الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1866-1905

ننتقل الآن إلى درس الليلة فنقول: (وَإِنْ أَجَّرَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا مُدَّةً وَلَوْ طَويلَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا صَحَّ)، إذا (أَجَّرَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا) كالدكان مثلًا، أجره مدة (وَلَوْ طَويلَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا صَحَّ)، مثل أن تؤجر هذا البيت لمدة ستين سنة فالإجارة صحيحة؛ لأن ستين سنة يغلب على الظن أن يبقى البيت إليها، ولا سيما إذا كان من المسلح وكان جديدًا، فإن الغالب أنه يبقى فإذا أجرها هذه المدة صح، لكن لو انهدمت قبل تمام المدة انفسخت الإجارة؛ لتلف العين المعقود عليها وللمستأجر حصته من الأجرة فيما لم يستوفِ منفعته، واضح؟ فإذا أجر هذا البيت لمدة ستين سنة، وبعد ثلاثين سنة سقط البيت نقول: تنفسخ الإجارة، لماذا؟ لتعذر استيفاء المنفعة، ويسقط من الأجرة بقدر ما بقي من المدة.
وقوله: إن أجرها مدة طويلة، لكن لو أجرها مدة طويلة يغلب على الظن أنها لا تبقى فيها فظاهر كلام المؤلف أن الإجارة لا تصح، ولكن يجب أن نعرف الفرق بين الأجرة التي يكون فيها العقد على نفس الدار، وبين الحكر أو الحكورة التي يكون العقد فيها على منفعة الأرض، وهذا أظنه موجودًا في كثير من البلدان، هل يوجد في مصر الحكر؟ طالب: (... ). الشيخ: إي، وهو موجود أيضًا في الحجاز، وموجود في نجد، وموجود في كثير من البلدان، تكون الأجرة ما هي على نفس البيت، بل على الأرض في الواقع، ولهذا يملك المستأجر أن يهدم هذا البيت، وأن يغيره، وأن يتصرف فيه كما شاء، لكن في الإجارة المحضة لا يملك أن يتصرف في البيت، انتبهوا للفرق، يعني الفرق بين أن آتي إلى رجل وأنا أريد أن أبقى في هذا البلد سنتين أو ثلاثة، وأقول أجرّني بيتًا فيؤجرني إياه، البيت لمن؟ طلبة: لصاحبه.

الشيخ: لصاحبه، المستأجر لا يملك إلا الانتفاع، حتى إنه لا يملك أن يعدل بابًا من الأبواب، ولا أن يفتح فرجة في جدار؛ لأنه إنما استأجر المنفعة فقط، أما العين فلا يتصرف فيها، في مسألة الحكورة، وتسمى عندنا: الصُّبرة، من الصَّبْر، وهو الحبس.
المعقود عليه ليست العين، المعقود عليه منفعة الأرض؛ ولهذا يجوز لمن عقَدَ عَقْدَ حكورة يجوز له أن يهدم البيت وينشئه من جديد، وصاحب الأرض لا يقول له شيئًا؛ لأنه يعرف أنه أنما أجره مدة بدراهم معينة، وليس له علاقة في نفس البيت أو في نفس الدكان، وهذا الآن هو الذي عليه العمل.
ولهذا في بلدنا هذه يؤجرون الحكرة إلى مدة خمس مئة سنة وست مئة سنة وألف سنة، ويُحكى أن أحد المغفلين استأجر بيتًا حكورة من شخص، وقال له صاحب البيت: المدة خمس مئة سنة.
قال: لا، أنا أريد أن تكون المدة ألف سنة.
قال: لا، فذهبوا إلى القاضي ليكتب بينهما، فقال المحكر: أنا أحكرك إياها بخمس مئة سنة، فقال هذا المغفل: خمس مئة سنة؟ ! بكرة تيجي لَمِّي تطلعني أنا وأولادي، أنا أريد ألف سنة.
المهم أن القاضي عرف أنا صاحب البيت لا يريد أكثر من خمس مئة، فقال للرجل المغفل: إذا تمت خمس مئة سنة وأراد أن يخرجك أنت وأولادك فيأتي لَمِّي -إن شاء الله- ونحل المشكلة.
وكل منهم يعلم -إن لم يكن علم اليقين- أنه لن يبقى إلى خمس مئة سنة، لكن قال: جزاك الله خيرًا، ما دام أنك ضامن لي هذا ما فيه مانع تكتب خمس مئة سنة.
على كل حال أقول: إن هناك فرقًا بين الأجرة المحضة وبين أيش؟ الحكر؛ لأن الحكر إنما يقع العقد على الأرض، ولا يلتفت الآخذ بهذا العقد إلى مسألة العين، لكن إذا كانت على العين يقول المؤلف: لا بد أن يكون إلى مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها.
لو أجره البعير لمدة خمسين سنة، يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لا يبقى إلى خمسين سنة.
الشيخ: البعير لا يبقى إلى خمسين سنة، فلا يصح.
سيارة أجره إياها لمدة مئة سنة؟

طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لأن الغالب أنها لا تبقى، إلا أن تركن في الجراج ولا تستعمل، هذا شيء آخر، لكن إذا استعملت ما تبقى إلى هذا، فاشترط المؤلف في تأجير العين مدة أن يغلب على الظن بقاء العين فيها، فإن لم يغلب على الظن بقاء العين فيها فإنه لا يصح، لماذا لا يصح؟ قالوا: لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة، ومن شرط الإجارة أن يمكن استيفاء المنفعة، إذا استأجرها لمدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، ولكنها لم تبقَ، فماذا يكون الأمر؟ قلنا لكم قبل قليل: إن الإجارة تنفسخ، ويسقط عن المستأجر بقسطه من الأجرة.
يقول رحمه الله: (وَإنِ اسْتَأْجَرَهَا) أي: العين (لِعَمَلٍ كَدَابَّةٍ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثٍ، أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ، أَوْ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ، وَضَبْطُهُ بِمَا لَا يَخْتَلِفُ)، أفادنا المؤلف في هذا أنه يجوز أن تستأجر العين لعمل؛ يعني يستأجر عينًا ليعمل فيها؛ كسيارة ليسافر بها إلى مكة، وكموتور لتوليد كهرباء لمدة معينة، أو كموتور لاستخراج الماء لمدة معينة، وما أشبه ذلك كل هذا جائز، أن ليس به احتكار -والحمد الله- على العالَم، لكن يقول المؤلف: لا بد أن يكون من استأجر الدابة لركوب إلى موضع معين، فإن قال: استأجرت منك هذه الدابة لأطلب عليها ضالتي التي ضاعت مني، فالإجارة؟ طلبة: ما تصح.
الشيخ: ليش ما تصح؟ مجهول، ما ندري أيجدها قريبًا أم بعيدًا؟ فلا بد أن يكون إلى موضع معين.
إذا قال: استأجرت منك هذا البعير إلى بلد ما؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ طلبة: (... ). الشيخ: للجهالة.
استأجرت منك هذا البعير إلى بلد معين، لكن صاحب البعير لا يدري أين هذا البلد؟ أيضًا لا يصح؛ لأنه لا بد من علم المؤجر والمستأجر، فإذا كان لا يدري فإنه لا يصح.
وهل يشترط أن يعلم الطريق أسَهْلٌ هو أم وعر، آمن أم خائف؟ طالب: نعم.

الشيخ: نعم؛ لأنه يختلف به القصد، فمثلًا إذا استأجر بعيرًا إلى بلد والطريق آمن، والطريق مُيَسَّر، فليس كما لو استأجرها إلى بلد طريقه خائف وغير ميسر، بينهما فرق عظيم، فالمهم أنه لا بد أن يعرف كل ما تختلف به الأجرة.
إذا استأجرها للحمل ما هو للركوب لا بد أن يُعَيِّن المحمول؛ لأنه يختلف، فرق بين أن يكون الحمل من القطن أو من الإسفنج وبين أن يكون من الرصاص، أيهم أشد؟ طلبة: الرصاص.
الشيخ: خطأ، الوزن هو مئة رطل مثلًا.
طلبة: متساوٍ.
الشيخ: ما أيش؟ طالب: ما يختلف؟ الشيخ: لا، ما يختلف، مئة رطل، لكن إسفنج أو رصاص.. طلبة: سواء.
الشيخ: لا، خطأ.
طالب: الإسفنج أسهل.
طالب آخر: (... ). الشيخ: كل واحد منهما أشد على البعير من الآخر؛ الإسفنج لا بد أن يكون كبيرًا، مئة رطل يكون كبيرًا فيتعب البعير؛ لأنه سوف يستقبل الهواء، والهواء يعوقه، يعوق البعير ويتعبه، أليس كذلك؟ لكن بالنسبة إلى ظهر البعير أيسر، الرصاص صغير، بالنسبة للهواء ما يضر، لكن بالنسبة لثقله على الظهر ربما يجرح الظهر، ويكون فيه الدَّبَر؛ لذلك لا بد أن يعين نوع المحمول؛ لأن ذلك يختلف، فصار لا بد أن يعين نوع المحمول، وأن يعين البلد، وأن يُعْرَف الطريق.
لو قال: استأجرت منك البعير لركوب رجل عليها إلى المدينة، يحتاج يعين الرجل أو لا؟ طلبة: يحتاج.
طلبة آخرون: لا يحتاج.
الشيخ: كلكلم لستم حمالين ولا تعرفون، الواقع أنه يحتاج؛ لأن من الركاب من هو خفيف على الدابة، خفيف، لو تحرك هكذا اشتدت البعير وسارت هملاجة، ومن الناس من لا تهتم به البعير، ثم يوجعها ضربًا وهي ما تمشي ترغي ولا تمشي، يختلفون الناس ولّا ما يختلفون؟ يختلفون؛ ولهذا الركاب الذين يعرفون الركوب سواء على الإبل أو على الخيل، يختلفون اختلافًا عظيمًا، ولهذا سيأتيكم -إن شاء الله- في المسابقة أنه لا بد من تعيين الراكب؛ لأنه يختلف الناس.

إذن فلا بد من تعيين الراكب، ثم هناك فرق بين أن يكون الراكب كبير الجسم أو صغير الجسم، أليس كذلك؟ إذن لا بد من تعيين الراكب، والقاعدة: أنه لا بد من ذكر كل ما يختلف به القصد واستيفاء المنفعة، دليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نَهَى عن بيع الغرر (3)، صلوات الله وسلامه عليه، كلامه واسع المعرفة، الإجارة بيع ولَّا غير بيع؟ بيع منافع، وعلى هذا فلا بد أن لا يكون في هذه المنفعة شيء من الغرر.
(أو بقر لحرث) استأجر بقرًا لحرث، هذا أيضًا فيما أظن لا يعرفه كثير منكم؛ لأن الحرث الآن عندنا في الوقت الحاضر بالحراثات؛ معدات آلية، لكن فيما سبق الحرث على البقر؛ لأن لها أرجلًا قوية تهشش الأرض، فيحرثون عليها، البقر تجتمع، عدة بقرات تسير في اتجاه واحد، ثم ترجع باتجاه آخر حتى تُلين الأرض.
استأجر هذا البقر للحرث، لا بد أن تعرف الأرض؛ لماذا؟ لاختلافها بالشدة والليونة، بالرطوبة واليبوسة، ولا بد أن تعرف المساحة طولًا وعرضًا، حتى يمكن استيفاء المنفعة على وجه معلوم لا نزاع فيه.
استأجر بَقَرًا لركوب؟ طالب: ما يصح.
طالب آخر: البقر لا يُركب.
الشيخ: الفقهاء يقولون: يجوز، يجوز أن يستعمل الحيوان في غير ما جرت العادة به، فيجوز أن يركب البقرة، الشاة لا تتحمل الظاهر.
طلبة: الجاموسة.
الشيخ: والجاموسة، المهم على كل حال، إذا استأجرها لهذا، وكان مما جرت العادة أنها تَحْمل، فلا بأس.
كذلك بقر (لدياس زرع)، هذا أيضًا مما لا يعرفه أكثركم، الزرع الآن يداس بالآليات، مكائن تخلص الحب من جرابه ومن ساقه، فيما سبق لا، يجمع الحب بجرابه وساقه، ثم تأتي البقر وتدوسه حتى ينقى الحب، فإذا استأجرها لدياس فلا بد من معرفة القدر أو معرفة الزمن؛ معرفة الزمن يكفي عن معرفة القدر؛ لأن الزمن محدد بالساعات، والدياس ما يختلف، غاية ما هنالك أنها البقر تدور حتى تدق السنبلة.

