الشيخ: هو ما يثبت -يقول شيخ الإسلام في زمنه وهو بالقرن السابع- يقول: ما ثبت في الإسلام عن طريق الشهادة، إنما يثبت عن طريق الإقرار، ييجي الإنسان بعدما يقع منه هذا الشيء ويُقِرّ عند القاضي الإقرار الذي يُعْتَبَر ويقام عليه.
الطالب: ألا يكفي (... )؟
الشيخ: لا، ما يكفي؛ لأنها قد تكون مكرهة وقد تكون زوجها تركها من غير جماع.
يقول: (ولا تَحِلُّ بِوَطْء دُبُرٍ، ووطء شُبْهة).
ما تحل بوطء شبهة، وقد سبق لنا أن الشبهة نوعان: شبهة عقد، وشبهة اعتقاد؛ أما شبهة العقد فمعناه أن يعقد عليها عقدًا يتبين أنه غير صحيح، وأما شبهة الاعتقاد فأن يطأها يظنها زوجته، وما فيه عقد ولا شيء، لكن هو ظن أنها زوجته؛ هذه شبهة الاعتقاد، هي ما تحل بوطء شبهة.
والظاهر أن المراد بالشبهة في كلام المؤلف هنا شبهة الاعتقاد؛ لأنه قال: (ومِلْكِ يمينٍ ونكاحٍ فاسدٍ).
فشبهة الاعتقاد مثل: رجل طلَّق امرأته ثلاثًا، وبَيْنَا هي نائمة إذ أتاها رجل يظنها زوجته فجامعها، فهل تَحِلّ للأول؟ ما تحل؛ لأن هذا الوطء بغير نكاح، فهذه واحدة.
طالب: (في دُبُر).
الشيخ: قلناها وعلَّلْنَاها أيضًا.
الطالب: (... ).
الشيخ: ولا تحل أيضًا في (ملك يمين)، يعني: لو كانت الزوجة زوجة الأول أَمَة، يمكن تزوج وهي أمة؟
طالب: نعم.
الشيخ: يمكن؟ !
طالب: نعم.
الشيخ: نسيتم، هل يمكن أن تتزوج الأمة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هل هناك دليل؟
طالب: نعم.
الشيخ: وهو؟
الطالب: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25].
الشيخ: نعم، صح، يمكن تتزوج الأمة إما من رقيق، وإما من حر بالشروط التي أشار الله إليها في القرآن.
المهم زوجته أَمَة فطلَّقها، لما طلَّقها وانتهت عدتها تحل لسيدها ولّا ما تحل؟
طالب: نعم.
الشيخ: انتهت عدتها من الزوج، تحل للسيد ولّا ما تحل؟
طالب: تحل.
الشيخ: تحل؟ !
طالب: لا (... ).
الشيخ: للسيد، هل تحل ولّا لا؟
طالب: تحل.
الشيخ: لكن (... ) هذا، أنها لا تحل.
طالب: تحل.
الشيخ: أنها تحل؟
طالب: لا تحل، (... ).
طالب آخر: إذا طلَّقها.
الشيخ: طلَّقها زوجها، يعني رجل له أَمَة مملوكة زوَّجها شخصًا، ثم إن الشخص طلَّقها ثلاثًا وانتهت العدة، فهل تحل لسيدها؟
طلبة: نعم تحل.
الشيخ: إي، زين، تحل لسيدها؛ لأنه مالك لها؛ إذ إن تزويجها لا ينقل ملك اليمين، فهي تحل لسيدها، سيدها جامَعها بملك اليمين واستبرأها، أو إن شئتم قولوا: إنها جاءت منه بولد، فهل تحل لزوجها الأول الذي طلَّقها ثلاثًا؟
طالب: لا، ما تحل.
الشيخ: ما تحل للزوج الأول؟
طلبة: لا.
الشيخ: برغم سيدها جامعها وحملت منه، وأتت منه بولد، وتركها السيد، خَلَّاها، فخطبها زوجها الأول؟
طلبة: ما تحل.
الشيخ: لماذا؟
طالب: ليس زوجًا لها.
الشيخ: إي؛ لأنها ما تزوجت، ولهذا قال المؤلف: (أو ملك يمين)، لو وُطِئَت بملك يمين ما حلَّت للزوج الأول؛ لأن الله عز وجل يقول: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾ [البقرة: 230]، وهذه ما نكحت زوجًا، هذه جامعها سيدها؛ فإذن لا تحل لزوجها.
(أو ملك يمين أو نكاح فاسد)، النكاح الفاسد: ما اختلَّ فيه شرط من شروط الصحة، أو وُجِد فيه مانع من موانع الصحة، هذا النكاح الفاسد، ولكن هل هو الباطل أو غيره؟
طلبة: غيره.
الشيخ: ويش الفرق بينهما؟ الفرق بينهما أن الباطل ما أجمع العلماء على فساده، هذا الباطل، وأما الفاسد فهو ما اختلف العلماء في فساده، ولا فرق عندنا في مذهب الحنابلة بين الفاسد والباطل إلا في موضعين فقط؛ هذا الباب -باب النكاح- وباب آخر.
طالب: الحج.
الشيخ: وفي الحج، فإنهم يفرِّقون بين الفاسد وبين الباطل، يقولون: إن الباطل هو ما حصل فيه مُبْطِل كالرِّدَّة مثلًا، لو ارتد وهو في أثناء الحج -والعياذ بالله- بطل، والفاسد هو الذي جامَع فيه قَبْل التحلل الأول.
وهذه قاعدة أصولية أنه في مذهب الحنابلة لا فرق بين الفاسد والباطل إلا في موضعين فقط؛ أحدهما في باب الحج، والثاني في باب النكاح، فالفاسد هو الذي اختلف فيه العلماء، والباطل هو الذي أجمع عليه العلماء.
طالب: (... ).
الشيخ: باب الحج، إذا جامَع الإنسان قبل التحلل الأول، زوجته، ويش يصير حجه؟
الطالب: يفسد.
الشيخ: فاسدًا.
الطالب: نعم.
الشيخ: إذا ارتد في أثناء الحج بطل الحج.
إذن هنا نقول: هذا رجل طلَّق زوجته ثلاثًا واعتدت وبانت منه، فتزوجها رجل آخر بعقد تامةٍ شروطُه، ودخل عليها وجامَعها، ثم شهدت امرأةٌ ثقة بأنها أرضعته وزَوْجَتَه؛ أرضعت الزوج الثاني وزوجته، ما تقولون، هل تحل للأول ولّا لا؟
طلبة: لا، ما تحل.
الشيخ: ما تحل؟ ! تزوَّجها الثاني بعقد وشهود ووثيقة وكل شيء، ما تحل للأول؟
طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأن العقد هذا باطل، تبيَّن أن هذا العقد باطل، وأن الزوج ليس بزوج، الزوج ظاهرًا ما هو حقيقة، ليس بزوج، فلا تحل للزوج الأول، وكذلك لو تزوجها بلا وَلِيّ -على رأي مَن يرى أن الولي شرط لصحة النكاح- فإنها لا تحل.
مثال ذلك: رجل طلَّق زوجته ثلاثًا واعتدت منه، ثم تزوَّجها رجل آخر، وصار العاقد لها أبَا أُمِّهَا، أبو أمها هو اللي عقد لها، ودخل عليها الزوج الثاني وانتهت العدة وكل شيء، وطلَّقها الزوج الثاني، هل تحل للأول؟
طالب: في المذهب لا.
الشيخ: نعم، ما تحل، ليش؟ لأن أبَا الأم ليس وليًّا، وعلى هذا فقد تزوجت بدون وَلِيّ، فيكون النكاح فاسدًا، فلا تحل للزوج الأول.
(... )
(ولا تحل بوطء في حَيْضٍ)، يعني أن الزوج الثاني تزوجها بنكاح صحيح، وجامَعها وهي حائض ثم طلَّقها، فلا تحل للزوج الأول؛ لأن هذا الجِماع مُحَرَّم؛ لحق الله عزّ وجل، فلا تحل به، كما لو صلى في مكان مغصوب فإن الصلاة لا تصح.
كذلك أيضًا لا تحل بوطء في (نفاسٍ)؛ لأن الوطء في النفاس مُحَرَّم فلا تحل به، مثل: طلَّقها زوجها الأول وهي حامل فوضعت، فتنقضي عدتها، فتزوجها آخر وهي في نفاسها وجامَعها، فهل تَحِلّ للأول؟ لا تحل؛ وذلك لأن هذا الوطء محرَّم لحق الله، فلا يكون مؤثِّرًا كما قلنا بالحيض.
ولا تَحِلّ بوطء في (إحرام) بحج أو عمرة؛ لأن الجماع في الإحرام محرَّم، وما كان محرَّمًا فإنه لا يترتب عليه أثره، ولا يكون مصحِّحًا لشيء، كما لو صلى في أرض مغصوبة.
ولا تحلّ أيضًا بوطء في (صيامِ فرضٍ)، سواء صيام رمضان، أو صيام قضاء رمضان، أو صيام عن كفارة، أو عن فدية، أو عن أي شيء، المهم أن الصيام فرض، لماذا؟ لأنه وطء محرَّم.
وقول المؤلف: (أو صيامِ فرضٍ) مفهومه أنه لو جامعها في صيام نفل حلَّت؛ لأن الوطء جائز؛ إذ إن إتمام النفل ليس بواجب، فإذا كان إتمام النفل غير واجب فإنه يجوز للزوج أن يجامع زوجته في صيام النفل.
طالب: في الحج والعمرة إذا كانَا نفلًا؟
الشيخ: إي نعم، ما يجوز الإتمام فيه ولو كان نفلًا.
الطالب: التفريق بينهما؟
الشيخ: لأن الحج والعمرة لا يجوز الخروج منهما ولو كانَا نفلَيْنِ.
قال: (أو صيامِ فرضٍ)، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وقال بعض أهل العلم: إنها تحل بالوطء في هذه الأحوال؛ لعموم الحديث، فإن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» (4)، يشمل ما إذا كان الوطء حلالًا أو حرامًا، ولكنه يكون آثمًا، وليس الوطء عبادة حتى نقول: لا يصح مع التحريم، كالصلاة في أرض مغصوبة، وإنما الوطء شرط للحِلّ، وهذا القول أصح، ولذلك لو أنه سافر سفرًا محرَّمًا كان القَصْر والفطر فيه جائِزَيْنِ عند أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم؛ لأن الله عَلَّق الحكم على السَّفَر مُطْلَقًا، هذا أيضًا عُلِّق الحكم فيه على الوطء مطلَقًا، ولأنهم هم بأنفسهم يقولون هؤلاء: لو أنه جامَعها في وقت صلاة ضاقٍ وقتها، فإن ذلك يُحِلُّها للأول، مع أن الوطء في هذه الحال محرَّم، لماذا؟ لأنه يلزم منه إخراج الصلاة عن وقتها.
والصواب في هذه المسألة: أنها تَحِلّ ولو مع الوطء المحرَّم، وهو اختيار المُوَفَّق رحمه الله.
طالب: شيخ، الوطء ليس عبادة إطلاقًا؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ولو مع النية؟
الشيخ: لا، مع النية حتى المباح يؤجر عليه.
طالب: (... ).
الشيخ: قلنا الآن: أنه إذا وطئها وطئًا محرَّمًا فلا يخلو إما أن يكون لمانع يمنع الوطء فيها كالحيض والنِّفاس، أو لعبادة لا يجوز الوطء فيها؛ كالصيام الفرض والحج والعمرة، فهذه لا تحل للزوج الأول.
أو لمعنى آخر، مثل أن تكون مريضة لا يحل وطؤها لمرضها، فيطؤها في هذه الحال، أو تكون في وقت صلاة ضاقَ وقتها فيطؤها في هذه الحال، فإنها تحل للزوج الأول.
