الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3140-3179

أما لو كانت المرأة تعرف أن زوجها ذو دين، وأنه لا يمكن أن يَدَّعِي ما ليس واقعًا، فهنا نقول: يجب عليها أن تصدقه، ولا تطلُق حتى تقوم، يعني حتى تفعل ما عَلَّق عليه الطلاق، فإن غلب على ظنها أنه كاذب يجب عليها أن ترفعه للحاكم، وإن ترددت فهي مُخَيَّرة، إن شاءت رافَعَتْه إلى الحاكم وقضى عليه بالطلاق الْمُنَجَّز، وإن شاءت قَبِلَت قوله ولم يقع الطلاق حتى يقع الشرط.
أيهما أولى إذا شَكَّت في صدقه؛ أن تُرَافِعَه أو أن تتركه؟ نقول: الأَوْلَى أن تتركه؛ لأن الطلاق مكروه، والفراق صعب، لا سيما إن كان بينهما أولاد، أو كانت امرأة ليس لها أحد، فهنا تصديقه أولى.
فالأقسام إذن بالنسبة لما يُدَيَّن به الزوج ثلاثة: أن يغلب على ظنها أنه كاذب فالواجب أيش؟ المرافعة، أن يغلب على ظنها أنه صادق فالمرافعة حرام، الثالث: أن تتردد هل هو صادق أو كاذب، فهي مُخَيَّرة ولكن إبقاء النكاح أولى.
قال: (لم يقبل حكمًا)، ثم قال: (وأدواتُ الشرطِ: إنْ، وإذا، ومتى)، (إنْ) ولَّا (إنَّ)؟ طالب: بدون شدة.
الشيخ: (إنْ)؛ لأن (إنَّ) حرف توكيد، وبالمناسبة أسمع بعض الناس يقول: أشهد أنَّ لا إله إلا الله، وهذا لحن، لكنه لا يغير المعنى، إنما هو لحن؛ لأن (أنَّ) المشددة لا يُحْذَف اسمها، وإنما الذي يُحْذَف اسمها هي (أنْ) المخففة، وعلى هذا فقل: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا؟ طالب: مثلها.
الشيخ: لا، هذه مشدَّدة ما هي مخففة.
(أدواتُ الشرط: إنْ، وإذا، ومتى، وأيُّ) بالتشديد، (ومَنْ، وكُلَّما، وهي وحدَها للتكرارِ، وكلها.. ) إلى آخره.
ذكر المؤلف ست أدوات: (إنْ، وإذا، ومتى، وأيّ، ومَن، وكلما)، ست أدوات، كلها أدوات شرط، قد تتقدم وقد تتأخر، قد يقول الرجل لزوجته: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق، وقد يقول: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار، وكلاهما سواء.

وإذا قال: أنت طالق أنْ دخلت الدار، ماذا تقولون؟ هل هي شرط؟ لا، هذه تعليل، فإن كانت قد دخلت الدار فهي طالق، وإلا فلا.
قال: (وكلها) يعني: كل هذه الأدوات، (وكلُّها ومهما بِلا (لَمْ) أو نِيَّةِ فَوْر أو قرينة للتَّراخي).
ما معنى (للتراخي)؟ يعني أنه يقع الطلاق ولو تأخَّر وقوع المشروط.
مثاله: قال: متى قمتِ فأنتِ طالق، ولم يَنْوِ متى قمتِ الآن، ولم يَنْوِ متى قمتِ في أي وقت، تكون للتراخي ولّا للفورية؟ للتراخي، يعني: إن قامت الآن طلقت، وإن قامت بعد سنة طلقت، كله سواء.
أما لو قال: متى قمت فأنت طالق، وأراد التراخي، فإنها لا تطلق حتى يوجد القيام.
وإذا قال: متى قمت فأنت طالق، وأراد الآن، فإنه يختص بالآن، وهذا يرجع إلى نيَّتِه، لكن إذا لم يكن نية فور ولا نية تراخٍ فهي للتراخي، بمعنى أن المرأة تطلق سواء حصل ذلك الآن أو فيما بعد.
لكن لو قال: إنه نوى في الحال، مثل أن يقول: متى ذهبتِ إلى الجيران فأنت طالق، ثم ذهبت بعد يوم أو يومين، وقال: أنا أردت متى ذهبتِ في ذلك اليوم؛ لأن عندهم ضيوفًا لا خير فيهم، يُقْبَل أو لا يُقْبَل؟ يُقْبَل، يعني يرجع إلى نيته في الفورية، هذا إذا لم يكن معها (لم).
قال: (ومع (لم) للفور)، إذا قال: متى لم تقومي فأنتِ طالق، فالمراد الفورية، يعني متى لم تقومي الآن فأنتِ طالق، فإن قامت بعد ساعة أو ساعتين تطلق أو لا تطلق؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا، تطلق يا إخواني، إذا قال: ما لم تقومي، يعني الآن، ولهذا قال: (مع (لم) للفور)، فإذا لم تقم، يعني تأخر فإنها تطلق؛ لأنها مع (لم) للفور، إذا قال: متى لم تقومي -يعني الآن- فأنت طالق، فبقيت ساعة أو ساعتين ثم قامت، تطلق أو لا تطلق؟ تطلق؛ لأنها مع (لم) تكون للفورية.

إذا لم تقومي فأنت طالق، وبقيت في مكانها ساعة أو ساعتين ثم قامت، تطلق أو لا؟ تطلق، فلو قالت: يا رجل أنا قمت، وأنت تقول: إذا لم تقومي، فإنه يقول: إن أدوات الشرط مع (لم) تكون للفورية، يعني: إذا لم تقومي الآن فأنت طالق، وأنت ما قمت الآن.
(ومع (لم) للفور، إلا (إن)) يعني: فإنها تكون للتراخي، حتى مع (لم)، مثل: إن لم تقومي فأنت طالق، وبقيت ساعة ساعتين ثم قامت، تطلق أو لا تطلق؟ لا تطلق؛ لأنها قامت، وهو يقول: إن لم تقومي.
فصارت (إن) وحدها تختص بأنها للفورية والتراخي مع (لم) ومع عدمها، وغيرها تكون مع (لم) للفور، وبدونها للفور والتراخي، انتبهوا يا جماعة لا تلتبس عليكم، أنا في ظني أنها ما تَخَّمَرت.. طالب: الأخيرة يا شيخ؟ الشيخ: أيهم؟ (إن) ما يضرها دخول (لم) أو عدمه، فهي للتراخي والفورية، وهذا كله ما لم يكن نية للزوج، إن كان نية للزوج فالعمل على نيته، ولهذا كله يقيدها مع عدم نية فور أو قرينة.
طالب: قال: إن صعدت السماء فأنت طالق، وقصد بالسماء أي السقف، الدرس الماضي قلتم: إن صعدت السماء فأنت طالق، تطلق فورًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن إذا قصد بالسماء السقف؟ الشيخ: فعلى نيته؛ لأن السماء تصح لكل عالٍ، كل عالٍ فهو سماء.
طالب: من قال يا شيخ: طالق، أقصد امرأتي طَلْق الْحَمَل؟ الشيخ: يعني: أنت تطلقين، يعني فيها طَلْق الْحَمَل.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أو طالق، يعني ما قَيَّد ناس بالحمل؟ الطالب: نعم، له نية؟ الشيخ: على نيته.
الطالب: يُعْمَل يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، يُعْمَل بقوله إلا عند الترافع للحاكم، يعني: إذا ترافعوا للحاكم للقاضي وجب عليه أن يحكم بالظاهر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (7). (... )


(إن تكرَّر الشرطُ لم يتكرَّر الحِنْثُ).
يعني: إن فَعَلَت ما عُلِّق عليه الطلاق مرتين أو ثلاثًا لم تطلق إلا مرة واحدة؛ الأولى.

وقوله: (لم يتكرر الحنث) أي: لم يتكرر الطلاق، فإذا قال: إن قمتِ فأنت طالق، فقامت، طلقت، ثم قامت، أجيبوا.
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق؛ لأنه لا (يتكرَّر الحِنْثُ إلا في كلَّما)؛ لأن (كلما) للتكرار، فإذا تكرر الشرط في (كلما) تكرَّر الحنث، كلما قمتِ فأنت طالق، فقامت، تطلق، ثم قامت أخرى تطلق، ثم قامت ثالثة تطلق، ثم قامت رابعة؟ لا تطلق؛ لأنه انتهى العدد.
ثم قال: (وإذا قال: إن لم أطلقْكِ فأنتِ طالقٌ، ولم يَنْوِ وقتًا، ولم تَقُم قرينةٌ بفَوْرٍ، ولم يطلِّقْها، طلقتْ في آخرِ حياةِ أولِهما موْتًا).
إذا قال: (إن لم أطلقْكِ فأنتِ طالقٌ) إن نوى الآن فإنه إذا لم يطلقها إذا مضى زمن يمكن أن يطلقها فيه ولم يطلقها طلقت، إذا لم يَنْوِ لكن هناك قرينة تدل على أنه إن لم يطلقها فورًا فأنتِ طالق، قلنا: إذا لم يطلقها فورًا فإنها تطلق.
وإذا لم يكن هذا ولا هذا، يقول: (طلقَتْ في آخرِ حياةِ أولِهما موْتًا)، كيف؟ نعم؛ لأنه إن مات الزوج تكون طلقت قبل أن يموت بثانية، إن ماتت هي تكون طلقت قبل أن تموت بثانية، كذا؟ طالب: نعم.
الشيخ: (في آخر حياة أولهما موتًا)، وذلك لأنه إذا مات الزوج فلا طلاق، فلا بد أن تطلق قبل موته، إن ماتت هي الزوجة فلا طلاق أيضًا، فلا بد إذن أن تطلق قبل أن تموت، ففي هذه الحال تطلق في آخر حياة أولهما موتًا.
لكن الغالب أن الإنسان ما يقول هكذا إلا للفور، هذا الغالب، غَضِبَ عليها، وقال: إن لم أطلقك فأنت طالق، فالغالب أنه يريد: إن لم أطلقك الآن فأنتِ طالق، فنقول: إذا مضى زمن يمكن إيقاع الطلاق فيه ولم يفعل طلقت.
(وإذا قال: متى، أو إذا لَمْ، أو أيّ وقتٍ لم أطلقْكِ، ولم يفعل طلقت).
متى تطلق؟ إذا مضى زمن يمكن أن يقول: أنتِ طالق، فإنها تطلق.

أما إذا قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق، (ومضى ما يمكن إيقاعُ ثلاثٍ مرتَّبَة فيه طلُقَت المدخولُ بها ثلاثًا، وتَبِينُ غيرها بالأولى)، لماذا؟ لأن (كلما) تفيد التكرار، فإذا قال: كلما لم أطلقك فأنت طالق، وسكت زمنًا يمكن أن يقول: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، يقول: فإنها إن كانت مدخولًا بها طلقت ثلاثًا، تطلق بالأولى ثم تكون رجعية، فتطلق بالثانية ثم تكون رجعية، فتطلق في الثالثة.
أما إذا كان لم يدخل بها فإنها تطلق أول مرة، ثم لا تطلق ثانية؛ لأنها إذا طلقها أول مرة حصل الفراق، وليس لها عدة حتى نقول: يمكن أن يلحقها طلاقها، فتَبِينُ غير المدخول بها بأول مرة، ولا يلحقها طلاقها في الثاني، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (طلقت المدخول بها ثلاثًا وتَبِينُ غيرُها بالأولى).
ثم قال: (وإن قمتِ فقعدتِ، أو ثم قعدتِ، أو إن قعدتِ إذا قمتِ، لم تطلُقْ حتى تقومَ ثم تقعدَ).
(إن قمتِ فقعدتِ فأنت طالق)، أيهما الأول؟ طالب: القيام.
الشيخ: القيام، (فلا تطلُق حتى تقوم ثم تقعد، فإن قعدت قبل أن تقوم لم تطلُق)؛ لأنه رَتَّب الطلاق على قعود بعد قيام.
(أو ثم قعدتِ) نفس الشيء؛ لأن (ثم) تفيد الترتيب.
(أو قال: إن قعدتِ إذا قمتِ)، أنت طالق إن قعدت إذا قمت، فقعدت بدون قيام، تطلق ولَّا لا؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: يعني هو قال وهي نائمة مضطجعة، قال: أنت طالق إن قعدتِ إذا قمتِ، قعدت من الاضطجاع وجلست، تطلق؟ طلبة: لا.
الشيخ: قامت ثم قعدت؟ طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، مع أنك الآن إذا تأملت: إن قعدتِ إذا قمتِ، أين المتأخِّر لفظًا؟ طلبة: القيام.
الشيخ: القيام، لكن القعود معلَّق بالقيام، حيث قال: إذا قمتِ، فصار المتأخِّر متقدِّمًا.
(أو قعدتِ إذا قمتِ، أو إن قعدتِ إن قمتِ).
(إن قعدتِ إن قمتِ) بمعنى: قمتِ فقعدتِ، إي، (ما تطلُق حتى تقومَ ثم تقعدَ).
(أو قال: إن قعدتِ إن قمتِ فأنتِ طالق، لم تطلُق حتى تقوم ثم تقعد).

