الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 8344-8383

كذلك لو فُرِضَ أنه حين حُكم لفلان على فلان جاء المحكوم له فأبرأه؛ قال: أنا ما أنا مسامحك، الآن ما دام ثبت حقي، أهم شيء عندي أنه يثبت ولا يظهر للناس أني أنا المخطئ والآن أنت في حِلٍّ، مسامحك، ثم بعد ذلك رجع الشهود، فهل يرجع المبرَأ ولَّا لا؟ ما يرجع، ليش؟ لأنه أبرأه صاحب الحق ولم يضمن شيئًا؛ يعني هو الآن يقول: أنا لي وجهة نظر، ويش وجهة نظري؟ لما شهدا به لي ثبت لي ولَّا لا؟ ثبت لي، ولكن لما أبرأته الآن فإنني لا أرجع عليهما؛ السبب: لأني أنا الذي أسقطه ولم يَخْسَر المشهود عليه شيئًا، فلا رجوع حينئذ؛ يعني أن المشهود عليه لما شهد، ما هو ثبت للمشهود له على المشهود عليه ألف درهم، فجاء المشهود له فأبرأ المشهود عليه، فهنا لا يرجع المشهود عليه على الشهود؛ لأن المشهود عليه الآن أُسْقِطَ عنه الحق، فكيف يرجع وهو لم يضمن.
إذن انتبهوا للمسألة؛ صار إذا رجع الشهود بعد الحكم، سواء قبل الاستيفاء أو بعده، لم يُنقَض الحكم، يبقى كما هو، ولكن الضمان يكون عليهم إلا في صورتين: الصورة الأولى: إذا صدَّقهم المشهود له، فإنه إذا صدقهم بالرجوع لا يجوز أن يأخذ شيئًا يعتقد أنه ما هو له.
والثانية: إذا أُبْرِئ المشهود عليه فإن المشهود عليه لا يرجع عليهما.
طالب: المشهود له يا شيخ.
الشيخ: المشهود عليه؛ لأن المشهود له أبرأ، المشهود عليه ما يقول: والله أنتم ألزمتموني حقًّا وأسقطه غيركم، أعطوني إياه؛ لأننا نقول: أنت الآن لم تُضَمَّن شيئًا حتى تضمنهما، وما دمت لم تضمن شيئًا فلا شيء لك.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإن حَكَمَ بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد غَرِمَ المال كلَّه).

حكم مَنْ؟ القاضي بشاهد ويمين؛ الشاهد وإن رجع قبل الحكم فعلى ما سبق، ماذا يكون؟ لا يُحْكَم به أصلًا، بعد الحكم لا يُنْقَض الحكم، فعلى مَن يكون الضمان؟ يقول: على الشاهد الضمان كله، لا يتوهم واهِمٌ أن الضمان يكون نصفين؛ لأن الحُكْم ما ثبت إلا بالشاهد واليمين، نقول: لا، بينهما فرق.
الشهود يلزمهم الضمان، كل واحد يأخذ نصف الذي فيه الضمان، لكن هذا يكون الضمانُ على الشاهدِ كلُّه، كلُّ ضمان يكون على الشاهد؛ لأن يمين المدعي لا يثبت بها شيء، لو يحلف المدعي ألف يمين بدون شاهد ما ثبت بها شيء.
إذن فالثبوت إنما كان للشاهد، لكن اليمين تُقَوِّي جانبَه فقط، وليست هي التي توجب الحق؛ لهذا قالوا: إنه يضمن المال كلَّه.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يضمن النصف فقط بناءً على جَعْل اليمين كالشاهد الثاني، ولكن المذهب أَقْيسَ؛ أن الشاهد يضمن المال كله.
طالب: إن قلنا: إذا كان راعي الحق أسمع الشاهد وشهد، ولا يتهم راعي المال؛ راعي الحق مثلًا يمكن خلص بماله ولكن أشهد هذا والشاهد الأصل راع قال: لم آخذ حقي.
الشيخ: لا لا، هو صاحب الحق جاء بشاهد الفرع إلى شاهد الأصل، ما هو بقي، قال: أشهد فقط.
الطالب: لكن يتحدث صاحب الأصل، ما حمَّلها الشاهد هذا صاحب الفرع، ما حَمَّل الشاهد صاحب الفرع، ويتهم هذا.
الشيخ: ويش مثال ذلك؟ صورها لي.
الطالب: مثل: مثلًا عمرو يتحدث أن لزيد على خالد ألف ريال، جاء زيد (... ) وقال: اسمع عمرًا يقول: أنه لي على خالد ألف ريال، اسمع، ولكن ما حَمَّلَه، ما حَمَّله الشهادة.
الشيخ: سمعها الآن، هذا سمع.
الطالب: يمكن أنها خلاص أو أنها.. الشيخ: احتمال أنه خلاص، ويش قلنا؟ ويش الأصل؟ بقاء الحق.
الطالب: إذا كان لما حملها الأصل ما نقول: إنها... الشيخ: لا؛ لأن هذه سنة الله، قد لا يكون هناك طريق إلا هذا، هو لو أن الأصل موجود يمكن مراجعته، لكن المشكل إذا كان معدومًا ميتًا.

