الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2940-2979

الشيخ: اصبر، لم تشترط عند العقد أنها تعمل، له أن يمنعها، لكن لو اصطلح وإياها على أن تعمل وله نصف الراتب مثلًا فلا بأس.
طالب: شيخ، جمع في بيته زوجتين، ورضيت الثانية، رضيت بذلك، شيخ، كيف نقول له بعد ذلك: أَخْرِجْهَا، هي رضيت بذلك، يعني تنازلت عن حقها، وهي تعلم أنه سيحدث مثلًا.. ؟ الشيخ: لكن هذا الحق يتجدد، وربما ترضى بناء على أنها في تلك الساعة راضية ولَا هامّها، وتقول: إنها الكبيرة وأنا بخليها مثل البنت، لكن لما رأت الزوج يجنح هَوَّنَت.
الطالب: شيخ، لكن هو –مثلًا- يتزوج الثانية بناء على رضاها (... ) بيت واحد، يتزوج الثانية بناء على رضاها، وليس له بيت ثانٍ لما تقول له مثلًا: أَخْرِجْهَا، أين يضعها.
الشيخ: إي نعم، لها ذلك، فيه أناس الآن نساؤهم خطبوا لهم، هي اللي خطبت لزوجها، ثم لما تزوج (... ).


طالب: ويَقْسِم لحائض ونفساء ومريضة ومعيبة ومجنونة مأمونة وغيرها، وإن سافرت بلا إذنه أو بإذنه في حاجتها، أو أَبَت السفر معه أو الْمَبِيت عنده في فراشه فلا قَسْم لها ولا نفقة، ومَن وهبت قَسْمَها لضرتها بإذنه أو له فجعله لأخرى جاز، فإن رجعت قَسَمَ لها مستقبلًا.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ذكر المؤلف أحوالًا يُكْرَه إعلانها؟ طالب: يُكره الوطء بمرأى أحد، أو أن يُحَدِّث الناس بما فعل مع زوجه.
الشيخ: أن يطأها بمرأى أحد، أو يُحَدِّث الناس بما فعل، ما رأيك في هذا؟

الطالب: هذا كلام المصنف، هذا فيه قليل من الخطأ؛ لأن تحدَّث المرء بما يفعله مع زوجه، قلنا: هذا قد يصل لحد الكبيرة؛ لحديث النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يُفْضِي إِلَى الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةُ إِلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ يُحَدِّثُ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا فَعَلَ» (10)، وقلنا بأنه كذلك الوطء بمرأى أحد هذا، كذلك لم تَأْتِ به الشريعة؛ لأن الشريعة لم تأتِ بهذا، تأتي بستر العورات.
الشيخ: وهذا أعظم من التحدث، هذا تحدُّثٌ بالفعل، أحسنت، لكن مراد المؤلف بدون كشف العورة، يعنى –مثلًا- يكون عليهما كساء ويجامعها والناس يشاهدون، وطبعًا ما أظن أن المؤلف رحمه الله تعالى يريد أن يطلع في الشارع يفعل هذا، لكن لو فرضًا في الحجرة وعندهم ناس، هذا مراد المؤلف، هل له أن يمنع الزوجة من إرضاع ولدها؟ طالب: ولدها منه أم.. الشيخ: ما أدري، هذا السؤال.
الطالب: فيه تفصيل؛ إذا كان الولد من غيره فله أن يمنعها إلا لضرورة، أما إذا كان الولد له فليس له أن يمنعها.
الشيخ: توافقون على هذا التفصيل؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم صح، هل يجوز أن يجمع زوجتيه في منزل واحد؟ طالب: (... ). الشيخ: مطلقًا، ولو رَضِيَتَا.
الطالب: لا، إلا إذا رَضِيَتَا.
الشيخ: يعنى يجوز برضاهما، وبدون رضاهما لا يجوز، صح، لكن لو رأى أنهما وإن رَضِيَتَا الآن فسوف يحصل نزاع في المستقبل، هل يجمعهما؟ الطالب: له ذلك (... ). الشيخ: يعني له أن يجمعهما، فإن وجد بينهما نزاعًا فصلهما، إي نعم.

ثم قال المؤلف رحمه الله: ويجب (عليه)، أي: على الزوج، (أن يساوي بين زوجاته في القَسْم)؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (14)، وهذا يدل على أن عدم التسوية من كبائر الذنوب؛ لأنه رَتَّبَ عليه الوعيد، لكن يقول: (في القَسْم) لا في الوطء، يعني: لا في الجماع، فله أن يجامع إحداهما مرتين أو ثلاثًا، ولا يجامع الأخرى أبدًا، وعَلَّلُوا ذلك بأن الجِمَاع ينشأ عن المحبة، والمحبة لا يملكها الإنسان، ولا يستطيع أن يتحكم فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129]، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَقْسِم بين زوجاته ويعدل، ويقول: «هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا لَا أَمْلِكُ» (15)، وهذا حق؛ لأنه إذا كان لا يرغب إحداهما فإنه لا يمكن أن يجامعها إلا بمشقة، ثم إن تكلُّف الإنسان للجماع يُلْحِقه الضرر، إذا لم يكن هناك داعٍ يدعوه إلى الجماع فإن تكلُّفَه يضر الإنسان، فإذا كان يتكلف الجماع لهذه المرأة ولا ينشط عليه فإنه لا يُلْزَم به، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
لكن لو تعمَّد أن يجمع نفسه لإحداهما، فهل نقول: إن هذا داخل في اختياره فيحرُم، أو نقول: الأصل أنه لا تجب المساواة في الجماع؟ الأول، يعنى لو أن الإنسان يجمع نفسه لإحداهما الثانية لا يجامعها علشان يكون نشيطًا على الجماع في الثانية، فإن هذا حرام عليه؛ لأنه يملك ذلك.

هل يجب أن يعدل بين زوجاته في الهبة والعطية أو لا؟ يقول الفقهاء رحمهم الله: أما في النفقة الواجبة فواجب، وما عدا ذلك فليس بواجب، فمثلًا إذا كان قد أعطى كل واحدة ما تحتاجه من النفقة، وصار يأتي للأخرى بالحُلي والفُرُش والخدم، والسيارة أيضًا، اشترى لها سيارة بهيجة طيبة والأخرى يُرْكِبُها على حمار، يقول الفقهاء: إنه لا حرج عليه، جائز؛ لأن الواجب هو الإنفاق، وقد قام به، وما عدا ذلك فإنه لا حرج عليه فيه.
لكن هذا القول ضعيف، والصواب أنه يجب أن يعدل بين زوجاته في كل شيء يقدر عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ» (14). إذا تزوج جديدة على الأولى فمعلوم أن حاجة الجديدة ستكون ليس لها سبب بالنسبة للأولى، الجديدة سوف يعطيها مهرًا ويشتري لها حُليًّا، ويشترى لها غرفة نوم، وأشياء وأشياء، فهل يلزمه أن يعطي الأولى مثلها؟ لا؛ لأن هذا تابع للنفقة، ولا تقل الأولى: أنت والله أعطيتها –مثلًا- خمسين ألفًا مهرًا، أعطني خمسين ألفًا، نقول: لا، أنتِ مهرك سبق، قالت: مهري كان النساء رخيصة، ولا أعطيتني إلا عشرين ألفًا، كمِّل اليوم، نقول: اليوم يمكن مهرك أقل من عشرين ألفًا بعد، فلا نوافق على هذا، لكن ما يتطلبه النكاح بالنسبة للمرأة الجديدة لا يلزمه أن يعطي الأولى مثلها.
يقول: (عمادُه الليل لِمَن معاشُه النهار، والعكس بالعكس).
(عماده) أي: القسم، (الليل لمن معاشه النهار)، وهؤلاء هم أكثر الناس، أكثر الناس معاشهم بالنهار، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 10، 11]، لكن قد يكون بعض الناس معاشه في الليل، كالحارس الذي يحرس الأسواق في الليل، وما أشبه ذلك، نقول: مَن كان معاشه في الليل فعمادُه؟ طالب: النهار.

الشيخ: فعماد القَسْم في حقه النهار، ومَن كان معاشه في النهار عماد القَسْم في حقه الليل.
إذا قلنا: هذا العماد، فكيف يَقْسِم؟ يَقْسِم لواحدة يومًا وليلة، وللأخرى يومًا وليلة، وله أن يأتي كل واحدة منهما في يوم الأخرى، لا أن يخص إحداهما بذلك، يعنى –مثلًا- له زوجتان فاطمة وخديجة، يَقْسِم لفاطمة يومًا وليلة، ولخديجة يومًا وليلة، لا حرج أن يأتي فاطمة في يوم خديجة، وخديجة في يوم فاطمة، لكن على السواء، أما إذا كان اليوم يوم فاطمة فإنه يأتي خديجة، وإذا كان يوم خديجة فلا يأتي فاطمة فهذا جور لا يجوز.
قال: (ويقسم لحائض ونفساء ومريضة ومعيبة ومجنونة مأمونة وغير مأمونة)، يعنى: يَقْسِم لكل زوجة أيًّا كانت حالتها، يَقْسِم للحائض، مع أن الحائض لا يجوز وطؤها، لكن يقسم لها من أجل الأُنْس به، وكونه عندها، فإن اتفقت الزوجتان على أن الحائض لا قَسْم لها، بمعنى أنه إذا كانت إحداهما حائضًا صار عند الأخرى مدة حيضها وتراضَيَا بذلك فلا بأس، لكن إذا كانت كل واحدة تريد يومها فلا بد أن يَقْسِم لها ولو كانت حائضًا؛ لأن هذا ظاهرُ فعلِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(ونفساء) يقسم لها أيضًا؛ لأن النفساء كالحائض في أنه يستمتع منها بما شاء ما عدا الوطء، لكن جرت العادة عندنا، ولا ندرى عن الناس الآخرين، أن النفساء تكون عند أهلها، وأن الزوج لا يَقْسِم لها، فهل عندكم الأمر هكذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نبدأ بالمصريين.
طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: النفساء تبقى ببيت زوجها؟ طالب: لا، في بيت أهلها.
الشيخ: في بيت أهلها، إذا اختلف العُرف، وفي الجزائر؟ طالب: تبقى في بيتها.
الشيخ: في بيتها ما تذهب إلى أهلها، وعندكم، أيش الغالب؛ أنها تبقى ببيت زوجها؟ الطالب: الغالب أنها تتحول إلى بيت أهلها.