لو استأجر بقرًا لسقي؛ يعني بمعنى أنها تغرف الماء من البئر وتسقي به الزرع، يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لكن لا بد من معرفة الغرب الذي يُسقى به؛ لأن الغرب الكبير يشق عليها أكثر، فلا بد من معرفته حتى لا يحصل اختلاف.
(أو من يدله على طريق) إذا استأجر من يدله على طريق فلا بد من معرفة هذا الطريق، ولهذا قال: (اشترط معرفة ذلك، وضبطه بما لا يختلف).
استأجر رجلًا يدله على طريق، والطرق -فيما سبق- غير معبدة، ويضل الناس فيها كثيرًا، ويهلكون كثيرًا، يحتاجون إلى أدلاء، فإذا استأجر من يدله على الطريق كان ذلك جائزًا، وقد وقع هذا للنبي صلّى الله عليه وسلّم في هجرته من مكة إلى المدينة، حيث استأجر رجلًا يقال له: عبد الله بن أريقط، وكان جيدًا في الدلالة ماهرًا خرِّيتًا (4)، أي جيدًا في الدلالة، وكان مشركًا، فدلّهم على الطريق، فيجوز إذن أن أستأجرَ شخصًا يدلني على الطريق، لكن لا بد من ضبطه بما لا يختلف، فإذا كان البلد له طريقان فلا بد أن أقول: تدلني مع الطريق الفلاني، أعيِّنُه، قد يكون الإنسان له غرض في الطريق البعيد ليزور من فيه من القرى أو ما أشبه ذلك، المهم لا بد أن يضبطه.
وبمناسبة ذكرنا عبد الله بن أريقط الذي دل النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم على الطريق في الهجرة، يؤخذ من ذلك أنه لا بأس من استئجار الكافر فيما يؤتمن عليه، سواء في دلالة الطريق أو في العلاج أو في الصنعة أو في البناء أو غير ذلك، لكن بشرط أن يكون أمينًا.
ويتفرع على ذلك أنه يجوز للمسلم أن يعمل بقول الطبيب الكافر في أن لا يصلي قائمًا مثلًا، أو أن لا يركع، إذا كان العلاج مما يحتاج إلى عدم الركوع والسجود لا يركع، وذلك في مداواة الأعين، فإن كثيرًا من الأطباء يقول للمعالَج: لا تركع، لا تسجد، هذا يؤخذ بقوله ولو كان كافرًا ما دام أمينًا، وكذلك في الإفطار.

وأما اشتراط بعضهم أنه لا بد أن يكون الطبيب مسلمًا ففيه نظر، والصواب أنه لا بد أن يكون الطبيب أمينًا سواء كان مسلمًا أم غير مسلم، وكثير من الكفار يكون عنده أمانة، هو لا يريد التقرب إلى الله عزّ وجل، ربما لا يريد ذلك، لكنه يريد أن يعرف الناس صنعته وحذقه ونصحه ويتجهون إليه.
وإذا قال قائل: ما دليلكم على هذا؟ قلنا: أيش؟ طلبة: (... )؟ الشيخ: نعم، هل يجوز أن نستأجر الكافر في بناء المساجد؟ نقول: إذا أَمِنَّا ذلك، وكان القائم عليه مهندسًا مسلمًا فلا بأس، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز.
طالب: الآن تؤجر السيارات ليس بالمدة أو المكان.. الشيخ: ليس بالمسافة.
الطالب: بالقيمة، بالكيلو.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل هذا يُشرع؟ الشيخ: لا بأس، إيجار السيارات الآن إما بالكيلو ولا بالزمن.. الطالب: باليومية.
الشيخ: إي، إما باليومية، وإلا بالزمن ولّا بالمسافة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الآن لو أن طبيبًا نصرانيًّا ماهرًا قال: (... ) المسلم لا تصم.
الشيخ: لا تصم.
الطالب: لا تصم؛ لأن ذلك يضرك، لكن خالفه مسلم هو أدنى منه في المهارة ليس لدرجة في المهارة في الطب، قال له: لا يضرك الصوم فبأيهما يأخذ؟ الشيخ: يأخذ بالأول، ما دام أحذق منه ومأمونًا فيأخذ بقوله.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، يقول بعضهم إن الطبيب الكافر في الاطلاع على العورات أو بالأحرى الطبيبة الكافرة في الاطلاع على عورات النساء كالرجل الأجنبي، فما صحة ذلك؟ الشيخ: غير صحيح، المرأة الكافرة كالمسلمة في مسألة العورة، وقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: 31]، لا يُراد نساء المؤمنات، المراد الجنس؛ يعني: أو النساء اللاتي من جنسهن.
طالب: (... ) إذا أجرها مدة طويلة، فهل له أن يكون الإيجار بما يكون عليه إيجار المثل في كل سنة؟

الشيخ: لا، يقول: إذا أجرها مدة طويلة فهل له أن يقول بما تكون عليه أجرة المثل في كل سنة، نقول: هذا لا يجوز، خصوصًا على القول بأنه لا يجوز أن يبيع كما يبيع الناس؛ لأن هذا مجهول، والإيجارات ترتفع وتنزل، لكن إذا خاف من ذلك فليؤجرها بالسنة.
طالب: (... ) ثمن كيلو من الذهب مثلًا سنويًّا.
الشيخ: كيلو.
الطالب: كيلو من الذهب؛ يعني: يقدرها بالذهب.
الشيخ: ما فيه مانع، كيلو من الذهب ما فيه مانع معروف، (... ). طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: إن الماء والكهرباء لا بد أن يكون على المؤجر، فما حكم ما يجري في الفنادق؟ الشيخ: أنا الآن قلت لكم ذلك، لكن قلت: إن الماء عندنا -والحمد لله- أمره يسير لو التزم به المستأجر، ما فيه بأس.
طالب: لكن الكهرباء فرقها ظاهر، فما حكم ما يحصل في الفنادق والقصور في إجارتها يومًا ويومين وشهرًا شهرين؟ الشيخ: نعم، الظاهر من هذا أن المكان عام أنه لا بأس به؛ لأن نفس صاحب الفندق يعرف مقدار الكيلوات عمومًا، ويتحاسب مع الشركة على العموم، مع أنه في هذه الحال يجب على المستاجر أن يتقي الله عز وجل في صرف الكهرباء، ما يقول: أخلي الكهرباء في الليل والنهار والعًا؛ لأن هذا خيانة وإضاعة مال سواء عليه ولّا على المؤجر.
طالب: (... ) الإيجار الذي ينتهي بالتمليك، فما حكمه؟ الشيخ: أرى أنه حرام، أن ذلك حرام؛ لأن المؤجر إجارة تنتهي بالتمليك لا بد أن يزيد في الأجرة؛ يعني مثلًا إذا كانت الأجرة عشرة آلاف لا بد تنتهي لعشرين ألفًا، أفهمت؟ وهذا يؤدي إلى الجهالة؛ لأنه بعد انتهاء المدة ما هو يملك على طول، أظنه ما بخير، فيه عقبة.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، يقول المؤلف: (ولو طويلة) ما دليله على ذلك؟ الشيخ: كيف؟ الطالب: دليله على: ولو كانت طويلة (... ) يجوز ذلك.. الشيخ: هل أنت تدرس معنا أم لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: تدرس، ماذا قلنا في المعاملات؟ الطالب: الأصل فيها الحل.

الشيخ: انتهى، هذا الدليل لكنه أشار إليها؛ لأن بعض العلماء يقولون: لا تجوز إذا كانت طويلة، والصواب أنها تجوز، إلا فيما ذكرنا قبل، وهو؟ اذكروه.
طلبة: (... ). الشيخ: لا، الوقف هو الذي لا يجوز للبطن الأول أن يؤجره مدة طويلة، يغلب على الظن أنهم لا يعيشوا إليها.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، إذا كانت الأجرة تؤخذ على عمل قد يكون مشروطًا فما (... ) بعض الفقهاء فيما لو استأجر طبيبًا وشارطه على البرء.
الشيخ: نعم، هذه لا بأس بها؛ لأنه ورد بها النص، فإن قضية الذين قرءوا على سيد القوم، اشترطوا البرء.
طالب: شيخ، (... ) مجهولة.
الشيخ: لا، هي مجهولة معلومة، البُرْء معلوم، والطبيب داخل على هذا، على أنه إما أن يكسب أو لا، ثم هو أيضًا -الطبيب- لا يمكن أن يشترط هذا إلا وهو عالم أو غالب على ظنه أنه سيبرأ.
طالب: بارك الله فيك، قلنا: لو أجره مدة طويلة ثم انهدم المستأجر، فإن المستأجر يطلب حصته من الأجرة، فهل هذا لأن الأجرة مقدمة أم ماذا؟ الشيخ: إي، هي إذا كانت مقدمة؛ يعني إذا كان ما بعد استعملها تسقط عنه.
طالب: كيف نقول يا شيخ: تسقط بقسطها.
الشيخ: إي نعم، بقسطها، مثلًا إذا قال: كل سنة بمئة، عشر سنوات كل سنة بمئة، بعد مضي خمس سنوات سقط، يسقط عنه خمس مئة.
طالب: (... ). الشيخ: هذه كقسط هذه.
طالب: (... ) يا شيخ؟ الشيخ: لا، ما يختلف.
طالب: شيخ، المسألة التي ذكرها الأخ.
الشيخ: وهي.. الطالب: الأجرة بالتمليك ما هي صورتها؟ الشيخ: صورتها يقول: إني أجرتك إياه مثلًا ثلاثين سنة على أنك مثلًا تعطيني كل سنة كذا وكذا، وبعد انتهاء المدة تخير بين أن تشتريها أو تبيعها، ما أدري يعني، لكننا تصورتها من قبل، وعرفت أنها تشتمل على غرر، وأفتيناه بعدم جوازها.
طالب: (... ) على أقساط.
الشيخ: هي على أقساط الأجرة.
الطالب: أي على أقساط، تكون بيع بس على أقساط تقريبًا.

الشيخ: لا، إحنا قلنا لهم هذا، قلنا: خلوها بيعًا، لكن هم قالوا: كيف؟ إذا كانت بيعًا لو تلفت في ضمان من؟ طلبة: البائع.
طلبة آخرون: المشتري.
الشيخ: لا، في ضمان المشتري، والمشتري (... ) في ضمان المؤجر.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة لمسألة الحكر يا شيخ.. الشيخ: أيش؟ الطالب: الحكر أو الحكارة.. الشيخ: نعم، هي حكر وحكورة.
الطالب: حكورة.
الشيخ: أما حكارة هذه ما علمتها الآن.
الطالب: كون أنَّ المستأجر يا شيخ له أن يهدم هذا البيت مثلًا ويبنيه، ولو (... )؛ لأن الأجرة على أرضية هذا البيت.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو انتهت المدة يا شيخ، وهو –المستأجر- بنى هذا البيت، وأراد المالك أن يأخذ منه الأرض، فما العمل؟ الشيخ: هذه، يقول العلماء: إن اشترط صاحب الأرض على أنه لا يثمن عليه البيت، يعني ما يُقَوِّم عليه فلا بأس، ما يُقَوِّم عليه، وإن لم يشترط هو -يُقوِّم يَعني- إما أن يقوِّم على صاحب الأرض، ويقال: هذا البيت يساوي مثلًا عشرة آلاف، خذه بعشرة آلاف، وإما أن تمدد المدة لصاحب البيت الذي بناه.
طالب: هل يمكن للمؤجر أن يمنع المستأجر (... )؟ الشيخ: هذه سبقت يا أخي أمس؟ في الدرس الذي قبل هذا قبل البارحة، قلنا للمستأجر أن يؤجر ما استأجره بشرط أن لا يكون أكثر منه ضررًا.
الطالب: إن اشترط المؤجر ألا يؤجره؟ الشيخ: لا بأس، إذا اشترط المؤجر ألا يؤجره فهو لا يؤجره.


