الشيخ: مطلق، المعلَّق يقول: (أو مُعلقًا) كقوله: إن شفى الله مريضي، فلله عليَّ نذر أن أصوم شهرًا، هذا معلق، أو لا؟ فمتى شُفي وجب عليه الصوم، وإن مات لم يجب عليه شيء، وإن بقي مريضًا كذلك لم يجب عليه شيء.
وإن شُفي بعد موت الناذر، قال: إن شفى الله مريضي -انتبهوا للمثال- فلله عليَّ نذر أن أتصدق بمئة ريال، ثم مات قبل أن يُشفى، عليه شيء؟
الطلبة: ما عليه شيء.
الشيخ: ما عليه شيء.
ما فيه إشكال، ليس عليه شيء؛ لأن الشرط لم يوجد في حياته، والأصل براءة الذمة، ما وجب عليه شيء، هذا واضح.
لكن لو شُفي وهو في حال جنون الناذر -نسأل الله العافية-، جن وشفي، هل يلزمه شيء أو لا يلزمه؟
طلبة: لا يلزمه، يعني لا يكلف (... ).
الشيخ: هذه تحتاج إلى نظر، نشوف، الظاهر التفصيل، لكن هذه مثل قول ابن جني.
لاحظ الآن: هذا رجل قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ نذر أن أتصدق بمئة درهم، ثم جن، هذا الناذر جن، وشفى الله مريضه في حال جنونه.
طالب: ما يلزمه.
الشيخ: عندنا نحن، عندنا الآن سبب وشرط، سبب وجوب الصدقة بهذه الدراهم؟
الطلبة: العلاج، الشفاء.
الشيخ: لا، ما هو الشفاء يا إخوان.
الطلبة: (... ).
الشيخ: ولا المرض.
الطلبة: النذر.
الشيخ: النذر، هو سبب الوجوب، ولَّا لا؟ وشرط الوجوب؟
الطلبة: الشفاء.
الشيخ: الشفاء، فسبب الوجوب وُجِد من الإنسان في حال هو فيها مُكلَّف، وشرط الوجوب وجد في حال هو فيها غير مُكلَّف، لكنه أهل للضمان، فالظاهر أنه يلزم وليه أن يتصدق بها عنه، كالزكاة تمامًا، فإن الزكاة تجب على المجنون وتجب على الصغير.
لو قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ نذر أن أصوم؟ هذا هو محل الإشكال الحقيقي، هل نقول: يطعم عنه؟ أو نقول: لا يجب لأنه ليس من أهل الصيام؟ بخلاف المال فإنه من أهل وجوب المال، كالزكاة، وضمان الأموال التي يتلفها، وما أشبهها؟
هذه تحتاج، والله هذه تحتاج عندي إلى توقف، تحتاج إلى نظر في الموضوع، هل نقول: إن هذا الرجل لما أوجب على نفسه الصوم في حال عقله يجب أن يُقضى عنه؟ أو يقال: إنه وجب عليه في حال ليس من أهل الصوم، بخلاف المال، فإن المجنون تجب عليه الأموال إذا وُجدت شروط الوجوب، كالزكاة والضمان وما أشبهها.
على كل حال، محل نظر -إن شاء الله- يؤجل.
طالب: (... )، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
الطالب: يذكر عنه إنه قال: إن النذر محرم؟
الشيخ: ويش هي؟
الطالب: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- قال: إن النذر محرم.
الشيخ: نعم، هو يميل إلى التحريم.
الطالب: نعم، طيب كيف يثني الله -عز وجل- على الموفين بالنذر وهم قد ارتكبوا محرمًا؟
الشيخ: هل أثنى الله على الموفين أو على الناذرين؟
الطالب: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7].
الشيخ: إي، أقول: هل أثنى الله على الموفين أو على الناذرين؟
الطالب: على الموفين.
الشيخ: فرق.
الطالب: الموفين بنذرهم.
الشيخ: إي، الموفين بنذرهم، لكن هل قال: إنهم ينذرون؟
الطالب: لا.
طالب آخر: ويش تفسير هذه يا شيخ؟
الشيخ: تفسيره معناه أنهم إذا نذروا لله شيئًا لم يهملوه، قاموا به، وفيها قول آخر أن المراد بالنذر كل الواجبات، كل الواجبات فهي نذر؛ لقول الله تعالى في الحج: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: 29] مع أنهم ما نذروا.
طالب: شيخ حديث: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» (1)، ألا يدل بمفهومه على جواز النذر وقد صح النهي عنه؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: ألا يدل بمفهومه على جواز النذر، «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ».
إذن يجوز النذر في الطاعة.
الشيخ: يدل على انعقاده، هذا يدل على انعقاده، أو أن المعنى: لا نذر يُوفى.
طالب: صح يا شيخ النهي عنه.
الشيخ: النهي صح عنه، بلا شك، النهي عن النذر -أصلًا- صح عنه، ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، ثبت من حديث -أظنه ابن عمر- قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ» (6).
طالب: لا تعارض فيه؟
الشيخ: لا، ما فيه تعارض.
طالب: (... ) الوفاء بالنذر، هل يجب على الفور؟ أم على التراخي؟
الشيخ: إذا كان مقرونًا بشرط فهو على الفور، من حين وجد الشرط وجب الوفاء به، وإذا كان مطلقًا ففيه الخلاف، والصحيح وجوب الوفاء به فورًا.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، بينهم فرق، لو نذر أن يصلي ركعتين وجب عليه أن يصلي ركعتين، ولو حلف أن يصلي ركعتين لم يجب عليه، استحب أن يفعل ولا يجب، هذا الفرق.
طالب: من علق طاعة على فعل شيء معين، هذا من القسم الثاني، ومن نذر طاعة.
الشيخ: كيف، شلون يعني شلون؟
الطالب: من قال: لله عليَّ إن شفى مريضي أن أصوم؟
الشيخ: إي.
الطالب: قلنا: هذا ما يجب عليه الصيام.
الشيخ: كيف ما يجب عليه؟
الطالب: إي يا شيخ، يُخيَّر بين.
الشيخ: إن شفى الله مريضي؟
الطالب: إي.
الشيخ: فعليَّ أن أصوم؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، يجب عليه أن يصوم، هذا نذر التبرُّر، هذا الخامس.
طالب آخر: يقصد: ثم جن.
الطالب: لا.
طالب: المجنون.
الشيخ: هو يعبر عن نفسه يا شيخ.
الطالب: القسم الثاني يا شيخ.
الشيخ: إي.
الطالب: القسم الثاني مُعلَّق على فعل شيء معين.
الشيخ: نعم، مباح؛ يعني على شيء مباح.
الطالب: ما فصلنا يا شيخ.
الشيخ: مثل؟
الطالب: ما فصلنا بين الطاعة وبين غير الطاعة.
الشيخ: لا، مباح، موجود.
الطالب: القسم الثاني يا شيخ.
الشيخ: القسم الثاني: نذر اللجاج والغضب.
الطالب: إي.
الشيخ: القسم الثالث: نذر المباح.
الطالب: إي يا شيخ، يقول: (فيخير بين فعله، وكفارة يمين).
الشيخ: المباح قصدك؟
الطالب: لا، نذر اللجاج والغضب.
الشيخ: زين.
الطالب: ما بين مباح ولَّا غير مباح.
الشيخ: معلوم؛ لأن المقصود منه خلاف النذر، ما قُصد الفعل، قُصد معنى اليمين، قُصد الحمل عليه، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب، أصلًا ما، هو ما قال مثلًا: لله عليَّ نذر أن أفعل كذا، كنا نقول: يجب عليه، لكنه قال: إن فعلتُ كذا فلله عليَّ نذر أن أصوم مثلًا.
طالب: التفريق مثلًا بين أنه يذبح شاة، بأن ينوي التصدق ولا ينوي الفرح؟
الشيخ: إي نعم؛ لأنه إذا نوى التصدق صارت طاعة.
طالب: بس علقها على فعل معين.
الشيخ: ما يخالف، ولو على فعل معين.
الطالب: (... ) نفصل يا شيخ.
الشيخ: ما نفصل، نقول: متى قصدت الحمل على الشيء، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب فهو حكمه حكم اليمين، ومتى قصدت فعل الطاعة فيجب الوفاء به.
الطالب: أسقطت فعل الطاعة على (... ).
الشيخ: ولو كان سواء معلق أو غير معلق، المهم أن هذا الرجل ما قصده فعل الطاعة، قصده أن يمتنع من هذا الشيء، أو أن يفعل هذا الشيء، أو يُصدِّق أو يكذب؟
الطالب: الله يجزاك خيرًا.
الشيخ: نعم؟
الطالب: شكرًا خلاص.
الشيخ: واضح؟
الطالب: جزاك الله خيرًا.
طالب آخر: (... ).
الشيخ: الصدقة ما يأكل.
طالب: فيه حديث يا شيخ مشهور على ألسنة العوام فيما يذكروه في الترهيب عن التطيب، أن امرأة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام نذرت أن تزني -والعياذ بالله- فأمرها الرسول عليه الصلاة والسلام أن تخرج متطيبة، ما أدري شلون، الحديث لا شك أنه لا يصح.
الشيخ: ما هو صحيح، لا، ما هو بصحيح.
طالب: الآية التي ذكرها الأخ قبل قليل.
الشيخ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
الطالب: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
يعني أن الله مدح الذين يوفون بالنذر.
الشيخ: نعم.
الطالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]. يعني المقام مقام مدح مع أنهم نذروا نذرًا، ولم يذكر أنهم.
الشيخ: هو ما سبق لنا الجواب عليه؟
الطالب: على هذه الآية؟
الشيخ: إي.
طلبة: لا شيخ، ما سبق.
الشيخ: يا إخوان، سبق، قلنا لكم: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ أي: أوفيتم نذرًا نذرتموه.
الطالب: يقصد به الوفاء؟
الشيخ: إي نعم.
طالب: (... ) التائب من الذنب.
طالب آخر: إذا (... ) نذر الطاعة.
الشيخ: إي نعم، إذا عجز عنه، فإن كان له بدل فعل بدله، وإن لم يكن له بدل فإنه يبقى معلقًا في ذمته حتى يشفيه الله، فإن لم يكن؛ يعني ما يُرجى زوال العجز يُنظر فيه، إذا كان مثلًا صيامًا يُكفَّر عنه كالواجب بأصل الشرع، وإن كان صلاةً فالعجز عنها -فيما يظهر- لا يتصور؛ لأنه يُصلي على حسب حاله.
