الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2122-2161

والذي أميل إليه -وليس الميل الكبير- هو أنه يجب عليه حضور المسجد، ويدل لذلك حديث ابن عباس الثابت في صحيح مسلم (13): كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف؛ معناه أنه ماسكه اثنين يمشون به شوي شوي، يهادونه كما يهادى الصبي، حتى يقام في الصف، ومثل هذا في الغالب لا يقدر على القيام وحده.
فالذي أنا أرجحه -وليس الترجيح الكبير- هو أنه يجب أن يحضر إلى المسجد، ثم إن قدر على القيام فذاك، وإن لم يقدر فقد قال الله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
طالب: لو قال قائل: إن القيام فرض ليس بركن، والأوامر التي جاءت إنما هي للندب، الأوامر التي جاءت: صلِّ قائمًا، وقم لله قانتًا، أقول: أوامر للندب، واللي صرف هذا الندب فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته قاعدًا؛ صلى قاعدًا في النافلة، فما ثبت في النافلة ثبت في الفريضة.
الشيخ: إي نعم، إلا بدليل.
الطالب: إلا بدليل.
الشيخ: نعم، الدليل يقولون: قال لعمران بن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» (1) ترتيب.
الطالب: لكن ثبوت الحكم الكامل.
الشيخ: لا، «إِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» واضح أنه لا بد أنها بالترتيب، مثلما قلنا في خصال الكفارة: فتحرير رقبة، فمن لم يجد.
الطالب: على النصف من أجر القائم، يا شيخ؟ الشيخ: لا، هذا في النفل.
الطالب: إي، فأثبت له نصف الأجر.
الشيخ: إي، هذا للنفل.
الطالب: إي، هذا في النفل.
الشيخ: لأن النفل لا يجب فيه القيام؛ من أجل ترغيب الناس في النفل، وألا يستثقلوه ويشق عليهم رخص لهم، مثلما رخص في الصلاة في النفل في الصلاة على الراحلة؛ من أجل أن يخف عليهم ولا يشق عليهم.
الطالب: ولا في تقول -يا شيخ- بأنه إلا في النفل؟ الشيخ: أبدًا، أن القيام ليس بركن؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: لا أعرفه بهذا قولًا.

طالب: شيخ، عفا الله عنك، طيب في الحديث: يؤتى بالرجل يهادى به بين الرجلين (14)، الظاهر حتى أنه لو بقي في بيته ما يستطيع أن يقوم، يصلي جالسًا.. الشيخ: الله أعلم، ما ندري، ما نعلم، البيت مسكوت عنه.
طالب: قلنا في صلاة القائم: إنه في سجوده يجلس ويومئ، شيخ، ورد في الأثر عن السلف أنهم كانوا في الزحمة للجمعة أنهم يسجدون حتى على ظهرهم، لماذا لا يسجد على كرسي اللي أمامه؟ الشيخ: لأنه لو سجد ما تراه على هيئة الساجد، وحتى ما ورد عن بعض السلف أنهم يسجدون على الذين أمامهم ورد عن غيرهم خلاف؛ ولهذا كان أقرب الأقوال في الزحمة ألا يسجد على ظهر إنسان، أن يبقى حتى يزول الزحام، يقوم الناس ويسجد بعد ذلك، أو يومئ إيماءً، أما السجود على ظهر إنسان فقد سبق لنا أن قلنا: في هذا محذور، بل محاذير متعددة.
الطالب: شيخ، فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مريضًا أنه حضر الجماعة وصلى جالسًا (15)، الأفضل حضور المسجد؟ الشيخ: قد يدل، وقد لا يدل؛ لأن الرسول إنما خرج من أجل الصحابة رضي الله عنهم؛ ولهذا خرج بعد أن أقيمت الصلاة، لم يقل لهم: انتظروني حتى آتي، وسآتي، لكن الظاهر أنه عليه الصلاة والسلام وجد خفة وأراد أن يطيب قلوب الصحابة فخرج.
طالب: هناك ما يقوي قول حضور المسجد، (... ) إن ذلك من شامة المسلمين في المسجد، وهناك كذلك قد يكون فيه تعليم؛ لهذا قد.. الشيخ: هو لا شك أن مصالح المسجد كثيرة، لكن الذين قالوا بأن نقدم البيت، يقولون: إن هذا واجب بالاتفاق، حضور الجماعة ليس واجبًا بالاتفاق.
لكن كما قلنا لكم: إن الدعوة للجماعة سابقة، فيجيب الدعوة، ثم إن قدر على ما يأتي بعد ذلك فعل، وإلا فهو معذور.
طالب: مع أهمية الصلاة وحث الشارع عليها في كل وقت، وأيش دليل شيخ الإسلام عندما أسقط الصلاة إذا ما استطاع أن يومئ بالرأس وأن.. ؟

الشيخ: دليله رحمه الله يقول: لأن الصلاة أفعال وأقوال لا بد من تحقق هذه، فإذا عجز عن الفعل وعن القول صارت كسائر الواجبات تسقط.


الطالب: قال رحمه الله تعالى: وإن قدر على قيام وقعود دون ركوع وسجود أومأ بركوع قائمًا وسجود قاعدًا، ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم، ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام، ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي لوحل لا للمرض.
فصل

من سافر سفرًا مباحًا أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين إذا فارق عامر قريته أو خيام قومه، وإن أحرم ثم سافر أو في سفر ثم أقام أو ذكر في صلاة حضر.. الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما تقول في رجل قدر على القيام دون الركوع ماذا يصنع؟ طالب: يومئ واقفًا.
الشيخ: قدر على القيام دون الركوع؟ الطالب: قصدي يقرأ وهو قائم ويومئ بالركوع.
الشيخ: يصلي قائمًا أو قاعدًا؟ الطالب: يصلي قائمًا ويومئ بالركوع.
الشيخ: يصلي قائمًا ويومئ بالركوع، وإن عجز عن السجود؟ الطالب: إن عجز عن السجود يومئ ساجدًا وهو قاعد، يومئه وهو قاعد للسجود.
الشيخ: يومئ بالسجود وهو قاعد، هل لديك دليل على هذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: قوله جل وعلا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وهذا استطاع.. الطالب: استطاعته أنه.. الشيخ: القيام.
الطالب: دون الركوع.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: استطاعته القيام دون الركوع.. الشيخ: فيصلي قائمًا ويومئ بالركوع؛ لأن الإيماء بدل عن الركوع، وكذلك نقول في السجود.
إذا قدر على القيام بعد عجزه عنه؟ طالب: إذا قام بعد.. الشيخ: على القيام بعد عجزه عنه؟ الطالب: يقوم.
الشيخ: يقوم ولو في أثناء الركعة؟ الطالب: ولو في أثناء الركعة.

الشيخ: يعني: لما قرأ نصف الفاتحة وهو قاعد رأى من نفسه خفة ونشاطًا، فهل يلزمه أن يقوم أو لا؟ الطالب: يلزمه، يا شيخ.
الشيخ: يلزمه، هل عندك دليل؟ الطالب: لأن قالوا في القيام.. الشيخ: لا، (قالوا) ما هي دليل، كلام العلماء يستدَّل له ولا يستدل به.
الطالب: لأن القيام صار في حقه فلا بد أن.. الشيخ: (لأن) هذا تعليل، وإحنا نحتاج دليلًا.
طالب: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا» (1)، فهذا استطاع القيام.
الشيخ: وهذا استطاع القيام فوجب عليه؟ الطالب: أن يقوم.
الشيخ: أن يقوم.
ومن القرآن؟ الطالب: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
الشيخ: قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
طالب: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾.
الشيخ: إي نعم، إذن فهمنا الكلام، أنا قلت لك: إن كلام العلماء يستدل له ولا يستدل به، وأيش معنى العبارة هذه؟ طالب: يستدل له من الكتاب والسنة ولا يستدِّل العلماء بكلام العلماء.
الشيخ: معناه لو قال لنا قائل: قال العالم الفلاني: كذا، نقول له؟ الطالب: هات دليلًا.
الشيخ: أين الدليل؟ فهو يستدل له ولا يستدل به، لكنه يُستأنَس به، لا شك أنه يُستأنَس به.
ذكرنا أن الإنسان إذا كان يعلم من نفسه أنه لا يستطيع القيام في جميع الركعة، فهل يجلس فإذا أراد أن يركع يقوم، أو يصلي قائمًا فإذا عجز قعد؟ طالب: أقول: يصلي قاعدًا، فإذا أراد أن يركع..، أو إذا قرأ أو بقي شيء يصلي قاعدًا، ثم إذا بقي شيء من قرأته يقوم.
الشيخ: إذا بقي عليه ما يقدر عليه؟ الطالب: يستطيع أن يقوم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: يصلي قائمًا فإن لم يستطع جلس.
الشيخ: يعني فإذا تعب وعجز جلس؟ الطالب: نعم.

طالب آخر: شيخ، نحن قلنا: إذا نظرنا إلى صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صلاة الليل فإنه يبدأها جالسًا ثم يقوم، فقلنا: إذا نظرنا إلى ذلك فإننا نقول: له أن يبدأ جالسًا، أما إذا نظرنا إلى أصل الأمر فنقول: إنه يقوم، ثم يجلس إذا عجز عن القيام.
الشيخ: لأنه كان حال دخوله في الصلاة قادرًا.
الطالب: على القيام.
الشيخ: على القيام، وربما يظن أنه يعجز، ثم يعينه الله ويقوى.
الواقع أنني طلبتها في كتب الفقهاء الحنابلة ما وجدتها، والمسألة محتملة وما تزال قيد البحث، وأنتم أيضًا ابحثوا في كتب العلماء الآخرين.
هل يلزمه أن يبتدئ الصلاة قائمًا فإذا عجز جلس، أو يبتدئها جالسًا وهو قادر على القيام؛ قادر أن يقوم، ثم إذا أراد الركوع قام؟ الصورة الأخيرة نستفيد منها أنه يركع ركوعًا تاما، فيحافظ على ركن، بخلاف ما إذا جلس فإنه سوف يومئ بالركوع، فلا يستطيعه، فتترجح من هذه الناحية، وتترجح أيضًا من ناحية القياس على صلاة النافلة، إلا أن القياس ذكرنا فيما سبق أنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن صلاة النافلة لا يجب فيها القيام أصلًا، فتختلف.
وإن كان قد يقول قائل: نعم، هي لا يشترط فيها القيام، لكن القيام فيها أفضل، فعلى كل حال لم تتبين لي بيانًا واضحًا، كل واحدة من الصورتين لها ما يرجحها.
ولِمَرِيضٍ الصلاةُ مُسْتَلْقِيًا مع القُدرةِ على القِيامِ لِمُداواةٍ بقولِ طبيبٍ مسلِمٍ، ولا تَصِحُّ صلاتُه قاعدًا في السفينةِ وهو قادرٌ على القِيامِ، ويَصِحُّ الفرْضُ على الراحلةِ خَشْيَةَ التأَذِّي لوَحْلٍ لا لِلْمَرَضِ.
(فصلٌ) مَنْ سافَرَ سَفَرًا مُباحًا أربعةَ بُرُدٍ سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ رَكعتينِ