الطالب: ما نقول: إن هذا اللي جاب الشاهد؛ نقول: خله يُحَمِّلها الشاهد الأصلي.
الشيخ: ما هو بالشاهد الأصلي، مات الآن، هو إذا أمكن أننا نجيب الشاهد الأصلي جئنا به، لكن إذا لم يمكن؟ إي نعم، ولكن لاحظ لازم من يمين المدعي في هذه الحال، إذا صار شاهد واحد لازم من يمين المدعي (... ).


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا مسائل في (الشهادة على الشهادة)، وذكرنا شروط قبول الشهادة على الشهادة، وأنها؟ طالب: شرطان؛ أن يكون في حق كتاب القاضي إلى القاضي.
الشيخ: في حق يُقْبَل فيه.. الطالب: كتاب القاضي إلى القاضي.
الشيخ: نعم.
الطالب: وثانيًا إذا تعذَّر شاهد الأصل.
وثالثًا: أن يسترعيَه الأصل، وأن يسترعيه صاحب الفرع.
الشيخ: لا، هذا خلاف.
الطالب: أن يسمعها يقرُّ بها عند الحاكم وأن يعزوها إلى سبب.
الشيخ: هذه الثلاث التي هي الاسترعاء وعزوها للسبب والإدلاء بها عند الحاكم تعتبر شرطًا واحدًا.
طالب: (... ). الشيخ: أولًا: أن تكون في كل حق يُقْبَل فيه كتاب القاضي إلى القاضي.
والثاني: أن تتعذر شهادة الأصل.
والثالث: أن يسترعيه أو يَسْمَعَه يقرُّ بها عند الحاكم أو يعزوها إلى سبب.
فإذن الشروط ثلاثة.
أما الداعي إلى ذلك فهي أربعة أمور كما سبق.
إذا رجع شهود المال فهل يَضْمَنُون أو لا يَضْمَنُون؟ طالب: يضمنون، شهود المال يضمنون.
الشيخ: على كل حال.. الطالب: يضمنون يا شيخ إذا لم تكن هناك بينة.
الشيخ: لا، ما فيه بينة، هم البينة.
طالب: إذا رجعوا قبل الحكم فلا ضمان عليهم.
الشيخ: لأنه لن يحكم بشهادتهما.
الطالب: نعم.
الشيخ: إذن إذا رجعوا قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم ولا ضمان عليهم.
بعد الحكم؟ طالب: بعد الحكم يحكم عليهم.
الشيخ: كيف يحكم عليهم؟ الطالب: (... ).

الشيخ: بعد الحكم؛ شهدوا عند القاضي وحكم القاضي بوجوب ما ادعاه المدعِي لثبوته بالبينة ثم رجعوا بعد الحكم.
الطالب: (... ) إذا رجعوا بعد الحكم دون فعل القصاص (... ). الشيخ: ما هو قصاص، شهود المال قلنا.
الطالب: هم يضمنون.
الشيخ: السؤال؛ يضمنون أو ينقض الحكم؟ الطالب: ينقض الحكم؛ هو ينقض الحكم لكن الضمان على التفصيل.
الشيخ: ما راجعت للأسف.
طالب آخر: ما يُنْقَض الحكم، يُقْبَل، (... ) القصاص.
الشيخ: الآن شهود المال إذا رجعوا بعد الحكم؟ الطالب: لا ينقض.
الشيخ: لا ينقض.
الضمان؟ الطالب: الضمان؟ الشيخ: إي، لأن المدَّعَي عليه الآن غُرِّم بسبب شهادتهم؛ هل يضمنون أو لا يضمنون؟ الطالب: يضمنون.
الشيخ: يضمنون، لماذا؟ الطالب: لأنهم رجعوا بعد الحكم (... ). الشيخ: استثنينا مسألتين، الذي استثنينا؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، اللي زكاهم عليه ضمان مطلقًا.
الطالب: (... ). الشيخ: إي، اللي من زكاهم ما هو معهم، ما شهد، المزكي يشهد بعدالتهما فقط.
طالب: (... ). يضمنهم (... ) تنازل صاحب الحق عن الحق.
الشيخ: إذا صدقهم بذلك أو أبرأ مَنْ عليه الحق؛ إذا صدقهم المشهود له أو أبرأ مَنْ عليه الحق؛ لأنه إذا أبرأ مَنْ عليه الحق ما خَسِر شيئًا.
هنا مسألة مرت علينا وتمرُّ دائمًا؛ يقولون: إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر، وهنا الشهود سبب والمباشر قاضٍ، فلماذا لا يجعل الضمان هنا على القاضي؟ طالب: (... ) يا شيخ.
الشيخ: المعروف: القاعدة أنه إذا اجتمع في الإتلاف أو التفويت متسبب ومباشر فالضمان على المباشر، وهنا جعلنا الضمان على الشهود مع أن الذي باشر بالحكم وألزم هذا بالضمان هو القاضي.
طالب: لأنه هم السبب في هذا؛ يعني: يباشرون، أما القاضي هو حاكم؛ يعني: ليس كالمطلق المباشر.
طالب: (... ). طالب آخر: المباشر بالحق كيف (... )؟ الشيخ: حتى هم شهدوا بحق لكن تبين لهم أنهم أخطؤوا.