الطالب: شيخ، هل للنذر صيغة محددة؟
الشيخ: لا.
الطالب: يعني مثلًا إذا قال: سوف أفعل، أو أفعل؟
الشيخ: ليس له صيغة، كل ما دل على الالتزام فهو نذر.
الطالب: علق النذر بالمشيئة، قال: عليَّ، لله عليَّ نذر أن أفعل كذا إن شاء الله (... )؟
الشيخ: ينظر؛ إذا كان حكمه حكم اليمين، النذر الذي حكمه حكم اليمين ليس عليه الحنث.
الطالب: كان فعل طاعة.
الشيخ: وإذا كان فعل طاعة نظرنا، إذا كان قصده التعليق فلا شيء عليه، إذا كان قصده التحقيق أو التبرك وجب عليه النذر، حسب نيته.
طالب: قياسًا على اليمين؟
الشيخ: نعم.
طالب آخر: إذا نذر إنسان إن شفى الله مريضه أن يصوم ثلاثة أيام، ثم جن فيقال: هذا كمن كان عليه واجب من رمضان يتصدق عنه، أو يُصام عنه، كمن كان عليه واجب؟
الشيخ: حتى وإن كان عليه واجب، إذا جن ينظر فيه.
الطالب: (... ).
الشيخ: يعني ما هو بواجب مالي، هذا شيء يتعلق بالبدن، والرجل إذا جُن ليس من أهل العبادة.
الطالب: (... ) عليه من رمضان.
الشيخ: إي نعم.
طالب: (... ) رضي الله عنها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»، هذا الحديث صحيح، أخرجه أبو داود في باب ما جاء في النذر في المعصية ج 3/ص 232، والترمذي في باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ»، ج 4/ص 103، والنسائي في كفارة النذر ج 7/ص 26، وابن ماجه في باب النذر في المعصية ج 1/ ص 686، وأحمد ج 6/ص 247، والطحاوي في مشكل الآثار ج 3/ ص 42، والبيهقي في باب ما جعل فيه كفارة يمين ج 10/ص 69، والخطيب في تاريخ بغداد ج 5/ص 127، من طريقه، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة عن عائشة به، وقال الترمذي: هذا الحديث.
الشيخ: كم هادولي؟
طلبة: ستة عشر.
الشيخ: ستة، طيب، جيد هذا.
الطالب: وقال الترمذي: هذا الحديث لا يصح.
طالب آخر: أربعة ولا ستة.
الشيخ: لا، ستة.
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: (... ) المشكل للطحاوي والبيهقي والخطيب (... ).
الشيخ: لا، هو عدَّد.
الطالب: (... ).
الشيخ: هو عدد.
الطالب: ستة.
الطالب: قال الترمذي: هذا الحديث لا يصح؛ لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة، قال: سمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: روى غير واحد منهم موسى بن عقبة وابن أبي عتيق عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال محمد -أي البخاري- والحديث هو هذا، فقال أبو داود عقب الحديث: سمعت أحمد بن شيبويه يقول: قال ابن المبارك -يعني في هذا الحديث-: حدث أبو سلمة، فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة.
وقال أحمد بن محمد: وتصديق ذلك ما حدثنا أيوب -يعني ابن سليمان-، قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسَدوا علينا هذا الحديث.
قيل له: وصح إفساده عندك، وهل رواه غير ابن أبي أويس؟ قال: أيوب كان أمثل منه؛ يعني أيوب بن سليمان بن بلال، وقد رواه أيوب.
ورواية ابن أبي أويس أخرجها أبو داود والنسائي والترمذي والطحاوي، قال: حدثني سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير الذي يسكن اليمامة، حدثه أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة به.
قال أبو عبد الرحمن النسائي: سليمان بن أرقم متروك الحديث، والله أعلم، وقد خالفه غير واحد من أصحاب يحيى بن أبي كثير بهذا الحديث، قلت: وهو كما قال -أي في سليمان بن أرقم- لأنه ضعيف عند أهل الحديث بالاتفاق.
انظر تهذيب التهذيب لابن حجر ج 4/ص 148، وميزان الاعتدال للذهبي ج 2/ص 196.
ثم ساقه عن جماعته -أي النسائي- منهم علي بن المبارك عن يحيى، عن محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن الحصين به، وقال: محمد بن الزبير ضعيف، لا يقوم بمثله حجة، وقد اختلف عليه بهذا الحديث، لكن هذا الحديث -يعني حديث عائشة المذكور- لم يتفرد سليمان بن أرقم بروايته عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عائشة.
فقال الطيالسي في مسنده ج حديث 1484/ص 208: حدثنا حرب بن شداد، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ»، وهذا إسناد ظاهر الصحة، فإن رجاله ثقات رجال الشيخين، انظر: إرواء الغليل للألباني ج 8/ص 217.
وكما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله الحديث، وساق الكلام عليه إلى أن قال: وقال النووي الروضة: حديث: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» ضعيف باتفاق المحدثين، قلت -أي الحافظ-: بل صححه الطحاوي وأبو علي بن السكن، فأين الاتفاق؟ التلخيص 4/ص 176، وعلى هذا فقد تبين لنا صحة هذا الحديث من طريق آخر -كما سبق- وعرفنا من صحح هذا الحديث من الأئمة؛ منهم الطحاوي، وابن السكن، ومن المعاصرين: الشيخ ناصر الألباني رحمه الله، واحتج به الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، والله أعلم، والحمد لله على توفيقه، وصلى الله وبارك على نبيه وعلى آله وصحبه وأتباعه أجمعين.
الشيخ: جزاك الله خيرًا، طيب، (... ).
طالب: لأنه فيه شاهد من حديث عائشة هذا، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «النَّذْرُ نَذْرَانِ، فَمَا كَانَ لِلَّهِ فَكَفَّارَتُهُ الْوَفَاءُ، وَمَا كَانَ لِلشَّيْطَانِ فَلَا وَفَاءَ فِيهِ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ» (7).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: «وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ».
الشيخ: هذا موقوف، حديث ابن عباس.
الطالب: مرفوع يا شيخ.
الشيخ: لا، الصحيح أنه موقوف.
الطالب: راجعناه، موقوف هذا الحديث.
الشيخ: الصحيح أنه موقوف، لكن بس إنما أنا أحب إذا قدم إنسان بحثًا فليس من حق الطالب أن يعترض عليه، إنما إذا كان فيه شيء ينبه عليه بيني وبينه، أحسن؛ لأن هذا يمكن يفت في عضد الباحثين، إذا بحث ثم قال له واحد مثلًا من زملائه: هذا خطأ، هذا، ما فيه شك أن الخطأ أو القصور يجب أنه يُكمَّل ويصحح، لكن فيما بيني وبينه، بعدين ينبه عليه بصفة أخرى، أحسن؛ لأن نحن بودنا أن الطالب ينشط، وكلما نشط فهو أحسن، حتى إن الإنسان.. الفائدة الأولى وهي التصريح بالتحديث عن أبي سلمة، وبعدين يُصوَّر ويوزع على من أراد، كما أني عندي أيضًا بحوث أخرى.
طالب: قال في الإنصاف في المجلد الحادي عشر صفحة مئة وتسعة وثلاثين.
الشيخ: ويش الموضوع؟
الطالب: مسألة (... ).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: وإن وافق يوم نذره وهو مجنون.
الشيخ: هذا عود الضمير على المتأخر لفظًا ورتبة!
الطالب: مسألة من نذر صوم يوم (... ).
الشيخ: من نذر صوم يوم؟
الطالب: لو قال: لو شفى الله مريضي فلله عليَّ نذر أن أصوم خمسة أيام مثلًا، فلما شفى الله مريضه جن، قلنا: هل يلزمه القضاء أم لا؟
الشيخ: الآن يلَّا، الآن اقرأ.
الطالب: (... ) مسألة تشبه هذه.
الشيخ: زين تفضل.
الطالب: يقول: قال في الإنصاف في المجلد الحادي عشر صفحة مئة وتسعة وثلاثين: وإن وافق يوم نذره وهو مجنون فلا قضاء عليه ولا كفارة، قال في الفروع: إن النذر صوم شهر معين وجن كل الشهر لم يقضِ على الأصح، وكذا قال في المحرر والرعايتين والحاوي.
الشيخ: كلمة (على الأصح) أحب أن أبين لكم، الفروع إذا قال: (على الأصح) يعني من الروايتين؛ يعني فيه روايتان عن أحمد أصحهما هذه، وأيضًا معنى أصحهما ليس معناه أصحهما عن أحمد، أصحهما في المذهب، وإذا قال: في الأصح؛ يعني الوجهين.
والفرق بين الروايتين والوجهين؛ الروايتان عن الإمام أحمد، والوجهان عن أئمة أصحاب الإمام أحمد، ما هي عن أحمد، لكن عن كبار المذهب يكون فيها قولان لهما، فيقول فيها: في الأصح، والروايتان يقول فيها: على الأصح.
الطالب: يقول: وكذا قال في المحرر والرعايتين والحاوي وغيرهم، وجزم به في المغني والشرح والوجيز والزركشي وغيرهم والرعاية الكبرى في موضع، وعنه: يقضي، انتهى.
وفي المنتهى في المجلد السادس صفحة أربع مئة وثلاث وخمسين: وإن وافق يوم نذره وهو مجنون فلا قضاء ولا كفارة.
قال في الشرح: لخروجه عن أهلية التكليف فيه، فمن نذر صوم شهر بعينه وجن.
قال في المغني: فإن جُنَّ جميع الشهر لم يلزمه قضاء ولا كفارة.
وقال أبو ثور: يلزمه القضاء؛ لأنه من أهل التكليف حال نذره وقضائه فلزمه القضاء كالمغمى عليه، ولنا أنه ليس من أهل التكليف في وقت الوجوب فلم يلزمه القضاء، كما لو كان في شهر رمضان.
الشيخ: (ولنا) ويش معنى (ولنا)؟ يعني دليلنا، دليلنا كذا، إي نعم، خلاص؟ بارك الله فيكم.
طالب: حرر المذهب يا شيخ.
طالب آخر: يعني: (لنا).
الشيخ: (لنا) على المذهب، إي، القول اللي ينصره، والمغني معروف أنه ينصر المذهب.