طالب: (... ) يخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ القُرْبَةِ، وَعَلَى المُؤَجِّرِ كُلُّ مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الأَحْمَالِ وَالمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ وَالحَطِّ، وَلُزُومِ البَعِيرِ، وَمَفَاتِيحِ الدَّارِ وَعِمَارَتِهَا فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالكَنِيفِ، فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق لنا أن أهم شيء في شروط الإجارة أن تكون المنفعة معلومة؛ لأن لا يقع المتعاقدان تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم، بل تحت نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر (3)، وسبق لنا أنه إذا استأجر من يدله على طريق اشترط معرفة الطريق، وضبطه الطريق الأيمن، الأيسر، الطريق الرملي، الطريق الحجري، وما أشبه ذلك، لا بد أن يعلم هذا كله من أجل أن لا يقع في ذلك جهل وغرر.
وكذلك أيضًا، انتهى ما أردت.
(ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة) معنى هذه العبارة، وأقول: إن هذه العبارة تداولها العلماء -رحمهم الله- وتلقوها ناشئًا عن سابق، معناه أن العمل الذي لا يقع إلا قربة لا يصح أن يؤخذ عليه أجرة، كل عمل لا يصح إلا قربة، فإنه لا يؤخذ عليه أجر؛ ووجه ذلك أن ما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يجوز للإنسان أن يعتاض عن ثواب الآخرة شيئًا من ثواب الدنيا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: 15، 16] فحذَّر الله -عزّ وجل- أن يريد الإنسان بعبادته شيئًا من الدنيا، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: 20]، فما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن تؤخذ الأجرة عليه.

مثال ذلك: الصلاة، لو قال رجل لابنه: صلِّ يا بني، قال: لا أصلي إلا كل فرض بعشرة ريالات، ليستحق كل يوم خمسين ريالًا، فاستأجره، قال: نعم أنا أعطيك كل فرض عشرة ريالات، فالأجرة هذه لا تصح؛ لأن الصلاة لا تقع إلا قربة.
الأذان، لو أن إنسانًا قيل له: أذِّن، قال: ما فيه مانع، أنا أؤذن لكن كل أذان بخمسة ريالات، فإنه لا يصح، لو قيل لشخص: اقرأ القرآن ليكون ثوابه للميت، فقال: لا بأس، لكن لا أقرأ إلا الجزء بعشرة ريالات، لم تصح، واضح؟ كل شيء لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن يقع عليه عقد الإجارة، والتعليل؛ لأن هذا عمل يُرجى به ثواب الآخرة أو يُقصد به ثواب الآخرة، ولا ينبغي أن يكون عمل الآخرة يُراد به عمل الدنيا، ولهذا قال شيخ الإسلام -رحمه الله- فيمن حج ليأخذ: ليس له في الآخرة من خلاق؛ أي ليس له نصيب، إنسان قال: أبغي الحج من أجل آخذ الأجرة، وأما من أخذ ليحج، قال: فلا بأس به؛ لأنه استعان بالمال على طاعة الله، والاستعانة بالمال على طاعة الله أمر جائز ولا بأس به.
سُئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن رجل قيل له: أقم بنا في رمضان؛ يعني: صلِّ بنا القيام، فقال: لا أصلي لكم إلا بكذا وكذا، فقال الإمام أحمد -رحمه الله: نعوذ بالله، ومن يصلي خلف هذا؟ ! وهذا يدل من الإمام أحمد على أنه أبطل عبادته، وبناءً على بطلان عبادته لا تصح الصلاة خلفه، وقد استعاذ الإمام أحمد -رحمه الله- من هذا الشرط، نعوذ بالله ومن يصلى خلف هذا؟ ولكن ما يقع قربة بالقصد وينتفع به الغير فلا بأس أن يأخذ الإنسان عليه أجرة من أجل نفع الغير، كالتعليم، إنسان قال: أريد أن تعلمني باب شروط الصلاة، قال: ما بي مانع، أنا أعلمك باب شروط الصلاة، لكن بشرط أن تعطيني كذا وكذا أجرة، نقول: هذا لا بأس به؛ لأن العوض هنا ليس عن التعبد بالعمل ولكن عن انتفاع الغير به، واضح؟

تعليم القرآن لو أن شخصًا طُلب منه أن يعلم فلانًا سورة البقرة، قال: لا أعلمه إلا بكذا وكذا، يجوز؟ نعم يجوز؛ لأن هذا للتعليم لا للتلاوة، وفرق بين أن يكون التعليم الذي يتعدى نفعه للغير وبين التلاوة.
إنسان قال لمريض: أنا لا أقرأ عليك؛ يعني: لا أرقيك إلا بكذا وكذا، وهو يريد أن يرقيه بالقرآن، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، ولهذا لما بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم سرية، فنزلوا على قوم ضيوفًا، فأبى القوم أن يضيفوهم، بعث الله على سيدهم عقربًا فلدغته -وكانت والله أعلم شديدة- فطلبوا من يعالجه، قالوا: لعل هؤلاء القوم فيهم من يقرأ، يعنون بذلك الصحابة الذين تنحوا عنهم لما لم يضيفوهم، فجاءوا إلى الصحابة وقالوا إن سيدهم قد لُدغ، فهل منكم من راقٍ؟ قالوا: نعم، منا من يرقيه، ولكن بكذا وكذا؛ لأنكم أنتم ما أكرمتمونا، ولا ضيفتمونا، بكذا وكذا لطائفة من الغنم، قالوا: لا بأس، فقرأ عليه القارئ، فقام كأنما نُشِط من عقال بإذن الله، ولم يقرأ عليه إلا سورة الفاتحة يا إخوان، سورة الفاتحة فقط، التي يقرؤها بعض الناس اليوم ألف مرة ولا يستفيد المريض، قرأ عليه سورة الفاتحة وبرأ بإذن الله، أعطوهم القطيع، الطائفة من الغنم، ولكن أشكل عليهم الأمر، فقالوا: لا نأكل حتى نسأل النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، فلما قدموا المدينة وأخبروا الرسول بهذا قال: «نَعَمْ، كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» (5)، عليه الصلاة والسلام، أفتاهم بالقول وبالفعل من أجل أن تطمئن قلوبهم، وإلا الفتوى القولية تكفي، وهو -عليه الصلاة والسلام- لا يسأل أحدًا، لكنه سأل هذا لمصلحتهم، لا لمصلحته هو، هو ليس بحاجة ولا ضرورة إلى لحمهم، لكنه فعل ذلك أيش؟ لمصلحتهم لتطيب قلوبهم، قال: «خُذُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ فَإِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ»، فدل هذا على أنه لا بأس إذا كانت العبادة ذات نفع متعدٍّ، وأراد

الإنسان بها ذلك النفع المتعدي لا بأس أن يأخذ عليها أجرًا، ولو كانت من جنس الأشياء التي لا تقع إلا قربة؛ لأن هذا القارئ ما قصد التعبد لله بالقراءة، قصد نفع الغير، إما التعليم وإما الاستشفاء أو غير ذلك، فهذا لا بأس به.
أشكل على بعض الإخوة الملتزمين ما يأخذه الناس الآن على الأذان وعلى الإقامة، وعلى التدريس وعلى الدعوة، وقالوا: إن هذا نقص وخلل في التوحيد؛ لأن هذا الذي يأخذ المكافأة لا شك أنه يجنح إليها، يعني ليس يأخذها، وهي على حد سواء أخذها وعدمه، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: إي نعم، أكثر الناس هذا، أكثر الناس لا يستوي عنده عدم الأخذ والأخذ، بل ربما بعض الناس يصرِّح يقول: أنا أريد أن أكون إمامًا؛ لأني أريد أن أتزوج، أو: لأني تزوجت وأحتاج إلى نفقة، وقيل: تبغي أَلِفًا أو باء أو جِيمًا، قال: الألف؛ لأنه أكثر راتبًا.
فيقول بعض الناس: إن هذا شرك؛ لأنه أراد بهذا العمل الصالح أراد الدنيا، فيقال لهؤلاء: هذا الذي تأخذونه ليس أجرة، ولكنه حق تستحقونه من بيت المال، وغاية ما عند الحكومة أن توزع بيت المال على المستحقين، هذا مدرس له ما يليق بعمله، وهذا مؤذن له ما يليق بعمله، وهذا إمام له ما يليق بعمله، وهذا داعية له ما يليق بعمله، وهكذا، يعني ليس من الحكومة في هذا إلا التوزيع والتنظيم، أما أنت فلك حق، كل من عمل عملًا متعديًا في المسلمين فله حق من بيت المال على حسب نتيجة هذا العمل، ثمرة هذا العمل، وحتى من لم يكن كذلك؛ أي من لم يعمل له حق من بيت المال، كالفقراء واليتامى ومن أشبههم.

على كل حال هذه المسألة، أقول: إنها اشتبهت على بعض الملتزمين، ولهذا يسألون عنها كثيرًا، حتى إن بعضهم يكون أهلًا للإمامة تمامًا، قارئًا وفقيهًا ولا يرغب؛ لأنه يقول: إنه سوف يعطى مكافأة من بيت المال، فنقول: الحمد الله، أنت الآن لست مستأجرًا، ولكنك مستحق لهذا العمل الصالح ونفع المسلمين، فليس عليك أي بأس، فينبغي مثلًا لكم في مجالسكم إذا أحد أورد هذا الإشكال أن تبينه له.
تقول: ليس بينك وبين الحكومة عقد إيجار، الحكومة -وفقها الله- إنما هي راعية للمصالح العامة، وترى أن توزع مثلًا بيت المال، لهذا كذا، ولهذا كذا، ولهذا كذا، وأنت ممن يستحقون من بيت المال على هذا العمل.
إذن بقي علينا الحج، هل يجوز الاستئجار على الحج، مثل أن يستأجر شخصًا ليحج عنه أو لا؟ نقول: أولًا: إذا كان الحج فريضة والمستأجر قادر، فالإجارة لا تصح، لماذا؟ لأن هذا يجب عليه أن يؤدي الفرض بنفسه؛ لأنه قادر بدنيًّا وماليًّا، إذا كان عاجزًا عجزًا لا يُرجى زواله وحجه فريضة فقد سبق لنا في الوكالة أنه يجوز أن يُنيب عنه، واستدللنا لذلك بحديث الخثعمية التي قالت: إن أبي أدركته فريضة الله على عباده في الحج شيخًا كبيرًا لا يستطيع الركوب، فأذن لها (6)، فهل تجوز الأجرة على ذلك؟ أو نقول: اتفق مع الذي أراد أن يُنيبك، ولا تبحث عن المقدار سواء أعطاك عشرة أو ألفًا؟ انتبهوا لهذا.
أما إذا كان نفلًا إذا كان الحج نفلًا فقد سبق لنا في الوكالة أيضًا أنه إن كان مريضًا مرضًا لا يرجى برؤه؛ فإنه يمكن أن يُقال بالجواز قياسًا على أيش؟ طلبة: الفريضة.