الطالب: هذا مباشر بحق، لأنه هذا الحكم الذي أثبته الرسول صلى الله عليه وسلم.. الشيخ: «أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (2). طالب: نقول: إنه إذا لم يمكن أن نضمِّن المباشر ضمان المتسبب؛ لأن المباشر.. الشيخ: المباشر يمكن نضمنه.
الطالب: لا، إذا لم يمكن أن نضمِّن المباشر في مثل هذه الحال، ضمَّنا المتسبب.
الشيخ: يمكن نضمنه.
الطالب: (... ) هنا ليس له قصد.
طالب آخر: لأنه يا شيخ لولا الشهود لما حكم القاضي، فبسبب شهادتهم بُوشِرَ العمل.
الشيخ: نحن ذكرنا في القاعدة هذه: ما لم تكن المباشرة مبنية على السبب، فإن كانت مبنية على السبب أُحيل الضمان على السبب، أو يكون المباشر ليس أهلًا للضمان.
نحن استثنينا في القاعدة؛ قلنا: ما لم تكن المباشَرة مبنيَّة على السبب، فهنا قضاء القاضي مبني على الشهود، لولا الشهود ما حكم، فلذلك صار الضمان على الشهود.
إذا حُكِمَ بشاهد ويمين ثم رجع الشاهد، كيف يضمن؟ طالب: يَضْمَن الشاهد.
الشيخ: نصف المال؟ الطالب: لا، يَضْمَن المال كله.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: المؤلف يقول هذا.
الشيخ: لا، ما يكفي المؤلف.
الطالب: لأنه هو شاهد واحد (... ) صاحب الحق، لأنه ادعى أن الحق هذا لصاحب الحق، ورجع في هذا فهنا يضمن كله.
طالب آخر: حينما شهد الشاهد قوي جانب المدعي، وبعد ذلك (... ) بهذا الشاهد كان له الحق على المدعي.
الشيخ: إي نعم، لكن لماذا لا نقول: الضمان على الشاهد نصفه؛ لأن الحكم ما ثبت إلا به ويمين المدعي؟ الطالب: لأنه هو السبب الوحيد الذي جعَلَنا نحكم.
طالب آخر: نقول: إن الحكم ما ثبت إلا بشهادته لأن اليمين لا تقوى أن تثبت الحكم وحدها.
الشيخ: إي، صحيح؛ يعني: اليمين تقوية للشاهد فقط وليست الأصل؛ لأنه لو أننا جعلنا ليمين المدعي أثرًا كان معناه أننا قبلنا دعواه.
طالب: ما فهمنا إذا عزاها إلى سبب لِمَ جوَّزنا الشهادة على الشهادة (... ) وقد تتغير؟

الشيخ: يقولون: لأنه إذا لم يعزُها إلى سبب بدون استرعاء فإنه يحتمل أنه يحكي شيئًا قديمًا، إما إقرارًا غير صحيح أو شيئًا من الأمور التي يظنها موجِبَة وليست موجِبَة.
الطالب: وقد يكون قرضه وقد أوفاه.
الشيخ: نعم، قد يكون قرضه وباعه وثمن بيعه قد أوفاه، لكنهم يقولون: ربما أن الشاهد إذا لم يسترعه يظن أن هذا واجبًا عليه وهو ليس بواجب، فإذا عزاها إلى السبب زال الإشكال.
وأظنكم عرفتم الخلاف في هذه المسألة؛ قلنا: فيه قول آخر يقول: ما يحتاج إلى الاسترعاء، وقول ثالث: أنه يكفي استرعاء صاحب الحق دون الشاهد؛ يعني: لو أن صاحب الحق قال لشخص: تعال اسمع شهادة فلان على الحق الذي لي فإنه يجزئ، نحن ذكرنا فيها ثلاثة أقوال.


[باب اليمين في الدعاوى] ثم قال: (باب اليمين في الدعاوي).
(اليمين) اليمين سبق لنا أنها تأكيد الشيء بذكر معظَّم بلفظ مخصوص، هذه اليمين.
اليمين، والحلف، والقَسَم، والإيلاء، وما أشبه ذلك كلها معناها واحد؛ تأكيد الشيء بذكر معظَّمٍ بصيغة مخصوصة هي: والله، وما أشبهها، وما ينوب منابها.
و(الدعاوي) جمع دعوى، والدعوى إضافة الإنسان إلى نفسه شيئًا على غيره، عكس الإقرار؛ لأن الإقرار إضافة الإنسان لغيره شيئًا على نفسه، والشهادة إضافة الإنسان شيئًا لغيره على غيره.
فالدعوى أن يضيف الإنسان شيئًا لنفسه على غيره؛ فيقول: لي على فلان كذا وكذا.
اليمين في الدعاوي؛ المراد بهذا الباب بيان الدعاوي التي يُحلَّف فيها والتي لا يُحلف.
القاعدة العامة أن ما كان من حقوق الآدميين فإنه يحلَّف فيه، وما كان من حقوق الله فإنه لا يحلف فيه.
لماذا؟ لأن حقوق الآدميين فيها خَصم وهو الآدمي، فيحتاج إلى التبرئة أو التقوية؛ إلى التبرئة إن كان مدَّعًى عليه وهو ينكر، أو التقوية إن كان مدعيًا ومعه شاهد؛ يحتاج إلى التبرئة أو التقوية باليمين.