الصورة الأخيرة نستفيد منها: أنه يركع ركوعًا تامًّا، فيحافظ على ركن، بخلاف ما إذا جلس فإنه سوف يومئ بالركوع فلا يستطيعه، فتترجح من هذه الناحية، وتترجح أيضًا من ناحية القياس على صلاة النافلة، إلا أن القياس ذكرنا فيما سبق أنه قياس مع الفارق؛ وذلك لأن صلاة النافلة لا يجب فيها القيام أصلًا، فتختلف، وإن كان قد يقول القائل: نعم هي لا يشترط فيها القيام، لكن القيام فيها أفضل، فعلى كل حال لم تتبين لي بيانًا واضحًا، كل واحدة من الصورتين لها ما يرجحها.
طالب: تكبيرة الإحرام يا شيخ؟ الشيخ: نعم؟ الطالب: ما ترجح (... )؟ الشيخ: تكبيرة الإحرام قد ترجح أنه سيبتدئ قائمًا ثم إذا عجز جلس.
الطالب: (... )؟ الشيخ: على كل حال أنتم الآن.
الطالب: ما تميل إلى شيء؟ الشيخ: إلى الآن، أستخير الله سبحانه وتعالى، أنتم إن شاء الله تعالى تبحثونها، نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة لقيام الليل، الذي استدللنا به من النبي صلى الله عليه وسلم (... ) قيام الليل في حق النبي صلى الله عليه وسلم فرض أو واجب؟ الشيخ: لا، ما هو بصحيح، هذا فيه خلاف، والصحيح أنه ليس بواجب.
طالب: ما يعرف منها عبارة المصنف: (فإن قدر أو عجز في أثنائها ينتقل إلى الآخر)، يعني يقوم إذا عجز انتقل إلى الجلوس، يفهم من عبارته.
الشيخ: إي، لكن في الأول ليس بعاجز، يعني أنت تقول: إنه يبتدئ قائمًا؛ لأنه قادر، فإذا عجز؟ الطالب: ينتقل إلى الجلوس.
الشيخ: ينتقل إلى الجلوس، ما هي بواضحة ذاك الوضوح، ولا هذه ربما أنها تشير إلى ما قلت، يقول: هو الآن قادر على القيام فيلزمه أن يقوم، فإذا عجز انتقل إلى القعود.
الطالب: والحديث يا شيخ، حديث رواه ابن حصين: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ» (1)، ما ترجح القيام يا شيخ؟ الشيخ: نعم، على كل حال إن شاء الله المسألة قيد البحث، كل واحد منها له مرجح، عسى أن تكونوا فرقتين؛ فرقة ترجح هذا وفرقة ترجح هذا، وكل واحد منكم يجيب دليل وتعليل.


قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولمريض الصلاة مستلقيًا مع القدرة على القيام لمداواة بقول طبيب مسلم).
(ولمريض الصلاة) اللام هنا للإباحة، واعلم أن العلماء قد يعبرون عن الشيء بصورة المباح دفعًا للمنع، لا بيانًا للحكم، يعني له، أي لا يمتنع عليه، وحينئذٍ لا ينافي أن يكون ذلك أمرًا مطلوبًا، أو أمرًا واجبًا، مرة ثانية قد يعبرون بما يدل على الإباحة، وهو يريدون أيش؟ طالب: (... ). الشيخ: دفع المنع، لا، يريدون دفع المنع يعني أن ذلك لا يمتنع، وحينئذٍ لا ينافي أن يكون هذا الشيء مطلوبًا، إما على سبيل الوجوب، أو على سبيل الاستحباب.
ولهذا أمثلة كثيرة تمر علينا: منها: قولهم في كتاب الحج: ولمن أحرم مفردًا أن يجعل إحرامه عمرة ليكون متمتعًا، يعني: له أن يفسخ نية الحج إلى العمرة؛ ليكون متمتعًا، فاهمين هذه؟ رجل راح مكة في أيام الحج وأحرم بالحج مفردًا؛ نقول: لك أن تفسخ النية إلى عمرة؛ من أجل أن تكون متمتعًا فتأتي بالعمرة، ثم تحل منها، وإذا كان في اليوم الثامن من ذي الحجة تحرم بالحج.
المهم أنهم عبروا باللام (وله) ومرادهم بذلك دفع قول من يقول: إن هذا لا يجوز؛ لأن بعض العلماء رحمهم الله يقول: لا يجوز لمن أحرم بالحج أن يحوله إلى عمرة، ولو للتمتع، عرفتم؟ ومع هذا فالذين عبروا بقولهم: (له) يريدون أنه مستحب، يريدون أنه مستحب، بل بعضهم يرى أنه واجب، أن من أحرم بحج وليس معه هدي فإنه يجب أن يحوله إلى عمرة ليصير متمتعًا.
هنا يقول: (ولمريض الصلاة) اللام للإباحة، فهل المراد أن المريض يباح له أن يصلي مستلقيًا إذا قال له طبيب مسلم: إن صلاتك على غير هذا الوجه يضر بك؟ أو نقول: إن هذا نفي للمنع، يعني: لا يمتنع، وحينئذٍ فيكون هذا المريض مأمورًا بأن يصلي مستلقيًا، إما على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب، المراد الأول ولّا الثاني؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: المراد الثاني.

(ولمريض الصلاة مستلقيًا) حال؛ يعني مستلقيًا على ظهره.
(مع القدرة على القيام) يعني هو قادر أن يقوم لكن قال له الطبيب: لا بد أن تكون مستلقيًا ولا تقوم، وهو قادر، وهذا يتأتى فيما لو كان المرض في عينه فأجريت له عملية، وقال له الطبيب: إنه لا بد أن تكون مستلقيًا لمدة كذا وكذا من يوم، وحينئذٍ نقول إيش؟ صلِّ مستلقيًا ولو كنت قادرًا على القيام، وذلك لأمر الطبيب.
لكن اشترط المؤلف (لمداواة بقول طبيب مسلم) اشترط أن يكون الطبيب مسلمًا.
الطبيب هو: من يعالج المرضى، والمسلم ضد الكافر، فلا بد أن يكون طبيبًا، أي: حاذقًا، عنده معرفة، ولا بد أن يكون مسلمًا، فوصف الإسلام يعود إلى الأمانة، ووصف الطب يعود إلى القوة، وهما الركنان في كل عمل، كل عمل لا بد فيه من أمرين: القوة والأمانة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، قالته إحدى بنات صاحب مدين، وقال عفريت من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]؛ لأن الضعيف لا يقوم بالعمل لضعفه، والخائن لا يقوم بالعمل لخيانته، فلا بد في كل عمل من هذين الركنين.
من أين نأخذ هذين الركنين من عبارة المؤلف؟ القوة: من قوله: (طبيب) والأمانة: من قوله: (مسلم).
وعُلم من كلام المؤلف أنه لو أمره بذلك غير طبيب، يعني: إنسان عادي من الناس: والله أظن أنك إذا قمت تصلي قائمًا فإن ذلك يضرك، فهل يرجع لقوله؟ لا.

ولكن هذا ليس على إطلاقه؛ لأنه إذا علم بالتجربة أن مثل هذا المرض يضر المريض إذا صلى قائمًا، فإذا علم بالتجربة فإنه يعمل بقول شخص مجرب؛ لأن أصل الطب مأخوذ إما عن طريق الوحي، وإما عن طريق التجربة، إما عن طريق الوحي مثل قوله تعالى في النحل: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69] ومثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» (2)، الحبة السوداء: السميراء هذه، تسمى عندنا السميراء «شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ» يعني: إلا الموت، هذا أخذنا أنها دواء من الشرع، والعسل أخذنا أنه دواء من الشرع، لكن فيه أشياء كثير من الأدوية معلومة بالتجارب، فإذا قال إنسان مجرب، وإن لم يكن طبيبًا: إن صلاتك قائمًا ضرر عليك، فله أن يصلي مستلقيًا أو قاعدًا.
فـ (مسلم) يشترط الإسلام؛ لماذا؟ لأن هذه عبادة يشترط فيها الإسلام، أم لأن هذه أمانة، وغير المسلم ليس بأمين؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني؛ لأن مسائل الطب ما هي عبادة؛ ولهذا نجد من الأطباء من هم كفار، فليست عبادة، ولكن لأن غير المسلم لا يؤتمن، فقد يقول الطبيب النصراني للمسلم: إنك إذا صليت قائمًا فعليك ضرر من أجل ألا يصلي قائمًا، وإن فعل هذا -أعني النصراني- فهو من جهله؛ لأن دين الإسلام -ولله الحمد- فيه سعة، إذا لم يستطع قائمًا صلى قاعدًا وله أجر القائم، واضح يا جماعة؟

وذهب بعض أهل العلم إلى اشتراط الثقة فقط دون الإسلام، وقال: متى كان الطبيب ثقة عمل بقوله، وإن لم يكن مسلمًا، واستدلوا لذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل بقول الكافر حال ائتمانه؛ لأنه وثق به، فقد استأجر في الهجرة رجلا مشركًا من بني الديل (3) يقال له: عبد الله بن أُرَيْقِط، استأجره ليدله على الطريق من مكة إلى المدينة، مع أن الحال خطرة جدًّا أن يعتمد فيها على كافر، لماذا؟ لأن قريشًا كانوا يطلبون النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر، حتى جعلوا لمن جاء بهما مئتي بعير، فالحال تقتضي الخطورة، ولكن لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا رجل أمين وإن كان كافرًا ائتمنه ليدله على الطريق.
فأخذ العلماء القائلون بأن المدار في هذه المسألة على الثقة، أخذوا من ذلك أنه يقبل قول الطبيب الكافر إذا كان ثقة، ونحن نعلم أن من الأطباء الكفار من يحافظون على صناعتهم أكثر مما يحافظ بعض المسلمين، أليس كذلك؟ نعم يوجد من الكفار من يحافظ على صناعته وعلى مهنته أكثر مما يحافظ المسلم، لا تقربًا إلى الله عز وجل أو رجاء لثوابه، ولكن حفاظًا على سمعتهم وعلى شرفهم.
فإذا تكلم قال طبيب غير مسلم ممن يوثق بقوله: إنه يضرك أن تصلي قائمًا ولا بد أن تصلي مستلقيًا فله أيش؟ أن يعمل بقوله، وعرفتم الدليل والتعليل أيضًا.
ومن ذلك أيضًا: لو قال له الطبيب الثقة: إن الصوم يضرك أو يؤخر البرء عنك، فله أن يفطر بقوله، إذا قال: إنه يضرك أو يؤخر البرء كما نصوا عليه.
إذن يمكن أن يلغز بهذه المسألة فيقال: رجل قادر على القيام صح أن يصلي مستلقيًا، صح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ماذا نقول؟ نقول: هذا رجل مريض قادر على القيام، قال له الطبيب: إن القيام يضرك، ولا بد أن تبقى مستلقيًا لمدة معينة، فهذا له أن يصلي مستلقيًا.
طالب: والراجح قول المصنف أم قول (... )؟ الشيخ: الراجح القول الثاني في المسألة، وأن المدار كله على الثقة.