الشيخ: على الفريضة، وإن كان صحيح البدن قويًّا فالذي نرى أنه لا يصح؛ لأن العبادات مطلوب من الإنسان أن يشعر بأنه عابد لله ذليل، لا أن يعطي دراهم واحدًا يحج عنه، أيش يستفاد؟ هل قال هذا الذي أنابه: لبيك اللهم لبيك؟ ما قال: لبيك اللهم لبيك، هل طاف بالبيت؟ هل سعى بين الصفا والمروة؟ هل وقف بعرفة؟ ما فعل، أين الحج؟ كيف نقول: إن هذا حج؟ كيف نقول: إن له أجر الحج؟ ! ولهذا قلنا: إن مثل هذا ينبغي أن يُعِينَ من يؤدي الحج بنفسه أفضل له من أن يقول: حُجَّ عني.
على كل حال، في الحال التي يجوز فيها أن يستنيب أحد عن أحد في الحج، هل يجوز أن يعقد عقد إجارة على هذه النيابة أو لا؟ المذهب لا، المذهب لا يجوِّزون هذا، ويقولون: الإجارة على الحج حرام؛ لأن الحج عبادة بدنية لا تقع إلا قربة، ليس كتعليم الفقه والحديث وما أشبه ذلك، فلا يجوز، وفيه رواية عن أحمد أو قول في مذهب أحمد أنه يجوز عقد الإجارة على الحج، وعمل الناس اليوم على الثاني ولّا الأول؟ طلبة: على الثاني.
الشيخ: على الثاني، عمل الناس اليوم على الثاني، ولا يسع الناس إلا هذا، يعني لو قلنا: بأن الإجارة حرام سددنا باب النيابة نهائيًّا، من يُوفَّق فيقول: أنا أريد أن أقضي حاجة أخي وأقوم عنه بالحج وما أعطاني فأنا راضٍ به، هذا نادر، نادر أن يكون.
المهم القاعدة كل عمل لا يقع إلا قربة فلا يصح عقد الإجارة عليه، وما كان نفعه متعديًا من القرب صح عقد الإجارة عليه، بشرط أن يكون العاقد لا يريد التعبد لله تعالى بهذه القربة، وإنما يريد نفع الغير، الذي استأجره لاستيفاء هذه المنفعة.

ما هو العمل الذي يشترط أن يكون فاعله من أهل القربة، ومن هو أهل القربة؟ أهل القربة، يقولون: هو المسلم، المسلم هو أهل القربة؛ لأن الكافر لا يكون أبدًا من أهل القربة إطلاقًا، إذ إنه مهما عمل فإنه لا يقرِّبه عمله إلى الله، ولهذا نقول: من أهل القربة؛ يعني: المسلم، فالكافر ليس من أهل القربة، فكل عمل يصح إيقاعه من الكافر فعقد الإجارة عليه صحيح لا بأس به، حتى بناء المسجد، لو أنك استأجرت إنسانًا يبني لك مسجدًا فلا بأس؛ لأن بناء المسجد يجوز أن يكون من الكافر؛ يعني يجوز أن يبني الكافر المسجد، إلا أننا نرى أنه لا بد أن يكون عليه قيم يراقب تنفيذه، البناء وأساسات البناء حتى لا يخون.
أهل القربة من هم؟ طلبة: المسلمون.
الشيخ: المسلمون؛ وذلك لأن الكفار مهما خشعوا، مهما بكوا، مهما ذلوا أمام صنمهم، فإن ذلك ليس بقربة، ولهذا يذكر أن النصارى في كنائسهم يخشعون خشوع المسلمين في محاريبهم، أو يخشعون خشوع المسلمين في مساجدهم بكاء، ونياح، وعويل، لكن هل ينفعهم هذا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، هذا لا ينفعهم، حتى قال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: 2 - 4] إن هؤلاء هم النصارى في كنائسهم، لكن هذا على كل حال غير صحيح؛ لأن الآية صريحة بأن ذلك يوم؟ طلبة: يوم القيامة.
الشيخ: القيامة، ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية: 1، 2]، على كل حال، الكافر لا يمكن أن يكون من أهل القربة، فإن قال قائل: أرأيتم لو أن كافرًا بنى مسجدًا للمسلمين أتجوز الصلاة فيه؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ولا يقبل منه.
طلبة: (... ).

الشيخ: نعم، نحن لا يهمنا هو، هو لا ينفعه، حتى لو صلينا فيه ما له أجر، لكن نحن لا نمتنع من الصلاة فيه؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم قال: «الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ» (7)، «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا» (8) نعم، إن خفنا أن يريد هذا الكافر أن يصطاد بالماء العكر، أو أن يضفي مِنَّةً على المسلمين، ويقول يومًا من الدهر: نحن الذين بنينا لكم المساجد، فهنا يجب علينا أن نهجر هذا المسجد، يجب علينا، ويجب على المسلمين أن يتعاونوا في هذا، وأن لا يخون بعضهم بعضًا، أما إذا كان الرجل هذا –الكافر- معروفًا بالكرم، وأنه يعطي هذا وهذا وهذا وهذا، ولا يبالي ولا يمن، ولا يرى أن له فضلًا فلا بأس ولا مانع.
ومن ذلك أيضًا ما أشكل على بعض الناس، يأتي إنسان يتعامل بالبنك أو يتعامل بأشياء أخرى محرم كسبها، ثم يبني مسجدًا أو يصلح طريقًا، فيقول: هل يجوز أن أصلي في هذا المسجد الذي أصلحه مَنْ مَالُهُ حرامٌ أو أمشي في الطريق؟ ماذا نقول؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم.
طلبة: نعم.
الشيخ: ولو كان من الربا.
طلبة: نعم.
الشيخ: جزاكم الله خيرًا، هذا هو الذي نرى أنه لا بأس أن يصلي في هذا المسجد ولو كان من مال ربوي أو من كسب محرم آخر؛ لأن إثمه على كاسبه، أما نحن فأمامنا مسجد بُنِيَ متوجها إلى القبلة، وليس فيه أي محذور، ثم نقول: لعل هذا الرجل الذي بنى المسجد، لعله أحدث توبة، وبنى هذا من أجل أن يتخلص من الإثم ومن الكسب الحرام، فنكون إذا صلينا في ذلك وشجعناه نكون عونًا له على التوبة.
والإنسان يجب أن ينظر الأمور بمقياس الشرع والعقل لا بمقياس العاطفة العمياء؛ لأنه ما ضرَّ المسلمين حتى في عهد الصحابة إلا هذا، العاطفة العمياء، ما الذي أوجب للخوارج أن يخرجوا إلا العاطفة العمياء، ودعواهم أن علي بن أبي طالب قد خان وأنه يجب أن يقاتَل، وأنه كفر برضاه بالتحكيم، وما أشبه ذلك.

فعلى كل حال، نقول: هذا لا بأس به؛ أعني ما بناه شخص من ماله المكتسب بحرام.
لو غصب أرضًا وبنى عليها مسجدًا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ما نصلي فيها؟ طلبة: لا.
الشيخ: أما على قول من قال: إن الصلاة في الأرض المغصوبة باطلة، فمعلوم أننا لا نصلي؛ لأننا لا نتقرب إلى الله تعالى بشيء باطل، لكن على قول من يرى أن الصلاة في الأرض المغصوبة جائزة فهذه أيضًا لا نصلي، لا نقول: إن الصلاة لا تصح، لكننا نقول: إن هذا تشجيع لهذا الغاصب الظالم أن يغصب أموال المسلمين، ثم يتبجح بأنه بنى عليها مسجدًا.


ثم قال المؤلف -رحمه الله- في بيان ما يلزم المؤجر والمستأجر قال: (وَعَلَى المُؤَجِّرِ كُلُّ مَا يُتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ النَّفْعِ كَزِمَامِ الْجَمَلِ، وَرَحْلِهِ، وَحِزَامِهِ، وَالشَّدِّ عَلَيْهِ، وَشَدِّ الأَحْمَالِ وَالمَحَامِلِ، وَالرَّفْعِ وَالحَطِّ، وَلُزُومِ البَعِيرِ) كل هذا على المؤجر، أنتم تصورتم هذه العبارات؟ إنسان أجر شخصًا بعيره ليحج به، يقول: عليك كل ما يتمكن به المستأجر من النفع (كزمام الجمل)، بَيِّن لنا ما هو الزمام؟ طالب: هو الحبل الذي تُقاد به الناقة.
الشيخ: الحبل الذي تُقاد به الناقة، بارك الله فيك، أو الجمل.
(ورحله)؟ طالب: هو ما يقعد عليه الراكب (... ). الشيخ: إي نعم، (وحزامه)؟ طالب: الذي ينزل من فوق الرحل تحت البطن.
الشيخ: ينزل من فوق النحر تحت البطن؟ ! الطالب: نعم، ينزل من الرحل.
الشيخ: يعني ما يُشد به الرحل.
الطالب: ما يُشد به.
الشيخ: إي، (ورحله وحزامه) يعني حزام الرحل.
(والشد عليه)؟ طالب: يعني شد هذا الحزام، يعني شده جيدًا.
الشيخ: والرحل أيضًا.
الطالب: (... ) يصير الرحل غير (... ). الشيخ: أي يحتمل هذا، ويحتمل أنه إذا نزلوا في مكان، ونزلوا الرحل عن البعير، أنه هو الذي يحمل الرحل ويشده على البعير، كل هذا على المؤجر.

(وشد الأحمال) هذا الظاهر الذي يريده (شد الأحمال والمحامل) الأحمال: يعني الحمل الذي يكون على البعير كالأكياس والأواني وما أشبه ذلك، المحامل هي التي تكون على جنب البعير، على جنب الرَّحْل، يركب عليها الناس، وهذه شاهدناه قديمًا، تكون البعير عليها من اليمين ومن الشمال مقاعد يقعد عليها الراكب تسمى المحامل، والوسط يسمى الشداد.
(والرفع والحط) أيش الرفع والحط؟ طلبة: يحمل عليه.. الشيخ: يعني يرفع المحامل، وما ذكره المؤلف: عند الاحتياج إليها، وينزلها عند الاحتياج إليها، فلو أنه -مثلًا- نزلها وبقوا في هذه الأرض لمدة يوم أو يومين، ولما أرادوا أن يسيروا قال المستأجر للمؤجر: يلّا، ارفع الرحل وشده.
قال: لا، الحاجة لك أنت.
يستقيم هذا أو لا؟ طلبة: لا يستقيم.
الشيخ: ما هي بالحاجة له؟ طلبة: بلى.
الشيخ: لكن هذه الحاجة عوض عنها الأجرة، فيقال للمؤجر: عليك بها.
(لزوم البعير) أيضًا هذه على المؤجر، (لزوم البعير) معناها أن يكون ملازمًا لها لئلَّا تشرد، أو يأتيها شيء يعيقها، فيلزم البعير.
وهذا فيما إذا كان المؤجر مع الرحل والإبل، أما إذا آجر البعير وحدها وقال: خذ هذه البعير اذهب سافر عليها وارجع بها، فمعلوم أن هذه الأشياء لا تلزم المؤجر؛ لأنه غير مصاحب لها، لكن مراد الفقهاء -رحمهم الله- فيما جرت به العادة أن المؤجر يكون مع رحله مع الإبل، ويسمى عندنا الجمَّال نسبة إلى الجمل، إذا كان الجَمَّال مع الجِمَال فإنه يلزمه ما قال المؤلف، أما إذا أجر الدابة فقط فلا يلزمه شيء من ذلك.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيكم، (... ) عن القربات، لكن في بعض الأئمة يا شيخ وبعض المؤذنين الذين يعملون –مثلًا- يؤمون الناس في بلاد خارج هذه البلاد، كأوروبا مثلًا، فهؤلاء لا يأخذون من..، وإنما يأخذون مما يجمع لهم الناس؛ لأنهم يصلون بهم في المساجد، فما هو التفصيل في هذه المسألة؟ الشيخ: الظاهر أنه لا بأس حتى هذا جمعوها لهذه المصلحة.