أما إذا كان الحق لغير الآدمي، فهذا لا يُسْتَحْلَف فيه؛ لأن هذا حقٌّ بين الإنسان وبين ربه، ولا نستحلفه ولا نتعرض له لكن نأمره، فإذا قال: إنه فعل، أو إنه ترك ما نستحلفه.
لماذا؟ لأن حق الآدمي يُقْضَى فيه بالنكول، وحق الله لا يُقْضَى فيه بالنكول؛ يعني: لو قيل للإنسان: احلف أنك أديت زكاتك، فقال: لا أحلف.
ما نقضي عليه ونقول: لازم تعطي الزكاة؛ لأن هذا حق الله، والإنسان عبادته بينه وبين ربه.
هذه القاعدة العامة.
إذن القاعدة العامة بسيطة؛ ما كان من حقوق الآدميين ففيه استحلاف وما كان من حقوق الله فلا استحلاف فيه.
يأتي شيء متردد بين حق الله وحق الآدمي فهذا يكون فيه خلاف بين العلماء في الغالب.
فيه بحث آخر؛ اليمين في الدعاوي هل هي لفصل الخصومة، أو للبراءة من الحق؟ سبق لنا أنها لفصل الخصومة، وأن المنكر لو حلف ثم أقام المدعي بينة حُكِمَ له ببينته، ولم تكن اليمين مزيلة للحق، فهي إذن تقطع الخصومة ولا تُثْبِت.
قال: (لا يُسْتَحْلَف في العبادات).
يعني: لو قيل لشخص: أنت ما صليت.
قال: مصلٍ.
ما صليت.
قال: مصلٍ.
ما صليت.
قال: مصلٍ.
نحلِّفه؟ ما نحلفه؛ لماذا؟ لأن هذا لحق الله.
قيل لإنسان: أنت صُمْت؟ قال: نعم.
قلنا: ما صمت.
قال: صايم.
ما صمت.
صايم.
نحلِّفه؟ ما نحلفه.
في الزكاة كذلك؛ قلنا: أدِّ الزكاة؟ قال: أديتها.
ما أديتها.
قال: أديتها.
هل نحلِّفه؟ لا.
هل نقول: إلى مَنْ أديت؟ لا نُلْزِمه.
يقول: أديتها إلى مستحق، ما عليكم مني.
نعم، إن علموا؛ قال: أديتها إلى فلان وأنت تعلم أنه غني في تلك الساعة نقول: رُدَّها منه.
إذن جميع العبادات لا يُسْتَحْلَف فيها، هذا الأصل.
(ولا في حدود الله) في حدود الله أيضًا ما نحلف الإنسان فيها.

والمراد في حدود الله ما يوجب الحد، لا يُحَلَّف؛ فلو قيل لشخص: أنت زنيت؟ قال: ما زنيت.
نقول: احلف؟ لا، ما نقول: احلف؛ لأنه لو لم يحلف هل نَحَدُّه؟ لا، لأننا لا نحُدُّه حتى يُقِرَّ ويبقى على إقراره إلى أن يُقَام عليه الحدُّ.
إذن كل ما يوجب الحدود لا نستحلفه.
ما يوجب التعزير؛ إن كان حقًّا لله فلا يُسْتَحْلَف، وإن كان حقًّا لآدمي فربما نستحلِفه؛ حقًّا الله مثل لو قيل له: إنك أنت غازلت امرأة، ومغازلة المرأة يوجب التعزير، ما يوجب الحد، قال: ما غازلت أبدًا، فهذا نحلفه؟ لا نحلفه.
نعم لو ادعت عليه هي أنه فعل ذلك، فربما نحلفه هنا من أجل أنه تعلَّق به حق آدمي.
قال: (ويُستحلَف المنكِر في كلِّ حقٍّ لآدمي).
يستحلف في كل حقٍّ لآدمي، من بيع وشراء وإجارة ووقف ورهن وغير ذلك، كل حقوق الآدميين يستحلف فيها المنكِر؛ دليل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (3)، شوف حتى في الحديث إشارة إلى أن المراد حقوق الآدميين؛ «عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمينِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»، وليس هناك مدَّعٍ ومدعًى عليه إلا في حقوق الآدميين.
استثنى المؤلف قال: (إلا النكاح، والطلاق، والرجعة، والإيلاء، وأصل الرق، والولاء، والاستيلاد، والنسب، والقود، والقذف).
كم دولا؟ عشرة، هذه استثنوها على خلاف فيها بين أهل العلم، لكن المذهب مستثناة.
النكاح؛ من الذي يدَّعي النكاح؟ طالب: المرأة.
طلبة: (... ). الشيخ: المرأة سبق أنها إن ادعت النكاح لمجرد النكاح لم تُسْمَع دعواها أصلًا، وإن ادعته لطلب مهر أو نفقة سُمِعَت دعواها ولم تُقْبَل إلا ببينة.
فإذا ادعت على الزوج؛ ادعت النكاح لأنها تريد المهر أو النفقة فهل يُسْتَحْلَف الزوج؟ نقول: لا يُستحلَف على المذهب.

