وإذا كان هذا هو التعليل فإنه ينبغي أن يقال: إذا كان التكفير بالعتق فإنه يمكن تبعضه؛ يشتركان في شراء رقبة ويعتقانها، هذا ممكن ولَّا لا؟ هو ممكن، في نظرنا ممكن، لكن في نظر من قال: لا تتبعض يقول: غير ممكن؛ لأن حقيقة الأمر أن كل واحد منهما أعتق نصف رقبة فقط، وكل واحد منهما قاتل بالمشاركة.
فالمذهب أنه إذا شارك ولو بجزء واحد من مئة جزء فعليه كفارة.
وعلى هذا لو اشترك مئة (... ) في قتل واحد، عليهم كم من كفارة؟ مئة كفارة؛ على كل واحد كفارة.
فيه وجه آخر لأصحاب الإمام أحمد رحمهم الله يقولون: إنهم يشتركون في الكفارة، وفي الحقيقة أن هذا بالنسبة للعتق قد يقال: إنه ممكن، لكن بالنسبة للصيام غير ممكن في الواقع.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب ما صام شهرين، ما فيه كفارة فيها شهر فقط.
الطالب: اللي ما عتق إلا نصف رقبة.
الشيخ: وهذه، لكن العتق قد يقول قائل: إن مبناه على التحرير وعلى المال، يعتمد على المال أكثر، لكن الصوم عبادة بدنية محضة.
طالب: (... )؟
الشيخ: صام عن كل واحد شهر، إلا (... ) على كل حال الاحتياط المذهب في هذه المسألة هو أن يلزم من كل واحد كفارة (... ).
ما هي الكفارة؟ الكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
ودليلها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 92].
لا بأس أن نقف قليلًا في الآية؛ ذكر الله في الآية ثلاثة أصناف: مؤمن، ومعاهد، ومن قوم عدو لنا وهو مؤمن؛ مؤمن ملة، ومؤمن من قوم عدو لنا، ورجل غير مؤمن بيننا وبينه ميثاق.
الأول قال الله فيه: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ﴾، المؤمن يجب فيه أمران: تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله.
والثاني: من قوم عدو لنا فيه الكفارة دون الدية، لكن من هذا الرجل الذي من قوم عدو لنا وهو مؤمن؟
قال بعض العلماء: صورة ذلك أن يقف رجل من المؤمنين في صف القتال فنقتله، ففي هذه الحال لا تجب له دية؛ لأنه هو الذي فرط في نفسه ووقف في صف الكفار، ولكن علينا الكفارة.
وقال بعض العلماء: صورتها أن يكون رجل مؤمن، لكن ورثته كفار، وهذا هو الصحيح، وهو المتعين، يقول: رجل مؤمن وورثته كفار أعداء لنا، فهذا يجب علينا الكفارة، لماذا؟ لأنه مؤمن، ولا تجب الدية؛ لأننا إذا دفعناها لأهله صاروا يستعينون بها على قتال المسلمين، فلا ندفعها إليهم.
الثالث ممن ذكر الله في الآية: ﴿إِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ﴿إِنْ كَانَ﴾ أي: المؤمن أو المقتول؟ المقتول يتعين؛ لأن المؤمن ما نعطيه دية في أهله؛ لعدم التوارث، لكنه كافر معاهد من قوم بيننا وبينهم ميثاق، فهذا علينا فيه الدية ويش بعد؟ والكفارة.
وهذا موجود الآن في عهدنا؛ هؤلاء العمال الكفار لو أن أحدهم قتلهم خطأ وجب فيه الدية والكفارة؛ لأن بيننا وبينهم ميثاق.
العمد هل فيه الكفارة أم لا؟
قال بعض العلماء: في العمد كفارة؛ لأنه إذا وجبت الكفارة في الخطأ فالعمد من باب أولى؛ يعني: في العمد أشد إثمًا، فإذا أوجب الله عليهم كفارة في الخطأ فهو إشارة وإيماء إلى وجوب الكفارة في العمد.
وقال بعض العلماء: إنه لا كفارة في العمد.
واستدلوا بأن الله تعالى شرط لوجوب الكفارة أن يكون خطأ؛ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾، ثم أتى بعد ذلك بعد الآية هذه بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، فلم يجعل له شيئًا يقيه من النار.
وقالوا أيضًا: إن العمد أعظم جرمًا من أن تدخله الكفارة، ولا فيه إلا -والعياذ بالله- هذا الوعيد الشديد، وهذا القول أصح.
[باب القسامة]
انتهى الكلام على كفارة القتل، ونبدأ الآن في القسامة.
القسامة مأخوذة من القسم؛ وهو اليمين.
تعريفها قال (وهي أيمان مكررة في دعوى قتل معصوم) وصفتها أن يدعي قومٌ أن مورثهم قتله فلان، ويحلفون على أنه هو القاتل، ويكررون الأيمان، فإذا فعلوا ذلك وتمت شروط القسامة أُعْطِي المدعى عليه لهؤلاء ليقتلونه، فالمسألة ما فيها بينة، ما فيها إلا هذه الأيمان.
وقد أجراها النبي عليه الصلاة والسلام أو حَكَم بها النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت القسامة معروفة في الجاهلية، فأبقاها النبي صلى الله عليه وسلم على الحكم على ما هي عليه مع تغيير في شروطها، ويظهر طريقها في مثال:
ادعى ورثة زيد على شخص بأنه هو الذي قتل مورثهم، فقال الشخص: أبدًا ما قتلت، قالوا: بل أنت القاتل، ثم تحاكموا إلى القاضي فقال القاضي لهم: تحلفون على هذا أنه هو الذي قتل مورثكم؟ قالوا: نعم، نحلف، ما عندنا بينة، كم يحلفون؟ يحلفون خمسين يمينًا، فإذا حلفوا خمسين يمينًا على هذا الرجل أنه قاتل مورثهم أُخِذ وقُتِل.
والقسامة في الحقيقة فيها مخالفة لغيرها من الدعاوي من وجوه ثلاثة:
الوجه الأول: تكرار الأيمان فيها.
والوجه الثاني: قبول قول المدعي فيها.
والوجه الثالث: حلف المدعي على شيء لم يره.
ومع ذلك فإنها حكم شرعي، لا حظوا وجه المخالفة:
أما الأول -وهي أنه أخذ فيها بقول المدعي- فإنها لم تخالف الأصول عند التأمل؛ لأنك إذا تأملت الأصول وجدت أن اليمين إنما تشرع في الجانب الأقوى؛ يعني: في جانب أقوى المتداعيين، ما هي بدائمًا في جانب المدعى عليه؛ أحيانًا تكون في جانب المدعى عليه، وأحيانًا تكون في جانب المدعي؛ لأنه قال: (للأقوى) الأقوى من الجانبين جانبي المدعي والمدعى عليه تشرع فيها اليمين؛ بدليل أن أهل العلم قالوا: لو تنازع الرجل والمرأة في أواني البيت؛ فقالت المرأة: هذه لي، وقال الرجل: هذه لي، فالذي يصلح للرجل يكون له بيمينه.
الدلة -حقة القهوة- المرأة تقول: لي، والرجل يقول: لي.
من نأخذ؟ المدعي، حتى لو هي مع المرأة، المرأة تقول: هذه في يدي، وهذا هو اللي بيدعي، وهي لي، الآن نغلب جانب الرجل، نقول: احلف أنها لك وخذها؛ لأن جانبه أقوى.
أيضًا رجل آخر..
طالب: (... ).
الشيخ: وهي الآن ما بعد صارت مشتركة إلى الآن.
ثانيًا: لو أن رجلًا ذا وقار وهيئة وعليه (... ) معه مسحاة عامل بيده، وإلى جانبه عامل يقول: المسحاة لي، عامل رافع ثوبه متحزم؛ ثوب غير نظيف، معروف أنه عامل، العامل يقول: هذه المسحاة لي، وذاك يقول: المسحاة بيدي، أنا صاحبها، البينة على من؟ على المدعي، المدعي من هو الآن؟ العامل، لكن في هذه الحال من نغلب؟ جانب العامل، نقول: الآن احلف أنها لك وخذها، كذا ولَّا لا؟ صارت اليمين الآن في جانب من؟ في جانب المدعي.
رجلان في بلد من عادتهم أن يستروا رؤوسهم بالشماغ، فوجدنا رجلًا أصلع، ما عليه شماغ، ورجل آخر عليه شماغ وبيده شماغ، الرجل الأصلع يقول: أعطني الشماغ، هذا لي، والرجل الثاني يقول: هذا بيدي، وهو لي، أنت مدعٍ.
ويش نقول؟ أيهما أقوى جانبًا؟ المدعي اللي ما عليه شيء، فنقول للمدعى عليه: إنها له، احلف وخذها.
تبين الآن أن القسامة ليست شاذة عن أصول الدعاوى؛ لأن في الدعاوى ما يشهد لها، والقسامة فيها قرائن ترجح جانب المدعين؛ وهو اللوث؛ أي: العداوة الظاهرة، كما سيأتي في شرح المؤلف.
بقينا الوجه الثاني للمخالفة أن فيها تكرار الأيمان ولا غيرها من الدعاوى، يتكرر فيها الأيمان ولَّا يمين واحدة؟ يمين واحدة، والقسامة تُكرر، لماذا؟ نقول: لعظم شأن الدماء.
مسألة الدعوى في دم بحيث إذا أقدم هؤلاء على اليمين وحلفوا خمسين يمينًا أُعطوا الرجل وقتلوه، وهذا أبلغ ما يكون من الخطر، فمن أجل ذلك كررت خمسين يمينًا.
ويبقى النظر لماذا جعلت خمسين يمينًا ولم تجعل عشرة أيمان مثلًا؟
نقول: هذا ليس إلينا، كما أن هذا لا يرد على أن صلاة الظهر أربع ركعات، ولم تجعل ثماني ركعات مثلًا.
الحاصل أن كونها بخمسين أو بعشرة أو بعشرين هذا ليس إلينا، المهم أن نفهم وجه الحكمة في تكرار الأيمان.
الوجه الثالث: كيف يحلف الإنسان على شيء لم يره؟
نقول: نعم، للإنسان أن يحلف على شيء لم يره اعتمادًا على القرائن، وغلبة الظن له أن يحلف اعتمادًا على القرائن وغلبة الظن.
والدليل على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الرجل الذي جامع زوجته في نهار رمضان، حين قال: واللهِ ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني (9). ما قال له: ما تحلف؛ لأنك ما تدري، بل أقره؛ لأن عنده غلبة ظن (... ).
(أيمان مكررة) (أيمان) جمع يمين؛ وهو الحلف.
(مكررة) كم قدرها؟ خمسون يمينًا.
(في دعوى قتل معصوم) أفادنا المؤلف (في دعوى قتل) أنها لا تكون في دعوى جرح، ولا في دعوى مال، وإنما تكون في دعوى قتلٍ فقط، فالمال ليس فيه قسامة، وكذلك ما دون القتل؛ كالجروح والأعضاء، وما أشبه ذلك.
فلو أن رجلًا ادعى على عدوه أنه قطع يده، والعداوة بينهما ظاهرة بينة، فإننا لا نجري القسامة في ذلك؛ لأن القسامة إنما جاءت في القتل، وأما الأعضاء والأطراف والجروح فليس فيها قسامة.
