طالب: في فتنة ابن الأشعث والخروج على الحجاج (... ) يعتبر (... ).
الشيخ: والله هذه المسائل الحقيقة أنا ما درستها كثيرًا؛ لأني ما أحب أني أدرسها؛ لأن فيها مشاكل لا سيما أن في بعضها من الصحابة فأنا ما درستها تحقيقًا، على أني أيضًا أرى أن التاريخ تلعب به السياسة كثيرًا، وقل أن تجد تاريخًا معتدلًا مشكل تيجي مثلًا، بتقرأ في كتب الرافضة وتاريخهم تجد العجب العجاب، وتيجي تقرأ في تاريخ النواصب تجد شيئًا عظيمًا أيضًا؛ لذلك أنا أرى أن المسائل الماضية إنه ما يبحث فيها، أن الإنسان أسلم له أنه يدعها؛ لأن لا بد الإنسان بشر لا بد أن قلبه يكون فيه شيء حتى لو من أهل السنة والجماعة إذا شاف المسائل هذه، ودرس يتأثر، فأنا رأيي الحمد لله ما دام الآن كفينا وراحت الأمور..
فنحن نحب من أحبه الله ورسوله، ونكره من كرهه الله ورسوله، وإلى الآن ما فيه عندنا إلا أشخاصهم فقط، أشخاصهم ذهبوا، لا إحنا بناصرينهم ولا هازمينهم.
طالب: تقرير الحكم يا شيخ.
الشيخ: تقرير الحكم ما يخالف تقرير الحكم، يطبق الأمر على ما في الكتاب والسنة، ونقول: إذا خرج رجل، ولا نقول: ابن الأشعث ولا غيره على من كان وليًّا شرعيًّا، فهو باغٍ إذا تمت شروط البغاة اللي ذكرنا.
طالب: نقول (... ) جزء من التاريخ (... ).
الشيخ: أما أنا ما أعطيك حكمًا، ولا أؤكد عليك بقراءة شيء يدرس، يجب إذا درس أنه يدرس كأنها أمور واقعة، ولا يقال: هذا الشيء حصل مع أني أنا أرى والله لو حذف هذا من التاريخ المقرر كان أحسن.
طالب: ما يدخل تحت (... ) لأنهم ما خرجوا على إمام (... ).
الشيخ: ما ندري.
على كل حال أنا على ما أنا عليه، أنا ما قرأت هذه قراءة كثيرة؛ لأني أذكر في زمن الصغر قرأت شيئًا لابن قتيبة اسمه الإمام واختياره، وتأثرت وتركته، ما عاد، بقي نقرأ من ها الأمور شيئًا أبدًا؛ لأنه حقيقة الأمر أنهم راحوا كونك تقول: هذا مخطئ، وهذا غير مخطئ، ويش النتيجة؟ راحوا حسابهم على الله عز وجل.
طالب: النظر في المستقبل.
الشيخ: لا، النظر في المستقبل الحمد لله عندنا الكتاب والسنة وافية بهذا قبل أن نعرف هؤلاء (... )
خلاصة المسألة الآن ما أتلف بعد الحرب فهو مضمون، وما أتلف أثناء الحرب فغير مضمون مطلقًا على المذهب، وعلى القول الثاني مضمون إن كان المتلف من أهل البغي، وغير مضمون إذا كان المتلف من أهل العدل، ويفرق هؤلاء بين أهل العدل وأهل البغي؛ لأن أهل العدل يقاتلون بحق، وأهل البغي يقاتلون بغير حق (... )
باب التعزير
التعزير يطلق في اللغة على معانٍ منها؛ النصرة مثل قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9] أي تنصروه، ويطلق على التعذيب والإيلام، وهو المراد هنا، فالمراد بالتعزير؛ التأديب.
وهو في الاصطلاح: عقوبة على معصية ليس فيها كفارة، وليس فيها قود، عقوبة على معصية لم يقدر فيها شيء من قبل الشرع، فكل معصية ليس فيها مقدر من قبل الشرع فإنه يجب فيها التعزير وهو التأديب.
والحكمة من وجوب التعزير، أو من مشروعية التعزير؛ هو حماية الناس عن الوقوع في المعاصي والمآثم إذن نقول: التعزير في اللغة: يطلق على معانٍ منها التأديب.
وفي الاصطلاح: عقوبة على فعل معصية لم يقدر لها عقوبة شرعًا، فإن قدر لها عقوبة شرعًا، اكتفي فيها بما قدره الشرع سواء كانت العقوبة هذه مالية أو بدنية، والحكمة من مشروعية التعزير هو حماية الناس عن الوقوع في المعصية.
والتعزير ثابت في القرآن، وفي السنة؛ أما في القرآن فقوله تعالى عن أيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: 44] إلى آخره، فإن سبب هذا الضرب هو أن زوجته خالفت في أمر يجب عليها أن تقوم به، فأقسم أن يضربها مئة سوط، فأمره الله تعالى أن يأخذ ضغثًا، والضغث هو أعواد شماريخ النخل فيضرب به، ولا يحنث يعني ما تجعل عليه الكفارة، ولا يكون حانثًا في يمينه.
وأما في السنة فله أمثلة الوارد فيه نصوص متعددة، منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (3)، فإن الضرب هذا نوع من التعزير، وهو تعزير على ترك مأمور، ومنها أيضًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحرق رحل الغال الذي يكتم شيئًا مما غنمه (4)، وهذا على فعل مُحرَّم.
وكذلك أيضًا ضرب الذي كتم مال حيي بن أخطب في عام خيبر، أمر الزبير أن يضربه حتى أقر به (5)، وهذا أيضًا تعزير على ترك واجب؛ لأن الواجب عليه أن يبين، ولا يكتم، وكذلك أمر أو ألزم كاتم الضالة بقيمتها مرتين (6)، وهذا أيضًا من التعزير على ترك الواجب، وهو تعزير مالي وليس ببدني، أما الحكمة والنظر فإنه يقتضي؛ لأن الخلق لا بد لهم من وازع ديني يمنعهم من التفريط في الواجبات والوقوع في المحرمات، أو من رادع سلطاني، فإذا وجد الوازع الديني فقد يكتفى به؛ لأن الناس تصلح أحوالهم به، وإذا ضعف الوازع الديني بقي الرادع السلطاني، فإن ضعف الرادع السلطاني مع ضعف الوازع الديني فسدت الأمور، إذن الحكمة تقتضيه لما فيه من سياسة الخلق وإلزامهم بطاعة الله سبحانه وتعالى، وترك معصيته، أما حكمه فهل هو واجب، أو مستحب، أو الإمام فيه مخير بين أن يقيمه وألا يقيمه، وأنه إذا اقتضت المصلحة إقامة التعزير وجب، وإذا لم تقتضها كان في ذلك سعة للإمام أن يترك التعزير؟
الصحيح هو هذا، الصحيح أن الإمام فيه مخير بين أن يقيمه، أو لا يقيمه إلا ما ورد به النص، فما ورد به النص فإنه يجب إثباته مثل أيش؟ كإحراق رحل الغال، وتضمين كاتم الضالة قيمتها مرتين، وما أشبهها، هذا لا بد من إقامته، وأما ما لم يرد به الشرع فإن الإمام فيه مخير، الإمام أو نائبه مخير بين أن يقيمه، وأن يدعه، وهذا التخيير ليس تخيير تشهٍّ وإرادة، ولكنه تخيير مصلحة إذا رأى أن المصلحة تقتضي أن يؤدب هذا الفاعل وجب عليه أن يؤدبه، وإذا رأى ألا يؤدبه فإنه له ألا يؤدبه.
ولهذا وقعت قضايا في عهد النبي عليه الصلاة والسلام معاصي أو ترك واجب، ومع ذلك ترك فيها التأديب؛ لأنه رأى صلى الله عليه وسلم أن المصلحة تقتضي ذلك، فقد يكون الرجل إذا جاء مثلًا مخبرًا بذنبه تائبًا منه، قد تكون المصلحة أن لا يؤدب، وقد تكون المصلحة في تأديبه؛ لأنه أعلنه وأظهره، فإذا لم يؤدب أمام الناس تجرأ الناس على هذه المعصية، فالمهم أن الصواب في هذه المسألة أن يقال: حكم التعزير فيما جاء به النص واجب، ويش مثاله؟ كإحراق رحل الغال (4) وتضمين كاتم الضالة قيمتها مرتين (6)، وكذلك ضرب تارك الصلاة من الأولاد لعشر سنين (3).
وأما ما لم يجئ الشرع به، فإن الإمام فيه مخير تخيير مصلحة إذا كانت المصلحة تقتضي أن يقوم به، فإنه يقوم به إذا كانت المصلحة تقتضي ألَّا يقوم به فإنه لا يقوم به.
لاحظوا أن بعض الناس إذا كان جاء مخبرًا بذنبه تائبًا منه أنك إذا لم تُقم عليه عقوبة فإنه يجد راحة وطمأنينة، وانشراح صدر، ومحبة للإسلام، ولولاة الإسلام، لكن لو تقيم عليه الحد في هذه الحال يمكن يحصل منه نفور، وكراهة للإسلام، ولأهل الإسلام، أو لولاة الإسلام، فهذه الأمور يتبع فيها المصالح، والإنسان الذي استرعاه الله على رعية إذا قصد بذلك وجه الله وإصلاح من استرعاه الله عليهم وُفِّق للصواب.
السؤال الآن: ما الذي يعزر فيه؟ يعني ما هو الذنب الذي يعزر الإنسان عليه؟
يقول العلماء: كل معصية ليس لها عقوبة مقدرة من الناحية الشرعية، أما ما فيه عقوبة مقدرة من الناحية الشرعية فإنها يؤخذ به، فمثلًا الزنا فيه التعزير؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: فيه حد.
الشيخ: فيه حد شرعي.
الوطء في رمضان فيه تعزير؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
طلبة: كفارة.
الشيخ: لأن فيه عقوبة شرعية، وهي الكفارة.
الظهار فيه تعزير ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ما فيه تعزير مع أن الله يقول: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة: 2]؛ لأن فيه كفارة، فالمهم ما قدَّر الشارع فيه شيئًا من أنواع العقوبة، فإنه لا يُتعدى ما قدره الشرع، ولا يعزر بأكثر منه؛ لأن الشرع أحكم منا، أما ما لم يقدر به الشرع شيئًا فإنه يجري فيه الحكم السابق.
غش الناس في المعاملات، أتيت إلى صاحب خضرة، ووجدت أنه يعامل الناس بالغش، يعزر ولَّا لا؟
طلبة: يعزر.
الشيخ: يعزر، طيب إذا قيل: الرسول عليه الصلاة والسلام اطلع على غش رجل من الباعة، يبيع تمرًا، فوجده قد جعل الذي أصابته السماء أسفل، وجعل السليم فوق، وقال: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (7)، ولم يعاقبه، فكيف تعاقبونه أنتم؟ ويش الجواب؟
طالب: الرسول رأى المصلحة.