ادعاه هو؛ قال: أنا متزوج المرأة هذه، هذه زوجتي.
قالت: ما أنا بزوجته.
إلا زوجتي، ما هي بزوجته.
راحوا للقاضي؛ ادَّعى الرجل قال: هذه زوجتي.
قالت هي: أبدًا ليست زوجته، طلب من المدعي الشهود لم يأتِ بشهود، هل يتوجه عليها اليمين؟ لا، ما نوجه اليمين عليها؛ علة ذلك قالوا: لأنها لو نَكَلَت لم يُقضَ عليها بالنكول، لو نكلت قالت: ما أنا بحالفة إما يأتي بالشهود ولَّا ما أنا بحالفة أني ما أنا بزوجته، لا يُقْضَى عليها بالنكول؛ لأن النكاح لا بد فيه من شهادة، ولا بد فيه من ولي، فلا يُقْضَى فيه بالنكول، بل نقول: إما أن تأتي يا أيها الزوج بالشهود، وإلَّا ففي أمان الله، ما نسمع دعواك، أو ما نقبل دعواك.
الطلاق: مَنْ المدعي؟ طالب: الزوج.
طالب آخر: المرأة.
الشيخ: كلاهما، يمكن هي ودت تَفْتَك منه فتدَّعِي أنه طلقها، أو هو وده يفتك منها فيدَّعي؟ طالب: لا.
الشيخ: كيف؟ الطالب: ما يدعي.
الشيخ: ييأس منها، امرأة عجوز، (... ) الطلب وعطى النفقة وعطاني كذا والفلان عندهم سيارة كاديلاك وأنا ما عندي إلا سيارة جيب تقطع (... ). على كل حال يعني: قد تكون هي المدعية، وقد يكون هو المدعي، يقول: يا جماعة، أنا مطلقها من زمان ومنتهية عدتها فُكُّونِي منها، ممكن هذا ولَّا لا؟ طالب: ممكن.
الشيخ: الذي يدَّعي الطلاق؛ نقول: عليك البينة.
لم يأتِ ببينة، هل يحلَّف الآخر؟ طالب: لا، ما نحلفه.
الشيخ: إذا ادعت أنه طلق، وقال: ما طلقت، ولم تأتِ ببينة، هل نُحَلِّف الزوج على أنه لم يطلق؟ لا، نقول: الزوجة زوجتك.
إذا ادعى هو أنه طلقها، وعلى كل حال لو طلق له أن يطلق ما فيه مانع، لكن هو يقول: أنا مطلقها من زمان ما لها عليَّ نفقة، يريد أن ينفي النفقة.
نقول: هات الشهود.
ما عنده شهود، ليس عنده شهود.
نحلفها أنه لم يطلقها؟ لا؛ لأن الأصل بقاء العَقْد، بقاء النكاح.
الطلاق.
(الرجعة) مَنِ المُدَّعِي الرجعة؟ طالب: الزوج.

الشيخ: الزوج، ويمكن الزوجة أيضًا، يمكن الزوج ويمكن الزوجة.
الزوج يدَّعي عليها أنه راجعها وهي تنكر؛ تقول: أبدًا.
فهنا إذا ادَّعى الزوج نقول: إما أن يُقْبَل قوله أو لا يُقْبَل، لكن إذا لم يقبل فلا يمين، سواء كان هو المدعِي أو هي المدعية.
(الإيلاء).
مَنِ المدعي؟ طالب: الزوجة.
طالب آخر: الزوج.
الشيخ: الزوج كيف؟ أتعرفون ما هو الإيلاء؟ الإيلاء أن يحلف الزوج على ترك وطء امرأته، فتقول: هذا الرجل آلى مني، اضربوا له مدة، كم المدة؟ أربعة أشهر، قال: أبدًا ما آليت، لم أولِ.
فهي المدعية؛ ما نحلِّف الزوج.
نقول: الحمد لله، الآن الرجل ما آلى، لكن إذا لم يقم بالحق الواجب عليه فالشرع (... ) مكانه.
يمكن يكون هو المدعي؟ نقول: هو إذا قال: إنه مولٍ، فهو ليس بمدَّعٍ، (... )؛ لأن الحق له.
(أصل الرق) يعني: مثلًا: إنسان عنده لقيط؛ اللقيط هو الطفل المنبوذ الذي لا يُعرَف نسبه، أخذ اللقيط وقال: هذا مملوك لي.
إذن؛ ادعى أصل الرق لأن الأصل أن اللقيط حرٌّ، والآن يثبت أنه رقيق.
نقول: ما يمكن، الأصل الحرية.
فإذا ادَّعى على هذا الشخص أنه رقيقه، وقال: أبدًا أنا لست رقيقًا له، أنا ما زلت أعرف عن نفسي أني لقيط، فهو حر، ولا يُحَلَّف هذا اللقيط.
أما لو كان عبدًا مملوكًا قد ثبت رقه، وادعى شخص أنه ملكه، وأنكر سيد العبد، فحينئذٍ يحلف المنكر ولَّا لا؟ واحد ادعى على هذا الشخص قال: هذا عبد لي، فقال الذي عنده هذا العبد: أبدًا، هذا عبدي.
يقول القاضي لمن ادعى أنه عبده: هات الشهود.
إذا لم يأت بالشهود يحلف صاحب العبد الذي هو بيده ويكون العبد له؛ لأن هذا ليس أصل الرق، الرق هنا ثابت، لكن الخلاف في أيش؟ في المالك مَنْ هو؟ هل هو هذا ولَّا هذا؟ كذلك (الولاء)، أصل الولاء؛ لأن الولاء متفرع عن الرق، فإذا ادعى شخص على إنسان حرٍّ معروف أنه حر، لم يملكه أحد، قال: هذا ولاؤه لي..