قال: (ولا تصح صلاته قاعدًا في السفينة وهو قادر على القيام).
(لا تصح صلاته) أي الفريضة؛ لأن النافلة تصح قاعدًا مع القدرة على القيام، لكن الفريضة.
(في السفينة) وهو قادر على القيام؛ وذلك لأن السفينة ليست كالراحلة، السفينة يمكن الإنسان أن يصلي فيها قائمًا ويركع ويسجد لاتساع المكان، فإذا كان يمكنه وجب عليه.
إذا كان لا يمكنه إما لكون الرياح عاصفة والسفينة غير مستقرة فإنه يصلي جالسًا، وكذلك لو كان سقف السفينة قصيرًا فإنه يصلي جالسًا، ولكن سبق لنا أنه إذا أمكن أن يقف ولو كراكع وجب عليه.
وقوله: (وهو قادر على القيام) يفهم منها أنه إن كان عاجزًا فله أن يصلي قاعدًا لأنه عاجز.
أما الراحلة فقال: (يصح الفرض على الراحلة خشية التأذي).
(يصح الفرض على الراحلة) يعني: من بعير أو حمار أو فرس أو نحو ذلك خشية التأذي بأي شيء، أطلق المؤلف، التأذي بأي شيء سواء بوحل أو مطر أو حر شديد أو غير ذلك، المهم أنه يتأذى لو صلى بالأرض ولا يستقر في صلاته فله أن يصلي على الراحلة، ولكن اشترط المؤلف أن يكون فرضًا، أما النفل فلا يصح.
الطلبة: (... ). الشيخ: أما النفل فجائز، سواء خشي التأذي أم لم يخشه، النفل جائز على الراحلة سواء خشي التأذي أم لا؟ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي النافلة على راحلته حيثما توجهت به (4). وقوله: (يصح الفرض على الراحلة خشية التأذي) لم يذكر المؤلف شيئًا عن استقبال القبلة، وعن الركوع، وعن السجود، فنقول: يجب أن يستقبل القبلة في جميع الصلاة؛ لأن التأذي بالنزول لا يمنع استقبال القبلة؛ إذ يمكنه أن يتوقف في السير ويوجه الراحلة إلى القبلة ويصلي، واضح؟ الركوع والسجود يومئ.
طالب: إن استطاع.
الشيخ: إي نعم الظاهر أنه لا يستطيع القيام؟ الطالب: (... ).

الشيخ: من باب أولى، هذا على الرواحل التي يعرفها العلماء رحمهم الله، وهي: الإبل والحمير والخيل والبغال وشبهها، لكن الراحلة اليوم تختلف، الراحلة اليوم سيارات، وبعض السيارات كالسفن، يستطيع الإنسان أن يصلي فيها قائمًا راكعًا ساجدًا متجهًا إلى القبلة، فهل نقول: إنه لا يصلي على هذه الرواحل إلا بشرط التأذي بالنزول؟ أو نقول: إذا أمكنه أن يأتي بالواجب فله أن يصلي؟ الأول ولَّا الثاني؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، نقول: لو كانت سيارة كبيرة أتوبيس كبيرة، وفيها مكان واسع للصلاة، والإنسان يستطيع أن يصلي قائمًا راكعًا ساجدًا مستقبل القبلة، فلا حرج عليه أن يصلي.
طيب هذا في السيارات واضح؛ لأنها كالسفينة تمامًا، في الطائرات ماذا يصنع؟ نقول: صل بالأرض ولا بد، نعم؟ ليش ما يصير؟ طالب: ما يمكن.
الشيخ: ما يمكن طالب: كالسفينة يا شيخ.
الشيخ: على الأرض؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: الأرض، الأرض: الثرى، يبغي ينزل ببراشوت؟ ما يمكن، إلَّا إذا وصلت إلى المطار، وحينئذٍ نقول: إذا كان يمكن أن تصل الطائرة إلى المطار قبل خروج الوقت فإنه ينتظر حتى يقع هابطًا في الأرض، فإن كان لا يمكن أن تصل إلى المطار قبل خروج الوقت نظرت إن كانت هذه الصلاة مما تجمع إلى ما بعدها كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، انتظر أيضًا حتى يهبط على الأرض فيصليها جمع تأخير، وإذا كان لا يمكن صلى على الطائرة.
ولكن إذا قدرنا أن الطائرة فيها مكان متسع يتسع للإنسان ليصلي قائمًا راكعًا ساجدًا مستقبل القبلة، فهل يجوز أن يصلي الصلاة قبل أن يهبط إلى المطار؟ يجوز؟ طالب: إذا خشي فوات الوقت.
الشيخ: لا، ما خشي فوات الوقت، معه سعة.
طلبة: لا يا شيخ لا يجوز.
الشيخ: أنتم تصورتم الموضوع؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: طائرة فيها متسع يصلي بها الإنسان قائمًا راكعًا ساجدًا متوجهًا إلى القبلة؟ الطلبة: يجوز.

الشيخ: يجوز، وظن بعض الناس أن ذلك لا يجوز، قالوا: لأن الفقهاء قالوا: لا تصح الصلاة على الأرجوحة؛ تعرفون الأرجوحة؟ الطلبة: المرجيحة.
الشيخ: المرجيحة، فقال بعضهم: لا تصح الصلاة على الأرجوحة؛ لأنها غير مستقرة، والدليل أنها غير مستقرة أنك لو تسجد رجحت من جانبك، وإذا قمت اعتدلت من الجانب الآخر، فهي غير مستقرة، قالوا: فالطائرة مثلها، فلا تصح الصلاة عليها، ولو تمكن الإنسان من الركوع والسجود والقيام والقعود واستقبال القبلة، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأن الفرق بين الأرجوحة والطائرة ظاهر جدًّا؛ الطائرة مستقرة تمامًا، الإنسان يأكل فيها ويشرب، وينام ولا يتحرك، الماء تجده لا يتحرك، إذا لم يكن هناك عواصف فهي مستقرة تمامًا.
ولهذا نرى أن الصلاة على الطائرة إذا تمكن الإنسان من فعل ما يجب فهي صحيحة مطلقًا، ولو كان ذلك مع سعة الوقت، ولكن يجب أن يفعل الواجبات: الاستقبال، الركوع، والسجود، والقيام، والقعود، تمام؟ إذن الرواحل كم صارت أقسامها؟ الطلبة: ثلاثة.
الشيخ: ما هي؟ سيارات، حيوان، طائرات، سفن، أربعة.
طالب: الأرجوحة.
الشيخ: لا، الأرجوحة ما هي براحلة يا شيخ، الأرجوحة ما هي تمشي.
الإبل وما ألحق بها: هذه لا يمكن أن يأتي الإنسان فيها بالواجب، ولهذا لا تصح الصلاة عليها إلا خشية التأذي بالنزول في الأرض، ويشترط أن يكون الإنسان مستقبل القبلة، يوقف الراحلة ويتجه للقبلة.

السفن يصلي فيها قائمًا، ويركع ويسجد ويتجه إلى القبلة، إلا إذا عجز عن القيام يصلي قاعدًا، الطائرات مثل السفن، إذا كان يمكنه أن يصلي قائمًا وجب أن يصليها قائمًا ويركع ويسجد إلى القبلة، وإذا لم يمكنه فإننا ننظر إذا كان يمكن أن يصل أو أن يهبط في المطار قبل خروج الوقت ولو في الثانية لما يجمع إليها ما قبلها فإنه ينتظر حتى يهبط، إذا كان لا يمكن -مثل مسافات طويلة- فيصلي على حسب حاله، أما إذا كان فيها مكان متسع للركوع والسجود والقيام والقعود واستقبال القبلة فإنه يصلي متى شاء.
السيارات؟ مثل الطائرات، لكن الغالب أن السيارات ما يمكن، الغالب إما صغار وأما نقل جماعي كله كراسي ما يمكن، لكن إذا أمكن فهو كغيره.
قال المؤلف: (ويصح الفرض على الراحلة خشية التأذي) واستدل في الشرح بقول يعلى بن أميه: انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى مضيق هو وأصحابه، وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة، فأمر المؤذن فأذن وأقام، ثم تقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم -يعني: إيماء- يجعل السجود أخفض من الركوع.
رواه أحمد والترمذي (5) وقال: العمل عليه عند أهل العلم.
في هذا الحديث أنهم يصلون جماعة، وعلى هذا فيتقدم الإمام عليهم حتى في الرواحل؛ لأن هذا هو السنة في موقف الإمام.
قال في الشرح: وكذا إن خاف انقطاعًا عن رفقة بنزوله، أو على نفسه، أو عجزًا عن ركوب إن نزل، وعليه الاستقبال وما يقدر عليه.
إذا خاف انقطاعًا عن رفقته يصلي على الراحلة؟ طالب: يصلي.

الشيخ: إي نعم حتى ولو مع الأمن؛ لأن الإنسان إذا انقطع عن رفقته فربما يضيع، وربما يحصل له مرض أو نوم أو ما أشبه ذلك فيتضرر، فإذا قال: أنا إن نزلت على الأرض وبركت البعير وصليت فاتت الرفقة، وعجزت عن اللحاق بهم، وإن صليت على بعيري فإني أدركهم، نقول له: صل على البعير، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78].
(لا للمرض) يعني: لا تصح الصلاة على الراحلة للمرض.
طلبة: (... ). الشيخ: لا للمرض.
الطالب: خشية التأذي لوحل.
الشيخ: خشية التأذي لوحل، لا هذا مثال، لا اللي عندنا النسخة الصحيحة في المتن (خشية التأذي) فقط ولم يقيدها بوحل أو غيره.
قال: (لا للمرض) يعني: لا تصح الفريضة على الراحلة للمرض، لماذا؟ لأن المريض يمكنه أن ينيخ الراحلة وينزل على الأرض ويصلي، ولكن إذا علمنا أن هذا المريض لو نزل لم يستطع الركوب؛ لأنه ليس عنده من يركبه، وهذا قد تقع، إنسان مريض وحده في البر على بعيره وأصيب بسخونة، وقال: إن نزلت عن بعيري أخشى ألا أستطيع الركوب، فماذا نقول له؟ نقول: صلِّ على الراحلة؛ لأن هذا أعظم من التأذي بالمطر، أعظم وأخطر، صلِّ على الراحلة.

ولقد سمعت قصة غريبة في قوم تاهوا في الدهناء، الدهناء، هنا بين الكويت والقصيم، وكانت هذه مفازة مهلكة ما فيها ماء ولا غيره، فضاعوا وعطشوا عطشًا شديدًا، بقوا على رواحلهم، لكن كان أحدهم ذَكَّرَهُ الله عز وجل بحيلة نفعته، ربط نفسه على البعير، تربيط بالحبل، أما الآخرون فلم يتفطنوا لهذا الأمر فكانوا كلما أغمي على واحد منهم من العطش سقط من بعيره ومات، أما هذا فربط نفسه على البعير؛ لأن البعير تصبر على الظمأ، وسبحان الله! الإبل تدل موارد الماء، فربط نفسه ومشت البعير، ومشت الإبل، أصحابه الذين معه صاروا يتساقطون واحدًا واحدًا، وهو بقي على بعيره حتى وقفت على الماء، وهو لم يمت؛ لأنه باقٍ على البعير مربط، فكان عندها أناس البئر، فعالجوه، مارسوا له تمرًا بماء وصبوا على فمه قليلًا حتى بدأ يحيا، ولما صحا قال: أدركوا أصحابي، ثلاثة عشر نفرًا أدركوهم، فذهبوا يطلبونهم فوجدوهم قد ماتوا.
الشاهد من هذا أن مثل هذا الرجل لا يمكن أن ينزل من على البعير، أليس كذلك؟ ما يمكن أن ينزل، نقول له في هذه الحال أن يصلي على راحلته؛ لأنه أشد من التأذي بالوحل.
فقول المؤلف إذن: (لا للمرض) هل هو على إطلاقه؟ لا، ليس على إطلاقه، فنقول: لا للمرض إذا كان يمكنه أن ينزل ثم يركب على الراحلة، أما إذا كان لا يمكنه فله أن يصلي على الراحلة للمرض؛ لأن ذلك أشد من الوحل.
وشبهه؟ طالب: الطائرة، يعني الماء متصل بالأرض، والأشياء كلها متصلة بالأرض، مع أنه فوق بالجو (... ). الشيخ: (... ) السفينة متصلة بالأرض؟ بالماء، وهذا بالهواء، والطيارة بالهواء، الهواء متصل بالأرض، إي نعم، هذه.
الطالب: كيف يصلي وكيف يستقبل القبلة؟ الشيخ: لا، فيها الآن، فيه طائرات عندنا في الخطوط السعودية طائرات، عشر طائرات فيها بوصلة في سقف الطائرة تتجه دائمًا إلى مكة، حتى لو انحرفت السيارة يمين أو يسار انحرفت البوصلة.
الطالب: الطائرة، (... ) أنت قلت: الطائرة.