قال: (وبالواو) يعني: إن قمتِ وقعدتِ (تطلقُ بوجودِهما).
لو قال: أنت طالق إن قمتِ وقعدتِ، ما قال: ثُمَّ، وليس هناك دليل على أنه يريد الترتيب، فيقول: تطلق إذا قامت وقعدت؛ لأنه قال: إن قعدتِ وقمتِ، تطلق إذا قامت وقعدت، سواء بدأت بالقيام أولًا أو بالقعود.
ولهذا قال: (وبالواو) أنت طالق إن قمتِ وقعدتِ، (تطلق بوجودهما)، أي: القيام والقعود، (ولو غير مُرَتَّبَيْنِ).
(وبـ (أو)) بأن قال: إن قمتِ أو قعدتِ (بوجود أحدهما).
(أو) لأحد الشيئين، فإذا قال: أنت طالق إن قمتِ أو قعدتِ، طلقت إن قامت وطلقت إن قعدت.
عندي مسألة في الشرح نذكرها لأنها غريبة، يقول: إن علَّق الطلاق على صفات فاجتمعت في عين، مثل أن يقول: إن رأيتِ رجلًا فأنت طالق، إن رأيت أسود فأنت طالق، إن رأيت فقيهًا فأنت طالق، كم من صفة؟ ثلاث: الرجولة والسواد والفقه، فرأت رجلًا أسود فقيهًا، كم تطلق؟ طلبة: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاثًا.
طالب: تَبِين إن شاء الله.
الشيخ: تطلق ثلاثًا، مع أنها لم تَرَ إلا واحدًا، لكن يقولون: نُغَلِّب الصفة.
إلا أن بعض أهل العلم خالَف في هذا، وقال: إن ظاهر الحال يقتضي أن ترى رجلًا، وترى رجلًا أسود، وترى رجلًا فقيهًا؛ لأنه قال: إن رأيت رجلًا فأنت طالق، وإن رأيت أسود، وهذا يقتضي أن يكون غير الأول، وإن رأيتِ فقيهًا، هذا يقتضي غير الأول، الآن لو وجدنا رجلًا أسود فقيهًا، يعني يبعد جدًّا أنه أراد الصفات دون الأعيان، ولهذا خالف بعض العلماء فقال: لا تطلق حتى ترى رجلًا، ثم ترى أسود، ولو غير رجل، ثم ترى فقيهًا ولو غير رجل.
طالب: (... ). الشيخ: نعم، يمكن لو ثلاث عشرة سنة ما بلغ، لكنه فقيه، ما يمكن هذا؟ يمكن، قبل أيام ذكر لي واحد أنه نُشِرَ في الصحف صبي له سبع أو ثماني سنوات حافظ القرآن كله، ويعرف التفسير، وحافظ من كتب الفقه ما حفظ، ويعرف تفسيره، يقال هكذا، فأنا قلت: لعله صغير القامة، قصير القامة، وقالوا: هذا له ثلاث عشرة سنة.

الطالب: هذا يدرس له الشيخ مصطفى العدوي، موجود معروف الشيخ في مصر، ويخطب وعمره إحدى عشرة سنة.
الشيخ: إي، خليه يخطب، تكتب له ويخطب.
الطالب: ويحفظ ستة آلاف حديث.
الشيخ: وكم عمره؟ الطالب: إحدى عشرة سنة يا شيخ.
الشيخ: عجيب.
الطالب: وقابله الشيخ عبد العزيز بن باز وحثّ الشيخ على أن يَمُرّ على حلقات القرآن حتى يقتدوا به وكذا.
الشيخ: إي، على كل حال ما ندري، هو في العام الماضي أو قبل العام جاءني ولد صغير وحاطِّين عليه مشلح وحاطين عليه عقال ولبس السعودية، صغير، وقالوا: هذا حافظ صحيح البخاري، وهو صغير يمكن له سبع أو ثمانِ سنين الظاهر، حافظ القرآن وحافظ صحيح البخاري، (... ) ثلاثة أو أربعة من الناس يمرون به على هذا، فأنا قلت: لا تفعلوا، لا تمروا به على أحد، إن فعلتم هذا سيَغْتَرّ بنفسه، وأنتم الآن لبستموه لباس الملوك، خلوه يبقى على ما هو عليه، أما كونكم تمرون به على الناس فأولًا بعض الناس ما هو مُصَدِّق، ثم كونه يغترّ بنفسه بعدُ محنة هذه، تضرونه أنتم أكثر، ولعلهم استجابوا إن شاء الله.
على كل حال كلامنا على مسألة الطلاق، نقول: لو رأت فقيهًا ليس برجل؟ تطلق، أسود ليس برجل؟ طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق.


قال المؤلف: (فصل).
عندنا الآن تعليقه بالحيض، وتعليقه بعده بالحمل، وتعليقه بالولادة، وتعليقه بالطلاق، وتعليقه بحلف الطلاق، وتعليقه بالكلام، وتعليقه بالإذن، وتعليقه بالمشيئة، ثم مسائل متفرقة، كنا إذا مررنا بهذا على شيخنا -رحمه الله- أشار علينا أن ندعه، وقال: هذه فصول تُغْنِي عنها القاعدة، فهل ترون أن نتبع هذا الطريق؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، ما لها داع.
أما تعليقه بالمشيئة فينبغي أن نقرأه لأنه مهم.
يقول: (فصلٌ.
إذا علَّقه بمشيئتِها بـ (إِنْ) أو غيرِها من الحروف لم تطلُقْ حتى تشاءَ ولو تراخَى).

إذا قال لها: أنت طالق إن شئتِ، فلم تَشَأ إلا مُتَرَاخِيَة؟ نقول: تطلق، متى شاءت طلَّقَت نفسها، بل متى شاءت طلُقت، حتى وإن لم تلفظ بالطلاق؛ لأنه علَّق ذلك بالمشيئة، وهذا في الحقيقة لا بأس به، ما نقول: إنه حرام، لكنه خلاف الأولى؛ لأنه إذا عَلَّقَه بالمشيئة لو تزعل المرأة على زوجها بأدنى شيء قالت: طَلَّقْتُك بالثلاث، هذا هو المعلوم في الغالب، لذلك لا ينبغي أن تجعل الطلاق الذي هو من أخطر الأمور معلَّقًا بمشيئة امرأة ناقصة العقل والدين.
نعم إذا رأيت هناك سببًا يقتضي أن تعلقه بمشيئتها، مثل أن تراها مُتَبِّرمة تعبانة من الحياة معك، تقول لها: يا بنت الحلال، أنتِ لست مُكْرَهَة، متى شئتِ طلِّقي نفسك.
فهذه قد نقول: إنه غرض صحيح، والمقصود بالعلم هو التربية دون معرفة الأحكام، كوننا نقول: عَلِّق طلاق امرأتك بمشيئتها، ونحن لا ندري عنها، فهذا لا ينبغي لا شك فيه.
أما إذا كان الرجل رأى سببًا وقال: يا بنت الحلال إذا كنت مَالَّةً أو كنت لا تريدين البقاء معي، فمتى شئتِ طَلِّقِي نفسَك، هذا لا بأس به، والله أعلم.
طالب: أحسن الله يا شيخ، إن أرادت المرأة أن تطلِّق نفسها، تقول: طلَّقتُك، أو تقول.. ؟ الشيخ: لا، طَلَّقْتُ نفسي منك، ما يمكن تقول: طَلَّقْتُك.
(... )


طالب: ولو تراخَى، فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ، فشاءَ لم تطلُقْ، وإن قال: إن شئتِ وشاءَ أبوكِ أو زيدٌ، لم يقعْ حتى يشاءَا معًا، وإن شاء أحدُهُما فلا، وأنتِ طالقٌ وعبدي حرٌّ إن شاءَ اللهُ، وقَعَا، وإن دَخَلْتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ إن شاءَ الله، طلُقَتْ إن دَخَلَتْ، وأنتِ طالقٌ لرِضَا زيدٍ أو لمشيئَتِه، طلُقَتْ في الحالِ، فإن قال: أردتُ الشرطَ قُبِلَ حُكمًا، وأنتِ طالقٌ إن رأيتِ الهلالَ، فإن نَوى رؤيتَها لم تطلُقْ حتى تراه، وإلَّا طلُقَتْ بعدَ الغروبِ برؤيةِ غيرِها.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى في تعليق الطلاق بالشروط، وقد مضى الكلام على ذلك، وذكرنا أن من العلماء مَن يقول: إن تعليق الطلاق بالشروط لاغٍ؛ لأن الطلاق لا يكون إلا مُنَجَّزًا، وبَيَّنَّا أن هذا القول ضعيف، لكن التعليق بالشروط ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون محضًا، وإما أن يراد به معنى اليمين، فإن كان محضًا فإنها تطلق بمجرد وجود الشرط.
مثال المحض: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، فهذا تعليق محض، متى طلعت الشمس طلقت، وهذا لا أظن أحدًا يختلف فيه ممن قال: إن الشرط في الطلاق صحيح.
والثاني: أن يريد معنى اليمين، وهو المنع، أو الحث، أو التصديق، أو التكذيب، فمن العلماء من ألحقه بالأول، وقال: إنها تطلق بمجرد وقوعه، ومن العلماء من قال: إن حكمه حكمُ اليمين، ما لم يُرِد الطلاق.
مثال ذلك، إذا قال: إن كلمت زيدًا فزوجتي طالق، هذا يحتمل أنه أراد أيش؟ مجرد الشرط، وعلى هذا تطلق بمجرد أن تكلم زيدًا، ويحتمل أنه أراد ألَّا تكلم زيدًا ولم يُرِد الطلاق وزوجته عنده غالية، لكن أراد ألَّا تكلم زيدًا فقال: إن كلمتِ زيدًا فأنت طالق، فمن العلماء مَن ألحقه بالأول، أي: بالشرط المحض، وقال: إنها تطلق، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم.
ومن العلماء من قال: إذا نوى بذلك معنى اليمين فإنه يمين، فإذا حصل الشرط فعليه كفارة يمين، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
ثم اعلم أن هذا تارة يظهر فيه أنه أراد اليمين، وتارة يظهر فيه أنه أراد الطلاق، وتارة نشك، فمن الأشياء التي يظهر فيها أنه أراد اليمين إذا قال: إن كلمتُ زيدًا فزوجتي طالق، فهنا يظهر أنه أراد أيش؟ طالب: اليمين.
الشيخ: أراد اليمين؛ لأن زوجته ما لها علاقة بالموضوع، فهنا يظهر أنه أراد اليمين، فنُفْتِيه بمجرد أن يسألنا نقول: كَفِّر كفارة يمين إذا كنا نرى هذا.