الطالب: باعتبار؟ الشيخ: باعتبار أنها مصلحة للجميع، ما أظن فيها شيئا إلا إذا اتفق معهم على أجرة، هذه (... ). الطالب: لا ما يتفقون، غالبًا يأخذ الذي.. الشيخ: اللي يعطونه.
الطالب: اللي يعطونه.
الشيخ: ما فيه شيء.
الطالب: لكن يعتبر استحقاقا ولّا مكافأة ولّا.. الشيخ: لا، مكافأة.
الطالب: مكافأة.
الشيخ: نعم.
الطالب: بارك الله فيك.
طالب آخر: شيخ، أحسن الله إليكم، الإنسان يطوف بوالده أو والدته، وهناك من يحج عنهم، (... ) يجوز يا شيخ؟ الشيخ: (... ) لا بأس؛ لأن المحجوج عنه ما يمكن يحج، لكني أرى وأطلب منكم أيها الطلاب أن تزرعوا في قلوب الناس أن الدعاء للأموات أفضل من العبادات؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» (9)، ولم يتعرض للعمل، بلغوا الناس، الناس الآن لو تقول: ادعوا له بس قل: اللهم اغفر له، طيب أنا قلت: اللهم اغفر له، وغفر له، فائدة كبيرة.

على كل حال، هذه -كما قلت لك- لا بأس بها، لكن الأفضل أن يُبيَّن للناس أن الدعاء أفضل، وبقي علينا أنا قلنا قبل في أثناء الشرح: لو قال الأب لابنه: صل يا بني، قال: ما أصلي إلا كل صلاة بعشرة.
قلنا: هذا لا يصح في الاستئجار، لكن لو قال الأب لأبنائه وبناته: من صلى منكم فله بكل صلاة عشرة، يجوز تشجيعًا لهم، لكن هو صحيح، يعني يجوز ها الشيء عليهم، لكن فيه بعض الحسكة، يعني أن الإنسان لا يطمئن لهذا؛ لأنه قد يكون في هذا مفسدة، وهي تعويدهم ألا يفعلوا عبادات إلا لعوض، ويُخشى أن يجعلوا الواحد منهم ما لك ما صليت اليوم؟ قال: ما أعطيتني شيئًا، ممكن هذا؟ إي نعم، فأخشى أنه تكون النية ما هي طيبة، إنما هي مبدئيًا لا بأس بها؛ يعني هذا من باب التشجيع على العمل الصالح، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم في الحرب: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» (10). طالب: شيخ أحسن الله إليك، إذا كان الرجل ليس له مصدر رزق إلا الحرام، كالذين يبيعون مثلًا أشرطة الفيديو (... ) الموسيقى والدخان (... ) وغيرها، ودعي الإنسان إلى إجابته، (... ) فيجوز الإجابة؟ الشيخ: أعطيناكم قاعدة في الأول: كل ما حَرُم لكسبه فليس محرمًا على غير الكاسب، هذه القاعدة.
طالب: (... ). الشيخ: بناءً على أنه يجوز أن الإنسان يقرأ على المريض بأجرة لا بأس، لكن بس من الحقيقة هل الطريقة هذه سليمة؟ يقول: فيه ناس الآن يقرؤون بالماء، قُرَّاء، بجرار صحة، ويبيعون الصغير بكم؟ الطالب: بريالين.
الشيخ: بريالين، يبيعونها بريالين.
الطالب: لا، هي بريالين يا شيخ.
الشيخ: هي بريالين يبيعها بعشرين، واللي بخمسة؟ الطالب: (... ) يبيعها بخمسين.
الشيخ: بخمسين، الله أعلم بنفع هؤلاء لكن ما أقدر أقول إنه حرام، ما دمنا نقول: إنه لا بأس أن يقرأ على المريض بأجر.
طالب: شيخ هل يمكن أن نعتبر الأذان وكذلك الإمامة وتكفين الميت من القرب التي يتعدى نفعها وبالتالي يجوز أخذ الأجرة عليها؟

الشيخ: لكن ما فيها نفع مباشر، تغسيل الميت نعم، تغسيل الميت واضح إنه مباشر للشخص نفسه، لكن الأذان ما هو لشخص معين، لعموم الناس.
طالب: لو امتنع الناس من الأذان لشق ذلك على الناس، (... ). الشيخ: ما هو مثل المعين، ليس كالمعين.
طالب: أحسن الله إليك، (... ) على المؤجر كل ما يتمكن به النفع، إذا قيل: إن الأشياء هذه ترجع إلى العادة والعرف، هل يكون له وجه؟ الشيخ: هو هذا عرفهم، الآن هذا ما هو موجود عندنا، اللهم إلا إن كان في بلاد غير السعودية، ما دام عندكم موجود؟ طالب: (... ). الشيخ: عندكم أنتم في الجزائر.
طالب: في البادية قد يوجد، نعم.
الشيخ: موجود الآن؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي على كل حال، لدينا قاعدة -بارك الله فيكم- الفقهاء في مثل هذه الأمور يأتون بها بناءً على عاداتهم، ويرجع في هذا إلى العادة، هذا هو الأصل، ثم نقول: إن الاضطراد العرفي كالاستثناء اللفظي أو كالشرط اللفظي، الاضطراد العرفي كالشرط اللفظي، إي نعم.


طالب: قال رحمه الله تعالى: وَمَفَاتِيح الدَّارِ وَعِمَارَتِهَا، فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالكَنِيفِ فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً.
فَصْلٌ

وَهِيَ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَإِنْ آجَرَهُ شَيْئاً وَمَنَعَهُ كُلَّ المُدَّةِ أَوْ بَعْضَهَا فَلا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ بَدَأَ الآخَرُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا فَعَلَيْهِ، وتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ العَيْنِ المُؤجرَةِ، وَبِمَوْتِ المُرْتَضِعِ وَالرَّاكِبِ إِنْ لَمْ يُخَلِّفْ بَدَلا، وَانْقِلاعِ ضِرْسٍ أَوْ بُرْئِهِ وَنَحْوِهِ، لا بِمَوْتِ المُتَعَاقِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَلا بِضَيَاعِ نَفَقَةِ المُسْتَأْجِرِ وَنَحْوِهِ.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أن الإجارة لا تصح على عمل لا يقع إلا قربة، وهو الذي يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، أي أن يكون مسلمًا؛ لأن ما كان عبادة محضة لا يجوز أخذ أجر الدنيا عليه وسبق دليله أيضًا، سبق لنا أيضًا أنه على المؤجر كل ما يتمكن به المستأجر من استيفاء المنفعة، وذكر أشياء ومنها مفاتيح الدار، فإن مفاتيح الدار على المؤجر، وعلى هذا فإذا ضاعت من المستأجر بدون تعد ولا تفريط وجب على المؤجر أن يصنع له بدلها، لماذا؟ لأنها على المؤجر، وهي أمانة في يد المستأجر، فإذا تلفت بيده بدون تعدٍّ ولا تفريط ألزم المؤجر بأن يصنع بدلها ويعطيها إياه.
كذلك عمارتها لو تهدم منها شيء لا يتمكن به المستأجر من استيفاء المنفعة؛ فإن عليه عمارتها، وأما ما زاد على ذلك فإنه لا يلزمه إلا بشرط، كالذي يسمونه الديكور، هذا لا يلزم المؤجر إلا إذا شرط عليه.
طيب المراوح، المكيف، الدفايات على من؟ الدفايات على المؤجر؟ ! طلبة: لا.
الشيخ: على المستأجر، المكيف على المؤجر، المراوح على المؤجر، كل ما كان ثابتًا فعلى المؤجر، وأما الشيء المتنقل فإنه يكون على المستأجر.
ثم قال: (فَأَمَّا تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالكَنِيفِ، فَيَلْزَمُ المُسْتَأْجِرَ إِذَا تَسَلَّمَهَا فَارِغَةً) البالوعة هي الحفرة التي يُصب فيها الماء الفاضل من غسيل ونحوه، وسميت بالوعة؛ لأنها تبلع الماء، وأما الكنيف فهو مجمع العذرة، وكانوا فيما سبق يحفرون حفرة أيضًا يكون فيها العذرة، البيت هذا الذي يكون فيه هذه الحفرة يسمى الكنيف؛ لأن صاحبه يكتنف فيه؛ أي يستتر عن الغير، البالوعة والكنيف هل على المستأجر إفراغها أو على المؤجر؟ على المستأجر؛ لأنه هو الذي ملأها ولهذا اشترط المؤلف قال: (إذا تسلمها فارغة) تكون عليه؛ لأنه تسلمها فارغة، فلزمه أن يردها فارغة، فإن تسلمها وفيها النصف فعليه النصف، وهلم جرًّا، حسب ما أدرك من ملئها يكون عليه.

في الوقت الحاضر ليس هناك بالوعة ولا كنيف في أكثر البلاد، فيُقال: على المؤجر إصلاح المواسير؛ المجاري؛ لأن هذا يبقى، لكن لو تسددت هذه المجاري فهي على المستأجر؛ لأنها تسددت بفعله، وكل هذا الذي قاله الفقهاء -رحمهم الله- يمكن أن يُقال: إنه يرجع إلى العرف فيما جرت العادة أنه على المستأجر، أو على المؤجر، فإن تنازع الناس فربما نرجع إلى كلام الفقهاء، وأما بدون تنازع ويكون العرف مضطردًا بأن هذا على المؤجر وهذا على المستأجر فالواجب الرجوع إلى العرف؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا أمر بالوفاء بالعقد من أصله أو من صفاته وشرطه.
ثم قال المؤلف: (فصل.
وَهِيَ عَقْدٌ لازِمٌ) (وهي) أي الضمير يعود على الإجارة (فصلٌ) وهي عَقْدٌ لازمٌ، فإن آجَرَه شيئًا ومَنَعَه كلَّ الْمُدَّةِ أو بعضَها فلا شيءَ له، وإن بدأَ الآخَرُ قَبلَ انقضائِها فعليه، وتَنْفَسِخُ بتَلَفِ العينِ المؤَجَّرَةِ وبموتِ الْمُرْتَضِعِ والراكبِ, إن لم يُخَلِّفْ بَدَلًا وانقلاعِ ضِرْسٍ أو بُرْئِه ونحوِه، لا بموتِ الْمُتعاقِدَيْنِ أو أحدِهما ولا بضَياعِ نَفقةِ المستأْجِرِ ونحوِه، وإن اكْتَرى دارًا فانْهَدَمَتْ, أو أَرْضًا لزَرْعٍ فانْقَطَعَ ماؤُها, أو غَرِفَتْ انْفَسَخَت الإجارةُ في الباقي، وإن وَجَدَ العينَ مَعيبةً أو حَدَثَ بها عيبٌ فله الفَسْخُ وعليه أُجرةُ ما مَضَى, ولا يَضمنُ أجيرٌ خاصٌّ ما جَنَتْ يَدُه خطأً ولا حَجَّامٌ وطَبيبٌ وبَيطارٌ لم تَجْنِ أَيْدِيهم إن عُرِفَ حِذْقُهم ولا راعٍ لم يَتَعَدَّ، ويَضمنُ المشتَرِكُ ما تَلِفَ بفِعْلِه، ولا يَضْمَنُ ما تَلِفَ من حِرْزِه أو بغيرِ فِعْلِه ولا أُجرةَ له،

بأن هذا على المؤجِر وهذا على المستأجر، فالواجب الرجوع إلى العرف؛ لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا أَمْرٌ بالوفاء بالعقد من أصله، أو من صفاته وشرطه.
ثم قال المؤلف: (فصل: وهي عقد لازم)، (وهي) الضمير يعود على الإجارة.
(عقد لازم)، ومعنى (لازم) أي: لا يمكن فسخه إلا لسبب، وذلك أن العقود تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عقود جائزة من الطرفين، وعقود لازمة من الطرفين، وعقود لازمة من طرف جائزة من طرف آخر.
ومعنى لازمة أي: نافذة لا يمكن فسخها.
البيع لازم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ».
(1) الوكالة جائزة، عقد جائز من الطرفين.
الكتابة؛ أي كتابة العبد -وهو شراء نفسه من سيده- عقد لازم من جهة السيد، وجائز من جهة العبد.
الرهن عقد جائز من جهة المرتهِن، ولازم من جهة الراهن.
الإجارة عقد لازم، وذلك لأنها نوع من البيع، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا»، ثم ذكر أنهما إذا تفرَّقَا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع.
ثم فرَّع على هذا الضابط -وهو أن الإجارة عقد لازم- بقوله: (فإن آجَرَهُ شيئًا ومنعه) أي: المؤجِر، والضمير (الهاء) يعود على المستأجر، أي: منع المؤجِرُ المستأجرَ (كل المدة أو بعضها فلا شيء له).
مثال ذلك: أَجَّرَه هذه الدار سنة من الآن، فجاء المستأجِرُ يطلبها فمنعه، مضت السنة كلها وهو قد منعها، فهل له أجرة؟ لا، لا شيء له؛ لأنه هو الذي منعه، ولكن هل يلزمه فرق ما بين الأجرتين؛ أجرة المثل والأجرة التي تم العقد عليها لو اختلفت، أو لا يلزمه؟ يلزمه.