الشيخ: إلى بيت أهلها، على كل حال، هذه نتبع العرف، أما إن كانت النفساء عنده فيَقْسِم لها، وإن كانت عند أهلها فلا يلزمه القسم لها؛ لأنه قد يخجل أن يتردد على أهلها.
إذا قلنا: إنها عند أهلها، وقلنا: لا قَسْم لها، فهل إذا كانت ليلة هذه النفساء يذهب ويبيت في المسجد، ولَّا يبيت عند الثانية، أم ماذا؟ طالب: المساجد مغلقة.
الشيخ: المساجد مغلقة؟ عند جيرانه مثلًا، نقول: على كل حال إنه إذا كان لا يقسم للنفساء فلا بأس أن يوفِّر جميع أيامه للأخرى، لكن بشرط أنها إذا نفست الأخرى يوفِّر أيامه للأولى، فيكون هذا عدلًا، حتى لو فُرِضَ أن النفاس يختلف، بعض النساء ربما تطهر في عشرين يومًا، وبعضهن لا تطهر ولا بأربعين يومًا، فهذا لا بأس به، يعنى يسامح فيه.
كذلك يقسم للمريضة، وهذا واضح أنه يجب عليه أن يَقْسِم للمريضة حتى وإن كان لا يستمتع بها الاستمتاع الكامل، لكن هي زوجته، وربما نقول: إن قَسْمه للمريضة أوجب من قَسْمِه للصحيحة؛ لِمَا في ذلك من جَبْر خاطرها، وإدخال السرور عليها، وإدخال السرور على المريض له أثر بالغ في شفائه وعافيته.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان مرضها مُعديًا كالجذام، وهو كذلك؛ لأنه يمكن للزوج أن يتخلص من هذا، فيقول للمريضة بمرض مُعْدٍ: إما أن توافقي على إسقاط القَسْم لك وإما أن أطلقك، يخيرها ما فيه مانع.
(ومجنونة مأمونة وغيرها)، هذه عاد المشكلة.. طالب: (ومعيبة).
الشيخ: عندكم.. نعم (ومعيبة)، يعني يقسم للمعيبة، رجل له زوجتان إحداهما معيبة، وسيأتي إن شاء الله بيان العيوب، يقسم لها ولو كانت معيبة، مثل أن تكون امرأة لا يمكن جماعها لسَدٍّ في فرجها، فيَقْسِم لها ولو كانت معيبة؛ لأننا قلنا: المقصود بالقسم هو إدخال السرور والأنس على كل واحد منهما.

يقسم لمجنونة، لو كانت إحدى الزوجتين مجنونة مأمونة أو غير مأمونة، مجنونة يعنى: ليس لها عقل، لكنها مأمونة لا يمكن أن يخطر على باله أنها سوف تأخذ السكين وتشق بطنه، وغير مأمونة أيضًا يقسم لها، يعنى: لو كانت مجنونة غير مأمونة يخشى أنه وهو نائم تقوم عليه وتذبحه –مثلًا- يقول: يَقْسِم لها، لماذا؟ وهو يقول: أنا الآن عليّ خطر، ما دام غير مأمونة عليّ خطر، نقول: لا، مَن ألزمك بها؟ فيه طريق للتخلص منها، ما هو؟ الطلاق، والحمد لله، ما دام المسألة ممكن أن يتخلص الإنسان منها فما دام قد أبقاها ورضي بها على هذه الحال فالواجب عليه أن يعطيها حقها من القَسْم، إذا قال: إن هذه المجنونة لا تدري سواء جيت أو ما جيت، نقول: نعم، وإن كانت لا تدري؛ لأنه لا بد أن تعطيها حقها.
(وإن سافرت بلا إذنه أو بإذنه في حاجتها، أو أَبَت السفر معه، أو الْمَبِيت عنده في فراشه، فلا قَسْم لها ولا نفقة)، هذه المسائل نذكرها مسألة مسألة.
إذا سافرت بلا إذنه فليس لها قَسْم ولا نفقة؛ لأن هذا يعتبر نشوزًا، امرأة –مثلًا- طرأ عليها أن تذهب إلى أهلها في بلد آخر، فقالت لابنها الأكبر: امش معي، وسافرت بلا إذن الزوج، فهذه ليس لها قَسْم وليس لها نفقة.
(أو بإذنه في حاجتها)، أيضًا ليس لها قَسْم ولا نفقة، يعني هي طلبت من الزوج قالت: أُحِبّ أن أسافر إلى أهلي لزيارتهم، قال: لا بأس، أنت حرة، سافرت، يقول: ليس لها قَسْم وليس لها نفقة، أما عدم القسم فظاهر، ليش؟ طالب: لأنها مسافرة.
الشيخ: لبُعْدِها عنه وعدم تَمَكُّنِه من ذلك، وأما سقوط النفقة فيقول المؤلف: لأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، والآن لا يمكن الاستمتاع بها؛ لأنها سافرت.
ولكن هذا التعليل عليل، والصحيح أنه يجب أن ينفق عليها؛ لأنها إنما سافرت ومنعته من الاستمتاع بأيش؟ بإذنه، والحق له، فإذا سافرت وقد أَذِنَ لها أن تسافر وجبت عليه النفقة، سواء لحاجتها أو لغير حاجتها.

هل يلزمه أن يعطيها قيمة التذاكر أو أجرة السيارة أو لا؟ لا يلزمه؛ لأنه لو أعطاها لوجب عليه أن يعطي الأخرى مثلها، لكن يعطيها من النفقة بمقدار نفقتها لو كانت مقيمة غير مسافرة، وفُهِمَ من قوله: إن سافرت لحاجتها، أنه لو أَذِنَ لها أن تسافر لحاجته فإنه لا يسقط القَسْم ولا النفقة، أما عدم سقوط النفقة فظاهر، فيرسل لها نفقة، أو تنفق من مالها وترجع عليه بعد، لكن كيف يَقْسِم لها وهي مسافرة؟ القسم لها وهي مسافرة أنها إذا رجعت قضى لها ما تخلَّف عن قسمته، لكن كيف السفر لحاجته؟ أيش الصورة؟ طالب: يمكن تذهب لتأتي له بشيء من هناك يعني.
طالب آخر: تُمَرِّض أمه في بلد آخر.
الشيخ: هذه من حاجاته؛ أن تُمَرِّض أمه، قال: إن أمي في المستشفى الفلاني –مثلًا- هو في المدينة، وأمه في مكة، دخلت المستشفى، فقال لأحدى الزوجتين: اذهبي إليها مَرِّضِيها، فذهبت، فالحاجة لِمَن؟ طالب: له هو.
الشيخ: الحاجة للزوج، لا تسقط نفقتها ولا القسم لها، وعندي في عدم سقوط القسم نظر، فإن الظاهر أن القسم يسقط؛ لأننا لو قلنا بعدم السقوط صار في ذلك ضرر على الزوجة الأخرى، ولا سيما إذا طال السفر، لنفرض أنها بقيت في السفر شهرين، ثم رجعت وقالت: أريد نصيبي من القسم، إذا قسم لها سيبقى منقطعًا عن الأخرى لمدة شهرين، وهذا قد يؤثر عليها، أما النفقة فالأمر فيها واضح.
يقول: (أو أَبَت السفر معه)، هذه المسألة الثالثة، إذا أبت السفر معه فليس لها قَسْم ولا نفقة، يعني إنسان له زوجتان، وأراد أن يسافر إلى مكة لعمرة، فقال لزوجتيه: اذهبَا معي، أما إحداهما فذهبت، وأما الأخرى فأبت، التي ذهبت لها القَسْم والنفقة، واضح، والتي أَبَت ليس لها قسم ولا نفقة؛ لأنها ناشز، والناشز ليس لها نفقة، وليس لها قَسْم.

يُستثنى من هذه المسألة -وهي أن تأبى السفر معه- ما إذا كانت شرطت عليه عند العقد ألَّا يسافر بها، فإن شرطت عند العقد ألَّا يسافر بها وتخلَّفَت عن السفر بناءً على الشرط فلها النفقة والقَسْم.
(أو أَبَت الْمَبِيت عنده في فراشه)، هذه المسألة الرابعة، إذا دعاها إلى فراشه فأَبَت فليس لها قَسْم، وليس لها نفقة، وهي آثمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ».
(16) يقول: (فلا قَسْمَ لها ولا نفقة)، ففهمنا الآن أن المرأة إذا منعت حق الزوج سقطت نفقتها، وإذا منع نفقتها فهل يسقط حقه؟ الجواب: نعم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126]، فإذا كان الزوج يمنع زوجته من النفقة فلها أن تمنع نفسها منه، ولها أن تأخذ من ماله بدون علمه، إذا كان يسيء معاملتها فهل لها أن تسيء معاملته؟ نعم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، والله أعلم.
الطالب: لو سافرت بإذنه في حاجته طبعًا يجب عليه أن.. الشيخ: يجب عليه الإنفاق والقَسْم.
الطالب: وأن يدفع لها تذكرة السفر؟ الشيخ: إي نعم، كل ما يتعلق بالسفر.

طالب: (... ) علاقة بين الرجل وامرأته فيها نوع من سوء التفاهم، ذكرتم أنه إذا (... ) حقها لها أن تسقط حقه، هل تكون هذه مثل قاعدة، يعني تكون قاعدة مطَّردة، فإنها قد تتعمم بين الوالد وأبنائه إذا (... ). الشيخ: لا؛ لأن الولد يجب عليه أن يَبَرّ والده.
الطالب: والمرأة؟

الشيخ: والمرأة يجب عليها أن تقوم بحق زوجها إذا قام بحقها؛ لأنه ليس هناك قرابة أو صلة توجِب أن كل واحد منهما عليه ما على الآخر، هذه معاملة بالمثل، أما مسألة القريب فالحق للأب على أبنائه وبناته.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو سافَرَت بلا إذنه في حاجته؟ الشيخ: بلا إذنه في حاجته؟ الطالب: بلا إذنه في حاجته، كأن رأت -مثلًا نفس المثال- أرادت أن تُمَرِّض أمه مثلًا وكان عاقًّا أو كذا، فسافرت في حاجته؟ الشيخ: إي نعم، يعني هو لا يريد أن تسافر إلى أمه لتمريضها، وهي قالت: أبدًا أمك لها حق عليك، أريد أن أذهب إليها أُمَرِّضها، فليس لها نفقة ولا قَسْم.
الطالب: ويكون نشوزًا كذلك؟ الشيخ: إي نعم، ويكون نشوزًا.
طالب: (... ) أساء معاملتها فلها إساءة معاملته، فهل إذا أساء معاملتها لها أن تمتنع عن الفراش؟ الشيخ: إي نعم، كل شيء، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، فمن منع حقك فلك أن تمنعه حقه.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، هل نقيد جميع مسائل القَسْم التي الحق مع الزوجة بما إذا لم تطل المدة، أما إن طالت فلا؟ الشيخ: يعني في المسائل هذه؟ يعني هذا وجيه؛ لأنه قد يكون مخالفة لقوله: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
الطالب: الضرر على الزوجة الأخرى يعني.
الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا قلنا: إنها إذا سافرت (... ) فتأخرت، ففي ذلك ضرر، لو قسم لها في ذلك ضرر على الزوجتين (... ). الشيخ: هي راضية، المرأة التي سافرت لحاجتها تعرف أنها ستبقى شهرين –مثلًا- وراضية بذلك.
الطالب: (... ). الشيخ: إذا اشترطت فحينئذ أرى -من غير أن أرجع إلى كلام الفقهاء في هذا- أنها إذا اشترطت عليه أن يرد الأمر إلى الأخرى يقول: هل توافقين أو لا؟ طالب: بارك الله فيك، إذا كانت زوجته مريضة، أو معيبة، أو مجنونة، ولكنه لا يستطيع الطلاق لكثرة الأعباء التي تترتب على الطلاق، فماذا يصنع؟

الشيخ: يستعين بالله ويَقْسِم.
الطالب: ربما تكون مريضة وتعديه؟ الشيخ: لا بد من هذا؛ لأنها ما دامت عنده فلا بد أن يقسم لها، ولهذا لم يُبْقِ النبي صلى الله عليه وسلم سودة حين أراد أن يطلقها إلا حين أسقطت حقها.
طالب: شيخ، إذا أراد السفر إلى بلاد الكفار فأبت أن تسافر معه، فهل تلزمه النفقة والقسم؟ الشيخ: لا، لا يلزمه؛ لأنه يجب أن تسافر معه؛ لأنه بالإمكان أن تذهب إلى هذه البلاد وتحمي نفسها، حتى يعني أرى أن ذهاب الرجل بدون أهله إلى البلاد الأخرى خطر عليه، وكم من مصائب وقعت في هذا، تجد الرجل يروح –مثلًا- يقول لأهله: امشوا معي، تقول: لا، ثم إذا ذهب إلى هناك ضاع.
الطالب: أحسن الله إليك، اشترطت المرأة عند العقد ألَّا يتزوج عليها، فأبى العاقد وقال: إن هذا الشرط لا يصح، ثم علمت المرأة أن هذا الشرط (... )، فطالبت الزوج فيما بعد، كيف يكون (... )؟ الشيخ: لا، هذا يسقط حقها، ما دام أسقطته يسقط، إلا إذا قالت: بناء على ذلك، أو بناء على أن القول الراجح هو هذا أسقطه.
الطالب: لا، لم تقل؟ الشيخ: أجل، إذن يسقط حقها، الواجب أنها تحتاط لنفسها.