وتارة يظهر أنه أراد الطلاق، مثل أن يقول لزوجته: إن شاهدتِ الدش فأنتِ طالق، هذا يظهر منه أنه أراد أنها إذا تَدَنَّت إلى هذه الحال فإنها لا تصلح أن تكون امرأة له، فهذا يغلب على ظننا أنه أراد الطلاق، فإذا استفتانا عن هذه المسألة وقال: إنه قال لزوجته: إن نظرتِ إلى الدش فأنتِ طالق، قلنا: طلقت امرأته.
وتارة يحتمل هذا وهذا، مثل أن يقول لزوجته: إن لبستِ هذا الثوب فأنتِ طالق، فهذا يحتمل أنه أراد اليمين أو أراد الطلاق، فهنا لا نُفْتِيه حتى نسأله نقول: ماذا أردت؟ وفي المسألة التي قلنا: نحكم عليه بأنها تطلق، لو قال: لم أرد الطلاق، وطلاقها أكره إلَيَّ من مشاهدتها الدش، قلنا: إذن هذا حكم أيش؟ حكم اليمين؛ لأننا نعلم أنه إنما عَلَّق الطلاق على ذلك لأنه يكرهه، لا لأنه يكرهها هي.
وهذه مسائل دقيقة يجب على الْمُفْتِي أن يتحرى فيها تمامًا.
ولو قال قائل: إنه إذا كثر استعمالها في الناس فإننا نُجْرِيها عليهم على أنها طلاق، لو قال قائل لم يكن ذلك بعيدًا، من باب؟ طلبة: سد الذرائع.
الشيخ: التربية وعدم التسرع في الطلاق، واقتداءً بأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، حيث منع الناسَ رجوعَهم إلى زوجاتهم إذا طَلَّقُوا ثلاثًا لئلا يتتايعوا فيه (1). الآن نبدأ بهذا الفصل، وهذا اللي قلتم الأخير هذه هي أصول تعليق الطلاق بالشروط، وأنا أحب من طلاب العلم أن يرجعوا إلى الأصول؛ لأن المسائل الجزئية مسائل تطير وينساها الإنسان، لكن إذا رزقه الله عز وجل التأصيل وفهم الأصول وتنزيل المسائل الجزئية عليها، فهذا هو الراسخ في العلم.
يقول: (إذا علَّقه بمشيئتِها بـ (إِنْ) أو غيرِها من الحروف لم تطلُقْ حتى تشاءَ ولو تراخَت).
مثل أن يقول: أنتِ طالق إن شئتِ، فمتى شاءت طلقت، سواء في الحال أو بعد مدة، ولهذا قال: (لم تطلق حتى تشاء ولو تراخت).
لو قال: عَجَّلْت الطلاق وألغيت الشرط، تطلق أو لا؟ طالب: تطلق.
الشيخ: لا.
طلبة: (... ).

الشيخ: لا، سبق لنا يا إخواني، (لم تطلكق قبله ولو قال: عَجَّلْتُه)، أما لو أراد طلاقًا جديدًا غير الأول فهو حر، وهل يملك أن يعزلها إذا قال: أنتِ طالق إن شئتِ، ثم قال: هَوَّنْت؟ لا، ليس له ذلك، كما أنه ليس له أن يلغي الطلاق المعلَّق، أما لو قال: وَكَّلْتُك في طلاق نفسك ثم عزلها، فله ذلك؛ لأن الْمُوَكِّل له أن يعزل الوكيل، لكن مسألتنا ما فيها توكيل، فيها: أنتِ طالق إن شئتِ، فقالت: شئتُ.
انتهى الموضوع.
(فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ، فشاءَ لم تطلُقْ)! ! لَمَّا قال: أنتِ طالق إن شئتِ، قالت: قد شئتُ إن شئتَ، لم تطلق، لماذا؟ لأنه علَّقه على مشيئتها هي، فلا يصح أن تردها فتقول: قد شئتُ إن شئتَ، فيبقى الشرط معلَّقًا كما كان.
(وإن قال: إن شئتِ وشاءَ أبوكِ أو زيدٌ)، يعني: إن شئتِ وشاء زيد، (لم يقعْ حتى يشاءَا معًا).
أيضًا قال: تحبين أن أطلقك؟ قالت: نعم، قال: إن شئتِ وشاء أبوكِ فأنت طالق، فشاءت هي وأبى الأب، ما تطلُق؟ ما تطلق، شاء الأب ولم تَشَأْ هي؟ لا تطلق؛ لأنه عَلَّقَه على مشيئة الاثنين.
قال: إن شئتِ وشاء القاضي، فشاءت ولم يَشَأ القاضي؟ طالب: لا تطلق.
الشيخ: شاء القاضي ولم تشأ؟ لم تطلق، فأنا وضعت القاضي بدل قوله: (زيد).
يُذْكَر أن أحد العوام جالس عند شخص يدرِّس النحو، والمدرس هذا يعطي الطلاب: ضَرَبَ زيدٌ عَمْرًا، ضرب زيد خالدًا، وما أشبه ذلك، فقال العامي: هذا المضروب الظاهر أنه هلك من الضرب، اتركوا هذا؛ لأنه مَلَّ من قول الْمُعَلِّم: ضرب زيد عَمْرًا وضرب عَمْرٌو خالدًا، وما أشبه ذلك، فقال: هذا الرجل هلك يا جماعة، دَوِّرُوا على غيره! ! حتى الفقهاء -رحمهم الله- يأتون بزيد، يُمَثِّلُون بزيد، السبب إما أن يقال: إن هذا الشيء جرى عليه الناس، أو يقال: إن (زيد) كلمة خفيفة من أخف ما يكون، زيد وعمرو دائمًا هو الذي يُمَثَّل به، وأنت انظر لنفسك، زيد أَخَفّ من خالد، صح؟ معلوم.

يقول: (أو شاء زيدٌ، لم يقعْ حتى يشاءَا معًا، وإن شاء أحدُهُما فلا، وأنتِ طالقٌ وعبدي حرٌّ إن شاءَ اللهُ، وقَعَا).
هذا تعليق بمشيئة الله عز وجل، وأتى بذكر العتق استطرادًا، أنتِ طالق إن شاء الله، يقع أو لا يقع؟ منهم مَن قال: إن هذا تعليق على مستحيل، والتعليق على المستحيل مستحيل، فلا يقع الطلاق أبدًا، ووجه كونه مستحيلًا أننا لا نطلع على مشيئة الله إلا بعد وقوع ما يقع، أنت لا تعلم أن الله أراد لك شيئًا إلا إذا أيش؟ إلا إذا وقع، قبل وقوعه ما تدري أن الله شاء أو لا.
فيقول: إذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، لم يقع الطلاق؛ لأن العلم بمشيئة الله، أجيبوا.
طالب: مستحيل.
الشيخ: مستحيل، إلا إذا وقع الطلاق، فأنت الآن عَلَّقْت الطلاق على مستحيل، والتعليق على المستحيل مستحيل، خُذُوا هذا القول.
إذن هذا القول يقول: إذا عَلَّق الطلاق بمشيئة الله فالحكم؟ لا يقع الطلاق، التعليل؟ لأنه عَلَّقَه على مستحيل، والْمُعَلَّق على المستحيل مستحيل.
ومنهم من قال: إنه إذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، وقع الطلاق بكل حال؛ لأنه لَمَّا قال: أنتِ طالق، عَلِمْنَا أن الله قد شاءه؛ إذ إن الإنسان لا يتكلم إلا بمشيئة الله، فإذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، قلنا: قد شاء الله أن تطلق، من أين علمنا أن الله شاء ذلك؟ من وقوعه، من قوله: أنتِ طالق، ونحن نعلم أن الله تعالى إذا وقع الفعل من العبد فإن مقتضاه لا بد منه.
القولان الآن أيش؟ متقابلان تمامًا، الأول يقول: لا يقع الطلاق مطلقًا، والثاني يقول: يقع في الحال؛ لأن مجرد قوله: أنتِ طالق، كلمة إذا قالها الإنسان وقع بها الطلاق، فإذا قالها قلنا: إن الله قد شاءه، ما أدري واضح ولّا غير واضح؟ طلبة: واضح.

الشيخ: القول الثالث: الوسط، يقول: إن أراد بقوله: أنتِ طالق إن شاء الله، إن أراد بقوله: إن شاء الله، أي: إن شاء الله أن تطلقي بهذا القول، فإن الطلاق يقع؛ لأننا نعلم أن الله تعالى يشاء الشيء إذا وُجِدَ سببه، وإن أراد بقوله: إن شاء الله، أي: في طلاقٍ مستقبَل، فإنه لا يقع الطلاق حتى يُوقِعَ الطلاق مرة ثانية.
أفهمتم يا جماعة؟ فهمتم القول الثالث؟ لا إله إلا الله.
طالب: (... ). الشيخ: التفصيل، يقول: إن أراد بقوله: إن شاء الله، أي: إن شاء الله أن تطلقي بهذا الكلام، فإنها تطلق؛ لأنه هو قال: أنتِ طالق، وإن أراد: أنتِ طالق إن شاء الله، يعني: إن كان الله أراد أن تطلقي وُجِدَ السبب فتطلقين، يعني: في المستقبل، فهذه لا تطلق إلا إذا وقع منه الطلاق في المستقبل.
فهمنا الآن ولّا لا؟ طالب: نعم يا شيخ.
الشيخ: المسألة إذن فيها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه لا يقع الطلاق مطلقًا، والثاني: أنه يقع مطلقًا، وهذا اختيار المؤلف؛ لأنه قال: (أنتِ طالق إن شاء الله وقع)، والثالث أيش؟ التفصيل، وعند التفصيل يكون التحصيل، وهذا هو الصواب؛ أن نقول: ماذا أردتَ بقولك: إن شاء الله؟ قال: أردت إن شاء الله أن يقع طلاقها بهذه الجملة.
فماذا نقول له؟ يقع الطلاق.
قال: أردتُ إن شاء الله، يعني: إن وُجِدَ سبب للطلاق في المستقبل فأنت تطلقين، فهذا لا يقع، وهذا لا شك هو الصواب.
فإن قال: أردت التَّبَرُّك ما أردت التعليق، مثل قوله في الحديث: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (8)، يعني: أهل المقابر، ونحن لاحقون بهم قطعًا، فقيل: إن المراد التبرك، وفيها خلاف، لكن المهم أن أحد الأقوال فيها أن المراد التبرك.
فإذا قال: أردت التبرك، يقع ولّا ما يقع؟ طلبة: يقع يا شيخ.

الشيخ: يقع، لكن هل في هذا بركة بالنسبة للمرأة؟ قد يكون، وقد لا يكون، لكن نقول: إرادة التبرك معناها التحقيق؛ لأن الْمُرِيد للتبرك أراد أن يتحقق الأمر ببركة الله عز وجل، واضح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هذا هو التفصيل في مسألة تعليق الطلاق بمشيئة الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قوله: (فإن قالت: قد شئتُ إن شئتَ فشاءَ، لم تطلُقْ).
الشيخ: نعم.
الطالب: هو شاء طلاقها؟ الشيخ: إي، على كلام المؤلف شاء طلاقها، يقول: لأن أصل تعليقه تعليق على أمر يُبْطِل تعليقَه؛ لأنه إذا قال: قد شئتُ إن شئتِ، لو أراد مشيئته هو بنفسه لم يقل لها: إن شئتِ.

طالب: لو قيل: يُرْجَع إلى حالهما، فإن كان يجب الطلاق يجب، وإن كان مباحًا فهو مباح، تقع المشيئة على مشيئة شرعية؟ الشيخ: ما فهمت كلامك.
الطالب: لو قيل: نرجع إلى حالهما؟ الشيخ: حال مَن؟ الطالب: الرجل وامرأته.
الشيخ: نعم.
الطالب: إن كان يجب الطلاق فيجب.
الشيخ: إن كان يجب؟ الطالب: نحن قلنا: حالات، أحيانًا يجب الطلاق أو يُسَنّ، فيقال: يُرْجَع إلى حالهما، فإن كان يجب فيجب، أو هو مباح أو هو مَسْنُون أو هو مكروه.
الشيخ: لا، يجب أو مباح هذا عند إنشائه؛ لأنّا الآن نحكم على شيء صدر منه، أما ما ذكرتَ فهذا عند الإنشاء.
الطالب: أقصد يا شيخ نقول: نحمل المشيئة على المشيئة الشرعية؟ الشيخ: لا، غالبًا المشيئة ما فيها مشيئة شرعية، وهذه مسألة مهمة، التي تنقسم إلى شرعية وكونية هي الإرادة، أما المشيئة فهي مشيئة كونية فقط.
طالب: شيخ، لو عَلَّق الطلاق بمشيئتها، فهل لها أن تَرُدّ ذلك فلا تطلق؟ الشيخ: إي، معلوم، لا تشاء ولا عليها، أقول: لا تشاء، تبقى غير شائية، وهو أحسن لها إذا قال: أنتِ طالق إن شئتِ، ستكون إن زعلت عليه شاءت الطلاق وخلاص تطلق، لكن إذا طلقت أول مرة وراجعها، ثم شاءت الطلاق، تطلق ولّا لا؟ طالب: تطلق.
الشيخ: لا تطلق، إلا في (كلما)؛ لأن (كلما) للتكرار.

