في المطالبة بحد القاذف.
وأما السرقة فالصلح لا يصح ويجب تنفيذ الحد.
ترك الشهادة: الصلح أيضًا لا يصح، وتجب إقامة الشهادة، مفهوم يا جماعة الآن؟
يقول المؤلف رحمه الله: (وتسقط الشفعة والحد) والصحيح أن الشفعة تسقط (... ).
مثال ذلك: لي نخلة عند الجدار، فارتفعت فصارت عسبانها على حوش جاري، يجب عَلَيَّ أن أزيل هذه العسبان، لماذا؟ لأن مالك الأرض يملك قرارها وهواءها، فإن أذن لي بذلك ورضي هل يلزمني أو لا؟
لا يلزمني؛ لأن الحق له، لكن إذا لم يرضَ فإنني أزيل ذلك، كيف أزيل هذه العسبان؟ إما بالقطع أو باللَّيّ.
في القرار: سَرَّح البطيخ على أرضي، فيجب على صاحبه أن يزيله عن أرضي إما بِلَيِّه وتوجيهه إلى جهة ملكه، وإما بقطعه، لماذا؟ لأن هذا ملكي، ولا يمكن أن يتسلط عليَّ، فإن تصالحت أنا وإياه على أن تكون الثمرة التي في هذا الغصن الممتد بيني وبينه فإنه يجوز.
طالب: ما يصح.
الشيخ: يصح، قال العلماء: إنه يصح، كما لو زارعت مزارعة على أن النماء بيننا فهو صحيح، فيقولون: لا بأس أن يتصالح صاحب البيت وصاحب الشجرة على أن الثمرة التي تخرج في هذا الغصن تكون بينهما.
فإن أبى أن يلويه، ولهذا قال المؤلف: (فإن أبى لواه)، الفاعل هنا غير الفاعل في قوله: (أزاله)، مَن اللي يلويه؟ صاحب الأرض الممتد عليها.
(إن أبى) قال صاحب الشجرة: أنا والله ما أزيل هذه الأغصان، لا وضعتها أنا، وإنما خلقها الله عز وجل، فلا يمكن أن أزيلها، نقول: لصاحب الأرض أن يلويه حتى يوجِّهَه إلى صاحب الشجرة.
إذا لم يمكن لَيُّه يقول: (فإن أبى لواه إن أمكن وإلا فله قطعه) هو يمكن لا يلتوي؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن مثل؟
طلبة: (... ).
الشيخ: العسيب، الظاهر أن العسيب ما يمكن، إذا لم يمكن فأقطعه، لكن لو طالبني صاحب الشجرة قال: ليش تقطع غصني؟ ليس له حق المطالبة؛ لأنني أقول: أنا إنما أفرغت ملكي من هذه الشجرة، ولي حق في أن أفرغ ملكي منها.
لكن لو قال قائل: إنه لا ينبغي للإنسان أن يطالب بإزالة الغصن الذي في الهواء من غير أن يكون عليه ضرر، أولًا: لأن هذا هو عادة الناس، والثاني: لأنه سيأتينا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ» (5)، فإذا كان الشارع نهاني أن أمنع جاري من وضع الخشب على الجدار فكيف بالعسبان مثلًا التي هي بعيدة لا تؤذيني ولا يسقط منها ورق، صحيح أن بعض الأشجار يسقط منها ورق يؤذي صاحب البيت، لكن مثل النخل لا يسقط منه شيء، وأنا لا يضرني إذا كان العسيب على ملكي، لا أحتاج إلى الشمس مثلًا، ولا أحتاج إلى بناءٍ سيرتفع، وإذا احتجت إلى بناءٍ يرتفع فإني حينئذٍ أرفع الغصن.
لو قال قائل بهذا لم يكن بعيدًا؛ لأن ذلك مما جرت به العادة، ولأنه من حسن الجوار الذي أمر به الله ورسوله، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» (6).
لكن لو تدلت الشجرة كلها عليَّ، مثل نخلة طويلة أصابها عاصف فاضطجعت حتى صار كل فرعها على بيتي، لي أن أطالبه بإزالته؟ إي نعم؛ لأن هذا ليس كالعسيب، لأن هذا يهددني، يمكن في يوم من الأيام يسقط على بيتي يكسر الجدار أو الزجاج، أو ربما يصيب أحدًا منا (... ).