إذن ماذا نصنع لو ادعى أن هذا الرجل -وهو من أعدائه الظاهرين- قطع يده، نقول: هل لك بينة أو يقر المدعى عليه، وإلا يحلف المدعى عليه وينتهى؟ ما هو الدليل على امتناعها في دعوى الأعضاء والجروح؟
الدليل: تعليل؛ قالوا: لأن القسامة إنما وردت في دعوى القتل، وهي خارجة عن الأصول والقياس، وما خرج عن الأصول والقياس فلا يُقَاس عليه، وإنما يقتصر فيه على ما ورد؛ لأنه لا مدخل للعقل فيه.
وقال بعض أهل العلم: بل إنه تجرى القسامة في دعوى قطع الأعضاء والجروح.
وعللوا ذلك بأنه لما جرت القسامة في القتل -وهو أعظم من قطع العضو أو الجرح- كان جريانها فيما دون ذلك من باب أولى.
وليست القسامة خارجة عن الأصول، بل الأصول في الحقيقة تشهد لها؛ لأننا لو لم نعمل بالقسامة لضاعت الدماء وهتكت النفوس، فالأصول تشهد لها؛ لأن لدينا لوثًا؛ وهو القرينة الظاهرة التي تؤيد دعوى المدعي، فلا فرق إذن بين النفس وما دونها، لكن المذهب -كما ترون- لا تُجرى إلا في القتل.
قال المؤلف: (في دعوى قتل معصوم) (معصوم) أما دعوى قتل غير المعصوم فإنها لا تسمع أصلًا؛ يعني: لو أن أحدًا من الكفار الحربيين ادعى أن مورثه الحربي قتله مسلمون، هل تُسمع الدعوى؟ لا تُسمع؛ لأنه وإن ثبت أنهم قاتلوه فلا شيء عليهم؛ لأنه حربي غير معصوم.
وكذلك لو كان مباح الدم لِرِدَّتِه، أو مباح الدم لزناه وهو محصن، أو مباح الدم لوجوب قتله في حد قطع الطريق مثلًا؛ فإن هذا غير معصوم، فلا تُسمع الدعوى في قتله؛ وذلك لأنه وإن ثبت القتل فإنه غير مضمون، فيكون تشكيل الدعوى وسماعها من باب اللغو الذي لا فائدة منه.
وهذه قال: (في دعوى) فهمنا أن الذي يحلف من؟ المدعي، ما قال في دفع دعوى، ولا قال: في قتل، بل قال: (في دعوى)؛ ولهذا كانت في جانب المدعي.
قال المؤلف: (من شروطها اللوث) القسامة لها شروط لا بد أن تتعين، وقبل أن نذكر شروطها نذكر ما هو أصلها، هل لها أصل في الشرع؟
نقول: نعم، لها أصل في الشرع، وأصل ذلك أن عبد الله بن سهل بن زيد الأنصاري خرج هو ومحيصة ابن مسعود بن زيد الأنصاري؛ أبناء عمٍّ خرجوا في جماعة إلى خيبر بعد أن فُتِحَت يمتارون التمر؛ يشترون من اليهود تمرًا فتفرقوا، كلٌّ ذهب إلى حائط ونخل، فوجد محيصة عبد الله بن سهل رضي الله عنه يتشحط في دمه قتيلًا؛ يتمرغ مقتولًا، يتمرغ للموت فقال لليهود: قتلتم صاحبنا، فقالوا: ما قتلناه، فرُفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الرحمن بن سهل أخو عبد الله المقتول وحويصة ومحيصة فأراد عبد الله أن يتكلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كَبِّرُ»، أو قال: «الْكُبْرَ»، فتكلم حُوَيِّصَة ومُحَيِّصَة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» (10)، في رواية: «تَحْلِفُونَ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ» (11)، فقالوا: يا رسول الله، كيف نحلف ونحن لم نر ولم نشهد؟ فأخبرهم أن اليهود يحلفون خمسين يمينًا، فقالوا: لا نرضى بأيمان اليهود، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده.
وهذا دليل على أنهم لو حلفوا لملكوا قتله، هذا هو أصلها.
وقد كانت القسامة معروفة في الجاهلية، فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه في الجاهلية.
وهذا دليل على أن المعاملات التي عند الكفار إذا كانت موافقة للشرع فإنه يؤخذ بها، لا يقال: واللهِ هذا عمل كفار ما يمكن نأخذ به، إذا أقره الشرع يؤخذ به، كما أن المضاربة كانت معروفة في الجاهلية وأقرها الإسلام؛ المضاربة (... ) نوع من المشاركة يدفع رجل دراهم ويعمل بها آخر على جزء للعامل من الربح حسب ما يتفقان عليه؛ فمن أحدهما المال، ومن أحدهما العمل.
هذا هو أصل القسامة.
ولهذا قال العلماء: من شرطها اللوث، كلمة: (من شرطها) قد تشكل على الطالب، كيف من شرطها اللوث؛ يعني أن اللوث بعض شرط؛ لأن (مِن) للتبعيض، فإذا قال: من شرطها اللوث؛ يعني معناها أن اللوث بعض شرط؟
والجواب على هذا أن نقول: (شرط) مفرد مضاف فيفيد العموم؛ يعني المفرد المضاف للعموم، فكأنه قال: من شروطها، عندكم (من شروطها)؟
طالب: نعم.
الشيخ: لا، هذا خلاف الأصل، اللي في الأصل وعليه الشارح: (من شرطها).
(اللوث) مصدر: لَاثَ يَلُوثُ، واللوث هو العداوة الظاهرة على كلام المؤلف؛ يعني: العداوة الظاهرة بين القاتل والمقتول، سواء كانت بين القبائل أو بين الأفراد، لكن لا بد أن تكون عداوة ظاهرة، بخلاف العداوة الخفية، هذه ما تكون لوثًا.
ففسَّر المؤلف اللوث بأنها العداوة الظاهرة، وضرب لذلك مثلًا؛ كالقبائل التي يطلب بعضها بعضًا بالثأر.
كان في الأول البادية قبائل إذا مرَّ أحد من قبيلة في قبيلة أخرى قتلوه، ثم القبيلة الأخرى إذا مرَّ بها إنسان من القاتلين قتلوه طلبًا للثأر، فكانوا على هذا، وهو معروف من قديم، فإذا وُجد قتيل من قبيلة عند قبيلة أخرى معادية لها فإن هذا يسمى لوثًا.
وقال بعض العلماء: إن اللوث كل ما يغلب على الظن القتل به؛ أي: بسببه، فكل شيء يغلب على الظن وقوع القتل به فإنه من اللوث، سواء هذا، أو لو وجدنا قتيلًا وعنده رجل بيده سيف ملطخ بالدم، فهذا قرينة ظاهرة على أن القاتل هو هذا الرجل، مع أنه فيه احتمال أنه غيره، لكن اللي يغلب على الظن أنه هذا.
وكذلك لو أن القتيل كان فيه رمق وقال: إن قاتله فلان، فإنه قرينة تدل على أنه هو، فيؤخذ بذلك؛ يعني: هو يؤخذ يقتل، لكن تجرى القسامة بهذه الصورة؛ لأن لدينا ما يغلب على الظن أنه قتله.
ومن الغرائب أن بعض أهل العلم استدل على هذه الصورة بقصة البقرة، فهل فيها دليل؟
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، هي في الحقيقة الاستدلال بها بعيد؛ يعني قضية البقرة لما ضربوا القتيل بها ببعضها قام وقال: اللي قتلني فلان، إذا وجد آية على هذا النحو ما تبقى قسامة؛ ولهذا ما (... ) فيها قسامة.
على كل حال هذا الرأي الذي يقول: إن اللوث كل ما يغلب على الظن القتل بسببه، فإن هذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو أصح؛ لأن علة القسامة معلومة؛ وهي غلبة الظن بوقوع القتل، فما دام ثبت غلبة الظن بالقتل فإنه يؤخذ به.
ثم إن أولياء المقتول هل يجوز لهم أن يحلفوا وهم لم يشهدوا ولم يرو؟
قلنا: إنه إذا غلب على ظنهم ذلك لهم أن يشهدوا، ولكن يجب عليهم التثبت حتى لا يقعوا في اليمين الغموس؛ لأن اليمين الغموس هي التي يحلف الإنسان وهو فاجر فيها يقتطع بها مال امرئ مسلم، فكيف بمن يقتطع بها نفس امرئ مسلم؟ تكون أعظم وأعظم؛ ولذلك على أولياء المقتول أن يتثبتوا غاية التثبت، حتى إذا كانت القرينة عندهم مثل الشمس حلفوا.
طالب: (... )؟
الشيخ: أبدًا؛ لأنهم فعلوا ما أُمروا به، ولكن قد نقول: يجب عليهم الضمان لأولياء المقتول؛ لأنه تبين أنه ليس هو القاتل (... ).
(فمن ادُّعِيَ عليه القتل من غير لوث حلف يمينًا واحدة وبرئ) (فمن ادعي عليه القتل) أين نائب الفاعل؟
طلبة: (... ).
الشيخ: الضمير (... ) ولَّا القتل؟
طالب: القتل.
الشيخ: القتل (فمن ادعي عليه القتل) لأن ابن مالك يقول:
وَلَا يَنُوبُ بَعْضُ هَذِي إِنْ وُجِدْ
فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِهِ...........
و(القتل) مفعولٌ به؛ لأنك تقول: ادعيت القتلَ.
فمن ادُّعِي عليه القتلُ من غير لوث حلف يمينًا واحدًا وبرئ، كسائر الدعاوى.
مثاله: رجل ادعى أن فلانًا قتل مورثه وليس هناك لوث، فقال القاتل اللي ادُّعي عليه القتل: ما قتلت، نقول للمدعي: هل لك بينة؟ إن قال: نعم، قلنا: أحضرها وأعلمنا بما تقتضيها البينة، إن قال: لا، قلنا للمدعَى عليه: احلف.
مرة ولَّا مرتين؟ مرة واحدة؛ يحلف يمينًا واحدة: واللهِ ما قتلت هذا الرجل، ثم يبرأ؛ يعني ما هناك لوث لا ظاهرًا ولا باطنًا.
فإن أبى أن يحلف المدعى عليه أبى أن يحلف (... ) يجيب شهود، وإلا ما أنا بحالف، فهل يُحكم عليه أو لا يُحكم؟ إن كان موجب الجناية المال قُضِي عليه بالنكول، وإن كان موجب الجناية قصاصًا لم يُقْضَ عليه بالنكول.
إذا قال: إنه قتله عمدًا، فالجناية عمدًا توجب القصاص، قال: أبدًا، ما قتلته، قلنا: احلف، قال: ما أنا بحالف، نقول: خلاص، لا نقضي عليك بشيء، ليش؟ لأن الجناية توجب القصاص، والقصاص لا يقضى فيه بالنكول؛ لأننا لو قضينا فيه بالنكول لقتلنا هذا الناكل؛ يعني معنى أن قضى عليه بالنكول أن نأخذ منهم المدعى به، فهنا لو قضينا عليه بالنكول لقتلناه، والنفس محترمة عظيمة ما يمكن تُقتل بالنكول، لا سيما أن بعض الناس تأخذه العزة بالإثم ويقول: أبدًا، ما أحلف، إما يجيب بينة، لكن ما أنا بحالف، ويكون صادقًا في نفي الدعوى، لكن ما هو حالف، فلو أننا قتلناه لاقترفنا جرمًا عظيمًا.