الشيخ: إي نعم، الرسول رأى المصلحة في عدم عقوبته، وأنه يكتفي بقوله: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا».
على أنه ربما يكون هذا الإنسان جاهلًا، قد يكون هذا البائع جاهلًا، ما يكذب وهو الظاهر؛ لأننا نعلم من حال الصحابة رضي الله عنهم أنه ما يمكن الواحد يتجرأ على عمل، يكون الرسول صلى الله عليه وسلم متبرئًا منه بسببه.
فعلى كل حال نقول: هذا الذي يغش الناس للإمام أن يعاقبه، بل قد يجب عليه على حسب التفصيل الذي ذكرنا من قبل، أما نوع التعزير فإنه يكون بكل وسيلة، هذا ضابطه، كل وسيلة يكون بها تقويم الناس وإصلاح أمورهم، وردعهم عن المعاصي فإنها تتبع كل وسيلة بدون قيد، قد يكون ذلك بالضرب، وقد يكون ذلك بالحبس، وقد يكون ذلك بالتغريم المالي، وقد يكون ذلك بعزله عن وظيفته، وقد يكون بالتشهير به.
فالمهم أنه لا يتقيد بنوع من العقوبة، يتبع في العقوبات ما هو أردع للناس عن المعاصي إلا أن أهل العلم يقولون: لا يجوز أن يكون بقطع طرف، ولا بفعل محرم لذاته، ففعل المحرم لذاته لا يجوز مثل حلق اللحية لا يجوز أن يعزر بحلق اللحية، وهذا يقال حين كان حلق اللحية عيبًا وعارًا، وهو عيب وعار، لكن عند كثير من ناس اليوم ليس بعيب ولا عار فهو إذا حُلقت لحيتهم (... ).
فالواقع أنه ما يجوز أن يعزر بحلق لحيته، ولا بقطع عضو من أعضائه؛ لأن هذا يبقى مصيبة عليه، وخزيًا عليه، وليس حدًّا شرعيًّا كقطع السرقة؛ لأن هذا تعزير، ولكن هل يصل إلى حد القتل أو لا يصل؟ يرى شيخ الإسلام رحمه الله أنه قد يصل إلى حد القتل، ويحمل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في قصة شارب الخمر إذا جلد أربع مرات (8) أنه في الرابعة يقتل يحمله على ذلك، ويقول: إنه إذا لم ينتهِ الناس بدون القتل فإنه يقتل؛ لأن حقيقة الأمر اللي يجلد ثلاث مرات، يجلد في الخمر ثلاث مرات، ويعود معناه أنه ما هو منتهٍ، فإذن لا يصلحه ولا يصلح غيره إلا القتل.
فيرى شيخ الإسلام أنه إذا رأى الإمام المصلحة في إصدار الحكم بقتل هذا المجرم، فإنه لا حرج عليه فيه، وهذا في الحقيقة قول جيد إلا أنه قد لا يتمكن العالم من إصدار القول به على سبيل الإطلاق؛ لأنه يخشى أن يهون تلاعب الحكام بأرواح الناس، ويصير الحاكم كل ما حنق على شخص قال: هذا ما يصلح الناس إلا قتله.
نعم، في قضية معينة تعرض على الحاكم الشرعي القاضي يعني (... ).
في بعض الناس من مبادئهم أنهم يقولون: اقتلوا الثلث لإصلاح الثلثين (... )، الثلث لإصلاح الثلثين من قتل واحد لإصلاح ملايين الخلق، فهذا فرق بين هذا الحكم الجائر وبين الحكم الإسلامي.
طيب قلنا: إنه يكون التعزير بأي أنواع يحصل بها التعزير، فهل هناك دليل على هذه المسألة أو لا؟
نقول: نعم، فيه دليل التعزير بالمال ثبت به النص؛ وهو إضعاف العقوبة المالية على كاتم الضالة (9).
كذلك أيضًا من التعزير بالمال؛ إحراق رحل الغال (4) ولَّا لا؟ إحراق رحله هو تعزير مالي؟
طالب: تعزير.
الشيخ: تعزير مالي، لكن فيه إشكال، وهو أن فيه تعزيرًا وإتلافًا لمال الغال، لكن فيه أيضًا إتلاف مال على المسلمين، لماذا لا نأخذ هذا ونضمه إلى بيت مال المسلمين؟
لأن الإحراق أشد في النكال، ولسنا هنا نريد المال لدفع حاجة المسلمين، ولكننا نتلف المال لأي شيء؟ لإصلاح المسلمين وردعهم، ولا شك أنه إذا أحرق ماله أمام الناس أنه أبلغ وأنكى في ردعه وغيره عن هذا العمل، أليس كذلك؟
لكن لو أخذ رحله ووضع في بيت المال ما يعلم بذلك أحد، وربما أيضًا (... )، لكن على كل حال أنه أشد في النكال له ولغيره؛ فلهذا جاز الإحراق كذلك أيضًا إذا قال: هل هناك دليل على التعزير بكف (... ) والعزل من المنصب وما أشبه ذلك؟
نقول: نعم، ورد ذلك في قصة كعب بن مالك وصاحبيه، فإن كعب بن مالك وصاحبيه تخلفوا عن غزوة تبوك، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بهجرهم، ثم بالتالي أمر باعتزال نسائهم، وأن تذهب النساء إلى أهلها (10). وهذا لا شك أنه تعزير، بل قال شيخ الإسلام: من التعزير أن الإنسان إذا عطس ولم يحمد الله؛ لم ندعُ له بالرحمة، ما نقول: يرحمك الله، حرمناه الدعاء له بالرحمة بسبب أنه لم يحمد الله سبحانه وتعالى، وهذا تعزير على ترْك مستحب، وكذلك أيضًا من التعزير بالضرب؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر الزبير بن العوام أن يضرب اليهودي الذي كتم مال حيي بن أخطب، وهذا فيه تهمة، وأمره عليه الصلاة والسلام أن يضربه (5)، وكذلك أيضًا أجاز للطالب إذا منعه المطلوب، وكان غنيًّا قال: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ» (11). فعرضه أن يتكلم فيه من له الحق وعقوبته فسر بأنه الحبس يحبس، وأنواع التعزير كثيرة، لكن إذا كان في الجلد، فهل يزاد فيه على عشر جلدات أو لا؟ المشهور من المذهب أنه لا يزاد فيه على عشر جلدات، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين وغيرهما من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (12).
قالوا: هذا دليل على أنه ما يجوز التعزير بالضرب فيما فوق العشر، أما الحد من حدود الله ففيه ثمانون جلدة، وفيه مئة جلدة، ولكن الصواب القول الثاني: وهو أنه يجوز التعزير بما زاد على العشر، وأن هذا الحديث، وهو قوله: «إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (12). المراد بحدود الله شرائعه وفرائضه، فإن الله تعالى سماها حدودًا، وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]، و ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187] في النواهي، وإذا قلنا بأنه لا يزاد على عشر جلدات فإن العشر لا تصلح الخلق، والمقصود الإصلاح والعمل اليوم على هذا القول الظاهر؛ أنه يزاد في التعزير على عشر جلدات، إذن ما دلالة الحديث إذا قلنا: إن المراد بالحدود الشرائع؟
نقول: هذا فيما لو أن الإنسان أدب أولاده على مروءة، وأدب عادي فإنه لا يزيد على عشر جلدات، وأما على محارم الله التي هي شرائعه فله أن يزيد؛ لأن المقصود الإصلاح، وهل له كمية، أو يكرر يعني التعزير؟ هل يكرر، بمعنى أننا نكرر التعزير على هذا الرجل، أو يكتفى بالمرة الواحدة؟
طبعًا إذا تكرر منه الفعل فإننا نكرر عليه التعزير، ويكون الثاني أشد من الأول، وهذا واضح، لكن إذا لم يتكرر منه الفعل، فإن كان على ترك واجب فإنه يعزر حتى يقوم به مثل لو كان ما يصلي مع الجماعة (... )، كل يوم لو نؤدبه كل يوم خمس مرات فلنا ذلك حتى يقوم بالواجب، فأما إذا كان على فعل المحرم فإنه يكتفى بالمرة الأولى ما لم يعد، فإن عاد جددت له العقوبة بناءً على تجدد المعصية.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، بس إن ترك الواجب، يعني بمجرد ما يأتي وقته ولا يفعله نقيم عليه، أما هذا فقد يمضي وقت ما علمنا به مثلًا (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، ما يجب إلا فيما ورد بينهم وهما، يقول: ما يجب يعني مثلًا لو أن أحدًا ترك التأديب الذي جاء به الشرع، نقول: أنت آثم مثل: «اضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (3). واحد مثلًا ترك أولاده، ما ضربهم عليها لعشر، نقول: ما يجوز هذا الشيء، يجب أن تضربهم عليها لعشر امتثالًا لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم.
طالب: (... ).
الشيخ: إلا كل مصلحة يجب.
الطالب: فيما ورد به النص.
الشيخ: ما ورد به النص فهو واجب في كل حال؛ بمعنى ما يمكن للإنسان (... )، وما لم يأتِ به النص فإنه يُتبع في ذلك مصلحة إذا اقتضت المصلحة أنه يؤدب وجب التأديب.
طالب: عقوبة على الفعل الواحد أحيانًا يجعل معها دفعات يضرب (... ).
الشيخ: إي نعم، ما فيه بأس؛ لأننا ما دمنا نقول: إن التعزير غير محدد شرعًا، وأنه يُرجع فيه إلى الحاكم فإنه يجب أن يتبع فيه ما تقتضيه المصلحة إلا أنه فيه مسألة؛ وهي أن ما كان نوعه فيه حد شرعي فإنه لا يزاد على الحد الشرعي مثلًا الزنا فيه مئة جلدة، لو أراد الحاكم أنه يجعل على التقبيل والخلوة والوطء فيما دون الفرج مئة جلدة فإن ذلك لا يجوز؛ لأن الشارع جعل أعلى أنواع الاستمتاع، وهو الجماع، جعل فيه مئة جلدة، والنفس (... ) فأنت ما يمكن أنك تجعل فيه مئة جلدة، وهذا شيء -فيما أظن- أنه محل اتفاق أن ما كان نوعه محددًا فإنه لا يُزاد على ما جاءت به الشريعة في التعزير، بل لا يبلغ ما جاءت به الشريعة في التعزير.
طالب: (... ) شارب الخمر (... ) على الحر قال: نصفه (... ).
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال إنه ربما (... ).
الشيخ: إذا لم ينتهِ الناس بدونه.
الطالب: إي نعم، (... ) من غير جنسه.
الشيخ: (... ) ما فيه مانع من غير جنسه، لا بأس أن نزيد على ما جاء به الشرع.
الطالب: لماذا (... )؟
الشيخ: اجتهادًا منه؛ يعني رأى أننا نصل إلى أدنى الحدود بعقوبته، وهو ثمانون، ووافقه عمر على هذا الاجتهاد، لكن لو فرضنا أننا ما نساوي بالثمانين، فلنا أن نزيد إلى مئة أو مئة وخمسين أو أكثر.