والصحيح في هذا أنه لا فرق بين الصورتين، وأنها تحل للزوج الأول في الوطء المحرَّم للحيض والنفاس، والإحرام، وصيام الفرض، وضيق الصلاة، والمرض، وغير ذلك، وذلك لأن الأحاديث عامة: «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ».
(4)
طالب: شيخ، الدُّبُر؟
الشيخ: الدُّبُر ليس وطئًا، ولا تحصل به العسيلة هذه، وإنما تحصل بالفرج.
(ومن ادَّعَت مطلَّقتُه المُحَرَّمةُ وقد غابت نكاحَ مَنْ أَحلَّها وانقضاءَ عِدَّتِها منه فله نكاحُها إن صدَّقَها وأمكنَ).
قوله: (ومَن ادَّعَت مطلقتُه المحرَّمَةُ)، من هي المطلقة المحرَّمة؟
طلبة: المطلقة ثلاثًا.
الشيخ: هي المطلقة ثلاثًا، ادعت أنها تزوجت زوجًا جامعها، ولهذا قال: (نكاحَ مَن أَحَلَّها)، وهو النكاح الصحيح الذي حصل فيه وطء بانتشار.
(نكاح مَن أحلَّها، وانقضاء عدتها منه)، قالت: إنه طلَّقها بعد أن وطئها وطئًا محلِّلًا، وانقضت عدتها، فإنها تحلّ للزوج الأول، لكن بثلاثة شروط:
أولًا: (إن صدَّقها)، فإن لم يصدقها فلا تحلّ؛ لأنه لو أقدم عليها مع عدم تصديقه بها لأقدم على نكاح لا يعلم صحته، فلا تحل.
الشرط الثاني: (وأمكن) يعني بمعنى أنه مضى زمن يمكن أن تنقضي عدتها منه، وأن تتزوج الثاني ويطلقها وتنقضي عدتها منه، هذا معنى (أمكن).
وما مقدار المدة التي يمكن؟
طالب: أقل شيء تسعة وعشرون يومًا.
الشيخ: كيف تسعة وعشرون؟ هي طلَّقها زوجها وادَّعَت أنها انقضت عدتها، وأنها تزوجت، وأن الزوج الثاني جامعها بانتشار، وأنه فارقها وانقضت عدتها منه، كم من الزمن؟
طالب: تسعة وعشرون ولحظة (... ) أو أقلَّه.
طالب آخر: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة شهور؟
الطالب: هذا الممكن يعني.
الشيخ: الممكن ثلاثة شهور، يعني تسعين يومًا؟
الطالب: نعم.
طالب آخر: إن كانت من ذوات الحيض (... ).
طالب آخر: أقله أن يكون للزوج الأول (... ) يوم ولحظة، وللزوج الثاني عدة يوم ولحظة، هذا أقل ما يمكن.
الشيخ: إي لكن في شهرين لا بد من بينة، في شهرين ما تُقْبَل إلا ببينة على المذهب.
الطالب: هذا أقل ما يمكن.
الشيخ: هو أقل ما يمكن تسعة وعشرون ولحظة على المذهب، وتسعة وعشرون ولحظة هذه ثمانية وخمسون يومًا ولحظتان.
طالب: ويوم الزواج.
الشيخ: لا، يمكن يعقد عليها في الحال، لكن هذا يا جماعة الآن ما عندها إلا نفسها هي، ما فيه بينة.
ويقولون: إذا ادعت في شهر لا بد من بينة، معناه: لازم أن يكون الممكِن أكثر من شهرين.
طالب: شيخ، سبعة شهور.
الشيخ: لا، أكثر من شهرين، يعني يقولون: إن ادعت في أقل من تسعة وعشرين يومًا ما تُسْمَع دعواها، وفي تسعة وعشرين ولحظة إلى شهر تُقْبَل ببينة، وفيما زاد على ذلك تُقْبَل ولو بلا بينة.
إذن لا بد من شهرين فما زاد، إلا إذا كانت حاملًا فهذه ربما تنقضي بأقل، يمكن تضع حملها من يوم يفارقها زوجها الأول، وتتزوج وتبقى ثلاثين يومًا من الثاني وتنتهي عدتها، أو إذا كانت من غير ذوات الحيض كم عدتها؟
طالب: ثلاثة أشهر.
الشيخ: ثلاثة شهور.
المهم أن كلمة الإمكان هنا ما يمكن تتحدد بشيء معين، بل يُنْظَر في ذلك إلى نوع العدة حتى نعرف ما هو الإمكان وما هو عدم الإمكان؟
بقينا في الشرط الثالث، قال: (وقد غابت)، فإن لم تكن غائبة فإن الغالب أن نكاحها يشتهر، ما دام عندهم في البلد الغالب أن نكاحها يشتهر، لا سيما إذا كنا في بلد يشتهر فيه النكاح، فإننا ما نقبل كلامها.
إذن معناه لا بد من الإمكان ولا بد من التصديق، وأما الغَيْبَة فلأنها إذا كانت حاضرة وادَّعَت النكاح ولم يشتهر فالغالب أنه غير صحيح.
(كتاب الإِيلاء)
مدخل
ثم قال المؤلف: (كتاب الإِيلاء).
الإيلاء مصدر (آلَى يُولِي إيلاء)، رباعي ولّا ثلاثي؟
طالب: رباعي.
الشيخ: إي نعم، رباعي، بدليل أنه إيلاء على وزن إكرام، أَكْرَم يُكْرِم إكرامًا، وآلَى يُولِي إيلاء.
وهو: اليمين، الإيلاء اليمين، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226].
لكنه في الاصطلاح: (حَلِفُ زوجٍ.. ) إلى آخره.
فالإيلاء في اللغة: اليمين، لكنه في الشرع مُقَيَّد، والتعاريف الشرعية الغالب أنها أخص من المعنى اللغوي، المعنى اللغوي أعم في الغالب، ولذلك الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة، وفي الشرع أَخَصّ.
الصلاة في اللغة: الدعاء، وفي الشرع أخص: التعبد لله بأقوال وأفعال معلومة، الزكاة: النماء والزيادة، وفي الشرع أخص.
كل التعريفات الشرعية الغالب أنها أَخَصّ من المعاني اللغوية، إلا في مسألة واحدة: الإيمان؛ فإن الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع التصديق المستلْزِم للقبول والإذعان، هذا الإيمان، ليس مطلق الإيمان.
فهنا صار الإيمان في اللغة التصديق، وفي الشرع يدخل عليه قُيُود يشمل القول والعمل، حتى القول يُسَمَّى إيمانًا، والعمل يسمى إيمانًا في الشرع، لكنه في اللغة لا يسمى إيمانًا.
فتعريف الإيمان بأنه اعتقاد القلب وقول اللسان وعمل الأركان، هذا التعريف يجعل الإيمان أعمّ من المعنى اللغوي.
قال: وشرعًا (حَلِفُ زوجٍ)، فغير الزوج لا يكون يمينه إيلاء، فلو قال: والله لا أجامِع هذه المرأة، ثم عقد عليها، هل يكون يمينه إيلاء؟ لا؛ لأنه حين قالها ليست زوجة له، كما لو قال: هذه المرأة طالق، ثم تزوجها، فلا يقع الطلاق، حتى لو قال: إن تزوجتها فهي طالق، فإن الطلاق لا يقع؛ لأنه ليس زوجًا، وكلمة (زوج) لا يمكن أن يكون زوجًا حتى يكون العقد صحيحًا، إذن لا بد أن يكون النكاح صحيحًا.
(باللهِ تعالى أو صفتِه)، (بالله) مثل أن يقول: والله لا أطأ زوجتي، هذا (بالله).
(أو صفته)، عندي بالشرح يقول: (كالرحمن الرحيم)، وهذا خطأ، الرحمن الرحيم ليسا صفتين ولكنهما اسمان، لكن الصفة مثل أن يقول: وعزة الله وقدرة الله لا أجامع زوجتي، هذه الصفة، أما الرحمن والرحيم فإنهما من أسماء الله، ولهذا قال الله عزّ وجل: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾، إلى أن قال في آخر الآيتين: ﴿لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: 22 - 24]، فجعل الله هذه أسماء.
وعلى هذا فنقول: (بالله) مثل أن يقول: والله لا أَطَأُ زوجتي.
(أو صفة من صفاته)، مثل أن يقول: وعزةِ الله لا أطأ زوجتي، أو: وقدرته، أو: وحوله، أو يقول: أقسم بحول الله وقوته ألَّا أطأ زوجتي.
نقول: هذا يمين بصفة من صفات الله.
طالب: ورحمة الله يا شيخ؟
الشيخ: مثل هذا، لكن الغالب أنه ما يقول هذا؛ لأنه لا مناسبة بين المقسم والمقسَم عليه.
يقول: (باللهِ تعالى أو صفتِه على تَرْكِ وَطْءِ زوجتِه في قُبُلِها).
وعُلِمَ من قول المؤلف: (بالله أو صفته) أن الإيلاء لا يكون بالتحريم أو بالنذر أو بالطلاق وإن كانت أيمانًا، يعني فلو قال: لله عَلَيّ نذرٌ ألَّا أطأ زوجتي، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك ليس بإيلاء، مع أن هذا حكمه حكم اليمين، وكذلك لو قال: حرام علَيَّ أن أطأ زوجتي، فظاهر كلام المؤلف أنه ليس إيلاء.
ولكن الصواب هو القول الثاني في المذهب في هذه المسألة، وهو أن الحلف سواء بالله أو صفته، أو بصيغةٍ حكمُها حكم اليمين، فإن الإيلاء يثبت، والدليل لذلك أن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2]، والأحاديث الواردة في هذا أن الرسول آلَى من نسائه شهرًا (7)، إذا قلنا: إنه حَرَّم نساءه، أما إذا قلنا بأنه حَرَّم العسل كما هو الراجح، فإن الآية تدل على أن التحريم يمين من وجه آخر.
والحاصل أن الصواب في هذه المسألة أن كل ما له حُكْم اليمين فإنه يحصل به الإيلاء، فإذا قال: لله عليَّ نذر ألَّا أجامع زوجتي فهو إيلاء؛ لأن الله سمَّى التحريم يمينًا.
(أكثرَ من أربعةِ أشهرٍ)، وظاهر كلام المؤلف أنه لو آلَى ألَّا يطأها لمدة أربعة أشهر فليس بإيلاء، أو لمدة ثلاثة أشهر فليس بإيلاء، والصواب أنه إيلاء؛ لأن الله قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]، فأثبت الله الإيلاء، لكن جعل المدة التي يُنْظَرون فيها أربعة أشهر، فإذا قال: والله لا أجامِع زوجتي ثلاثة أشهر، فإن هذا مُؤْلٍ؛ لأنه حلف ألَّا يجامعها، ولكننا ما نقول له شيئًا الآن؛ لأنه إذا تمت المدة انحلَّت اليمين، إذا تمت ثلاثة أشهر؛ رجل قال لزوجته: والله لا أجامعك لمدة ثلاثة أشهر، فهنا نقول: هو مُؤْلٍ لكن لا نلزمه بحكم الإيلاء، بل ننظر حتى تنتهي ثلاثة الأشهر، إذا انتهت زال حكم اليمين.
من يصح منه الإيلاء
(ويصح من كافر، وَقِنٍّ، وَمُمَيِّزٍ، وغضبانَ، وسكرانَ، ومريضٍ مَرْجُوٍّ بُرْؤُه، وممن لم يَدْخُل بها).
(ويصح مِن)، ويش الضمير يعود عليه؟
طلبة: الإيلاء.
الشيخ: نعم، يصح الإيلاء.
(من كافر) دون المسلم؟
طالب: لا، والمسلم من باب أولى.