الخلاصة الآن أن الإنسان إذا نذر نذرًا معينًا بيوم أو بشهر، ثم جُنَّ قبل أن يصل ذلك اليوم؛ يعني صادف ذلك اليوم أنه مجنون فلا قضاء عليه، نعم، هذا بالنسبة للعبادات البدنية، بقي علينا بالنسبة للعبادات المالية؛ يعني قال: إن قدم زيد فلله عليَّ نذر أن أتصدق بكذا، فقدم وهو مجنون، ذكرنا -في ذلك اليوم- أنه يلزمه الصدقة؛ لأن الواجب هنا في المال فهو كالزكاة، تجب على المجنون، ولا تجب عليه الصلاة ولا الصيام.
طالب: والموت يا شيخ؟
الشيخ: نعم، لا، الموت واضح، ما عليه شيء، لو مات قبل أن يوجد الشرط لا يجب؛ لا صدقة ولا صوم.
طالب: يقضى عنه الصيام؟
الشيخ: لا، ولا يقضى عنه ولا شيء، إذا مات قبل أن يأتي شرط الوجوب فلا، سمِّ.
طالب: باسم الله والحمد لله.
الشيخ: متى يجب إذا آتاهم من فضله بشيئين، عاهدوه على شيئين وهما؟
طالب: الصدقة والصلاح.
الشيخ: الصدقة والصلاح، فلما ﴿آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 76] أخلفوا الأمرين كليهما، ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ هذا ضد الصدقة، ﴿وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ضد الصلاح، ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ [التوبة: 77] أعوذ بالله، إلى الموت، ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾.
يقال: إن هذه الآية نزلت في رجل من الصحابة، يقال له: ثعلبة بن حاطب، لكن هذا ليس بصواب، بل هو باطل وضعيف، وقد كتب في هذا رسالة أحد طلبة الجامعة الإسلامية، وبيَّن أن هذا كذب، وأن هذا الصحابي لم يقع منه هذا الأمر.
قال المؤلف رحمه الله: (فمتى وُجد الشرط) كقوله: إن شفى الله مريضي أو سلَّم مالي الغائب، فلله عليَّ كذا، أو نجحت، كما يفعله بعض الطلبة الآن يكون ضعيفًا، فيقول: إذا نجحت لله عليَّ نذر كذا، يقول: (فمتى وجد الشرط لزم الوفاء به) الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (4)، وهذا يشمل الطاعة سواء كانت معلقة بشرط أو مطلقة.
(إلا إذا نذر الصدقة بماله كله، أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل فإنه يجزئه قدر الثلث).
استثنى المؤلف من قوله: (لزمه الوفاء به) إذا نذر الصدقة بماله كله (فإنه يجزئه قدر الثلث)، واستدل الأصحاب -رحمهم الله- لهذا بحديث كعب بن مالك رضي الله عنه، وحديث أبي لبابة بن عبد المنذر رضي الله عنه، أما كعب بن مالك فإنكم تعلمون قصته، تخلف عن غزوة تبوك بدون عذر، ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك جاء المنافقون يعتذرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يعذرهم، ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله، ويفرحون بهذا؛ لأنهم أهل ظاهر، فيفرحون بالظاهر، ويقولون: يكفينا استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لنا، وما علموا أن الله قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]، والعياذ بالله.
أما كعب بن مالك رضي الله عنه، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع فصدقوا، وقالوا: ما لنا عذر، وكعب بن مالك رضي الله عنه تكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بكلام فصيح عجيب؛ لأنه أشب القوم وأجلدهم، قال: إني أوتيت جدلًا؛ يعني أقدر أخاصم، وأعرف أتخلص، ولكن لا يمكن أن أتقدم إليك بعذر اليوم فتعذرني، ثم يفضحني الله تعالى غدًا.
الله أكبر! شوف الإيمان واليقين، المنافقون قال الله فيهم: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أما هذا فلإيمانه أعطى الصدق، وقال: إني أنا ما لي عذر، وَمَا مَلَكْتُ رَاحِلَتَيْنِ قَطُّ فِي غَزْوَةٍ كَهَذِهِ (8)، لكن راحلتي.. ولكن أخذه التسويف، لما خرج الناس أول يوم، قال: أبغي أنتظر، وبكرة ألحقهم، في اليوم الثاني قال: بكرة ألحقهم، حتى ذهب الوقت، النبي عليه الصلاة والسلام ماذا عامله؟
هجره، صار لا يكلمه، حتى إنه يقول: آتي وأسلِّم على النبي عليه الصلاة والسلام، وأقول: أحرَّك شفتيه برد السلام أم لا؟ مع حسن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، لكن لكل مقام مقال، ومع ذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يلاحظه، إذا كبر للصلاة لاحظه النبي عليه الصلاة والسلام، نظر إليه، فإذا أقبل عليه كعب أعرض؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يراعي أصحابه خير رعاية، بقي على هذه الحال؛ يخرج إلى السوق، يكلم الناس ما يكلمونه، حتى أبو قتادة -ابن عم كعب بن مالك وأحب الناس إليه- دخل عليه في بستانه وسلَّم عليه، ولا رد عليه السلام، سلَّم عليه ولم يرد عليه السلام، فناشده: أَنْشُدُكَ الله، أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ يريد أن يتكلم، فلما ناشده الله لم يكلمه، ويش قال: اللَّهُ أَعْلَمُ.
هذه كلمة تصلح خطابًا، وتصلح غير خطاب، «اللَّهُ أَعْلَمُ».
لما مضى عليه أربعون ليلة أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم أن يفارقوا زوجاتهم، يخلون زوجاتهم يروحون لأهلهم، فقال كعب لما جاءه رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك، هل قال: أنا رجل شاب يشق علي مفارقة أهلي؟ أبدًا والله، ما قال، قال: هل أطلقها أم أعتزلها؟ لو قال: طلِّقها طلَّقها.
قال: أمرك أن تعتزل أهلك، فذهبت المرأة إلى أهلها، أو اعتزلها بعد أربعين ليلة، وبعد خمسين ليلة، جاء الفرج من الله عز وجل، الله أكبر! !
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118]. بقي خمسين ليلة، الناس هاجرينه، ولا يتكلمون معه، وفي أثناء هذه المدة جاء خطاب من ملك غسان إلى كعب بن مالك، فتنة عظيمة، جاءه خطاب من الملك -ملك غسان- قال له: إنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ويطلب حضوره إليه حتى يكرمه ويعزه، لما قرأ الكتاب ما دخله مثلًا للمخباة أو احتفظ به، على طول راح وحطه في التنور، سجره بالتنور، أوْقَدَ به، لماذا؟ لئلا تخدعه نفسه، فيستجيب، أتلف هذا على طول، نزلت توبتهم من الله عز وجل في ليلة من الليالي، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسم أخبر الناس بتوبة الله عليهم، الله أكبر!
وكان كعب لا يصلي؛ لأنه مهجور، مثل أن تقول: لا مساس، لا يصلي، فذهب رجل من المسلمين إلى سلع -جبل في المدينة معروف- ونادى بأعلى صوته: أبشِر يا كعب بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، أبشِر بتوبة الله عليك.
وذهب رجل على فرس يبشره.
شوف الصحابة رضي الله عنهم كيف فرحهم بتوبة الله على إخوانهم أصحابهم؟ ! ذهب، لكن صار صاحب الصوت أسرع، فصارت البشارة لصاحب الصوت، أعطاه حُلَّته؛ كعب بن مالك، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل المسجد قام إليه طلحة بن عبد الله رضي الله عنه يهنئه بتوبة الله عليه، قال: فكنت لا أنساها لطلحة، أنه كان من بين الصحابة يهنئ كعبًا وقابله، أما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه لما رآه كعب وإذا وجهه يتهلل، كأنه قطعة قمر، فرحًا بنعمة الله عز وجل بتوبته على هؤلاء الثلاثة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام، لا شك أنه أشفق الناس على أمته وأصحابه، وأشدهم حبًّا للخير لهم، فكانت هذه القضية سبحان الله العظيم! ! كانت نزل فيها هذا القرآن يُتلى إلى يوم القيامة.
شوف المحنة تعقبها المنحة، كل محنة من الله عز وجل -إذا صبرت عليها- فأبشر بعقباها منحة، بعد هذا، قال: ﴿لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 118، 119]، فجعلهم أسوة لغيرهم في الصدق، لما تاب الله عليه قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة، فقال: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» (8). الله أكبر، الله أكبر!
كعب بن مالك رضي الله عنه كان لا يصلي مع الجماعة؛ لأنه كان قد هُجر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه نصححها إن شاء الله تعالى (... ).
الثلث، إلا إذا نذر الصدقة بماله كله فإنه يجزئه قدر الثلث مثل أن يقول: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ نذر أن أتصدق بجميع مالي، هذا نذر تبرُّر مطلق ولا مُعلَّق؟
طلبة: مُعلَّق.
الشيخ: مُعلَّق، أو يقول: لله عليَّ نذر أن أتصدق بجميع مالي، هذا نذر تبرُّر مطلق.
يقول المؤلف: (يجزئه قدر الثلث)، الدليل: قصة كعب بن مالك رضي الله عنه حين تاب الله عليه فقال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ».
متفق عليه، وعند أبي داود أنه قال له: «يُجْزِئُكَ الثُّلُث»، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم، سمى الثلث كثيرًا، فقال لسعد بن أبي وقاص: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (9)، وكذلك أيضًا أبو لبابة رضي الله عنه ابن عبد المنذر قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة لله ورسوله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يُجْزِئُكَ مِنْهُ الثُّلُثُ».
وقصة أبي لبابة ذكرها بعض الناس في قصة تخلُّفه عن غزوة تبوك، وليس هذا بصحيح، والصحيح أنها كانت في قصة إشارته لحلفائه بني قريظة حين استشاروه: هل ينزل على حكم النبي عليه الصلاة والسلام؟ فأشار إلى حلقه؛ يعني أنه الذبح، فعرف رضي الله عنه أن في ذلك خيانة، فربط نفسه بسارية المسجد، وقال: لا أطلقها حتى يحلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن يتوب الله عليَّ، فتاب الله عليه، حلها الرسول لما عرف صدق توبته، ثم قال: إن من توبتي أن أنخلع من مالي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ»، فبهذا دليل على أنه إذا نذر الصدقة بماله؛ فإنه يجزئه الثلث.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يجب عليه أن يتصدق بجميع ماله؛ لأن الصدقة بجميع المال لمن علم من نفسه التوكل جائزة، بل هي سُنَّة، فعلها أبو بكر رضي الله عنه، فتدخل في عموم قوله: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (4).