الطالب: (... ) شرب كذا (... ).
الشيخ: لا، هذا ضعيف، وحتى لو فرض أنه صح هذا عن علي، فالمعنى أنه بيجعل إذا افترى فعليه حد القذف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13] فاستدل رضي الله عنه بأن الكاذب يجلد ثمانين في الزنا، فكذلك هذا، ولكن حتى المسألة الحديث فيه ضعف عن علي بن أبي طالب، وأنا أستبعد أنه يصح منه؛ لأنه ليس كل كذب يوجب الثمانين ما فيه شيء يوجب الثمانين إلا القذف.
طالب: حملنا الحديث يا شيخ على «لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ» (12) على (... ).
الشيخ: على أن المراد بحدود الله شرائعه.
طالب: تقديرك يا شيخ، ما حدها الشارع؟
الشيخ: إي، ما حدها الشارع، ولهذا نقول: أي جلد ترى أنه يمنع الناس ويردعهم فاحكم به.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم، لنا أن نزيد، لنا أن نقول: نعزر هذا الرجل بعشرين سوطًا.
الطالب: بس يكون هذا ما حده الله؛ لأن الحديث يقول: إلا في حد من حدود الله.
الشيخ: إي، معناه حدود الله، يعني شرائعه، يعني معنى ذلك مثلًا هذا الرجل كذب الكذب مما حرمه الله لنا أن نزيد في تعزير الكاذب على عشر جلدات، هذا الرجل مثلًا فعل الربا، تعامل بالربا، الربا حد من حدود الله، منعه الله، لنا أن نعزره بما زاد على عشر جلدات، لكن هذا رجل مثلًا، هذا واحد من أولادنا جاء بالماء، نعم، ولما جاء به بيعطيه اللي بيسقي الطلبة القهوة حطه عند الباب، وقال: (... ) هذا أدب ولَّا لا؟
طلبة: لا.
طالب: قلة أدب.
الشيخ: هذا قلة أدب، هذا لأبيه أن يُعزِّره على هذا الفعل، لكن لا يزيد على عشر جلدات؛ لأنه ما خالف حدًّا من حدود الله، خالف في أمر عرفي ومروءة، وليس في حد من حدود الله.
كذلك الزوجة تطالب الزوج مثلًا بأمر من الأمور في غير حدود الله، فله أن يؤدبها، لكن لا يزيد على عشر جلدات.
طالب: هذه يرجع إلى اجتهاد القاضي الشرعي ويكون بتحديد (... )؟
الشيخ: لا، هذا يرجع إلى اجتهاد الحاكم الشرعي، هذا الأصل، لكن لو قُدِّر أنه السلطان، أنه وضع شيئًا معينًا وهو يجب اتباعه، وإذا كان هذا الشيء المعين لا يصلح الخلق فإنه يكتب إليه مثلًا، ويبين يعني حقيقة الأمر أن الإنسان بشر قد يرى الحاكم، أو السلطان إن هذا مصلح، ويرى الحاكم المباشر للقضية أن هذا ما يكفي للإصلاح، وحينئذٍ لا حرج أنه يستأذن من أن يزيد في هذا الشيء (... )
طالب: لو قيل يا شيخ: إن إحراق الرحل إضاعة للمال والرسول نهى عن إضاعة المال (13).
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف؟
الشيخ: أجبنا عنه قبل قليل ولَّا لا؟
الطالب: قلت: إنه عقوبة.
طالب: الرسول فعله.
الشيخ: إي، قلنا: إن الرسول فعله، وأيضًا فيه مصلحة؛ لأن إتلاف المال معناه أنه بيُتلف بدون مصلحة، أما إذا كان فيه مصلحة شرعية، هذا مصلحة شرعية؛ لأن كونه يؤتى به في السوق، إذا جيء به في السوق، وأوقد بالنار يكون له شهرة وردع أكبر، أما لو ضم إلى بيت المال فقد لا يعلم به أحد، وربما يقول: يجي هو يأخذ ماله (... )
باب حكم المرتد
(المرتد) اسم فاعل من ارتد، بمعنى رجع، وتعريفه اصطلاحًا: هو الذي يكفر بعد إسلامه، هذا المرتد الذي يكفر بعد إسلامه، فالمرتد لغة هو الراجع.
واصطلاحًا هو الذي يكفر بعد إسلامه، والردة -والعياذ بالله- أعظم من الكفر الأصلي؛ لأن من ارتد بعد أن علم ودخل دين الإسلام فإنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، ولا بد أن يقتل بكل حال إلا أن يعود إلى ما خرج منه بخلاف الكافر الأصلي فإنه قد يُقر على دينه، ولا يقاتل إلا إذا قاتل، وقام أمام الدعوة الإسلامية، فأما إذا بذل الجزية والتزم أحكام الإسلام فإنه لا يقاتل سواء كان يهوديًّا أم نصرانيًّا أم مجوسيًّا أم وثنيًّا، كما مر عليكم في الجهاد، لكن هذا لا يقبل منه إلا الإسلام وإلا قتل على كل حال.
أما حكم المرتد؛ فله حكم دنيوي، وحكم أُخروي؛ حكمه الدنيوي أن يعرض عليه الرجوع للإسلام رأفة به، فإن رجع إلى الإسلام قبل منه، وانتفى عنه القتل والحكم بالكفر، وإن لم يرجع قتل كافرًا، هذا حكمه في الدنيا، وقولنا: إنه يعرض عليه الرجوع إلى الإسلام رأفة به ورحمة، اختلف العلماء هل يستثنى من ذلك شيء؟ يعني أحد من المرتدين يستثنى من هذا الحكم، أو أنه عام في جميع المرتدين؟ وهل انتظاره على سبيل الوجوب، أو على سبيل مراعاة المصلحة؟ هذان أمران:
الأمر الأول: انتظار هل هو واجب، أو على سبيل المصلحة؟
الأمر الثاني: هل كل مرتد ينتظر أو لا؟ فأما الأمر الأول؛ فقيل: إنه ينظر ثلاثًا ثلاثة أيام إذا ارتد عن الإسلام، أنظر ثلاثة أيام فإن تاب ورجع إلى الإسلام فإنه يُقبل منه ولا يُعزَّر على كفره، ولا يوبخ؛ لأنه رجع إلى الإسلام، وتأليفًا له وتحبيبًا للإسلام إليه؛ فإنه لا يُعزَّر ولا يُعاقب.
والقول الثاني في المسألة أنه لا ينظر؛ لعموم الأدلة الدالة على وجوب قتله، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» (14).
وما وردت به الآثار من إنظاره، فإنما ذلك مراعاة للمصلحة إذا رأى الإمام أن من المصلحة تأخيره وتأجيله، فإنه يؤجله، وإذا رأى من المصلحة قتله، فإنه يقتله، لكن لو بادر بالتوبة، وتاب إما قبل مضي الأيام الثلاثة أو مطلقًا على القول الثاني؛ بمعنى أنه يبادر بالتوبة مما ينسب، فهل تقبل توبته بدون تفصيل أو من الناس من تقبل، ومن الناس من لا يقبل؟
فيه خلاف بين أهل العلم؛ فبعض العلماء يرى أن مِن المرتدين مَن لا يُقبل رجوعه، ويقتل بكل حال، وبدون إنظار، وحتى لو تاب فإنها لا تُقبل توبته، ومثَّلوا لذلك بما يأتي:
أولًا: من سب الله، أو سب رسوله، أو سب الإسلام فإنه لا يُقبل منه حتى لو تاب، وصار يثني على الله، وعلى رسوله، وعلى دين الإسلام؛ فإنه يقتل.
ويقتل كافرًا ولَّا مسلما؟ يقتل كافرًا ولو تاب، لماذا؟ قالوا: لأن هذا ردته عظيمة لا تحتمل التوبة، فلا يُقبل منه.
ثانيًا: من تكررت ردته؛ فإنه لا يقبل؛ لأنه إذا ارتد، ثم تاب، ثم ارتد، ثم تاب، ثم ارتد، ما ندري لعله إذا تاب في المرة الثالثة يكون مستهزئًا بنا فيرتد مرة أخرى.
ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137].
فهذا لا تُقبل توبته؛ لأنه يخشى أن تكون توبته الثالثة كتوبته الأولى والثانية.
والقول الثاني في هذه المسألة أن كل كافر مهما كان كفره، ومهما عظم فإن توبته مقبولة إذا تبين أمره، وأنه صادق في توبته.
وفيه أيضًا مثال ثالث نسيته وهو؛ المنافق، المنافق ما تُقبل توبته ولو تاب وأناب إلى الله، وعللوا ذلك بقولهم: إن المنافق (... ) الإسلام من الأصل فهو لم (... ) من إسلامه إلا ما يقوله بلسانه، وهذا حاصل حتى لو قبضنا عليه، وقلنا: أنت الآن منافق مرتد عن الإسلام، وقال: إنه مسلم، فهذا الذي يقوله الآن هو الذي يقوله بالأمس؛ فلا فائدة.
فالقول الثاني أن كل كافر ومنافق مهما عظم كفره فإن توبته مقبولة؛ لأن الأدلة الدالة على ذلك عامة، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53].
فالذنوب عامة، وصيغة العموم فيها خبرنا عن صيغ العموم في الذنوب (... ) في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53] سؤالنا الآن: صيغة العموم في قوله الذنوب؟
طالب: قول الله: ﴿جَمِيعًا﴾.
الشيخ: لا، دعنا الذنوب فقط كلمة الذنوب.
طالب: كلمة الذنوب عامة (... ).
الشيخ: ويش، وما هي صيغة العموم فيها (... )، ما هي بعامة؟
طالب: (... ).
الشيخ: داخلة على الجمع المعرف بـ (أل) إذا لم تكن للعهد فهي للعموم، وأيضًا أُكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، وهذا دليل، الدليل الثاني أن الله تبارك وتعالى يقول في المنافقين: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 145، 146].
وهذا نص واضح في المنافقين إلا أن الله سبحانه وتعالى أدخل على ذلك قيودًا أصلحوا، اعتصموا بالله، أخلصوا دينهم لله؛ فهذا أيضًا دليل على أن المنافق توبته مقبولة.
وأما ما استدل به أولئك القوم من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137] الآية فيها ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ فكانت المرحلة النهائية لهم أنهم ازدادوا كفرا، فكانوا مذبذبين بالأول يكفرون ويؤمنون، ثم بعد ذلك استقروا -والعياذ بالله- على الكفر، هؤلاء لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقًا.
وأما قولهم: إن سب الله ورسوله من أغلظ أنواع الكفر، فيقال: نعم، هو من أغلظ أنواع الكفر، إن لم يكن أغلظ أنواع الكفر، لكن هذا لا يمنع من قبول التوبة، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].