الشيخ: المسلم من باب أولى، لكن يصح من الكافر، كيف يصح من الكافر؟ وهل لنا سبيل على الكافر نلزمه بأحكام الإسلام؟ نعم، قد يُولِي من زوجته وهو كافر، ثم يُسْلِمَان جميعًا، فهل نقول: إن الإيلاء الذي في الكفر لغى أو بقي حكمه؟
يقول المؤلف: (من كافر)، إذن يبقى حكمه بعد الإسلام.
يصح أيضًا من (قِنّ)، ويش هذا الاسم، هذا ما جاءنا، ويش هو القِنّ؟
طلبة: العبد.
الشيخ: القِنّ العبد؟
طالب: القَيْن.
الشيخ: القَيْن غير القِنّ، القِنّ هو العبد المملوك كله، يسمى قِنًّا.
يصح الإيلاء من القِنّ، وهل للقِنّ زوجة؟ العبد يتزوج؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، له زوجة، فإذا آلَى صح إيلاؤه.
ويصح أيضًا من (مُمَيِّز)، مُمَيِّز له سبع سنين، آلَى من زوجته، قال لها: أعطيني الساعة ألعب بها وعيط عليها، قال: والله ما أجامعك، أو: أعطني الكورة ألعب بها، قالت: لا، قال: والله ما أجامعك ستة أشهر، مُمَيِّز كم له؟ سبع سنوات، هل يصح طلاق الْمُمَيِّز؟ تقدم لنا أنه يصح طلاق الْمُمَيِّز ويصح نكاحه أيضًا، يصح إيلاؤه.
الدليل: عموم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: 226]، ﴿لِلَّذِينَ﴾ هذه اسم موصول من صيغ العموم، فيشمل كل مَن آلَى، كل زوج آلَى وصار له امرأة صح منه الإيلاء.
طالب: طلاق المعذور؟
الشيخ: لا.
الطالب: (... ).
الشيخ: يرجّح هذا، على كل حال يستطيع.
طالب: الإيلاء لا وجه له؟
الشيخ: لا، له وجه.
طالب: قوله هنا: (مِن كافر) يعني: ما المقصد إذا تحاكم (... )؟
الشيخ: إلّا، وإذا تحاكموا إلينا.
الطالب: ما نقول: إذا أسلمَا فإن الإسلام يهدم ما قبله؟ (8)
الشيخ: لا، ما يهدم ما قبله، الأحكام الشرعية ما تنهدم، يهدم ما قبله من الذنوب والمعاصي التي هي لله.
الطالب: الإيلاء هذا معصية.
الشيخ: إي، معصية، ما يأثم، الإثم يسقط عنه، لكن الحكم يثبت له.
الطالب: (... ) الآن ثم طلق ثم رجعت إليه، يسقط؟
الشيخ: إذا طلقها طلاقًا بائنًا انقضى حكم الإيلاء، لكنه إذا كان قد حلف ألَّا يطأها فإذا عقد عليها نكاحًا جديدًا إذا وطئها يكفِّر.
طالب: (... )؟
الشيخ: أيها؟
الطالب: حكم الإيلاء.
الشيخ: يمكن يذكره المؤلف بعد.
طالب: حكم نكاح (... )؟
الشيخ: نشوف إن شاء الله.
قال: ويصح أيضًا من (غضبان)، وقد سبق لنا أن الغضب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: غضب لا يدري الإنسان ما يقول معه، فهذا لا عبرة بأقواله؛ لأنه مُغْلَق عليه ولا يدري، فهو كالسكران.
وغضبٌ يسير، يتصور الإنسان ما يقول، ولا يرى أن الغضب قد أغلق عليه تفكيرَه وتصورَه، فهذا لا أثر له، يقع معه الطلاق والإيلاء، وكل الأقوال المعتبَرَة.
والقسم الثالث: غضبٌ بينهما، بين هذا وهذا، هو يدري ما يقول لكنه مُغْلَق عليه كالْمُكْرَه على أن يقول، فقد سبق لنا أن هذا فيه خلاف بين أهل العلم، وأن الصواب أنه لا يقع منه الطلاق.
وكذلك الإيلاء، نقول: هو كالطلاق، فلو غاضَبَتْهُ زوجتُه حتى غضب وصار لا يدري ما يقول، وقال: والله ما أجامعك مدة سنة، فهنا لا يصح الإيلاء، ولا يلزمه إذا جامعها كفارة يمين.
والثاني: أن يغضب غضبًا يسيرًا فيقول هذا، فما الحكم؟ يصح الإيلاء ويُلْزَم بحكمه.
والثالث: أن يكون وسطًا، فهذا فيه الخلاف، والراجح أنه لا يلزمه شيء؛ لأنه ما يتصور ما يقول.
كذلك يصح الإيلاء من (سكران)، السكران هو الذي فَقَد عقلَه للَّذَّة والطَّرَب بتناول المسْكِر، فإذا سكِر صار يَهْذِي، وقال لزوجته: والله ما أجامعك أبدًا، هل يقع الإيلاء ولّا لا؟ المؤلف يرى أنه يقع؛ لأن السَّكَر محرَّم، فلا ينبغي أن يقابَل السكران بالرخصة وعدم المؤاخَذة بما يقول.
يقولون: السَّكَر مُحَرَّم، فلا ينبغي أن يعامَل فاعل المحرَّم بالرخصة وعدم المؤاخذة بأقواله، بل ينبغي أن يشدَّد عليه.
وعلى هذا التعليل فيُشْتَرَط في السكران أن يكون قد سَكِر على وجه مُحَرَّم، أما لو سَكِر على وجه مباح، مثل أن يشرب شرابًا ما علم أنه مُسْكِر فسكر منه، فهذا لا حَدّ عليه، يعني لا عقوبة عليه ولا حكم لكلامه؛ لأنه معذور.
ولكن المسألة الأولى -إذا كان غير معذور- يقولون: إن هذا الرجل فقد عقله بشيء محرَّم، فلا ينبغي أن يقابل أو أن يعامَل بالرخصة وعدم المؤاخَذة، وعليه فتكون مؤاخذته من باب العقوبة عليه.
والصواب خلاف هذا، وأن السكران لا حكم لأقواله؛ لا طلاقه، ولا إيلائه، ولا ظهاره، ولا عتقه، ولا وَقْفه، السكران لا يؤاخَذ بشيء أبدًا؛ لأنه فاقِدٌ عقلَه، فهو كالمجنون، وكوننا نعاقبه بأمر ليس من فعله ولا من اختياره ليس بصحيح، نعاقبه على شرب الخمر؛ لأنه باختياره، ولهذا لو نَسِي أو جهل أو أُكْرِه على شرب الخمر ما يعاقَب ولا بالجلد، هذا القول الذي قاله ما نعاقبه عليه؛ لأنه بغير اختياره، ما قال قولًا باختياره.
ثم إن عقوبة شارب الخمر معروفة وهي الجلْد، بأربعين جلدة، بستين جلدة، بثمانين جلدة، بمئة جلدة، بمئة وخمسين جلدة، أو أكثر من ذلك، حسب ما يرتدع به الناس، وعلى هذا فنحن لا نزيد على العقوبة التي جاء بها الشرع.
صحيح نزيد العدد، لكن النوعية ما نزيد، ولهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى الناس كثر منهم شرب الخمر جمع الصحابة وشاورهم، فقال عبد الرحمن بن عوف: أَخَفّ الحدود ثمانون، فأمر به فجُعِلت ثمانين.
وهذا شبه اتفاق من الصحابة رضي الله عنهم على أن عقوبة شارب الخمر ليست حدًّا، من وجهين: الوجه الأول أنه قال: أخفّ الحدود، فعُلِم أن الأربعين التي جَلَدَها النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر (9) حَدٌّ ولّا لا؟ ما هي حدّ، لو كانت حدًّا لكان أخف الحدود أربعين، بل قال: أخف الحدود ثمانون.
الوجه الثاني: لو كانت الأربعون حدًّا ما جاز لعمر ولا لغير عمر..
لا من مَجنونٍ ومُغْمًى عليه وعاجِزٍ عن وَطْءٍ لِجُبٍّ كاملٍ أو شَلَلٍ، فإذا قالَ: واللهِ لا وَطِئْتُكِ أبدًا.
أو عَيَّنَ مُدَّةً تَزيدُ على أربعةِ أَشهُرٍ أو حتى يَنْزِلَ عِيسَى أو يَخرُجَ الدَّجَّالُ أو حتى تَشْرَبِي الخمْرَ أو تُسْقِطِي دَيْنَك أو تَهَبِي مالَك ونحوَه فَمُوَلٍّ، فإذا مَضَى أربعةُ أَشْهُرٍ من يَمينِه ولو قِنًّا فإنْ وَطِئَ ولو بتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ فقد فَاءَ، وإلا أُمِرَ بالطلاقِ،
فإن أَبَى طَلَّقَ حاكمٌ عليه واحدةً أو ثلاثًا أو فَسَخَ، وإن وَطِئَ في الدُّبُرِ أو دونَ الفرْجِ فما فاءَ، وإن ادَّعَى بقاءَ الْمُدَّةِ أو أنه وَطِئَها وهي ثَيِّبٌ صُدِّقَ مع يَمينِه، وإن كانت بِكْرًا وادَّعَت البَكارةَ وشَهِدَ بذلك امرأةٌ عَدْلٌ صُدِّقَتْ، وإن تَرَكَ وَطْأَها؛ إضرارًا بها بلا يَمينٍ ولا عذْرٍ فكمولٍ.
(كتابُ الظِّهارِ)
وهو مُحَرَّمٌ، فمَن شَبَّهَ زَوْجَتَه أو بعضَها ببعضِ أو بكلِّ مَن تَحْرُمُ عليه أبدًا بنَسَبٍ أو رَضاعٍ مِن ظَهْرٍ أو بَطْنٍ أو عُضْوٍ آخَرَ لا يَنْفَصِلُ بقولِه لها: أنتِ عَلَيَّ أو معي أو مني كظَهْرِ أُمِّي أو كَيَدِ أُخْتِي أو وَجْهِ حَمَاتِي ونحوِه، أو أنتِ عَلَيَّ حرامٌ أو كالْمَيْتَةِ والدمِ فهو مُظاهِرٌ، وإن قالَتْهُ لزوجِها فليسَ بظِهارٍ وعليها كَفَّارَتُه، ويَصِحُّ من كلِّ زَوْجَةٍ.
(فصلٌ)
ويَصِحُّ الظِّهارُ مُعَجَّلًا ومُعَلَّقًا بشَرْطٍ، فإذا وُجِدَ صارَ مُظَاهِرًا ومُطَلِّقًا ومُوَقِّتًا، فإن وَطِئَ فيه كَفَّرَ، وإن فَرَغَ الوقتُ زالَ الظِّهارُ، ويَحْرُمُ قبلَ أن يُكَفِّرَ وطءٌ ودَواعيهِ مِمَّنْ ظاهَرَ منها، ولا تَثْبُتُ الكَفَّارَةُ في الذمَّةِ إلا بالوَطْءِ وهو العَوْدُ،
الشيخ: (.. لِجَبٍّ كَامِلٍ أَوْ شَلَلٍ).
لا يصح الإيلاء عن العاجز عن الوطء، لكن عجزًا لا يُرْجَى زواله؛ إما لفقد الآلة، وهو معنى قوله: (لِجَبّ كامل)، ويش معنى الْجَب؟ يعني قطع الذَّكَر، مقطوع ذَكَره، هذا حلف أو ما حلف لا هو بواطئ، وكيف يتصور منه الوطء؟ !
وكذلك لو كان فيه (شَلَل)، شلل في العضو فإنه لا يصح منه الإيلاء؛ وذلك لأنه لا يُرْجَى زوال عجزه أو علَّته بعجزه عن الوطء.
فالامتناع إذن هل هو عن اليمين، ولّا امتناع عن الوطء للآفة؟
طالب: للآفة.