طالب: شيخ، أقول: قوله: أنتِ طالق إن شئتِ، فقالت: شئتُ إن شئتَ، فقال: شئتُ؟ الشيخ: يقولون: إن هذا لا يصح؛ لأنه لو أراد مشيئته بنفسه ما علَّقَه على مشيئتها.
طالب: (... ). الشيخ: نعم، صحيح.
الطالب: ما هو وجه قولنا.. ؟ الشيخ: هذا هو، نقول: إذا كانت رَدَّتْه إلى مشيئته، فهذا معلوم من الأصل، الطلاق بمشيئة مَن؟ بمشيئة الرجل، وهذا معناه إلغاء مشيئته.
طالب: حيث قال: شئت، تطلق بهذا القول؟ الشيخ: إي، ما تطلق؛ لأنها هي معلقته على مشيئته، وهو كان بالأول معلقه على مشيئتها، وإذا كان يريد مشيئتها فإن مشيئته تُلْغَى، فرَدُّهَا إلى مشيئته معناه التناقض.
على كل حال التعليل ما هو بإلى ذاك، يعني ما هو بِبَيِّن جدًّا، وأنت إن شاء الله إذا تزوجت فقلت لزوجتك هذا وجدنا حل المشكلة إن شاء الله.
طالب: لا أقولها.
الشيخ: لا تقولها؟ طالب: إذا علَّقت بغير مشيئة الزوج، تعليق آخر بشرط آخر، تطلق؟ الشيخ: مثل؟ الطالب: قال: شئتُ إن ضربتني؟ الشيخ: إي، هذا يمكن أن نقول: يصح؛ لأنها لم تعلَّق بالمشيئة، عَلَّقَته على فعل منه، لكن حتى هذا أراه نوعًا من العبث، إن شئت إن ضربتني! ! طالب: (... ). الشيخ: يخبطها ويقول (... ).


طالب: وأنتِ طالقٌ إن رأيتِ الهلالَ، فإن نَوى رؤيتَها لم تطلُقْ حتى تراه، وإلَّا طلقَتْ بعدَ الغروب برؤيةِ غيرِها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
سبق لنا أن الإنسان إذا عَلَّق الطلاق بمشيئة الله فإنه يقع على ما ذهب إليه المؤلف، فماذا تقول: أهو على إطلاقه أو لا؟ طالب: لا، ليس على إطلاقه.
الشيخ: قال: أنتِ طالق إن شاء الله؟ الطالب: لا، ليس على إطلاقه.
الشيخ: كيف التفصيل؟ الطالب: التفصيل أنه إذا كان يريد الإخبار عن مستقبل أنه سيطلق، فإن طَلَّق يقع مستقبلًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: وإلا فلا يقع.
الشيخ: لا (... ) وقع.

الطالب: يقع يخرج مثلًا إذا كان أراد الإخبار عن أمر مستقبل.
الشيخ: يعني نحن ذكرنا أن التفصيل هو الصواب، فما هو التفصيل الذي ذكرنا؟ الطالب: أنه إذا أراد الإخبار أنه سيطلق في المستقبل فلا يقع حتى يطلق في المستقبل.
الشيخ: هذه واحدة، يكون معنى: أنتِ طالق إن شاء الله، أي: إن شاء الله أن أطلقك في المستقبل، ثانيًا؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، ما فصلت.
الطالب: إذا قصد بالمشيئة التبرك وقع في الحال.
الشيخ: إذا قصد التبرك وقع في الحال، لكن كلامنا عن المعلَّق.
الطالب: لو قصد إن شاء الله أن يقع بهذا اللفظ الذي تلفظ به، يقع في الحال.
الشيخ: نعم، إذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، يعني: إن شاء الله أن تطلقي بقولي هذا، فإنه يقع؛ لأنه لَمَّا قاله علمنا أن الله شاءه بلا شك.
وهذا التفصيل هو الصواب، لكن إذا قال قائل: ما غالب أقوال الناس؟ إذا قال: أنتِ طالق إن شاء الله، هل الغالب في ذلك أنهم أراد التبرك؟ طالب: لا، لا يراد التبرك.
الشيخ: خير إن شاء الله، أنا أظن أنهم يريدون التبرك، لكن أرجو ألّا يريدوا التبرك، أنهم يريدون أنتِ طالق إن شاء الله، يعني: إن شاء الله أن أطلقك في المستقبل.


نبدأ الدرس الجديد: (وإن دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ إن شاءَ الله، طلُقَتْ إن دَخَلَتْ).
معلوم؛ لأنه قال: أنتِ طالق إن دخلتِ الدار إن شاء الله، فإذا دخلت الدار علمنا أن الله تعالى شاء دخولها وشاء طلاقها؛ لأنه حصل المعلَّق عليه.
(وأنتِ طالقٌ لرِضَا زيدٍ أو لمشيئَتِه، طلُقَتْ في الحالِ).
(أنت طالق لرضا) اللام هذه للتعليل، والعلة تسبق المعلَّل، فإذا قال: (أنت طالق لرضا زيد) صار معناه: أنت طالق لأن زيدًا رضي بطلاقك.
وكذلك إذا قال: (أنت طالق لمشيئة زيد)، فالمعنى أيش؟ أنتِ طالق لأن زيدًا شاء أن تطلقي، فتطلق في الحال.

(فإن قال: أردتُ الشرطَ)، يعني أردت بقولي: (أنتِ طالق لرضا زيد): أنت طالق إن رضي زيد، يقول: فإنه يُقْبَل حكمًا، أو يُدَيَّن؟ يقول المؤلف: يُقْبَل حكمًا، يعني حتى لو رُفِعَ الأمر للقاضي وقال الزوج: إني أردت بذلك الشرط، وجب على القاضي أن يقبل قوله؛ لأن قوله محتمِل غاية الاحتمال، الكلام يحتمله بلا شك، (أنتِ طالق لرضا زيد) يعني: إن رضي زيد، (أنت طالق لمشيئته) يعني: إن شاء.
فلذلك نقول: إذا قال: أنتِ طالق لرضا زيد، إن أراد الشرط لم تطلق حتى يرضى زيد، وإن لم يُرِد الشرط طلقت في الحال، ووجه ذلك أن العلَّة تسبق المعلول، فكان رضا زيد سابقًا على طلاقه.
(وإن قال: أردتُ الشرطَ قُبِلَ حُكمًا)، (حُكْمًا) معناه؟ عند الحاكم إذا ترافعَا، أما إذا لم يترافعَا وصَدَّقَتْه فلا حاجة للترافع.
(وأنتِ طالقٌ إن رأيتِ الهلالَ، فإن نَوى رؤيتَها لم تطلُقْ حتى تراه، وإلا طلُقَتْ بعدَ الغروبِ برؤيةِ غيرِها).
(أنتِ طالق إن رأيتِ الهلال)، ما ظاهر اللفظ؟ أنه إن رأته هي بنفسها، فلا تطلق حتى أيش؟ حتى تراه، فإن رآه غيرها لم تطلق.
وعلى هذا فإذا كان نظرها قاصرًا لا ترى الهلال إلا في الليلة الرابعة، متى تطلق؟ في الليلة الرابعة.
أما إذا أراد بقوله: (إن رأيتِ الهلال)، يعني: إن ثبت دخولُ الشهر، فإنها تطلق برؤية غيرها.
ويُذْكَر أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه جعل الناس يتراءون الهلال، ولكنه لم يَرَه، هو ما رآه، فجعلوا يقولون: هو هذا يا أمير المؤمنين، هذا هذا، قال: إني سأراه وأنا على فراشي (9)، متى يراه وهو على فراشه؟ طالب: (... ). الشيخ: لا إله إلا الله، متى يا ناس؟ طلبة: (... ). الشيخ: إذا ارتفع الهلال، يراه وهو على فراشه، ما يحتاج أنه يتراآه مع الناس، وهذا دليل على حلمه رحمه الله، وأن الإنسان لا ينبغي أن يستعجل الشيء، إن لم يأتِ إلى الشيء فالشيءُ يأتي إليه.


(فصل.
وإن حَلَفَ لا يدخلُ دارًا أو لا يخرجُ منها، فأَدْخَلَ أو أَخْرَجَ بعضَ جسدِه، أو دخلَ طاقَ البابِ.. ) إلى آخره، يقول: (لم يَحْنَث).
قال: والله لا أدخل دار فلان، فوقف عند الباب وأصغى بظهره، فهل يحنث أو لا؟ طالب: لا يحنث.
الشيخ: ليش؟ لأنه ما دخل، الدخول يعتبر بالقدمين مع الجسد، وأما هذا فلا يقال: إنه دخل، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُخْرِج رأسه لعائشة تُرَجِّلُه وهو معتكف (10)، وهذا شيء لو كان خروجًا ما جاز للمعتكف؛ إذ إن المعتكف لا يجوز أن يخرج من اعتكافه من أجل أن يصلح رأسه.
كذلك إذا حلف ألَّا يخرج منها، قال: والله ما أخرج من هذا البيت إلا إذا أَذَّنَ الظهر، فقرع الباب عليه أحد، ففتح الباب وأصغى بظهره ينظر، هل يحنث أو لا يحنث؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لم يخرج.
الشيخ: لأنه لم يخرج.
(أو دخلَ طاقَ البابِ لم يحنث، أو لا يلبس ثوبًا من غَزْلِها، فلبس ثوبًا فيه منه).
(مِن غَزْلِها) المرأة تغزل الثياب؟ فيما سبق النساء يَغْزِلْنَ الثياب، حلف قال: والله ما ألبس ثوبًا من غَزْل هذه المرأة، فلبس ثوبًا فيه مِن غزلها، فإنه لا يحنث؛ لأن هذا الثوب لم يتمحض من غزلها، إذ إنه مخلوط بغزل امرأة أخرى.
يقول: (أو لا يشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه، لم يحنث).
قال: والله لا أشرب ماء هذا الإناء، الإناء فيه ثلاثة أرباعه، فشرب رُبُعَه، فإنه لا يحنث؛ لأنه حلف ألَّا يشرب ماء هذا الإناء.
فإن قال: أردت ألَّا أشرب منه، فإنه يحنث، كما لو قال لشخص: والله لا آكل طعامك، فأكل منه، جاء له بخبز وتمر ولحم وأكل، يحنث أو لا يحنث؟ طلبة: لا يحنث.
الشيخ: ويش القرينة التي تدل على أنه لا يأكل كل طعامه اللي بالبيت؟ لا، ما هو معقول، يعني: لا آكل شيئًا من طعامك، بخلاف ماء هذا الإناء؛ لأن ماء هذا الإناء يمكن أن يشربه جميعه، حتى لو قال: والله لا أشرب ماء هذا النهر، ورَوِيَ منه، يحنث أو لا يحنث؟

طلبة: يحنث.
الشيخ: لا لا، يقول: والله لا أشرب ماء هذا النهر؟ طلبة: يحنث.
الشيخ: كيف ماء الإناء تقولون: لا يحنث، وهذا تقولون: يحنث؟ طلبة: القرينة.
الشيخ: القرينة؛ لأنه ما يمكن يشرب النهر كله، إذن القرائن لها آثارها.
يقول: (فشرب بعضَه، لم يحنث).
ثم قال: (وإن فعلَ المحلوفَ عليه ناسيًا أو جاهلًا حَنِثَ في طلاقٍ وعِتَاقٍ فقط).
هذه قاعدة مهمة جدًّا ينبغي البسط فيها: (إن فعلَ المحلوفَ عليه ناسيًا): ناسيًا يمينه، أو ناسيًا أن هذا هو المحلوف عليه.
(أو جاهلًا): جاهلًا أن هذا هو المحلوف عليه، أو جاهلًا أنه يحنث بهذا الفعل، فإنه لا شيء عليه؛ لأنه لم يتعمد الحنث، وليت المؤلف أضاف شيئًا ثالثًا وهو الإكراه، فإذا فعل المحلوفَ عليه ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا فلا حنث عليه؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: 106]، وهذا واضح.
فإذا قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم وجد ثوبًا مُعَلَّقًا فلبسه، وإذا هو الثوب الذي كان حلف على عدم لبسه، فليس عليه شيء، لكن عليه أن يخلعه في الحال؛ لأن الوصف الذي عُذِرَ به قد زال.
كذلك أيضًا لو حلف لا يلبس هذا الثوب، فوجده مُعَلَّقًا فلبسه ناسيًا أنه حلف، عليه كفارة أو لا؟ ليس عليه كفارة، لم يحنث، لكن متى ذَكَرَ وجب عليه أيش؟ أن يخلعه.
وكذلك لو أُكْرِهَ على لبسه وهو قد حلف ألَّا يلبسه ثم لبسه دفعًا للإكراه فلا حنث عليه.
استثنى المؤلف مسألتين: الطلاق والعتق، يعني: فإنه إذا فعل المحلوفَ عليه ناسيًا أو جاهلًا فإن المرأة تطلق، والعبد يعتق.