ولكن هل نخلي سبيله ونتركه؟ نعم، الفقهاء يقولون: يُخلى سبيله، ما نتعرض له.
ولكن الصحيح أننا نلزمه بالأمر الثاني الذي يجب بقتل العمد، ما هو؟ الدية؛ لأن الدية مال، أما أن يذهب هكذا فالمسألة خطيرة، المال ما فيه إذهاب نفس؛ فنلزمه بالمال.
أما إذا كانت الجناية لا توجب القصاص، وإنما توجب المال فإنه إذا نكل حكمنا عليه بالنكول.
مثال ذلك: رجل ادعى أن صاحب السيارة هو الذي دعس مورثه، هذا خطأ ولَّا عمد؟ خطأ، هذا هو الغالب أنه لم يتعمد، فقال صاحب السيارة: أبدًا، الذي دعسه شخص آخر، وراح مشى ما هو أنا، نقول: احلف ولَّا لا؟ نقول: احلف؛ لأن المدعي ما عنده بينة، فنقول للمدعى عليه: احلف، قال: ما أحلف (... )، نقول له: نقضي عليك بالنكول، فنلزمك بالدية؛ لأن الدعوة هنا توجب مالًا، فإذا كانت توجب مالًا فإن المال يُقضى فيه بالنكول، فنلزمه به.
ثم قال المؤلف: (ويقضى بأيمان الرجال من ورثة الدم) الآن فهمنا أن الأيمان كم؟ خمسون يمينًا، فهل المعتبر عدد الأيمان أو عدد الحالفين؛ يعني: هل إننا نلزم أولياء المقتول بأن نحلف منهم خمسون رجلًا، أو أن المقصود خمسون يمينًا ولو من رجل واحد؟
المؤلف -وهو المذهب- أن المقصود خمسون يمينًا ولو من رجل واحد، إذا كان لا يرث المقتول إلا هذا الرجل يحلف خمسين يمينًا (... ).
النساء لا مدخل لهن في القسامة..
فيَحْلِفون خمسينَ يَمينًا، فإن نَكَلَ الورثةُ أو كانوا نساءً حَلَفَ الْمُدَّعَى عليه خمسينَ يمينًا وبُرِّئَ.
(كتابُ الْحُدودِ)
لا يَجِبُ الحدُّ إلا على بالغٍ عاقلٍ مُلتزِمٍ عالِمٍ بالتحريمِ، فيُقِيمُه الإمامُ أو نائبُه
الآن فهمنا أن الأيمان كم؟ خمسون يمينًا، فهل المعتبر عدد الأيمان أو عدد الحالفين؟ يعني: هل أننا نُلزِم أولياء المقتول بأن يحلف منهم خمسون رجلًا، أو أن المقصود خمسون يمينًا ولو من رجل واحد؟
المؤلف وهو المذهب أن المقصود (خمسون يمينًا)، ولو من رجل واحد إذا كان لا يرث المقتول إلا هذا الرجل يحلف خمسين يمينًا (... )، فالنساء لا مدخل لهن في القسامة؛ ولهذا ينفي هذا الوهم.
قوله: (فيحلفون خمسين يمينًا) (يحلفون) الضمير ضمير ذكور ولَّا إناث؟
طلبة: ذكور.
الشيخ: ذكور فمثلًا إذا كان الميت المقتول يرثه ابنان وبنت، مسألة مِنْ كم؟ من خمسة لو أردنا أن نقسم قسمة مال؛ كذا لها عشرة، ولهم أربعون، للآخرين أربعون؛ لكل واحد عشرون، هل نقول الآن: يحلف كل ابنٍ خمسةً وعشرين يمينًا، أو يحلف كل ابن عشرين يمينًا؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول؛ ولهذا قال: (فيحلفون) أي: الذكور يحلفون خمسين يمينًا، أما النساء فلا مدخل لهن.
ولو كان المقتول له ابن وعشر بنات، كيف اليمين؟ يحلف الابن فقط خمسين يمينًا؛ لأن النساء ما لهم دخل في القسامة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» (1).
إذا كان المقتول له ثلاثةُ أبناء هم ورثته، كيف يحلفون؟ كيف نوزع الخمسين؟
طلبة: (... )
الشيخ: طيب، نشوف الآن، اقسم خمسين على ثلاثة.
طالب: سبعة عشر.
الشيخ: سبعة عشر.
طالب: ستة عشر، ويبقى اثنان.
الشيخ: اصبر، نشوف ستة عشر ويبقى اثنان (... ) أربعين، ويبقى عشرون عندنا ثلاثة، كيف يحلفون؟
يقولون: إن الكسر يُجْبَر؛ إذ لا يمكن تبعضه هنا، وعلى هذا (... ) مجموع أيمانهم، يكون مجموع أيمانهم (... )، كل يمين ولا حرج، جبر الكسر بسيط؛ لأنه لو قال قائل: لماذا لا تُحَلِّفُون اثنين منهم بالقرعة؟ لا قرعة هنا، الأيمان ما تدخلها القرعة؛ إذن فلا مناص من جَبْرِ الكسر.
هذا ما ذهب إليه المؤلف وهو المذهب؛ أن الأيمان الخمسين توزَّع على من؟ على الذكور من الورثة، وأنه لو لم يكن إلا واحد حَلَّف الخمسين كلَّها.
والقول الثاني في المسألة: إنه لا بد من خمسين رجلًا، يحلف كل واحد يمينًا واحدًا؛ لأن الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ» (1)، ما قال: تحلفون خمسين يميناً؛ قال: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا» ولأن هذا أحوط وأبلغ؛ لأنه إذا علم هؤلاء الجماعة أو القبيلة أو الفخذ أنه لا بد أن يَحْلِفَ خمسون منهم، قد يكون بعضهم ينصح بعضًا، ويقول: اتق الله، ولا تؤثِّمْنا مثلًا، فحينئذٍ يكون فيه فائدة ومصلحة، وهذا القول أقرب إلى ظاهر الأدلة أنه لا بد من حَلِف خمسين رجلًا، ولكن كيف يكون هؤلاء الرجال؟
نقول: ننظُر للأقرب فالأقرب، طبعًا الورثة نبدأ بهم، ثم بمن يكون وارثًا بعدهم، ثم بمن يكون وارثًا بعد الآخرين؛ الأول فالأول.
فمثلًا إذا (... ) وأب وإخوة وبنو إخوة وأعمام، (... ) الأخوة نكمل خمسين رجلًا، هل يحلف الأعمام؟
طالب: لا.
الشيخ: يعني: عندنا أبناء وأب وإخوة وأبناء إخوة يحصل من مجموع هؤلاء الأجناس الأربعة؛ يحصل منهم خمسون رجلًا، هل نحلف الأعمام؟ لا، لكن لو لم يحصل خمسون رجلًا منهم حلفنا الأعمام، وهكذا وهذا القول -كما قلت- أقرب إلى ظاهر الحديث، وظاهر الأدلة وأقرب إلى الاحتياط والتحري في مسائل الدماء.
يقول المؤلف رحمه الله: (فيحلفون خمسين يمينًا، فإن نَكِل الورثة).
والكلام الآن في دعوى فيها، لو نكل الورثة قالوا: والله ما نحلف على شيء لم نره، توجه اليمين إلى من؟
إلى المدَّعى عليه، كما في الحديث، إذا قال: والله ما نحلف ولا يمين واحد؛ لأنا ما شاهدنا ولا رأينا، يقول المؤلف: (حلف المدعى عليه خمسين يمينًا وبرئ)
توجه الأيمان إلى المدعى عليه، ويقال: احلف خمسين يمينًا.
إذا قال الورثة: نحن لا نرضى بأيمان مَنِ ادعينا عليهم؛ لأن الذي يتجرأ على القتل يتجرأ على اليمين، ولا يبالي ما يكون..
طالب: ظاهر الحديث (... )
الشيخ: نعم، نقول: في هذه الحال تُؤَدَّى ديتُه من بيت المال، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال أولياء المقتول: لا نرضى بأيمان اليهود، وهم كفار، فوداه النبي صلى الله عليه وسلم من عنده.
فإن حلف المدعى عليه؛ رضي المدعون وحلف المدعى عليه خمسين يمينًا، فماذا يكون؟
طلبة: يبرأ.
الشيخ: يبرأ.
وقول المؤلف: (حلف المدَّعى عليه)، هل المدَّعى عليه هنا عام يشمل الواحد والمتعدد؟ هو كذلك، لكنه عام أريد به الخاص؛ لأن القسامة لا تصح إلا على واحد، يعني: لا يمكن أن ندعي على اثنين نقول: هؤلاء قتلوا مورثنا؛ لأن لفظ الحديث: «عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ» (2)، فيكون القسامة ما تجري إلا إذا كان المدَّعَى عليه واحدًا.
والعجيب أن بعض أهل العلم قالوا: لا تجرى القسامة إلا إذا كان المدَّعى عليه أكثر من واحد، عكس هذه المسألة، قالوا: لأن القسامة بين القبائل، فإذا ادَّعَى على واحد، قلنا: ما فيه قسامة كسائر الدعاوى؛ ادعى على جماعة حينئذ تجرى القسامة.
ولو قال قائل: نجعلها كغيرها من الدعاوي، بمعنى إن ادَّعَوا على واحد أجرينا عليه القسامة، وإن ادَّعَوْا على اثنين فأكثر أجرينا عليهم القسامة؛ لأنه من الممكن أن يكون المدَّعُون يدَّعون أن شخصين قتلاه، أليس كذلك؟ يعني مثلًا، واحد أمسكه، والثاني قتله مع التواطؤ إذا كان (... ) كما مر علينا أن نمسك يحبس حتى يموت (... ).
وقال المؤلف: (أو كانوا نساءً) من هم اللي كانوا نساء؟ الورثة، فإن كان الورثة (... )، (أو كانوا نساء) بأن هلك هالك عن بنت وأخت شقيقة، وادعت البنت والشقيقة أن مورثهم قتله فلان، فهل نجري القسامة؟
طلبة: لا
الشيخ: ليش؟ لأنه لا مدخل للنساء في القسامة، حتى لو ادعى العصبة الآخرون قالوا: إذا كنتم لا تقبلون دعوى النساء فنحن ندعي، مثلما لو ادعى أخو الميت اللي هو عم البنت، وأخو الأخت يصح التمثيل؟
الورثة بنت وأخت شقيقة؛ للبنت النصف وللأخت الشقيقة الباقي.
طالب: كيف يتوارث؟
الشيخ: أخوها من أبيها، يمكن؟
طالب: يمكن.
الشيخ: هنا الأخ من الأب لا يرث، لو قال الأخ: هذا أخو المقتول، أنا اللي (... ) نقول: ما يمكن (... ) لماذا؟ لأنه لا يرث.
والمسأله هذه في الحقيقة تحتاج إلى تحرير؛ لأن في قصة عبد الله بن سهل رضي الله عنه لما جاء أخوه وابنا عمه حُوَيِّصَةُ ومُحَيِّصَةُ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «كَبِّرْ» (3). فبدأ حُوَيِّصَةُ بالكلام، وهذا يدل على أن العصبة لهم حق؛ لأن الرسول خاطبهم قال: «تَحْلِفُونَ»، وهو يخاطب هؤلاء، فالمسألة هذه تحتاج إلى تحرير؛ وإن شاء الله تعالى (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: لا (... )؛ لأن الرسول قال: «كَبِّرْ» فبدأ حُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ.