الشيخ: أيش؟ الطالب: الطائرة وأنت قلت: السيارة.
الشيخ: السيارة ويش فيها؟ طلبة: أنت قلت: السيارة.
الشيخ: لا، أنا أقول: لو اتجهت الطائرة.
الطالب: لا، أنا قصدي: ما متصلة بالأرض الطائرة أصلًا (... ) في الجو.
الشيخ: طيب؛ والسفينة متصلة بالأرض.
الطالب: السفينة الماء متصل في.. الشيخ: الماء متصل بالأرض، طيب والهواء؟ الطائرة؟ طلبة: متصل.
الطالب: الهواء فوق أكثر من.. الشيخ: فوق الأرض، لكن ما هو متصل بالأرض.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك؛ بالنسبة للطائرة تكون بين الكراسي ممرات، فإذا صلى بين الممرات يعيق المارة، الأفضل يا شيخ يعيقهم أو يصلي على الكراسي؟ (... ) الممرات بين الكراسي.
الشيخ: لا ما هو بدائم الناس يمرون بالممرات، مو دائم، لكن السفينة إذا صلى في الممرات.
طالب: يستطيع أن يسجد.
الشيخ: يستطيع أن يسجد؟ طلبة: (... ). الشيخ: على كل حال لو كان يستطيع أن يسجد فإنه اتجاهه للقبلة، يمكن في الكرسي يتجه أكثر.
طالب: شيخ، الدليل على أن الأصل في صلاة القاعد التربع، أو الأولى؟ الشيخ: الرسول كان يصلي متربعًا (6)، صح عنه ذلك.
الطالب: زين، إنكار عبد الله بن عبد الله بن عمر على أبيه عندما رآه يصلي متربعًا كما عند البخاري (7) قال: ما لي أراك تصلي؟ الشيخ: إي، هذه مو في صلاته جالسًا، كان يتربع بين السجدتين وفي التشهد فقال له: إن رجلي لا تقلاني.
طالب: أحسن الله إليكم، بالنسبة للقطار، هل له حكم خاص؟ الشيخ: أيش؟ الطالب: القطار.
الشيخ: القطار، إي نعم، مثل السفينة (... ). هل راجعتها؟ ولَّا لا؟ طالب: راجعتها عقليًّا، الدليل ما لها دليل.
الشيخ: إي طيب ما هو؟ قل.

الطالب: أقول يا شيخ: في المسألة تفصيل، هي كان الرجل إذا شرع في القيام ثم بعد ذلك طرأ عليه الجلوس، إذا كان يستطيع بعد الجلوس أن يقوم فيؤدي الركوع في وضعه الأصلي فنقول له أن يبدأ قائمًا، إذا شرع في قيامه، وشرع في الصلاة قائمًا، ثم بعد ذلك تعب وحصل له تعب فجلس؛ إذا كان يستطيع بعد هذا الجلوس عندما يأتي وقت الركوع، عندما يستطيع إذا أراد أن يستطيع، أو إذا استطاع أن يقوم فيؤدي الركوع في مكانه نقول أن يؤده قائمًا، أما إذا ما يستطيع فإننا نقول أن يجلس، فإذا مثلًا بقي وقت مثلًا يقرأ فيه، وقت قليل أو إذا جاء وقت الركوع يقوم، فيكون قد يعني أدى الركوع في مقامه وفي مكانه.
الشيخ: على كل حال، إذا صار في الأول، إذا كان بالأول ما يستطيع.
الطالب: لكن إذا جلس يا شيخ يؤدي الركوع وهو جالس.
الشيخ: يومئ إيماءً.
الطالب: لكن هو يستطيع أن يؤدي الركوع.
الشيخ: ما يستطيع.
الطالب: فيما لو.. الشيخ: ما يستطيع أن يقوم الآن؛ لأنه تعب ولا يستطيع أن يقوم.
الطالب: لكن إذا بدأ قاعدًا يخل بعدة أركان، إذا بدأ قائمًا ثم جلس.
الشيخ: ما يخل إلا بالركوع فقط، وذاك في الأول.
الطالب: وبشيء من القيام.
الشيخ: وذاك بالأول يبغي يخل بتكبيرة الإحرام، يكبرها وهو جالس، يبغي يخل بقراءة الفاتحة، أو بعضها، يقرؤها وهو جالس، النتيجة ويش عليه؟ أن نقول: هذا الإنسان هو قادر على أن يقوم، والركن هو القيام فرض مع القدرة، الآن أنت قادر، أنت قم، فإذا طرأ عليه ما يعجزه يجلس، هذه وجهة النظر.
هي المسألة ما يعارضها إلا مسألة القياس على النافلة؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقرأ أولًا جالسًا ثم يقوم عند الركوع (8). وأنت ما عندك؟ ويش اللي عندك؟

الطالب: الشوكاني -رحمه الله- تكلم في نيل الأوطار يا شيخ على ما ذكرتم الحين، على قيام النبي صلى الله عليه وسلم؛ كان يصلي جالسًا، عندما يبقى مقدار ثلاثين آية يقوم (9)، وجمع بينهم وحقق المسألة وقال: يجوز.
الشيخ: قال أيش؟ الطالب: وقال: يجوز الفعل، كونه يجلس ويقوم أو كان قائمًا يجلس، لا حرج.
الشيخ: اقرأ علي.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، بحث في الصلاة: يقول صاحب الإقناع الشربيني الخطيب: ومن عجز عن القيام صلى جالسًا؛ للحديث السابق حديث عمران (10)، وللإجماع على أي صفة شاء؛ لإطلاق الحديث المذكور، ولا ينقص ثوابه عن ثواب المصلي قائمًا؛ لأنه معذور.
قال الرافعي: لا نعني بالعجز عدم الإمكان فقط، بل في معناه خوف الهلاك أو الغرق وزيادة المرض أو خوف مشقة شديدة أو دوران رأس في حق راكب سفينة.
تتمة: لو قدر أثناء صلاته على القيام أو القعود أو عجز عنه أتى بالمقدور له، وبنى على قراءته، ويندب إعادتها في الأوليين؛ ليقع حال الكمال، فإن قدر على القيام أو القعود قبل القراءة قرأ قائمًا أو قاعدًا، ولا تجزئه قراءته في نهوضه لقدرته عليها فيما هو أكمل منه، فلو قرأ فيه شيئًا أعاده، وتجزئ في هوي العاجز؛ لأنه أكمل مما بعده، ولو قدر على القيام بعد القراءة وجب قيام بلا طمأنينة ليركع منه؛ لقدرته عليه، وإنما لم تجب الطمأنينة لأنه غير مقصود لنفسه، وإن قدر عليه في الركوع قبل الطمأنينة ارتفع لها إلى حد الركوع عن قيام، فإن انتصب ثم ركع بطلت صلاته؛ لما فيه من زيادة ركوع، أو بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه، ولا يلزمه الانتقال إلى حد الراكعين، ولو قدر في الاعتدال قبل الطمأنينة قام واطمأن وكذا بعده.
يقول السرخسي في المبسوط.. الشيخ: طيب هذا الآن ما أتى بزائد.
الطالب: كيف يا شيخ؟ الشيخ: لأن هذا يغني عنه قول المتن: (ومن قدر أو عجز في أثنائها انتقل إلى الآخر) هذا هو معنى كلامه.
الطالب: طيب يا شيخ، يقول السرخسي في المبسوط:

باب صلاة المريض: فنقول للمريض إذا كان قادرًا على القيام يصلي قائمًا، فإذا عجز عن القيام يصلي قاعدًا بركوع وسجود، وإذا كان عاجزًا عن القعود يصلي بالإيماء؛ لأنه وسع مثله، فإن كان قادرًا على القيام في أول الصلاة وعجز عن القيام فإنه يقعد، وفرق بين هذا وبين الصوم؛ فإن المريض إذا كان قادرًا على الصوم في بعض اليوم ثم عجز فإنه لا يصوم أصلًا، وهنا يصلي.
وجه الفرق بينهما، وذلك لأن في الصوم لما أفطر آخر اليوم فعله في أول اليوم معتدًّا به فلا يشتغل به، وفي الصلاة وإن قعد في آخره ولكن فعله في أول الصلاة وقع معتدًّا فيشتغل به، وأما إذا كان قادرًا على القيام وعاجزًا عن الركوع والسجود، فإنه يصلي قاعدًا بإيماء، وسقط عنه القيام؛ لأن هذا القيام ليس بركن؛ لأن القيام إنما شُرع لافتتاح الركوع والسجود، فكل قيام لا يعقبه سجود فهو لا يكون ركنًا.
ثم قال: فإن عجز عن القراءة تسقط عنه القراءة؛ لأن القراءة ركن كما أن القيام ركن، فإن عجز عن القيام سقط عنه القيام فكذلك.
انتهى.
يقول الشوكاني في نيل الأوطار: باب جواز المتنفل جالسًا والجمع بين القيام والجلوس في الركعة الواحدة: عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كان يصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد (11). رواه الجماعة إلا البخاري.
وعن عائشة: أنها لم تر النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي صلاة الليل قاعدًا قط حتى أسنّ، وكان يقرأ قاعدًا حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوًا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع.
رواه الجماعة، وزادوا إلا ابن ماجه: ثم يفعل في الركعة الثانية كذلك.
الحديث الأول: يدل على أن المشروع لمن قرأ قائمًا أن يركع ويسجد من قيام، ومن قرأ قاعدًا أن يركع ويسجد من قعود، والحديث الثاني: يدل على جواز الركوع من قيام لمن قرأ قاعدًا.