الشيخ: للآفة؛ لأنه حتى لو قال لزوجته وهو أَجَبُّ –يعني مجبوب– قال: والله لا أجامعكِ، ويش تبغي تقول له؟ تقول: ما أنت مجامِع حلفت ولّا ما حلفت؛ لأنه ما فيه شيء، وكذلك الأشَلّ.
(فإذا قال) لزوجته: (والله لا وَطِئْتُك أبدًا).
(والله لا وطئتك) عندنا جملة قَسَمية: الواو والثاني، وين جواب القسم؟ (لا وطئتكِ)، وجواب القسم كما ترون فعل ماضٍ، فقد تقولون: كيف يقول: (والله لا وطئتك)؟ نقول: إن الفعل الماضي إذا وقع جوابًا للقسم مقرونًا بـ (لا) صار بمعنى المستقبل، فقوله: (والله لا وطئتك) كقوله: والله لا أطؤك، عرفتم؟ يقولون: الفعل الماضي إذا وقع جوابًا للقسم منفيًّا بـ (لا) صار بمعنى المستقبل، بخلاف ما لو وقع مقرونًا بـ (ما) مثل: والله ما وطئتك، فهذا يكون للماضي.
(والله لا وطئتك أبدًا، أو عَيَّن مدة تزيد على أربعة أشهر)، مثل أن يقول: والله لا وطئتك لمدة مئة وواحد وعشرين يومًا، صح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: المدة هذه تزيد على أربعة أشهر؟ نعم، تزيد يومًا واحدًا.
أو قال: (والله لا وطئتك حتى ينزل عيسى)، ينزل عيسى بن مريم من السماء.
المدة هذه تزيد على أربعة أشهر؟ الله أعلم، لكن هذا هو الغالب، مثلما يقول الناس: والله ما أحاكي فلانًا حتى تقوم الساعة، هذا يعتبر كالتأبيد، (حتى ينزل عيسى).
وسبق لنا بالنسبة إلى نزول عيسى أنه ينزل نزولًا حقيقيًّا إلى الأرض، وهو حي الآن؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: 158]، وأما قوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: 55] فالمعنى: مُنِيمُك؛ وفاة النوم، كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: 60]، وقيل: معناها ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي: قابضك، كما يقول القائل: توفيت دَيْنِي، أي: قبضتُه، وليست وفاة النوم، هذا هو الصحيح؛ لأن عيسى بن مريم ينزل في آخر الزمان كما جاءت به الأحاديث، وصحت به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)، ولا أحد يُبْعَث على وجه البقاء حتى يموت قبل يوم القيامة، وأما من يُحْيَى آيةً من آيات الله فهذا يمكن يكون قبل يوم القيامة.
(... )
(حتى يخرج الدجَّال)، (الدجَّال) صيغة مبالغة من الدجل؛ وهو الكذب والتمويه، وهذا الدجال يكون في آخر الزمان، يخرج قبل نزول عيسى عليه الصلاة والسلام، ويدعي أول ما يخرج النبوةَ، ثم يدعي الربوبية، ثم يعطيه الله عزَّ وجلَّ تمكينًا يَفتتن به من شاء اللهُ، فإنه يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، فإذا تبعه أهل البادية فإنها ترجع عليهم إبلُهم أسبغ ما تكون دَرًّا، وأوفر ما تكون أسنِمة، وإذا عصوه أو كذَّبُوه أصبحوا مُمْحِلِينَ، وتبعه نَعَمُهم كأنها النحل (2)، هذا الدجال -والعياذ بالله- فتنته عظيمة، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام مَن سمعه أن ينأى عنه، وقال: «إِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ فَيَحْسَبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ، ثُمَّ لَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَفْتِنَهُ، فَمَنْ سَمِعَ بِهِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» (3)؛ لأن فتنته عظيمة جدًّا، لكن أخبرنا نبينا عليه الصلاة والسلام أن معه جنة ونارًا، ولكن الجنة نار، جنته نار وناره ماء طيِّب عذب جَنّة، ولكنه يُمَوِّه على الناس، ولهذا سُمِّي الدجال، ويمكث في الأرض أربعين يومًا، اليوم الأول كسنة، اثني عشر شهرًا، والثاني كشهر، والثالث كأسبوع، والرابع كسائر أيامنا، ولما حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الحديث، قالوا: يا رسول الله، اليوم الواحد يكفينا فيه صلاة واحدة؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» (2)، فبيَّن الرسول أنَّا نصلي في هذا اليوم صلاة كم؟ صلاة سنة كاملة، وفي هذا إبطال لقول أهل الفلك بأن الأفلاك ما تتغير لا بانشقاق ولا بتأخُّر ولا بتقدُّم، وهذا بناء منهم على أنها أزلية، والأزلي أبدي ما يتغير، ولكنهم كذَبوا؛ فإن الأفلاك مخلوقة لله عزّ وجل، يتصرف فيها الخالق كما يشاء سبحانه وتعالى.
إذا قال: حتى يخرج الدجال، المدة تزيد على أربعة أشهر؟
طلبة: غالبًا.
الشيخ: غالبًا، نعم.
(أَوْ قال: لا وطئتك حَتَّى تَشْرَبِي الخَمْرَ).
هذا الكلام ما معناه أنه حلال، لكن لو فُرِض أن الزوج قاله، وإلا فحرام عليه أن يقول مثل هذا القول؛ لأن هذا قد يَحدُوها إلى شرب الخمر إذا اشتاقت إلى زوجها، ما دام قال: والله ما أطؤك حتى تشربي الخمر، وهذا قد يقع من بعض السفهاء، يكون هو -والعياذ بالله- مفتونًا بشرب الخمر، فيقول لزوجته: والله ما أطؤك حتى تشربي الخمر، نقول: هذا مُؤْلٍ، يؤمَر بالجماع -كما سيأتي إن شاء الله- وإلا يُفْسَخ النكاح منه.
وظاهر كلام المؤلف: مطلقًا، ولكن ينبغي أن يُحْمَل على ما إذا لم تكن نصرانية أو يهودية؛ لأنهم يعتقدون حِلَّ شرب الخمر، فهي تشربه، إذا قال: والله لا أطؤك حتى تشربي الخمر، تمتنع ولّا لا؟
طلبة: لا.
الشيخ: (... ) ثلاثة أكياس، ولا يهمها.
يقول: (أو تُسْقِطِي دَيْنَكِ)، هذا الزوج يتسلَّف من زوجته، زوجته مدرِّسة، كلما جاءت براتب قال: سَلِّفِيني إياه، اجتمع عنده يمكن ثلاثون ألفًا، أو أربعون ألفًا، فقال: والله ما أطؤك حتى تُسْقِطي دَيْنَك الذي عليّ، ويش يكون هذا؟ هذا إيلاء؛ لأنه ما له حق يُجْبِرها على أن تُسْقِط دَيْنها، وسواء كان هذا الدَّيْن له أو لغيره، حتى لو كان الدَّيْن لصاحبٍ له، وقال: والله لا أطؤك حتى تُسْقِطي الدَّيْن الذي على فلان لك، قلنا: هذا حرام، ولا يجوز وأنت مُؤْلٍ.
(أو تَهَبِي مالَكِ)، بينهما فرق؛ إسقاط الدَّيْن وهبة المال؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، بينهما فرق؛ (تهبي مالك) قال: والله ما أطؤك حتى تعطيني حُلَّتك، هذا هبة مال ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، أو تعطيني مثلًا حُلِيَّكِ، أو ما أشبه ذلك، فإنه يعتبر إيلاءً؛ لأنه يحرُم عليه أن يجبرها على هبة المال.
وقوله: (ونحوه)، يعني نحو ما ذُكِرَ مما يضرها، أو يحرُم عليها شرعًا، أو يمتنع عليها حِسًّا، فإذا عَلَّق وطأها بما يمتنع حِسًّا أو شرعًا، أو يشق عليها ويضرها فإنه يكون مُولِيًا بذلك، لو قال: لا أطؤك حتى تطيري من عُنَيْزَة إلى مكة، ماذا تقولون؟ هذا مستحيل، ولا تقولون: يمكن تطير بالطيارة؛ لأن الطيارة ما هي اللي طارت، لكنه طِيرَ بها، وهو يقول: حتى تطيري أنتِ.
يقول: (فهو مُولٍ)، عندي أنا: (فَمُولٍ)، ما فيها واو، وهو خبر لمبتدأ محذوف، مرفوع بضمة مقدرة على أيش؟
طلبة: على الياء المحذوفة.
الشيخ: على الياء المحذوفة، لماذا؟ لالتقاء الساكنين.
(فهو مُولٍ)، بَيَّن الآن المؤلف الْمُولِي، فما حكمه؟
مدة الإيلاء وما تحصل به الفيئة أو فسخ النكاح
قال: (فإذا مضى أربعة أشهر من يمينه ولو قِنًّا، فإن وَطِئ ولو بتغييب حشفة فقد فاء).
طالب: (في الفرج).
الشيخ: ما عندي: (في الفرج).
طلبة: في الشرح.
الشيخ: يمكن الشرح ما فيه.
طالب: (... ).
الشيخ: (فإذا مضَى من يمينِه ولو قِنًّا، فإن وَطِئَ ولو بتغييبِ حَشَفةٍ فقد فاءَ، وإلا أُمِرَ بالطلاقِ).
طالب: (أمره).
الشيخ: (أمره الحاكم) هذه بالشرح.
الطالب: لا، فيها هاء عندنا.
الشيخ: لا، الهاء من الشرح.
يقول المؤلف: (إذا مضَت)، يُضرَب له أربعة أشهر ابتداءً من المطالبة، أو ابتداء من الإيلاء؟ كلام المؤلف صريح بأن الابتداء من الإيلاء لا من المطالبة، ما هو الدليل؟ ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: 226]، ﴿تَرَبُّصُ﴾ مبتدأ، و ﴿لِلَّذِينَ﴾ خبرٌ مقدم، فجعل الله التربص مقرونًا بوصف وهو الإيلاء، ومتى يثبت هذا الوصف، من اليمين ولَّا من المطالبة؟
طلبة: من اليمين.
الشيخ: من اليمين، إذن فالآية تدل على أن ابتداء المدة من اليمين؛ لأنه من حين أن يَحْلِف يَصدُق عليه أنه مُولٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾، فإذا آلَى في اليوم السابع والعشرين من شهر محرَّم ولم تطلبه إلا في السابع والعشرين من شهر ربيع الأول، كم مضى عليه؟ شهران، هل تبدأ المدة من سبع وعشرين ربيع الأول وتكمل أربعة أشهر، فتكون ستة أشهر من اليمين، أو تكمِّل شهرين فقط؟ تكمِّل شهرين فقط، لماذا؟ لأن هذا الرجل من سبع وعشرين من محرَّم صار مُولِيًا، وقد قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾.
يقول: (فإن وَطِئَ ولو بتغييبِ حَشَفةٍ).
(لو بتغييبِ حَشَفةٍ)؛ لأنه يصدُق عليه أنه وَطِئ، ولهذا يجب الغسل ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: يجب الغسل، ويثبت به الْمَهْر، ويلحق به النسب، وتترتب عليه جميع الأحكام المترتبة على إيلاج جميع الذَّكَر، فإذا كان كذلك فإنه إذا حصل الإيلاج ولو بقدر الحشفة فإنه يثبت الرجوع، ويقال: إن هذا الرجل فاء، يعني: رجع.
ولكن هل يحصل به كمال اللذة؟ أبدًا، ما يحصل به كمال اللذة، ولو أن الرجل صار لا يجامع زوجته إلا بمقدار الحشفة لقلنا: إنه لم يعاشِرها بالمعروف، وإذا كان قد جاء في الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى الرجل أن ينزع قبل أن تقضي المرأة حاجتها ولا يُعْجِلها (4)، فكيف نقول: إن هذا الرجل قد فاء إلى المعاشرة بالمعروف، بمجرد أنه غيَّب الْحَشَفَة؟ ! ولهذا أشار المؤلف إلى هذا الخلاف بقوله: (ولو بتغييب حَشَفَة).