طالب: وإن تزوَّج بكرًا أقام عندها سبعًا، ثم دار، وثَيِّبًا ثلاثًا، وإن أحبت سبعًا فعل وقضى مثلهن للبواقي.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا قاعدة في مسألة القسم أن عماده الليل لمن معاشه بالنهار، والنهار لمن معاشه في الليل، وسبق لنا أيضًا أن مَن نشزت فلا قسم لها؛ لأنها أسقطت حقها بنشوزها، وذِكْر أمثلة للنشوز، وسبق لنا أن مَن سافرت لحاجتها بإذنه فالصواب أن حقها باقٍ؛ لأنها سافرت بإذنه، فهي غير ناشز، أما مَن سافرت بلا إذنه فإنه ليس لها قسم ولا نفقة؛ لأنها ناشز..

ومَن وَهَبَتْ قَسْمَها لضَرَّتِها بإذْنِه أو له فجَعَلَه لأُخْرَى، جازَ فإن رَجَعَتْ قَسَمَ لها مُستقبَلًا, ولا قَسْمَ لإمائِه ولا أُمَّهَاتِ أَولادِه، بل يَطَأُ مَن شاءَ متى شاءَ، وإن تَزَوَّجَ بِكْرًا أقامَ عندَها سبعًا ثم دارَ، وثَيِّبًا ثَلاثًا، وإن أَحَبَّتْ سَبْعًا فَعَلَ وقَضَى مِثْلَهُنَّ للبَوَاقِي.
(فصلٌ) النُّشوزُ مَعْصِيَتُها إيَّاه فيما يَجِبُ عليها، فإذا ظَهَرَ منها أَماراتُه بأن لا تُجيبَه إلى الاستمتاعِ أو تُجيبَه مُتَبَرِّمَةً أو مُتَكَرِّهَةً وَعَظَها، فإن أَصَرَّتْ هَجَرَها في الْمَضْجَعِ ما شاءَ وفي الكلامِ ثلاثةَ أَيَّامٍ، فإن أَصَرَّتْ ضَرَبَها غيرَ مُبَرِّحٍ.
(بابُ الْخُلْعِ) مَن صَحَّ تَبَرُّعُه من زوجةٍ وأَجْنَبِيٍّ صَحَّ بَذْلُه لِعِوَضِه، فإذا كَرِهَتْ خُلُقَ زَوْجِها أو خَلْقَه فإذا كَرِهَتْ خُلُقَ زَوْجِها أو خَلْقَه أو نَقْصَ دينِه أو خَافَتْ إِثْمًا بتَرْكِ حَقِّه أُبيحَ الْخُلْعُ وإلا كُرِهَ وَوَقَعَ، فإن عَضَلَها ظُلْمًا للاقتداءِ، ولم يكنْ لزِنَاهَا أو نُشوزِها أو تَرْكِها فَرْضًا ففَعَلَتْ، أو خالَعَت الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ، أو الأَمَةُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها لم يَصِحَّ الْخُلْعُ ووَقَعَ الطلاقُ رَجْعِيًّا إن كان بلفْظِ الطلاقِ أو نِيَّتِه.
(فصلٌ) والخُلْعُ بلفظٍ صريحٍ الطلاقُ أو كنايتُه وقَصْدُه طلاقٌ بائنٌ، وإن وَقَعَ بلفظِ الْخُلْعِ أو الْفَسْخِ أو الفِداءِ، ولم يَنْوِه طَلاقًا كان فَسْخًا لا يَنْقُصُ عددَ الطلاقِ، ولا يَقَعُ بِمُعْتَدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ ولو وَاجَهَها به بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق أن القاعدة في مسألة القَسْم أن عِماده الليلُ لمن معاشه بالنهار، والنهارُ لمن معاشه بالليل.

وسبق لنا أيضًا أن مَن نشزتْ فلا قَسْم لها؛ لأنها أسقطتْ حقَّها بنشوزها، وذكر أمثلة للنشوز.
وسبق لنا أن مَن سافرتْ لحاجتها بإذنه فالصواب أن حقَّها باقٍ؛ لأنها سافرتْ بإذنه فهي غير ناشز، أمَّا مَن سافرتْ بلا إذنه فإنه ليس لها قَسْم ولا نفقة لأنها ناشز.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى مسألة وهي: (مَنْ وَهَبَتْ قَسْمَها لِضَرَّتِها بإذْنِهِ أو لَهُ فجَعَلَهُ لأُخرى جَازَ) إذا وهبت المرأة قَسْمها لزوجها فله أن يجعله لمن شاء من زوجاته، وإذا قسمتْه لزوجةٍ معيَّنةٍ تعيَّنت الموهوب لها.
مثال الأول أنْ يكون لرجلٍ أربع زوجات، فقالت الأولى: وهبتُ قَسْمي لكَ.
فيقول المؤلف إنه يجعله لمن شاء؛ للثانية، للثالثة، للرابعة، ولو قيل: إنه يجعله بينهن لكان هو الواجب، هو العدل، كيف ذلك؟ بأن نقول: إذا كان معه أربع نساء فالقَسْم يدور على أربعة أيام، فإذا وهبت الأولى قَسْمها فليكن القَسْم دائرًا على ثلاثة أيام؛ لأن هذا هو العدل، إلا إذا قال: أنا لا أريد أن يكون على ثلاثة أيام، أنا أريد أن أقسم لواحدة يومين.
نقول: إذَن مقتضى العدل أن تُقْرع بينهن، أما أن تجعله لواحدةٍ دون الأُخْريات فلا، هذا خلاف العدل، أقْرِع بينهن، ومَن خرجت لها القُرعة فيكون لها.

الوجه الثاني: أن تهب يومها لامرأةٍ معيَّنةٍ فتقول الأولى: قد وهبتُ يومي للثانية.
فيتعيَّن للثانية، ولا يحلُّ له أن يجعله لامرأةٍ أخرى؛ دليل ذلك أن سودة بنت زمعة رضي الله عنها لما خافت أن يطلِّقها النبيُّ صلى الله عليه وسلم لكِبَر سِنِّها وهبتْ يومَها لعائشة (1)، واختارت سودةُ عائشةَ لأنها أحبُّ نسائه إليه، فأرادت أن تهبه لمن يحب عليه الصلاة والسلام، وهذا من فقهها وشفقتها على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ أمَّا كونه من فقهها فلأن رسول الله لو طلَّقها لن تبقى من أمهات المؤمنين، ولن تكون زوجةً له في الآخرة، وأمَّا كونه من شفقتها على الرسول فلأنها وهبتْه لأحبِّ نسائه إليه.
فصار إذا وهبتْ قَسْمها للزوج على وجهين: الوجه الأول: أن تجعله له، فعلى كلام المؤلف يجعله لمن شاء من الزوجات، والصحيح أنه لا يملك أنْ يجعله لمن شاء؛ لأن هذا جورٌ؛ فإن إسقاط المرأة حقَّها معناه أنه لم يكن له إلا ثلاث زوجات الآن، فإما أن يقال: يوفر هذا اليوم على الثلاث جميعًا ويكون مدار القَسْم على ثلاثة، وإما أن يُقرع.
الوجه الثاني: أن تهبه لامرأةٍ معيَّنةٍ، فهنا لا يتعدَّاه الزوج.
طيب، إذا قال الزوج بعد أن وهبتْه لواحدة معيَّنة قال: أنا لا أريده عسى أني أقوم بيومها، كيف تجعل لها يومين؟ ! ماذا نصنع؟ نقول: ردَّ الهبة، فيبقى اليوم لمن وهبتْه؛ يعني للواهبة، ثم إن شاءت وهبتْه مرَّةً أخرى إلى امرأة ثانية، وإلا أسقطت حقَّها والزوج يجعل المدار على ما بقى من الزوجات.

وقول المؤلف رحمه الله: (لضَرَّتها بإذنه) يُفهم منه أنه لو لم يأذن ولم يقبل فإنه لا ينتقل إلى الموهوب لها؛ يعني لا بدَّ أن يرضى، الحقُّ حقُّه، لو كانت امرأة مثلًا لا ترغب الزوج لسبب من الأسباب وقالت: إنها لا ترغب أن يَقْسم لها وقد جعلتْ قَسْمها لفلانة.
قال: لا أقبل.
قالت: أجعلُهُ لك، أعطِهِ مَن شئتَ.
قال: لا أقبل، أنا أريد أن آتي إليك.
هل تملك إسقاط حقه؟ لا، ولهذا قال: (بإذنه).
(فإنْ رَجَعَتْ قَسَمَ لها مستقبلًا) (إنْ رَجَعَتْ) يعني رجعتْ في هِبَتها (قَسَم لها)، لماذا؟ قالوا لأنها هبةٌ لم تُقبض.
وهل يقضي ما مضى؟ لا؛ لأن ما مضى قد قبضه وانتهى منه، أما المستقبل فهو هبةٌ غير مقبوضة فلها أن ترجع فيه، أنتم فاهمين هذا؟ مثال ذلك: امرأة وهبتْ قَسْمها لزوجة أخرى؛ قالت: يومي لفلانة.
مضى على ذلك شهران، ثم رجعت وقالت: رجعتُ، أريد أن تقسم لي.
هل لها الحق في الرجوع؟ طالب: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم، لأي شيء؟ لأنها وهبتْ شيئًا لم يُقبض.
لكن هل تُطالب بقضاء ما مضى؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنه قد قُبِض وانتهى.
وظاهر كلام المؤلف أنها لو رجعتْ فلها ذلك مطلقًا، لكن ينبغي أن يُقيَّد بما إذا لم تتلاعب بالزوج، فإن تلاعبتْ به؛ أسبوعًا تهبُ يومها لفلانة، والأسبوع الثاني لفلانة، والأسبوع الثالث لفلانة، والأسبوع الرابع تهوِّن تقول: أريد أنا، هنا إذا تلاعبت فللزوج الحرية في أن يقول: لا أقبل، وسوف أقسم لكِ يومكِ، شاءتْ أمْ أَبَتْ.
(فإنْ رَجَعَتْ قَسَمَ لها مستقبلًا، ولا قَسْمَ لإمائِهِ وأمهاتِ أولاده، بل يَطَأُ مَن شاءَ متى شاءَ).