ولا شك أن الكفار الذين يدعون مع الله آلها آخر شركهم يتضمن سب الله سبحانه وتعالى، فالصواب في هذا أنه تُقبل توبة كل مرتد بأي نوع كانت ردته، لكن من خفنا منه أن يكون متلاعبًا فإننا نتريث وننظر في صلاحه إلا أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه مع قبول توبته يجب قتله، لو تاب يجب قتله بخلاف من سب الله، فإنه إذا تاب لا يُقتل، والفرق بينهما أن حق الرسول صلى الله عليه وسلم حق لآدمي لم نعلم أنه سمح به، أما حق الله فهو حق الرب سبحانه وتعالى الذي نعلم أنه يسمح به عندما يتوب المرء إليه.
وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابًا سماه الصارم المسلول في تحتم قتل شاتم الرسول، مجلدًا كبيرًا، وبين الأدلة على ذلك، وأن الصحابة اتفقوا على قتله ولا ريب أنه إذا سب الرسول عليه الصلاة والسلام سبًّا شخصيًّا يتعلق بشخصه، لا ريب أنه يكفر، وأنه إذا تاب قتل حدًّا؛ لأن السب هنا مُنصب على الرسول شخصيًّا كما لو سب هو (... ) بالفسوق والفاحشة، وما أشبه ذلك، أما إذا سبه بما يتعلق بالرسالة والديانة فإنه قد يقال: إنه تقبل توبته؛ لأنه هنا مغلب جانب حق الله؛ لأنه سبه من أجل أنه رسوله، أما لو قال: إنه شاعر، كلمة شاعر هذه سب ولَّا غير سب؟
طلبة: سب.
الشيخ: بالنسبة للرسول وللرسالة سب، لكن بالنسبة للمعنى العام ليست بسب فإن الشعراء منهم المؤمنون الذين يفعلون ما يقولون.
فالمهم أنه لو قيل بأن يفرق بين مَنْ سب الرسول عليه الصلاة والسلام في أمر يتعلق بالرسالة فإن هذا تُقبل توبته؛ لأن هذا السب يَنصبُّ على الدين الذي هو دين الله عز وجل، وليس دين محمد صلى الله عليه وسلم، وبين أن يسبه لشخصه، ففي الثانية يقتل ولو تاب، وفي الأول إذا تاب لا يقتل كما لو قال: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس برسول، ولكنه شاعر، شاعر سحر الناس ببيانه، ثم رجع، وقال: أشهد أنه رسول الله حقًّا، وأن ما جاء به فهو وحي، فهنا شخصية الرسول عليه الصلاة والسلام لم تتأثر به؛ لأنه ما وصفه بأمر يعود إلى شخصه لو قيل بهذا لكان فيه جمع بين القولين، قول من يقول: إنه إذا تاب من سب الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبلنا توبته فإنه لا يقتل، وقول من يقول: إنه يقتل، ولو قبلنا توبته، فإذا قلتم: ما هي فائدة القول بقبول توبته مع وجوب قتله؟
قلنا: الفائدة الإصلاح، ولأنا إذا قلنا بقبول توبته قتلناه مسلمًا، قتلناه وهو مسلم يُغسل ويُكفن، ويُصلَّى عليه، ويُدفن مع المسلمين، ويُورث بخلاف ما إذا قلنا بعدم قبول توبته.
الحاصل الآن، نقول: المرتد له حكمان؛ حكم في الدنيا، وتعلق به مبحثان؛ المبحث الأول: فيما هل تقبل توبته من كل (... ) أو لا تقبل؟
والمبحث الثاني: هو هل ينظر حتى يتوب أو لا يتوب أو لا ينظر؟
ومن المعلوم أن هذا الأخير خاص فيمن تُقبل توبته أو لا؟ أما من لا تقبل توبته فإنه لا فائدة من إنظاره إذا قلنا بأن من المرتدين من لا تقبل توبته، أما حكمه في الآخرة المرتد، فإن المرتد في الآخرة يكون خالدًا في النار والعياذ بالله مخلدًا فيها، وإذا كان من المنافقين صار في الدرك الأسفل من النار أعظم من أكبر الكافرين الجاحدين.
وأما عن ما يترتب عليه من الحقوق فإنكم قد سبق لنا عدة مرات أنه يترتب عليه إذا كان معه زوجه أن النكاح ينفسخ، وأن ذبيحته لا تحل، وأنه لا يرث ولا يورَث من المسلمين إلى آخر ما قدم لنا البحث.
طالب: يعني ما تختلف (... ) ساب الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: بلى، تختلف إي نعم، تختلف.
الطالب: (... ) أقل (... ).
الشيخ: أقل مما يعد بالأخلاق.
طالب: لو مثلًا (... ).
الشيخ: إي، ليس كالأول ما فيه شك أنه أهون إلا أنه يدل على تنقصه لهم.
طالب: الحكم مُطبق عليه.
الشيخ: إي نعم، الردة تطبق عليه.
طالب: (... ).
الشيخ: ما نحكم بردته، وهو ما يصلي في المسجد، قد يصلي في بيته.
طالب: لكن ويش يعرفنا؟
الشيخ: آه، ويش يعرفنا يعرفنا هذا إن (... ) عنه.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا شيء بينها وبين الله يجب مثلًا على زوجته، إذا رأت أن الرجل ما يصلي لا في البيت ولا في المسجد، وربما (... ) -والعياذ بالله- بهذا (... ) أسأل الله يهديه، هذا واضح، والشيء اللي ما ندركه ليس علينا أن نحكم به ما نحكم إلا بما يظهر.
طالب: أما إذا كان (... ).
الشيخ: ويش (... ) نبحث عنه؟
الطالب: نبحث عن (... ).
الشيخ: هذا ينبني على التهمة إذا قال: فيه تهمة قوية فلا حرج أنه يتحقق، أما مجرد أنه من كل ما فيه فلا يجوز أن نبحث تجسس هذا يا أخي.
الطالب: عدم صلاته في المسجد ما هي تهمة.
الشيخ: عدم صلاته، ما هي بتهمة، دي هذه ظاهرة يقال: ليش ما تصلي؟ ثم إذا أبدى عذرًا وإلا فإنه يعزر حتى يصلي.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، الذي يظهر لي أنه لا يحكم بكفره إلا إذا كان يعتقد عدم الوجوب، إذا أنكر الوجوب حكم عليه من جهة الجحود، أما إذا كان تهاون هو ما تركها بالكلية، وظاهر الحديث، فمن تركها ظاهره أنه يتركها نهائيًّا مع أن بعض العلماء يرى أن يكفر بترك صلاة واحدة.
بماذا تحصل الردة وبماذا يحصل الرجوع منها؟
هذه مسألة في الحقيقة من أشكل ما يكون في أبواب الفقه، الذي تحصل به الردة من المعلوم أن الكفر نوعان كل أنواع الكفر تعود إلى شيئين؛ إما جحود أو استكبار.
إما جحود، ويدخل فيه جميع أنواع التكذيب، ومنها الشرك فإنه نوع من الجحود؛ لأنه جحد وحدانية الله (... ) معه غيره، وإما استكبار عن الحق، فمثلًا من أنكر وجود الله فهذا كافر كفر جحود، ومن ادعى أن معه غيره في الخلق والتدبير فهو أيضًا كافر كفر جحود؛ لأنه جحد وحدانية الله سبحانه وتعالى.
ومن أنكر ما سمى به نفسه فهو كافر أيضًا، لو قال: ليس الله بسميع، وليس بعزيز، وليس بحكيم، وما أشبه ذلك؛ فإنه كافر؛ لأنه جحد ما سمى به نفسه، ومن جحد صفاته أيضًا فإنه كافر بأن قال: ليس لله سمع، ولا بصر، ولا قدرة، ولا قوة، ولا حكمة؛ فهو كافر أيضًا، وكذلك لو جحد صفة من الصفات الفعلية بأن قال: إن الله لم يستوِ على العرش، وإن الله سبحانه وتعالى لا يأتي للفصل بين عباده، وما أشبه ذلك من الصفات الفعلية والإنكار غير التأويل.
أما من تأول صفة من صفات الله بأن قال مثلًا: الله له يدانِ، والله مُستوٍ على العرش، ولكن يداه بمعنى كذا وكذا، واستواؤه، بمعنى كذا وكذا؛ فهذا لا يكفر، ولكن ينظر فإن كان للتأويل مساغ في اللغة العربية التي نزل بها القرآن صار بذلك فاسقًا لا كافرًا، ولماذا نُفسِّقه؟ لخروجه عما كان عليه السلف، ولكننا لا نُكفِّره لاحتمال ما تأول به لغة، والقرآن نزل باللغة العربية، أما إذا لم يكن له مساغ في اللغة أوَّله إلى معنى لا يمكن أن يصح بأي حال من الأحوال في اللغة العربية فإنه يكون كافرًا؛ لأن تأويله لهذه الصفة على هذا الوجه، ويش معناه؟ معناه الجحود مثل رجل معه كيس من القطن، فقال: ليس الذي معي خبز، وإنما هو دراهم، أنا أؤول الخبز إلى دراهم يصلح؟
طالب: لا.
الشيخ: ويش معنى هذا؟ معناه جحد الخبز، قال: هذا دراهم، وليس خبزًا.
إذن هذا جحود، هذا في الحقيقة تكذيب، فإذا قال مثلًا: المراد باليد، المراد بها؛ السمع يُراد بيد الله، سمع الله ويش يصير هذا؟ هذا جحود كفر؛ لأنه ما يمكن تطلق اليد في اللغة العربية بأي حال من الأحوال على معنى السمع، فهذا كأنه يقول: ليس لله يد.
والحاصل الآن أن من أنكر صفة من صفات الله فإنه كافر، وكفره كفر جحود، ومن أول الصفة فإنه ينظر في تأويله إن كان لها مساغ في اللغة العربية فليس بالكافر، ولكنه فاسِق بخروجه عما كان عليه السلف الصالح.
ومن أولها على وجه لا مساغ له فإنه يكفر؛ لأن ذلك معناه الجحود.
بقينا مثلًا في مسألة الفاسق أنتم تقولون: إذا قلنا بأنه فاسق فإنه يشكل علينا مسائل، وهو أن بعض العلماء المعروفين بالنصح للإسلام وللمسلمين قد سلكوا هذا المسلك، فهل تحكمون عليهم بالفسق أو لا؟
نقول: لا نحكم عليهم بالفسق بناءً على ما ظهر لنا من حالهم إلا أننا نقول: إن هذا التأويل فِسْق، وهناك فرق بين تكفير الشخص، وتكفير الجنس؛ فالشخص ما يجوز أنك تطلق عليه الكفر حتى تعلم أنه كافر، وقد شهدت النصوص بهذا بالاعتبار؛ فإنه يجوز أن تقول: لعنة الله على الكاذبين وعلى الكافرين، وما أشبه ذلك، لكن ما يجوز أن تلعن شخصًا معينًا كذلك أيضًا، تقول مثلًا: من أول صفة من صفات الله بخلاف ما أولها عليه السلف فإنه فاسق، لكن ما تقول مثلًا: إن فلانًا فاسق، وفلانًا فاسق لاحتمال أن يكون معذورًا عند الله سبحانه وتعالى؛ لأن المجتهد إذا أخطأ لم يكن فاسقًا، ولكنه يكون مأجورًا بأجر واحد، ويدل لذلك من السنة أيضًا، بل ومن القرآن لو شئنا وتوسعنا في الاستدلال.