وقول المؤلف: (فقد فاء)، اختار كلمة (فقد فاء) موافقةً للقرآن: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 226].
(فقد فاء، وإلّا) يعني: وإلّا يفعل، أمره الحاكم بالطلاق، (أُمِرَ بالطلاق)، إذا لم يفعل قال له الحاكم: طلِّق، (... ).
(كتابُ الظِّهارِ)
وهو مُحَرَّمٌ، فمَن شَبَّهَ زَوْجَتَه أو بعضَها ببعضِ أو بكلِّ مَن تَحْرُمُ عليه أبدًا بنَسَبٍ أو رَضاعٍ مِن ظَهْرٍ أو بَطْنٍ أو عُضْوٍ آخَرَ لا يَنْفَصِلُ بقولِه لها: أنتِ عَلَيَّ أو معي أو مني كظَهْرِ أُمِّي أو كَيَدِ أُخْتِي أو وَجْهِ حَمَاتِي ونحوِه، أو أنتِ عَلَيَّ حرامٌ أو كالْمَيْتَةِ والدمِ فهو مُظاهِرٌ، وإن قالَتْهُ لزوجِها فليسَ بظِهارٍ وعليها كَفَّارَتُه، ويَصِحُّ من كلِّ زَوْجَةٍ.
(فصلٌ)
ويَصِحُّ الظِّهارُ مُعَجَّلًا ومُعَلَّقًا بشَرْطٍ، فإذا وُجِدَ صارَ مُظَاهِرًا ومُطَلِّقًا ومُوَقِّتًا، فإن وَطِئَ فيه كَفَّرَ، وإن فَرَغَ الوقتُ زالَ الظِّهارُ، ويَحْرُمُ قبلَ أن يُكَفِّرَ وطءٌ ودَواعيهِ مِمَّنْ ظاهَرَ منها، ولا تَثْبُتُ الكَفَّارَةُ في الذمَّةِ إلا بالوَطْءِ وهو العَوْدُ،
ويَلزَمُ إخراجُها قبلَه عندَ العَزْمِ عليه، وتَلْزَمُه كَفَّارَةٌ واحدةٌ بتَكريرِه قبلَ التكفيرِ من واحدةٍ لظِهارِه من نِسائِه بكَلمةٍ واحدةٍ، وإن ظاهَرَ منهن بكلماتٍ فكَفَّاراتٌ.
(فصلٌ)
كَفَّارَتُه عِتْقُ رَقبةٍ فإن لم يَجِدْ صامَ شَهرينِ مُتَتَابِعَيْنِ فإن لم يَسْتَطِعْ أَطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، ولا تَلْزَمُ الرَّقَبَةُ إلا لِمَنْ مَلَكَها أو أَمْكَنَه ذلك بثَمَنِ مِثْلِها فاضلاً عن كِفايتِه دَائمًا وكفايةِ مَن يَمُونُه وعَمَّا يَحتاجُه من مَسكنٍ وخَادمٍ ومَركوبٍ وعَرْضِ بِذْلةٍ وثِيابِ تجملٍ, ومالٍ يَقُومُ كَسْبُه بِمُؤْنَتِه وكُتُبِ عِلْمٍ ووفاءِ دَيْنٍ، ولا يَجْزِي في الكَفَّاراتِ كلِّها إلا رَقَبَةٌ مُؤمِنَةٌ سَليمةٌ من عَيبٍ يَضُرُّ بالعملِ ضَرَرًا بَيِّنًا كالْعَمَى والشلَلِ ليَدٍ أو رِجْلٍ أو أَقْطَعِهما أو أَقطعِ الإصْبَعِ الوُسْطَى أو السَّبَّابَةِ أو الإبهامِ أو الأَنْمُلَةِ من الإبهامِ أو أَقْطَعِ الْخِنصَرِ والبِنْصَرِ من يدٍ واحدةٍ، ولا يُجْزِئ مَريضٌ مَأْيُوسٌ منه ونحوُه ولا أمُّ وَلَدٍ، ويُجْزِئ الْمُدَبَّرُ ووَلَدُ الزِّنَا والأحمَقُ والْمَرهونُ والجاني والأَمَةُ الحاملُ ولو اسْتَثْنَى حَمْلَها.
(فصلٌ)
يَجِبُ التتابُعُ في الصوْمِ، فإن تَخَلَّلَه رمضانُ أو فِطْرٌ يَجِبُ كعيدٍ وأيَّامِ تَشريقٍ وحَيْضٍ وجُنونٍ ومَرَضٍ مَخوفٍ ونحوِه أو أَفْطَرَ نَاسِيًا أو مُكْرَهًا أو لعُذْرٍ يُبيحُ الفِطْرَ لم يَنْقَطِعْ، ويُجزئُ التكفيرُ بما يُجْزِئُ في فِطرَةٍ فقط، ولا يُجْزِئُ من الْبُرِّ أقلُّ من مُدٍّ ولا من غيرِه أقلُّ من مُدَّيْنِ لكلِّ واحدٍ مِمَّنْ يَجوزُ دَفْعُ الزكاةِ إليهم، وإن غَدَّى المساكينَ أو عَشَّاهُمْ لم يُجْزِئْه، وتَجِبُ النِّيَّةُ في التكفيرِ من صَوْمٍ وغيرِه، وإن أصابَ الْمُظاهِر منها ليلاً أو نهارًا انْقَطَعَ التتابُعُ،
[كتاب الظهار]
إلا أن الكفارة لا تجب، لا تثبت في الذمة إلا بالوطء، فلو أنه عزم على استحلالها ولكنه طلَّقها أو ماتت أو مات هو فلا كفارة.
طالب: شيخ، ذكرت أنه يمكنه أن يطلِّق به.
الشيخ: نعم.
الطالب: ويش معنى (... )؟
الشيخ:.. لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وسكت ولم يطلِّقها، فإنه يكون قد عاد.
الطالب: كيف عاد؟
الشيخ: عاد فلزمته الكفارة، عاد إلى زوجته.
الطالب: (... ).
الشيخ:.. الظهار يمكنه أن يطلِّق فلا يطلِّق، فأما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم قال فورًا: أنت طالق، فإنه (... ).
عائدًا، لم يكن عائدًا؛ لأنه طلقها، هذا معنى الكلام.
المهم أن القول الراجح في هذه المسألة أن العَوْد هو أيش؟ العزم على الوطء، ولكن لا تجب الكفارة إلا بالوطء، يعني ما تثبت في الذمة إلا بالوطء.
(... )
يقول رحمه الله: (وَيَلْزَم إخراجُها قَبْلَه عند العزم عليه).
(إخراجها) أيش؟ الكفارة، (قَبْلَه): قبل الوطء، (عند العزم عليه): إذا عزم على الوطء قلنا: الآن لا يمكن أن تطأ حتى تُكَفِّر، والمذهب: حتى يُكَفِّر بالعتق والصيام، والإطعام (... )، بالعتق إن وَجَد، بالصيام إن لم يَجِد، بالإطعام إن لم يستطع الصيام.
ثم قال: (وتلزمه كفارةٌ واحدة بتكريره قبل التكفير من زوجة واحدة).
يعني: إذا تكرَّر الظِّهار فهل تتكرر الكفارة أو لا؟ يعني إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم أعاد فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، ثم قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، كرَّر، فهل تتعدد الكفارة، أو يلزمه كفارة واحدة؟
فيه التفصيل: إن كفَّر عن الأول كفَّر عن الثاني، وإن لم يكفِّر عن الأول أجزأته كفارة واحدة.
نقول: إن لم يُكَفِّر عن الأول كَفَتْه كفارة واحدة، وإلا تعدَّدت الكفارة، أما إذا كفَّر عن الأول ثم أعاد الظهار فواضح أن الكفارة تتعدد؛ لأن هذا الظِّهار غير الأول، ثم إنه صادَفه وذمته قد برئت من الظهار الأول.
(... )
وأما إذا لم يكفِّر عن الأول فلأن المظاهَر منها واحدة، فالْمَحَلّ واحد، كما لو حلف أيمانًا على شيء واحد، مثل أن يقول: والله لا أدخل دار فلان، ثم قال مرة ثانية: والله لا أدخل دار فلان، ثم ثالثة: والله لا أدخل دار فلان، ثم دخلها، كم يجب عليه من كفارة؟
طالب: واحدة.
الشيخ: لأن المحلوف عليه واحد، فكذلك هنا المظاهَر منها واحدة، فلا يلزمه إلا كفارة واحدة.
يقول: (وَلِظِهَاره من نسائه بكلمة واحدة)، يعني: كذلك لا يلزمه إلا كفارة واحدة، مثل أن يقول لزوجاته الأربع: أَنْتُنَّ عليَّ كظهر أمي، كم له من كفارة؟ واحدة، لماذا؟ لأن الظهار واحد، وبهذا نعرف أنه إذا كان الظهار واحدًا أو المظاهَر منها واحدة فالكفارة واحدة.
قال: (وإن ظاهَر منهنَّ بكلمات فكفَّارات).
(إن ظاهر منهن)، ممن؟ من زوجاته.
(بكلمات فكفَّارات)، يعني: على عددهن، بأن قال للأولى: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وللثانية: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وللثالثة: أنتِ عليَّ كظهر أمي، وللرابعة: أنتِ عليَّ كظهر أمي، كم يلزمه؟ أربع كفارات؛ لتعدد الظِّهَار والمظاهَر منها.
لو لم يكفِّر عن الأولى كم يلزمه؟
طالب: أربع.
طالب آخر: ولو لم..
الشيخ: ولو لم يكفِّر؛ وذلك لأن المحل متعدد، والصيغة أيضًا متعددة.
وقال بعض الأصحاب: إنه يلزمه كفارة واحدة، بناء على أن الكفَّارات تتداخل، وأن الأيمان إذا تكرَّرت ومُوجَبُها واحد لزمه كفارة واحدة، وهذا هو قياس المذهب في الأيمان؛ لأن المذهب إذا تعددت الأيمان ولكن الكفَّارة واحدة فعليه كفارة واحدة.
فعلى المذهب لو قال: هذا عليَّ حرام، تحريم غير الزوجة يمين على المذهب، وقال: والله لا أدخل بيت فلان، وقال: والله لألبسنَّ هذا الثوب، وقال: لله علَيَّ نذرٌ أن ألبس العمامة، كم دُولِي؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة أيمان مختلفة حتى في الصيغة، إذا حنث في كل هذه الأيمان ولم يكفِّر يلزمه على المذهب كفارة واحدة؛ لأنهم يقولون: إذا كان الموجَبُ واحدًا فلا عبرة بتعدد السبب، وقاسوا ذلك على رجل أكل لحم إبل، وَبالَ وتغوَّطَ، وخرجت منه ريحٌ، ونام، كم دولي؟ خمسة موجبات للوضوء، كم يلزمه من وضوء؟
طلبة: وضوء واحد.
الشيخ: واحد؟ لا، وضوء للحم الإبل، ووضوء للبول، ووضوء للغائط، ووضوء للنوم، ووضوء للريح! صح؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، فيقولون: ما دام الموجَب -بالفتح- واحدًا فلا عبرة بتعدد السبب.
وبناء على هذه القاعدة على المذهب يكون مَن ظاهَرَ من زوجاته بكلمات كم يلزمه؟
طلبة: كفارة واحدة.
الشيخ: إذا لم يكفِّر كفارة واحدة، ولكن هم في هذه المسألة خالفوا القاعدة، وقالوا: إنه إذا ظاهَر من نسائه بكلمات لزمه بعددهن؛ لكل واحدة كفارة.
(... )
كفارة الظهار
قال المؤلف: (فَصْلٌ.
وكَفَّارَتُهُ) أي: كفارة الظِّهَار، (عِتْقُ رقبة، فإن لم يجد صام شهرين متتابِعَيْنِ، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكينًا).