والدليل على ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فدلَّ ذلك على أن ملك اليمين لا يجب عليه أن يَقْسم بينهن، فله أن يطأ مَن شاء متى شاء، فإذا قدَّرنا أن عنده أربع إماءٍ مملوكات وصار يأتي لواحدة منهن دائمًا، فهل هو آثم؟ الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وكذلك أمهات الولد؛ لأن أمَّ الولد يطؤها سيدها بمقتضى التسرِّي وليس بمقتضى النكاح.
فمَن هي أمُّ الولد؟ هي التي أتتْ من سيدها بما تبيَّن فيه خلْق الإنسان؛ يعني جامعها سيدها وحملتْ ووضعتْ.
وضعتْ مضغةً قد خلِّقت نقول: هي أمُّ ولد.
طيب، وضعتْ جنينًا حيًّا؟ أمُّ ولد.
وضعتْ مضغةً غير مخلَّقة؟ الطلبة: ليست أمَّ ولد.
الشيخ: ليست أمَّ ولد، نعم.
(وإنْ تزوَّج بِكْرًا أقامَ عندها سبعًا ثم دارَ، وثيِّبًا ثلاثًا، وإنْ أحبَّتْ سبعًا فَعَلَ وقضى مِثْلهنَّ للبواقي) يعني إذا تزوج زوجةً جديدةً إنْ كانت بِكرًا أقامَ عندها سبعة أيام، وإن كانت ثيِّبًا أقام عندها ثلاثة أيام.
البِكْر يقيم عندها سبعًا لسببين: أولًا: أن رغبة الإنسان في البكر أقوى من رغبته في الثيِّب، فأمهل له في الأمر حتى يقضى نهمته.
وثانيًا: أن البكر لم تستأنس بالرجال، وهذه أول مرة، فتحتاج إلى زيادة مدَّةٍ من أجْل أن تستأنس بالرجل وتألف الرجل.
أمَّا الثيِّب فقد عرفت الرجال وأنستْ بهم من قَبْلُ، ثم الرغبة في الثيب أقل من الرغبة في البكر، فلهذا جعل لها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثًا؛ دليل ذلك قول أنس بن مالك رضي الله عنه: من السُّنة إذا تزوَّج البكرَ على الثيِّب أقام عندها سبعًا، وإنْ تزوَّج الثيِّب أقام عندها ثلاثًا (2). والحكمة كما ذكرتُ لكم.

طيب، إذا أقام ثلاثًا عند الثيِّب ورغبتْ أن يبقى عندها سبعًا فله ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأمِّ سلمة حين أقامَ عندها ثلاثًا، قال لها: «إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكِ، وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي» (3). فإذا طلبت أن يبقى عندها سبعة أيام فعلَ، لكن يجب أن يقضي للبواقي كم؟ أربعة أيام الزائدة ولَّا سبعة؟ طالب: سبعة.
طالب آخر: أربعة.
الشيخ: سبعة أيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: «إِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي».
إذا قال قائل: لماذا لم يُجعَل للثيب ثلاثة أيام ونصف؛ نصف البكر؟ البكر سبعة أيام، والثيب لماذا لم يجعل ثلاثة أيام ونصف؟ لأن القَسْم هنا لا يمكن، القَسْم مداره على يوم وليلة، فإذا قُلنا: ثلاثة أيام ونصف معناه على نصف يوم، وهذا لا يستقيم.
السؤال الثاني: لماذا خُصَّت البكر بسبعة أيام؟ لماذا لم تُجعَل أربعة عشر يوما أو خمسة أيام؟ الحكمة من ذلك -والله أعلم- أنه سبعة أيام تدور عليها أيام الأسبوع كلها، لأنها سبعة أيام: السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة، دارت أيام الأسبوع عليها كلها.
نظير ذلك العقيقة؛ شُرِعت في اليوم السابع لأنه في اليوم السابع تكون أيام الأسبوع قد أتتْ على هذا الطفل، واضح يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب.
إذا قال قائل: لماذا يُسَبِّع للبواقي إذا اختارت الثيب سبعًا؟ نقول: لأنها لما اختارت السبع بطل حقُّها الأول وهو ثلاثة أيام، وإلا فمقتضى الحال أن يقول: إذا اختارت التسبيع فإنه يُربِّع للبواقي؛ لأنها إذا اختارت التسبيع ثلاثة أيام من حقِّها، والزائد أربعة يجعله للبواقي، كل واحدة أربعة أيام.
لكن نقول: لما اختارت السبع كأنها أسقطتْ حقَّها الأول، فإذا أسقطتْ حقَّها الأول صارت أخذت سبعة أيام، فنعطي الأُخريات سبعة أيام.

طيب، ما تظنون أن تختار: سبعة أيام ويسبِّع للبواقي، أو ثلاثة أيام ويوحِّد للبواقي؟ طلبة: ثلاثة أيام.
الشيخ: ثلاثة أيام، إلا إذا كانت قبل حيضتها، نعم؛ هي تقول: سبعة أيام؛ لأنها بعد السبعة أيام تحيض، وهو ليس عنده إلا امرأة واحدة معها، وحيضها سبعة أيام، فيكون انشغاله بالثانية في أيام الحيضة، إذَن يمكن تختار السبعة الأيام، يمكن تختار أن يسبِّع لها ويسبِّع للباقيات.
على كل حال هذه المسائل ترجع لكل امرأة بانفرادها، ما يمكن أن تأخذ ضابطًا، إنما الحكم الأصلي أنه إذا تزوج بكرًا أقامَ عندها سبعة أيام ثم دار على بقية النساء، وإذا تزوج ثيِّبًا أقام عندها ثلاثة أيام، لكن يخيِّرها، إن شاءت اقتصرت على أيامها الثلاثة ثم صار يأتي للزوجات الأُخريات على يوم يوم، وإن شاءت سبَّع لها، وإن سبَّع لها سبَّع لنسائه.


ثم قال: (فصل: النُّشُوزُ معصيتُها إيَّاهُ فيما يجب عليها).
النشوز يكون من الزوج ويكون من الزوجة؛ قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: 34]، وقال تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: 128]، فكيف نُعامل الناشز من الرجل والمرأة؟ استمع إلى كلام المؤلف، يقول: (النُّشُوزُ: معصيتُها إيَّاهُ فيما يجب عليها، فإذا ظَهَرَ منها أَمَاراتُهُ بأن لا تُجيبه إلى الاستمتاع أو تُجيبه متبرِّمةً أو متكرِّهةً) عمل معها ما يأتي.
فالنشوز أن تعصي المرأةُ زوجَها فيما يجب عليها له، ونشوز الزوج أن يمتنع من بَذْل ما يجب عليه لامرأته أو يتكبَّر عليها.

يقول: (بأن لا تُجيبه إلى الاستمتاع).
إذا دعاها ليستمتع بها أَبَتْ؛ قالت: إنها مشغولة، تعبانة، ما لها نفسيَّة، وما أشبه ذلك، مع أن الأمر خطير؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ أَنْ تَجِيءَ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» (4)، فهي من كبائر الذنوب.
المهم هي امرأة ما هي سائلة، امتنعت، نقول: هذه ناشز، أو تُجيبه لكنها تُجيبه متبرِّمةً تُظهر المللَ والتعبَ أو متكرِّهة؛ مثل إذا دعاها يجد منها التكَرُّهَ لهذا، وربما يسمع منها كلامًا: أتعبْتَنا، آذَيْتَنا، الله يعين عليك، وما أشبه ذلك، هذه نقول: هي ناشز؛ لأن الواجب عليها أن تبذل ما يجب عليها بانشراح صدر.
فماذا يعمل؟ قال: (وعظها) فذكَّرها بالله، حذَّرها من المخالفة.
(فإنْ أصرَّتْ هَجَرَها في المضجعِ ما شاء، وفي الكلامِ ثلاثةَ أيام).
إن أَبَتْ إلا أن تنشز يهجرها في المضجع، وقوله: (ما شاء) يعني ما لم ترجع إلى حُسن السيرة، فإن رجعتْ إلى حُسنِ سيرتها فلا يهجرها، لكن إذا بقيتْ يهجرها في المضجع ما شاء؛ يعني لا يضاجعها، وفي غالب الظن أنه إذا هَجَرَها في المضجع فسوف ترجع.
أمَّا في الكلام فيقول: (ثلاثة أيام)، لا يزيد؛ دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ» (5). طيب، إذا قلنا: لا يهجرها فوق ثلاث، فماذا يصنع قبل أن تمضي الثلاث؟ يمكن أن يقول: يا فلانة افتحي الباب، زالَ الهجر.
يمكن إذا دخل عليها يقول: السلام عليكم، زالَ الهجر.

قال: (فإنْ أصرَّتْ ضَرَبَها ضَرْبًا غيرَ مُبَرِّحٍ).
يعني غير مؤلِم ولا مُوجع، لكن للتأديب، فالمراحل إذَن ثلاث: الوعظ، ثم الهجر، ثم الضرب لكن غير مبرِّح؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فَإِنْ أَوْطَأْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ» (6)؛ لأن المقصود التأديب لا التعذيب.
وإذا خافت هي النشوز من الزوج فقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: 128] وهذا مما يدل على كمال الشريعة حيث فرقت بين نشوز الزوجة ونشوز الزوج؛ لأن الزوج لا يمكن للزوجة أن تهجره أو أن تضربه، هذا لا يمكن، لذلك قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ يعني: يطلبان الصلح إما بالتفريق أو غير ذلك.
طالب: بماذا يكون نشوز الزوج؟ الشيخ: نشوز الزوج يكون بألَّا يبذل الواجب عليه من النفقة أو من العِشرة بالمعروف، يَكْفَهِرُّ في وجهها، يُمانعها مما يجب عليه من العِشرة، يتكَرَّه لهذا الشيء.
الطالب: هذا محرَّم؟ الشيخ: محرَّم، نعم، هذا من حقوقها.
طالب: بارك الله فيك، هل يُعذَر الزوج بتَرْك الجماعة إذا أقامَ عندها؟ الشيخ: (... ) أقامَ عندها ولا يروح يصلي في المسجد؟ الطالب: بعض الناس يحتجُّون بذلك.
الشيخ: لا، غلط، أقام عندها بالنسبة لزوجاته؛ يعني لم يذهب إلى الزوجات، ولا يُعذَر الإنسان بترك صلاة الجماعة.