فمثلًا لو كان أجَّرَها بعشرة آلاف وارتفعت الأجور، حتى صارت تساوي في هذه السنة عشرين ألفًا، فهل يلزم المؤجِر أن يُسَلِّم للمستأجر عشرة آلاف؟ الجواب: نعم يلزمه؛ لأن المنفعة من حين العقد ملك لِمَن يا إخوان؟ للمستأجر، فإذا منعه إياها فهو غاصب، والغاصب عليه الضمان.
وإن كانت الأجرة نزلت، هل يلزمه النقص؟ انتبهوا، إذا كانت نقصت أصلًا لن يُعْطَى شيئًا، المؤجِر لن يُعْطَى شيئًا، إن بقيت الأجرة كما هي فالأمر واضح، إن نقصت هو أصلًا لا يعطى حتى يقال: يضمن المستأجر النقص، إن زادت الأجرة ضمن المؤجِر الزيادة، لمن؟ للمستأجر؛ لأن المستأجر ملك المنفعة في المدة التي تم العقد عليها، فيكون بمنزلة الغاصب؛ عليه الضمان.
لو أَجَّرَه إياها لمدة سنة باثني عشر ألفًا ثم منعه ستة أشهر، ثم قال: تفضل، فرَّغ البيت له، وسكن المستأجرُ بقية المدة، هل عليه شيء؛ على المستأجر؟ المؤلف يقول: لا شيء له، منعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له، لماذا؟ لأنه فَوَّتَ على المستأجِر منفعة الدار؛ إذ قد يكون من غرض المستأجِر أن يبقى فيها مدة سنة كاملة.
ومثل ذلك لو أَجَّرَه البعير يسافر عليها، ومنعه إياها، وفي أثناء الطريق سَلَّمَها له، فهل له أجرة فيما بقي؟ كلام المؤلف يقول: لا، ليس له أجرة؛ لأنه منع المستأجر حقه، فسقط حقُّه، أي: المؤجِر.
وظاهر كلامه أيضًا أنه لا فرق بين أن يمنعه بعض المدة لعذر أو لغير عذر؛ وذلك لأن حقوق الآدميين لا يُفَرَّق بها بين العذر وغيره، وقد يقال: إنه إذا كان لعذر فإنه يلزمه –أي: يلزم المستأجِر- أجرة بقية المدة، والعذر مثل أن يُمْنَع صاحب الدار من الاستيلاء عليها، فحينئذ نقول: له ما بقي من المدة، وللمستأجِر أن يطالِب الذي منعه بمقدار المدة التي منعه.

مثال ذلك: رجل أجَّرَ هذا الشخص البيت لمدة سنة، تبتدئ من الآن، لكن سُلِّط على هذا البيت جنود استحلوه غصبًا، ولم يُسَلِّمْهُ إلى صاحبه إلا بعد نصف سنة، فصاحب البيت الآن معذور ولَّا غير معذور؟ معذور، صاحب البيت معذور، له نصف الأجرة؛ لأنه سَلَّم البيت عند انتصاف المدة، والمستأجر يطالب مَن؟ يطالب الجنود الذين منعوا صاحب البيت منه، فإن تعذَّر عليه مطالبتهم فلا يرجع على المؤجِر؛ لأن المؤجِر يقول: هذا حصل بغير اختياري.
قال: (وإن بدأ الآخر قبل انقضائها فعليه).
(إن بدأ الآخر) الآخر هو المستأجر.
(قبل انقضائها) يعني: امتنع من سُكْنَاها.
(فعليه الأجرة) كاملة، ولا يقال: إنه ليس عليه إلا مقدار المدة؛ لأن المؤجِر يقول: أنا الآن سلَّمتك البيت بأجرة، فوجب لي في ذمتك الأجرة، ووجب لك أنت أيش؟ النفع، والنفع قد استلمت النفع.
مثال ذلك: رجل استأجر بيتًا مدة الإجازة، مدة الإجازة ثلاثة شهور، كل شهر بألف ريال، ثم إن المستأجِر تأخَّر ولم يَقْدَم البلد إلا بعد أن مضى شهر، فيلزمه للمؤجِر كم؟ طلبة: ثلاثة آلاف.
الشيخ: ثلاثة آلاف، يعني الأجرة كاملة؛ لأن المؤجر لم يحصل منه لا منع ولا غيره، المؤجِر قد بذل العين المؤجَرة، ولكن التأخير ممن؟ من المستأجِر، ولهذا قال: (إن بدأ الآخر قبل انقضائها) أي: قبل انقضاء المدة، (فعليه) أي: عليه الأجرة.
استأجر هذا البيت مدة ثلاثة أشهر، وسكن فيه شهرين، ثم بَدَا له أن يرجع إلى بلده وقد بقي شهر، هل عليه أجرة الشهر الباقي؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن المؤجِر يقول: أنا لا أمنعه، استوفِ المنفعة، المنفعة الآن أمامك، فيكون عليه الباقي.

المهم على كل حال الآن فهمنا أن الإجارة عقد لازم، وأنها إن فُسِخَت من قِبَل المؤجِر فالحكم لا شيء له، وإن فُسِخَت من قِبَل المستأجر فعليه الأجرة، وإن فُسِخَت باختيارهما فعلى المستأجر أيش؟ مدة سكناه، ولا شيء عليه أكثر من ذلك، فإذا استأجرها بألف لمدة ثلاثة شهور، ولما مضى شهر اتفق هو والمؤجِر على فسخ الإجارة، فهل عليه شيء؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لا، لكن عليه الشهر الذي سكنه، وأما الباقي فلا شيء عليه؛ لأنهما اتفقَا على ذلك.
ثم قال المؤلف مبيِّنًا ما تنفسخ به الإجارة: (وتنفسخ) أي: الإجارة، (بتلف العين المؤجَرة)، فلو آجَرَه دارًا فانهدمت انفسخت الإجارة، وعلى المستأجر أجرة ما سبق من المدة.
استأجر سيارة فانحرقت، تنفسخ الإجارة أو لا؟ تنفسخ، وعلى المستأجر قسط المدة التي استأجرها لها.
ثانيًا: (وبموت المرتَضِع) أيضًا، لو أن شخصًا استأجر امرأة لتُرْضِع ولده، فمات الولد، يعني استأجرها لمدة سنة، فمات الولد، فإن الإجارة تنفسخ؛ لأن العين المعقود عليها -وهو الراضِع- قد تلفت، فلا يمكن استيفاء المنفعة مع تلفها.
قال: (والراكب إن لم يُخَلِّف بدلًا)، الراكب يعني: لو أن شخصًا في النقل الجماعي، استأجر نقلًا جماعيًّا مثلًا من مكة إلى المدينة، وفي أثناء الطريق مات، تنفسخ الإجارة؟ المؤلف يقول: في ذلك تفصيل؛ إن خَلَّفَ بدلًا فإنها لا تنفسخ، وإن لم يُخَلِّف بدلًا انفسخت، وذلك لأنه إذا خَلَّف بدلًا فإنه يقوم مقامه، وإذا لم يُخَلِّف بدلًا فقد تعذَّر استيفاء المنفعة من قِبَل المعقود عليه.

وتنفسخ أيضًا (بانقلاع ضرس)، يعني لو أن شخصًا استأجر طبيبًا ليقلع ضرسه، فانقلع، قلع الضرس قبل أن يأتي الطبيب، فالإجارة تنفسخ، لماذا؟ لتعذُّر الاستيفاء؛ لأن المعقود عليه -وهو الضرس الذي استؤجر لقلعه- انقلع، فلو أصرَّ الطبيب وقال: لا بد أن أقلع الضرس الثاني! يُمَكَّن أو لا؟ لا يُمَكَّن، معلوم؛ لأنه استؤجر على قلع ضرس معين، والضرس المعين انقلع، فلا شيء له.
(أو بُرْئِه) يعني: لو برئ الضرس فإن الإجارة تنفسخ، مثلًا: رجل التهب ضرسه وتَوَرَّم، واستأجر طبيبًا لقلعه، ثم إن الله سبحانه وتعالى مَنَّ عليه بالشفاء، وزال الورم وسكن الألم، فإن الإجارة تنفسخ، لماذا؟ لأنه قد عُلِم بالضرورة أنه إنما استأجره لقلع ضرسه من أجل ألمه ومرضه، ليس من أجل أنه لا يريد الضرس، فتنفسخ.
وهنا لو وقع خلاف بين الطبيب الذي أتى بآلاته واستعد، وفرَّغ زمنًا من وقته لقلع هذا الضرس، فقال صاحب الضرس: إنه قد سكن الألم وبرئ، وقال الطبيب: لا، لم يبرأ، مَن نصدق؟ الطلبة: صاحب الضرس.

الشيخ: أليس صاحب الضرس يمكن أنه ادَّعَى البرء لأنه عرف أن هذا الطبيب سيأخذ أجرة كثيرة؟ فيه احتمال، لكن هذا الاحتمال لو كان واردًا لا نقبله؛ لأن معرفة كونه برئ أو لم يبرأ لا يُعلم إلا من جهته، فإن قال الطبيب: أنا أسقيه ماء باردًا، فإن صقع ضرسه شوفناه مثلًا تغيَّر وجهه، أو شد لحييه، عرفنا أنه لم يبرأ، وإلا فهو بارئ، يمكن هذا ولَّا لا؟ نعم يمكن، إذا قيل: إن هذا الاختبار يؤدي إلى المقصود اختبرناه، كما قال العلماء في الجنايات فيمن جُنِيَ عليه فادَّعى أنه فَقَدَ السمع، وتعلمون أن الرجل إذا جُنِيَ عليه حتى فَقَدَ السمع فعلى الجاني دية كاملة، مئة بعير، والجاني يقول: أبدًا، ما فقدتَ السمع، وهو يقول: فقدتُ السمع، قالوا: يُخْتبَر، بأن يُؤتَى على غفلة ويُصاح به، أو يثَوَّر عنده بندق، فإن أحسّ فإنه كاذب في دعواه أنه ذهب السمع، وإن لم يُحِسّ فهو صادق، وهذا لا شك أنه من الأسباب التي تدل.
ومثل البصر، قالوا: إذا ادَّعى أن بصره فُقد من جناية فإنه يُخْتَبر، بماذا نختبره؟ طلبة: الشمس.
الشيخ: الشمس يمكن يصبر عليها.
طالب: نضع المصباح في عينه بدخانه.
الشيخ: والله هذه مشكلة، صعبة! قالوا أيضًا: يغتفله الإنسان، ثم يقول هكذا حول عينه، إن أَرْمَشَ فهو مُبْصِر، وإلا فلا.
هذا الذي قاله الفقهاء يرحمهم الله، لكن ربما يكون الآن وسائل أدق من هذا يُختبر بها ذلك، لكن على كل حال نحن في الضرس الآن، الطبيب جاء بآلاته واستعد لقلع الضرس، واختزل زمنًا من وقته، ثم ادعى صاحب الضرس أنه برئ، فهذا لا بد من الاختبار، وإذا تيقنا أنه برئ فإن الإجارة تنفسخ لتَعَذُّر استيفاء المنفعة.
قال: (ونحوه) مثل أن يُستأجَر شخص لمداواة مريض، فلما وصل هذا الرجل لمداواة المريض إذا المريض قد مات، تنفسخ الإجارة.
في البيت مريض آخر، فقال الطبيب: مات المريض الذي دعوتموني له، فأنا أداوي الثاني، ولا تنفسخ الأجرة، يوافق ولَّا ولا؟ الطلبة: لا.