وأجابوا عن حديث كعب بن مالك وأبي لبابة بأنه ليس فيهما التصريح بالنذر، بل قد يكون ذلك من باب شكر النعمة؛ وهي توبة الله عليهما، وليس فيه أنه قال: إن لله عليَّ نذرًا، بل قال: إن من توبتي -أي: من شكر توبتي- أن أفعل كذا وكذا، فهو من باب نية الخير شكرًا لله عز وجل، وفرق بين من يلتزم بالنذر، وبين من يريد بدون التزام.
والحقيقة أن هذه المناقشة قوية؛ بمعنى أنه ليس في الحديثين دلالة صريحة على أنهما نَذَرَا لله بذلك، فالمسألة -لا شك- أن الإنسان إذا أوفى بنذره وتصدق بجميع ماله مع حُسن ظنه بربه وصدق اعتماده عليه، وأن له جهات يمكن أن يقوم بواجب كفايته وكفاية عائلته، لا شك أن صدقته بجميع ماله أبرأ لذمته وأحوط، وأما الاقتصار على الثلث مطلقًا ففي النفس منه شيء.
قال المؤلف: (أو بمسمى منه يزيد على ثلث الكل)، (مسمى منه) يعني معين من ماله (يزيد على ثلث الكل، فإنه يجزئه) أيش؟ (قدر الثلث) يعني ثلث الكل، مثال ذلك قال: لله عليَّ نذر أن أتصدق بهذه السيارة، فنظرنا ما عنده من المال، فإذا السيارة تساوي عشرين ألفًا، وعنده عشرة آلاف فقط، كم يجزئه؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: يجزئه عشرة آلاف، وتبقى السيارة له، كذا؟ أو نقول: بِعْها، ثم تصدق بنصف قيمتها؟
طالب: الأول.
الشيخ: لا يلزمه أن يبيعها؛ لأنه لو باعها سوف يأخذ نصف القيمة، لكن إذا باعها فهو أحسن من جهة؛ لأنه أخرجها لله، وطابت نفسه بها، فكونها لا تدخل ملكه أحسن.
وقول المؤلف: (أو بمسمى منه يزيد على الثلث، فإنه يجزئه قدر الثلث) هذا أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، ولكن المذهب المشهور عند المتأخرين أنه يلزمه أن يتصدق بالمسمى وإن زاد على الثلث، ففي مثالنا هذا يلزمه أن يتصدق بالسيارة كلها، ويقولون: إن الفرق بينه وبين الكل بأن الكل عبارة عن كل المال، وليس ذلك بالأمر المشروع؛ بخلاف الصدقة بشيء معين فإنه مشروع، ولو كان أكثر من الثلث؛ فالمسألة الآن عندنا ثلاثة أشياء: أن ينذر الصدقة بجميع ماله، فمذهب الحنابلة؟
طلبة: يجزئه الثلث.
الشيخ: يجزئه الثلث، وقول أكثر أهل العلم لا بد أن يتصدق بالجميع؛ بماله كله، هذه واحدة.
ثانيًا: أن ينذر الصدقة بشيء معين يزيد على الثلث؛ فالمذهب يلزمه أن يتصدق به، ولو زاد على الثلث، والذي مشى عليه المؤلف، يقول: لا يلزمه أكثر من الثلث.
الصورة الثالثة: أن ينذر بشيء من ماله مشاع، مثل أن يقول: ثلث مالي، نصف مالي، وما أشبه ذلك، فيتعين ما قاله على ظاهر المذهب، وعلى كلام المؤلف لا يلزمه أكثر من الثلث.
وفيما إذا تصدق بالثلث، هل عليه كفارة؟
ليس عليه كفارة؛ لأنه يقول: (يجزئه)، وما دام يجزئه فقد أوفى بنذره، فلا كفارة عليه.
قال: (وفيما عداها يلزمه المسمى)، (وفيما عداها)؛ أي: ما عدا المسألة المذكورة، وهي إذا نذر الصدقة بماله كله، أو بمسمى منه يزيد على الثلث فإنه (يلزمه المسمى)؛ أي: الْمُعَيَّن ولو كثر، لو فرضنا أن رجلًا عنده مليون ريال، وقال: لله عليَّ نذر أن أتصدق بثلاث مئة ألف، هل يلزمه ولَّا لا؟
طلبة: يلزمه.
الشيخ: يلزمه؛ لأنه أقل من الثلث، ولهذا قال: (فيما عداها)؛ يعني عدا المسألة المذكورة فـ (يلزمه المسمى)، دليله عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (4).
ثم قال المؤلف: (ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع، وإن نذر أيامًا معدودةً لم يلزمه) إن (نذر صوم شهر لزمه التتابع)؛ يعني لزمه أن يصوم متتابعًا، ونذر صوم الشهر على قسمين:
القسم الأول: أن ينذر شهرًا بعينه، كربيع الأول مثلًا، فهذا يلزمه التتابع، لماذا؟
طلبة: لأنه عين.
الشيخ: نعم؛ لأنه عيَّن، لضرورة التعيين، لما عيَّن الشهر، ما يمكن أن يصومه إلا متتابعًا.
القسم الثاني: أن ينذر شهرًا مطلقًا، فيقول: لله عليَّ نذر أن أصوم شهرًا، فالمؤلف يرى أنه يلزمه التتابع، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه التتابع، وهذه المسألة فيما إذا لم يكن له نية، أما إن كان له نية فعلى ما نوى، أو يكون له شرط، فإن كان له شرط، فعلى ما شرط، يعني لو قال: أنا من نيتي أن أصوم شهرًا متتابعًا، قلنا: يلزمك التتابع، أو صرح بالشرط، فقال: لله عليَّ نذر أن أصوم شهرًا متتابعًا، يلزمه التتابع.
الثالث: إذا قال أن أصوم شهرًا فقط، فهل يلزمه أو لا يلزمه؟ فيه خلاف، المذهب أنه لا يلزمه، والقول الثاني أنه يلزمه، والصحيح أنه لا يلزمه؛ صحيح المذهب أنه لا يلزمه، ودليل ذلك أنه لو كان الشهر عند الإطلاق يستلزم التتابع لكان اشتراط التتابع في قوله تعالى: ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أيش؟
طالب: لغوًا.
الشيخ: لغوًا، لا حاجة إليه، فلما اشترط الله التتابع في الشهرين علمنا بأن الشهر عند الإطلاق أيش؟ لا يستلزم التتابع، وهذا هو الصحيح، فإذا نذر قال: إن شفى الله مريضي فلله عليَّ نذر أن أصوم شهرًا، وشفى الله مريضه، فإننا نقول له: صُم شهرًا، فإذا سألنا: هل أتابع الصوم؟ قلنا: لا، لا يلزمك إلا إن كنت نويت أو.
طالب: اشترطت.
الشيخ: اشترطت.
قال: (لزمه التتابع)، ولكن هل يلزمه أن يصوم ثلاثين يومًا؟ أو لا يلزمه إلا تسعة وعشرون يومًا؟ نقول: إن ابتدأ الصوم من أول يوم من الشهر؛ لم يلزمه إلا الشهر، سواء كان تسعة وعشرين يومًا، أم ثلاثين يومًا؛ لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: 185]، فسماه الله شهرًا مع أنه قد يكون تسعة وعشرين، وقد يكون ثلاثين يومًا، وإن ابتدأه من أثنائه، مثل أن يبتدئ الصوم متى؟
في الخامس عشر، فقيل: يلزمه ثلاثون يومًا؛ لتعذر البناء على الشهر، وقيل: لا يلزمه، بل يلزمه ما كان عليه الشهر، وعلى هذا القول، فإذا ابتدأ الصوم في اليوم الخامس عشر من هذا الشهر انتهى في اليوم الرابع عشر من الشهر الذي يليه، كذا؟
إذا فرضنا أن هذا الشهر الذي ابتدأ فيه الصوم كان ناقصًا، كم يصوم؟ تسعة وعشرين يومًا، وهذا القول هو الصحيح، أنه لا يلزمه إلا شهر هلالي، سواء ابتدأ من أثناء الشهر، أو من أول الشهر.
المسألة الثانية: إذا قلنا بلزوم التتابع؛ يعني في الحال التي يلزمه التتابع إذا قطعه -إذا قطع التتابع- بأن أفطر يومًا من الشهر، فهل يستأنف أو يتم؟
فيه تفصيل، إن كان لعذر لم يستأنف، بنى على ما مضى، مثل رجل شرع في الصوم، فصام عشرة أيام، ثم مرض مرضًا يبيح له الفطر، فأفطر خمسة أيام، هل يكمل على العشرة الأولى؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه أفطر لعذر، وكذلك لو سافر بعد أن صام عشرة أيام وأفطر في السفر، ثم عاد من السفر، فإنه أيش؟
طالب: يكمل.
الشيخ: يبني على ما مضى؛ لأن السفر عُذر يبيح الفطر حتى في الصيام الواجب بأصل الشرع، وهو رمضان.
إن سافر ليُفطر حرم الفطر، نقول: يحرم عليك أن تفطر أولًا، لا يجوز لك الفطر؛ لأنه يلزمك التتابع، ولا تتابع مع الفطر، لكن إذا أفطر يلزمه الاستئناف؛ لأنه أفطر لعذر لا يبيح الفطر.
طالب: (... ) لعدم اكتمال الشهر، (... ) عدم صوم الشهر إذا (... ).
الشيخ: لأنه شهر، صام شهرًا.
الطالب: (... ) ثلاثين يوم.
الشيخ: لا، صار تسعًا وعشرين، الشهر الذي ابتدأ فيه صار تسعًا وعشرين، أفهمتم الآن؟ فصار الناذِر إذا لزمه التتابع وانقطع التتابع، فما الحكم؟
طالب: يبتدئ.
الشيخ: يبتدئ؟
الطالب: (... ) فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي.
الطالب: (... ).
الشيخ: فيستأنف، في مثل هذه الحال لو أن أحدًا استفتاك: هل يلزمك الاستفصال؟ أو تقول: ابن؟ أو تقول: استأنف؟ واحد جاء يسألك، قال: أنا عليَّ صيام شهرين متتابعين، وأفطرت يومًا من هذين الشهرين؟
أقول: استأنف؟ أو استمر؟ أو استفصل؟ هنا يجب عليه الاستفصال؛ لأنه لا يتم الحكم إلا بمعرفة الحال، كما لو سألك سائل: هلك هالك عن بنت، وأخ، وعم شقيق؟ تقول: البنت هي شقيقة ولَّا لأب؟
طلبة: لا.