لكن بعض العلماء يقول: يُعذَر بترك الجماعة إذا كان ليلة الزفاف وكان أهل الزوجة يأتون بها إليه؛ لأنه ربما يأتون إلى البيت ولا يجدونه إذا ذهب يصلي، لا سيما إن ذهب يصلي في المسجد يتأخر، فهنا إذا جاؤوا إلى الزوج ومعهم الزوجة يزفُّونها إليه وجدوا الباب مغلقًا، يستأذنون ولا يؤذَن لهم، هذه كبيرة عليهم، فلذلك قال بعض العلماء: إنه يُعذَر بترك الجماعة إذا كان ينتظر زوجةً تُزَفُّ إليه، وهذا وجيهٌ في الواقع، حتى هو لو ذهب إلى المسجد في هذه الحال سوف يكون مشغولًا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ» (7). طالب: بالنسبة للضرب المبرِّح كيف؟ الشيخ: الشديد الذي يجرح أو يوجب تورُّمَ الجلد أو انحباسَ الدم، ما تعرف هذا؟ ! أحيانًا يُضرَب الإنسان فيؤثِّر في جلده يكون نقطة سوداء، هذا مبرِّح، أو ينجرح، هذا مبرِّح، أو ينكسر، مبرِّح، فهمت؟ الطالب: إذا ضربها بخيزران (... ). الشيخ: الخيزران ما أدرى، قد يكون يده قوية، فإذا ضربها بقوة ممكن تؤثر، لكن يضربها بيده، يضربها على ظهرها مثلًا، أو بسيرٍ خفيف.
طيب، لو ضربها بالمخدة؟ طالب: غير مبرِّح هذا.
الشيخ: مبرِّح؟ طالب: ينظر فيه.
الشيخ: أيش هو؟ ما هذا؟ الطالب: لا يؤثر عليها.
الشيخ: ما يؤثِّر عليها! لا, يؤثِّر عليها؛ عند الناس المخدة الكبيرة اللي يتكئ عليها أَخَذها وضَرَبها بها، أنا كنت أظن أنك تقول: ليس هذا ضرب، وأن هذا رَمْي.
على كل حال لا يضربها ضربًا مبرِّحًا هكذا.
طالب: شيخ، بالنسبة إذا قطع الهجر قبل ثلاث؛ قال: السلام عليكم (... ) ثلاثة أيام، هل يستمر بعد (... )؟ الشيخ: إي نعم، مثلًا في آخر اليوم الثالث سَلَّم انقطع الهجر، له أن يتأخر ثلاثة أيام أيضًا.

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، ذكرتم في بداية الدرس قلتم: الصواب أنه إذا سافرتْ بإذنه في حاجته أن حقَّها ثابت، ذكرناه في الدرس الماضي على ما أذكر أنه صعب إذا رجعت أن يقسم لها، وإنما.. الشيخ: لا، بالنفقة.
الطالب: بالنفقة نعم.
الشيخ: إحنا تكلمنا في النفقة، أما القَسْم فلا، لا قَسْم لها.
طالب: أحسن الله اليكم، إذا لم ينفعها الضرب غير المبرِّح ما هو الحل؟ الشيخ: الحل: ﴿إِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] يعني يؤخذ من أهله رجُل ومن أهلها رجُل ينظران في الأمر، ثم يعملانِ ما يريانه المصلحة من جَمْع أو تفريق بعِوَض أو بغير عِوَض.
الطالب: لهما حقُّ التفريق يا شيخ ولَّا لا بد من القاضي؟ الشيخ: بدون قاضٍ، فإن لم يتفقا فالقاضي، ولكن إذا لم يتفقا وذهبا إلى القاضي وصمَّمت المرأة (... ).


باب الخلع

طالب: فإنْ عَضَلها ظُلمًا للافتداء ولم يَكُنْ لِزِناها أو نُشُوزِها أو تَرْكها فَرْضًا ففعلت أو خالعت الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ، أو الأَمَةُ بغير إذْنِ سيِّدها لم يصِحَّ الخلعُ، ووَقَعَ الطلاقُ رجعيًّا إنْ كان بلفظ الطلاق أو نيَّته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الْخُلع) ويجوز الْخَلع، فالْخَلع: الفِعْل من الْخُلع، والْخُلع هو نفس الفَسْخ؛ وهو فراق الزوجة على عِوَض بألفاظ الخلع أو الفسخ أو نحوه؛ يعني بغير لفظ الطلاق.
تعريفه مرَّة ثانية: فراق الزوجة بعِوَض بغير لفظ الطلاق، هذا الخلع؛ مثل أن تقول المرأة لزوجها: هذه ألْف ريال وفارِقْني، ففارقَها على الألْف، نسمِّي هذا خلعًا.
فإنْ وقَعَ بلفظ الطلاق بأنْ قالت: هذه ألْف ريال وطلِّقْني، فقال: طلقتكِ على ألف ريال، فهل يكون خلعًا؟

الفقهاء يقولون: لا يكون خلعًا، بل هو طلاقٌ على عِوَض، واختار شيخ الإسلام رحمه الله اتباعًا لابن عباس رضي الله عنهما أنه خلعٌ ولو وَقَعَ بلفظ الطلاق، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ يعني الطلاق الذي فيه رجعةٌ مرَّتانِ، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ هذا معنى الرجعة؛ يعني إما يُمْسِكها ويردُّها، وإما أن يسرِّحها بإحسان، ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ يعني فيما بَذَلَتْه فِداءً لنفسها حتى يفارقها الزوج، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 229، 230] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فهذا يدل على أن ما كان بعِوَضٍ فليس بطلاقٍ على أيِّ لفظٍ كان.
وجه الدلالة أنه لو كان طلاقًا لكان قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الطلقة الرابعة؛ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، فيكون الطلاق أربعًا، وهذا غير صحيح بإجماع المسلمين، ما فيه طلاق أربعًا، الطلاقُ ثلاثٌ، ولا شكَّ أن هذا الذي ذكره رحمه الله قويٌّ جدًّا في النظر، وهو ظاهرٌ من سياق الآية الكريمة، ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما قاعدةً أو ضابطًا: كلُّ ما جَازَهُ المالُ فليس بطلاقٍ (8). يعني كلُّ فراق على مالٍ فليس بطلاق، أعرفت؟

لكن ينبغي -بل أقول: لو قيل بالوجوب لكان له وجهٌ- لمن أراد أن يكتب الخلع أن يقول: حضر عندي فلان وفلانة وخَالَعَها على عِوَضٍ قدره كذا وكذا، ولا يقول: طلَّقَها؛ لأنه إذا قال: خَلَعَها؛ صار فسْخًا لا ينقص به عدد الطلاق ولا يُحسَب على الزوج، لكن لو قال: طلَّقها؛ صار فيه الخلاف؛ شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إنه فَسْخ ولو كان بلفظ الطلاق، والمذهب يقولون: إذا كان بلفظ الطلاق فهو طلاق.
ذكرنا دليل شيخ الإسلام رحمه الله.
طالب: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان﴾... ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.
الشيخ: اختصرت الآية، لكن ها.
الطالب: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
الشيخ: هذا الفراق هو الثالث.
الطالب: هذا يا شيخ فَسْخ.
الشيخ: لكن هو فراق ولَّا لا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، هذا الفراق الثالث، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾.
الطالب: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.
الشيخ: هذا الفراق الرابع، لو عددنا الفراق الثالث في الآية لو عددناه طلاقًا لَكان الطلاق هو الرابع، لكن نقول: إنه فِداءٌ أو فَسْخٌ وليس بطلاق.

المذهب يقولون: إن الطلاق على عِوَضٍ طلاقٌ، يُحسَب من الطلاق، ويستدلُّون لذلك بأن امرأة ثابت بن قيس رضي الله عنها وعنه أيضًا لما كَرِهتْه قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ».
لأن الحديقة مهرٌ لها، قالت: نعم يا رسول الله أرُدُّ عليه حديقتَه.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لزوجها -وهو ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه- قال: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9). وقالوا: وهذا دليلٌ على أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «طَلِّقْهَا»، فدلَّ ذلك على أنه إذا طلَّقَها وَقَع الطلاق.
وهذا استدلالٌ قويٌّ من حيث اللفظ، والأول -الاستدلال بالآية- قويٌّ من حيث المعنى، ولذلك المسألةُ متردِّدة بين القول بأنه إذا وقع بلفظ الطلاق كان فَسْخًا أو كان طلاقًا، لكن الخروج من هذا الإشكال بماذا؟ بأنْ يقول: فسَخْتُ زوجتي أو خالعتُها على عِوَضٍ قدره كذا وكذا.
ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا كتبَ مُخالَعةً بين زوجين ألَّا يقول: طلَّقَها على عِوَض، بل يقول: خالَعَها، فارَقَها، فاداها، وما أشبه ذلك، حتى لا يُوقِع مَن بعده في إشكال.


قال المؤلف: (مَنْ صحَّ تَبَرُّعُه من زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضِهِ).
(مَنْ صحَّ) شَرْط، أين جوابه؟ (صحَّ بَذْلُهُ لعِوَضِهِ) أي: لعِوَض الخلع.
يعني: أيُّ إنسانٍ يصح تبرُّعه (من زوجةٍ وأجنبيٍّ) يعني: من الزوجة، (صحَّ بَذْلُهُ) أي: بَذْل المتبرِّع (لعِوَضه) أي: لعِوَض الخلع.
ومَن المبذول له؟ الطلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، طيب.
وقول المؤلف: (مَن صحَّ تبرُّعُه) احتراز ممن لا يصح تبرُّعُه؛ كالصغير ونحوه فإنه لا يصح أن يتبرَّع، أو ولِيِّ اليتيم أو ما أشبه ذلك لا يصح أن يتبرَّع، لكن مَن صحَّ أن يتبرَّع بالمال صحَّ أن يبذل عِوَض الخلع للزوج.

وقوله: (من زوجةٍ وأجنبيٍّ) لو فرضْنا أن الزوجة محجورٌ عليها، ما هي رشيدة التصرف، ثم طلبت الخلع من الزوج وخالَعها، فالمخالَعة أيش؟ لا تصحُّ؛ لأن المحجور عليها لا يصح أن تتبرَّع.
وقوله: (وأجنبي) يعني: أجنبي من الزوجة؛ فلو أن شخصًا جاء إلى رجُلٍ وقال: يا فلان، زوجتُك متعبة، ما هي مستقيمة معك، ولكن أنا أريد أن أفكَّ المشكلة، هذه عشرة آلاف ريال واخلعْها.
والزوجة ما علمت، يجوز أو لا؟ طلبة: يجوز طلبة آخرون: لا يجوز.
طالب: على قول المؤلف.. الشيخ: اسمعْ يا أخي: (من زوجة وأجنبي) يصِحُّ، وهذا الرجل سَعْيه مشكور إذا أراد أن يفكَّ المشكل بين الزوج وزوجته، طيب هذه مسألة.
مسألة أخرى: رجل يُبغض الزوجة، ورأى أن الزوجة حياتها سعيدة مع زوجها، وزوجها راضٍ بها وهي راضيةٌ به، وكما يقول العوام (... )، فأراد أن يحسدها لأنه يكرهها، فذهب إلى زوجها وقال: تعال.
وزوجها قليل ذات اليد؛ فقير، قال له: تعال، المهر الآن ثلاثون ألفًا، وأنا بأعطيك ستين ألفًا وخالِعْ هذه الزوجة.
ماذا تقولون في هذا الفقير؟ يوافق ولَّا ما يوافق؟ الطلبة: يوافق.
الشيخ: يوافق يقول: بأحصِّل بستين ألفًا زوجةً ومالًا أبيع به وأشتري، فيخالع الزوجة، أيصح الخلع أو لا؟ طالب: على قول المؤلف يصح.
الشيخ: على قول المؤلف يصح الخلع، لكن ذلك آثِمٌ، الذي بَذَلَ العِوَض آثِمٌ؛ لأنه فرَّق بين زوجين ليس بينهما شقاق ولا نزاع.