فالحاصل أن هذه تحتاج إلى تحرير؛ لأنه ربما تكون يعني البنت والأخت الشقيقة لا مدخل لهما في القسامة، لكن العار الذي يلحق هؤلاء بين الناس، بل قتل صاحبكم، ولَّا أخذتم بالثأر؟
(... ) لو فرض ذاك لحصل فيه مفسدة عظيمة، يمكن يقتلون بهذا الواحد عشرة، ولَّا لا؟ لا سيما إذا كانت هذه القبيلة أقوى من تلك.
مدخل أكمل الشيخ -رحمه الله- في هذا الملف الصوتي والذي بعده حديثه في (كتاب الحدود)، وسوف يعاد مرة أخرى في أول (كتاب الحدود)، ولم نرد حذف هذه المادة إتماما للفائدة، ومتابعة للمادة الصوتية.">
ثم ننتقل الآن بعد الجنايات إلى الحدود.
الحدود جمع حد، والحدُّ يطلق على معانٍ كثيرة، ففي كتاب الله تطلق الحدود على المحرمات، وعلى الواجبات، ويقال في المحرمات: ﴿لَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187].
يمكن عندك: عبد الرحمن بدأ، ولكن الرسول قال: «كَبِّرْ» (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: لا، غلط، بعدما قال: «كَبِّرْ» فبدأ حويصة، عبد الرحمن أراد أن يتكلم فقال له: «كَبِّرْ» فبدأ حويصة.
أقول: الحدود في القرآن تأتي بمعنى الواجبات، وبمعنى المحرمات، في المحرمات يقول: ﴿لَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]، وفي الواجبات: ﴿لَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]، لما ذكر الله ما يَحْرُم على الصائم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، ولما ذكر ما يجب في المطلقات قال: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
ويُطْلَق الحد على المراسيم التي تفصل بين الجارين، فيقال: هذه حدود الأرض كذا، وهذا واضح كثير.
ويُطلَق الحدُّ على ما يحصل به التعريف، وهذا الموجود عند المناطقة، وعرَّفوه بأن الحد: هو الوصف المحيط بموصوفه المُمَيِّز له عن غيره، هذا الحد.
قال السفاريني:
فَالْحَدُّ وَهْوَ أَصْلُ كُلِّ عِلْمِ وَصْفٌ مُحِيطٌ كَاشِفٌ فَافْتَهِمِ
(وَصْفٌ مُحِيطٌ) يعني: بموصوفه، (كَاشِفٌ) يعني: مميز له عن غيره.
هذا الحد عند مَنْ؟ عند أهل المنطق؛ الوصف المحيط بموصوفه المُمَيِّز له عن غيره، فلا بد أن يكون جامعًا مانعًا.
مثال ذلك: لو قلت: ما هي الطهارة؟ فقلت: الطهارة هي استعمال الماء في الأعضاء الأربعة (... )، هذا محيط بموصوفه ولَّا لا؟
لا يحيط بالموصوف؛ لأنه باقٍ عندنا الغسل والتيمم، فهو غير محيط بموصوفه فليس بحدٍّ.
ولو قلت: إن الطهارة هي أن يطهِّر الإنسان ثوبه، ويغسل وجهه بعد النوم، وما أشبه ذلك صار غير صحيح أيضًا؛ لأنه هنا دَخَّل غير المحدود، فلا بد أن يكون الحدُّ جامعًا مانعًا، فإن لم يكن جامعًا مانعًا فهو (... ) لو قلنا في تعريف حد الواجب ما هو؟ الواجب ما أُمِر به.
طلبة: (... )
الشيخ: لا، هذا غير مانع؛ السبب لأنه يدخل فيه غيره، ولَّا لا؟ يدخل فيه المستحب، فهنا ما مَيَّزه عن غيره.
ولو قلت: إن الواجب ما صدَّره الله تعالى بقوله: يجب عليك، لكان غير صحيح؛ ليش؟ لأنه ما أحاط بالموصوف؛ لأن الواجب يجب ولو بغير هذه الصيغة.
يطلق الحد -وهو المراد هنا- فيراد به هي العقوبة المُقَدَّرة شرعًا في معصية؛ لتمنعَ من الوقوع في مثلها، وتكفِّرَ ذنب صاحبها.
التعريف مرة ثانية؛ عقوبة مُقَدَّرة شرعًا في أيش؟ معصية؛ لتمنعَ من الوقوع في مثلها، وتُكَفِّرَ ذنب صاحبها.
الأخير هذا ما هو بلازم، لكن أتينا به حتى يتبين الحكمة من العقوبة، فإن ما هو المقصود من العقوبة مجرد العقوبة فقط، بل لها حكمة؛ وهي المنع من الوقوع في مثلها، سواء من الفاعل أو من غيره، والثاني: تكفير ذنب صاحبها.
مثال ذلك: رجل زنا، يجب أن نجلده مئة جلدة، الجلد هذا عقوبة ولَّا غير عقوبة؟
طلبة: عقوبة.
الشيخ: مقدر؟ مقدر، مَنْ قَدَّرَهُ؟ الله عز وجل؛ الشرع.
الحكمة من ذلك: الردع لأجل ألَّا يفعلها هو أو غيره مرة ثانية.
وثانيًا: التطهير والكفارة، فإن الإنسان إذا فعل ذنبًا وَحُدَّ عليه كَفَّر الله عنه، لا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة.
فخرج بقولنا: (عُقوبة مقدرة) غير المقدرة، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (4)، كم قال اضربوهم؟ ما حدد، إذن هذا الضرب ليس بِحَدٍّ، لكنه تعزير.
وقولنا: (مُقَدَّرٌ شَرْعًا): خرج به العقوبة التي يقدرها القاضي، فإن قال القاضي: حكمت على فلان بأن يجلد خمسين جلدة، هذه ما هي حد؛ من اللي مقدره؟ القاضي فلا تكون حدًّا.
وقولنا: (في معصية) هذا بيان للواقع؛ لأن العقوبات هذه تكون على معاصٍ، وليس هناك عقوبة من الشرع على غير المعصية، ليس فيه عقوبة على ترك واجب، ولا على ترك مباح، لكن ترك الواجب لا شك أنه يتضمن فعل المحرم، إلا أنه ليس فيه عقوبة، إلا إذا كانت ردة، ففيه القتل، لكن القتل بالردة والقتل بالقصاص ليسا من الحدود، خلافًا للمتأخرين الذين يجعلون القتل بالردة، والقتل بالقصاص من الحدود، هذا غلط، ما فيه شك؛ لأن الحدَّ لا بد من تنفيذه، والقصاص يسقط بالعفو، والردة القتل فيها يسقط بالرجوع إلى الإسلام، لكن الزاني مثلًا لو زنى وثبت عليه الزنا، هل يمكن يسقط؟ أبدًا، ما يمكن يسقط، حتى لو تاب إذا كانت الجريمة قد ثبتت ببينة، لو تاب ما يُقْبَل، لا بد أن يُقام عليه الحد.
إذن الحد في اللغة المنع، وفي الاصطلاح هنا في هذا الباب عقوبة مقدرة شرعًا في معصية؛ لتمنعَ من الوقوع في مثلها، وتُكَفِّرَ عن صاحبها، فائدتان فيه.
هل الحد واجب تنفيذه أم لا؟
يقول المؤلف: (لا يجب الحد إلا على بالغ)، وليت المؤلف قال: يجب الحد (... ).
عليه بالنكول أننا نأخذ منه المدعى به، فهنا لو قضينا عليه بالنكول لقتلناه، والنفس محترمة عظيمة، ما يمكن تُقْتَل بالنكول، لا سيما أن بعض الناس قد تأخذه العزة بالإثم، يقول: أبدًا ما أحلف، إما يجيب بينة، وإلا ما أنا بحالف، ويكون صادقًا في نفي الدعوى، لكن ما هو حالف، فلو أننا قتلناه لاقترفنا جرمًا عظيمًا.
ولكن هل نخلي سبيله ونتركه؟ نعم الفقهاء يقولون: يخلى سبيله، ما (... ).
هل الحدُّ واجب تنفيذه أم لا؟
يقول المؤلف: (لا يجب الحد إلا على بالغ)، وليت المؤلف قال: يجب الحد على كل بالغ؛ لأن الإيجاب أحسن من النفي؛ لأن قول: لا يجب الحد إلا على كذا، كأن الأصل عدم وجوب الحد، لكن لو قال: يجب الحد على كل بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم؛ لأن الحد إقامتُه واجبة بالكتاب، وبالسنة، والإجماع؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، والأمر للوجوب ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ حتى لا يجترئ أحد على السرقة بعد ذلك، ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ختمها بالعزة حتى يكون له السلطان عز وجل، ﴿حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38] حتى لا يقال: إن هذا سفه، ليش تقطع إيده؟ عشان ربع دينار؟ ! تُقْطع اليد علشان ربع دينار؟ !
ولو قطعها جانٍ لكان خمس مئة دينار، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إذا سرقت قطعت في ربع دينار، وإن قطعت في جناية سلم خمس مئة دينار، حماية للأموال في قطعها بربع دينار، وحماية للنفوس في وجوب خمس مئة دينار في قطعها.
(... ) الحد واجب، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] فإياك أن تقول: ارحم هذا، تجلده مئة جلدة، شيخ كبير، تجلده مئة جلدة! ! ترى ما تزوج، أما إذا تزوج فالحجارة، لكن ما تزوج، شيخ كبير، تجلده مئة جلدة، ارحمه، ما أرحمه؛ لأن من هو أرحم مني أمر بجلده، ونهاني أن أرأف به، ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: 2].
اجلدوه في بيته، حتى في البيت ما يطلع أحد، ولَّا بالمركز ما يطلع أحد.
قال: لا، ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ﴿طَائِفَةٌ﴾، والذي شرَّع هذه الحدود؟
طالب: الله.
الشيخ: والله أرحم من الخلق بهم، أرحم من الوالدة بولدها؛ لأن في إقامة الحدود مصالح عظيمة ما تُحْصَى، فيها ردع وفيها تطهير.
يقول بعض الملحدين والزنادقة يقول: إننا لو قطعنا يد السارق لأصبح نصف الشعب مقطوعًا، (... ) العشرة خمسة منهم (... ) على يديه، ويش لون هذا؟ وين المصانع؟ ووين الحرب؟ ووين الزرع؟ ووين (... ) إذا صار الواحد (... ) ويش نقول له؟
طالب: (... ) لو قطع مرة.
الشيخ: إي نعم، نقول: معنى ذلك أنه أقرَّ الرجل على أن نصف شعبه سراق حرامية، ولو أنه قُطِعَ واحد من هؤلاء لارتدع آلاف، ولا سرق سارق ولم يكن سارقًا، لكن ابن آدم لقصور نظره ينظر إلى الحاضر، ولا ينظر إلى المستقبل.
(... ) ذكرنا دليلًا من القرآن على وجوب الحد، وقال تعالى في قطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: 33]، هذا ﴿إِنَّمَا﴾ يعني: ما جزاؤهم إلا هذا فـ (إنما) أداة حصر.