طلبة آخرون: الأخ.
الشيخ: إي، البنت ما يحتاج أن نستفصل عنها، البنت بنت، ما فيها شقيقة ولَّا لأب، الأخ نستفصل، نقول: هل هو لأم، أو لغير أم؟ والعم معروف أنه شقيق، الأخ نقول: نستفصل، هل هو لأم، أو لغير أم؟ ليش؟ لأنه إذا قال: لأم، قلنا: ليس له شيء، والباقي للعم؛ إذا كان أخ من أم ليس له شيء، من الذي أسقطه؟ البنت، الفرع الوارث، مفهوم؟
والباقي للعم؛ لأنه عاصب، أولى رجل ذكر، وإن قال: إن الأخ -أخ الميت- أخ شقيق، أو أخ من أب؟ قلنا: المال الباقي للأخ، والعم يسقط، يحتاج نستفصل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يحتاج نستفصل.
سألني سائل قال: هلك هالك عن ابنٍ وعن أب، ما يحتاج أقول: هل الابن رقيق ولا حُر، أو قاتل، ولا غير قاتل؟ إذن نأخذ من هذا قاعدة: أنه لا يلزمني السؤال عن وجود المانع، لكن يلزمني السؤال عن تحقق الشرط فبينهما فرق، لماذا؟ لأن المانع الأصل.
طلبة: عدمه.
الشيخ: عدمه، والشرط الأصل عدمه، ولهذا أتحقق من وجوده، كل ما في الأصل فيه العدم يحتاج أني أتحقق من الوجود -من وجود الشرط- فأقول: هل هو كذا أو كذا؟ حتى يتبين الشروط، وهذه مسألة -في الحقيقة- يحتاج إليها طالب العلم عند الفتوى، نقول: السؤال عن وجود المانع ليس بواجب، والسؤال عن وجود الشرط واجب؛ لأن الأصل فيهما العدم.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما (... )، ما يخالف، هذا رجل قال: شخص دخل المسجد فصلَّى ركعتين، هل يجوز ذلك أو لا؟ إن كنت ممن يرى أنه لا يجوز صلاة تحية المسجد في وقت النهي يلزمك أن تستفصل، ما هو بعض الناس يقول: إذا دخلت في وقت النهي ما تصلي، إذا كنت أرى هذا الرأي، فإذا سألني قال: دخلت المسجد فصليت ركعتين، هل أنا مأجور أو مأزور؟
طلبة: استفصل.
الشيخ: استفصل؟
طلبة: نعم.
الشيخ: أقول؟
طلبة: (... ).
الشيخ: أو أقول إنه مأجور، والأصل عدم المانع؟
طالب: هذا الظاهر.
الشيخ: قد يُقال: هذا هو الظاهر، وقد يُقال: لما كانت الأوقات الآن فيها ما يمنع وفيها ما يُجوِّز فلا بد من السؤال، بخلاف هل هذا الوارث قاتل أو غير قاتل؛ لأن الأصل عدم القتل، أما هذا فهو زمن، زمن مُقسَّم، فيه شيء يحل، وفيه شيء لا يحل، لكن القول الصحيح -كما مر علينا كثيرًا- أن النوافل التي لها أسباب؟ لا يمنع منها في وقت النهي، تجوز في وقت النهي.
يقول المؤلف: (وإن نذر أيامًا معدودةً لم يلزمه) التتابع (إلا بشرط أو نية)، (إلا بشرط) الدليل على أنه يلزمه إذا اشترط قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وإن لم يتضح لك ذلك، فقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء: 34]، وهذا شيء عاهدت الله عليه أن يكون متتابعًا، فتابعه.
فإذا قال قائل: لماذا لا تجوزون لي التفريق؛ لأنه أسهل؟ ومن الذي قال لكم: إن التتابع من البر حتى تلزموني به؟
فالجواب: لو راعيت أيها الناذر الأسهل لم تنذر أصلًا، أنت الذي ألزمت به نفسك، وأما التتابع فإنه من البر؛ لأن الله تعالى اشترطه في الكفارة، ولولا أنه محبوب إلى الله -عز وجل- ما اشترطه، فهو إذن من البر، ثم على فرض أنه ليس من البر فأنت نذرت لله عز وجل عبادة موصوفة بصفة غير محرمة، فتكون الصفة تابعةً للموصوف، نذرت شهرين متتابعين، كونهما متتابعين غير محرم، وصوم الشهرين مشروع بالنذر، فيلزمك الوفاء به على ما شرطت.
ما الدليل على أنه يلزمه إذا كان بِنيَّة؟ الدليل هذا الحديث الأصل، الذي يعتبر عمدة وعماد لكل الأعمال الصالحة، وهو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (2).
﴿كتاب القضاء﴾ وهو فَرْضُ كِفايةٍ، يَلْزَمُ الإمامَ يلزم الإمام أن يَنْصِب
مدخل
ثم قال المؤلف: (كتاب القضاء)، ويقترح القاضي عليكم أن تقتصروا على حصة واحدة من كتاب القضاء، أنا أراعي في الواقع.
(كتاب القضاء) يقول المؤلف: (وهو فرض كفاية).
أولًا: ما معنى القضاء؟ معنى القضاء في اللغة الشرعية: إحكام الشيء والفراغ منه، إحكامه والفراغ منه، ويُطلق القضاء بمعنى التَّقْدير، فإذا كان أمرًا شرعيًّا، فالقضاء بمعنى الإحكام، وإذا كان أمرًا مُقدَّرًا فإما أن يُراد به التقدير الأزلي، أو الفراغ من الشيء، فقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: 12]، أي؟
طلبة: الفراغ.
الشيخ: فرغ منهن، وقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: 4] أي: قدرناه في الأزل، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، أي: شرع شرعًا محكمًا، فرضًا على العباد.
أما في الشرع فالقضاء في الشرع يتضمن ثلاثة أمور: تبيين الحكم الشرعي، والإلزام به، وفصل الحكومات أو الخصومات كما شئت.
فقولنا: تبيين الحكم الشرعي، هذا جنس يدخل فيه الفتيا؛ لأن المفتي يُبيِّن الحكم الشرعي، ولهذا لو قلت: القضاء شرعًا تبيين الحكم الشرعي، ما صح الحد، ما صح التعريف، ليش؟ لأنه غير مانع، ويش معنى غير مانع؟ يدخل في المعرف ما ليس منه، ما الذي يدخل إذا قلنا: إن القضاء هو تبيين الحكم الشرعي؟
طلبة: الفتيا.
الشيخ: الفتيا؛ فإن المفتي يُبيِّن الحكم الشرعي.
(الإلزام به وفصل الخصومات) يخرج به أيش؟ الفتيا، فإن المفتي لا يلزم، وهل يفصل الحكومات ولَّا لا؟ لا، ما يفصلها، لكن لو أن المفتي حُكِّم -أي: تحاكم إليه اثنان- وقالا: رضيناك حكمًا بيننا، وحكم بينهما صار حكمه.
طلبة: ملزمًا.
الشيخ: كحكم القاضي، مُلزمًا، ولكنه إذا لم يُحكَّم، ولم يُنصب من قِبل ولي الأمر -أعني المفتي- فإنه مُبَيِّن لا ملزم، هذا هو الفرق بين المفتي والقاضي.
القضاء يقول المؤلف: إنه (فرض كفاية)، أما كونه فرضًا فلأن الله -سبحانه وتعالى- أمر به، فقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص: 26]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]، فأمرنا إذا حكمنا أن نحكم بالعدل، وأمر نبيه داود أن يحكم بين الناس، واضح؟ هذا يدل على أنه فرض، وأما كونه فرض كفاية؛ فلأن المقصود به الفعل دون الفاعل، وهذا قد مر عليكم، أظن في النظم الذي وزعناه عليكم في القواعد، أنه إذا كان المقصود الفعل فهو فرض كفاية، وإن كان المقصود الفاعل فهو فرض عين، أو سُنَّة كفاية وسُنَّة عين، حسب الأمر.
فنقول: كونه فرض كفاية؛ لأن المقصود إيجاد قاضٍ يحكم بين الناس، وليس المقصود أن كل واحد من الناس يكون قاضيًا، وإلا كان -ما شاء الله- لو كلنا، لو فرض عين كم نصير هنا؟ كان كل الناس قضاة، كل الناس يذهبون كل صباح إلى المحكمة، ليش؟ ليقضوا بين الناس، لكن بين مَنْ؟ وهو فرض عين.
على كل حال هو فرض كفاية، أما كونه فرضًا فعرفتم دليله، وأما كونه كفائيًّا؟
طلبة: لأن المقصود به الفعل.
الشيخ: فلأن المقصود به الفعل، أن يوجد الحكم بين الناس، بقطع النظر عن عين الفاعل.
قال المؤلف: (يلزم الإمام) انتقل المؤلف إلى.. إذا كان فرض كفاية، فإلى من يُوجه هذا الفرض؟ يوجه إلى طائفتين: إلى الإمام، وإلى المأمور؛ يعني إلى الإمام الذي هو الآمر، وإلى المأمور الذي هو الْمُوَلَّى، فإذا قال الإمام لشخص: كن قاضيًا في هذا البلد، صار في حق هذا الشخص فرض كفاية، كما سيأتي.
طلبة: في حق الشخص فرض كفاية؟
الشيخ: فرض كفاية.
طالب: فرض عين.
الشيخ: نعم، في حق الشخص يكون فرض عين؛ لأنه عين.
الإمام يلزمه (يلزم الإمام)، من الإمام؟ الإمام ولي الأمر؛ يعني السلطان الأعلى في الدولة، يلزمه أن ينصب في كل إقليم قاضيًا، السلطان الأعلى في الدولة، تعرفون الآن الدول تختلف، بعضها السلطان الأعلى في الدولة يسمى ملكًا، وبعضها يسمى رئيسًا، وبعضها أيش؟
طلبة: أميرًا.
الشيخ: أمين؟
الطلبة: أميرًا.
الشيخ: أمير، وبعضهم سلطان، وبعضهم شيخ.
المهم ما علينا من الأسماء، الكلام على المعاني، إذا كان هذا السلطة العليا في الدولة فهو الإمام.
(يلزم الإمام)؛ لأن الإمام -في الحقيقة- خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولَّا خليفة الله؟
طلبة: خليفة رسول الله.