ويجمع بين الحديثين بحمل قولها: وكان إذا قرأ وهو قائم؛ وإذا قرأ قاعدًا في الحديث الأول على أن المراد جميع القراءة، بمعنى أنه لا يفرغ من القراءة قاعدًا فيقوم للركوع والسجود، ولا يفرغ منها قائمًا فيقعد للركوع والسجود، فأما إذا افتتح الصلاة قائمًا ثم قرأ بعض القراءة جاز له أن يقعد لتمامها ويركع ويسجد من قعود، وكذا إذا افتتح الصلاة قاعدًا ثم قرأ بعض القراءة جاز له أن يقوم لتمامها ويركع ويسجد من قيام كما في الحديث الثاني.
ويشكل على هذا الجمع: ما يثبت في بعض طرق الحديث الأول عند مسلم (12) من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها بلفظ: فإذا افتتح الصلاة قائمًا ركع قائمًا، وإذا افتتح الصلاة قاعدًا ركع قاعدًا.
قال العراقي: فيحمل على أنه كان يفعل مرة كذا ومرة كذا؛ فكان يفتتح قاعدًا ويتم قراءته قاعدًا ويركع قاعدًا، وكان مرة يفتتح قاعدًا ويقرأ بعض قراءته قاعدًا وبعضها قائمًا ويركع قائمًا؛ فإن لفظ (كان) لا يقتضي المداومة.
وقد جاء في رواية علقمة عن عائشة عند مسلم (13) ما يقتضي أنه يصليهما بعد الوتر وهو جالس، وقد جاء التصريح به عند مسلم (14) في حديث آخر من رواية ابن سلمة عنها وفيه: ثم يوتر ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع.
والحديثان يدلان على جواز صلاة التطوع من قعود.
والحديث الثاني يدل على أنه يجوز فعل بعض الصلاة من قعود وبعضها من قيام وبعض الركعة من قعود وبعضها من قيام.
قال العراقي: وهو كذلك، سواء قام ثم قعد أو قعد ثم قام، وهو قول جمهور العلماء: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق، وحكاه النووي عن عامة العلماء، وحكى بعض السلف منعه قال: وهو غلط، وحكى القاضي عياض عن أبي يوسف ومحمد في آخرين كراهة القعود بعد القيام، ومنع أشهب من المالكية الجلوس بعد أن ينوي القيام، وجوزه ابن القاسم والجمهور.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.

الشيخ: هذه ليست مسألتنا؛ لأن الأخيرة في النافلة، الكلام الأخير في النفل، فالذي يظهر لي أنا بمقتضى القواعد أن نقول: ما دمت تستطيع أن تبتدئ الصلاة قائمًا فابتدئها قائمًا؛ لأن القيام ركن في الفريضة، ثم إذا عجزت اجلس؛ لأن هذا هو الأصل، فأنت الآن مطالب بالصلاة قائمًا وأنت قادر الآن فقم، ثم إن عنَّ لك أو إن طرأ عليك ما يوجب الجلوس اجلس، هذا هو الأقرب.
طالب: اللي ذكره النووي يا شيخ.
الشيخ: نعم.
الطالب: هذا الذي ذكرت الآن يا شيخ ذكره النووي في شرح صحيح مسلم، وذكر الحديث أيضًا على المتنفل، على أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما كان يصلي جالسا قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ» (15)، فيدل على أن نفله لم يكن على النصف، فقال هذا الذي ذكرته الآن يا شيخ.
الشيخ: على كل حال يظهر أنه يبتدئها قائمًا، ثم إذا تعب جلس.
وأيضًا ربما يظن أنه يعجز عن القيام، فإذا قلنا: صلِّ جالسًا، ثم إذا قررت الركوع فقم؛ فنقول: هذا مبني على ظن، يعني ربما يظن أنه لا يستطيع القيام وهو يستطيع، فالذي يترجح عندي الآن بعد هذا البحث أنه يبتدئ الصلاة قائمًا، الفريضة، أما النافلة فنعم له أن يبتدئها جالسًا؛ لأن أصل القيام بالنافلة ليس بواجب.
طالب: لكن يا شيخ يخل بعدة أركان، لكن (... ). الشيخ: نعم، ما يخل إلا بالركوع فقط، والركوع له بدل، وهو الإيماء.
الطالب: والقيام من الركوع؟ الشيخ: والقيام من الركوع تبع له، لكن هذا أيضًا يخل بتكبيرة الإحرام، ويخل بقراءة الفاتحة.
طالب: فعل النبي صل الله عليه وسلم؟ أقول يا شيخ: فعل النبي.
الشيخ: فعل النبي هذا في النافلة.
الطالب: ما ثبت في النافلة، ثبت في الفريضة.
الشيخ: إلا بدليل، على كل حال هذا الذي تبين لي، وهو محل اجتهاد، فالذي يتبين لي هو هذا، نعم.
طالب: يا شيخ ما تكتبون بيه يا شيخ، تحذير يعني؟

الشيخ: لا ما نكتب فيه، لو كنا كلما رأينا مسألة فقهية كتبنا تحذيرًا؛ مشكلة، مسألة الحمد لله الأمر فيها واسع (... ). اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، هل يجوز للمسلم أن يصلي قاعدًا وهو قادر على القيام بقول الطبيب؟ الطالب: نعم يا شيخ، يجوز يا شيخ.
الشيخ: كيف؟ أنت فاهم السؤال؟ هل يجوز للمسلم أن يصلي قاعدًا وهو قادر على القيام بقول الطبيب؟ الطالب: على المذهب يا شيخ؟ الشيخ: على اللي تبغي.
الطالب: على المذهب، اشترط أن يكون الطبيب مسلمًا ثقة، ورجحنا أن يكون الطبيب ثقة ولو كان كافرًا.
الشيخ: نعم، أحسنت، اشتراط الإسلام في الطبيب على أي أساس مبني؟ طالب: على الأمانة.
الشيخ: على الأمانة؛ لأن غير المسلم لا يؤتمن، يشترط أن يكون طبيبًا، فإن كان متعلمًا هل يؤخذ بقوله؟ الطالب: لا يؤخذ.
الشيخ: لماذا؟ طالب: لأنه عندما اشترط الطب هذا دلالة على القوة في العمل.
الشيخ: إي، لماذا لا نأخذ بقول المتعلم؟ الطالب: لأنه ظن أنه يخطئ أكثر مما يصيب.
الشيخ: إذن لأنه لا يوثق بقوله، حينئذٍ نعرف أن المدار على؟ طالب: الأمانة.
الشيخ: الأمانة؟ الطالب: العلم، وعلى القوة في العلم.
الشيخ: على الأمانة؟ وبناءً على هذا نقول: إنه يجوز أن يعمل بقول غير المسلم إذا وثقنا من قوله، هل هناك أثر يدل على ذلك؟ طالب: هناك قصة النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، عندما استأجر دليلًا ليس مسلمًا (3)، مع أن الحال لا يقتضي؛ لأنه كان هناك طلب من قريش وجائزة مئة ناقة، لكن (... ). الشيخ: إذن الدليل هو أن الرسول استأجر رجلًا مشركًا يدله على الطريق في سفر الهجرة، مع أن المسألة خطيرة جدًّا.
هل يجوز تجوز صلاة الفرض على الراحلة؟ طالب: صلاة الفرض؟ الشيخ: نعم.
الطالب: لا تجوز على الراحلة دون عذر.
الشيخ: بدون عذر.
الطالب: إما إذا خشي التأذي، فإنه لا (... ). الشيخ: طيب والنافلة؟ الطالب: النافلة يصح.
الشيخ: تصح على الراحلة ولو بلا عذر؟

الطالب: ولو بلا عذر.
الشيخ: طيب، ما تقول؟ طالب: نعم صحيح.
الشيخ: صحيح؟ أفهمت جوابه؟ الطالب: فهمت، وقال: النافلة صحيح، والفريضة لا يصح.
الشيخ: إلا لعذر، تمام.


قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: من سافر سفرًا) إلى آخره، نحن ذكرنا أن الأعذار التي عقد لها المؤلف بابًا للصلاة فيها ثلاثة: السفر، والثاني؟ الطلبة: المرض.
الشيخ: والثالث؟ الطلبة: الخوف.
الشيخ: الخوف، بدأ المؤلف رحمه الله بالسفر بعد أن تكلم عن المرض، بدأ بالسفر فقال: (من سافر سفرًا مباحًا أربعة برد) إلى آخره.
قال: (من سافر) (من) هذه اسم شرط، والمعروف أن أسماء الشرط تفيد العموم، فيشمل كل من سافر من ذكر أو أنثى، أو حر أو عبد، أو صغير أو كبير.
وقوله: (سافر سفرًا مباحًا) السفر: مفارقة محل الإقامة، وسمي بذلك لأن الإنسان يسفر بذلك عن نفسه، فبدلًا من أن يكون مكنونًا في بيته أصبح ظاهرًا بينًا بارزًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: 34] أي: تبين وظهر.
ولهذا نقول: إن السفر هو مفارقة محل الإقامة، وقال بعض العلماء: إنما سمي السفر سفرًا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، أي: يوضحها ويبينها، فإن كثيرًا من الناس لا تعرف أخلاقه ولا تعرف حسن سيرته إلا إذا سافرت معه، وكان بعض القضاة من السلف إذا شهد شخص لآخر بتزكية قال له: هل سافرت معه؟ قال: لا، هل عاملته؟ قال: لا، قال: إذن لا تعرفه.
فالسفر لا شك أنه يبين أخلاق الرجال، وكم من إنسان في البلد تراه كل يوم وتشاهده كل يوم ولا تعرف عن أخلاقه شيئًا، فإذا سافرت معه تبينت لك أخلاقه، لا سيما فيما سبق من الزمان حيث كانت الأسفار تستوعب أيامًا كثيرة، أما سفرنا اليوم فإنه لا يبين عن أخلاق الرجال؛ لأن السفر مثلًا من الرياض إلى القصيم خمس وثلاثون دقيقة لا يبين كثيرًا، لكن الأسفار الطويلة هي التي تبين الرجال.

على كل حال، السفر في اللغة: مفارقة محل الإقامة، هكذا قال ابن حزم في المحلى، وهذا هو الظاهر؛ لأنه من أسفر أي بان، والإنسان إذا فارق محل إقامته ظهر وانكشف وبان.
وقول المؤلف: (سفرًا مباحًا) المراد بالمباح هنا: ما ليس بحرام ولا مكروه، فيشمل الواجب والمستحب والمباح إباحة مطلقة؛ لأن الأسفار تنقسم إلى خمسة أقسام: حرام، ومكروه، ومباح، ومستحب، وواجب.
فالسفر لفريضة الحج: واجب، والسفر للمرة الثانية في الحج: مستحب، والسفر للنزهة: مباح، والسفر وحده: مكروه، والسفر لفعل محرم: حرام، ومنه سفر المرأة بلا محرم.
ما مراد المؤلف بكلمة (مباح) هنا؟ مراده ما ليس أيش؟ ما ليس بحرام ولا مكروه، فيشمل المباح المطلق والواجب والمستحب.
وقال: (أربعة برد) برد: جمع بريد، والبريد نصف يوم، وسمي بريدًا لأنهم فيما سبق كانوا إذا أرادوا في المراسلات السريعة يجعلونها في البريد، يرتبون بين كل نصف يوم مستقرًّا ومستراحًا يكون فيه خيل، إذا وصل صاحب الفرس الأول إلى هذا المكان نزل عن الفرس لتستريح، وركب فرسًا آخر إلى مسيرة نصف يوم، فيجد بعد مسيرة نصف يوم مستراحًا آخر فيه خيل ينزل عن الفرس التي كان راكبها ثم يركب آخر، وهكذا؛ لأن هذا أسرع، وفي الرجوع بالعكس.
فالبريد عندهم مسيرة نصف يوم، فتكون أربعة البرد يومين.
البريد: قدروه بالمساحة الأرضية أربعة فراسخ، البريد أربعة فراسخ، فتكون أربعة البرد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ قدروه بثلاثة أميال، فتكون كم؟ طلبة: ثمانية وأربعين.
الشيخ: ثلاثة في ستة عشر؟ ثلاثة في ستة عشر.
الطلبة: ثمانية وأربعين.
الشيخ: ثمانية وأربعين؟ ثمانية وأربعين ميلًا، هذا هو مسافة القصر، فهو مقدر بالمساحة.