مثال ذلك، قال: إن فعلتُ كذا فعبدي حر، يريد عتقه، ففعله ناسيًا، فماذا يكون؟ على كلام المؤلف يعتق العبد.
قال: إن كلمت فلانًا فعبدي حر، ثم كَلَّمَ شخصًا لا يدري مَن هو، ثم تَبَيَّن أنه الرجل الذي حلف ألَّا يكلمه، فالعبد يعتق.
وكذلك في الطلاق، لو قال لزوجته: إن لبستِ هذا الثوب فأنتِ طالق، ثم نسيت ولبسته، تطلق؟ نعم تطلق، على كلام المؤلف.
أو قال: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، يريد الطلاق، فكلمت رجلًا استأذن، أو كَلَّم في الهاتف وكَلَّمَته، وإذا هو فلان الذي عَلَّق الطلاق على تكليمه، تطلق أو لا تطلق؟ على كلام المؤلف تطلق.
والصحيح أنها لا تطلق، وأن العبد لا يعتق، وأنه لا فرق بين الطلاق والعتق وغيرهما، متى وقع ذلك عن جهل أو نسيان فلا إثم ولا كفارة ولا حِنْث؛ لأن لدينا قاعدة ممن له الحكم عز وجل وهو الله، ما القاعدة؟ طالب: فعل بعضه، يعني «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ».
(11) الشيخ: ليتك تنسى هذا الحديث.
الطالب: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]. الشيخ: إي نعم، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، «فَقَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ» (12)، آية أخرى؟ طالب: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
الشيخ: خطأ.
طالب: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5].
الشيخ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، حتى اليمين إذا حلف الإنسان وهو لم يعقدها بقلبه لم تكن شيئًا، قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].

المهم أن مَن فعل شيئًا محلوفًا عليه من طلاق أو عتق أو غيرهما ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا، أيش؟ فلا شيء عليه، هذا هو القول الراجح، وهو الذي تقتضيه الأدلة، وهو مقتضى تيسير الشريعة وتسهيلها.
(وإن فعلَ بعضَه لم يحنَثْ إلا أن ينويَه).
إن فعل بعض المحلوف عليه فإنه لا يحنث إلا أن ينويه، فإذا قال: والله لا آكُل هذه الخبزة، فأكل بعضها، أيش؟ لا شيء عليه، ليش؟ لأنه ما أكلها، أكل البعض، إلا إذا أراد بقوله: لا آكلها، أي: لا آكل منها، فإنه يحنث.
(وإن حلفَ ليفعلنَّه، لم يَبرَّ إلا بفعلِه كلِّه)، يعني: إن حلف ليفعلنَّ هذا الشيء لم يَبَرَّ إلا بفعله كله.
وإن حَلَفَ ليَفْعَلَنَّهُ لم يَبَرَّ إلا بفِعْلِه كلِّه.
(بابُ التأويلِ في الْحَلِفِ) ومعناه: أن يُريدَ بلَفْظِه ما يُخالِفُ ظاهِرَه، فإذا حَلَفَ وتَأَوَّلَ يَمينَه نفَعَه إلا أن يَكونَ ظالمًا، فإذا حَلَّفَهُ ظالِمٌ ما لزيدٍ عندَك شيءٌ وله عندَه وَديعةٌ بِمَكانٍ فَنَوَى غيرَه أو بما الذي، أو حَلَفَ ما زيدٌ ههنا ونَوَى غيرَ مَكانِه، أو حَلَفَ على امرأتِه لا سَرَقْتِ مني شيئًا فخانَتْه في وَديعةٍ ولم يَنْوِها لم يَحْنَثْ في الكلِّ.
(بابُ الشكِّ في الطلاقِ) مَن شَكَّ في طَلاقٍ أو شَرْطِه لم يَلْزَمْه، وإن شَكَّ في عَدَدِه فطَلْقَةٌ، وتُبَاحُ له، فإذا قالَ لامرأتَيْه: إحداكما طالِقٌ.
طَلُقَتِ الْمَنْوِيَّةُ وإلا مَن قُرِعَت، كمَن طَلَّقَ إحداهما، بائنًا ونسِيَها، وإن تَبَيَّنَ أنَّ الْمُطَلَّقَةَ غيرُ التي قُرِعَتْ رُدَّتْ إليه ما لم تَتَزَوَّجْ أو تَكُن القُرعةُ بحاكِمٍ.

وإن قالَ: إن كان هذا الطائرُ غُرابًا ففُلانةُ طالقٌ، وإن كان حمامًا ففُلانةُ.
وجَهِلَ لم تُطَلَّقَا، وإن قالَ لزوجتِه وأَجنبِيَّةٍ اسْمُها هندُ: إحداكما أو هندُ طالِقٌ.
طَلُقَت امرأتُه, وإن قالَ: أردْتُ الأجنبِيَّةَ.
لم يُقْبَلْ حُكْمًا إلا بقَرينةٍ، وإن قالَ لِمَنْ ظَنَّهَا زوجتَه: أنتِ طالقٌ.
طَلُقَت الزوجةُ وكذا عَكْسُها.
(بابُ الرَّجْعَةِ) مَن طَلَّقَ بلا عِوَضٍ زَوجةً مَدخولاً بها أو مَخْلُوًّا بها دُونَ ما لَه من العَددِ فله رَجْعَتُها في عِدَّتِها ولو كَرِهَتْ بلفظِ: " راجعْتُ امرأتِي " ونحوِه لا " نَكَحْتُها ونحوِه, ويُسَنُّ الإشهادُ، وهي زوجةٌ لها وعليها حُكْمُ الزوجاتِ، لكن لا قَسْمَ لها وتَحْصُلُ الرَّجعةُ أيضًا بوَطْئِها، فإنه لا يحنث إلا أن ينويه، فإذا قال: والله لا آكل هذه الخبزة.
فأكل بعضها، أيش؟ لا شيء عليه.
ليش؟ لأنه ما أكلها، أكل البعض، إلا إذا أراد بقوله: لا آكلها؛ أي لا آكل منها؛ فإنه يحنث.
(وإن حلفَ ليفعلنَّه لم يبرَّ إلا بفعلِه كلِّه)، يعني إن حلف ليفعلن هذا الشيء لم يبر إلا بفعله كله.
فإذا قال: والله لأصومن شهر المحرم وصام بعضه، حنث أو لا؟ حنث؛ لأنه لا يبر إلا بفعله كله.
والله لآكلن هذه الخبزة.
وأكل بعضها؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا.
الطلبة: لا يحنث.
الشيخ: هو يقول: لآكلن، ما هي بلا آكل، لآكلن؟ طالب: يحنث.
طالب آخر: (... ). الشيخ: طيب، هل نقول: إن كنت تريد البِرَّ فكلها كلها؟ أجيبوا يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: إي نعم، لا تلتبس عليكم.
قال: والله لآكلن هذه الخبزة فأكل بعضها، حنث إذا أكل بعضها؛ لأنه قال: والله لآكلن هذه الخبزة.
نقول: كلها كلها، قال: شبعت، ويش نقول؟ الطلبة: يحنث.

الشيخ: من الذي جعلك تحنث؟ من ألجأك إلى اليمين؟ قال: والله أنا جيت جائع، قلت: ما يسد نهمتي إلا هذا الخبز كله، فحلفت: والله لآكله، وأكل بعضه وخلاص ما يقدر يأكل.
عليه يمين؟ عليه حنث ولَّا لا؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: عليه حنث.
فإذا حلف على الشيء فإنه لا يبر حتى يفعل جميعه.

باب التأويل في الحلف

ثم قال المؤلف: (باب التأويل في الحلف).
(ومعناه أن يُريدَ بلفظٍ ما يخالفُ ظاهرَه).
التأويل في الحلف هو التحريف في النصوص؛ لأن الذين يحرفون النصوص يؤولونها إلى ما يخالف الظاهر.
التأويل في الحلف: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره؛ هذا التأويل، مثاله: (إذا حَلَفَ وتأوَّلَ يمينَه نفعَه، إلا أن يكونَ ظالمًا).
هنا نسأل، يعني نبحث في الموضوع: التأويل هل هو جائز أو مُحرَّم؟ في هذا تفصيل؛ إن كان الإنسان مظلومًا فالتأويل جائز، وقد يكون واجبًا.
وإن كان ظالمًا فالتأويل حرام، وقد يكون من الكبائر، وإن لم يكن ظالمًا ولا مظلومًا، فلا شك أن تركه أولى، ولكن هل يجوز أو لا يجوز؟ فيه خلاف.
فالأقسام إذن؟ كم من الأقسام في التأويل؟ طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، ما هي؟ الطالب: سهيت.
الشيخ: سهيت ولَّا سهوت، ولَّا لهيت ولَّا لهوت، اللهم اهدنا فيمن هديت.
طالب: (... ). الشيخ: ما أسأل عن الحكم، أعطنا الأقسام.
الطالب: ظالمًا أو مظلومًا أو.. الشيخ: إما أن يكون ظالمًا، أو مظلومًا، أو لا ظالمًا ولا مظلومًا.
كم الأقسام؟ ثلاثة.
إن كان ظالمًا فالتأويل حرام، وقد يكون من الكبائر، وإن كان مظلومًا فالتأويل جائز، وقد يكون مستحبًّا، وقد يكون واجبًا.
وإن لم يكن هذا ولا هذا، لا ظالمًا ولا مظلومًا، فقد اختلف العلماء رحمهم الله بعد اتفاقهم أن الأولى تركه: هل يجوز أو لا يجوز؟ اختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا يجوز، والمشهور أنه جائز على المذهب؛ ولهذا قال: (نفعه إلا أن يكون ظالمًا)، ويأتي إن شاء الله بقية الحديث عنه.

طالب: بناءً على ما اخترناه من أن طلاق الحائض لا يقع، فإذا علَّق الطلاق على شرط، وحصل الشرط والمرأة حائض، هل يقع الطلاق؟ الشيخ: لا يقع.
يقول: إذا قلنا بالقول الراجح أن الطلاق في الحيض غير واضح، فصادف أن الشرط وقع في الحيض، هل يقع الطلاق؟ الجواب: لا يقع.

طالب: شيخنا، عندنا بعض العامة يكثرون من الحلف بالطلاق، كل منهم يقول: عليَّ الطلاق، العشاء عندي، أو كذا أو الغداء، ويتنازل عن رأيه بأبسط ما يكون، يعني وينسبون الفتوى إليكم يا شيخ أن (... )، فأيش الحكم هذا يا شيخ؟ الشيخ: الحكم هذا -بارك الله فيك- إذا علَّق الإنسان الطلاق بشرط، فإما أن يقصد اليمين أو يقصد الطلاق، إن قصد الطلاق وقع الطلاق؛ حيث لا مانع، وإن قصد اليمين لم يقع الطلاق وأجزأته كفارة يمين.
هذا هو التفصيل الصحيح، وأكثر العلماء من الأئمة وأتباعهم على أنه يقع الطلاق بكل حال.
مثال ذلك: إذا قال لزوجته: إن خرجتِ إلى السوق فأنتِ طالق، ثم خرجت.
فعلى رأي جمهور الأمة وأئمتها يقع الطلاق، وعلى ما اخترناه وهو قول شيخ الإسلام: أن نسأله: هل أنت تريد بهذا الكلام أن الزوجة إذا خرجت لم يبقَ لك فيها نظر؟ فأنت أردتَ الطلاق الآن، فيقع الطلاق، أو تريد أن تحبسها وتمنعها وتُشدِّد عليها حتى لا تخرج، ولو خرجت فليست رخيصة عندك.
فهذا حُكمه حكم الحلف.
لكن لعلنا يومًا من الدهر إذا رأينا تكالب الناس على هذا الشيء وتتابعهم فيه أن نفتيهم بوقوع الطلاق على كل حال، اتباعًا للجمهور وأخذًا بسياسة عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ ولهذا أنا أقول لكم وأنتم طلبة: لا تهونوا هذا الأمر مع العامة، شدِّدوا، أنا الآن أفتي بأنه على حسب التفصيل الذي سمعت، لكن مع ذلك إذا جاء عرض هذه المسألة في محاضرة أو غيرها، أُشدِّد فيها جدًّا وأقول: يا جماعة، اتقوا الله؛ فإنكم على رأي أكثر الأمة الإسلامية أئمة والتابعين يقع الطلاق عليكم.

ولهذا مشكل الآن لما أفتى الناس بأن الثلاث واحدة تساهل الناس جدًّا، وصار الإنسان بأدنى شيء يطلق زوجته، واحد قال لي: إني طلقت زوجتي تسعًا وتسعين مرة، أنت طالق تسعًا وتسعين، قلت: كمِّل المئة جزاك الله خيرًا! ! فالناس مشكل إذا رأوا التساهل تساهلوا.
طالب: أحسن الله إليكم يا شيخ، هل فيه فرق بين قوله: والله لا ألبس ثوبًا من غزلها، وبين قوله: لا ألبس من غزلها؟ يعني إذا قال: لا ألبس من غزلها ولبس ثوبًا.. الشيخ: هل يمكن أن يلبس الغزل بدون نسج؟ الطالب: لا يمكن.
الشيخ: هذا، ما يمكن.

طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، الأثر الوارد أن: «ثَلَاثَةٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ» (1)، هل صحيح يا شيخ؟ الشيخ: أكثر العلماء على تصحيحه، أكثر العلماء على أنه صحيح، وينبغي أن نقول به، لماذا؟ لأننا لو قلنا: إن طلاق الهازل لا يقع، صار كل إنسان يقول: إنه هازل، أنا أمزح على امرأتي، وينسد باب الطلاق، فهو وإن كان فيه مقال والعلماء اختلفوا في تصحيحه، وفي حكمه، لكن ينبغي القول بأنه ماضٍ.

هذه ورقة يقول: إذا أراد أن يتزوج امرأة، وشرط عليه أهل المرأة إذا طلق ألا يقع طلاقه، فوافق على هذا الشرط؟ هنا العقد صحيح والشرط باطل، وإذا طلق فإنه يقع.

هذا يقول: إذا أُقيمت في المسجد تعزية؟ كيف أُقيمت تعزية؟ ويشلون؟ طالب: (... ) في المساجد تقام التعزية في المساجد.. كل مسجد يعني فيه تعزية (... ). الشيخ: لكن هل المساجد بُنيت للتعازي؟ الطالب: هذه بلوى يا شيخ.
الشيخ: لا، البلوى عليكم أنتم يا طلبة العلم أن تنكرونها، وتذهبون للمسئولين، المساجد ما بنيت للتعزية والبكاء والأحزان.
لا والله، هذه وصيتي لكم أنتم يا طلبة العلم أن تتصلوا بالمسئولين لمنعه.
الطالب: كلمناهم.
الشيخ: طيب، وإذا اجتمع مثلًا عشر جنائز، كيف يُعزى لها؟ الطالب: يعزى في المساء، كل واحد (... ).

الشيخ: إذا كان الحي هذا فيه عشرة ماتوا، وصار كل ربعة فيها واحد، هذا تلاعُب، ثم الاجتماع للعزاء أصله بدعة، أصل الاجتماع للعزاء بدعة، ما ورد عن الرسول ولا عن الصحابة.
الطالب: (... ) يا شيخ، في مكان التعزية غير المسجد، هل يجوز هذا؟ الشيخ: هذا أهون من المسجد، ما دام أنهم ابتلوا بالاجتماع، فهذا أهون، لكن مع ذلك لا نؤيد أن يبنى مكان للتعزية.
قال واحد من السفهاء عندنا في الجرائد قبل كم سنة، قال: ينبغي أن نوجد قصورًا للأحزان كما أوجدنا قصورًا للأفراح! ! شوف الجنون! جنون، فرق بين هذا وهذا.
إلا إن قلنا له: إن قصور الأحزان يعني قصور الطلاق؛ لأن قصور الأفراح لأي شيء؟ للزواج، حط للطلاق بعد قصورًا، ومن أراد أن يطلق أو من طلقت، وحزنت تجيء هنا تقيم احتفالًا، اللهم عافنا.


طالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: باب التأويل في الحلف، ومعناه أن يُريدَ بلفظٍ ما يخالفُ ظاهرَه.
فإذا حَلَفَ وتأوَّلَ يمينَه نفعَه، إلا أن يكونَ ظالمًا، فإن حلَّفَهُ ظالمٌ: ما لزيدٍ عندَك شيءٌ، وله عنده وديعةٌ بمكانٍ فَنَوى غيرَه، أو بـ (ما) الذي، أو حَلَفُ: ما زيدٌ هاهنا، ونَوَى غيرَ مكانِه، أو حَلَف على امرأتِه: لا سَرقت مني شيئًا فخانتْه في وديعتِه ولم ينوِها لم يحنَثْ في الكلِّ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
رجل قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم وجده مُعلَّقًا فلبسه ولم يعلم أنه هو، فماذا تقول؟ طالب: لا شيء عليه.
الشيخ: لا شيء عليه؛ لأنه؟ الطالب: جاهل.
الشيخ: جاهل.
طيب، لو علم بعد أن لبسه؟ الطالب: عليه أن يخلع في الحال.
الشيخ: عليه أن يخلع في الحال، تمام.
لو قال لزوجته: إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، فكلمته وهي لا تدري أنه هو؟ طالب: لا شيء عليه؛ لأنها جاهلة.
الشيخ: لأنها جاهلة، إلا على كلام المؤلف؛ كلام المؤلف يقول: يحنث، والصحيح أنه لا يحنث.

طيب، قال: والله لآكلن هذه الخبزة، فأكل نصفها، هل يبر أو لا؟ طالب: لا يبر حتى يأكلها كلها.
الشيخ: حتى يأكلها كلها.
طيب، قال: والله لا أشرب ماء هذا البحر، فشرب منه إناء؟ طالب: يقع.
الشيخ: يحنث؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه ما راح يشرب البحر كله، فإذا شرب منه خلاص.. الشيخ: يعني إذا أضافه إلى شيء لا يمكن نكتفي ببعضه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، قال المؤلف: (باب التأويل في الحلف)، ما معنى التأويل في الحلف؟ طالب: هو أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره.
الشيخ: أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، وهل التأويل جائز؟ الطالب: لا، فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، ما هو؟ الطالب: قلنا: إن كان من مظلوم فإنه جائز أو واجب، أما إن كان من ظالم فإنه يحرم، وقد يكون من الكبائر، وإلا فهو جائز.
الشيخ: وإلا فهو جائز، تمام.
إذا كان مظلومًا جاز التأويل، بل قد يجب كما لو أراد بتأويله أن يدافع عن عرض امرأته مثلًا، وإذا كان ظالمًا فهو حرام، بل قد يكون من الكبائر، وإذا لم يكن ظالمًا ولا مظلومًا فهو جائز، لكن بلا شك أن تركه أولى، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية أنه حرام.
ولننظر، يقول: (فإذا حَلَفَ وتأوَّلَ يمينَه نفعَه، إلا أن يكونَ ظالمًا، فإذا حلَّفَهُ ظالمٌ: ما لزيدٍ عندَك شيءٌ، وله وديعةٌ عنده بمكانٍ فَنَوى غيرَه، أو) نوى (بـ (ما) الذي).
إذا كان هناك ظالم يريد أن يأخذ مال زيد، فقيل له: إن مال زيد قد أودعه فلانًا، أيش معنى أودعه؟ جعله عنده وديعة يحفظه، فأتى إلى فلان، وقال: أين مال زيد؟ إن أخبره فسوف يأخذه، وإن نفاه كذب، فما هو الطريق إلى التخلص من ظلمه بدون كذب؟ أن يؤول ولا حرج عليه، فيقول: والله ما لفلان عندي شيء، وينوي مكانًا غير مكانه.
إذا قدرنا أنه في الحجرة ينوي ليس في السطح، وإن كان في السطح نوى ليس في الحجرة.

(أو) ينوي (بـ (ما) الذي)، يعني يجعل (ما) معناها (الذي) فيقول: ما له عندي شيء، بمعنى: الذي له عندي شيء، هل يكون صادقًا بهذه النية أو لا يكون؟ صادقًا بهذه النية، سواء نوى مكانًا آخر أو نوى بـ (ما الذي) فهو صادق.
في هذه الحال، هل يجب أن يتأول أو لا؟ يجب أن يتأول؛ لأن تأوله من باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، وهذا من حِفظ الأمانة، فنقول: التأويل هنا جائز، بل واجب.
هذا الظالم إذا قال: والله ما له عندي شيء، ونوى مكانًا غير مكانه، أو نوى بـ (ما الذي)، يقتنع أو لا يقتنع؟ يقتنع؛ لأن ظاهر اللفظ أنه نفى أن يكون عنده شيء، فيقتنع وينصرف.
إذا كان ظالمًا كرجل سرق مال زيد، فادعى زيد أن فلانًا سرقه، وتحاكما إلى القاضي، وقال: له عندي سرقة، فقال هذا السارق: والله ما له عندي سرقة، ونوى: الذي له عندي سرقة، ينفعه ظاهرًا أو لا ينفعه؟ ظاهرًا ينفعه، وسيحكم القاضي ببراءته، لكن باطنًا لا ينفعه، لماذا؟ لأنه كان ظالمًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ» (2)، ما هو على نيتك أنت، على ما يصدقك به، فلا ينفعه التأويل.
إذن ضربنا مثلين الآن للمظلوم وللظالم.
بقي عندنا ما ليس ظالمًا ولا مظلومًا، وهذا يقع كثيرًا، مثال ذلك: رجل يتحدث إلى قوم حديث مجالس فيقول: والله ما طعمتُ البارحة شيئًا، ما طعمتُ شيئًا، هل عندك من فطور، (... ) البارحة؟ قال: والله ما تعشيت، ويريد ما تعشى قبل البارحة مثلًا أو ما تعشيتُ لليلة المقبلة.
هذا جائز، لكن لا شك أن تركه أولى، بل إنه لو قيل بالتحريم كما قال شيخ الإسلام لكان له وجه؛ لأن صاحبك إذا عثر بعد ذلك على خلاف ما قلت صار لا يصدقك، وصار يعتقد أن كل شيء تتكلم به فهو مؤول، وهذا وصمة عار على الإنسان.

إذا كان هذا في الحرب، وتأول في الحرب خداعًا للعدو، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، وهذا هو الكذب الذي جاء في الحديث أنه يجوز في الحرب.
طيب، لو كان للإصلاح بين اثنين، جاءك رجل يقول: ما تقول في فلان، هذا الذي يسبني عند الناس ويغتابني؟ فتحب أن تصلح بينهما، فتقول: والله ما قال فيك شيئًا، يعني الذي قال فيك شيء، أو تقول: والله ما قال فيك شيء، يعني الساعة الثانية عشرة ليلًا، يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، هذا للإصلاح بين الناس.
فإن طلب منك قال: قل والله ما قال فيَّ شرًّا، ما هو شيء، والله ما قال فيَّ شرًّا.
قال: طيب، والله ما قال: فيك شر، وينوي (الذي) يعني: الذي قال فيك شر.
صادق ولَّا غير صادق؟ صادق، لكن هو يريد أن يُصلح بين الناس.
هذا طيب، ويُحمد عليه الإنسان.
إنسان مثلًا يتحدث مع زوجته، والذي ينبغي بين الزوجين أن يفعل كل منهما ما يجلب مودة الآخر، لتبقى العشرة طيبة.
فأتى هذا الرجل بحلي لزوجته اشتراه بعشرة ريالات، فأعجبها فقالت: بكم اشتريت هذا؟ قال: اشتريته بأربعين، وهو قد اشتراه بعشرة.
ويش الأربعين هذه؟ أربعين ربعًا، إي نعم، هو ينوي أربعين ربع ريال؛ لأن عشرة في أربعة بأربعين، هو ينوي أربعين ربعًا، وهي تعتقد أنه أربعون ريالًا.
هي على كل حال إذا قال بأربعين وهو قيمته عندها من العشرين إلى (... ) سوف تنتفخ وتقول: هذا الرجل الغالي الذي يشتري لي بأغلى الأثمان.
هذا مطلوب ولَّا غير مطلوب، ولهذا جاء فيه إباحة الكذب في تحديث الرجل امرأته وتحديثها إياه.
هذا واضح، لكن لاحظ أننا نقول فيما يجوز من التأويل بشرط أن نأمن من العثور على الواقع؛ لأننا إذا لم نأمن العثور على الواقع، ثم وقع الأمر على خلاف ما فهمنا من تأويله، صار هذا يدعو إلى الشك في كل ما تحدث به.
يكون الناس كلما تحدث قالوا: هذا الرجل تأول.