من السنة قصة الرجل الذي أضاع ناقته، ثم اضطجع في ظل شجرة ينتظر الموت، فإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة فأخذ به وقال: اللهم أنت عبدي، وأنا ربك.
أخطأ من شدة الفرح (15). لو نظرنا إلى هذه الكلمة من حيث هي كلمة لحكمنا بأنها كفر ولَّا لا؟
الطلبة: كفر.
الشيخ: كفر، لكن باعتبار القائل: ليس هو بكافر؛ لأن حاله أوجبت ألا يكون كافرًا بهذه الكلمة، كذلك في الرجل الذي كان مسرفًا على نفسه، فقال لأهله: إذا مت فأحرقوني واذروني في اليم.
خائفًا من الله عز وجل وظانًّا أنه بهذا العمل يسلم من العقاب، ولكن الله تعالى أمره فأقامه، وسأله فقال: إني خفت من عذابك.
فقال الله تعالى: أنقذك خوفي، أو كما قال سبحانه وتعالى: من عقابي (16).
فهذا الرجل يعتبر بفعله هذا شاكًّا في قدرة الله سبحانه وتعالى، والشك في قدرة الله كُفْر، لكن هذا الرجل نفسه ليس بالكافر، كذلك أيضًا هذا من السنة.
من القرآن لو أردنا أن نتوسع من أكره على الكفر، فقال الكفر، قال كلمة الكفر، لكنه مكره، فهل يحكم بكفره؟
لا، إذن هناك فرق، وهو مهم جدًّا بين القول والقائل، والفعل والفاعل، الفعل قد تحكم بأنه كفر أو فسق، وكذلك القول، لكن لا تحكم بأن كل من اتصف به فهو كافر أو فاسق، إذن (... ) أن نعود نقول مثلًا المنكر لصفة من صفات الله الثابتة، ما حكمه؟
كافر والمؤول لها إن كان على وجه لا يسوغ لغة فهو كافر؛ لأن تأويلها إذن بمنزلة إنكارها، وإن كان على وجه يسوغ لغة فهو فاسق، وليس بكافر، وإنما حكمنا بفسقه لخروجه عما كان عليه السلف الصالح، ولم نحكم بكفره؛ لأن ما قاله محتمل، والقرآن نزل باللغة العربية وإن كانت الاحتمالات يا جماعة بعد هذا.
نقول: الاحتمالات ليست سواء بالقرب والبعد، منها الاحتمال الضعيف، ومنها الاحتمال القوي، ومعلوم أنه كلما قوي احتمال تأويله خف الحكم بفسقه، وكل ما ضعف احتمال تأويله فإنه يقوى الحكم بفسقه حتى ربما يصل إلى الكفر.
الاستكبار يدخل فيه أيضًا:
أولًا: الحكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن هذا هو الأصلح للخلق، وأن حكم الله لا يصلح الخلق، هذا يعتبر كفرًا مخرجًا عن الملة، وهو من كفر الاستكبار، مستكبر ما جحد، يقول: هذا حكم الله، لكن يرى أن الحكم الثاني أوْلى، هذا مستكبر.
كذلك أيضًا من حكم الاستكبار ترك الصلاة، من حكم الاستكبار؛ لأنه في الحقيقة استكبر عن عبادة أمره الله بها، بل فرضها على رسوله مباشرة بدون واسطة، وفي الملأ الأعلى، ومع ذلك وردت النصوص بالعقوبة على تاركها، وبأن تركها كفر؛ فالذي يتركها في هذه الحال معناه أنه مستكبر عن عبادة الله سبحانه وتعالى فيكون كفرًا.
ولكن الاستكبار في الحقيقة ليس كل..
هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
لو أن الإنسان عقد بيساره مستكبرًا على العقد باليمين، يكون كفرًا ولَّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليس بكافر، وليس بفاسق إذا قلنا بأن العقد باليمين على سبيل الاستحباب، فالصحيح أنه على سبيل الوجوب، فيكون من أصر عليه فاسقًا.
إذن كفر الاستكبار لا نأخذه على إطلاقه؛ بمعنى أن كل مستكبر يكون كافرًا، بل لا بد من الرجوع في ذلك إلى ما دلت عليه النصوص.
بخلاف كفر الجحود؛ لأن الجحود نفسه تكذيب، وأنت لو كذبت الله في أي خبر يكون المكذب كافرًا، لو كذب الله فيما قص علينا من قصص الأنبياء إذا كان كافرًا.
فإذن نقول: تحصل الرِّدة، الحقيقة أن أنواعها أو أفرادها يصعب حصره، لكنها تدور كلها على نوعين هما: الجحود، والاستكبار.
ما رأيكم فيمن سب الصحابة رضي الله عنهم؟ من سب الصحابة يكون كافرًا؟ إي نعم، يكون كافرًا، اللي يسب الصحابة على الإطلاق، ما هو باللي يسب شخص معين يسبه على الإطلاق، يسبه.
يكون كافرًا، لماذا؟ لأنه يتضمن تكذيب الشريعة كلها؛ إذ إن الشريعة إنما جاءتنا بواسطة مَنْ؟
طلبة: الصحابة.
الشيخ: الصحابة، فإذا قُدِّر أنهم كلهم كفار، أو كلهم فُسَّاق، أو كلهم كذبة، أو ما أشبه ذلك، فأين الدين؟ من أين نعرف ديننا إلا من طريقهم؟
فإذا قمت لتحكم بأنهم كلهم كفار أو فُسَّاق، فمعنى ذلك أننا لا نقبل شيئًا من الشريعة؛ لأنها جاءت من طريق أناس لا يُوثق بهم.
فهذه المسألة هذا الذي قلنا فيه هو الصحيح؛ وإن كان بعض العلماء يقول: إن سب الصحابة ليس بكفر، ولكن الصواب أنه كفر.
وأما من سب واحدًا منهم؟ فهذا محل نظر، باعتبار نوع السب، وباعتبار نوع الشخص الذي سبه؛ فقد يسب مثلًا الإنسان شخصًا معينًا حصل منه خطيئة معينة يسبه بها، فهذا لا يؤدي إلى الكفر، وقد يسب شخصًا مبرأ من هذا الأمر، وليس من أهله فيكون بذلك كافرًا.
على كل حال مسألة سب المعيَّن -الشخص المعين- يحتاج إلى تفصيل، ولا يمكن الحكم عليه بحكم واحد بالنسبة لجميع الصحابة، ولا بالنسبة لنوع الصفة التي سبَّه بها.
يقول العلماء من جملة الردة: إذا جحد تحليل ما أجمع الناس على تحريمه، مما عرف بالضرورة من دين الإسلام، مثل؟
طالب: الزنى.
الشيخ: تحريم الزنى، مثل لو قال: الزنى ليس بمحرم، فهذا كافر، لو قال: الميتة ليست حرامًا؟
طالب: كذلك.
الشيخ: فهو كافر، لو قال.. لا، الغناء محل اجتهاد.
طالب: الربا.
الشيخ: نعم، الربا، لو قال: الخبز ليس بحلال، الخبز حرام، يصير كافرًا؟
طالب: ينظر (... ).
الشيخ: الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: 87]، ثم قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2].
كيف نقول: إنه إذا حرم الحلال يصير كافر؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، التحريم في الحقيقة له متعلقات: تارةً يقصد بالتحريم المنع، يعني أنه يمتنع منه، فهذا حُكمه حكم اليمين؛ وتارةً يقول: إنه حرام تكذيبًا لقول الله، ويعتقد أنه حرام؛ فهذا هو الذي يكون كفرًا، وتارة يقصد بالتحريم أن الله حرمه، ما هو أنا اللي حرمته ورددت حكم الله؛ إن الله هو الذي حرمه، فهذا نقول له: كذبت، نقول: هذا كاذب.
فصار شوف الآن التحريم له متعلقات: إذا قصد أنه هو نفسه شرع تحريمه مضادًا لله فهذا كفر، وإذا قصد أن الله هو الذي حرمه؛ فهذا كاذب، إذا قصد أنه يمنعه عن نفسه؛ فهذا يمين؛ ولهذا روي عن ابن عباس فيمن حرم زوجته روي عنه روايتان:
رواية يقول: «لَيْسَ بِشَيْءٍ» (1)، ورواية يقول: «هِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» (2). اللي يقول: ليس بشيء، يريد بذلك أنه إذا قال: إن الله حرمها فإننا نقول له: إن الله ما حرمها، كلامك هذا كلام كذب، وليس له حكم (... )، فالمسائل في الحقيقة باعتبار النيات في مثل هذه الأمور (... ).
يحصل الرجوع من الردة بحسب ما حصل به الردة، يعني أن الرجوع عن الردة يحصل بتصحيح ما حصلت به الردة؛ فمثلًا إذا كانت رددته بتكذيب فإن الرجوع منها يكون بالتصديق، مثل لو كان لا يؤمن باليوم الآخر هذا كفر يحصل الرجوع عنه بأي شيء؟ بالإقرار به.
لو كان كفره بترك الصلاة وهو من قسم الاستكبار؛ فإن رجوعه يكون بأي شيء؟ بفعل الصلاة.
لو كان ردته بجحد تحريم الزنى؛ فإن رجوعه يحصل بالإقرار به.
والمهم أن الرجوع في الحقيقة يتبع الردة، فكل ما حصلت به الردة، فإن الرجوع عنها هو بزوال ذلك الموجب للردة، أو أن يقول: عبارة عامة، أنا ملتزم بالإسلام وبريء من كل ما يخالفه.
فإذا قال هذه العبارة العامة، فإنه يعتبر راجعًا عن الردة ومسلمًا.
ومع ذلك نقول -فيما إذا قال: أنا ملتزم بالإسلام وبريء من كل ما يخالفه- نقول: إنه ينبغي أن ينص على النوع الذي ارتد به، ويبين أنه راجع عنه؛ لأنه يخشى أن يقول: أنا ملتزم بالإسلام وبريء من كل ما خالفه، وينوي بقلبه إلا ما جحده مثلًا، فهنا ينبغي؛ لو قبلنا منه ذلك أن نقول له وكذا وكذا، ويذكره مع العموم يخصه مع العموم لأجل أن يزول الإشكال.
﴿كتاب الأطعمة﴾
مدخل
ثم انتقل المؤلف رحمه الله بعد ذلك إلى الأطعمة.
فقال: (كتاب الأطعمة) والأطعمة جمع طعام، والطعام كل ما يؤكل ويشرب، فإنه يسمى طعامًا، أما كون المأكول طعامًا فواضح: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145].
وأما ما يشرب فتسميته طعامًا دليله قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]، قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ فجعل الشراب طعامًا، ولأن المعنى يقتضيه؛ لأن الماء له طعم، فإذا شربه الإنسان فقد طعمه.