بالزمن قالوا: إن مسيرته يومان قاصدان بسير الإبل المحملة، ما هي الهملاجة السريعة.
يومان قاصدان: يعني معتدلين، بمعنى أن الإنسان لا يسير فيهما ليلًا ونهارًا سيرًا بحتًا، ولا يكون كثير النزول والإقامة، فهما يومان قاصدان.
على كل حال، الفقهاء رحمهم الله يقدرون ذلك بالمساحة كما قلت لكم، ثمانية وأربعين ميلًا.
طالب: الميل المعروف.
الشيخ: أي الميل المعروف، أظنه كيلو وستين تقريبًا، نعم كيلو وستين، ظاهر الأحوال هذا.
يقول المؤلف: (سن له قصر رباعية ركعتين)، (سن) هذه جواب الشرط، جواب من سافر.
والسنة في اصطلاح العلماء: ما أثيب فاعله ولم يعاقب تاركه، فلا يدخل فيها الواجب.
وقوله: (قصر رباعية) هي ثلاث صلوات: الظهر والعصر والعشاء.
أما الثلاثية فلا تقصر؛ لأنها لو قصرت لفات المقصود منها وهي الوترية، ولأنها لا يمكن أن تقصر على سبيل النصف؛ إذ ليس هناك صلاة تكون ركعة ونصفًا.
وأما الثنائية فلا تقصر أيضًا؛ لأنها لو قصرت لكان في ذلك إجحاف كبير؛ إذ تبقى ركعة واحدة، ثم لو قصرت لكانت وترًا ففات المقصود، فانحصر القصر بالرباعيات فقط.
وهذا التعليل الذي قلته إنما هو بيان لوجه الحكمة، وإلا فالأصل هو اتباع النص؛ لأن ركعات الصلاة من الأمور التي لا تعقل، أي: لا تبلغها العقول، ولكننا نقول هذا من باب ذكر المناسبة، لماذا لم يشرع القصر إلا في الرباعيات.
أفادنا المؤلف بقوله رحمه الله: (من سافر) أنه لا يمكن قصر بدون سفر، حتى لو كان الإنسان في أشد المرض فإنه لا يقصر، عرفتم؟ لأنه ليس هناك سبب للقصر سوى السفر.

المرض، الشغل، والتعب لا يمكن أن يكون سببًا للقصر، ولهذا لو أن أحدكم زار مريضًا وسأله عن حاله وصلاته وهو في بلده فقال: الحمد لله على كل حال، لي خمسة عشر يومًا ما أصلي إلا ركعتين من شدة المرض، ماذا تقول له؟ أقول: أعد صلاتك، لماذا؟ لأنه لا سبب للقصر سوى السفر، أما لو كان يعالج في بلد أخرى غير بلده وقال مثل هذا الكلام فهل تكون صلاته صحيحة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأنه مسافر.
زار أحدكم مريضًا فسأله عن حاله وصلاته، قال الحمد لله على كل حال، لي خمسة عشر يومًا أجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، صحيح؟ الطلبة: نعم صحيح.
الشيخ: ليش؟ لأن الجمع يجوز للمرض، فالجمع يجوز للمشقة، أينما وجدت المشقة في سفر أو حضر جاز الجمع بخلاف القصر.
زار أحدكم مريضًا ثالثًا فقال له: كيف أنت وكيف حالك وكيف صلاتك؟ قال: الحمد لله على كل حال، لست أصلي الصلوات الخمس إلا جميعًا عند النوم؛ لأن ذلك يتعبني، ماذا نقول له؟ طلبة: أعد بعضها.
الشيخ: لا، نقول: تب فقط، كيف يعيد صلاته الآن، لو أعاد صلاته ما استفاد؛ لأنه يصلي الصلاة كاملة لكنه يؤخر الظهر والعصر عن وقتهما، أليس كذلك؟ وإذا كان يصلي العشاء أيضًا بعد نصف الليل فكان ترك الصلوات كلها أخرجها عن وقتها.
طالب: الفجر؟ الشيخ: نعم؟ الفجر لا، أنا قصد، يقول: قبل النوم، الفجر دخلها معه، يصلي الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء إذا أراد أن ينام لأنه مريض، نقول: هذا خطأ، ولا يحل لك أن تؤخر الصلاة عن وقتها، صل الصلاة على وقتها على أي حال كانت، واضح؟ أفادنا المؤلف: (من سافر) أنه لا سبب يبيح القصر سوى السفر.

وقول المؤلف: (سفرًا مباحًا) خرج به المحرم والمكروه، وعلى هذا فلو سافر الإنسان سفرًا محرمًا لم يبح له القصر، لماذا؟ لأن المسافر سفر معصية لا ينبغي له أن يترخص؛ إذ إن الرخصة تسهيل وتيسير على المكلف، والمسافر سفرًا محرمًا لا يستحق أن يسهل عليه ويرخص له، فلهذا منع من رخص السفر، منع من القصر، منع من مسح الخفين ثلاثة أيام، منع من الفطر في رمضان.
ولكن العلاج سهل، ماذا نقول له؟ نقول: تب إلى الله، تب إلى الله واقصر، فإذا كان في منتصف الطريق في السفر المحرم وقال: أستغفر الله وأتوب إليه، رجعت الآن إلى بلدي، في رجوعه هنا يقصر أو لا؟ الطلبة: يقصر.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: سفر مباح.
الشيخ: سفر مباح، انقلب السفر المحرم مباحًا، طيب.
وذهب الإمام أبو حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة كثيرة من العلماء إلى أنه لا تشترط الإباحة لجواز القصر، وأن الإنسان يجوز أن يقصر حتى في السفر المحرم، وقالوا: إن هذا ليس برخصة، بل إن صلاة الركعتين في السفر ليست تحويلًا من الأربع إلى الركعتين، بل هي من الأصل ركعتان، والرخصة هي التحويل من العزيمة أو من الأثقل إلى الأخف، أما صلاة المسافر فهي مفروضة من أول الأمر ركعتين، وعلى هذا فيجوز للمسافر سفرًا محرمًا أن يصلي ركعتين، ولا يشترط على هذا الرأي لا تشترط إباحة السفر.
وهذا القول كما ترون قول قوي؛ لأن تعليله ظاهر، فالقصر منوط بالسفر، على أن الركعتين هما أيش؟ هما الفرض فيه، لا على أن الصلاة حولت من أربع إلى ركعتين، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها، قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر على ركعتين (16). وحينئذٍ يتبين أن الركعتين في السفر أيش؟ عزيمة، لا رخصة، وعليه فلا فرق بين السفر المحرم والسفر المباح.
وقول المؤلف، ما نكمل؟

طالب: الخوف.
الشيخ: لا، الخوف في الحضر؟

الطالب: في الجهاد.
الشيخ: في الحضر يعني؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني الجهاد في بلدك؟ لا، ما فيه قصر.
الطالب: عموم الآية.
الشيخ: ما فيه قصر، الآية يصلي ركعتين ويصلي في الطائفة الأخرى ركعتين.
طالب: نلتمس مثالًا للسفر المكروه.
الشيخ: ما ذكرناه؟ الطالب: ذكرنا ضابطًا، بس مثال.
الشيخ: ذكرنا مثالًا.
الطالب: مثال للسفر؟ الشيخ: قلنا: لو سافر الرجل وحده، على القول بأنه مكروه، فهذا منه، وبعضهم قال: لو سافر ليأكل البصل، ما أظن واحدًا يسافر علشان يأكل بصلًا، البصل موجود بكل مكان.
نعم.
طالب: سفر النزهة يا شيخ؟ النزهة هل يجوز فيه القصر؟ الشيخ: إي نعم؛ لأنه داخل العموم.
الطالب: (... ) سافر، فقط نزهة.
الشيخ: إي لكن تجاوز أربعة برد.
الطالب: على قول المذهب؟ الشيخ: إي إحنا بنمشي على المذهب، بعدما نحلل نشوف.
نعم.
طالب: شيخ، جاء عند أبي داود وغيره وصححه جمع من العلماء: النهي عن صلاة النساء على الرواحل في السفر وفي الحضر (17). الشيخ: على الرواحل؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: في فريضة ولا النافلة؟ الطالب: فريضة ولا النافلة.
الشيخ: النافلة لا وجه لها، والفريضة حتى الرجال منهيون عن الصلاة على الراحلة.
الطالب: كيف نوجه هذا الحديث؟ الشيخ: ما أدري ما وجهه.
نعم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة لقاعدة شيخ الإسلام عندما قال: الرخصة من الأثقل إلى الأخف، فعلى هذه القاعدة هل يعني الذي ليس عليه مشقة نقول له: لا تجمع في الصلاة؟ الشيخ: لا؛ لأن العلة إذا لم تكن منصوصة فالحكم ثابت، والنبي عليه الصلاة والسلام كما تعلم قصر في منى، وفي مزدلفة، في عرفة، وليس عليه مشقة.
طالب: يا شيخ، جزاك الله خيرًا، طيب لو مسافر صلى أربع ركعات، أتم، هل يقول شيخ الإسلام: إنها تبطل الصلاة هذه لأنها عزيمة؟ الشيخ: ما وصلنا لهذه.
الطالب: بس ذكر.
الشيخ: سن له، ما وصلنا، إحنا سن، بنتكلم على (سن) إن شاء الله.
الطالب: بس تعليل شيخ الإسلام.

طالب آخر: لماذا قلنا للذي قعد خمسة عشر يومًا يجمع: أعد صلاتك، ولا قلنا للثاني: لا تعد صلاتك؟ الشيخ: إي نعم، السؤال: يسأل في الذين عادوا المرضى، أحد المرضى قال: إني خمسة عشر يومًا لست أصلي إلا ركعتين، فقلنا: أعد صلاتك، واضح؟ لأن الصلاة ركعتين ما تجزئ، الذي قال لي: خمسة عشر يومًا ما أصلي الصلوات الخمس إلا عند النوم، قلنا: لا تعد صلاتك، لماذا؟ طالب: في غير وقتها.
الشيخ: إي في غير وقتها، نقول: أنت آثم الآن، أنت آثم في تأخيرك ولكن الصلاة صحيحة.
طالب: أخرج الصلاة عن وقتها يا شيخ؟ الشيخ: لكن جاهل ما يدري.
طالب: حديث عائشة رضي الله عنها (... ) في صحيح البخاري كيف توجيهه: أول ما صلى الصلاة ركعتين ثم.. الشيخ: يأتينا إن شاء الله عند قول المؤلف: (سن له قصر رباعية) نعم؟ طالب: بارك الله فيكم، تحديد المسافة بأربعة برد، شنو دليله؟ الشيخ: يأتينا إن شاء الله، إحنا الآن على سفر مباح، نعم؟

طالب: نحن أخذنا قاعدة، قال: إنه إذا كانت العبادة من باب المأمور فإنها لا تسقط حتى لو صلاها الشخص على غير أصلها، فالمريض مثلًا إذا صلى الصلوات كلها مثلًا بعد العشاء مثلًا (... ) غيره.
الشيخ: نعم، جاهلًا.
الطالب: لكن من باب المأمور يا شيخ.
الشيخ: أقول: جاهلا ولَّا لا؟ الطالب: جهل نعم.
الشيخ: طيب، الآن ماذا يستفيده، هو صلى الصلاة على وجه التمام، فماذا يستفيد لو أعادها؟ هل سيأتي بمأمور جديد؟ طالب: يعيدها في وقتها.
الشيخ: راح وقته الآن.
الطالب: العصر بالعصر.
الشيخ: لا، عصر اليوم ليس عصرًا لصلاة أمس، ولهذا نقول لمن نسي العصر مثلًا: لا تصبر إلى عصر الغد، يجب تصليها الآن، مثلما ذكرت، ولو بنصف الليل؛ لأنه راح وقتها، إي نعم.
نعم.
طالب: أحسن الله إليك، بالنسبة للطبيب هل يشترط العدد أكثر من واحد؟ الشيخ: لا ما هو بشرط، الطبيب الواحد يكفي، نعم.
طالب: على رأي المؤلف يا شيخ اللي سافر وحده ما يقصر؟ الشيخ: إي نعم.