الشيخ: لماذا؟ لأن المعقود عليه عين المريض، وقد فات.
طالب: (... ) لما طُلب، فهو جاي من مكان بعيد، جهَّز السيارة (... ) البنزين والزيت (... )، فجاء، لما جاء ادعى الرجل أنه قد برئ، فهل يضمن الشيء الذي.. الشيخ: لكن هل ثبت أنه بريء؟ الطالب: ادعى.
الشيخ: إذا ثبت فلا شيء له؛ لأن هذا الرجل إنما أنفق هذه النفقة لحضوره بناء على أن الإجارة لازمة.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، كيف بعض الأطباء الآن ما يخرج من عيادته إلا بثمن؟ الشيخ: إي، بأجرة.
الطالب: إي، يقول مثلًا: المجيء إلى البيت بمئة ريال مثلًا، فإذا وصل إلى البيت وبرئ ثبت أن المريض قد برئ، فهل تلزمه الـ.. ؟ الشيخ: لا، هذا يلزمه؛ لأنه إنما أخذ المئة ريال ليس على المداواة، ولكن على حضوره من دكانه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، بعض الناس يكون عنده وسواس في مسألة المرض، فكثيرًا ما يتشكَّى أو يذهب إلى الطبيب وليس به أي مرض، فإذا ذهب إلى الطبيب واشتكى إليه مرضًا، ووجده الطبيب بريئًا من ذلك المرض، فبعدما أجرى عليه (... ) فهل يحل للطبيب أَخْذ هذه الأجرة؟ الشيخ: الظاهر أنه لا يحل له، إلا إذا كان هناك.. اللي أعرف أن الأطباء لهم أجرة خاصة للكشف فقط، فهذا يأخذ.
الطالب: هو ما يدخل على الطبيب أصلًا إلا إذا دفع أجرة الكشف.
الشيخ: خلاص، يدفع أجرة الكشف وتكون الأجرة على كشفه لا على مداواته.
الطالب: إذا وجد به مرضًا آخر؟ الشيخ: يقول له، يعني ينشئ عقدًا جديدًا، إذا كان مستأجَرًا لعمل معين ووجد مرضًا آخر، يعني إذا كان مستأجرًا لعمل معين في مرض معين، ثم وجد مرضًا آخر فلا بد من تجديد العقد، يعني إضافة.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إن منع المؤجِرُ المستأجرَ بعض (... ) ذكرنا تفصيلًا أنه إن كان لعذر ونحوه، أنا اختلط عليّ يعني كأني فهمت شيئين، فما هو (... )، هل يُلزَم المؤجِر بتمكين المستأجر مما فاته من المدة أم لا إن كان لعذر؟

الشيخ: لكن ما يمكن الآن أن تسيطر على العين، العين الآن تعذر الاستيفاء منها، نحن مثلنا فيما إذا أخذها الجند، هذا لا يمكن الاستيفاء منه، لكن أنت تريد هل يمكن أن نضيف إلى المدة بقدر ما حُبِسَت عن المستأجر؟ لا؛ لأن المدة هنا مقدرة بزمن، إذا انتهى انتهى الأجر.
الطالب: وهل نقول: إن المستأجر يرجع على الجنود إن أمكن؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: أو يطالب المؤجِر بذلك؟ الشيخ: لا، يرجع على الجنود.
الطالب: المستأجر؟ الشيخ: نعم؛ لأن المؤجِر ما فَرَّط.
طالب: شيخ، حفظك الله، المعروف الآن في محلات التأجير الشقق والغرف أنهم يحسبون مثلًا من الساعة الثانية إلى الساعة الثانية هذا اليوم.
الشيخ: من الساعة أيش؟ الطالب: من الساعة ثنتين الظهر إلى الساعة ثنتين من الغد، فلو جاء إنسان في الساعة الواحدة من اليوم حسبوا له المدة مدة يوم كامل.
الشيخ: ما دام هذا عُرفًا مُطَّرِدًا فيمشي عليه، يعني ما دام أن الإنسان لو جاء الساعة الواحدة إلى الثانية (... ) الساعة الواحدة يومًا، وهذا عرف مطَّرد معروف، فعلى ما اصطلح عليه الناس.
طالب: صاحب الضرس قد مَثَّلْنَا عليه لو تَبَيَّن أنه يريد أن يهرب من الأجرة لأن الأجرة غالية، هل تلزمه أو لا؟ الشيخ: مَن اللي أَعْلَمَنا بهذا؟ الطالب: هو تَبَيَّن (... ). الشيخ: إذا تبين تلزمه الأجرة أو يُخْلَع الضرس.
طالب: شيخ، يحدث كثيرًا عند استئجار السيارة ولا يكون بعقد يعني، بمجرد ركوب السيارة، ومعروف أن أجرتها مثلًا من المدينة إلى مكة كذا، فيجد الراكب بعدما ركب سيارة أجود، أو أنها ستنطلق مبكرًا عن الأخرى، أو لسبب ما، فينزل ويركب الأخرى، تلزمه الأجرة؟ الشيخ: ما تلزمه الأجرة، تلزمه الأجرة إذا كان معروفًا أنه بمجرد ركوبه يعتبر عقدًا، لكن ما أدري عن النظام هنا في النقل الجماعي هل هو بمجرد ما يركب يُعْتَبر عقدًا؟ الطالب: الأهلية، الأخرى، غير النقل الجماعي التي بغير تذاكر، الأهلية.

الشيخ: الأهلية؟ الطالب: نعم، لأنه يغضب السائق، عند النزول يغضب.
الشيخ: هذه يُرْجَع إلى العرف من جهة، وإلى تفويت المصلحة من جهة أخرى، قد يكون هذا التاكسي لا يحمل إلا خمسة، وجاء إنسان يقول: أنا بمشي معكم وما يمكن يركب ستة، فصرفوه، فلما صرفوه نزل واحد من هؤلاء، هذا ينبغي أن نُضَمِّنَه الأجرة؛ لأنه فَوَّت على صاحب السيارة.
طالب: إذا منعه (... ) فلا شيء للمؤجر، إنما يطالب المؤجِّر مقدار ما سقط من الأجرة.
الشيخ: ما يطالب؛ لأنه هو المعتدي، المعتدي ظالم، فلا حق له.
الطالب: ربما في هذه الحال إذا عرف المؤجر أنه لا شيء له (... ) بقية المدة.
الشيخ: إذا منعه له أن يطالب.
الطالب: لأنه لم يذكر يا شيخ مثلًا.
الشيخ: لا، إذا منعه المدة أو بعضها، هو إذا منعه بعض المدة في النهاية واضح؛ لأنه ما يمكن يرجع، يعني لو مضى تسعة أشهر وهو ساكن، ثم منعه البقية، هذا واضح، لكن لو منعه الثلاثة الأولى ثم مَكَّنَه فإنه أيضا لا شيء له؛ لأنه لم يُسَلِّم المعقود عليه.
الطالب: لا شيء له؛ كل الـ.. الشيخ: كله.
الطالب: عند هذا يَمْنَع المستأجر من بقية المدة.
الشيخ: ما يمكن يمنعه؛ لأنه يقول: هذا حقي، لكن في هذه الحال يعني ربما يقال: إنه في هذه الحال إذا مَكَّنَه من بقية المدة فينبغي أن يعطَى أجرة البقية بالقسط.
طالب: إذا استأجر من فندق غرفة، كل يوم بمئة، سبعة أيام، فسكن فيها خمسة أيام، فهل يطالب بالباقي؟ الشيخ: نعم، صاحب الفندق يأخذ الباقي.
الطالب: هو استأجر سبعة أيام، دفع له سبع مئة ريال، فسكن فيها خمسة أيام، فهل يطالب بالمئتين الباقية؟ الشيخ: لا، ما يطالب.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أحيانًا يكون في البيت المستأجر أشياء (... ) والدفايات وغيرها والأواني، فهل يجوز للمستأجر أن ينتفع بها من غير أن (... )؟ الشيخ: هي لا شك أنها ما وُضِعَت في البيت إلا للمنفعة.

الطالب: هو ما وضعها خصيصًا ليستنفع بها المستأجِر، لكن هو على سبيل كونه في بيته الأول، ثم طرأ عليه عقد الإيجار.. الشيخ: إذا لم يغلق الدولاب فمعناه أنه أَذِنَ له.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بعض المستأجرين، (... ) خصوصًا السيارات، حصل منه تفريط يا شيخ، فبعضهم يسوق بسرعة ولا من غيرها، وتتلف السيارة بسبب تفريطه؟ الشيخ: إي نعم، هذا سيأتينا إن شاء الله تعالى أن المستأجَر -العين المؤجرة- بيد المستأجِر أمانة، إن تلفت بغير تَعَدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، وإن تلفت بتعديه أو تفريطه فعليه الضمان.
طالب: بارك الله فيك، (... ) يدفع المستأجر الأجرة على نصفين، ثم إذا بَدَا له في النصف الأول أنه يغير البيت هل يلزمه دفع الستة أشهر الباقية أو لا؟ الشيخ: إذا طالبه المؤجِّر بذلك فإن له ذلك؛ لأن المؤجِّر يقول له: الآن البيت أمامك، استوفِ منفعته بنفسك أو أَجِّرْهُ غيرك بأجرة أو بغير أجرة.
الطالب: قال: البيت لم يعجبني.
الشيخ: الله المستعان، هو ما شافه بالأول؟ ! رآه بالأول.
طالب: شيخ، (... ) هل يقال: إن المستأجِر يُلْزَم (... ) العين المؤجَرة (... ) تسلمها أمانة، إذا كان أصبح البيت قذرًا (... )؟ الشيخ: إذا تسلَّمَه مُرَتَّبًا يسلِّمه مُرَتَّبًا، نعم يلزم.
طالب: شيخ، بالنسبة هناك بعض الأشياء اللي تكون ثابتة في المنزل (... ) يكون لها عمر افتراضي، يعني خمس عشرة سنة مثلًا، فيأتي يستلمها المستأجر بعد عشر سنوات، فإذا جلس خمس سنوات تلف هذا الشيء، فهل نقول: على هذا المستأجِر أن يُصْلِحَها بما يبقى خمس عشرة سنة، حتى إذا كان لا يريد أن يسكن المدة؟ الشيخ: لا، إذا تلفت المعدات بانتهاء وقتها بدون تَعَدٍّ ولا تفريط من المستأجر فليس عليه شيء، لكن نقول: هل يُلزِم المؤجِر بأن يغيرها؟ الظاهر لا يلزِمه إلا بشرط، يعني مثلًا المكيِّف بقي له مثلًا سنة أو سنتان أو خرب بشيء حادث فإنه لا يَلْزَم المؤجِر أن يؤمِّن له ذلك إلا بشرط.

الطالب: وإذا أصلحها المستأجر هل يرجع؟ الشيخ: إذا أصلحها بإذن المؤجِر رجع، وبغير إذنه لا يرجع.
طالب: المستأجر في العادة إنه إذا دخل المنزل يثبت بعض المسامير في الجدار، وإذا خرج يكون للمسامير أثر في الجدار، هل يلزمه إصلاح ذلك؟ الشيخ: إي نعم، ما لم يكن قد اشترطه على المؤجِّر.
الطالب: العُرف أنه حاصل (... ). الشيخ: لا، بالعكس، العُرْف أنه يُمْنَع من دق المسمار في الجدار، إلا إذا كان من بيوت الطين، صحيح؛ لأن المسمار في جدار طين لا يؤثر.