هذا الكلام يدل على أن الكفارة على الترتيب ولّا على التخيير؟
طلبة: على الترتيب.
الشيخ: على الترتيب؛ أولًا: عتق رقبة، وسيأتي إن شاء الله شروطه.
ثانيًا: إن لم يجد ثمنًا يشتري به الرقبة، أو إن لم يجد رقبة وعنده ثمن؟ كلا الأمرين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [المجادلة: 4]، فيشمل مَن لم يجد الرقبة، كما لو كان رجل عنده ملايين الدراهم، لكن ما وجد في السوق رقبةً تباع، أو وجد رقبة لكن ليس عنده مال يشتري به هذه الرقبة، فإنه ينتقل من ذلك إلى الصيام؛ صيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع -يعني ما يقدر؛ لمرض فيه أو لأي سبب من الأسباب، ما يقدر- فإنه يطعم ستين مسكينًا، وكأن هذا -والله أعلم- عن كل يوم مسكين؛ لأن الغالب أن الشهرين يَتِمَّان، أو يقال: لأن هذا هو غاية التمام في الشهور، فلما جاء البدل وهو الإطعام صار ستين مسكينًا.
وقوله: ﴿مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: 4] هنا يشمل الفقير ولّا لا؟ يشمل الفقير.
متى يعتبر الوجوب أو الاستطاعة؟
يعتبر عند وجوب أيش؟ عند وجوب الكفارة، فلو فُرِضَ أنه عند الوجوب لا يجد رقبة، فشرع في الصوم، ثم وجد في أثناء الصوم هل يلزمه الانتقال؟ لا يلزمه، وكذلك لو فُرِضَ أنه كان عند زمن الوجوب لا يستطيع الصوم، فأطعم ستين مسكينًا أو لم يُطْعِم، فإنه في هذه الحال لو قدر بعد ذلك على الصوم لا يلزمه الانتقال؛ لأن العبرة بالقدرة وعدم القدرة هو وقت الوجوب.
(... )
لم يجزئه الصوم، ولو أيسر مُعْسِر لم يلزمه عتق، العبرة بالوجوب.
يقول: (ولا تلزم الرقبة إلَّا لِمَن ملَكها، أو أمكنه ذلك بثمنِ مثلِها، فاضلًا عن كفايته دائمًا، وكفايةِ مَن يَمُونه، وعما يحتاجه من مَسْكَنٍ وخادمٍ ومركوبٍ، وعَرَضِ بِذْلَةٍ وثيابِ تجمُّلٍ، ومالٍ يقوم كسبُهُ بمَؤونته، وكتبِ علمٍ ووفاءِ دَيْن).
الحمد لله، الأمر مُيَسَّر.
(ما تلزم الرقبة إلا لمن ملَكها)، ويش معنى (ملَكها)؟ يعني كانت عنده الآن حاضرة، مالكها، أي: تحت ملكه.
(أو أَمْكَنَه ذلك بثمنِ مثلِها)، (أمكنه ذلك) أي: أمكنه ملكها، ما عنده عبدٌ لكن عنده دراهم يمكنه أن يشتري به رقبة، لكن اشترط المؤلف: (بثمنِ مثلِها)، فلو لم يجد رقبة إلا بأكثر من ثمنِ مثلِها لم تلزمه.
مثل رجل عنده مئة مليون ريال، وعليه ظهار، ووجد رقبة، فقالوا له: بعشرة آلاف ريال، وثمنُ مثلِها تسعة آلاف ريال، تلزمه ولّا لا؟
طلبة: لا تلزمه.
الشيخ: ولم لا تلزمه؟ لأنها أكثر من ثمن مثلها.
قال: أنا عندي مئة مليون ريال –الحمد لله، غني– ويش نقول؟ ما تلزمه، لكن لو اشتراها بعشرة آلاف ريال وكفَّر بها تجزئه، فالكلام على اللزوم، وأظن مَن عنده مئة مليون ريال يبغي يشتري الرقبة بعشرة آلاف ريال ولا يصوم، أو لا؟
طالب: ممكن يبخل.
الشيخ: هذا هو الغالب، وإلَّا نعم، الكلام ويش على؟ على أنه بثمن مثلها، لكن الصحيح أن ظاهر قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [المجادلة: 4]، أنه متى صار واجدًا على وجه لا يضره فإنه يجب عليه أن يعتق؛ لأنه ما اشترط إلا عدم الوجود فقط، فلو فُرِضَ أن هذه تساوي خمسة آلاف ريال، وقيل: بعشرة، وهو واجد، فظاهر الآية وجوب ذلك عليه.
يقول المؤلف: (فاضلًا عن كفايته دائمًا).
(فاضلًا عن كفايته) صح، أما إذا كانت الدراهم اللي عنده يحتاجها لكفايته، حتى ولو كان لزواجه مثلًا فإنه لا تلزمه الرقبة، ولكن المؤلف يقول: (كفايته دائمًا)، كلمة (دائمًا) هل يمكن انضباطها؟
طلبة: لا.
الشيخ: ليش ما يمكن؟ لأننا ما ندري، يمكن يطول عمره ويحتاج إلى دراهم كثيرة، ويمكن يقصر عمره ويكون هذا اللي عنده زائدًا، ولّا لا؟ فهذا لو كان عنده مثلًا مالٌ كثير ما يستطيع أن يقول: هذا يكفيني دائمًا، أو لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ولو كان عنده أقل ما يستطيع يقول: هذا لا يكفيني دائمًا، والسبب في ذلك لأن الأعمار بيد الله عزّ وجل، ولأن الأوقات تختلف، يمكن يُقَدِّر الإنسان أن نفقته لهذا العام خمسون ألف ريال، ثم تختلف الأسعار وترتفع فتكفيه الخمسون ولّا لا؟ ما تكفيه، ويمكن يُقَدِّر أن نفقته مئة ألف ريال أو خمسون ألف ريال وترخص الأسعار ويكفيه عشرون ألف ريال، فهذا أمر لا يمكن انضباطه، وما لا يمكن انضباطه فإن إلزام الناس به عسير.
إذن يحتاج أن نؤول كلمة (دائمًا) بأن نقول: معنى كلمة (دائمًا) أنه عنده مثلًا صنعة، عنده مَغَلٌّ، وما أشبه ذلك، يكفيه، عنده مثلًا ملك يُغِلُّ عليه كل سنة عشرة آلاف ريال تكفيه، فهذا نقول: عنده ما يكفيه دائمًا، أما أن نقول: إن المراد مَؤُونته دائمًا نقود، النقود لا يمكن انضباطها أبدًا، فنقول: أنت الآن ما دام أن عندك مالًا يمكنك أن تشتري به رقبة فاشترِ، إذا قال: والله أنا اللي عندي هذا (... ) يكفيني خمسين سنة، ويش نقول؟ نقول: ويش يدريك تبقى الخمسين؟ ! قال: بعض الفقهاء يقولون: يكفيه دائمًا، لو أقعد ألف سنة أو أكثر من ذلك لازم يكفيني دائمًا.
فنقول: الفقهاء -رحمهم الله- إنما أرادوا بذلك شيئًا له دخل مستمر يكفيه.
قال: (وكفاية مَن يَمُونه)، ويش معنى (يَمُونه)؟ أي: يقوم بنفقته.
نشوف اللي يقوم بنفقتهم؛ زوجة، وأولاد، وأقارب تلزمه نفقتهم، فمؤونة هؤلاء تقدَّم على العتق الواجب عليه، بل هو لم يجب عليه في الواقع.
(وعما يحتاجه من مَسْكَن)، لو كان هذا الرجل عنده مَسْكَن يحتاجه، وقال: أنا لو بعت هذا الْمَسْكَن واستأجرت أمكنني أن أعتق رقبة، فماذا نقول له؟ لا يجب عليه أن يبيعه؛ لأنه يحتاجه.
كذلك من (خادم)، كيف خادم؟ الخادم مرادهم الخادم المملوك؛ لأن الخادم الحر ليس بملكك، فهذا رجل عنده خادم مملوك يحتاج إليه، هل نقول: أعتِقْه أو بعه واشتر رقبة؟ الجواب: لا؛ لأن هذا تتعلق به حاجته، وتعلُّق حاجته به سابق على ظِهَاره، فيقدَّم أيش؟ الحاجة السابقة، ولهذا قال: (وخادم)، ولكن عندي بالشرح يقول: (صَالِحَيْنِ لمثله إذا كان مثله يُخدَم)، فقيَّدها بقيدَيْنِ؛ أولًا: أنهما صالحان لمثله، فلو كان المسكن يعني مسكنًا كبيرًا أكثر من مثله، فإنه يبيعه ويشتري ما يكون صالحًا لمثله، ويشتري بالفاضل رقبة، والله أعلم.
(... )
هذا واحد، واحد فقط، شرط واحد؛ أن يكون قادرًا عليها، والقدرة يقول المؤلف: (بأن يكون عنده ثمنها فاضلًا عن كفايته وكفاية مَن يَمُونُه، وعما يحتاجه من مسكن وخادم ومركوب وعَرَضِ البِذْلةٍ وثيابِ تجمُّلٍ).
(عَرَض البذلة) يعني المتاع الذي يُبْتَذَل، مثل ثياب العادة، ومثل سيارة العادة، والمسكن -المسكن تقدم والمركوب-، ومنها عرض البذلة التي يحتاجها وتتكرر حاجته إليها كالثياب، وكذلك الأواني في البيت، وما أشبهها.
(وثيابِ تجمُّلٍ)، حتى ثياب التجمل ما نقول للإنسان: بِعْ ثيابك التي تتجمل بها واشترِ عبدًا تعتقه، ما نقول هذا.
وكذلك: (ومالٍ يقُوم كسبُه بمؤونته)، أيضًا لا بد يكون فاضلًا عن مالٍ يقوم كسبه بمَؤُونته، كيف؟ هذا رجل عنده مئة ألف، لو اشترى بأربعين ألفًا أمكنه ذلك، عنده مئة ألف، لكن مئة الألف كَسْبُها لا يكفيه هو وعائلته، يعني يتجر بها والكسب اللي يأخذه منها لا يكفيه، لو أنه اشترى منها عبدًا نقص الربح، فتنقص الكفاية؛ المؤونة، هل نقول: يلزمك أن تشتري عبدًا بأربعين ألفًا ولو نقصت كفايتك؟ الجواب: لا؛ ولهذا يقول المؤلف: (ومالٌ يقوم كسبه بِمَؤُونته)، فلا بد أن يكون فاضلًا عن مال يقوم كسبه بمؤونته، يعني مثلًا (... ).
كذلك: (كتبِ عِلْمٍ)، لكن بشرط أنه يحتاج إليها، كتب العلم التي يحتاج إليها، مثل إنسان يحتاج إلى كتب علم في الفقه، في الحديث، في التفسير، في التوحيد، في النحو، المهم أن يحتاج إليها، أما ما لا يحتاج إليه كما لو كان عنده كتب علم من نوع لا يتعلَّمه، مثلًا عنده كتب علم حساب، ولَا عنده نية يتعلم الحساب ولا شيء من هذا، عنده كتب علم جيولوجيا لكن ما عنده نية أن يتعلم هذا العلم، ماذا يكون؟ يبيعها، كذلك عنده نسختان من كتاب واحد يستغني بإحداهما عن الأخرى، يبيعها؟ نعم؛ لأنه ليس في حاجة إليها.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم (وكُتب عِلْم) يحتاج إليها.
يقول: (ووفاءِ دَيْن)، هذا (... ) أهم شيء، هذا إنسان عنده مئة ألف، لكن عليه ثمانون ألفًا، ماذا يكون؟ يسدد الدَّيْن أولًا، فإذا بقي شيء بعد الدَّيْن وهو ما يحتاجه لما ذُكِر قبلُ اشترى به، وإلا فلا، ووفاء الدَّيْن أهم شيء، حتى إن الإنسان يجوز أن يُعْطَى من الزكاة لوفاء دَيْنه.