الطالب: صحيح هذا يا شيخ؟ الشيخ: ولكن لاحظوا مسألة، ما ذكرنا الخلاف تو؟ ذكرنا الذي يسافر سفرًا محرمًا فيه خلاف، وذكرنا اختيار شيخ الإسلام ومذهب أبي حنيفة.
السفر وحده: بالنسبة للوقت الحاضر لا يعتبر وحده في الطريق المأهول، يعني مثلًا طريق ما بين القصيم والرياض لو سافر الإنسان في السيارة وحده ما نقول: هذا السفر وحده، عرفت؟ لماذا؟ لأن الخط معمور، كأنما يمشي في شارع البلد، هو راكب وحده ولكنه ليس مسافرًا وحده، الخط ماشي، أما الخطوط التي ليس فيها أحد فهذه يكون الإنسان مسافرًا وحده، وعلى أن المسألة خلافية، والبخاري رحمه الله في صحيحه يميل إلى أنه لا يكره السفر وحده ويشير إلى ضعف الحديث: «الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ» (18).

طالب: أحسن الله إليك، في باب الصوم، من سافر ليفطر فإنه لا يفطر، يحرم عليه الفطر، الصلاة لو سافر سفرًا محرمًا يترخص؟ الشيخ: إي نعم، حتى في السفر في رمضان لو سافر سفرًا محرمًا؛ فعند من يقول: إنه يقصر يجوز أن يفطر، ففرق بين من سافر ليسقط الواجب، فالذي سافر ليسقط الواجب نقول: لا يمكن؛ لأن التحايل على إسقاط الواجب لا يسقطه، ولهذا لو أنه سافر لأجل أن يقصر قلنا: لا تقصر.
طالب: شيخ، الراجح قول ابن تيمية شيخ الإسلام؟ الشيخ: قلت لكم: تعليله قوي.
الطالب: (... ) ما رجحت.
الشيخ: أقول: تعليله قوي، ومعنى قوي: إذا قويت العلة قوي القول.
طالب: شيخ إذا كان المريض مبنجًا، في البنج، ما فاق إلا بعد العشاء، يفيق قبل المغرب لكن ما واعٍ كليًّا، يعني يوعى عادي يكلم، لكن ما يستطيع يصلي، كيف يصلي الصلاة الأربعة؟ الشيخ: يصليها جميعًا إذا صحا.
الطالب: كيف كونه يجمع الأربع (... )؟ الشيخ: من؟ الطالب: يجمع أربع صلوات جميعًا؟ الشيخ: اللي هو المبنج؟ الطالب: هذا قلنا: يصلي.
الشيخ: الذي غاب بالبنج؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يصلي الأربع جميعًا.

الطالب: والذي صلاهن جاهل يجمعهم جميعًا؟ الشيخ: إي قلنا: خلاص صلى.
الطالب: نعذره بالجهل يا شيخ ولّا ليس (... )؟ الشيخ: إي ما يعيده، يصليهن، صلاهن الآن.
الطالب: نعم.
الشيخ: قلنا: لا تعيدهن لأنه صلاهن.
الطالب: نعم.
الشيخ: صاحب البنج ما صلاهن (... ).


طالب: سن له قصر رباعية.
الشيخ: (من سافر) تجيب جواب الشرط بدون فعل الشرط، والله بخل عظيم هذا.
الطالب: قال المصنف رحمه الله تعالى: [صلاة المسافر] فصل

من سافر سفرًا مباحًا أربعة برد سن له قصر رباعية ركعتين إذا فارق عامر قريته، أو خيام قومه، وإن أحرم ثم سافر أو في سفر ثم أقام أو ذكر صلاة حضر في سفر، أو عكسها، أو ائتم بمقيم أو بمن يشك فيه، أو أحرم بصلاة يلزمه إتمامها فسدت وأعادها، أو لم ينو القصر عند إحرامها، أو شك في نيته، أو نوى إقامة أكثر من أربعة أيام، أو ملاحًا معه أهله لا ينوي الإقامة ببلد لزمه أن يتم.
وإن كان له طريقان... الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو السفر؟ طالب: السفر.
الشيخ: هاه؟ الطالب: (... ) السفر لأنه (... ). الشيخ: ما هو السفر قبل؟ الطالب: هو أظن أن يخرج عن طريقه من بلده.
الشيخ: عن؟ الطالب: عن بلده.
الشيخ: يعني مفارقة محل الإقامة، هذا السفر، لماذا سمي به؟ الطالب: سمي لأنه قيل: من يسافر يسفر عن قريته أو بلدته.
الشيخ: فيظهر ويتبين، نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، ومنه سفور المرأة، أي: ظهورها وبروزها.
قوله: (سفرًا مباحًا) ما المراد بالمباح هنا؟ طالب: ألا يكون سفر معصية.
الشيخ: ألا يكون سفر معصية؟ يعني: لا يدخل فيه المكروه؟ طالب: غير المحرم، ألا يكون محرمًا ولا مكروهًا.
الشيخ: المراد به: ألا يكون محرمًا ولا مكروهًا، فيشمل.
الطالب: فيشمل الواجب والمستحب والمباح.
الشيخ: والمباح إباحة مطلقة.

مثال الواجب، السفر الواجب؟ طالب: السفر إلى الحج.
الشيخ: نعم، والمستحب؟ الطالب: والمستحب كما يكون مرة ثانية إلى الحج.
الشيخ: أحسنت، السفر مرة ثانية إلى الحج.
والمباح؟ الطالب: المباح كالسفر إلى الصيد.
الشيخ: نعم، كالسفر للصيد، أحسنت، تمام، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2].
قوله: (أربعة برد).
الطالب: أربعة برد؟ الشيخ: إي نعم، ما هي البرد، تصريفها؟ طالب: البرد هو عبارة عن.. الشيخ: لا، تصريفها اللغوي؟ الطالب: جمع بريد.
الشيخ: جمع بريد، فكم مسافتها؟ الطالب: البريد الواحد يساوي مسيرة نصف يوم، أربعة برد صارت مسيرة يومين.
الشيخ: نعم، وبالفراسخ؟ البريد بالفراسخ؟ الطالب: البريد يساوي أربعة فراسخ.
الشيخ: نعم، فتكون أربعة البرد ستة عشر فرسخًا، والفرسخ كم ميل؟ الطالب: ثلاثة أميال.
الشيخ: فتكون ثمانية.
الطالب: وأربعين ميلًا.
الشيخ: نعم، طيب، لماذا سمي بريدًا؟ طالب: سمي بريدًا لأن (... ) في العهد الماضي كانوا يتخذون، يجعلون مستقرًّا بين، كل بين نصف يوم.
الشيخ: كل ما بين نصف يوم مستقرًّا ومستراحًا للبريد اللي يحمل الرسائل.
الطالب: وإذا كانت الرسالة مستعجلة يأخذها رجل على فرس كلما وصل إلى مستقر وضع فرسه الأولى وأخذ فرسًا أخرى، حتى يصل لمكانه المنشود ثم يرجع إليه.
الشيخ: تمام أحسنت.
قال المؤلف رحمه الله: (سن له قصر رباعية ركعتين)، سن له، يجب أن نعلم السنة؛ لها اصطلاحان: اصطلاح عند الفقهاء، واصطلاح في عرف الصحابة وسلف الأمة.

فالسنة في سلف الأمة وعند الصحابة: هي الطريقة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت واجبة أم مستحبة، فكلها تسمى سنة، ومن ذلك قول أنس بن مالك رضي الله عنه: من السنة إذ تزوج البكر على الثيب أن يقيم عندها سبعًا (19)، هذه سنة واجبة، وقول ابن عباس رضي الله عنهما حين سئل عن الرجل يصلي مع الإمام المقيم أربعًا، وإذا صلى وحده وهو مسافر صلى ركعتين قال: تلك هي السنة (20) أي السنة الواجبة.
أما عند الفقهاء فإن السنة: هي التي يثاب فاعلها، ولا يعاقب تاركها، يعني معناها: الشيء المستحب، الشيء المستحب الذي إذا فعله الإنسان أثيب، وإذا تركه لم يعاقب.
فقول المؤلف هنا: (سن له قصر رباعية) سنة اصطلاحية ولَّا سنة حسب استعمال السلف؟ سنة اصطلاحية، يعني أن الراجح والذي يثاب عليه قصر رباعية ركعتين، يسن أن يقصر الرباعية ركعتين.
الرباعية هي: الظهر والعصر والعشاء، ركعتين.
ودليل ذلك في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
أما في القرآن فقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: 101] فقال: لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة، ونفي الجناح هنا لا يعني ارتفاع الإثم فقط؛ كقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، فنفي الجناح هنا ليس معناه رفع الإثم فقط، بل انتفاء المانع، أي: ليس بمانع أن يطوف بهما، وليس بمانع أن تقصروا من الصلاة، فإذا انتفى المانع نرجع إلى ما تقتضيه الأدلة الأخرى، فالأدلة الأخرى في الصلاة تقتضي أن القصر أمر راجح على الإتمام، أليس كذلك؟

الدليل: النوع الثاني من الأدلة التي ذكرناها، وهو فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر صلى ركعتين، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى أربعًا في سفر قط، بل كل أسفاره –الطويلة والقصيرة- كان يصلي ركعتين.
وأما إجماع المسلمين فهذا أمر معلوم بالضرورة، كما قال ابن عمر: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يزيدون على ركعتين في السفر (21)، والمسلمون مجمعون على هذا.
إذن قصر الرباعية ركعتين ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولكن في دليل الكتاب شيء من التوقف والإشكال؛ وهي أن الله تعالى قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقيد الله عز وجل هذا بخوف الفتنة من الكفار.
والمراد من خوف الفتنة هنا: أن يمنعوكم من إتمام صلاتكم، ولكن هذا الشرط مرتفع بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام التي أخبر بها عن ربه؛ فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أشكل عليه هذا القيد فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ قال: يا رسول الله، ما بالنا نقصر ونحن في أمن؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قصر في آمن ما يكون، في أسفاره قصر في حجة الوداع، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (22)، فصارت إباحة القصر في الأمن صدقة تصدق الله بها علينا، وإلَّا فإن الأصل أيش؟ الأصل الإتمام، أن الحضر والسفر سواء، فهذا هو الجواب عن هذا القيد في الآية.
وقال بعض العلماء: إن قصر الصلاة ينقسم إلى قسمين: قصر عدد، وقصر هيئة، فإذا اجتمع الخوف والسفر اجتمع القصران، وإن انفرد أحدهما انفرد بالقصر الذي يلائمه، فإذا انفرد السفر صار القصر بالعدد، وإن انفرد الخوف صار القصر في الهيئة، وإن اجتمعا صار في هذا وفي هذا.