إذن الأطعمة جمع طعام، وهي ما يؤكل ويشرب، والأصل فيها الحل، الأصل في الأطعمة كلها الحل.
والدليل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] وهذه الأطعمة خارجة من الأرض، وكذلك الأشربة فما كان داخلًا في هذا العموم فهو حلال.
وعليه فإذا تنازع رجلان في حل شيء من الأشياء، فمن الصواب معه؟ الصواب مع من قال بالحل، حتى يقيم المحرم دليلًا على تحريمه، مثال ذلك: الآن يقول بعض الناس: إن الدخان حرام، ويقول آخرون: إنه حلال، فمن الأصل معه؟
طلبة: من قال بالحلال.
الشيخ: الأصل مع من يقول: إنه حلال، قلنا: الأصل الحل؟
طالب: (... ) يقول حلال.
الشيخ: المهم الآن أنا وإياكم نبغي نتناقش في الموضوع، هو مما خلق الله في الأرض؟
طالب: نعم.
الشيخ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ إذا كنا ممنوعين منه شرعًا، فما فائدة خلقه ونحن ممنوعون؟ نقول: هو إذن الأصل فيه الحل، حتى يأتي المحرم بدليل؛ ولذلك اختلف العلماء فيه أول ما ظهر، حتى إن بعضهم يقول: إنها تجري فيه الأحكام الخمسة، يكون أحيانًا واجبًا، إذا قال الإنسان: أنا الآن دايخ ما أقدر أصلي إلا إذا كنت، بيشرب له سيجارة أو سيجارتين، يقولون: اشرب، لتستعين بها على واجب، ويرون أنه لا فرق بينه وبين القهوة، فإنها تجري فيها الأحكام الخمسة.
ولهذا قال في الغاية - غاية المنتهي أو المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى- قال: ويتجه حل قهوة ودخان والأولى لكل ذي مروءة تركهما؛ جعل القهوة مع الدخان.
ولكن على كل حال بعد ما أن الناس رأوا المضرة العظيمة في الدخان طبًّا واقتصادًا وصحة عرفوا أنه محرَّم حتى الأطباء الآن يكادون يكونون مجمعين على أنه ضار، وإذا كان ضارًّا فهو محرم؛ لأن الله تعالى يقول في القرآن: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]، وأوجب على المريض أن يتيمم خوفًا من الضرر، وإلا لكان يمكن أن يتوضأ ويتضرر.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (3).
ثم فيه أيضًا إتلاف مال بدون فائدة دنيوية ولا أخروية، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال (4)، وله مضار كثيرة معروفة كثر فيه البحث.
فإذن نقول لمن قال: كيف تنكرون عليَّ والأصل الحل؟ نقول: ننكر عليك بالأدلة الشرعية؛ لأن الأصل يمكن الانتقال عنه مع وجود دليل ينقل عنه.
البيرة الآن يتكلم فيها الناس، يقول بعضهم: إنها حرام، وبعضهم يقول: إنها حلال، من نتبع؟
المحلل، حتى يوجد دليل على التحريم، إذا وجد دليل على التحريم قلنا: حرام، وإلا فالأصل أنها حلال، وهكذا تمشي على هذه القاعدة.
طالب: الخبائث الحين أصلها الحل.
الشيخ: ما بعد جينا لها اصبر.
طالب: هو الدخان من الخبائث.
الشيخ: انتظر شوي، من الخبائث عند من لا يشربه، وإلا عند من يشربه يقول: ما شاء الله، هذا طيب؛ طيب أنت ما تشوف الإعلانات الآن طيبة النكهة، نعم صحيح، ولهذا يقول ابن وردي:
..................................
إِنَّ رِيحَ الْوَرْدِ مُؤْذٍ فِي الْجُعَلْ
جُعَل، تعرفونه يؤذيه ريح الورد، لكن النتن والخبائث والعزرات عنده طيبة، يجعلها على رأسه ويدبها في رأسه.
فعلى كل حال مسألة خبيث وما هو خبيث هذه المسألة بيجي بحث فيها إن شاء الله مهم في نفس (... ). لكن الآن الأصل نقول: الحل في جميع المطعومات وجميع المشروبات حتى يقوم دليل التحريم.
والحمد لله يا جماعة إحنا، ما هو إحنا اللي بنحلل أو نحرم ليس لنا حق أن نمنع عباد الله مما أحل الله لهم، وليس لنا حق أن نحلل ما حرم الله علينا؛ لأن تحليلنا ما حرم الله جناية على الله سبحانه وتعالى، وعلى شرعه وهو أيضًا تغرير بعباده.
وتحريمنا لما أحل الله جناية على شرع الله وتضييق على عباد الله فيما أحل الله لهم فهو جناية على الخلق، ولذلك نحن عبيد الله ما أحل الله لنا نأخذه على العين والرأس، وما حرم نأخذه على العين والرأس، وما شككنا فيه نرجع فيه إلى الأصل، إذا شككنا إن ها العبادة مشروعة ولَّا غير مشروعة ويش نقول؟ نقول: ممنوع.
شككنا في هذا الطعام هو حلال ولَّا حرام، نقول: هو حلال حتى يتبين التحريم.
إذن هذا الأصل يشمل ما يشترط لحله الذكاة، وما لا يشترط أو لا؟
ما الذي يشترط لحله الذكاة؟ الحيوان.
طالب: بوجه عام؟
الشيخ: نعم، بوجه عام، وعلى هذا فنقول: حتى الحيوانات الأصل فيها الحل، فإذا وجدنا في البر حيوانًا نعرف أنه لا هو كلب، ولا ديب، ولا أشياء من المحرمات فالأصل؟
طالب: الحل.
الشيخ: الحل، وجدنا طيرًا في السماء ولا نعلم أنه من المحرمات فالأصل فيه الحل، أفهمتم يا جماعة؟ بناءً على هذه القاعدة المستندة إلى الدليل من الكتاب والسنة.
لكن نأتي أولًا إلى حيوان البحر، هو حلال ولَّا حرام؟
طالب: حلال.
الشيخ: حيوان البحر كله حلال، الحي منه والميت، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] قال ابن عباس رضي الله عنهما: صيده ما أُخذ حيًّا، وطعامه ما وجد ميتًا (5).
كلمة: ﴿صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ شامل، عام، ﴿طَعَامُهُ﴾ كذلك عام يشمل جميع أنواع السمك والحيتان التي تعيش في البحر.
استثنى بعضهم منها ثلاثة أشياء: الضفدع، والتمساح، والحية.
وعللوا ذلك: قالوا: لأن التمساح يفترس، ويسمى عند الناس أيش؟ ويش يسمونه الناس؟ التمساح، يسمونه (... )؛ لأنه إذا وجد الآدمي يقطعه نصفين، ولهذا أحيانًا فيما سبق لما كان الناس يغوصون في البحر أحيانًا ما يطلع عليهم إلا نصف الرجال أعوذ بالله، هذا يقول بعض العلماء إنه مستثنى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع (6)، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن المقصود بالحديث الحيوان البري، أما البحري فكله حلال.
وكذلك الحية، هو في البحر حيات؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: حيات نعم، سمك مثل الحية.
فيه أيضًا ضفادع؟ فيه، لكن الضفادع البرية اللي تعيش في الماء والبر هذه يأتي إن شاء الله الكلام عليها هي حلال ولَّا حرام؟ الإنسان في البحر حرام ولَّا حلال؟
طلبة: حرام.
الشيخ: لا، حلال، إنسان الماء حلال، يقولون: إنه يوجد سمك على صورة الإنسان تمامًا، على صورة بني آدم.
طالب: يسمى نسناس.
الشيخ: ما أدري، والله أيش اسمه، لكن يسمونه إنسان الماء.
على كل حال هو حلال، تأخذه وتطلع به وتأكله لو أنه على شكلك.
إذن جميع حيوانات البحر حلال ولَّا يستثنى منها شيء لا حيها ولا ميتها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سُئل عن البحر قال: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» (7).
أما البر فإنه أضيق من البحر، المحرم من حيوان البر؛ أولًا: الحمر الأهلية، الأهلية احترازًا من الوحشية؛ فإنها حلال؛ بدليل أن الصعب بن جثامة رضي الله عنه اصطاد حمارًا وحشيًّا فأهداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، فرده عليه وقال: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ» (8).
فالحمار الأهلي احترازًا من الوحشي.
الدليل: ما ثبت في الصحيح من حديث أبي طلحة أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمره أن ينادي، حديث أنس، أن الرسول أمر أبا طلحة أن ينادي يوم خيبر إن الله ورسوله ينهيانيكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس (9)، فالحمر الأهلية إذن حرام بدليل هذا الحديث.
ويروى عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنها حلال -الحمر الأهلية- ويستدل بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾.
ولو قلنا: إن الحمر الأهلية حرام لوجد ما ليس من هذه الدلائل، ولكن الصواب بلا شك مع الجمهور، وأنها حرام، والآية لا تدل على ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأن الآية مكية في سورة الأنعام متقدمة ولفظها: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ولم يقل: لم يكون فيما أوحي إلي، ولم تكن أيضًا قل لا أجد في ما يوحى إلي بل قال: ﴿فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ووقت نزول الآية لم تكن الحمر الأهلية مُحرَّمة؛ لأنها إنما حرمت متى؟
طلبة: في خيبر.
الشيخ: عام خيبر، فتبين أن الآية ليس فيها دليل؛ وأن الصحيح ما دل عليه الحديث الصحيح أنها محرمة وأنها رجس.
من الناحية العقلية قد يقول قائل: إذا كانت رجسًا، فلماذا لم تكن محرمة من الأصل؟ وهل هذا الرجس تجدد لها؟ فما هو الجواب على هذا؟
طالب: كانوا بالحاجة إلى أكلها.
الشيخ: لا، دعنا من الحاجة، هي مثل غيرها حرام إلا للضرورة.
طالب: عدم العلم يا شيخ في الأول ما يثبت به..
الشيخ: لا، بس خلقة الله ما دام أنها رجس، فالواجب أن يقول: رجسًا من أول الأمر.
طالب: قد لا (... ) الأول، ثم (... ) كما جاء في الخمر.
الشيخ: ثم خلقه الله بعد ذلك، صح هذا هو الجواب.
نقول: لا مانع أن الله تعالى يجدد فيها الرجسية ويحرمها، مثلما أن الرجس يطرأ على الحيوان بموته مثلًا ولا مانع، كما أن العقود قد تكون محللة ثم تكون محرمة، فالمتعة كانت في أول الإسلام حلالًا، ثم كانت في آخر الإسلام حرامًا، انقلبت بعد الحل والطيب إلى خبث وحرام، والله تبارك وتعالى على كل شيء قدير.
إذن فالجواب: أن نقول: إن الله تعالى أحدث فيها هذا الرجس فحدث لها التحريم.
ثانيًا: (ما له ناب يفترس به) من السباع.