ثم قال: (ولا يجزئ في الكفَّارات كلها إلا رقبة مؤمنة).
(ولا يجزئ في الكفارات كلها)، قد يقول قائل: إن ظاهر المؤلف أن كل الكفارات فيها رقبة، وليس كذلك، وإنما مراده: (ولا يجزئ في الكفارات) التي تُحَرَّر فيها الرقبة، ولنُحْصِها الآن: كفَّارة الظِّهار، وكفارة القتل، وكفارة اليمين، وكفارة الوطء في رمضان، فيه شيء آخر؟
طالب: كفارة اليمين.
الشيخ: ذكرناها.
كفارة لبس المخيط في الإحرام؟
طالب: ما فيها.
الشيخ: ما فيها.
كفارة الجماع في الإحرام؟
طالب: (... ).
الشيخ: ما فيها، لو قال: بدل ما أذبح شاة بأعتق عبدًا؟
طلبة: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز، نعم.
يقول: (لا يجزئُ في الكفاراتِ كلِّها إلا رقبة مؤمنة).
(رقبة) يعني: دون رأس ودون ظهر ودون قدم! هذا من باب إطلاق الجزء على الكل، ولا يمكن إطلاق جزء على كل إلا أن هذا الجزء شرط في وجوده، هذه قاعدة مهمة، يعني ما يمكن تقول: أعتق أصبعًا؛ لأنه قد يزول الأصبع و (... ) باقية، وأما الرقبة، لو زالت الرقبة يموت؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، ولهذا إذا عَبَّرَ الله تعالى عن الصلاة بالركوع والسجود دل على أن الركوع والسجود واجبات فيها.
الآن (رقبة مؤمنة)، المراد بالإيمان هنا مطلَق الإيمان، لا الإيمان المطلَق، وأظن بينهما فرقًا؛ الإيمان المطلق الكامل، كالذي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]، وأما مطلَق الإيمان فإنه يشمل مَن آمن وإن لم يكن على هذا الوصف، كثير من الناس الآن مؤمنون وهم على هذا الوصف؟ هل إذا ذُكِرَ الله عَزَّ وجلَّ وَجِلَت قلوبهم؟ وإذا تُلِيَت عليهم آياته زادتهم إيمانًا؟ ما قيمة المؤمنون هكذا، المراد هنا مطلق الإيمان، فيشمل الفاسق؟ نعم يشمل الفاسق؛ لأن المراد مطلق الإيمان لا الإيمان المطلق.
(رقبة مؤمنة) نشوف الآن الدليل على أنه لا بد من الإيمان في جميع الكفارات، كفارة القتل الإيمان فيها صريح منصوص عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، هذه كفارة القتل، كفارة اليمين: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89]، ما ذُكِرَ، كفارة الظِّهار: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا﴾ [المجادلة: 3]، ما ذُكر، هذا الذي في القرآن (... ).
كفارة الوطء في رمضان ثبتت بالسنة، قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟ »، قال: لا (1)، ولا قال: مؤمنة، فإذا كانت أربعة نصوص ليس فيها التقييد بالإيمان، ونصّ واحد فيه التقييد بالإيمان، وهذا النص الواحد يفترق عن البقية بأنه أعظم منها من وجه، وإن كان أخفّ منها من وجه، التي فيها التقييد بالإيمان ما هي؟ كفارة القتل، وهي أعظم من الموجِبات الأخرى؛ أعظم من الظهار، أعظم من الجماع في نهار رمضان، وأعظم من الحنث في اليمين من وجه، وأخف منه من وجه؛ لأنها خطأ وهذه عمد.
على كل حال هذه المسألة المؤلف رحمه الله -كما فهمتم- يشترط الإيمان في كل الكفارات، كل الكفارات لا بد فيها من الإيمان.
ودليله يقول: لأن الله اشترط الإيمان في كفارة القتل، فَقِيسَ الباقي عليها، بالقياس؛ لأن الموجَبَ واحد؛ وهو عتق الرقبة، ولأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن عليَّ رقبة، وإني أريد أن أعتق هذه، فقال لها: «أَيْنَ اللهُ؟ »، قالت: في السماء، قال: «مَنْ أَنَا؟ »، قالت: أنت رسول الله، قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» (2)، ولم يستفصِل الرسول عليه الصلاة والسلام ما هذه الرقبة التي عليه، فدل هذا على أن الإيمان شرط في جميع الرقاب الواجبة؛ لأنه قال: إن عَلَيَّ رقبة، في جميع الرقاب الواجبة، ودليله عدم الاستفصال.
ثم نقول أيضًا من جهة النظر: إذا أعتق الرقبة وهي كافرة فإننا لا نأمن أن يلحق بالكفار؛ لأنه كافر، إذا كان مملوكًا ما يقدر (... )، لكن إذا أُعْتِق لحق الكفار لأنه تحرَّر، ما لأحد عليه قول، فإذا كان كذلك، يعني يُخْشَى من هذه المفسدة فإنه لا يُعتَق الكافر، بل يبقى، وهذا القول -كما ترون- رجحانه قوي.
أما الذين قالوا: إن الله تعالى أطلق في موضعين، وقيَّد في الثالث، والرسول عليه الصلاة والسلام أطلق في الموضع الرابع، فكلامُهم جيِّد لا يلامون عليه أبدًا، ومن ثَمَّ اختلف العلماء في غير كفارة القتل هل يُشْتَرَط الإيمان أو لا يُشْتَرَط؟ والراجح الاشتراط؛ لقوة دليله وتعليله، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وقوله: (إلا رقبة مؤمنة سليمة من عيبٍ يضرُّ بالعمل ضررًا بَيِّنًا).
(سليمة من عيب)، الإيمان فهمنا دليل اشتراط.
(سليمة من عيب يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا)، العيوب -على حسب ما قال المؤلف- تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
قسم لا يضر بالعمل أبدًا، وقسم آخر يضر بالعمل لكن ضررًا خفيفًا، والقسم الثالث: يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا.
فأما القسمان الأولان: الضرر الذي لا يضر بالعمل إطلاقًا، أو يضر به ضررًا خفيفًا، فإنهما لا يمنعان من إجزاء الرقبة، وأما ما يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا فإنه لا تجزئ فيه الرقبة.
مثاله: يقول: (كالعمى)، عبدٌ أعمى وعلَيّ كفارة، مؤمن، ما يتعدى المسجد، وعليَّ أنا كفارة، هل أعتقه؟ في الكفارة لا، لماذا؟ قالوا: لأن المقصود من العتق هو أن يملك الإنسان نفْعَه وكَسْبَه، وهذا إذا أُعْتِق صار عالة على غيره؛ لأنه قبل أن يتحرر من الذي ينفق عليه؟ سيده ويُلْزَم بذلك، أما الآن فإنه يبقى عالة، هو ما هو بعبد، حتى هو نفسه إذا أُعْتِقَ يجد نفسه في فراغ، من الذي ينفق عليه؟ فلهذا لا يجزئ.
وقال بعض أهل الظاهر: إنه يجزئ؛ لأن الله عز وجلَّ ما ذكر في القرآن إلا الإيمان فقط، وهذا وإن كان لا يستطيع العمل لكنه يتحرر من سيده، ويجد نفسه الآن حُرًّا طليقًا يذهب حيث شاء، ويرجع حيث شاء، فهو يستفيد من هذا العتق، ولكن جمهور العلماء، حتى إن بعضهم حكاه إجماعًا، يقول: لا بد أن يكون سليمًا مما يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا.
يقول: (كالعمى)، العَوَر؟
طالب: لا، ما يضر.
الشيخ: أبدًا؟ لا بيِّنًا ولا خفيفًا؟
طلبة: خفيفًا.
الشيخ: كيف خفيفًا؟ أنا أطالبكم.
طالب: لا يضر؛ لأنه قد يكون (... ).
الشيخ: قد يكون، قد تكون (... ) مرة واحدة.
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) الأعور، لماذا؟ قال: قياسًا على العوراء في الأضحية، لماذا نقول بهذا القياس؟ (... ) فإنه يغلب، لكن في الحقيقة إن سَلَّمْنَا أنه يضر بالعمل فإنه يضر ضررًا خفيفًا، لا أنه يفسد العمل.
(والشللُ ليدٍ أو رِجْل)، الشلل ليد أو رجل واضح أنه يضر بالعمل.
كذلك (أَقْطَعُهُمَا) أقطع اليد أو الرِّجْل، وهذا ظاهر.
قال: (أو أقطع الأصبع الوسطى أو السبابة أو الإبهام)، يعني الإبهام والوسطى وما بينهما، لو قال: أقطع واحدًا منهم فإنه يضر بالعمل ضررًا بيِّنًا، لا سيما إذا كانت اليد اليمنى، أو لا؟ يضر، إن كان كاتبًا يمكن ما يعرف يكتب، إن كان خياطًا ما يعرف يخيط.
طالب: وعند الحمل.
الشيخ: وعند الحمل كذلك، ولكن لا شك أنه إذا قال: أقطع الوسطى فقط (... )، لكننا نقول: يضر.
(أو الأنملة من الإبهام) كم في الإبهام من أنملة؟
طلبة: أنملتان.
الشيخ: ثنتان، وكم في الوسطى؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: الصغرى؟
طلبة: ثلاث.
الشيخ: ثلاث، الإبهام ثنتان، وشوف -سبحان الله- جعله الله يقابل الأربعة، يعني الإبهام يقابل الأربعة الأصبع، كفاءته ككفاءة الأربعة؛ ولهذا جعل الله له ثنتين لأنه أسهل؛ لأنه لو كان طويلًا يمكن ينعكف، لكن جُعِل ثنتين، وجُعِل ضخمًا شوي أيضًا ليتحمل، ولهذا الأنملة من السَّبَّابة فيها ثُلُث عُشْر الدية، والإبهام فيها نصف عُشْر الدية، نصف العُشْر؛ لأنه ما هو بثلاث.
الأنملة من السبابة، كذا ولّا لا؟
طالب: ما تضر.
الشيخ: ما تضر، الأنملة من الوسطى ما تضر.
(من السبابة) ولّا السَّبَّاب؟
طالب: السَّبَّابة والسَّبَّاب.
الشيخ: قلنا: السَّبَّابة والسَّبَّاب، لأنه يُشَار بها عند التسبيح، ويُشَار لها عند السب، كيف عند السب؟ ويش لون؟
طالب: هكذا يا شيخ.
الشيخ: تقول: والله إن شوفتك هنا مرة لأوَرِّيك، وتشير عليه، أو (... ) هذا الرجل، فهي السَّبَّابة والسَّبَّاب.
(أو أقطع الخنصر والبنصر).
(الخنصر) أيهم؟ الأخير، الصغير، و (البنصر) الذي يليه.
(الخنصر والبنصر) جعل المؤلف -رحمه الله- أقطعهما، يعني كلا الاثنين يمنع من العمل، وأما أقطع واحد فلا يُمْنَع.
(أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة).
طالب: (... ).
الشيخ: لا، (... )، (أو الإبهام أو الأنملة من الإبهام أو أقطع الخنصر والبنصر من يد واحدة).
ولو كان مِنْ يَدَيْن، واليمنى مقطوعة الخنصر، واليسرى مقطوعة البنصر، هذا لا شك أنه يمنع من كمال العمل، لكن ليس ضررًا بَيِّنًا، وعلى كل حال في الحقيقة القاعدة أهم من التمثيل، القاعدة إذا كانت الرقبة معيبة عيبًا يضر بالعمل ضررًا بَيِّنًا فإنها لا تجزئ.
(ولا يجزئ مريض ميؤوس منه ونحوه).