رجل ثالث أعجبتْه زوجةُ رجلٍ لجمالها وعلمها وحذقها، أعجبتْه، لكن هي الآن معها زوج، فماذا يصنع؟ قال: أذهبُ إلى زوجها وأُغريه بالمال حتى يطلِّقها وأتزوجها أنا، فذهب إلى الزوج وأغراه بالمال قال: يا فلان، المهر الآن ثلاثون ألفًا تُحَصِّل به امرأةً بكرًا من أحسن النساء، أنا بأعطيك ستين ألفًا.
قال: لا، شوي.
لأنه يحب زوجته، قال: تسعين ألفًا، خذ ثلاث زوجات، قال: زوجتي أحبُّ إليَّ من ثلاثة.
قال: كم؟ مئة وعشرين ألفًا عشان تأخذ أربعًا.
فكأنَّ الرجل أعجبه هذا العرض فقال: لا بأس.
أعطاه المئة وعشرين ألفًا وخالَعَ الزوجة لأجْل أن يتزوَّجها هذا الذي أعطاه المئة وعشرين ألفًا، هل يجوز؟ طالب: لا.
الشيخ: أنكر الإمام أحمد نفسه هذا إنكارًا عظيمًا وقال: نعوذ بالله، أيفعل هذا أحد؟ ! إذا كان الذي يخرب الزوجة على زوجها وردَ فيه الوعيد، كيف عاد هذا الرجل؟ ! والصحيح أنه لا تجوز المخالَعة من الأجنبي إلا للمصلحة، لو أن إنسانًا عرف أن بين الزوجين مشاكل لا تنتهي وأن مِن المصلحة المخالَعة حينئذٍ نقول: هذا الرجل محسنٌ، وجزاه الله خيرًا، وفكَّ مشكلًا، والخلع أيش هو؟ الخلع صحيح.
أمَّا مَن أراد الإضرار بالمرأة وخالَع فهذا حرامٌ، ولا يصح الخلع، وأمَّا مَن خالع من أجْل أن يتزوَّجها فهو أشدُّ، ويجب أن نمنعه منها، نمنعه من تزوُّجه بها معاقبةً له بنقيض قصده؛ لأن مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، وإذا كان ثبت عن بعض السلف أن من خَطَبَ امرأةً في عِدَّتها حرمتْ عليه على التأبيد نكالًا له، فهذا الذي خَطَبَ المرأة على زوجها من باب أَوْلى، ولهذا يجب على القُضاة إذا علموا أن هذا الرجل إنما بَذَل الخلع لزوج المرأة من أجْل أن يتزوجها بعده، يجب أن يمنعوه منها وألَّا يُمَكِّنوه من زواجها.

يقول رحمه الله.. لما ذَكَرَ الخلعَ وأنَّ مَن صحَّ تبرُّعه صحَّ بَذْله لعوضه بيَّن ما أسباب الخلع؛ قال: (فإذا كرهتْ خُلُقَ زوجِها) بأن كان الزوج سيئًا؛ يدخل مغضَبًا ويخرج مغضَبًا، ويكلِّفها ما لا تطيق، وإذا حصل أدنى خللٍ في الطعام والشراب ذهب يشتم ويسبُّ، خلق طيب؟ طالب: هذا سيِّئ.
الشيخ: أيش هو هذا؟ طيِّب ولَّا غير طيِّب؟ طلبة: سيِّئ.
الشيخ: هذا خُلُق سيئ، إذا كرهتْ خُلُق زوجها لها أن تخالعه.
(أو خَلْقَهُ) يعني خِلْقته، مَثَلًا رأته دميمَ الخِلْقة ما أعجبها شكله، فلها أن تخالع.
طيب، إذا قال قائل: أليستْ قد تزوَّجتْه راضيةً به؟ قلنا: بلى، لكن ربما تكون لم تَرَهُ، وهذا مِن فائدة نظر الخاطب إلى مخطوبته والمخطوبة إلى خاطبها، ربما لم يرها، أو أن النظرة أول مرة لا يحصل بها التروِّي؛ يعني قد ينظر الإنسان إلى آخَر في أول وهلةٍ يظن أنه صاحبُ خُلُق وجميلٌ وما أشبهَ ذلك، ثم به عند التأمل والتروِّي يكون الأمر بالعكس، أو أنه يحدث له.. يعني الرجل زوجها ما فيه إخلال، لكن حدث له ما شوَّه خِلْقته بأن أُصِيبَ بحادثٍ فاختل جمالُ وجهه، أو انكسرت يده واختلَّت، أو ما أشبه ذلك، المهم إذا كرهتْ خِلْقة زوجها فلها الخلع.
(أو نَقْصَ دينِهِ) بأن تزوجتْ رجلًا تحسبه من خيرة الرجال في الدين، ولكن تبيَّن أنه ليس كذلك، أو كان مستقيمًا في أول الأمر ثم انحرف فكرهتْه لذلك، وهذا مع الأسف يقع كثيرًا، كثيرٌ مِن الناس مَن هو كالطاوس يُعجبك بريشه ولكنه لا خير فيه؛ كثيرٌ من الناس يُعجب المرأةَ في دينه وفي خُلُقه، لكن عندما تتزوجه تجده سيِّئَ الخُلُق والدين، أو ربما يسوءُ دينُه وخُلُقه فيما بعد، فإذا رأتْهُ ناقصَ الدين يصلي مع الجماعة أحيانًا ويترك أحيانًا، ويصلي في الوقت أحيانًا ويترك أحيانًا ويبرُّ والديه أحيانًا ويلعن والديه أحيانًا، هذا نقص الدين، لها أن تطلب الخلع أو لا؟ طالب: لها ذلك الشيخ: لها ذلك، طيب.

(أو خافتْ إثمًا بتَرْكِ حقِّه) يعني رأتْ من نفسها أنها لا تنقاد له؛ إن دعاها إلى فراشه صارت تمشى وكأنها تقلع رِجْلها من الطين متباطئة متثاقلة، إن أَمَرها بحاجةٍ ما فعلتْها على المطلوب، المهم خافتْ إثمًا بتَرْك حقِّه، قال المؤلف (أُبيحَ الْخُلْعُ) أُبيح لمن؟ للمرأة أن تخالع وتطلب زوجها للمخالَعة ولا تُلام على ذلك.
فإن قالت: أنا لا أعيبه في خُلُقه ولا دينه، لكن أنا لا أريده، أنتم إذا أجبرتمونى عليه سوف أُلقي نفسي في النار.
يعني كراهة الإنسان من الله عز وجل لا لسببٍ ظاهرٍ، فهل لها أن تخالع؟ الجواب: نعم، لها أن تخالع؛ لأن امرأة ثابت بن قيس جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالت: يا رسول الله، ثابت بن قيس ما أعيبُ عليه في خُلُقٍ ولا دينٍ -رجُلٌ خَلُوقٌ، رجُلٌ جيِّدٌ، ونحن نضيف الآن: من أهل الجنة، ثابت بن قيس شهد له الرسول عليه الصلاة والسلام بالجنة (10) - ولكنِّى أكره الكفر في الإسلام؛ يعني أكره ألَّا أقوم بحقِّه، وهذا الكفر كفر العشير؛ يعني لا أستطيع أن أقوم بحقِّه، والمحبة والكراهة أمْرٌ يجعله الله في قلب العبد، فلم يُنكر عليها الرسول عليه الصلاة والسلام، بل قال لها: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ».
قالت: نعم (9). المهم أن المرأة إذا كانت لا تطيق الصبر مع الزوج لأيِّ سبب من الأسباب فلها أن تطلب الخلع.
يقول المؤلف رحمه الله: (وإلَّا) يعني وإلَّا يَكُنْ هناك سبب (كُرِهَ ووَقَعَ) أيش اللي يُكْرَه؟ الخلع، (ووَقَعَ) أي: الخلع.

واقتصار المؤلف رحمه الله على الكراهة فيه نظر، والصواب أنه لا يحلُّ للمرأة أن تطلب الخلع إلا إذا كان هناك سبب؛ لحديث: «مَنْ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» (11)، وهذا يدلُّ على أن ذلك من كبائر الذنوب، وهو حقيقة؛ لأن طلبها الفراقَ وإنْ كان الفراقُ ليس بيدها بل بيد الزوج، طلبها ذلك يؤدِّى إلى كراهة الزوج لها، وإلى تفكُّكِ الأُسرة إن كان هناك أسرة بينهما، فلذلك صار فيه هذا الوعيد، ويأتي إن شاء الله البقية، وقد انتهى الوقت.
طالب: أحسن الله إليكم، ما فهمت (وإلَّا كُرِهَ ووَقَعَ).
الشيخ: نعم، يعني: وإلَّا يكُنْ بهذه الأسباب.
الطالب: الصحيح يحرم إذا كان بلا سبب.
الشيخ: نعم.
الطالب: ثم قُلنا -أحسن الله إليكم- قَبْلُ: إذا كان له في نفسها كراهةٌ شديدةٌ بلا سبب كما في حديث امرأة ثابت بن قيس فلها.. الشيخ: هذا من الأسباب لطلب الفراق أن تكرهه كراهةً عظيمةً؛ لأنه كما يقول العوام: كُلْ كرهًا، واشربْ كرهًا، والبس كرهًا، ولا تُجالس كرهًا.
فهمت؟ أما فهمتم هذا؟ طلبة: بلى.
الشيخ: ترى هذه حكمة عظيمة من العوام؛ يقولون: كُل الأكل ولو لم تشتهِه، اشرب ولم تشتهِ، البس ولم تشتهِ، لكن لا تجالسْ أيش؟ مَن لا تشتهي مجالسته، والمتنبي يقول: وَمِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الْحُرِّ أَنْ يَرَى عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ

هذا صحيح.
طالب: شيخنا، بارك الله فيك، أشكل عليَّ القول بجواز -على قول المؤلف- بأنه يجوز لأجنبيٍّ أن يأتي للزوج ويعطيه مالًا على أن يخالع زوجته، نعرف أن الخلع يكون من طرف الزوجة ما هو من طرف الزوج.
الشيخ: أيش؟ الطالب: الخلع يتم من طرف الزوجة، يعني هي اللي تطلب.
الشيخ: لا، لو طلبت الزوجة (... ) ما صار شئ والزوج لم يوافق.
الطالب: يعطيه مالًا للقبول.

الشيخ: إي، يعطيه مالًا للقبول، ولهذا نقول: حرام على الإنسان مع استقامة أحوال الزوجين يذهب ليخالع، حرام عليه، هذا من الإفساد بين الزوجين، وهو من أعظم المحرَّمات.
لكن ذكرنا لكم المسألة ثلاثة أحوال، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.