الله تعالى: (ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق لا إخراج رَوْشَن وساباط ودَكَّة ومِيزَاب).
(الدرب النافذ) هو الشارع المفتوح، يسمى دربًا نافذًا؛ لأنه نافذ، وضده الدرب المشترك المسدود.
فالأسواق الآن نوعان: أسواق نافذة، وأسواق غير نافذة مسدودة، الثاني تسمى الأسواق المشتركة، أما الأول فهو الأسواق العامة؛ لأن الأسواق النافذة عامة للمسلمين كلهم، كلٌّ ينتفع بها.
(يجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق)، يعني أنا مثلًا لي بيت على الطريق النافذ، ولها باب واحد، وأردت أن أفتح بابًا آخر أتطرق منه، لي ذلك ولَّا لا؟ لي ذلك؛ لأن الطريق عامٌّ لجميع المسلمين.
(فتح الأبواب للاستطراق) هل لها مفهوم مخالفة أو أولوية؟ يعني هل يجوز أن أفتح الأبواب للإضاءة فقط، وهو ما يعرف عند الناس الآن الدرايش أو النوافذ أو الفُرَج، هل يجوز ذلك أو لا يجوز؟
نعم يجوز من باب أولى؛ لأنه إذا جاز فتح الباب للاستطراق فللإضاءة من باب أولى؛ لأن فتح الباب للاستطراق يحصل فيه شيء من التضييق على الطريق، أما هذه فليس فيها تضييق إطلاقًا.
وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز فتح الباب، ولو كان مقابلًا لباب الرجل الآخر، فاهمين هذه؟
هذا السوق مثلًا فيه باب لجاري قديم يستطرق منه، فأردت أن أفتح بابي أمامه تمامًا محازيًا له، ظاهر كلام المؤلف هنا أنه جائز، وهو كذلك، إلا إذا تضمن ضررًا على الجار المقابل فإن له الحق أن يمنع، مثل: أن يكون باب الجار دائمًا مفتوحًا، فأفتح بابًا أمام بابه لأطَّلِع على بيته من بابي؛ لأني إذا فتحت الباب ووقفت في بابي ما أحد يستنكر، فأقف في بابي وأنا أشاهد الباب المفتوح للجار، لكن لو لم يكن لي باب وأقف عند الجدار أشاهد بيت الرجل لاستنكره الناس.
فظاهر كلام المؤلف هنا أنه يجوز فتح الباب في الشوارع النافذة ولو كان مقابل باب الجار.
ولكن هذا مقيَّد بما إذا لم يتضمن ضررًا، فإن تضمن ضررًا فإنه يُمْنَع، ويقال: افتح الباب لا محازيًا لباب جارك.
يقول المؤلف: (لا إخراج رَوْشَن وساباط ودَكَّة ومِيزَاب) هذه الأربعة ما يجوز؛ لا يجوز إخراج الرَّوْشَن.
الرَّوْشَن يقولون: إنه هو البناء الذي يُغرَز طرف الخشب على الجدار، والطرف الثاني هاوٍ، تشبه عندنا ما يسمونه بالبرندة، البرندة المعروفة.
طالب: بلكونة.
الشيخ: بلكونة؟ تشبه ما يسمى بالبلكونة، فيها بعد اسم ثاني؟ على كل حال عرفتموها، الرَّوْشَن عبارة عن بناء يُغْرَز في أصل الجدار ويمتد، ولا يكون متصلًا بالجدار الآخر، هذا عندهم يسمى رَوْشَن في لغة الفقهاء.
(وساباط) الساباط هو الذي يتصل إلى الجدار الآخر، ويسمى عندنا؟
طلبة: سقف.
الشيخ: لا، اسمه القبة عندنا، يعني هذا الطريق الآن الشارع ما يجوز إني أضع قبة على الشارع؛ لأن الشارع ملكٌ لعموم المسلمين، فهواؤه ملك لعموم المسلمين، فلا يجوز أن أختص بشيء منه.
ويقول المؤلف: (ودَكَّة) يعني: لا يجوز أن يُخرج في الطريق النافذ دَكَّة، والدَّكَّة هي عتبة الباب؛ لأن إخراج هذه الدَّكَّة يضيِّق الطريق على المسلمين، ويوجب أن يعثر به الناس ففيه أذية، فيمنع من إخراج الدَّكَّة.
طالب: (... ).