ما له ناب يفترس به، هذه واحدة؛ الثانية: من السباع، هذا قيد آخر؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حرَّم كل ذي ناب من السباع (6).
شوف كل ذي ناب من السباع، فالذي له ناب لا يفترس به ولو كان سبُعًا ليس محرمًا، والذي له ناب يفترس به، ولكن ليس من السباع ليس بمحرم؛ فلو أن جملًا صار شريرًا يأكل؛ لأنهم حكوا لنا أن بعض الجمال يأكل الآدمي خصوصًا الذي يمنعه من (... )، هذا هل يحكم بتحريمه؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ولو كان يفترس؛ لأنه ليس من السباع؛ ولهذا صارت الضبع محللة لماذا؟ قالوا: لأنها ليست من السباع، وبعضهم يقول: ليست تفترس إلا عند الحاجة والضرورة، بخلاف الذئب وشبهه فإنه يفترس بكل حال، حتى إنه يدخل على الرعية من الغنم فيفترس منها واحدًا يأكله، أقول: يدخل على الرعية من الغنم فيفري بطن واحدة ويأكلها ويشبع ثم؟
طلبة: يقتل الباقي.
الشيخ: نعم، يقتل الباقي ولو ما أكل.
والحكمة إذن من تحريم هذا النوع من الحيوان؛ لأن الإنسان إذا أكله فإنه يتغذى به،، والتغذية بالشيء يتأثر بها المتغذي، فربما يتأثر هذا الآكل شو به بغذاء هذا السبع، ويكون محبًّا للاعتداء والظلم، وإن كان قد لا يكون محبًّا لأكل الناس، لكن الاعتداء مجرد الاعتداء والظلم؛ لهذا كان من الحكمة أن الإنسان يبتعد عنه؛ ولذلك يقول العلماء: إنه ينبغي للإنسان أن يرضع ولده من كانت معروفة بحسن الخلق والطباع الكريمة، وأنه يكره أنه يسترضع لولده المرأة الحمقاء وسيئة الطباع.
الثالث: ما له مخلب يصيد به من الطير.
طالب: الناب ويش المقصود به؟
الشيخ: الناب المقصود به السن.
طالب: السن العادي ما فيه (... ).
الشيخ: لا، ما فيه (... ). ما له مخلب يصيد به من الطير: هذا مثل الأول قد ورد فيه النهي نهى عن كل ذي مخلب من الطير (10).
وحكمته كالذي قبله، والمخلب ما هو يا أخ؟
طالب: المخلب يكون في الرجلين.
الشيخ: أيش؟
طالب آخر: الظفر.
الشيخ: إي نعم، الأظافر؛ لأنها تخلب الشيء تمسك به، وليس المراد بالمخلب ما يظهر في أرجل الديكة، بعض الناس يقولون: أيش لون الصدر ما له مرتفع ساقه مثل ما في ساق الديك، نقول: ليس هذا المراد.
المراد بالمخلب: الظفر الذي يخلب به الشيء -أي: يقطع به الشيء- ومنه سميت المخلب عند الناس التي يحصدون بها.
فالمهم كل ذي مخلب يصيد به فهو محرم، والحكمة منه ما سبق في القسم الثاني.
الرابع: ما أمر الشرع بقتله أو نهى عن قتله، كيف؟ نعم، ما أمر الشرع بقتله أو نهى عن قتله، أما ما نهى عن قتله فتحريمه واضح؛ لأنه ما يمكن التوصل إلى أكله إلا بقتله، فإذن يلزم منه تحريم الأكل بناءً على تحريم القتل.
لكن ما أمر الشرع بقتله؟ نقول: نعم؛ لأن كل شيء أمر الشرع بقتله فإنما هو لفسقه وعدوانه فهو يشبه ما له مخلب يصيد به من الطير أو ناب يفترس به من السباع؛ فلذلك نقول: كل ما أمر الشرع بقتله هو حرام.
مثل أيش؟ إي نعم، كالفأرة والعقرب والحية.
طالب: والكلب.
الشيخ: لا، الكلب ما يدخل فيما له ناب يفترس به، العلماء ذكروه فيما له ناب يفترس به.
على كل حال: كل ما أمر به الشرع -الغراب الأبقع- كل ما أمر الشرع بقتله فإنه منهي عنه حرام.
العلة في ذلك: لأنه فاسق، هو مأمور بقتله، يقول: اقتله، لكن لا تأكله؛ لأنه فاسق؛ أي ذو عدوان وظلم، وإذا تغذى به الإنسان فقد يكتسب من طباعه.
الخامس: ما يأكل الجيف.
طالب: نهى عن قتله؟
الشيخ: نهى عن قتل أربع من الدواب: النَّمْلة، والنَّحْلة، والهُدهُد، والصُّرَد (11).
يقول لي بعض الناس -أنا ما أعرف في الطيور- يقول لي بعض الناس إنه يسمى صبري، معروف عندك؟
طالب: إي أصغر من النعامة (... ).
الشيخ: لا، على كل حال لسنا نعرفه معرفة جيدة لكن..
إذن: ما يحل أكل النمل أو لا؟ ما يحل؛ لأن الرسول نهى عن قتله، ولا أكل النحل لذلك، ولا أكل الهدهد لهذا أيضًا، مع أن الهدهد أظنه يأكل الخبائث.
طالب: أحيانًا يا شيخ تؤذي.
الشيخ: إي نعم، إذا آذت جاز قتلها دفاعًا، إذا كان دفاع ما فيه مانع.
يقول الخامس: ما يأكل الجيف.
الشيء الذي يأكل الجيف من طائر وماشية هو محرم أيضًا؛ لأنه يتغذى بالخبيث، فيكون خبيثًا.
الجيف محرمة ولَّا غير محرمة؟
طلبة: محرمة.
الشيخ: حرام، فإذا تغذى بها اكتسب لحمه منه فلهذا يحرم الذي يأكل الجيف.
وقيل: لا يحرم، قيل: إنه لا يحرم؛ لأن هذا مبني على مسألة الجلالة؛ مسألة الجلالة التي تأكل النجاسة، وهي حرام حتى تحبس عن النجاسة وتطعم الطاهر ثلاثة أيام.
وقد اختلف العلماء في تحريم أكل الجلالة:
منهم من يرى أنه لا بأس به؛ لأنها حيوان حلال، ومنهم من يرى أنها لا تؤكل، وهذا الخلاف روايتان عن الإمام أحمد.
يقول شيخ الإسلام: إن الذي يأكل الجيف فيه رواية الجلالة -يعني فيه روايتان عن أحمد هل هو محرم أو غير محرم- وما هو الأصل؟
الطلبة: الحل.
الشيخ: الأصل الحل؛ ولأن الذي يأكل الجيف قد يأكل غيره؛ لأنه ليس دائمًا أمامه الجيف، فهو لا بد أن يكون متغذيًّا بغيرها، إنما هذا الذي استثنى هو قاعدة المشهور من مذهب الإمام أحمد على أن الذي يأكل الجيف من الطيور وغير الطيور يحرم؛ لأنه يتغذى بالنجاسة، وما يتغذى بالنجاسة فإنه نجس، والنجس لا يجوز أكله.
السادس: ما يستخبث.
طالب: والراجح في المسألة؟
الشيخ: والله أنا أتوقف عنده؛ لأن عندنا أصلًا قويًّا وهو الحل، كونها تتغذى بأكل الجيف، قد لا تأكل الجيف، ما هو لازم دائمًا، ولكن الأولى تركه وعند الحاجة لا بأس به.
مثلوا له بالنسر، والرخم والعقاب، لا العقاب مما يصيد بمخلبه.
طالب: الغراب.
الشيخ: لا، الغراب لا يأكل الجيفة، الغراب أكثر ما يأكل الثمر، يأكل النخيل تمرها وغيره.
طالب: الكلاب؟
الشيخ: الكلاب يقولون: إنها من السباع؛ لأنها تفترس، الكلب يفترس.
السادس: ما يستخبث، يعني الذي يستخبث، ولكن ما هو الميزان لذلك، هل هو الشرع أو العرف؟
يرى بعض العلماء أن المرجع للاستخباث العرف؛ ويرى آخرون: أن المرجع الشرع.
وعلى القول الأول: من نرجع إلى استخباثه إذا قلنا إنه ما يستخبث باعتبار العرف، وأن لكل قوم عرفهم، فهو يوجد ناس يأكلون كل ما هب ودب، فعلى هذا نقول: يجوز أكله كل شيء، وهذا مذكور عن مالك، لا انتظروا يا جماعة، ما هو عن مالك، اذكره الآن.
إذا قلنا: العبرة بما يستخبث بحسب العرف صار لكل قوم عرفهم، وصارت الشريعة حينئذٍ مجزأة، يكون هذا عند قوم حرامًا، وهذا عند قوم حلال، وتختلف الأعراف؛ يعني فيه ناس ما يستقبحون شيئًا، وفيه أناس يستخبثون الطيب، فيه الآن أناس يستخبثون الجراد غاية الاستخباث، ويقولون: إن الجراد خبيث مثل الصراصير تمامًا، وفيه ناس يستطيبون الصراصير ويقولون: هي مثل الجراد.
وإحنا لولا أننا منذ عشنا ونحن نرى أن الصراصير حرام، وإنه ما تؤكل لكنا لا نستخبثها، أليس كذلك؟ فيه ناس أيضًا يستخبثون بعض الأمور الطيبة اللي ما فيها شك في طيبها، لكنهم عارفينها ويستخبثونها، ومع ذلك فهي حلال، هذا قول.
القول الثاني: أن الاستخباث يرجع إلى الشرع، وأن ما حرمه الشرع فهو الخبيث، وبناءً على هذا يجب أن تنزع هذه الفقرة، لأن الذي ما يستخبث -أي ما استخبثه الشرع ورآه خبيثًا حرامًا- معناه أنها لا فائدة منها الآن؛ إذ المرجع إلى ما قرره الشرع، وإلا فالأصل الحل، وهذا القول هو الصحيح؛ أن المرجع في الاستخباث إلى الشرع لا إلى العرف.
ما حجة هذا القول؟ حجتهم قول الله تعالى في وصف الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] قالوا: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.
ولكن اختلف في معنى قوله: يحرم الخبائث، هل المراد ما استخثبه الناس عرفًا، أو المراد إنه ما حرم شيئًا إلا وهو خبيث؟ يصير معنى ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ يعني أن جميع ما حرم فهو خبيث، خلافًا لشريعة التوراة التي تحرم بعض الطيبات على اليهود، وخلافًا لشريعة الإنجيل التي تحلل كثيرًا من الأشياء التي لا تحل في الشريعة الإسلامية.
يصير على هذا القول وهو عندي أرجح، أن المراد بالخبائث: المحرمات؛ يعني يحرم عليهم كل خبيث، فكل ما حرمه فهو خبيث.
قد يقول قائل: إذا قلت بهذا القول بطلت دلالة الآية؛ لأنه يصير معنى الآية يحرم عليهم المحرمات، وهذا تحصيل حاصل.