وعلى كل حال هذه لا شك أنه مناسبة جيدة وطلب للعلة والحكمة، ولكن الذي يفصل هو السنة، هو قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» (22). إذن القصر ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولا إشكال فيه.
ولكن يقول المؤلف: (سن له قصر رباعية ركعتين) إلى آخره.
ونحن نتكلم أولًا على قوله: (سن) وعلى قوله: (أربعة برد)، وعلى قوله: (سفرًا مباحًا).
أما قوله: (سفرًا مباحًا) فقد تقدم لنا أن من أهل العلم من قال: إن القصر رخصة في السفر مطلقًا، سواء كان مباحا أم محرمًا، وذكرنا أن هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ومذهب أبي حنيفة.
وقال بعض العلماء: إنه لا قصر إلا في سفر طاعة، كالحج والعمرة والجهاد وزيارة الوالدين وما أشبه ذلك، وأما المباح فلا قصر فيه، وهذا القول في الطرف المقابل لقول من يقول: إنه يقصر حتى في السفر المحرم.
والصحيح ما سبق: أن القصر ثابت في كل سفر إلَّا في السفر المحرم؛ لأننا لو أبحنا له القصر لكان هذا فيه شيء من الإقرار على المعصية التي كان مقيمًا عليها، وحاله تقتضي عكس التخفيف، والمسألة ليست عندي بذاك القوة: أي ترجيح أنه لا بد أن يكون السفر مباحًا.
أربعة البرد: المؤلف اشترط أربعة برد، وهذا يقتضي أن ما دونها ولو بمتر واحد لا يبيح القصر، وما بلغها وتجاوزها فهو قصر ولو قطعه في نصف ساعة؟ إذا اعتبرنا المسافة بالأميال والفراسخ فإن ما دونها ولو بشبر، أنا قلت: بذراع أو بمتر، أقول: بشبر ليس بسفر يترخص فيه، وما زاد عليها فهو سفر يترخص فيه ولو قطعه بنصف ساعة أو أقل، ولو رجع في ساعته، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء.

ولكن الصحيح أنه لا حد للسفر بالمسافة؛ لأن التحديد -كما قال صاحب المغني- يحتاج إلى توقيف، وأيش معنى توقيف؟ يعني نصًّا من الشارع، والله عز وجل يعلم أن المسلمين يسافرون، فكم من شخص يسافر في اليوم الواحد، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن الناس يسافرون في الليل والنهار، ولم يرد عنه حرف واحد يقول: إن تحديد السفر مسافته كذا وكذا، ولم يتكلم أحد من الصحابة بطلب التحديد للسفر، مع أنهم في الأشياء المجملة يسألون عن تفسيرها وبيانها، فلما لم يسألوا علم أن الأمر عندهم واضح.. سُنَّ له قَصْرُ رُباعيَّةٍ رَكعتينِ إذا فَارَقَ عامِرَ قَريتِه أو خِيامَ قَوْمِه، وإن أَحْرَمَ ثم سافَرَ، أو في سَفَرٍ ثم أَقامَ أو ذَكَرَ صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ أو عَكْسَها أو ائْتَمَّ بِمُقِيمٍ أو بِمَنْ يَشُكُّ فيه، أو أَحْرَمَ بصلاةٍ يَلْزَمُه إتمامُها ففَسَدَتْ وأَعادَها، أو لم يَنْوِ الْقَصْرَ عندَ إحرامِها، أو شَكَّ في نِيَّتِه، أو نَوَى إقامةَ أكثرَ من أربعةِ أيَّامٍ، إذا اعتبرنا المسافة بالأميال والفراسخ فإن ما دونها ولو بشبر -ما هو أنا قلت: بذراع أو بمتر- أقول: بشبر، ليس بسَفَر يترخص فيه، وما زاد عليها فهو سفر يترخص فيه، ولو قطعه بنصف ساعة أو أقل، ولو رجع في ساعته، وهذا هو الذي عليه أكثر العلماء.
ولكن الصحيح: أنه لا حَدَّ للسفر بالمسافة؛ لأن التحديد كما قال صاحب المغني: يحتاج إلى توقيف، أيش معنى توقيف؟ يعني نَصٌّ من الشارع.
والله عزَّ وجل يعلم أن المسلمين يسافرون، فكم من شخص يسافر في اليوم الواحد، والنبي عليه الصلاة والسلام يعلم أن الناس يسافرون في الليل والنهار ولم يَرِد عنه حرف واحد يقول: إن تحديد السفر مسافته كذا وكذا.

ولم يتكلم أحد من الصحابة بطلب التحديد للسفر، مع أنهم في الأشياء المجمَلة يسألون عن تفسيرها وبيانها، فلما لم يسألوا عُلِمَ أن الأمر عندهم واضح، وأن هذا معنًى لغوي يرجع فيه إلى ما تقتضيه اللغة.
وإذا كان كذلك ننظر هل للسفر حد في اللغة العربية؟ لا، ما سموه الناس سفرًا فهو سفر.
إذن لم يَرِد عن النبي عليه الصلاة والسلام تحديد السفر بالمسافة، والآثار الواردة عن الصحابة مختلفة اختلافًا عظيمًا، حتى عن الواحد منهم تختلف، أحيانًا يقيد السفر بما يقتضي أن يكون نصف ما قيَّدَه في موضع آخر.
إذا كان لم يَرِد عن الرسول عليه الصلاة والسلام تقييد السفر بالمسافة، وليس هناك حقيقة لغوية تبينه كان المرجع فيه إلى العُرْف.
ويقول شيخ الإسلام رحمه الله: إنه ليس عند النبي صلى الله عليه وسلم في عهده أناس مسَّاحون يمسحون الأرض ويقيسونها بالذراع وبالأصابع، وحبة الشعير، وشعر البرذون؛ لأن هذه المسافة أربعة بُرُد تتحول في النهاية إلى شعرة الفرس.
لأنهم يقولون مثلًا: الميل كذا وكذا ذراعًا، والذراع كذا وكذا قدمًا، والقدم كذا وكذا أصبعًا، والأصبع كذا وكذا حبة الشعير، وحبة الشعير كذا وكذا شعرة، ثم تنزل إلى أن يكون ما بين حبة الرمل وحبة الرمل الأخرى مسافة قصر أو عدم مسافة قصر، وهذا شيء غريب أن يقيَّد بهذا التقييد.
فالصواب أن المرجع في ذلك إلى العرف، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج ثلاثة أميال أو فراسخ صلى ركعتين (1)، ثلاثة أميال أو فراسخ -الشك من شعبة- صلى ركعتين، ومعلوم أن ثلاثة فراسخ نسبتها إلى ستة عشر فرسخًا يسيرة جدًّا.
إذن الصحيح أنه لا حَدَّ للمسافة، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف، ولكن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إن المسافة الطويلة في الزمن القصير سفر، والإقامة الطويلة في المسافة القصيرة سفر، فالمسألة لا تخلو من أربع حالات:

سفر طويل في مسافة طويلة، هذا سفر لا إشكال فيه، كما لو ذهب إلى مكة من القصيم، وبقي مثلًا عشرة أيام، هذا لا شك أنه سفر.
زمن قصير في مسافة قصيرة، هذا ليس بسفر، كما لو خرج مثلًا من عنيزة إلى بريدة في ضحى يوم ورجع، أو إلى الرَّسِّ، أو إلى أبعد من ذلك، لكنه قريب لا يُعَدُّ مسافة طويلة، فهذا ليس بسفر.
مسافة قصيرة لكن في زمن طويل، بمعنى أنه ذهب إلى مكان قريب لا يُنْسَب لبلده، وليس منها، وبقي يومين أو ثلاثة مثلًا فهذا سفر، فلو ذهب إنسان من عنيزة إلى بريدة مثلًا ليقيم ثلاثة أيام أو يومين أو ما أشبه ذلك فهو مسافر.
القسم الرابع: مسافة بعيدة في زمن قصير، ذهب مثلًا من القصيم إلى جدة في يومه ورجع، فهذا يسمى سفرًا؛ لأن الناس يتأهَّبُون له، ويرون أنهم مسافرون.
فإن أشكل عليك، أحيانًا يشكل هل يكون هذا سفرًا عُرْفًا أو لا؟ فهنا يتجاذب المسألة أصلان: الأصل الأول: أن السفر مفارقة محل الإقامة، فالأصل أن كل مَن فارَق محل إقامته فهو مسافِر، وحينئذٍ نقول: نأخذ بهذا الأصل.
والأصل الثاني اللي يتجاذبه أن يقال: الأصل الإقامة حتى يتحقق السفر، وما دام الإنسان شاكًّا في السفر، فهو شاكٌّ هل هو مقيم أو مسافر، والأصل الإقامة، وعلى هذا فنقول في مثل هذه الصورة: الاحتياط أن تُتِمَّ؛ لأن الأصل هو الإقامة حتى نتحقق أنه يسمى سفرًا.
إذن هذه نقطة هل يتقيد السفر بمسافة أو لا؟ نقول: للعلماء في ذلك أكثر من عشرين قولًا، أكثر من عشرين قولًا في مسألة واحدة، ليش؟ لأنه ليس هناك نص فاصل؛ فلذلك اختلفوا فيها، ومن أجمل ما رأيت في نقل الآثار في هذا ما جمعه ابن حزم في المحلَّى، فإنه جمع في ذلك آثارًا لا تكاد تجدها في غيرها عن السلف في اختلافهم في هذه المسألة.
القول الراجح الذي تطمئن إليه النفس هو أن السفر ما سمَّاه الناس سفرًا في عُرفهم، يرجع في ذلك إلى العرف.

(سنَّ له قَصْر رباعيةٍ)، المؤلف أفادنا بقوله: (سنَّ) أن القَصْر سُنَّة، وهذا أيضًا موضع خلاف، فعلى ما ذهب إليه المؤلف من أن القَصْر سنة، نقول: لو أتم فهل يأثم؟ طلبة: لا يأثم.
الشيخ: لا يأثم، هل يوصف بأن عمله مكروه، ونقول: هذا فَعَلَ مكروهًا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأننا نقول: لا يلزم من ترك السنة الوقوع في المكروه، ولهذا لو إنسانًا لم يرفع يديه في الصلاة مثلًا عند الركوع هل نقول: إن هذا فَعَل ما يُكْرَه؟ لا، وهذه قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أنه لا يلزم من ترك المستحب أيش؟ الوقوع في المكروه.
وقال بعض أهل العلم: إن الإتمام مكروه؛ لأن ذلك خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم المستمر الدائم، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما أتم أبدًا في سفر، وقال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (2)، فأقَلُّ ما نقول في الإتمام: إنه مكروه، وهذا القول اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو قول قوي، بل لعله أقوى الأقوال.
القول الثالث في المسألة: أن القصر واجب، وأن من أتم فهو آثم.
ودليل هذا: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: أول ما فُرِضَت الصلاة ركعتين، ثم زِيدَ في صلاة الحضر، وأُقِرَّت صلاة السفر على الفريضة الأولى (3). فقالت: أول ما فُرِضَت ركعتين، ثم قالت: وأُقِرَّت صلاة السفر على الفريضة الأولى، وهذا قول صحابي يَعْلَمُ الحكم، ويعلم مدلول الألفاظ، وقد صرح بأن الركعتين فريضة المسافر.
وفيه أيضًا آثار أخرى عن ابن عباس وعمر وغيرهما.
وأيضا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، وهذا كما تدخل فيه الهيئة، وهي كيفية، يدخل فيه القَدْر وهو كمية، فكما أن الرسول صلى الله عليه وسلم في سفره لا يزيد على الركعتين أبدًا، فإنا نقول: الذي يريد أن يطبق هذا الحديث يصلي في الحضر كم؟ طلبة: أربعًا.

جارٍ التحميل