طالب: رجل طلق زوجته (... ). الشيخ: (... ). الطالب: هل تَحْرُم عليه (... ) على التأبيد؟ الشيخ: هذا على قول بعض السلف تحرم عليه على التأبيد؛ كل إنسان خطب امرأةً لا تحلُّ له فيُعاقَب بحرمانها لئلَّا يتجاسر الناس، عرفت؟ لكن جمهور العلماء على أنها تحلُّ له إذا انقضت العِدَّة بعقد صحيح.
طالب: يعني يطلبون الطلاق على ما بقي من المهر.
الشيخ: ما فيه بأس.
الطالب: هل هذا خلع؟ الشيخ: هذا خلع.
الطالب: وكيف تكون رجعة الخلع.
الشيخ: ما فيه رجعة، الخلع لاحظوا أنه إذا خالعت المرأة زوجها فلا يمكن أن يرجع عليها، لكن له أن يتزوجها بعقدٍ جديدٍ ولو في العِدَّة.
أفهمتم يا جماعة؟ وهذه تُسمَّى البينونة الصغرى إذا طلَّقَها على عِوَض، البينونة الكبرى أن يطلِّقها آخر ثلاث تطليقات، هذه لا تحلُّ له إلا بعد زوج، والأُولى تحلُّ له بعقد.

طالب: بارك الله فيكم يا شيخ، في هذه الأيام حدثت حادثة أنَّ رجلًا تزوج بامرأةٍ وبعد مدة يسيرة طلَّقَها، وبعد ذلك أخذها رجلٌ آخَر وذهب إلى فندق وتزوجها عُرفيًّا، واكتشفوا أنها كانت تحب رجلًا مِن قَبْل الشيخ: الثاني.
الطالب: نعم، ففي مثل هذه الأمور الحالية يُستحب أن يُفَرَّق بينهما؟ الشيخ: لا، يجب؛ النكاح الثاني غير صحيح؛ أولًا: أنه في العِدَّة، وثانيًا: أنه بلا ولِيٍّ وبلا شهود.

وحدث هذه الأيام قضية في باكستان صار فيها ضجَّة كبيرة: واحد يحب امرأةً وتزوجها بينه وبينها، قال: أنا أحبكِ، قالت: وأنا أحبكَ، قال: توكلنا على الله، قال: زوِّجيني نفسكِ، قالت: زوَّجتكَ نفسي، قال: قَبِلتُ.
وراح العلماء هناك أنكروا هذا وقالوا: هذا لا يصح، وهذا زنى ولا يجوز، فجاء واحد من العلماء الآخرين من المتحذلقين؛ لأن العلماء الأكثر حكموا بوجوب التفريق، قال: هذا ما يجوز أن نفرق بينهما، هذا العقد صحيح؛ لأن فلانًا من العلماء يقول: لا يُشترط الولي، هذه واحدة، وآخَر من العلماء قال: لا يُشترط الإشهاد، وآخَر من العلماء قال: ليس للعقد صيغة؛ فالمسألة خلافية واجتهادية، ولا يجوز أن تفرِّقوا بينهما.
أعوذ بالله، معناه أن كل امرأة تريد أن تزني بشخصٍ تتفق معه هي وإياه، صداقه وتزوِّجه نفسها، هذا لا يقول به أحد من العلماء، حتى لو فرضْنا أن بين العلماء السابقين خلافًا في مثل هذه الأمور ما تقع على هذه الصورة.
طالب: شيخ، لو طلبت الخلع (... )؟ الشيخ: هذه مسألة مهمة، يعني لو طلبت الخلع فرفضَ هل يُجبَر؟ نقول: أمَّا بدون عِوَض فلا يُجبَر إلا بعِوَض يرضاه، فإذا قالت: أنا مستعدة أردُّ عليه كل المهر، فهل يجبر؟ فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: يُجبر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لثابت بن قيس أيش؟ «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» (9). وجمهور العلماء يرون أنه لا يُجبر، وأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» للإرشاد الذي يُقصد به حلُّ المشكلة.

والصواب أننا إذا علمنا أنها لن تستقيم الحال وأنهما سيكونان من إشكالٍ إلى آخَر فإنه يجب أن يَقْبل، فإن لم يَقْبل طلَّق عليه الحاكم، ولا تستقيم الأمور إلا بهذا؛ لأنه أحيانًا النساء ما تستطيع الصبر على الزوج، خصوصًا إذا كانت ملتزمة وتزوَّجته على أنه ملتزم ثم تبيَّن بعد ذلك أنه ليس بملتزم، هذه لا يمكن أن تصبر عليه، يُجبرها أن تبقى مع شخصٍ ترى أنه لا يليق بها؟ ! ما يمكن هذا.


طالب: وإنْ وَقَعَ بلفْظِ الخلعِ أو الفَسْخِ أو الفداءِ ولم يَنْوِهِ طلاقًا كان فَسْخًا لا ينقص عدد الطلاق.
ولا يَقَعُ بمعتدَّةٍ من خُلعٍ طلاقٌ ولو واجهها به، ولا يصح شرط الرجعة فيه، وإنْ خالعها بغير عِوَضٍ أو بمحرَّمٍ لم يصح، ويقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الخلع هو الفَسْخ في اللغة، وفي الشرع: فراقُ الزوجة بعِوَضٍ بألفاظٍ مخصوصةٍ هي الفَسْخ والخلع والفداء وما أشبهها.
ما معنى قول المؤلف: (مَن صحَّ تبرُّعُه من زوجةٍ وأجنبيٍّ صحَّ بَذْلُه لعِوَضه)؟ طالب: أن بَذْل العوض في الخلع لا يصح إلا ممن يصح تبرُّعه؛ فمثلًا وليُّ اليتيم لا يصح للخلع لأنه لا يصح تبرُّعه.
الشيخ: طيِّب، كمِّل، معنى قوله: (من زوجةٍ وأجنبيٍّ).
الطالب: والأجنبي، ظاهر كلامه أن الأجنبي يصح (... ). الشيخ: ويكون الخلع من الزوجة بأن تبذل العوض للزوج أو.. الطالب: من أجنبي عنها.
الشيخ: من أجنبي عنها أحسنت.
هل يجوز للإنسان أن يأتي إلى الشخص ويقول: هذه خمسون ألفًا وخالعْ زوجتك؟ الطالب: ظاهر كلام المؤلف هذا، ولكن الصحيح أنه لا يجوز؛ لأن فيه تفريقًا بينهما.
الشيخ: لا، (... ) ليس يصح عند أهل العلم.
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟

الطالب: إن كان اجتهادًا؛ إنْ كان الرجل محسنًا ويريد أن يحلَّ مشكلًا فيُقبل، أمَّا إن كان الرجل له غرض أن يفرِّق بين الرجل وزوجته لشيء في نفسه فلا يصح، وإنْ كان يريد أن يتزوج المرأة فإن ذلك (... ). الشيخ: إحنا ذكرنا أمس في الدرس الماضي أنه ثلاث حالات.
طالب: شيخ، إما للإضرار بالزوجة، أو للتزوج بها، أو لمصلحة، والحالتان الأوليان لا يصح، والثالثة يجوز.
الشيخ: إما أن يكون لمصلحة الزوجة بأنْ يأتي إنسان يعرف حال الزوجة مع زوجها أنها حال سيئة وتعيسة، والزوجة متبرِّمة تريد الفراق، فيأتي إنسان إلى الزوج ويقول: يا فلان، اخلع زوجتك وهذه مثلًا كذا وكذا من الدراهم.
لا بأس، هذا مُصلِحٌ ومأجورٌ ومثابٌ على ذلك.
وإما أن يكون للإضرار بالزوجة؛ عرف أنها مع زوجها في حال سعيدة فأراد أن يضُرَّ بها، فذهب إلى الزوج وأعطاه أموالًا لأجل أن يخالع زوجته، هذا أيش هو؟ طالب: محرَّم.
الشيخ: هذا حرام لا شكَّ وعدوان.
الثالث: أن يفعل ذلك لمصلحته هو بنفسه، هو لا يريد الإضرار بالزوجة ولا الإضرار بالزوج، لكن يريد أن يتزوج المرأة، فهذا أيضًا حرام، وقد أنكره الإمام أحمد رحمه الله إنكارًا شديدًا وقال: من يفعل هذا؟ ! طيب، هل يمكن يكون للإضرار بالزوج؟ طالب: (... ). الشيخ: التعليل ما هو صحيح، لكن نعم، ما يمكن يكون الإضرار بالزوج؟ طالب: (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: (... ). الشيخ: لكن الزوج يقول: لا، الزوج إذا كان يرغب زوجته سيقول: لا، لو يعطيه ملء الأرض ذهبًا.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، ناقص العقل هذه مشكلة.
طالب: (... ). الشيخ: (... ) الزوج.
الطالب: (... ).

الشيخ: لا، هو يمكن أن يكون الإضرار بالزوج بأن يكون الزوج ما هو ناقص عقل كما قال الأخ، الزوج رجل يحب الدنيا مثلًا، وجاءه إنسان وطمَّعه بالمال؛ قال: أنا بأعطيك مثلًا كذا وكذا من المال.
هذا طَمِع وقال: غدًا أُخالعها، آخذ ها المال وبعدين (... ) مرة ثانية، فهذا لا يجوز، وإن كان لم يُذكر هذا في كتب الفقهاء الإضرار بالزوج، لكن الواقع أنه ممكن، المهم أنه لا يجوز، متى كان الخلع يُقصَد به الإضرار فهذا حرام.
طيب، مسألة ولي اليتيم إذا رأى من مصلحة اليتيم أن يخالع زوجتَه، وأعطى زوجته من مال اليتيم، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز؟ ما تقولون؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم يجوز إذا كان من مصلحة اليتيم، نعم، هذا إنسان مثلًا زوَّجه أبوه وهو صغير له عشر سنوات بامرأةٍ أعجبت الأبَ، فزوجه إياها برضاه، وبعدين توفي الأب، وكانت هذه الزوجة نكدًا على اليتيم؛ تأخذ ماله يعني مثلًا يعطيه وليه في النفقة وتشتري به أشياء ما لها داعي، وعرف أن هذه ستؤذي اليتيم وتضره، هل له أن يخالع بشيء من ماله هو؛ من مال اليتيم؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا لمصلحة اليتيم.
ذكر المؤلف رحمه الله حالات يجوز فيها الخلع، ما هذه الحالات؟ طالب: (... ). الشيخ: خلق زوجها، هذا واحد.
الطالب: (... ) الشيخ: لا، ما شاء الله، إذا صار ما يعلم مخالف نقل الإجماع.
الطالب: (... ). الشيخ: بعد أن رأيتَه، الله يهديك.
طالب: ذكرنا سوء الْخُلُق، وسوء الخِلْقة، وأن يكون ناقص الدين، وأن تخشى أن تترك حقًّا له إذا بقِيتْ معه.
الشيخ: تمام هذه المسائل الأربع ذكرها المؤلف.
مَن هي الصحابية التي خالعتْ زوجها وأَمَر النبي صلى الله عليه وسلم زوجها أن يوافق؟ طالب: امرأة ثابت بن قيس.
الشيخ: امرأة ثابت بن قيس، ماذا قالت للرسول صلى الله عليه وسلم؟ الطالب: (... )