وقال عمر رضي الله عنه وهو يخطب الناس على منبر الرسول الله عليه الصلاة والسلام: وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله (5)، ترك فريضة؛ يقول عمر رضي الله عنه: فريضة أنزلها الله، أنكر عليه الناس؟ أبدًا أقروه؛ لأنها فريضة من فرائض الله يجب أن تنفذ.
ولكن فيه إنسان كريم، وشريف، وطيب، ومن (... ) طيبة، سولت له نفسه أن يسرق ربع دينار، وثبت عليه ذلك، والرجل طيب، وكريم، وخيِّر، ومن حمولة طيبة رفيعة، ويش تقولون هذا؟
طلبة: يقطع.
الشيخ: انتظروا.
طالب: وصلت السلطان.
الشيخ: وصلت السلطان، لكن السلطان جاءه ناس يتوجهون، وقالوا: هذا رجل طيب ومثله طيب وهو ورجل شريف، أفضل الأحوال يُشاهَد يفتح للناس إذا جاءه الضيوف، كيف يفتح الباب؟ نقول: يفتح باليسرى، ما مشكلة، على هذا يقام عليه الحد، على الشريف وعلى الوضيع، وعلى الغني والفقير، والذكر والأنثى، والحر والعبد، لا فرق؛ لأن الله عز وجل لم يفرق، ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ما دام سرق هذا جزاؤه.
بل لو قال قائل: إن سرقة هذا الشريف لولا أن الله حدَّ حدًّا، لقلنا: تُقْطَع يده ورجله؛ لأنه شريف، تَدَنُّسُه بالسرقة أعظم من تدنس الوضيع، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم؛ ولهذا مرَّ علينا في (... ) في زنا الأشيمط واستكبار الفقير أشد من زنا الشاب ومن استكبار الغني.
هذا الرجل شريف ومن حمولة شريفة كيف يسرق؟ أو كيف يزني مثلًا؟ إذن لا فرق بين الغني والفقير، والصغير والكبير.
طالب: (... )
الشيخ: لا (... ) لكلام المؤلف: (لا يجب الحدُّ إلا على بالغ)، (... ) لتمنعَ من الوقوع في مثلها، وتكفرَ ذنب صاحبها أي إقامة الحد واجبة (... ).
وكذلك أيضًا أن سارقًا سرق فأمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقطع يده (... )، لكن في إقامة الحد شروط:
أولًا: أن يكون بالغًا؛ فلا يجب الحد على من دون البلوغ، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة: إما بإنزال المني، وإما بإنبات العانة، وإما بتمام خمس عشرة سنة، وقد سبق لنا أدلة ذلك في باب الحجر.
فإذا بلغ الإنسان فإنه يُنْظَر في بقية الشروط حتى يقام عليه الحد، وأما من دون البلوغ فلا حد عليه، ولو زنا أو سرق؛ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (6) هذا دليل.
التعليل: لأنه ليس أهلًا للعقوبة لعدم صحة القصد التام منه؛ لأنه ناقص؛ ناقص في التصور، وناقص في التصرف؛ ولهذا منع الله من إتيانهم أموالهم لأنفسهم حتى لا يضيعوها، ولكن لا يعني ذلك أن الصغير لا يُعَزَّر، بل يعزر، والتعزير غير الحد؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرَبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (7) فأمر بضربهم قبل البلوغ، فالتعزير شيء وإقامة الحد شيء آخر، وعلى هذا فلو أن صغيرًا فعل الفاحشة ما نقول: هذا لا يجب عليه الحد، اتركوه، بل لا بد أن يُعَزَّر بما يردعه وأمثاله عن هذه الفعلة، وكذلك أيضًا لو سرق ما يترك، بل لو أفسد شيئًا دون ذلك فإنه لا يُتْرَك بدون تعزير، والتعزير شيء والحد شيء آخر.
(عاقل) ضده المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحد؛ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (6)، ولأنه ليس له قصد تام يعرف به ما ينفعه ويضره، فيقدم ويحجم، وهل يعزر؟
طالب: (... ).
الشيخ: ليش؟ لأنه لو عزر ما انتفع، إذن نتركه يفسد أموال الناس، يحرق الدكاكين، ويكسر (... ) ولا ما (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، لا بد أن يُمْنَع ولو بالحبس، إما عند وليه، وإما في الحبس العام، فالمهم أنه لا يترك والفساد؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]، ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، فالذي لا يحبه الله لا يجوز لنا أن نُمكَّن منه أبدًا.
كل فساد في الدين أو الدنيا فإنه يجب على ولاة الأمور ومَنْ قدر من غير ولاة الأمور أن أيش؟ أن يمنع منه؛ لأن الله لا يحبه، فإذا كان لا يحبه الله، كيف نُمَكَّن منه؟ !
إذن المجنون لا يُقام عليه الحد، ولا يُعَزَّر ولَّا نقول: إنه يعزر بما يكف شره؟
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
طلبة: (... ).
الشيخ: نعم؛ لأن حبس هذا المجنون يريد أن تكون الحرية كاملة في تصرفه، حبسه هذا فيه نوع من التعزير له.
(مُلتَزِم) يعني ملتزمًا لأحكام الإسلام، سواء كان مسلمًا أو كافرًا، فمَنْ هو الملتزم؟ الملتزم هو المسلم والذمي فقط، وهذا غير المعصوم، المعصوم تقدم لنا أنهم أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، لكن الملتزِم صنفان فقط، وهو المسلم ويش بعد؟ والذمي؛ لأن الذمي ملتزم بأحكام الإسلام، لكنه لا يقام عليه الحد إلا فيما يعتقد تحريمه، أما ما يعتقد حله فلا يُقَام عليه الحد، ولو كان حرامًا عند المسلمين؛ ولهذا لا نقيم عليهم الحد في شرب الخمر، ونقيم عليهم الحد في الزنا؛ لأن الزنا محرم بكل شريعة، ليس في الشرائع شيء يبيح الزنا أبدًا، وعلى هذا إذا زنا الذمي بامرأةٍ مثلِه؛ يعني: ما هي من المسلمين، يعني: بيهودية مثلًا أو نصرانية، وهي مختارة فإننا ليش؟ نقيم عليه الحد؛ ليش؟ لأنه محصن، والحد قلتم: إنه تطهير؛ لأن المعروف أن الحد فيه علتان: المنع من الوقوع في مثلها، والثاني التكفير، فإذا كان هذا ليس أهلًا للتكفير، فهي العلة الثانية وهي المنع؛ ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحدَّ على اليهوديين اللَّذَين زنيا؛ لأنهم يعتقدون التحريم فيُقام عليهم الحد.
ولكن لو فُرِضَ أن هذا محرم عندهم، هذا الذنب موجب للحد في الإسلام، غير موجب للحد في شريعتهم، فيكون الحال، فهل نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، أو لا؟
الجواب: لا ما نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، كما لا نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام فيما يعتقدون حله، فإذا كانت شريعتهم لا توجب الحد في مثل هذه المعصية، فإننا لا نقيمه عليهم، لكن نعزره؛ لأن التعزير واجب في كل معصية ليس فيها حدٌّ ولا كفارة.
(عالم بالتحريم) هذا الشرط الرابع؛ (بالغ عاقل ملتزِم عالم بالتحريم) خرج به الجاهل بالتحريم، هذا لا حدَّ عليه.
ولكن كيف نعلم أنه جاهل، أو عالم بالتحريم؟ لأننا إذا قلنا: يشترط أن يكون عالمًا بالتحريم صار كل واحد من الناس يقول: إنه ليس عالمًا بالتحريم، ما دريت والله أن السرقة حرام، ما دريت أن الزنا حرام، ماذا نعمل؟ يُنْظَر، إن كان قد عاش في بلاد الإسلام، فإن دعواه الجهل بالأمور الظاهرة لا يُقْبَل، ولا يُسْمَع منه، أما إذا كان حديث عهد بالإسلام، أو كان ناشئًا في بادية بعيدة، ما يدري عن أحوال المسلمين فإننا نقبل منه دعوى الجهل، فإذا كان مثله يجهله قبلنا دعواه الجهل، ورفعنا عنه الحد، فإن شككنا في هذا الأمر، إن شككنا هل هو ممن يجهل مثل ذلك، أو لا؟ فالأصل عدم أيش؟
طلبة: عدم العلم
الشيخ: عدم العلم، فلا نقيم عليه الحد؛ لأنه لا بد أن يتحقق الشرط، وهو أن يكون عالمًا بالتحريم.
وهل يشترط أن يكون عالمًا بالعقوبة؟
لا يُشتَرط، لو قال: هذا الرجل المحصن الذي زنى قال: إنه لو علم أن حده الرجم ما زنى أبدًا، لكن (... ) الجلد، وهو يصبر على الجلد نرجمه ولا ما نرجمه؟
طلبة: نرجمه.
طلبة آخرون: لا.
الشيخ: نرجمه؛ لأنه لا يشترط العلم بالعقوبة، إذا كان عالمًا بالتحريم فمعنى ذلك أنه رضي بأن يَنْتَهِك حرمات الله، والله عز وجل قد أوجب العقوبة على هذا الفاعل لهذه المعصية، ولا عذر له الآن.
ثم قال المؤلف: (فيقيمه الإمام) يعني: فإذا ثبت الحد، فمنِ المخاطب في إقامته؟ وهل لكل إنسان أن يقيمه؟ لا، قال: (فيقيمه الإمام أو نائبه)، وعُلِمَ من قول المؤلف: (فيقيمه) أنه لا بد من النية، فلو غضب الإمام على شخص في مسألة غير الفاحشة فجلده مئة جلدة، سمع أنه يسب الإمام، قال: هذا الرجل الذي يسبني، يلَّا اجلدوه مئة جلدة، فجلدوه مئة جلدة، فلما انتهوا منه، قال لهم: إنه قد زنا، وتكون الجلدات هذه عن زناه، ينفع؟ لا؛ لأنه لا بد من نية، ولهذا قال: (فيقيمه)، والإقامة لا بد أن يكون لها نية، أو من الآداب أن ينوي الإمام بإقامة الحد أمورًا ثلاثة:
أولًا: الامتثال لأمر الله عز وجل في إقامة الحدود؛ ولا ينوي بذلك التشفي أو الانتصار؛ أن ينوي بذلك امتثال أمر الله تعالى في إقامة الحد؛ لأن هذا من الواجب مما أوجب الله على العباد فينوي بذلك امتثال أمر الله.
ثانيًا: ينوي دفع الفساد؛ لأن هذه المعاصي لا شك أنها فساد، وأن الله تعالى ما أمر بإقامة الحدود على فاعليها إلا لدفع فسادهم وفساد غيرهم المنتظر، إذا لم يقم عليهم الحد.
الشيء الثالث: إصلاح الخلق، دفع الفساد، الثالث: إصلاح الخلق، ومن بين الخلق الذين يُصلَحون هذا المجرم الذي يقيم عليه الحد، فينوي إصلاحه، وأن الله تعالى يغفر لهما ما سلف.
هذه الأمور الثلاثة يجب على ولي الأمر أن تكون منه على بال، وهي إقامة فريضة الله، دفع الفساد إصلاح الخلق، وكثير من الناس من الولاة أو أقول: بعض الولاة يريد بذلك الانتقام فقط، مجرد الانتقام من هذا الشخص.
هل تسري هذه الآداب الثلاثة إلى المعلم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المعلم يعني: مثلًا، إذا قطع الطالب (... ) مصلحته، إذا قطعه بالمقطعة ينوي بذلك.