طالب: ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه، وإن اكترى دارًا فانهدمت، أو أرضًا لزرعٍ فانقطع ماؤها أو غرقت، انفسخت الإجارة في الباقي، وإن وَجَدَ العين معيبة أو حدث بها عيب فله الفسخ، وعليه أجرة ما مضى.
ولا يَضْمَن أجيرٌ خاصٌّ ما جَنَت يدُه خطأً، ولا حجامٌ وطبيب وبَيْطَار لم تَجْنِ أيديهم إن عُرِفَ حِذْقُهم، ولا راعٍ لم يَتَعَدّ، ويضمن المشترك ما تلف بفعله، ولا يضمن ما تلف من حِرْزِه أو بغير فعله، ولا أجرة له.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الإجارة من العقود الجائزة أو اللازمة؟ طالب: من العقود اللازمة.
الشيخ: من الطرفين، أو من طرف واحد؟ الطالب: (... ). الشيخ: الدليل؟ الطالب: الإجارة بيع منافع، فيدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ».
(1) الشيخ: أن الإجارة بيع منافع، فتدخل في قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ.. » إلى آخره، بارك الله فيك.
رجل استأجر من شخص بيتًا، فمنعه صاحب البيت جميع المدة، هل يستحق الأجرة على المستأجِر؟ طالب: لا.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن المستأجر لم يَسْتَوْفِ المنفعة.

الشيخ: لم يستوف المنفعة، هل تنفسخ الإجارة، أو نقول: إنها لا تنفسخ، ويطالِب المستأجِرُ المؤجِرَ بأجرة المثل؟ الطالب: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لا تنفسخ، إي، ويطالِب؟ الطالب: لأنه غاصب.
الشيخ: ما الذي يُفهَم من كلام المؤلف؟ الطالب: (فإن أَجَّرَهُ شيئًا ومنعه كل المدة أو بعضها فلا شيء له).
الشيخ: أيش يُفهَم منه؟ الطالب: إنها ما تنفسخ.
الشيخ: ما تنفسخ ويقول: لا شيء له؟ ! الطالب: إي لا شيء له، يعني.. الشيخ: لا شيء للمؤجِر، إي نعم، ولكنها تنفسخ.
في قول: إنها ما تنفسخ، ويطالِب المستأجرُ المؤجِرَ بأجرة المثل، لكن إذا كانت أجرة المثل أقل من الأجرة أو أكثر فهنا يحصل خلاف، فالقول بأنه في مثل هذه الحال يُوكَل الأمر إلى القاضي؛ إن رأى أن يؤدِّب المؤجِر إذا كانت أجرة المثل أكثر من الأجرة المعقود عليها، ورأى أن يطالِب المؤجِر بأجرة المثل تنكيلًا له، فهذا حسن، لكن لو كانت أقل فهنا نقول: للمستأجر أن يأخذ كامل الأجرة التي دفعها.
مثاله: استأجر هذا البيت لمدة سنة بعشرة آلاف ريال، ثم إن المؤجِر منعه حتى تمت السنة، على ما مشى عليه المؤلف رحمه الله نقول: الإجارة انتهت، ولا شيء للمؤجِر، ولا شيء على المستأجِر.
وعلى القول الثاني يقول: إنها لا تنفسخ؛ لأن المؤجِر صار بمنزلة الغاصب، كما لو منع البائعُ المشتريَ من قبض المبيع فإنه يضمنه ضمانَ غَصْبٍ، وبناء على ذلك نقول للمستأجر: ارجع على المؤجر بأيش؟ بأجرة المثل.
إذا كانت أجرة المثل، هو استأجرها سنة بكم؟ طلبة: عشرة آلاف.
الشيخ: أجرة المثل خمسة عشر ألفًا، نقول هنا: لا بأس أن يرجع المستأجر على المؤجر بخمسة عشر ألفًا، لكن لو كانت أجرة المثل أنقص؛ بثمانية آلاف، هل نقول: ليس للمؤجِر هنا إلا ثمانية آلاف؟ إذا قلنا بذلك صار فيه ضرر، على مَن؟ على المؤجِر؛ لأنه سَلَّم عشرة، وإذا قلنا: لك أجرة المثل، صار ضرر.

فالحاصل أن المذهب أنه ليس له شيء ولا عليه شيء، يعني المؤجِر، يعني الإجارة تنفسخ.
والقول الثاني: إن المؤجِر يضمنه ضمانَ غَصْبٍ، وهذا القول وجيه، لكن بشرط ألَّا تكون أجرة المثل أيش؟ أقل من الأجرة المعقود عليها.
إن تأخر المستأجر ولم يَسْتَوْفِ المنفعة؟ طالب: عليه الأجرة.
الشيخ: عليه الأجرة، لماذا؟ الطالب: لأنه هو الذي لم يَسْتَوْفِ المنفعة، وقد مَكَّنَه المؤجِر من استيفائها.
الشيخ: لأن المؤجِر بذل له المنفعة ومَكَّنَه من الاستيفاء، وهو الذي تركها باختياره.
فإذا قال: أنا انتهيت من البلد، أنا أقمت شهرين وأريد أن أكمل مثلًا الشهر الثالث الذي استأجرها إليه في محل آخر؟ طالب: نقول: الأصل أن الإيجار عليه، لكن إذا اتفق هو والمؤجِر على أن.. الشيخ: خَلِّيه إذا اتفقَا ما فيه إشكال.
الطالب: عليه الإيجار بكل حال.
الشيخ: لو قال هو: انتهت مدتي، أنا منتدب لمدة ثلاثة شهور، واستأجرت هذا البيت لمدة ثلاثة شهور بناء على الانتداب، وانتهت المهمة، وبرجع إلى بلدي.
طالب: الإجارة في حق اللازم، فيكمل باقي المدة.
الشيخ: ما أنا بجالس.
الطالب: خلاص يتركها ويدفع الأجرة.
الشيخ: نقول هنا: عليه الأجرة كاملة؛ لأنه يمكنه الاستيفاء بتأجيرها، أليس كذلك؟ يجوز المستأجِر أن يؤجرها لمن يقوم مقامه، ولا عليه ضرر.
استأجر بعيرًا يحج عليه، فمات البعير؟ طالب: (... ). الشيخ: تنفسخ الإجارة؛ لأن العين المعقود عليها تلفت، توافقون على هذا؟ استأجر جَمَّالا أن يحج به، فأتى الْجَمَّال بالبعير وقد (... ) خُذ البعير، وماتت في أثناء الطريق، تنفسخ الإجارة؟ طالب: إن لم يخلف بدلا.
الشيخ: اللي مات البعير ما هو الراكب.
الطالب: تنفسخ الإجارة.
الشيخ: تنفسخ الإجارة، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: على قولين يا شيخ.
الشيخ: ما عندك قولان.
طالب: هل هي مدة ما ركب؟

الشيخ: لا، دعنا من مدة ما ركب، لكن هل نقول: إنها انفسخت الإجارة فيما بقي، أو نقول: يلزم صاحب البعير أن يُؤَمِّن له بعيرًا؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني يا إخوان، العقد هنا ليس على عين البعير، اتفق مع جَمَّال صاحب إبل على أن يُرْكِبَه حتى يحج ويرجع، فوافق الْجَمَّال وأعطاه البعير، بدون أن تُعَيَّن البعير عن العقد، فهنا إذا ماتت البعير في أثناء الطريق أيش؟ ألزمنا صاحبَها أن يُؤَمِّن له بعيرًا؛ لأن العقد هنا على أيش؟ على عين البعير ولَّا على العمل؟ الطلبة: العمل.
الشيخ: إي نعم، على العمل، فيجب فَهْم الفرق، ولهذا قلنا: إذا تلفت البعير؛ لأن المعقود عليه تلف.
استأجر شخصًا لخلع ضرس، فانقلع الضرس قبل أن يقلعه الطبيب؟ فماذا تقول؟ طالب: تنفسخ الإجارة.
الشيخ: تنفسخ الإجارة، ولو قال الطبيب: أقلع الضرس الثاني، أنا مستعد.
الطالب: (... ). الشيخ: لا يُقْبَل؟ ماذا تقولون؟ صحيح؟ نعم؛ لأن المعقود عليه الآن تلف، صح.
استأجر بيتًا ثم مات في أثناء المدة، تنفسخ الإجارة؟ طالب: إن خَلَّف بدلًا فعليه، وإلَّا لا.
الشيخ: إن خلف بدلًا لم تنفسخ، وإلا انفسخت، هذا نعم قياسًا على الراكب، لكن القياس فيه نظر، فنقول: إنها لا تنفسخ الأجرة، وينتقل الحق إلى ورثة الميت، فإن لم يكن له ورثة فلبيت المال، وإن شاء فَسَخَهُ.
قال: (لا بموت المتعاقدين أو أحدهما)، يعني: لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقدين أو أحدهما؛ وذلك لأن المعقود عليه باقٍ، فلو آجَرَ بيته شخصًا ثم مات المؤجِر لم تنفسخ؛ لأن الإجارة عقد لازم، ولو مات المستأجِر لم تنفسخ أيضًا؛ لأن الإجارة عقد لازم، وكما تشاهدون الآن الناس يستأجرون البيوت، وهذا يموت ويُولَد له إلى آخره.
لو ماتَا جميعًا؟ طالب: لم تنفسخ.
الشيخ: لم تنفسخ أيضًا؛ لأنهما إذا ماتَا انتقل إلى ورثتهما.

سبق لنا في كلام المؤلف أنه إذا مات الراكب ولم يُخَلِّف بدلًا فإنها تنفسخ، والراكب أحد المتعاقِدَيْنِ، فهل نقول: إن في كلامه تناقضًا، أو نقول: إنه مشى فيما سبق على قول، وفي الثاني على قول آخر؟ مشى صاحب الإنصاف على هذا، وقال: إن صاحب المقنع رحمه الله مشى في أول كلامه على قول، وفي الثاني على قول آخر، ولكن عندي أن الجمع بينهما هو أنه في الأول عُيِّن الراكب، قال: أنا أستأجر البعير إلى مكة، ثم مات، فهنا يكون تعيين المستأجر كتعيين المعقود عليه، وأما هنا فلم يُعيَّن، وحينئذ لا تنفسخ الإجارة بموت المتعاقِدَيْنِ أو أحدهما.
سبق لنا أيضًا أن الإجارة -إجارة الوقف- سبق أن مُؤْجِر الوقف إذا مات فإن الإجارة تنفسخ، إذا كان المؤجِر الموقوف عليه بأصل الاستحقاق، وسبق لنا الخلاف في هذه المسألة، وأن عمل الناس على أن إجارة الوقف لا تنفسخ.
قال: (ولا بضياع نفقة المستأجر ونحوه)، ضياع نفقة المستأجر: إنسان مثلًا استأجر مني دكَّانًا من أجل أن يبيع فيه أموالًا، فاحترقت الأموال، هل نقول: إن الإجارة تنفسخ؟ المؤلف يقول: لا، ما تنفسخ الإجارة، ويُلزَم هذا الذي احترق ماله بدفع أيش؟ الأجرة؛ لأنه بإمكانه إذا لم ينتفع هو بالدكان أن يؤجره، وربما يكون الأسعار ارتفعت بعد، فلهذا لا تنفسخ باحتراق متاع مستأجِر الدكان.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنها تنفسخ؛ لأن هذا عذر لا حيلة فيه، وعرض الدكان للتأجير قد يؤجَّر وقد لا يؤجَّر، وقاسَه رحمه الله على وضع الجوائح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ».
(2) وقال: هذا الرجل الذي احترق متاعه لم يقبض المنفعة؛ لأن المنفعة -كما تعلمون- في الإجارة تأتي أيش؟ لا إله إلا الله! المنفعة في الإجارة؟ طالب: في العين.

جارٍ التحميل