الشيخ: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9). صح، دلَّ هذا على أن المرأة ربما تكره زوجها لا لِخُلُقه ولا لنقص دينه، ولكن لا تريده، ففي هذه الحال نقول للزوج: طلِّقها وخذ الخلع.
إذا أَبَى فهل للقاضي أن يُجبره على ذلك؟ طالب: نعم.
الشيخ: نعم، الدليل؟ الطالب: (... ) قال له: «طَلِّقْهَا» (... ). الشيخ: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا».
لو قال قائل: هذا للإرشاد؟ الطالب: نقول: إن الأصل لغير الإرشاد.
الشيخ: الأصل في الأمر أنه لغير الإرشاد، وأيضًا هذا لدفع أذيَّة، ودفع الأذيَّة عن المسلم واجب بقدر الإمكان، فالصواب أنَّ أمْر الرسول لثابت أنه أمْرٌ للإلزام، وأن للقاضي أن يُلزم الزوج بأن يخالع ما دام بيُرَدّ عليه ماله وهو قد استمتع من الزوجة بما شاء الله أن يستمتع، وربما كانت بقِيتْ عنده سنة أو سنتين وهو يستمتع بها، وبيجيئه المهر كاملًا.
طيب، إذا منعها حقَّها من أجل أن تملَّ وتبذل الخلع؟ (... )


بسم الله الرحمن الرحيم قال: (فإنْ عَضَلَهَا ظُلْمًا للافتداء).
(عَضَلَها) أي: منعها حقَّها.
(ظُلمًا) أي: بغير حقٍّ، وعُلِم منه أن منْعها حقها قد يكون لغير ظلم، وذلك فيما إذا نشزت؛ فإن المرأة إذا نشزت فلزوجها أن يمنعها من النفقة ومن القَسْم وغير ذلك من حقوقها، لكن إذا لم يكن ذلك لهذا السبب وإنما منعها ظلمًا (للافتداء) هذه اللام للتعليل؛ أي: عَضَلها للافتداء، ويش معنى الافتداء؟ أنْ تفدي نفسَها بشيء من المال؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229].

(ولم يكن لزِناها) يعني لم يكن هذا العضْل لأنها زنتْ، والإنسان إذا زنت امرأتُه سقطتْ من عينه نهائيًّا، حتى لو فُرِض أنها تابت وأنابت إلى الله عز وجل واستقامت على الدين فإن ذلك الزنى سوف يخدشها عند الزوج، ولا سيَّما أنه يتعلق بمسألة الفروج ومسألة النسل والأولاد.
المهم إذا كان لزِناها منع حقَّها؛ لأنها زنت من أجل أنْ أيش؟ تفتدي وتختلع.
(أو نشوزِها) يعني تَرَفُّعها عن القيام بحقِّ زوجها، وهذا ربما يقال: إنه هو مفهوم قوله: (ظلمًا).
(أو تَرْكِها فرضًا) أي: من الصلوات؛ يعرف أن هذه الزوجة ما تصلي الفجر إلا إذا قامت، متى قامت ولو بعد طلوع الشمس بساعةٍ مثلًا صلَّتْ، هذا لا شكَّ أن الزوج الذي يتقي الله ما يرضى بهذا، فعَضَلَها بعضَ الحقِّ لعلها تصلي، ما صلَّتْ، نقول: لكَ أن تعضلها حتى أيش؟ تفتدي؛ تقول: أعطيك المهر وطلِّقني.
(ففَعَلتْ) يعني: خالعت.
(أو خالعت الصغيرةُ والمجنونةُ والسفيهةُ، أو الأَمَةُ بغير إذْنِ سيِّدها لم يصح) الخلع.
إذا خالعت الصغيرة بشيءٍ من مالها فإن الخلع لا يصح، لماذا؟ لأن الصغيرة لا يصح تبرُّعها، فإن خالع وليُّها عنها من ماله لتضرُّرها بهذا الزوج جاز؛ لأن ذلك لمصلحتها.
(أو المجنونة) خالعت المجنونة؛ إنسان معه امرأة مجنونة -نسأل الله العافية- وكان من الأول يظن أنه سيحملها بجنونها، لكن عجز فصار يؤذيها وقال: تحبِّين تتخلصين مني.
قالت: نعم.
قال: أعطِني مهري.
فأعطتْه مهره وهي مجنونة، فالخلع لا يصح؛ لأنها ليس لها تصرُّف.
(والسفيهة) السفيهة هي التي لا تُحسن التصرف في مالها، بالغة عاقلة لكن لا تُحسن التصرف في المال، فإذا خالعت فإنه لا يصح الخلع، لكن كما قلنا لكم قبل قليل: إذا كان ذلك من وليِّها لمصلحتها فلا بأس.
(أو الأَمَة بغير إذْن سيِّدها) فإنَّ خُلْعها لا يصح؛ لأن الإذن في فَسْخ النكاح للسيد، فإذا خالعت بغير إذن سيدها لم يصح الخلع.

ثم قال: (ووَقَعَ الطلاقُ رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته) يعني كلما لم يصح الخلع فهو طلاقٌ إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته، فإذا خالع الصغيرةَ بشيء من مالها؛ يعني لعب على الصغيرة وتزوجها ولها أربع عشرة سنة، ولم تعجبه، فلعب عليها؛ قال: تبغين تفتكِّين من هذا، قالت: نعم، قال: أعطِني مهري، فخالعت على المهر فقال: خلعتُ زوجتي على مهرها، ماذا يكون؟ يقول المؤلف رحمه الله: الخلع لا يصح، لكن يقول: يقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيَّته؛ بمعنى أن الخلع الذي صدر من الزوج يكون طلاقًا رجعيًّا، إلا إذا كان هذا آخِر طلقة فيكون بائنًا، بشرط أن يقع بلفظ الطلاق أو نية الطلاق، فإن وقع بغير ذلك فإنه لا يقع لا طلاق ولا خلع، الكلام واضح للجميع؟ طلبة: واضح.
طالب: غير واضح.
الشيخ: الصورة: رجلٌ تزوج امرأةً لها أربع عشرة سنة، صغيرة ولَّا كبيرة؟ صغيرة، فخالعها؛ يعني قال: أعطِني مهري خمسين ألف ريال وأخلعك، قالت: خذ، هذا المهر، فخالعها، الخلع لا يصح لفوات شرطه؛ وهو كون المتبرِّع به جائز التبرع، وهذه المرأة غير جائزة التبرع، فالخلع إذَن لا يصح.
ماذا يكون؟ هل نقول الآن: الزوجة معه، أو طلقت، أو ماذا؟ نقول: الرجل قال: خلعت زوجتي على كذا، لم يقل: طلَّقت، ُ فإن كان أراد الطلاق بكلمة (خلعت زوجتي) وقع الطلاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (12). وإن قال: ما نويتُ الطلاق، لكن خالعَ بلفظ الطلاق؛ بدلًا من أن يقول: خالعت زوجتي بهذا القدر، قال: طلَّقتُ زوجتي، فإنه يقع الطلاق، ولهذا قال: (وَقَعَ الطلاقُ... إنْ كان بلفظ الطلاق أو نيَّته).
لكن هل يكون الطلاق رجعيًّا؟

نقول: ننظر؛ إذا كان هذا آخِر ثلاث تطليقات صارت بائنًا منه؛ لأنه إذا طلَّق الإنسان زوجته آخِر تطليقات بانت منه، وإن كان هذا هو الثاني أو الأول فالطلاق رجعيٌّ، له أن يُراجع، هذا كلام المؤلف رحمه الله.
والصحيح أنه لا يقع طلاقٌ ولا خلعٌ، لماذا؟ لأن هذا الزوج إنما طلَّق أو خالع بناءً على حصول المال، والمال الآن لم يحصل له، فكأن طلاقه معلَّق على شرط، فالصواب أنه لا يقع الطلاق؛ لأن هذا الطلاق إنما كان من أجل العِوَض الذي يأخذه، والآن ليس له أن يأخذ العِوَض فنقول: كأنك لم تفعل شيئًا ولم تطلق عليك الزوجة.
طالب: (... ) الطلاق؟ الشيخ: لا، ما هو لازم، هو أصل الخلع ما يكون بلفظ الطلاق، أصل الخلع أن يكون بلفظ الخلع؛ يقول: خالعتُ زوجتي، أو فاديتُ زوجتي، أو فسختُ نكاح زوجتي، لكن أحيانًا يقول: طلقتُ، كما قال الرسول لثابت: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9). طالب: شيخ، بارك الله فيك، الفقهاء جميعًا يستدلُّون على مسألة الخلع بحديث ثابت، وهنا يقول يا شيخ: إنه يقع طلاقًا إذا كان بلفظ الطلاق، النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»، يعني بلفظ الطلاق، ومع ذلك كان خلعًا.
الشيخ: إي، كيف يعني يكون (... )؟ الطالب: أليس قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»؟ الشيخ: بلى.
الطالب: بمعنى سيقول: هي طالق.
وكان خلعًا؟ الشيخ: إذا قال الرسول: «طَلِّقْهَا» وطلَّقَها، ما هو طلاق هذا؟ الطالب: خلع.
الشيخ: لا، العلماء يقولون: إذا كان الفراق على عِوَضٍ نظرنا؛ إن كان بلفظ الفسخ فهو خلع، وإذا كان بلفظ الطلاق فالرسول قال: «طَلِّقْهَا»، وإذا قال الرسول كلامًا وجب أن ينزل على المعنى الشرعي، وعلى هذا يكون الفراق الذي بعوض تارةً خلعًا لا ينقص به عدد الطلاق وتارةً يكون طلاقًا.

وكما ذكرنا لكم أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الخلع فسخٌ سواء وقع بلفظ الطلاق أو بغير ذلك، وذكرنا لكم استدلاله بالآية، وأن ابن عباس رضي الله عنه سبقه في ذلك وقال: كلُّ طلاقٍ جازه المالُ فهو خلعٌ (8). وقلتُ لكم: إن هذا هو الأقرب لولا أن رسول الله قال: «طَلِّقْهَا»، وإذا قال الرسول: «طَلِّقْهَا» وجب أن يُحمَل على الطلاق المعروف.
طالب: (... ) امرأة كانت متزوجة أبغضت زوجها (... ). الشيخ: إي نعم، ثم؟ الطالب: (... )؟


طالب: (... ) إنْ كان بلفظ الطلاق أو نيَّته.
وما صحَّ مهرًا صحَّ الخلعُ به، ويُكره بأكثر مما أعطاها، وإنْ خالعتْ حاملٌ بنفقةِ عدَّتِها صحَّ، ويصحُّ بالمجهول، فإنْ خالعتْهُ على حملِ شجرتها أو أَمَتِها أو ما في يدها أو بيتِها من درهمٍ أو متاعٍ أو على عبدٍ صحَّ، وله مع عدم الحملِ والمتاعِ والعبدِ أقلُّ مُسَمَّاه، ومع عدم الدراهم ثلاثةٌ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
سبق لنا أنَّ الخلع إذا وقع بلفظ الفسخ أو الفداء كان فسخًا، وإنْ وقع بلفظ الطلاق كان طلاقًا، هذا هو المذهب: أنه إن وقع بلفظ الطلاق فهو طلاقٌ وإن كان فيه عِوَض، واستدلُّوا لذلك بحديث ثابت بن قيس أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال له: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9). فقال: «طَلِّقْهَا»، وأكَّد ذلك بقوله: «تَطْلِيقَةً»، والتأكيد يرفع نيَّة المجاز.

جارٍ التحميل