طلبة: (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) عبارة عن خشبة.
طالب: المسطرة.
الشيخ: لا، المقطعة من القطع.
طالب: المسطرة.
الشيخ: إن شاء الله، واحد منكم يجيب (... ) به.
المهم أنه يعني ينوي بذلك دفع الفساد لا شك، وإصلاح هذا الطالب وغيره أيضًا.
لكن إقامة لفريضة الله؟ (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: إي قد نقول: إن هذا وإن لم نقل: يعني نتجاسر إلى حد الفريضة، نقول: إنه مما يُشْرَع، ولو لم يقم بذلك ما دام قلنا: إنه دفع فساد، والله لا يحب الفساد، فهنا مشروع أن يدفع الفساد بكل وسيلة، أليس كذلك؟
وقول المؤلف: (فيقيمه الإمام) الإمام في كل موضع بحسبه، فعندما نتكلم عن الجنايات والحدود وما أشبهها يكون المراد بالإمام مَنْ له السلطة العليا في الدولة، وعندما نتكلم في باب الجماعة من يكون المراد بالإمام إمام الصلاة، إمام المسجد، ونحو ذلك، فالإمام مَنْ له السلطة العليا في الدولة المدبر لشؤون الدولة هو الإمام.
وقوله: (أو نائبه) من نائب الإمام؟ القاضي، الوزير، الأمير، هذا يرجع إلى العرف نائب الإمام في هذه الأمور يرجع إلى العرف.
(كتابُ الْحُدودِ)
لا يَجِبُ الحدُّ إلا على بالغٍ عاقلٍ مُلتزِمٍ عالِمٍ بالتحريمِ، فيُقِيمُه الإمامُ أو نائبُه في غيرِ مَسْجِدٍ، ويُضْرَبُ الرجُلُ في الحدِّ قائمًا بسَوْطٍ لا جديدٍ ولا خَلِقٍ، ولا يُمَدُّ ولا يُرْبَطُ ولا يُجَرَّدُ, بل يكونُ عليه قميصٌ أو قَمِيصَان، ولا يُبالَغُ بضَرْبِه بحيثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ، ويُفَرَّقُ الضَّرْبُ على بَدَنِه، ويُتَّقى الرأسُ والوجهُ والفرجُ والْمَقَاتِلُ، والمرأةُ كالرجُلِ فيه, إلا أنها تُضْرَبُ جالسةً وتُشَدُّ عليها ثيابُها وتُمْسَكُ يَداها حتى لا تَنْكَشِفَ، وأَشَدُّ الْجَلْدِ جَلْدُ الزِّنَا, ثم القَذْفِ ثم الشرْبِ ثم التَّعْزِيرِ، وَمَن ماتَ في حَدٍّ فالْحَقُّ قَتْلُه, ولا يُحْفَرُ للمَرجومِ في الزِّنَا.
(بابُ حدِّ الزِّنَا)
إذا زَنَى الْمُحْصَنُ رُجِمَ حتى يَموتَ،
مدخل
الحدود جمع حد.
والحد يُطلق على معان كثيرة؛ ففي كتاب الله تُطلق الحدود على المحرمات وعلى الواجبات، ويقال في المحرمات: ﴿لَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187].
أقول: الحدود في القرآن تأتي بمعنى الواجبات وبمعنى المحرمات، في المحرمات يقول: ﴿لَا تَقْرَبُوهَا﴾، وفي الواجبات: ﴿لَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229]، لما ذكر الله ما يَحْرُم على الصائم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]، ولما ذكر ما يجب في المطلقات قال: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾.
ويُطلق الحد على المراسيم التي تفصل بين الجارين، ويقال: هذه حدود الأرض، كذا؟ وهذا واضح كثير.
ويطلق الحد على ما يحصل به التعريف، وهذا موجود عند المناطقة، وعرَّفوه بأن الحد هو الوصف المحيط بموصوفه المميِّز له عن غيره، هذا الحد الوصف المحيط بموصوفه المميز له عن غيره.
قال السَّفَّاريني:
الْحَدُّ وَهْوَ أَصْلُ كُلِّ عِلْمِ وَصْفٌ مُحِيطٌ كَاشِفٌ فَافْتَهِمِ
وصف محيط يعني: بموصوف، كاشف يعني: مُميِّز له عن غيره، هذا الحد عند مَن؟ عند أهل المنطق.
الوصف المحيط بموصوفه المُميِّز له عن غيره، فلا بد أن يكون جامعًا مانعًا.
مثال ذلك: لو قلت: ما هي الطهارة؟ فقلت: الطهارة هي استعمال الماء في الأعضاء الأربعة، ويش تقولون؟
طلبة: ناقص.
الشيخ: هذا محيط بموصوفه ولَّا لا؟
طلبة: لا يحيط.
الشيخ: لا يحيط بموصوفه؛ لأنه باق عندنا الغسل والتيمم، فهو غير محيط بموصوفه فليس بحد، ولو قلت: إن الطهارة هي أن يُطَهِّر الإنسان ثوبه ويغسل وجهه بعد النوم، وما أشبه ذلك صار؟
طلبة: تمثيلًا له.
الشيخ: صار غير صحيح أيضًا؛ لأنه دخل غير المحدود، فلا بد أن يكون الحد جامعًا مانعًا، فإن لم يكن جامعًا مانعًا فهو ما يصح، لو قلنا في تعريف الواجب: حد الواجب ما هو؟ قلت: ما أُمِر به.
الواجب ما أمر به.
طلبة: ناقص.
الشيخ: لا، ما هو ناقص، هذا غير مانع، السبب؟ لأنه يدخل فيه غيره ولَّا لا؟
طلبة: إي نعم.
الشيخ: يدخل فيه المستحب، فهنا ما ميَّزه عن غيره، ولو قلت: إن الواجب ما صدَّره الله تعالى بقوله: يجب عليك مثلًا، لكان غير صحيح ليش؟ لأنه ما أحاط بالموصوف؛ لأن الواجب يجب، ولو بغير هذه الصيغة.
يُطْلَق الحد وهو المراد هنا، فيراد به العقوبة المقدرة شرعًا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها وتُكَفِّر ذنب صاحبها، الأخير هذا ما هو لازم، لكن أتينا به حتى نتبين الحكمة من العقوبة؛ فإنه ما هو بالمقصود من العقوبة مجرد العقوبة فقط، بل لها حكمة؛ وهي المنع من الوقوع في مثلها سواء من الفاعل أو من غيره، والثاني: تكفير ذنب صاحبها.
مثال ذلك: رجل زنا يجب أن نجلده مئة جلدة، الجلد هذا عقوبة ولَّا غير عقوبة؟
الطلبة: عقوبة.
الشيخ: مقدر؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: مقدر، مَن قدَّره؟
الطلبة: الشارع.
الشيخ: الله عز وجل، الشرع، الحكمة من ذلك؟
الطلبة: الردع.
الشيخ: الردع؛ لأجل ألا يفعلها هو أو غيره مرة ثانية، وثانيًا؟
الطلبة: تطهير.
الشيخ: التطهير والكفارة فإن الإنسان إذا فعل ذنبًا وحُدَّ عليه كفر الله عنه، لا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة.
فخرج بقولنا: عقوبة مُقَدَّرة خرج غير المقدر مثل قوله عليه الصلاة والسلام: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (1) كم قال اضربوهم؟
طلبة: ما حدد.
الشيخ: ما حدد، إذن هذا الضرب ليس بحدٍّ لكنه تعزير.
وقولنا: مقدر شرعًا خرج به العقوبة التي يقدِّرها القاضي، لو قال القاضي: حكمت على فلان بأن يُجْلَد خمسين جلدة.
طالب: ليست حدًّا.
الشيخ: هذه ما هي حد، من اللي مقدره؟ القاضي فلا تكون حدًّا.
وقولنا في معصية: هذا بيان للواقع، أن العقوبات هذه إنها تكون على معاصٍ وليس هناك عقوبة من الشرع على غير المعصية، ليس فيه عقوبة على فعل الواجب ولا على فعل المباح، لكن ترك الواجب لا شك أنه يتضمن فعل المحرم إلا أنه ليس فيه عقوبة إلا إذا كان ردة ففيه القتل، لكن القتل بالردة والقتل بالقصاص ليس من الحدود خلافًا للمتأخرين الذين يجعلون القتل بالردة والقتل بالقصاص من الحدود، هذا غلط ما فيه شك، لأن الحد لا بد من تنفيذه، والقصاص يسقط بالعدل، والردة القتل فيها يسقط بالرجوع إلى الإسلام، لكن الزاني مثلًا لو زنا وثبت عليه الزنا هل يمكن يسقط؟
الطلبة: لا يسقط.
الشيخ: أبدًا ما يمكن يسقط، حتى لو تاب إذا كانت الجريمة قد ثبتت ببينة، لو تاب ما يقتل، لا بد أن يقام عليه الحد.
إذن الحد في اللغة المنع، وفي الاصطلاح -هنا في هذا الباب- عقوبة مقدرة شرعًا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها وتُكَفِّرَ عن صاحبها، فائدتان فيها.
هل الحد واجب تنفيذه أم لا؟ يقول المؤلف: (لا يجب الحد إلا على بالغ) وليت المؤلف قال: يجب الحد على كل بالغ، لأن الإيجاب أحسن من النفي، لأن قول: لا يجب الحد إلا على كذا، كأن الأصل عدم وجوب الحد، لكن لو قال: يجب الحد على كل بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم، صار أصلًا؛ لأن الحد إقامته واجبة بالكتاب وبالسنة وبالإجماع؛ قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] والأمر للوجوب: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ حتى لا يجترئ أحد على السرقة بعد ذلك ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ختمها بالعزة؛ حتى يكون له السلطان عز وجل، ﴿حَكِيمٌ﴾، حتى لا يقال: إن هذا سفه ليش تقطع يده علشان ربع دينار، تقطع يد علشان ربع دينار، ولو قطعها جانٍ لكان خمس مئة دينار، يسلِّم خمس مئة دينار أو لا؟ إذا سرقت قُطعت في ربع دينار، وإن قطعت في الجناية سَلَّم خمس مئة دينار؛ حماية للأموال في قطعها بربع دينار وحماية للنفوس في وجوب خمس مئة دينار في قطعها.
الحد واجب، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] إياك أن تقول: ارحم هذا، تجلده مئة جلدة، شيخ كبير تجلده مئة جلدة، تراه ما تزوج، والآن تزوج الحجارة، لكنه ما تزوج وشيخ كبير تجلده مئة جلدة؟ ارحمه يا ابن الحلال، أقول: ما أرحمه؛ لأن مَن هو أرحم مني أَمر بجلده ونهاني أن أرأف به: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
اجلدوه في بيته، أخفى في البيت، ما يطَّلع أحد، ولَّا بالمركز ما يطلع أحد، قال: لا؛ ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ طائفة، والذي شرَّع هذه الحدود؟
الطلبة: الله.
الشيخ: والله أرحم من الخلق، من الوالدة بولدها؛ لأن في إقامة الحدود مصالح عظيمة ما تُحْصَى، فيها ردع، وفيها تطهير.