والاستيلادَ والنسَبَ والقَوَدَ والقذْفَ.
واليمينُ المشروعةُ اليمينُ باللهِ تعالى، ولا تُغَلَّظُ إلا فيما له خَطَرٌ.
وابن المعتق، وهو ابن ابن العتيق، فولاؤه لنا، قال: أبدًا، أنا حر، ولا لأحد عليَّ..، ولا هناك بيِّنة، يحلِّف هذا الذي ادُّعي أن الولاء لفلان عليه؟ لا.
(الاستيلاد) يعني: دعوى أن الأمة -أمة السيد- ولدت منه، هذا الاستيلاد، من المدعي السيد ولّا هي؟ طالب: الاثنان مع بعض.
طالب آخر: السيد.
طالب آخر: هي.
الشيخ: إي، اختلفوا فيها، شيخ الإسلام يقول: هي المدعية، هي اللي تدعي، والقاضي يقول: هو المدعي، والحقيقة أن الادعاء يكون منه ومنها؛ هي المدعية؛ لأنها تريد أن تكون أم ولد فتعتق بعد موت سيدها، ولا يبيعها –أيضًا- على المشهور من المذهب، فادعت أن سيدها أولدها، فقال: لا، ما أولدتُها، فهنا لا يحَلَّف السيد، لا يحلف أنه لم يولدها؛ لأن الأصل عدم الإيلاد؛ ولأن هذا فيه شائبة حق لله؛ لأن الحرية والرق فيهما شائبة حق لله.
أما أن يكون هو المدعي، فهو قد يدعي ذلك من أجل أن تعتق بعد موته ولا تباع في دَيْنه؛ لأنه إذا مات تعتق من رأس المال، لا من الثلث، فيقول هكذا علشان تعتُق، ولا تباع في دَيْنه، أو من أجل ألا يسلَّط عليها الغرماء فيبيعوها في حياته؛ لأن أمهات الأولاد لا يجوز بيعهن، فصار الادعاء قد يكون منه وقد يكون منها.
(والنسب) معلوم، واحد نسبه مجهول، مسكه واحد قال: تعال، ما شاء الله، الحمد لله على العقلان وعلى السلامة، أنت ولدي، قال: أنا ولدك؟ ولا أعرفك ولا تعرفني، ما أنا بولد لك، قال: ولدي، فأنكر المدعى عليه النسب، يُحَلَّف ولّا لا؟ لا يُحَلَّف، معلوم؛ لأن النسب فيه شائبة كبيرة حق لله عزّ وجل: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ» (1)، ما يُحلَّف، يقال لمن ادعى أنه ولده: هاتِ شهودًا وبينة على أنه ولدك، وإلا فلا شيء لك.
طيب، القود.. طالب: السبب في هذه المسائل يا شيخ؟

الشيخ: لأنه لا يقاد في النقود، كله يعلمون بهذا.
(القود) كيف القود؟ القصاص؛ يعني ادعى على شخص بقصاص، ما هو بجناية، بقصاص، قال: هذا عنده لي قصاص، أنه مثلًا حصل منه قطع يدي إن كان في القصاص فيما دون النفس، أو قتل أبي إن كان القصاص في النفس، وقال: أبدًا ما علي قصاص، فهنا لا يُحلَّف أنه لا قصاص عليه، ولكن يبقى النظر هل يحلف على نفي الدية؟ هذا ينبني على الخلاف في الواجب في قتل العمد؛ هل هو القود عينًا أو القود والدِّية؟ إذا قلنا: القود والدية يُحَلَّف؛ لأنها حق مالي.
يقول: (والقذف)، ويش معنى القذف؟ يعني ادعى شخص على آخر أنه قذفه؛ يعني رماه بالزنا أو اللواط، فقال: ما قذفتُه، المدعي إن أتى ببينة حُكِم له بها، إذا لم يأتِ ببينة لا نقول للقاذف: احلف.
طالب: المقذوف يا شيخ.
الشيخ: لا، للقاذف، المدعي هو المقذوف، لا نقول للقاذف: احلف.
وعلى كل حال هذه المسائل غالبها خلافية، غالبها فيها خلاف؛ لأن من أهل العلم من يقول بعموم الحديث: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (2)، وهذا المنكر إن كان صادقًا لم يضره اليمين، المنكر إن كان صادقًا فاليمين لا يضره، وإذا امتنع من اليمين كان ذلك قرينة على أن المدعي صادق، فحينئذٍ نقول: نرد اليمين على المدعي فإذا حلف حكم له.
ثم قال المؤلف: (وَالْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ هي الْيَمِينُ بِاللهِ).
هذه اليمين المشروعة، وما عدا ذلك فليس بمشروع، ولا يعد الممتنِع منها ناكلًا.
اليمين بالله هذه واحد؛ يعني أنواع الأيمان: اليمين بالله، اليمين بالنذر، اليمين بالتحريم، اليمين بالطلاق، كل هذه تكون يمينًا.
اليمين بالنذر، مثل أن يقول: إن فعلت هذا فللَّه عليَّ نذر أن أصوم سنة، ويش حكم هذا؟ هذا يمين بالنذر.
اليمين بالطلاق: إن فعلت كذا فزوجتي طالق.
اليمين بالتحريم: إن فعلت كذا فزوجتي حرام.
اليمين بالله: والله لا أفعل كذا.