المريض الميؤوس، إيه نوع هذا المريض الميؤوس منه؟ ما تيأس من رحمة الله، كم من إنسان قُرِّبَ نعشه وكفنه فعافاه الله، لكن هنا أمراض معينة معروفة ميؤوس منها، مثل السُّلّ في زمن مضى ما يمكن يُشْفَى منه، (... )، الآن أصبح السل غير ميؤوس منه.
السرطان الآن حسب.. إلى الآن ما وجدوا له دواء، فهو الآن يعتبر من الأمراض التي إذا أصابت الإنسان فهو ميؤوس من بُرْئِه.
وكذلك (ونحوه) مثل مَن؟ كالزَّمِن مثلًا، والمشلول، كل بدنه مشلول، هذا ما يمكن يجزئ؛ لأنه ما يمكن أن يعمل العمل الذي يراد منه.
طالب: (... )؟
الشيخ: إي نعم، قد يُقْبَل، ما دام صحيحًا يُقْبَل.
يقول المؤلف: (وَلاَ أُمُّ وَلَدٍ)، أم الولد ما تجزئ، أيش أم الولد؟ كل امرأة لها ولد، أُمُّ الولد هي التي وَلَدَت من سيدها ما تَبيَّن فيه خَلْق الإنسان، هذه أم الولد وإن لم يكن حيًّا.
حكمها حكم الرقيق، ولكنها إذا مات سيدُها عَتقت، وهل يجوز بَيْعُها؟ اختلف أهل العلم في ذلك، والمعروف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدر من خلافة عمر أنها تباع، ولكن لما رأى عمر رضي الله عنه أنه كَثُر التفريق بينها وبين أولادها منع من بيع أمهات الأولاد (3).
(أمُّ ولدٍ) لا تجزئ، السبب؛ يقولون: لأن سبب عتقها قد انعقد، شو به؟ بالولادة، فيقولون: الحقيقة ما هي برقيقة خالصة.
(ويجزئ المدبَّر)، يعني: الذي أعتقه سيدُه، أو (... ) أصح: الذي عَلَّق سيدُه عتقَه بموته، بموت العبد؟
طالب: لا، بموت سيده.
الشيخ: بموت سيده، مثل أن يقول للعبد: إذا مِتُّ فأنت (... ) حر، هذا يسمى مدبَّرًا، لماذا؟ لأن عتقه كان دبر حياة سيده، أي: بعده.
الْمُدَبَّر ليس كأم الولد، المدبَّر يجوز بيعه والملك فيه تام؛ لأنه ما يمكن يعتق، ولا انعقد فيه سبب العتق الكامل إلا بعد موت السيد، ولهذا لو باع الإنسانُ المدبَّرَ يجوز ولّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: يجوز أن يبيع المدبَّر؛ لأنه إلى الآن ما أعتق، مثل ما لو قال: هذا البيت وقف بعد موتي، فله أن يبيعه ولّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: له أن يبيعه؛ لأنه إلى الآن ما صار وقفًا.
طالب: (... ).
الشيخ: يقول: (ويجزئُ المدَبَّرُ، وولدُ الزِّنَى).
(ولد الزنى)؟ ! كيف ولد الزنى؟ صورها لنا، صوّر ولد زنى رقيق، (... ) محارب للكفار وهو ولد زنى، وأَسَرْنَاه (... )، يكون كذلك؟
طالب: نعم.
الشيخ: أو رجل زَنَى بأمة إنسان فإنه يكون رقيقًا لسيِّدها؛ لأنه مملوك.
رجل تزوَّج بامرأةٍ أَمَة وجابت عيالًا، تزوج زواجًا شرعًا صحيحًا، ويش حكم أولاده؟ الإرقاق تبعًا للأم، ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا تزوج الحرُّ أَمَةً رَقَّ نصفُه، يعني صار نصفه رقيقًا، نصفه (... )؟
طلبة: أولاده.
الشيخ: إي نعم، أولاده.
(والأحمق)، يجزئ عتق الأحمق، أيش هو الأحمق؟
الأحمق يقولون: هو الذي يرتكب الخطأ عن عمد، هذا الأحمق، يعني معناه أن عنده خَوَر وسرعة ولا هو بيتأنى في الأمور، هذا الأحمق.
(المرهون)، يجزئ إعتاق المرهون؟
طالب: نعم.
الشيخ: مرهون، يعني هذا السيد راهن عبده لشخص يطلبه بدراهم، إذا حل الدَّيْن ولم يوفِيه ويش يسوَّى بالعبد؟ يباع ويوفى دَيْنَه، فهل يجزئ هذا المرهون بإعتاقه؟
المؤلف يقول: يجزئ، ولكنه سبق لنا في باب الرهن أن عتق الراهن لا يصح؛ لأنه تعلق به حق مَن؟ حق المرتَهِن، فأنت إذا أعتقته صار حرًّا ما عاد ينتفع المرتهن به، فيكون في ذلك إسقاط لحق المرتهن، ولهذا سبق لنا في باب الرهن أن الصحيح أن عتق الراهن للمرهون لا يصح، وبناء على ذلك القول الصحيح هل يصح إعتاقه بالكفارة؟ لا يصح؛ لأنه مرهون.
(والجاني)، الجاني (... )، يصح أن يعتق الجاني؟
طالب: نعم.
الشيخ: لأن هذا عبد قاتِل شخصًا (... ) أعتقته عن كفارة عليه، يجزئ ولّا لا؟
طلبة: ما يجزئ.
الشيخ: المذهب يقول: يجزئ، المؤلف يقول: يجزئ، لماذا؟ قال: لأنه ربما يُعْفَى عنه، فقَتْلُه غير متعيِّن، هذا قتل غير متعيِّن، أليس من الممكن أن يُعْفَى عنه؟ من الممكن أن يُعْفَى عنه، لكن في النفس من هذا شيء؛ لأن هذا العبد الآن تعلُّقُ النفس به ليس كتعلقها بمن ليس بِجَانٍ، كيف يقول هذا الرجل (... ) شاف إنه بيقتل عبد وراح يعتقه؟ ! هذا ما يستقيم.
فلهذا المسألة فيها نظر هذه، فبعض العلماء يقول: إن الجاني لا يصح أن يُعْتَق بالكفارة؛ لأن الجاني بصدد أن يُقْتَل، فهو ناقص القيمة، الآن ليس (... ).
(والأَمَة الحامل ولو استَثْنَى حَمْلَها).
الأَمَة الحامل تجزئ؟ حامل في الشهر التاسع وامرأة كبيرة البطن وثقيلة، تجزئ ولّا لا؟
طالب: ما تجزئ.
الشيخ: هي تعمل الآن؟
الطالب: لا.
الشيخ: فيها شيء يمنع العمل ويضر بالعمل ضررًا بَيِّنًا، لو تقول: نَظِّفِي البيت من القمامة (... ) قال: أنا موسَّخ صح، يعني هذا مُوَسَّخ ومرتاح.
إذا قال قائل: خَلُّوه يعتقها وحملَها معها؟ نقول: لا، ما يلزم، لو استثنى حملها فلا حرج، فيقول: أنت حرة إلا ما في بطنك، يجوز؟
طالب: لا.
طالب آخر: يجوز.
الشيخ: مجهول يا إخواني!
طالب: ما يجوز لأنه فَرَّق بين الولد وأمه.
الشيخ: لا، دعنا من التفريق، ربما أنه ما يُفَرِّق، يعني ما لنا من هذا، ولهذا لو أعتق الأم والولد منفصل يرضع منها جاز بالاتفاق، لكن هذا أعتقها واستثنى حملها، الحمل الآن مجهول.
طالب: ما هي (... ) معاوضة.
الشيخ: إي، هذه ما هي (... ) معاوضة، الشيء المجهول ما يجوز في المعاوضات؛ لأن باذل العِوَض مخاطِر، ودائمًا أمره بين الغُرْم والغُنْم، أما ما ليس فيه عِوَض فيجوز ولو كان مجهولًا، مع أنه سبق لنا يا إخواني في البيع -ولا أدري هل تذكرون أم لا؟ - وقلنا: الظاهر أن (... )، مر علينا أن الإنسان لو باع شيئًا واستثنى الحمل، المذهب لم يصح، لكن قلنا: إن الصحيح أنه يجوز؛ لأن الحمل معلوم، ما هو (... ) بينقص عين المبيع، ليس ناقصًا عن مبيعه، العين منفصِل، فكما لو باعها وهي حائل يصح، كذلك باعها وهي حامل يستثني الحمل، وقد سبق لنا أنه يجوز أن يبيع الشيء ويستثني حملَه، وأوردنا عليكم إشكالًا، وهو أن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الْحَمْل (4)، فكيف تجيزون الاستثناء؟
وأجبنا عن ذلك بأن استثناء الحمل في البيع استبقاء، ما هو تجديد ملك، أنا عندما أقول: بعتك هذه البقرة وهي حامل إلا حملها، ما اشتريت الحمل مني حتى أكون قد بذلت فيه شيئًا مجهولًا (... ) مجهول، وإنما هو استبقاء، وفرق بين الاستبقاء وبين تجديد المعاوضة.
المهم أن هذا -قد نستطرد لأجل تذكير ما مضى- والحاصل أنه يجوز أن يعتق الحامل بالكفارة، ويستثني حملَها، ولكني أريد منكم أن تأتوا لي بمثال يكون الحمل فيه رقيقًا؟
طالب: (... ).
الشيخ: بعبد ولّا بِحُرّ؟
طالب: بعبد أو حُرّ.
الشيخ: بعبد أو حر، إذا زَوَّجَ أمته بعبد أو حر فإن الولد يكون رقيقًا لسيدها، وإذا زوَّجَها بِحُرّ واستثنى الحمل فقد تقدم أنه يجوز إذا قال: أنا أنفق عليك (... ) الحمل فهو جائز.
يقول: (ولا يستثنى حملها).
(... )
طالب: ويجب التتابع في الصوم.
الشيخ: (يجب التتابع في الصوم)، وهذا الوجوب شرط لإبراء الذمة به، فلو صام متفرِّقًا لم يجزئ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، فاشترط الله تعالى في ذلك التتابع، وعلى هذا فلو صام متفرِّقًا لم يصح، ولو صام مستمرًّا لكن نوى في يوم من الأيام أنه عن يوم عاشوراء مثلًا، أو عن يوم عرفة، ينقطع ولّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: هذا رجل إلى اليوم الثامن من ذي الحجة قد صام ثمانية وخمسين يومًا، وفي يوم عرفة نوى أن الصوم هذا عن يوم عرفة، ماذا نقول له؟ نقول: ينقطع التتابع وتستأنف من جديد.
طالب: يستأنف..
الشيخ: يستأنف من جديد، يبدأ الشهرين من جديد، إذا قلنا: يستأنف، ويش معناه؟ يعني: يبدأ من جديد وتلغى الأيام السابقة، إلا أنه في بعض الأحيان يُسْتَثْنَى المسائل الآتية:
أولًا: إذا تخلَّلَه رمضان فإنه يصوم رمضان؛ وذلك لأن أيام رمضان لا تصلح لغيره، فلو صام شهر شعبان ثم دخل رمضان وجب عليه أن يصوم عن أيش؟ عن رمضان، فإذا انتهى فإنه يُكمِّل من اليوم الثاني من شوال حتى يتم الشهرين، هذا واحد، فإن تخلَّله رمضان لم ينقطع التتابع، لماذا؟ لأن رمضان لا يصح صوم غيره فيه.
كذلك تخلَّله (فِطْرٌ يَجِب)، شوف رمضان صومٌ يجب، أو تخلَّله (فِطْر يجب كعيد)، يعني: كفِطر العيد، فقوله: (كعيد) على تقدير مضاف، أي: كفطرِ عيدٍ، (عيد) يشمل عيد الفطر وعيد الأضحى، إذا تخلَّله فِطْرٌ يجب مثل يوم العيد فإنه لا يقطع التتابع.