يقول بعض الملحدين والزنادقة: إننا لو قطعنا يد السارق لأصبح نصف الشعب مقطوعًا ما يدلو على يد، يجونك العالم يمر بك العشرة خمسة منهم على يد وخمسة على يدين، أيش لون هذا؟ وين المصانع؟ ووين الحرث؟ ووين الزرع؟ ووين التحميل؟ إذا صار الواحد ما له إلا يد يسرى بس ما هو طيب، ويش نقول له؟
طلبة: هذا مجتمعكم.
الشيخ: إي نعم، نقول: معنى ذلك: إن أقرَّ الرجل على أن نصف شعبه سُرَّاق حرامية، ولو أنه قُطِع واحد من هؤلاء لارتدع آلاف ولا صار سرقة، ولم يكن سرقة، لكن ابن آدم لقصور نظره ينظر إلى الحاضر ولا ينظر إلى المستقبل.
ذكرنا دليلين من القرآن على وجوب الحدِّ، وقال تعالى في قطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: 33] هذا إنما يعني: ما جزاؤهم إلا هذا، فإن (ما) أداة حصر.
وقال عمر رضي الله عنه وهو يخطب الناس على منبر الرسول عليه الصلاة والسلام: وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله (2) ترك فريضة يقول عمر رضي الله عنه: فريضة أنزلها الله أنكر عليها الناس.
الطلبة: لا.
الشيخ: أبدًا أقروا بأنها فريضة من فرائض الله يجب أن تُنَفَّذ.
ولكن فيه إنسان كريم وشريف وطيب ومن (... ) طيبة، سولت له نفسه أن يسرق ربع دينار إن ثبت عليه ذلك والرجل طيب وكريم وخير ومن (... ) طيبة رفيعة ويش تقولون في هذا؟
الطلبة: تقطع يا شيخ.
الشيخ: لا انتظروا.
الطلبة: وصلت السلطان.
الشيخ: وصلت السلطان لكن السلطان جاءه ناس يتوجهون، وقالوا: هذا رجل طيب ومن (... ) طيبة، وهو رجل كريم أفضل الأحوال ويش بيفتح للناس إذا جاءه الضيوف كيف يفتح الباب؟ يقول: يفتح باليسرى، ما هي مشكلة على هذا، يقام عليه الحد على الشريف وعلى الوضيع وعلى الغني والفقير والذكر والأنثى والحر والعبد لا فرق؛ لأن الله عز وجل لم يفرق ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: 38]، ما دام سرق هذا جزاؤه.
بل لو قال قائل: إن سرقة هذا الشريف لولا أن الله حدَّ حدًّا لقلنا: تُقطَع يده ورجله؛ لأنه شريف تَدَنُّسُه بالسرقة أعظم من تندس الوضيع، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إي نعم، ولهذا مرَّ علينا في التوكيد في زنا الأُشَيْمط واستكبار الفقير أشد من زنا الشاب.
الطلبة: نعم، يا شيخ.
الشيخ: ومن استكبار الغني، هذا الرجل شريف ومن (... ) شريفة، كيف يسرق أو كيف يزني مثلًا؟ إذن لا فرق بين الغني والفقير والصغير والكبير.
الطلبة: لا.
الشيخ: انتبه لكلام المؤلف، يقول: (لا يجب الحد.. ) (... ).
أولًا: أن يكون بالغًا، فلا يجب الحدُّ على من دون البلوغ، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة: إما بإنزال المني، وإما بإنبات العانة، وإما بتمام خمس عشرة سنة، وقد سبق لنا أدلة ذلك في باب الحجر، فإذا بلغ الإنسان فإنه ينظر في بقية الشروط حتى يُقام عليه الحد.
وأما من دون البلوغ فلا حدَّ عليه ولو زنا أو سرق لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (3) هذا دليل.
التعليل لأنه ليس أهلًا للعقوبة لعدم صحة القصد التام منه؛ لأنه ناقص، ناقص في التصور وناقص في التصرف، ولهذا منع الله من إتيانهم أموالهم بأنفسهم حتى لا يضيعوها ولكن لا يعني ذلك أن الصغير لا يُعَزَّر، بل يعزر والتعزير غير الحد؛ ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ» (1) فأمر بضربهم قبل البلوغ، فالتعزير شيء وإقامة الحد شيء آخر.
وعلى هذا فلو أن صغيرًا فعل الفاحشة ما نقول هذا: لا يجب عليه الحد، اتركوه، بل لا بد أن يُعزَّر بما يردعه وأمثاله عن هذه الفعلة.
وكذلك أيضًا لو سرق ما يُتْرَك، بل لو أفسد شيئًا دون ذلك فإنه لا يُترَك بدون تعزير، فالتعزير شيء والحد شيء آخر.
(عاقل) ضده المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحدُّ لحديث: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (3)، ولأنه ليس له قصد تام يُعْرَف به ما ينفعه ويضره فيقدم أو يحجم، وهل يعزر؟
الطلبة: لا.
الشيخ: ليش؟
الطلبة: لا ينتفع.
الشيخ: لأنه لو عزر ما انتفع، إذن نتركه يُفسِد أموال الناس يحرق الدكاكين يكسر البطيخ، ولَّا ماذا نصنع؟
طالب: يُحْجَر عليه.
الشيخ: نعم، لا بد أن يُمنَع ولو بالحبس إما عند وليه وإما في الحبس العام.
فالمهم أنه لا يترك، والفساد لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64] ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]، فالذي لا يحبه الله لا يجوز لنا أن نمكن منه أبدًا، كل فساد للدين أو الدنيا فإنه يجب على ولاة الأمور ومَنْ قدر من غير ولاة الأمور أن يمنع منه، لأن الله لا يحبه فإذا كان لا يحبه الله كيف نمكن منه.
إذن المجنون لا يُقام عليه الحدُّ ولا يُعزَّر، ولَّا نقول: يُعَزَّر بما يَكُفُّ شَرَّه؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا هو؟ نعم، لأن حبس هذا المجنون الذي يريد أن تكون له الحرية الكاملة في تصرفه حبس هذا فيه نوع من التعزير له.
(ملتزم) يعني: ملتزم لأحكام الإسلام سواء كان مسلمًا أو كافرًا، فمن هو الملتزم؟
الملتزم هو المسلم والذمي فقط، وهذا غير المعصوم؛ المعصوم تقدم لنا أنهم أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، لكن الملتزم صنفان فقط وهما: المسلم والذمي؛ لأن الذمي ملتزم بأحكام الإسلام، لكنه لا يُقام عليه الحد إلا فيما يعتقد تحريمه، أما ما يعتقد حله فلا يقام عليه الحد ولو كان حرامًا عند المسلمين؛ ولهذا لا نقيم عليهم الحد في شرب الخمر ونقيم عليهم الحد في الزنا، لأن الزنا محرم بكل شريعة، ليس في الشرائع شيء يبيح الزنا أبدًا، وعلى هذا فإذا زنا الذمي بامرأة مثله يعني: ما هي من المسلمين يعني يهودية مثلًا أو نصرانية وهي مختارة فإننا أيش؟ نقيم عليه الحد.
طلبة: نعم.
الشيخ: ليش؟ ما هو مسلم، والحد قلتم: إنه تطهير، لكن نقول: إن الحدَّ فيه علَّتان؛ المنع من الوقوع في مثلها، والثاني: التكفير، فإذا كان هذا ليس أهلًا للتكفير، فهي العلة الثانية وهي المنع.
ولهذا أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على اليهوديَّيْنِ اللَّذَيْنِ زنيا (4) لأنهم يعتقدون تحريمه فيقام عليهم الحد.
ولكن لو فُرِض أن هذا محرم عندهم، هذا الذنب موجب للحد في الإسلام غير موجب للحد في شريعتهم، لو فرض هذا، فهل نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام أو لا؟
الجواب: لا، ما نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، كما لا نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام فيما يعتقدون حله، فإذا كانت شريعتهم لا توجب الحد في مثل هذه المعصية فإننا لا نقيمه عليهم لكن نعزِّرهم؛ لأن التعزير واجب في كل معصية ليس فيها حدٌّ ولا كفارة.
(عالم بالتحريم) هذا الشرط الرابع؛ (بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم) خرج به الجاهل بالتحريم هذا لا حدَّ عليه، ولكن كيف نعلم أنه جاهل أو عالم بالتحريم؛ لأننا إذا قلنا: يشترط أن يكون عالمًا بالتحريم صار كل واحد من الناس يقول: إنه ليس عالمًا بالتحريم، ما دريت والله إن السرقة حرام، ما دريت إن الزنا حرام، ماذا نعمل؟
ينظر إن كان قد عاش في بلاد الإسلام فإن دعواه الجهل بالأمور الظاهرة لا يُقبل ولا يُسمع منه، أما إذا كان حديث عهد بإسلام أو كان ناشئًا في بادية بعيدة ما يدري عن أحوال المسلمين فإننا نقبل منه دعوى الجهل، فإذا كان مثله يجهله قبلنا دعواه الجهل ورفعنا عنه الحد، فإن شككنا في هذا الأمر هل هو ممن يجهل مثل ذلك أو لا؟ فالأصل عدم أيش؟ عدم العلم فلا نقيم عليه الحد؛ لأنه لا بد أن يتحقق الشرط وهو أن يكون عالمًا بالتحريم، وهل يشترط أن يكون عالمًا بالعقوبة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا يشترط، لو قال: هذا الرجل المحصن الذي زنا قال: إنه لو علم أن حده الرجم ما زنا أبدًا، لكن يحسب المسألة جلد يقول: أصبر على الجلد، ويش نقول؟ نرجمه ولَّا ما نرجمه؟
الطلبة: نرجمه.
الشيخ: نرجمه؛ لأنه لا يُشترط العلم بالعقوبة، إذا كان عالمًا بالتحريم فمعنى ذلك أنه رضي بأن ينتهك حرمات الله، والله عز وجل قد أوجب العقوبة على هذا الفاعل لهذه المعصية ولا عُذْر له الآن.
ثم قال المؤلف: (فيقيمه الإمام) يعني: فإذا ثبت الحد فمن المخاطب بإقامته، وهل لكل إنسان أن يقيمه؟ لا.
قال: (فيقيمه الإمام أو نائبه)، وعُلم من قول المؤلف: (فيقيمه) أنه لا بد من النية، فلو غضب الإمام على شخص في مسألة غير فاحشة، فجَلَدَه مئة جلدة، سمع أنه يسب الإمام، قال: هذا الرجل الذي يسبني يلَّا اجلدوه مئة جلدة، فجلدوه مئة جلدة، فلما انتهوا منه، قال لهم: إنه قد زنا، تكون الجلدات هذه عن زناه، ينفع؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، لأنه لا بد من نية؛ ولهذا قال: (فيقيمه)، والإقامة لا بد أن يكون لها نية.
ويجب على الإمام أيضًا أن ينوي بإقامة الحد أو مِنَ الآداب أن ينوي بإقامة الحد أمورًا ثلاثة:
أولًا: امتثال أمر الله عز وجل في إقامة الحدود، ولا ينوي بذلك التشفي أو الانتصار، ينوي بذلك امتثال أمر الله تعالى بإقامة الحد؛ لأن هذا من الواجب مما أوجب الله على العباد فينوي بذلك امتثال أمر الله.
ثانيًا: ينوي دفع الفساد؛ لأن هذه المعاصي لا شك أنها فساد، وأن الله تعالى ما أمر بإقامة الحدود على فاعليها إلا لدفع فسادهم وفساد غيرهم المنتظر إذا لم يُقَم عليهم الحد.