أحيانًا إذا ظن صاحبك أنك متأول، قال: اقسم لي أنك ما تأولت! إي نعم، هذا واقع: اقسم لي أنك ما تأولت؟ أقدر أقول له إني ما تأوَّلت وأقسم، وأتأول في هذا! ! نعم، أليس كذلك؟ طالب: (... ). الشيخ: إي، والله ما تأولت وأقصد: ما تأولت سوى ما في ضميري، وينتهي الموضوع.
فالمهم على كل حال، الإنسان يستطيع أن يتأول، لكن التأويل فيه أقسام.
ذُكر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إن في التأويل لمندوحة عن الكذب (3). وقد جاء رجل إلى الإمام أحمد رحمه الله يسأل عن بعض الطلبة -أظنه المروذي- وكان الإمام أحمد لا يحب أن يفارق مجلسه، قال: ليس المروذي هاهنا، وما يصنع المروذي هاهنا؟ وراح الرجل والمروذي موجود، لكنه يقول: هاهنا، يقول: كذا بيده، يعني: ليس في اليد.
وهذا صحيح.
وإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام تأول، قال للملك الظالم: هذه أختي، وهي زوجته، لكن أختي أراد أختي في الدين (4). طيب، نرجع إلى كلام المؤلف.
قال: (فإن حلَّفَهُ ظالمٌ: ما لزيدٍ عندَك شيءٌ، وله عنده وديعةٌ بمكانٍ، فَنَوى غيرَه)، كيف (بمكان، فنوى غيره)؟ تكون الوديعة في الحجرة ونوى هو السطح.
(أو بـ (ما) الذي)، يعني جعل (ما) النافية في قلبه بمعنى (الذي).
(أو حَلَف: ما زيدٌ هاهنا، ونَوَى غيرَ مكانِه)، حلف ما زيد هاهنا وينوي مكانًا آخر وهو موجود عنده، يجوز أو لا؟ يجوز.
غاية ما في ذلك أنه استعمل الإشارة للقريب مكان البعيد.
(أو حَلَف على امرأتِه: لا سَرقتِ مني شيئًا فخانتْه في وديعتِه)، قال لها: والله لا تسرقي مني شيئًا.
هي لم تسرق، لكن خانته في الوديعة، و (لا سرقْتِ) ليس معناها الماضي؛ معناها المستقبل، معنى (لا سرقت) لن تسرقي، فاستودعها يومًا من الأيام وديعة فأنكرت الوديعة، هل تُعد سارقة؟ لا، السارق هو الذي يأخذ الشيء بخُفية.
ولهذا قال: (ولم ينوِها) يعني لم ينوِ بالسرقة كل شيء تأخذه من ماله بغير حق.

(لم يحنَثْ في الكلِّ)، بناءً على أنه أراد بلفظه ما يخالف ظاهره.
إذن التأويل فيه مندوحة عن الكذب، لكن هل يجوز أو لا يجوز؟ عرفتم التفصيل.


باب الشك في الطلاق

ثم قال: (بابُ الشَّكِّ في الطلاق).
الشك: التردد فيه، وأسباب الشك كثيرة، فقد يتردد في وجود سببه، وقد يتردد في وقوعه.
واعلم أن الشك في الطلاق لا يعتبر إذا كان من موسوس، ولهذا صرح كثير من العلماء بأن الموسوس لا طلاق عليه؛ لأنه موسوس.
والموسوس -نسأل الله لنا ولكم السلامة- يشك في كل شيء، ينتهي من الوضوء، يشك هل نوى؟ يُصلي ويشك هل نوى؟ وأشياء كثيرة.
فيه الشك في الطلاق، يشك هل طلَّق أو لا؟ هل علقه على شيء أو لا؟ هل هذا الشيء الذي علقه عليه وُجِد أو لا؟ المهم أن الشك كثير، فنقول أو (... ): من كثرت شكوكه في ذلك فلا عبرة به، أي بشكه؛ لأنه وسواس، والوسواس لا يقع به الطلاق.
ومن كان شكُّه معتدلًا وحقيقيًّا، فهنا قال بعض العلماء: إن الورع التزام الطلاق مع الشك، وقال آخرون: الورع عدم التزام الطلاق مع الشك.
أيهما أصوب؟ الأول ولَّا الثاني؟ طالب: الثاني يا شيخ.
الشيخ: بعضهم قال: الورع التزام الطلاق، وقال بعضهم: الورع عدم التزام الطلاق؟ طالب: الثاني.
طالب آخر: الأول.
الشيخ: الأول.
طالب: الثاني.
الشيخ: الثاني.
اختلفتم كما اختلف العلماء من قبلكم؛ بعضهم يقول: الورع التزام الطلاق، وبعضهم قال: الورع عدم التزام الطلاق، وهذا هو الصواب: أن الورع عدم التزام الطلاق؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فالورع التزام النكاح، ولأننا إذا قلنا: إن الورع التزام الطلاق وفرَّقنا بينهم، ارتكبنا محظورين: الأول: التفريق بين الزوجين، والثاني -وهو أشد-: إحلال هذه المرأة لغيره؛ لغير الزوج، وقد تكون إلى الآن في عصمته.
فإن قال: أنا ما لي وللشك، أبتها الآن.
نعم، هذا يوجد يا إخوان، يوجد، فمن شدة الضغط النفسي عليه بالشك قال: خلاص أستريح، هي طالق، ثم يطلق.
هل يقع الطلاق؟

طالب: لا يقع.
طالب آخر: يقع.
الشيخ: لا يقع الطلاق.
الطالب: (... ). الشيخ: ما يقع الطلاق.
وأنت ليس لك زوجة، وإلا قلت لا يقع الطلاق! ! هو على كل حال لا يقع الطلاق، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» (5)، وهذا مغلق عليه المسكين لشدة ما وقع في نفسه من الشك والضغط النفسي طلَّق.
نقول: لا طلاق عليه.
نظيره من بعض الوجوه، واحد يستفتي، يقول: والله أنا شكيت هل أحدثت ولَّا لا؟ شك هل أحدث ولَّا لا؟ قال: إذن أروح الحمام علشان أنقض وضوئي يقينًا! هل هذا طريق مشروع؟ لا، الطريق المشروع ألا تلتفت إلى هذا الشك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6)، وهذا هو الحل الصحيح؛ لأنك لو ذهبت وتوضأت، ثم عدت، سوف يعود عليك الشك، تروح تتوضأ على قاعدتك، لكن على القاعدة النبوية لا تلتفت، الأصل بقاء الطهارة، وهذا أصل أسسه النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ليعم كل شيء موجود الأصل بقاء وجوده، ولا تلتفت للشك، فتستريح.
ويأتي إن شاء الله بقية الكلام على الشك في الطلاق.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، أحيانًا إذا أراد شخص أن يصلح، ولكن لا (... ) عليه التأويل، فهل يأثم؟ الشيخ: لكن يكذب؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: معلوم.
الطالب: بنية الإصلاح.

الشيخ: ما يجوز، ولهذا الكذب في الإصلاح بين الناس، الظاهر أن مراد الرسول عليه الصلاة والسلام هو التأويل، ولهذا قال: إن إبراهيم كذب في ثلاث (4)، وإبراهيم ما كذب، ولكنه تأوَّل؛ لأن الكذب من خصال المنافقين، ولا يمكن أن يُباح، لكن هذه الصورة التي ذكرت ترد فيما لو أُكرِه على الطلاق، أُكرِه أن يطلق، فإن استحضر التأويل سهل عليه الأمر، فيقول: هي طالق؛ يعني من قيد، يعني غير موثَّقة، وهذا لا شك أنه ينفعه؛ لأنه مظلوم، لكن لو قال: هي طالق بناءً على الإكراه، فهذا فيه خلاف بين العلماء، والصواب أنها لا تطلق، ما دام فِعْله إياه لداعي الإكراه فلا تطلق، لكن لو نوى الطلاق؛ لأنه أُكرِه لا دفعًا للإكراه، فقيل: يقع، وقيل: لا يقع، والصواب أنه لا يقع.
ففهمتم الآن أن المسألة لها ثلاث حالات، فهمتوها الثلاث حالات؟ طالب: حالتان.
الشيخ: لا، ثلاثة؛ الحال الأولى: أن يتأول؛ هذه واضحة ولَّا لا؟ ويش ينوي بطالق؟ طالق من وثاق.
الحال الثانية: أن ينوي دفع الإكراه، ما نوى الطلاق، لكن يقول: أنا بفتك منهم، فهذه لا تطلق.
الحال الثالثة: أن ينوي الطلاق، لكن لأنه أُكره عليه، فالصواب أنها لا تطلق أيضًا؛ لأنه في الواقع مُكره على الطلاق.
طالب: شيخ، بالنسبة لو اتصل واحد يتكلم في التلفون وقال: فلان موجود، وأشرت إلى الزاوية وقلت: ما هو موجود هنا.
بعض العلماء في سِيرهم يقول: ليس موجودًا هنا، فهل هذا من الكذب أو من التأويل؟ الشيخ: من التأويل.
الطالب: وجائز؟ الشيخ: إي، جائز ما فيه شك، إن كان لمصلحة فهو مطلوب، وإن كان لدفع ضرر على الرجل فهو واجب.
الطالب: عن نفسه يا شيخ، يسأل عني؟ الشيخ: يسأل عنك؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: كيف يسأل عنك وأنت تجاوبه؟ أو ما يعرف صوتك؟ الطالب: ما يعرف صوتي، وقلت: ما هو في الزاوية هذه مثلًا.
الشيخ: يعني مثلًا أنت اسمك محمد؟ الطالب: أنا اسمي فيصل.
الشيخ: يلَّا يا فيصل، (... ) عليك: وين فيصل؟

الطالب: ما هو موجود هنا.
الشيخ: إي، لا بأس، ما فيه مانع.

طالب: في عصرنا هذا يا شيخ كثرت التورية، فهل يصح أن تكون تربية إسلامية أن نقول: إنه حرام يا شيخ؟ الشيخ: والله المسألة -كما قلت لك- كلام شيخ الإسلام رحمه الله جيد؛ لأن الإنسان إذا اطلع على أنه كلما تكلم، وإذا هو متأول أو مُوَرٍّ، لا يثق الناس به.
طالب: (... ). الشيخ: ولا هو بالناس رايحين كلما تكلم قالوا له: احلف، وإذا حلف كما قلت لكم: يتأول في حلفه.
انتهى الجواب ولَّا لا؟ الطالب: (... )؟ الشيخ: ويش اللي فيه؟ الطالب: هل هو حرام ولَّا لا يجب؟ قل لي يا شيخ؟ الشيخ: إي نعم، نوع التربية هذه، نقول: إن كلام شيخ جيد، إنه حرام (... )


طالب: رحمه الله تعالى: بابُ الشَّكِّ في الطلاق، من شكَّ في طلاقٍ أو شَرْطِهِ لم يَلْزَمْه، وإن شكَّ في عَددِه فطلْقةٌ، وتباحُ له، فإذا قال لامرأتَيْهِ: إحداكُما طالقٌ، طلُقتِ المَنْويةُ وإلا من قُرِعَتْ، كمن طلَّقَ إحداهُما بائنًا ونسيها، وإن تبيَّنَ أن المطلَّقةَ غيرُ التي قُرعتْ رُدَّتْ إليه ما لم تتزوجْ أو تكن القُرْعةُ بحاكمٍ.
وإن قال: إن كان هذا الطائرُ غُرابًا ففلانة طالقٌ، وإن كان حمامًا ففلانة، وجهل لم تطلُقا، وإن قال لزوجتِه وأجنبيَّةٍ اسمُهما هندٌ إحداكُما أو هندٌ طالقٌ طلُقَتْ امرأتُه، وإن قال: أردتُ الأجنبيةَ لم يُقبلْ حُكمًا إلا بقرينةٍ، وإن قال لمن ظنَّها زوجتَه: أنتِ طالقٌ طَلُقتِ الزوجةُ، وكذا عكسُها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والشَّك في الطَّلاق) وقبل أن نبدأ بالشك في الطلاق نسأل: التأويل هو أن يريد بلفظه ما يخالف ظاهره، وهل هو جائز؟ طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل.
الطالب: أن يكون ظلمًا.
الشيخ: إن كان ظالمًا لم ينفعه ولَّا نَفَعه؟ الطالب: نعم، لا يجوز.
الشيخ: أقول: هل ينفعه التأويل أو لا؟ الطالب: لا ينفعه.