فما هي اليمين المشروعة؟ هل هي اليمين بالله، أو اليمين بالطلاق، أو بالنذر، أو بالتحريم؟ نقول: اليمين بالله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» (2)، فهذه هي اليمين المشروعة.
المشروعة لدى الحالف أو لدى المحلِّف؟ لدى الحالف والمحلِّف، لدى الجميع، فالمحلِّف -كالقاضي مثلًا- لا يجوز له أن يحلِّف بالطلاق، أو بالتحريم، أو ما أشبه ذلك، لا يجوز؛ لأن اليمين المشروعة هي اليمين بالله، يوجد -والعياذ بالله- بعض الناس، بعض الحكام أو بعض الأمراء يحلفون الإنسان بالطلاق، ما يرضون أنه يحلف بالله، يقولون: إذا قلنا: احلف بالله، حلف ولا بالى، إذا قلنا: احلف بالطلاق؛ يعني: إن كان كذا وكذا فزوجتي طالق، فهو يُخاف من طلاق زوجته، هذا لا ننكر أن يكون واقعًا، ربما يكون بعض الناس يهون عليه الحلف باليمين الله، ولا يهون عليه الحلف بيمين الطلاق، لكن مع ذلك لا يجوز للقاضي أن يحلِّف بالطلاق؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ».
إذن اليمين المشروعة في جانب المحَلِّف أو المحلَّف؟ في جانبيهما جميعًا، هي اليمين بالله عزَّ وجل، وسبق لنا صيغ اليمين: والله، بالله، تالله.
طالب: إي والله.
الشيخ: إي والله هي والله يا شيخ، بس جبت (إي).
طالب: آلله.
الشيخ: هذه بدل عن الواو، حروف القسم هذه كلها ثلاثة، تجوز مع الفعل ومع عدمه، إلا الواو فيه ما يصح: حلفت والله، الباء تصلح مع الفعل مظهرًا أو مضمرًا، والتاء ما تُذكر مع الفعل.
(وَلَا تُغَلَّظ إلا فيما له خَطَرٌ) لا تُغَلَّظ اليمين إلا فيما له خطر؛ يعني فيما له شأن كبير، الشيء البسيط لا يجوز أن تغَلَّظ فيه، تغلَّظ في الذي له خطر، من الذي يطلب التغليظ؟ طالب: القاضي.

الشيخ: القاضي أو المدعي، فإذا طلب المدعي التغليظ ورأى القاضي أن الأمر خطير فله أن يغَلِّظ، مثلًا: ادُّعِيَ عليه بمليون ريال، مليون ريال له خطر ولّا لا؟ له خطر كبير، ادعي عليه بعشرة ريالات، لها خطر؟ لا، ما لها خطر.
تداعى زيد وعمرو عند القاضي في نعل يساوي خمسة ريالات؛ لأنه مستعمل، فقال المدعى عليه: ليس عندي ولا شفته، فقال القاضي للمدعي: هل لك بينة؟ قال: ما لي بينة، قال: إذن لك يمينه، قال: طيب، لكن غلَّظ عليه اليمين، يجيبه إلى طلبه؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ الطلبة: يسير.
الشيخ: هذا شيء يسير، فإذا قال المدعي هو شيء يسير عليك يا القاضي أنت، أنت تأخذ بالشهر خمسة عشر ألف ريال، هذا يسير عليك، لكن أنا ما عندي ولا قرش، ما هو يسير عليَّ؟ نقول: العبرة بأوساط الناس.
الذي له خطر؛ يعني: المال الكثير، القصاص، السرقة، وما أشبه ذلك، هذا الذي له خطر، أما الشيء البسيط فلا تغليظ فيه.
وقال بعض أهل العلم: حيث رأى القاضي التغليظ غلَّظ، وحيث لم يرَ التغليظ لم يغلظ؛ يعني أن المسألة ترجع إلى اجتهاد القاضي، قد يرى التغليظ؛ لأن هذا المنكِر رجل مبطئ لا يهمه أن يقول: والله ليس له عليَّ شيء، لكن لو غلظنا عليه ربما لا يحلف، ربما يتراجع، وربما يرى القاضي عدم التغليظ؛ لأن المنكِر رجل صدوق، ما يمكن أن يقول: ليس له عندي شيء، حتى وإن لم يحلف إلا وهو صادق، والصحيح هو هذا، الصحيح أنها ترجع إلى اجتهاد الحاكم، القاضي، إن رأى التغليظ غلَّظ وإلا فلا.
كيف التغليظ؟ التغليظ قالوا: يكون بالصيغة، والزمان، والمكان، والهيئة على القول الراجح.
بالزمان متى؟ بعد العصر، وقيل: بعد العصر أو بين الأذان والإقامة، لكن الصحيح أنه بعد العصر لقوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: 106]؛ بعد صلاة العصر.