الشيخ: طيب، خليفة رسول الله، وين الرسول؟
طلبة: هو خليفة (... ).. خليفة (... ).
الشيخ: إي، طيب، نبحث في هذه ولا نتركها؟
طلبة: نبحث.
الشيخ: خليفة الله، اختلف العلماء هل يجوز أن أقول: خليفة الله، أو لا يجوز؟ وأظنكم مر عليكم بيت قاله الفرزدق..
الشيخ: هذا الفرزدق أو جرير -نسيت- يخاطب عمر بن عبد العزيز؛ يقول:
..................................
خَليفَةُ اللَّهِ يُسْتَسْقَى به الْمَطَرُ
حُمِّلتَ أَمْرًا عَظيمًا فَاصْطَبَرْتَ لَهُ
وَقُمْتَ فيه بأَمْرِ اللَّهِ يَا عُمَرُ
فقال: (خليفة الله)، وأقره -حسب الرواية- ما أنكره.
فقال بعض العلماء: يجوز أن تقول: خليفة الله.
لكنه من باب إضافة الشيء إلى فاعله؛ يعني: بمعنى مخلوف الله؛ يعني: أن الله استخلفك في الأرض وجعلك خليفة، وليس المعنى أن الله تعالى وَكَّلك على عباده لأنه مثلًا عاجز عن تدبيرهم.
كلا.
لكن معناه أن الله جعلك خليفة في الأرض تخلفه في عباده، بمعنى: تقيم شرعه فيهم.
وقد قال الله تعالى لداود: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ص: 26].
وقال بعض العلماء: لا يجوز؛ لأن خليفة الإنسان لا تكون إلا عن غيبته، عن غيبة الإنسان المخلف؛ ولهذا قال موسى لهارون: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: 142]؛ لأنه عليه الصلاة والسلام غاب لميقات ربه.
ولكن الصحيح الأول، وأنه يجوز أن نقول: خليفة الله؛ لأن الله استخلفه في عباده ليقوم بعدله، ولا يعني ذلك: أن الله تعالى ليس بحاضر، الله عز وجل فوق عرشه ويعلم كل شيء.
وفرق بين استخلاف موسى لهارون وبين استخلاف الله تعالى هذا الخليفة في الأرض.
الذين يقولون: لا يجوز؛ يقولون: إنك تقول: خليفة رسول الله.
الرسول ما استخلفنا؛ قال: لأنك خَلَفْتَ رسول الله في أمته علمًا، وعملًا، ودعوة، وسياسة؛ يعني: أن الخليفة يجب أن يكون خالفًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأمور الأربعة.
ما هي؟ العلم، والعمل، والدعوة، والسياسة.
شوف مسؤولية الخليفة ما هي هينة.
علمًا؛ بمعنى أن يكون عالمًا بالشريعة؛ ولهذا كان الخلفاء في عهد السلف الصالح هم العلماء، فإن عجز فإنه يجب أن يكون له بطانة ذات علم بشريعة الله، ويجب أن تكون هذه البطانة ذات العلم بالشرع عالمة بأحوال العصر.
ثالثًا: أن يكون لها قدرة على تطبيق الحوادث العصرية على الأصول الشرعية.
ليش؟
لأن بعض الناس عالم، لكن ما يعلم أحوال الناس ومتطلبات العصر، فتجده يريد أن يفرض ما يعلمه دون النظر إلى الواقع، وهذا خطأ.
بل الواجب على العالم أن يكون مع علمه مربِّيًا؛ بمعنى أنه ينظر إلى الواقع ليطبقه على الأصول الشرعية.
ولسنا نقول: ينظر إلى الواقع ليلوي أعناق الأصول الشرعية إليه، بل ليحمل الواقع على الأصول الشرعية.
والحمد لله الدين الإسلامي -أقول لكم- لا يمكن تحدث أي حادثة إلى يوم القيامة إلا وفيها حَلٌّ في الدين الإسلامي، عَلِمَه من علمه، وجهله من جهله، لكن الذي يفوتنا إما القصور وإما التقصير.
أما أن توجد حادثة إلى يوم القيامة لا يوجد لها حل في الشريعة، هذا مستحيل؛ لأن الله جعل هذا الدين باقيًا إلى متى؟ إلى قيام الساعة، فلا بد أن يكون فيه حلول لمشاكل العالم، وإلا ما صحَّ أن يكون دينًا إلى يوم القيامة، أو شريعة.
أن يَخْلُف النبي صلى الله عليه وسلم في العمل؛ بأن يكون قدوة صالحة في عمله، عباداته، ومعاملاته، وأخلاقه، وسلوكه؛ ليكون أسوة لأنه هو اسمه: خليفة وإمام، خليفة لمن سبقه، وإمام لمن لحقه، شوف كيف؟
إذن نسميه خليفة ونسميه إمامًا، باعتبارين ولَّا باعتبار واحد؟
طلبة: باعتبار واحد.
الشيخ: لا، باعتبارين؛ خليفة لمن سبقه، وإمام لمن لحقه؛ يعني اللي في عصره ومن بعده إمام لهم، واللي قبله هو خليفة.
إذن لا بد أن يكون إمامًا في العمل بأن يكون مُتَّسِيًا بقدر ما يستطيع برسول الله صلى الله عليه وسلم.
الثالث أن يكون إمامًا في الدعوة؛ الدعوة أيش؟ الدعوة إلى الإسلام، فيكاتب زعماء الكفرة، يكاتبهم يدعوهم إلى الإسلام، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكاتبهم يدعوهم إلى الإسلام، ولَّا لا؟
(... ) ﴿جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: 53]، والإقسام فيه إلزام، كالنذر.
طالب: (... ).
الشيخ: الإقسام إلزام، ما أقسموا بالله إلا ليلزموا أنفسهم.
الطالب: (... ).
الشيخ: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾.
الطالب: (... ).
الشيخ: هو نهي لا شك، لكن وجوب الوفاء بالنذر يمنع القول بالتحريم في الواقع للعلة التي أشرنا إليها آنفًا.
استثنى المؤلف من وجوب الوفاء بنذر الطاعة: «فَإِنَّ لَكِ عَلَى رَبِّكِ مَا اسْتَثْنَيْتِ» (1) فالإنسان على ربه ما استثنى وما عين، إذا نوى، إذا اشترط، هذه ثلاثة، أما إذا أطلق قال: شهرًا فهو ما يلزمه التتابع.
طالب: (... ).
الشيخ: حتى لو بدا، ما دام ما عنده نية.
نعم، هو الصحيح، الصحيح أنه ما يلزمه.
الطالب: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: أقول: يدخل المعتكف..
الشيخ: معتكف؟
الطالب: لا، إذا نذر الاعتكاف يدخل قبل طلوع الفجر؟
الشيخ: لا، إذا نذر الاعتكاف إن كان (... ) أيام يدخل قبل طلوع الفجر، إن كان الليالي قبل غروب الشمس.
طالب: (... ) نذر شهرًا ولم يُعَيِّن قلنا: (... ) أنه لا يلزمه.
الشيخ: لا، لا، قلنا: كلام المؤلف: لا يلزمه.
الطالب: (... )
الشيخ: عندي: (ومن نذر صوم شهر لزمه التتابع).
الطالب: (... ).
الشيخ: مكتوب؟
طلبة: (... ).
الشيخ: المذهب أنه إذا نذر صوم شهر سواء كان مطلقًا أو معينًا يلزمه التتابع.
الصحيح أنه لا يلزمه إلا أن يكون معينًا أو نية أو شرط.
وسبق لنا أنه فرض كفاية إذا قام به مَنْ يكفي سقط عن الباقين.
هذا بالنسبة لنصبه، لكن بالنسبة لمن وُجِّهَ إليه الطلب فرضُ عين إذا لم يشغله عما هو أهم منه.
وسبق أن الموجَّه إليه الخطاب في ذلك هو الإمام.
وقلنا: إن الإمام هو الخليفة الذي خلف النبي صلى الله عليه وسلم في أمته في أمور أربعة؛ في العلم، والعمل، والدعوة، والسياسة، واستأذنا منكم أن نبسط القول في هذا ولا أدري هل أنتم أذنتم أم لا.
أذنتم؟
طالب: (... ).
الشيخ: في العلم: بأن يكون لديه علمًا شرعيًّا يتمكن به من القيام بمهماته.
قلنا: فإذا لم يمكن فلينصب بطانة عندها علم بالشرع وعلم بالواقع، والثالث: وبُعْد نظر؛ يمكنها أن تطبق الواقع على الأصول الشرعية؛ لأن العلم لا يكفي؛ كثير من الناس عندهم علم بالعلوم الشرعية لكن ليس عندهم علم بالواقع فيحصل في نظرهم تصادم بين الواقع والشرع، ومن المعلوم أن المؤمن إذا حصل عنده تصادم بين الشرع والواقع سيقدم الشرع.
لكن لو كان عند رجل له سعة أفق لوجد أن الواقع لا يخالف الشرع.
وسبق أيضًا أنه يخلف النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل؛ بحيث يكون قدوة صالحة في دينه ومعاملته وأخلاقه وآدابه ووقاره وجميع أحواله؛ لأن الناس على دين أئمتهم، ولهذا تجد المدرسة إذا كان مديرها مستقيمًا صار الغالب على أساتذتها وعمالها وطلابها الاستقامة، والعكس بالعكس.
والاستقامة الشخصية دعوة في الواقع دعوة إلى الخير وإلى الحق، بل قد تكون الاستقامة الشخصية أقوى تأثيرًا من القول، فإننا نجد كثيرًا من الناس يقول بلسان طليق فصيح مبين، ولكن لا يُتَّخَذ أسوة؛ لأن فعله يخالف قوله.
لكن إذا علم الناس أن هذا الرجل يقول عن صدق وأن باطنه كظاهره صار أسوة للناس وإمامًا.
الثالث: الدعوة؛ وقلنا: إن هذه الدعوة تتضمن عدة أمور:
أولا: الاتصال بزعماء الكفر عن طريق الكتابة أو المشافهة أو الرسول يدعوهم إلى دين الله عز وجل؛ يعني: لا تبرأ الذمة بالنسبة لولاة أمور المسلمين لا تبرأ ذمتهم إذا سكتوا، بل لا بد أن يَدْعوا رؤساء الكفر إل دين الله عز وجل اقتداء بمن؟ برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كاتَب الملوك والزعماء والأمراء في عهده، كتب إلى المقوقس في مصر، وإلى هرقل في الشام، وإلى كسرى في العراق، وإلى غيرهم، وهكذا.