فيُقال: لا، وصف هذه بالخبائث تدل على العلية، وهو أنه حرمها؛ لأنها خبيثة، لكن خبث الشيء وعدم خبثه مرجعه إلى من؟ إلى الشرع، لا إلى الأعراف.
والدليل على هذا -أن مرجعه إلى الشرع- ما ذكرناه قبل قليل في مسألة الحمر الأهلية؛ فالحمر الأهلية كانت قبل فتح خيبر خبيثة ولَّا طيبة؟
طلبة: طيبة.
الشيخ: طيبة، ثم صارت خبيثة بعد فتح خيبر مع أن نظرة الناس إليها قبل وبعد على حد سواء، فتبين بهذا أن المرجع في الخبث إلى ما قرره الشرع.
وبناءً على هذا نشوف الدخان، هل الدخان من الخبائث ولَّا لا؟
طالب: من الخبائث.
الشيخ: نقول: الآن تبين أنه من الخبائث؛ لأنه محرم شرعًا بدليل: ما ذكرنا قبل قليل من الأدلة، أما كونه يقول: يستخبث في عرف الناس، فهذا قد يمنعه من يتعاطاه، ويقول: أبدًا، أنا لا أقول: إنه خبيث، بل إنه إذا شربه يكيف ويستأنس؛ ولهذا بعض الناس الغرباء تقول: ليش يا أخي تشرب الدخان؟ يقول: والله هموم عندي، ولضيق صدري والدخان يعطي كيف، هو بيشربه علشان هذا.
إحنا نقول: مسألة الطيب والخبث، انظر إلى الضب، أكل على مائدة الرسول عليه الصلاة والسلام والنبي عليه الصلاة والسلام لم يأكله قال: «إِنَّهُ لَيْسَ بِأَرْضِ قَوْمِي، فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ» (12). فهو رأى أنه ما يطيق أنه يأكله، ومع ذلك فهو حلال.
كوننا نرجع في الخبث والطيب إلى أذواق الناس، وإلى أعراف الناس يلزم منه تجزئة الشريعة، ثم يلزم منه ألا يستخبث بعض الناس ما حرم الله، ويقول: هذا ليس بخبيث، أليس كذلك؟
طالب: نعم، فالصواب إذن أن معنى قوله: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ أنه ما حرم عليهم شيئًا إلا وهو خبيث، أما الطيب فلا يمكن أن يحرمه الله أبدًا.
لكن على المذهب: إذا قلنا بتحريم ما يستخبث: فإلى من نرجع؟ إلى عُرف من؟
يقولون: نرجع إلى عرف العرب ذوي اليسار -يعني: ذوي الغنى- العرب اللي موجودين في وقت نزول القرآن وهم أهل غنى وسعة إذا كانوا يستخبثون هذا الشيء فهو حرام، وهذا شيء صعب، لكن مع ذلك يقول: إننا ما نعتبر الأعراف كل عرف بحسبه؛ لأنه سُئل بعض الأعراب فقال: ما تأكلون؟ قال: نأكل ما هبَّ ودبَّ إلا أُم حُبَيْن.
أم حبين يقولون: إنها الخنفساء فقال: هنيئًا لأم حبين التي سلمت منكم، ولا يأكلون كل شيء جعل صراصير دسيسة، فيه شيء يسمى دسيسة أظنكم..
الطلبة: إي.
الشيخ: إحنا لما كنا صغارًا يقولون: إنه حلال.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، الدسيسة هذه أشبه (... ).
طالب: غير.
الشيخ: تختلف عنها، لكنها تعيش في البر، ما تعيش في (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما أظن، والله ما أدري يعني يختلف.
المهم على كل حال: إذا قلنا بأن الصحيح أن ما يستخبث من قبل الشرع فعلى هذا نقول: الأصل في هذه الأشياء، ويش الأصل فيها؟ الحِل، ولهذا يروى عن مالك رحمه الله أنه يبيح (... ).
هو أيضًا من المحرمات؛ وذلك لأنه إذا اختلط المحرم بالمحلل على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر فإنه يجب اجتنابهما جميعًا؛ لأنه لا يمكن ترك المحرم إلا باجتناب المحلل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، هذا هو مأخذ هذا الحكم.
والبغل محرم؛ لأنه متولد بين الحمار والأنثى من الخيل، فما دام خلق من هذا، وهذا على وجه لا يتميز به المحرم من الحلال، فإنه لا بد من اجتنابه؛ إذ إن ممارسة المحلل تقتضي ممارسة المحرم وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقولنا: على وجه لا يتميز به، احترازًا مما لو أمكن تمييزه، فإنه إذا أمكن تمييزه لا يحرم الحلال، ومن ذلك: استعمال الراديو مثلًا يرى بعض الناس أنه ما يجوز للإنسان أن يستعمل الراديو؛ لأنه يأتي فيه أشياء محرمة، وقد قال الله تعالى في الخمر: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ والميسر ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]، ثم حرمهما الله تبارك وتعالى بعد ذلك، فدل هذا على أن ما كان فيه حلال وحرام فإنه يكون حرامًا.
ولكننا نقول: هذا القياس ليس بصحيح؛ لأن الإثم والمنفعة في الخمر والميسر في عين واحدة لا يمكن تمييز أحدهما عن الآخر ولَّا لا؟ يعني ما يمكن فصل هذا عن هذا، لكن الراديو يمكن فصل الحلال عن الحرام، وإذا كان يمكن فصل الحلال عن الحرام فإننا لا يمكن أن نحرم الحلال؛ لأنه يمكن أن يستقل بنفسه.
فالمهم يجب أن ننتبه لهذه القاعدة: ما تولد من مأكول وغيره، ما هي علة التحريم فيه؟ أنه يشترط حلال وحرام على وجه لا يتميز أحدهما عن الآخر، وحينئذٍ لا يمكن اجتناب هذا المحرم إلا بجتناب المباح، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
والتمثيل يمثلون لذلك بالبغل، السِّمْع، العِسْبَار.
السِّمْع: يقولون إنه ولد الضبع من الذئب، والعكس العِسْبَار.
وعلى كل حال القاعدة المعروفة بالشيء المألوف في البغل، فإنه متولد من الحلال والحرام؛ فلذلك كان حرامًا ما عدا هذه الأصناف السبعة من حيوانات البر يكون مباحًا.
وقد علمتم أننا ناقشنا في كم من واحدة منها؟ ناقشنا في اثنين منها، وهو ما يأكل الجيف وما يستخبث.
وقلنا: إن ما يأكل الجيف فيه روايتان عن الإمام أحمد، وهما الروايتان في الجلالة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
وقلنا أيضًا فيما يستخبث: إنه لا أصل له، وأن معنى قوله: ﴿يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157] أن ما حرمه الشرع فهو خبيث، وأنه لو وكل الأمر إلى استخباث الناس لأصبحت الشريعة مجزأة، وصار هذا الحيوان حرامًا في بلد وحلالًا في بلد آخر.
الآن بعد ما عرفنا هذه المحرمات لا يجوز أكلها طبعًا؛ لأنها محرمة، لكن في حال الضرورة يقول: (إذا اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته حل له منه ما تندفع به).
هذه القاعدة تشمل الحيوان وغير الحيوان، إذا اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته حل له منه ما تندفع به الضرورة، فقولنا: إذا اضطر: معنى كلمة اضطر: أي ألجأته الضرورة، ومعنى الضرورة، هو الذي يفوت به أو يحصل به ضررٌ -الذي يحصل به ضررٌ بفقده- هذا هو الذي يضطر الإنسان.
اضطر الإنسان إلى أن يأكل حمارًا، يجوز أن يأكله؟
طلبة: يحوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الحمار ليس بأخبث من الخنزير وقد قال الله تعالى في الآية التي حرم فيها الخنزير: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]، وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3].
وقولنا: تندفع به ضرورته: احترازًا مما لو اضطر إلى محرم، لكن لا تندفع به الضرورة، ومثلوا لذلك: بما لو اضطر إلى خمر للشرب فإنه لا يجوز أن يشربه؛ لأن ضرورته لا تندفع به.
السبب في أنه لا يزيد العطشان إلا عطشًا، لكن لو اضطر إلى شربه ليدفع لقمة غص بها؟
طالب: جاز.
الشيخ: فإنه يجوز، واضح أنه يجوز؟ لأنه هنا تندفع به الضرورة.
لكن في المسألة الأولى ما تندفع.
طالب: إذا خلط بالماء تندفع به.
الشيخ: لا أصل إذا صار عنده ماء، ما هو مضطر.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يخالف هو أصله في هذه الحال إذا ثبت أنه ما يضره فلا بأس إنه يخلطه.
القاعدة اللي عندنا: إذا اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته، فله أن يأكل، لو اضطر إلى محرم تندفع به ضرورته، لكن لهذا المحرم من الحرمة مثل ما له.
اضطر إلى أكل ومعه صبي سمين تندفع به ضرورته ولَّا لا؟ نعم، لو أكله اندفعت به ضرورته، ولكن له من الحرمة مثل ما لهذا الرجل، فلا يجوز أن يأكله ليدفع ضرورته.
إذا كان حيٌّ اضطر إلى أكل ميت يجوز يأكله ولَّا لا؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: اختلف في هذا أهل العلم؛ فالمشهور من مذهب الحنابلة: أنه لا يجوز، لأن حرمة الميت كحرمة الحي، فلا يجوز أن يعتدي عليه ويأكل منه.
ومذهب الشافعي: جواز ذلك أنه يجوز، قال: لأن حرمة الميت كحرمة الحي، لكن هنا نستفيد فائدة إذا أكل منه الحي؛ وهو إبقاء حياة الحي.
ولهذا لو اضطر إلى أن يأكل عضوًا من حيٍّ لا يموت به ما هو بميت فإنه لا يجوز؛ لأن حرمته حيًّا مثل حرمة هذا الحي، أما الميت فإنه يجوز، وهذا القول هو الصحيح.
ويؤيده ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه في قصة كفنه، أنه أمر بأن يغسل ثوبه ويكفن به، وليس ثوبه القميص، لكن ثوبه الذي يستر به عورته وقال: إن الحي أولى بالثوب من الميت، وأبقى الجدد لورثته (13).
ثم إنه أيضًا: مقتضى القياس والنظر الصحيح؛ لأنه لا شك أنه إذا بقي هذا الرجل لم يأكل سيموت، لكن إذا أكل وبقي فإنه سيحيا وذاك الميت أكل منه شيء للضرورة.
لو كان معه حربي يجوز يأكله ولَّا لا وهو حي؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن الحربي يجوز يقتل حتى ولو لغير الأكل ولَّا لا؟
لاحظوا المسألة، فإذا قتله صار ميتًا وعلى الأقل إننا نلحقه بالميت المسلم الذي يجوز للحي إذا اضطر إليه أن يأكل منه.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يجوز.
طالب: (... ).
الشيخ: كذلك أيضًا لا يجوز؛ لأن النفس محترمة.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب واحد بيقطع من فوق ويأكل (... ).
طالب: (... ).