الشيخ: لا ينفعه إذا كان ظالمًا.
هذا واحد، هات التفصيل؟ الطالب: الثانية: جائز إذا.. الشيخ: إذا كان مظلومًا، فهو؟ الطالب: جائز.
الشيخ: فهو جائز، وقد يكون واجبًا.
الثالث؟ الطالب: ما أعرف.
الشيخ: ما تعرف؟ وليد يعرف؟ طالب: نعم يا شيخ، غير المظلوم والذي.. الشيخ: الذي ليس بمظلوم ولا ظالم؟ الطالب: هو جائز يا شيخ، لكن الأفضل تركه.
الشيخ: فإن كان لمصلحة أو حاجة فهو جائز، وإلا ففيه قولان للعلماء؛ أحدهما: أنه حرام، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، والثاني: أنه جائز.
انتبهوا لهذا، هذه قواعد وأصول، ما هي مسائل فردية، لازم تمكث في أذهانكم وإلا خسارة.
طيب، المهم التأويل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أن يكون من ظالم فحرام، أن يكون من مظلوم فجائز وقد يكون واجبًا، أن يكون من لا ظالم ولا مظلوم؛ فهذا إن كان لمصلحة أو حاجة فهو جائز، وإلا فإن من العلماء من حرمه؛ لأنه إذا اطُّلع عليه صار كاذبًا عند الناس.
ثم قال: (باب الشك في الطلاق) الشك في الطلاق هو التردد بين قوله أو عدم القول، يعني هل طلق أم لا، أو الشك فيمن وقع عليه الطلاق من النساء، هل هي هند أو عائشة، فالشك إذن يكون في صيغة الطلاق، هل تلفَّظ بها أو لا، وفيمن وقع عليه الطلاق هل هي هند أو دعد؟ واعلم أن الشك لا عبرة به إذا وقع من شخص كثير الشك؛ لأنه حينئذٍ يكون موسوسًا، وطلاق الموسوس لا يقع، حتى لو صرَّح به، فإن بعض الناس -نسأل الله العافية- يقع في قلبه شك، هل طلق أم لا؟ حتى تصل به الحال إلى أن يقول: ما لي ولهذا القلق؟ امرأتي طالق! فهل يقع الطلاق في هذه الحال؟ لا يقع؛ لأن هذا عن غير إرادة، كالمكره عليه.

واستطردنا بذكر ما يفعله بعض الناس إذا شك هل أحدث أو لا، ذهب يُحدِث ليقطع عنه الشك، وهذا غلط؛ الذي يقطع الشك هو الأخذ بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6). إذن الشك في الطلاق إذا وقع من موسوس كثير الشكوك لا عبرة به.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله الحكم، فقال: (من شكَّ في طلاقٍ أو شَرْطِهِ) وينبغي أن يزيد: أو عين المطلقة، لكن هذا لما كان فيه التفصيل أهمله المؤلف في هذا الكلام، قال: (من شكَّ في طلاقٍ أو شَرْطِهِ لم يَلْزَمْه).
(شك في طلاق) يعني هل طلَّق أو لا؟ فلا يلزمه الطلاق؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم في المتطهِّر يشك هل أحدث: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» (6). (أو شك في شرطه) يعني علق الطلاق على شرط، وشك هل وقع هذا الشرط أو لا؟ فإن الطلاق لا يقع؛ لأنه شك في سببه، والأصل عدم الطلاق، مثل أن تخرج امرأته للسوق فيشك هل قال: إن خرجتِ إلى السوق فأنتِ طالق أو لا؟ فإن الزوجة لا تطلق؛ لأن الشك في شرطه كالشك في أصله.
(وإن شكَّ في عَددِه فطلْقةٌ، وتباحُ له).
الشك في عدد الطلاق الأصل، البناء على الأقل، ولهذا قال: (فطلقة)، هذا إذا شك هل طلق ثلاثًا أم واحدة؟ أما إذا شك هل طلق ثنتين أم ثلاثًا فكم يلزمه؟ يلزمه اثنتان.
والخلاصة أن الشك مرفوض مطروح، إن شك في ثلاث أو واحدة فهي واحدة، في ثلاث أو ثنتين فهما اثنتان.
قال: (وتباح له) أي تباح له الزوجة التي شك في عدد طلاقها، أو شك في طلاقها.
(فإذا قال لزوجتيه: إحداكُما طالقٌ، طلُقتِ المَنْويةُ وإلا من قُرِعَتْ).

إذا قال: إحداكما طالق، قلنا: من تريد؟ قال: أريد الصغيرة، تطلق الصغيرة.
قال: أريد الكبيرة، تطلق الكبيرة.
حسب نيته، فإن لم ينوِ شيئًا أقرع بينهما، فمن غُلبت فهي المطلقة، والثانية تحل له أو لا تحل؟ تحل، مع احتمال أن تكون هي المطلقة، لكن قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. وليس لنا طريق إلا القرعة؛ لأننا لو قلنا: تطلق المرأتان، كان ذلك إلزامًا له بما لم يلتزمه، ليش؟ لأنه قال: (إحداكما)، واحدة، فإذا قلنا: تطلق المرأتان، فهو ظلم له، وليس ظلمًا له وحده، بل ظلم للزوجة.
ثم ليس ظلمًا للزوجة وحدها، بل ظلم لمن يتزوجها بعد؛ لأن من سيتزوجها سيكون في شك.
إذا قلنا: تطلق واحدة، فمن الواحدة؟ مَنْ؟ مجهولة، هو لم ينوِ شيئًا بقلبه، إذن مَنْ؟ نقول: ما فيه إلا القرعة، فلو قال هو: أنا لم أنوِ شيئًا عند الطلاق، لكني الآن أختار أن تكون فلانة، فهل تتعين؟ نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من القرعة، والذي يظهر أنه لا بأس أن يعينها، ما دام أبهم وهو المسئول ثم عين، فإننا نرجع إلى تعيينه ونقول: تطلق التي عينها، لكن المؤلف يرى أنه لا بد من القرعة.
(كمن طلَّقَ إحداهُما بائنًا ونسيها) أو (وأُنْسِيَهَا) عندي.

يعني (كمن طلَّقَ إحداهُما) أي إحدى الزوجتين (طلاقًا بائنًا وأنسيها)، فماذا يصنع؟ هو عيَّن، قال: فلانة طالق ثلاثًا، أو كانت هذه الطلقة بالنسبة لها آخر طلقة، لكن نسي من طلق؟ نقول: استعمل القرعة، مع أنها الآن إذا وقعت عمن لا تبين بهذه الطلقة، فما أسهل أن يُراجعها، يراجعها وينتهي الموضوع إذا كان يريدها، لكن إذا وقع على مَنْ تبينها الطلقة فهو مُشكِل، ونقول: الحمد لله، لا إشكال، ما دام الرجل نسيَ ونقول: تذكر، يقول: ما أتذكر، نمهله يومًا أو يومين، ونقول: تذكَّر، فإذا لم يتذكر فليس فيه إلا القرعة حتى تبقى الثانية حلالًا له.
هل لنا أن نأمره أن يصلي ليتذكر؟ طالب: (... ). الشيخ: تقوله؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ويش دليلك؟ الطالب: الشيطان سوف يأتيه ويوسوس له في صلاته (... ). الشيخ: أخشى أن الشيطان يوسوس له بكل شيء إلا ها المسألة.
الطالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، لكن يُذكر عن أبي حنيفة رحمه الله أن رجلًا استفتاه في مسألة نسيها، وكانت مسألة كبيرة، فقال له: اذهب وتوضأ وصَلِّ.
فذهب الرجل وصلى، وإذا بالشيطان يلقيها في قلبه.
فرجع إليه فقال: نعم، إن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بأن «الإِنْسَان إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ أَتَاهُ الشَّيْطَانُ وَقَالَ لَهُ: أَتَذْكُرُ كَذَا؟ أَتَذْكُرُ كَذَا؟ أَتَذْكُرُ كَذَا؟ » (7) إي نعم.
قال: (وإن تبيَّنَ أن المطلَّقةَ غير التي قُرعتْ رُدَّتْ إليه ما لم تتزوجْ أو تكن القُرْعةُ بحاكمٍ) يعني بعد أن أقرع بينهما تبين أن المطلقة غير التي قُرعت، مثاله: طلق إحدى زوجاته، وضرب قرعة، ثم بعد ضرب القرعة تبين أن التي قرعت ليست المطلقة؛ يعني ذَكَر أو ذُكِّر فنقول: ترد إليه، من الذي يرد إليه؟ التي قُرعت، وتطلق الأخرى؛ لأنه أمكننا الآن أن يصل إلى اليقين بدون قرعة.

ولهذا قال: (ردت إليه ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم)، فإن تزوجت فإنه لا يمكن أن ترجع إليه؛ لأنها تعلق بها حق الزوج الثاني، وإن كانت القرعة بحاكم فلا يمكن أن ترد إليه؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، كيف بحاكم؟ يعني أن يكون هذا الرجل تحاكم مع الزوجة عند القاضي وأمر بالقرعة، فإنها لا ترد إليه، وعللوا ذلك بأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، ويقطع النزاع.
(وإن قال: إن كان هذا الطائرُ غُرابًا ففلانة طالقٌ، وإن كان حمامًا ففلانة، وجهل لم تطلُقا)، لا هذه ولا هذه.
هذا رجل مر به طائر، فقال: إن كان هذا الطائر حمامة فهند طالق، وإن كان غرابًا فدعد طالق.
الطائر راح، ذهب، ولا ندري ما هو، من يطلق منهما؟ لا طلاق؛ لأنه يحتمل أنه ليس غرابًا ولا حمامة، وحينئذٍ نكون قد شككنا فيمن وقع عليها الطلاق، فلا يقع، بل لا نقول شككنا فيمن وقع عليها الطلاق، بل شككنا في وقوع الطلاق على واحدة منهما؛ لأننا لا ندري إن كان غرابًا أو كان حمامًا أو كان غيرهما.
فإن قال: إن كان هذا الطائر غرابًا فهند طالق، وإن كان غير غراب فدعد طالق، ماذا يكون؟ لا بد أن إحداهما طلقت؛ لأن هذا الطائر إما غراب أو غير غراب؛ إحداهما طلقت، كيف نعرفها؟ بالقرعة، نعم، نعرفها بالقرعة.
(وإن قال لزوجتِه وأجنبيَّةٍ اسمُهما هندٌ: إحداكُما، أو قال: هندٌ طالقٌ طلُقَت امرأتُه) رجل وجد امرأته ومعها امرأة أخرى، فقال: إحداكما طالق.
من المعلوم أنه لا يمكن أن يقع الطلاق على المرأة التي ليست زوجته، من يطلق إذن؟ الزوجة.
أو (اسمُهما هندٌ) الزوجة اسمها هند، والأخرى اسمها هند، فقال: هند طالق، من يطلق؟ طالب: زوجته.

الشيخ: والأخرى؟ هو ما عين، قال: هند، وكل منهما تسمى هندًا؟ يقع الطلاق على زوجته؛ لأنه لا يملك طلاق هند التي ليست زوجة له، فإن كان قد وكل في طلاقها وقال: هند طالق، وكلتاهما اسمها هند، من يطلُق؟ تطلق إحداهما بقرعة، ولكن في هذا المثال يغلب على الظن، تسعين في المئة أو أكثر أنه أراد الزوجة التي وُكِّل في طلاقها؛ لأنه ليس بينه وبين زوجته مشكل، فيُحمل على التي وُكِّل في طلاقها، إلا أن يكون له نية، فعلى ما نوى.
(وإن قال: أردتُ الأجنبيةَ لم يُقبلْ حُكمًا إلا بقرينةٍ).
(إن قال: أردت الأجنبية) في أي مسألة؟ في قوله: (إحداكما طالق)، أو قوله: (هند طالق) وكلتاهما اسمها هند.
(إذا قال: أردت الأجنبية) يعني من ليست زوجة لي، فإنه (لم يُقبل حُكمًا) أي فيما لو ترافع هو وامرأته إلى القاضي، فالقاضي لا يقبل قوله؛ لأنه خلاف الظاهر؛ إذ إن الإنسان لا يطلق إلا من يملك طلاقها.
فإن قال قائل: هل يُفهم من كلام المؤلف أن الزوجة لو سكتت فهي باقية في عصمته؟ الجواب: نعم، يُفهم ذلك.
وهكذا كلما سمعتم من قول العلماء: لم يقبل حكمًا؛ أي: ويقبل فيما بينه وبين الله.
فإذا قال قائل: في المسائل التي لا يُقبل فيها حكمًا، هل الأولى أن تُرافِع الزوجة زوجها حتى يحكم القاضي، أو الأولى ألا ترافعه؟ في ذلك تفصيل؛ إن علمت أن زوجها رجل ورع يخاف الله، فلا تُرافعه؛ لأن القاضي سوف يحكم بخلاف ما قال الزوج، وإذا كان الزوج متلاعبًا، وتعرف أن الرجل لا ورع عنده، وأنه إنما يريد زوجته لئلا تفوته، فهنا يجب عليها وجوبًا أن ترافعه إلى الحاكم لئلا يستبيح منها ما كان حرامًا.
(وإن قال لمن ظنَّها زوجتَه: أنت طالقٌ؛ طَلُقتِ الزوجةُ).

جارٍ التحميل