الشيء الثالث: إصلاح الخلق -دفع الفساد الثالث- إصلاح الخلق، ومن بين الخلق الذين يصلحهم هذا المجرم الذي يقيم عليه الحد فينوي إصلاحه، وأن الله تعالى يغفر له ما سلف هذه الأمور الثلاثة، يجب على ولي الأمر أن تكون منه على بال؛ وهي إقامة فريضة الله، دفع الفساد، إصلاح الخلق، وكثير من الولاة، أو أقول: بعض الولاة يريد بذلك الانتقام فقط مجرد الانتقام من هذا الشخص.
هل تسري هذه الآداب الثلاثة إلى المعلم؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: المعلم؟ يعني مثلًا إذا سطع الطالب، تعرفون المسطع أظن؟ إذا سطعه بالمسطعة ينوي بذلك؟ نشوف عاد المشكلة، فريضة الله، المسطعة عبارة عن خشبة.
طالب: المسطرة.
الشيخ: لا، إحنا نسميه مسطعة من السطع.
الطالب: مسطرة.
الشيخ: إي طيب، إن شاء الله واحد منكم يجيبها (... ) ونسطعه بها.
المهم أنه ينوي بذلك دفع الفساد لا شك، وإصلاح هذا الطالب، وغيره أيضًا، لكن إقامة فريضة الله، يكون هي فريضة؟
طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: كيف؟
الطالب: واضربوهم عليها لعشر، للتعليم.
الشيخ: إي، قد نقول: إن هذا -وإن لم يكن يعني نتجاسر إلى حد الفريضة- نقول: إنه مما يُشرع ولو لم يكن من ذلك ما دام قلنا: إنه دفع فساد، والله لا يحب الفساد، صار من المشروع أن ندفع الفساد بكل وسيلة، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: وقول المؤلف: (فيقيمُه الإمام) الإمام في كل موضع بحسبه، فعندما نتكلم عن الجنايات والحدود وما أشبهها يكون المراد بالإمام مَنْ له السلطة العليا في الدولة، وعندما نتكلم في باب الجماعة ما نقول: إن المراد بالإمام؟ ما هو إمام الصلاة إمام المسجد ونحو ذلك؛ فالإمام مَن له السلطة العليا في الدولة، المدبر لشؤون الدولة هو الإمام.
وقوله: (أو نائبه) من نائب الإمام؟ القاضي، الوزير، الأمير؛ هذا يرجع إلى العرف، نائب الإمام في هذه الأمور يُرجع إلى العرف، فمثلًا إذا كان من عادة الإمام أن يقيم عنه الأمراء في تنفيذ الحدود صار نائب الإمام الأمير، وإذا كان يقيم شيوخ القبائل صار الذي ينوب عنه شيخ القبيلة، وإذا كان ينيب القضاة صار الذي ينوب عنه القاضي، وهكذا.
المهم أن هذا يرجع إلى العُرف والنظام الخاص، وهذا يختلف في كل مكان بحسبه.
(في غير مسجد) قوله: (في غير مسجد) ويش يشمل؟ كل مكان إلا المسجد، فيجوز أن يقيمه على ظاهر كلام المؤلف في البيت ولَّا لا؟
الطلبة: لا يجوز.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف: نعم؛ لأنه ما استثنى إلا المسجد يقيمه في البيت، لكن بشرط أن يحضره طائفة من المؤمنين، في مكان العمل يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: كما لو كانوا في دائرة وأقام الحدَّ عليه في الدائرة يجوز، لكن لا بد أن يشهده طائفة من المؤمنين، ولكن الأفضل والأَولى أن يكون في مكان مفسوح بمعنى أنه يأتي إليه كل أحد كالسوق ومجالس الناس وما أشبه هذا لأجل يكون عامًّا؛ ولهذا ماعز بن مالك رضي الله عنه قال الرسول: «اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» (5) ورجمه الناس علنًا ظاهرًا، وكان شارب الخمر يُؤتى به فيأمر الناس فيضربونه؛ الذي بيده واللي بالجريدة واللي بالنعل واللي بالرداء يكون ظاهرًا؛ لأننا ما دمنا نقول: إن المراد ردع هذا وغيره فإنه إذا كان في دائرته أو كان في مدرسته أو ما أشبه ذلك يقلُّ هذا بالنسبة لغيره، ولكن كلام المؤلف يدل على الجواز.
وفي المسجد؟
الطلبة: على كلام المؤلف لا يجوز.
الشيخ: إي نعم ما يجوز؛ في المسجد لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المسجد للأعرابي الذي بال في المسجد: «إِنَّمَا بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالصَّلَاةِ» (6) أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فالمساجد مبنية للذكر والطاعة وليس لإقامة الحدود.
وأيضًا فإنه إذا أقيم عليه الحد في المسجد فربما يحصل منه أذى ولَّا لا؟ يرتاع ثم يحدث برائحة أو ما هو أغلظ منها.
وأيضًا ربما يحصل منه الصراخ وكلام ما ينبغي ولا يليق بالمسجد؛ فلهذا يمتنع إقامة الحد في المسجد بالدليل والتعليل.
وإذا أردنا أن نقيم الحد؛ ففيم نقيمه؟ وبماذا نقيمه؟ وكيف نقيمه؟
فيم نقيمه؟ في كل مكان إلا في المسجد.
كيف نقيمه؟ قال المؤلف: (ويُضرب الرجلُّ في الحدِّ قائمًا) هكذا نقيمه، نضرب الرجل قائمًا لا قاعدًا ولا مضطجعًا، بل يضرب وهو قائم، ولكن لا بد أن يُضرب، ما هو يُضرب ثوبُه، يُضرب هو، أما لو قال كذا؛ دفع نفسه، وخلَّى الثوب هو اللي يوالي الضرب، فهذا ليس بضرب.
طالب: هذا الحاصل.
الشيخ: نشوف الحاصل ينفع ولّا ما ينفع، لا بد يقام ويُضرب.
(يُضْرَب قائمًا) ضد القائم الجالس والمضطجع، ولكن بشرط أن يكون الضرب واقعًا عليه لا على ثوبه، يُضرب أيضًا بسوط، ولَّا بمطرقة؟ بسوط، سوط معروف؛ السوط خيزرانة أو عصا أو ما أشبه ذلك، ولا يكون بشيء قاسٍ كالحديد إن لم يكن بسوط.
(لا جديد ولا خَلَق) الجديد معروف يكون صُلبًا، و (الخَلَق) القديم يكون هشًّا، فربما ينكسر وربما يتفتت ولا يقع منه ضرب، فلا بد أن يكون سوطًا بين سوطين لا جديد ولا خَلَق.
أيضا يقول المؤلف: (ولا يُمَد) مَن اللي ما يُمَد؟ الرجل عندما نضربه ما نمده على الأرض ليش؟ لأننا إذا مددناه على الأرض فإن الضربة تكون ضربتين كيف؟ لأن وقع السوط ثم الأرض أيضًا تصطدم به، فيكون كأنه ضُرب مرتين، فيضرب قائمًا فقط ولا يمد.
(ولا يُربط) العلة نفس الشيء؛ لأنك إذا ربطته على عمود أو على خشبة فإن الضربة ستكون ضربتين.
وأيضًا ذكروا أثرًا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ليس في ديننا مَدٌّ ولا ضرب ولا تجريد (7).
(ولا يجرد) ويش معنى (لا يجرد)؟ يعني: لا تخلع ثيابه؛ ولا إزاره؟
الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إي نعم، ولا إزاره، لا إزار ولا رداء بل تبقى عليه ثيابه، إلا إذا جعل فيها ما يمنع، إذا جعل فيها ما يمنع يجب أن يُجَرَّد مما يمنعه؛ مثل لو جعل عليها فروة، قالوا: ما لم يكن عليه فروة فتخلع، لو جعل عليه فروة ما يمكن يمكِّنُه، أو جعل عليه جلدًا أو بلاستيكًا أو ما أشبه ذلك.
قدمت جارية إلى علي بن أبي طالب لتُضْرب في الحد فأمر بتجريدها، فإذا عليها درع من حديد، درع الدرع المعروفة من حديد علشان ما يؤثر عليها، فإذا علمنا أن هناك شيئًا مانعًا وجب علينا إزالته ولا يجوز أن نحابي أحدًا في ذلك.
قال: (ولا يُجرَّد، بل يكون عليه قميص أو قميصان) (أو) للتخيير ولَّا للتنويع؟
للتنويع يعني: معناه اللباس اللي عليه، من قميص إلى قميصين يُترك، فإن كان عليه ثلاثة؟ ظاهره أن نخلع الثالث، لكن إذا كان بُردًا؟ سامي يقول: نحط عنده (... ).
طلبة: الضرب يا شيخ.
الشيخ: الضرب؟
الطلبة: إلى الحد.
الشيخ: لا، نشوف الثلاثة هذه، الثلاثة هل تمنع؟ إن كانت تمنع منعناها؛ لأن أحيانًا تكون الثلاثة خفيفة حتى لو هي ثلاثة ما تمنع، والمهم أن يصل ألم الضرب إلى بدنه، (بل يكون عليه قميص أو قميصان).
طالب: شيخ، (... ) مِنَ الذِّكْر أنها فريضة من الفرائض؟
الشيخ: لا ما هي من الذكر، المراد بالذكر ما يذكر الإنسان فيه ربه، وأما هذه عقوبة، وقد ورد إن الرسول نهى: أن تُقام الحدود في المساجد وأن تُنْشد فيها الأشعار (8) لكن الحديث ضعيف، ولهذا عدلنا عنه، وأتينا بالحديث الصحيح اللي في مسلم.
طالب: ما حد الطائفة التي تشهد العذاب؟
الشيخ: أما المذهب فيكفي رجل واحد، والصحيح أنه لا بد من ثلاثة فأكثر.
الطالب: إذا شاهدوه اللي يقيمون؛ يعني مثلًا الشرطة أقاموا حدًّا في مركز الشرطة، فهل هذا يُسمى طائفة؟
الشيخ: إي نعم، يُسمَّى طائفة.
الطالب: المطلوب هؤلاء ما يرتدعون يعني: هم اللِّي قريبين من العمل.
الشيخ: هم بأنفسهم يرتدعون لا شك، لكن مثل ما قلنا: إنها إذا كانت عامة في السوق أولى
طالب: (... ).
الشيخ: هو بيحلف؛ اللي بيدعى الجهل بيحلف.
طالب: (... ).
الشيخ: يأتينا إن شاء الله تعالى في باب الأيمان، المذهب ما نحلفه.
طالب: (... ) ابن عمر بن الخطاب، لما عزله عمرو بن العاص في داخل البيت (... ).
الشيخ: هذه تُحْمل على شيء آخر؛ تُحمل أن عمر رضي الله عنه خشي أن يحابي أحدًا من الناس في المستقبل، يحابي قريبه ويعزِّره ثم هو تعزير، تعزير قد يكون للإمام فيه نظر.
طالب: المتهم تعزيره مثلًا حتى يعترف إذا كان مظلومًا، يمكن يكون مظلوم؟
الشيخ: هذا بيجينا إن شاء الله تعالى في باب الإقرار.
طالب: أين يُشترط الضرب؟
الشيخ: أين يكون؟