وهذا من وظائف الإمام، فإن لم يباشره بنفسه، فليجعل من يباشره وينوب عنه، بأن يُكَوِّن لجنة من أهل العلم يتولون هذا الأمر، ويكون لديهم العلم بالشرع والواقع وسعة الأفق، وحسن الأسلوب، وعرض الدين الإسلامي على الوجه الأكمل الذي يجعل القلوب تميل إليه كما أنه دين فطرة.
كذلك أيضًا مما يتصل بالدعوة، حماية الإسلام بالدفاع عنه بكل ما يستطيع؛ أولًا: الحماية بمنع ما ينقص الإسلام أو ينقض الإسلام، منع ما ينقص الإسلام أو ينقضه، هذا واحد؛ وذلك بمنع الحرب التي تقام بين حين وآخر -إن صح أن أقول: بين حين وآخر- لأن الصواب أن الحرب قائمة بين الإسلام والكفر منذ بدأ الإسلام، أليس كذلك؟
الحرب الذي حورب به الإسلام ينقسم إلى قسمين: حرب مادي بالسلاح والعتاد، وهذا لا أعتقد أن أحدًا من المسلمين يتقاعس عنه، بل لو رأوا العدو يأتي الأرض ينقصها من أطرافها لقاموا إليه وعرفوا عداوته، وهذا واجب على الإمام والخليفة أن يُكَوِّن جيشًا قادرًا على دفاع العدو بقدر المستطاع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].
هناك حرب بسلاح أخفى وأنكى وأشد، وهي الحرب في الفكر والعقيدة والأخلاق؛ في الفكر: يغزون المسلمين بأفكار هدامة يأخذونها إما من ملحدين، وإما من منافقين.
العقيدة أيضًا؛ هناك عقائد تنتمي إلى الإسلام أحيانًا، هناك أيضًا غير الأفكار اللي ترد من الملاحدة والزنادقة، هناك عقائد تنتمي إلى الإسلام، عقائد منحرفة، كما مر علينا في العقيدة الواسطية في الأصول الخمسة التي كان أهل السنة وسطًا فيها بين طوائف هذه الأمة، لا بد أن تحارب هذه العقائد الفاسدة.
الثالث الحرب بالأخلاق؛ هذا أيضًا صعب، ليش؟ لأن النفوس ميالة إلى ما تدعو إليه هذه الفئة، التي تسلط شررها -ولا أقول: أضواءها- تسلطه على أهل المروءة والأخلاق العالية لتهدم مروءتهم وأخلاقهم، ويتمثل هذا في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة، ولذلك تجد أعداء المسلمين يغزون المسلمين بمثل هذا.
تأمل صحفهم، تأمل إذاعاتهم، وتأمل أيضًا ما ينشرونه بين المسلمين من المجلات ذوات الأزياء، التي فيها أزياء لا أقول: إنها جديدة على أزيائنا، واستعمالها مخالف لعاداتنا، ولكني أقول: إنها أحيانًا تخالف اللباس الشرعي، فيجب أن يُحْمَى الإسلام من هذه الأشياء.
هناك أيضًا شيء ثالث -أو رابع في الأصح- يغزون المسلمين به وهو الاكتساب؛ الاكتساب بحيث يُغْرُون الناس على الميسر والربا وغير ذلك بطرق كثيرة.
فيدخل في حماية الدين الإسلامي أن نبين تجاه هذا الحرب الثاني، الذي هو حرب الأشياء الثلاثة، وهي الفكر والعقيدة، والأخلاق، والمعاملات إذا شئنا؛ وذلك بأن نُبَيِّن فساد هذه الأشياء الثلاثة؛ لأن بيان فسادها كسر للأسلحة، نكسر هذه الأسلحة لبيان فسادها، ثم نأتي بما هو أحسن منها فيما جاء به الإسلام؛ لأن كوننا نهاجم هذه الأسلحة بدون ذكر البديل خطأ؛ لأن الناس يقولون: أين البديل؟
ولهذا جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية ما يرشد إلى هذه الطريق، وهي أنك إذا أبطلت منكرًا فاذكر ما يحِل محله من المعروف؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، هذا منكر، فيه بديل؟ ﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: 104].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاءه بالتمر الجيد الذي كان يأخذ الصاع منه بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، قال: «لَا تَفْعَلْ.
عَيْنُ الرِّبَا، رُدَّهُ»، ثم أرشده؛ قال: «بِعِ الْجَمْعَ التَّمْرَ الرَّدِيءَ بِالدَّرَاهِمَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»؛ (2) يعني تمرًا طيِّبًا.
فهكذا ينبغي للداعية إذا سُدَّ على الناس باب الشر أن يفتح بدله من أبواب الخير، حتى لا يقع الناس في حيرة.
طيب، ذكرنا الآن مكاتبة أو دعوة رؤساء الكفر للإسلام.
الثاني حماية الإسلام بصد هجوم الأعداء المادي، أو إن شئنا قلنا: الحسي والمعنوي.
كذلك أيضًا مما يتصل بالدعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، هذا من وظيفة الإمام.
والمعروف: كل ما أمر به الشرع، والمنكر: كل ما نهى عنه الشرع، هذا الضابط، وسُمِّي الأول معروفًا لأن الشرع عرفه وأقره، والثاني منكرًا لأن الشرع أنكره؛ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فإن لم يقم بذلك بنفسه وَكَلَه إلى مَن به الكفاية يكون نائبًا عنه في ذلك ولا بد، ولا يمكن أبدًا أن تقوم الأمة الإسلامية أو تتحد إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 104، 105].
فأشار بقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ بعد قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ﴾ إلى أنه إذا لم يكن ذلك تَفَرَّق الناس، وهذا واضح، إذا لم يكن أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، كل واحد سلك سبيلًا، وحينئذ تتفرق الأمة، ولا يَجْمَع الأمة إلا شريعة ربها عز وجل، وذلك لا يكون إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا بد أن تكون الأمة أو الطائفة التي يُقِيمها الإمام للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يكون لها علم بأن هذا معروف وهذا منكر، وكيف تعلم ذلك؟ عن طريق الشرع، يكون لديها علم شرعي بأن هذا معروف وهذا منكر.
ثانيًا: أن يكون لديها علم بأن هذا الرجل ترك المعروف أو فعل المنكر، لا بد من هذا، فإن لم تعلم فإنه لا يجوز أن تنكر، لا أمرًا ولا نهيًا؛ لو أنك رأيت رجلًا يمشي في السوق معه امرأة، ومسكته قلت له: ما تخاف الله؟ تمشي مع الحريم بالسوق؟ ! يصلح هذا ولا ما يصلح؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز أبدًا، أسأله أولًا؛ من هذه المرأة؟ ما علاقتك بها؟ قال: هذه أختي، هذه أمي، هذه بنتي، أكف وأنتهي، اللهم إلا أن يكون هناك قرائن قوية تخالف ما ادعاه، فهذا شيء آخر؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا ينكر الشيء إلا بعد أن يعلم أنه منكر؛ لما دخل رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة جلس، قال: قم، صلِّ ركعتين؟ !
طلبة: لا، ما قال.
الشيخ: لا، قال: «أَصَلَّيْتَ؟ » فيه احتمال أنه صلى والرسول عليه الصلاة والسلام ما شافه، قال: «أَصَلَّيْتَ؟ » قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ».
(3)
خرجتَ من المسجد ووجدت واحدًا يمشي في السوق، قلت: تعال، ما تخاف الله؟ الناس يصلون بالمسجد، وأنت تمشي بالأسواق.
صح؟
طلبة: (... ).
الشيخ: خطأ؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: ويش أقول؟
طلبة: أصليت؟
الشيخ: أقول: أصليت يا أخي؟ إذا قال: لا والله ما صليت، تو جاي من الشغل.
أقول: يا أخي، الصلاة مهمة، وأنصحه بلطف.
لا بد أن يكون عند الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر حكمة، بأن يدفع الأشر بالشر، والشر بالخير، صحيح يا أخي، سبحان الله! بأن يدفع الأشر بالشر، والشر بالخير، صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح؛ لأن دفع الأشر بالشر أهون؛ يعني: ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، هذه قاعدة عند أهل العلم؛ يعني: مثلًا لو رأى رجلًا على منكر ونهاه عن هذا المنكر، وقال: طيب، أنا أتركه، ولكن أروح آخذ أشد منه.
رآه يشرب الدخان، قال: يا أخي، ليش تشرب الدخان؟ هذا حرام عليك.
قال: طيب، الله يعافيك، خلِّ السيجارة تقعد هنا، يا ولد عندك كاسة خمرة؟ وراح وشرب خمر، لكن لو خليته يشرب الدخان، أيهم أفضل؟ طبعًا، الدخان أفضل، فإذا علمت.
إذا علمت أنني إذا نهيته عن الدخان راح يشرب الخمر، ما هو صحيح أني أنهاه عن الدخان، أخليه يشرب الدخان ويُرَيِّق.
ولما انتهى قلنا له: ترى هذا يا أخي حرام، ولا يجوز.
ولعل الله يهديه.
ولهذا يُذْكر أن شيخ الإسلام ابن تيمية لما دخل التتار الشام مَرَّ هو وصاحب له بقوم يشربون الخمر من التتار، ولم ينههم شيخ الإسلام، فقال له صاحبه في ذلك، قال له: لو نهيناهم عن هذا تركوا الخمر، وراحوا يهتكون أعراض المسلمين؛ لأن هؤلاء قوم مفسدون، خَلِّهم يلهون بخمرهم اللي شره عليهم ولا يتعدى، شوف كيف الحكمة؟
وهذه -أعني استعمال الحكمة- أمر ضروري للإنسان الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
أما استعمال الرفق فهو أيضًا كمال للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر.
ويعلم بعضكم أن رجلًا يهوديًّا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده عائشة، قال: السام عليك يا محمد.
قالت عائشة غيرة لله ورسوله: عليك السام واللعنة -نعم، حمل (... ). السام واللعنة جميعًا- فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، قُولُوا إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، قُولُوا: وَعَلَيْكُمْ»، (4) إن كان هم قائلين: السلام.
فهو عليهم، وإن كان هم قائلين: السام.
فهو عليهم، عدل هذا.
نعم، هذا هو العدل.
ثم قال: «إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطَي عَلَى الْعُنْفِ»، (5) الله أكبر، غيرتنا تأبى إلا أن نعنف ونستعمل العنف، ونظن أن هذا هو الذي يحل المشكلة، ولكنِ الأعلم منا والأنصح محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول -وهو صادق بار- يقول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ».
ويُذْكَر عن أحد العلماء من أئمة الدعوة رحمهم الله أنه مر على عامل -وأحد رواها لي: مر على صاحب نخل- قلت له: قد أذن المغرب، ولَّا هذا يُغَنِّي؛ يغني على إبله لأن الإبل تطرب للغناء، يغني عليها، فوقف عليه قال: ما تستحي على روحك؟ يا الحمار، يا اللي فيك ما لا فيك، كيف ما تصلي؟ هذاك مسكين، غضب، قال له: ها الحمار أنت، ولن أصلي، وصلاتي لي.
وراح (... ).
جاء الشيخ -جزاه الله خيرًا وغفر له- وتكلم معه بكلام لين هادئ، وقال: الصلاة خير من هذا العمل، وأنت تصلي -إن شاء الله- وترجع إلى عملك.
قال: جزاك الله خيرًا، أنت الوجه المبارك، والله جاءني واحد تو، وقال لي: يا الحمار يا اللي فيك ما لا فيك، رح صلِّ.
خلَّى المسْوَقة أو نزل من نخلته وراح وصلَّى، هذا مشاهد، واقع يصدق، وإن كان قول الرسول صدقًا بلا تصديق؛ لأنه الصادق المصدوق.
لكن الواقع يزيدك إيمانًا بأن الرفق خير من العنف، لكن الله يعفو عنا، الحقيقة أحيانًا تأخذنا الغيرة، نعجز أن نملك أنفسنا، ونعنف، ونزعل، وتتوتر أعصابنا، ولكن الأولى لنا أن نهدأ ونشوف وننظر.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مِنْ وَظيفة مَنْ؟ الإمام، فإن لم يفعل بأن كانت له أشغال تمنعه من مباشرة هذا بنفسه فإنه يكله إلى من به الكفاية.
وذكرنا أنه لا بد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أن يكون عنده علم بالشرع، وعلم بالواقع؛ يعني: يعرف بأن هذا الإنسان ارتكب المنكر أو ترك الواجب، والثالث: أن يكون لديه حكمة يزن بها الأمور ويقدِّرها حتى يتم الأمر على ما ينبغي.
ومن الدعوة أيضًا أمر رابع؛ وهو تغيير المنكر، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ»، (6) وأظن أننا ضربنا مثلًا فيما سبق، والله ما أدري هنا ولَّا في الكلية؛ مثال ذلك: رجل مَرَّ بصاحب عود يضرب به، تعرفون العود؟
طلبة: نعم.
الشيخ: استعملتموه؟
طلبة: لا، لا (... ).
الشيخ: المهم أنه ليس عود الحطب، العود الذي يُعْزَف به؛ مر رجل بهذا العود، أول ما يجب عليه أن يكسره، هذا «فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ»، إذا لم يستطع بلسانه، بمعنى أن يتكلم عند من يمكنه أن يكسره، إن لم يستطع فبقلبه؛ يكرهه وينكره، ولا يصاحب صاحبه.
وهذه المسألة تخفى على كثير من الناس، يظنون أنك إذا كرهت المنكر بقلبك فاجلس مع أهله، وهذا خطأ؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، اتلوا الآية: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا﴾ يعني: إن قعدتم ﴿مَثَلُهُمْ﴾ [النساء: 140] فالمنكِر بالقلب ما يقعد، هل يُعقَل إنسان يكره الشيء يجلس عند من يفعله؟ ما يعقل أبدًا.
هذه ثلاثة أمور؛ دعوة، وأمر، وتغيير، تشتبه على بعض طلبة العلم، يظنون أنها واحد، ولكنها مختلفة؛ الدعوة عرض وترغيب وترهيب.
الأمر: توجيه أمر، طلب الفعل، أو الكف على وجه الاستعلاء.
التغيير: مباشرة إزالة المنكر، تباشرها أنت بيدك.
فبينهما فرق يجب على طالب العلم أن يعرفه؛ حتى لا تختلط عليه الأشياء.
(... ) كالحضانة بالنسبة للطفل، فعلى الإمام أن يكون قائمًا بالسياسة، وهي -أي السياسة- سلوك كل ما يصلح به الخلق، وهي إما داخلية، وإما خارجية؛ أما الداخلية فأن يسوس رعيته بالعدل واجتناب الجور، والعمل بالقرائن والبينات، وغير ذلك، المهم أن يسوس رعيته بالعدل، فمثلًا لا يُفَرِّق بين القريب والبعيد، والغني والفقير، والشريف والوضيع، وما أشبه ذلك، إلا إذا اقتضت المصلحة أن يعفو مثلًا عن رجل له شرف وجاه، وهذا في غير الحدود، وأن يقيم التعزير على آخر مجرم يعتدي على الناس دائمًا، ولا ينفع فيه أن يَمُنَّ عليه بالعفو؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40].
والسياسة انقسم الخلفاء فيها إلى ثلاثة أقسام:
قسم أخذ بسياسة الجور، وكان كلما طرأ على نفسه أن هذا مما يصلح الناس عمل به ولو خالف الشرع؛ مثل أئمة الجور الذين يعتدون على الناس بالضرب والحبس في أمور بسيطة لا يجيز الشرع أن يُعَزَّر فيها بهذا التعزير.
وقسم آخر أهملوا السياسة نهائيًّا، ولم يعملوا بقرائن الأحوال، ولا عملوا بالمصالح العامة التي راعاها الشرع، فالأولون أفرطوا، والآخرون فَرَّطوا.
وقسم ثالث أخذ بالسياسة، وهي رعاية المصالح التي لا تخالف الشرع، مع أننا نقول: لا يمكن لأي شيء يُسَمَّى مصالح فيخالف الشرع، بل كل ما خالف الشرع فهو مفسدة، لكننا نقول ذلك من حيث يتراءى للناظر أن هذا مصلحة، ويخفى عليه أنها داخلة في الشرع.
فالسياسة الداخلية يجب على الإمام أو الخليفة أن ينظر إلى ما فيه المصلحة فيتبعه، وما فيه المصلحة لا يمكن أن يخالف الشرع، لكن قد يتراءى للإنسان أن هذا مصلحة وهو مخالف للشرع وهو في الواقع ليس بمصلحة.
أما السياسة الخارجية فهي معاملة غير المسلمين؛ معاملة غير المسلمين له معهم طرق: عهد، وأمان، وذمة، وحرب، يعني: له معهم مقامات أربعة؛ عهد، وأمان، وأيش بعد؟ وذمة، وحرب.
أما الحربيون فأمرهم ظاهر، يجب عليه أن يقاتلهم حتى يكون الدين لله بأن يسلموا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، ولا فرق في ذلك -على القول الراجح- بين أهل الكتاب وغيرهم.
فأما قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، فإن هذا لا يمنع أن يتعدى الحكم إلى غيرهم، لا سيما أنه قد ثبت في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، (7) وثبت في صحيح مسلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا أمَّرَ أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بمن معه من المسلمين خيرًا، وذكر الحديث، وفيه أنه إذا لقي عدوه دعاه إلى الإسلام، فإِن أبى أخذ منه الجزية، فإن أبى قاتله، وهذا عام، بل قال: «إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ»، (8) وهذا هو الصحيح أن الجزية تُؤخَذ من كل كافر.
هؤلاء الحربيون.
صار الحربيون ما لنا فيهم إلا حالان؛ القتال، أو الاستسلام للجزية، إلا إذا أسلموا.
ثانيًا: المعاهدون، الذين نعقد بيننا وبينهم عهدًا ألا يعتدوا علينا، ولا نعتدي عليهم، وألا يعينوا علينا ولا نعين عليهم، وهؤلاء لا يخلو أمرهم من ثلاث حالات، إذا عاهدناهم لا يخلو أمرهم من ثلاث حالات:
إما أن يستقيموا على العهد وينفذوه تمامًا، وفي هذه الحال يجب علينا أن نستقيم لهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 7]، والوفاء بعهدهم لا شك أنه من محاسن الإسلام.
الحال الثانية أن يخونوا وينقضوا العهد، وفي هذه الحال يكونون حربيين، يعني: ينتقض عهدهم؛ ودليل ذلك ما جرى لقريش حين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية، ومن جملة شروط العهد ألا يعينوا حلفاءهم على حلفائه، فنقضوا العهد بأن أعانوا حلفاءهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم.
الحال الثالثة ألا ينقضوا العهد، ولكننا لا نأمنهم، نخاف منهم نقض العهد، فهؤلاء نعاملهم معاملة وسطًا، بأن ننبذ إليهم عهدهم، فنقول: ليس بيننا وبينكم عهد، والعهد الذي بيننا وبينكم مفسوخ منبوذ؛ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]، هذه أحوال مَن؟ المعاهدين؛ ثلاث حالات.
أهل الذمة: هم الذين عقدنا لهم الذمة التي تتضمن حمايتهم وإعطاءهم حقوقهم الشرعية على أن يبذلوا لنا الجزية، الجزية يعني: شيء يجعله الإمام على كل واحد منهم، وتفصيلها معروف في كتب الفقه، هؤلاء يجب علينا نحوهم أن نعطيهم كل الحق الذي يقتضيه عقد الجزية، أو عقد الذمة على الأصح.
الرابع: المستأمنون الذين طلبوا الأمان على أنفسهم وأموالهم لمدة معينة، هؤلاء دون المعاهدين، ودون أهل الذمة، وفوق الحربيين؛ ولهذا يصح الأمان حتى من غير الإمام؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ»، (9) يمكن لأي واحد من الناس يُدْخِل أحدًا من الكفار إلى بلاد الإسلام بأمان، وما دام مُؤَمِّنًا له فإنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليه؛ دليل هذا قوله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6].
المهم أن الإمام يقوم بهذه الأمور الأربعة: العلم، والعمل، والدعوة، والسياسة، وذكرت ما الذي يتفرع على الدعوة.
المؤلف يقول: (يلزم الإمام أن يَنْصِب)، طيب، مَنِ الذي ينصب الإمام؟
يكون نَصب الإمام بواحد من أمور ثلاثة؛ إما أن يعهد به الخليفة السابق، وإما أن يجتمع عليه أهل الحل والعقد، وإما أن يأخذ ذلك بالقوة والقهر.