بالمكان: بالمسجد الحرام، قالوا: بين الركن والمقام، مقام إبراهيم، بين الحَجَر والمقام، وفي بيت المقدس، قالوا: عند الصخرة، وفي بقية المساجد عند المنبر؛ لأنه المكان الذي يعلَن فيه الذكر والدعوة إلى الله، ولكن شيخ الإسلام يقول في بيت المقدس: إنه كغيره يكون عند المنبر، وأن الصخرة ليس لها حرمة في حد ذاتها، وأن أصل تعظيمها من النصارى؛ لأن اليهود لما احتلوا بيت المقدس أساءوا فيه، أو النصارى، أنا نسيت، المهم أن الذي احتله وأساء فيه، فلما انتصر عليه الآخر ذهب يعظِّم هذه الصخرة، ويزيل عنها الأذى والقمائم التي كانت عليها؛ فمن أجل ذلك عُظِّمت، وإلا فلا أصل لتعظيمها إطلاقًا، وعلى هذا فيكون التغليظ في المكان في بيت المقدس كغيره من المساجد عند المنبر.
التغليظ في الصيغة؛ أن يقول مثلًا: والله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، الغالب، الطالب، وما أشبه ذلك من الكلمات التي فيها زجر ووعيد.
الهيئة: أن يكون قائمًا لا جالسًا، فتغلظ اليمين في الأشياء التي لها خطر على كلام المؤلف، والصحيح أنه راجع إلى الإمام.
طالب: بعض الرافضة يحلف بالله وهو كاذب، هل.. الشيخ: أيش؟ الطالب: الرافضي يمكن أن يحلف بالله وهو كاذب، ولكن كما هو معلوم أنهم لا يحلفون بالعباس أو بعلي إذا كانوا كاذبين، فهل يحلفون بعلي أو بالعباس؟ الشيخ: لا، ما يحَلَّفون، لكن ما يمكن شيء آخر غير هذا؟ يعني مثلًا بأن يقال له مثلًا: قل: إن كنت كاذبًا فلا إمام لي مثلًا، أو: فأنا بريء من الإمام، ما هو بصيغة اليمين.
طالب: لا، هم يخافون التصريح به يا شيخ.
الشيخ: إي.
طالب: يحَلَّف برب العباس؟ الشيخ: ما يطيعون.
الطالب: يا شيخ، مثل الغالب الضار، هل هي من أسماء الله الحسنى؟ الشيخ: لا، ما هي من الأسماء، لكن من الأوصاف.
طالب: شيخ، بالنسبة لليمين بالطلاق يا شيخ، ذكرنا أنه لا يجوز الحلف بيمين الطلاق.
الشيخ: في الدعاوى، إي نعم.

الطالب: نعم، قلنا: إنها يمين غير شرعية.
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف نقول: يمين غير شرعية، وإذا حلف رجل على امرأته بالطلاق قلنا: إنه يكفر كفارة يمين شرعية؟ الشيخ: إي، معلوم عند الخصومات ما يُحَلَّف بها؛ لأن اليمين المشروعة في الخصومات هي اليمين بالله فقط.
الطالب: ويش الدليل على هذا؟ الشيخ: هو ما فيها دليل؛ لأن الصحابة ما كان معروفًا عندهم الحلف بالطلاق، كان معروفًا عندهم الحلف بالنذر، قال شيخ الإسلام: وإذا كانوا يجرون النذر مع تأكد الوفاء به مجرى اليمين فالطلاق من باب أولى، وإذا كان الله تعالى سمى التحريم يمينًا في قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2]، فهذا من باب أولى.
طالب: (... ). الشيخ: المذهب لا يُقضى عليه بالنكول؛ يعني إذا أبى التغليظ قالوا: فليس بناكل، والقول الثاني: يعد ناكلًا؛ لأن امتناعه عن التغليظ يكون قرينة على أنه كاره في إنكاره، وهذا أقوى.
طالب: فهلَّا في الشهادة يا شيخ قول: شهادة.. الشيخ: مر علينا هذا.
طالب: (... ) المشهود له صدق الشهود، قلنا: إن المشهود عليه لا (... )، الصورة هذه ما اتضحت.
الشيخ: لما المشهود له حُكم له مثلًا بعشرة آلاف ريال وأخذها، ثم رجعوا وصدقهم، هنا ما يضمنون؛ لأن المشهود له هو الذي يجب عليه ردها على المحكوم عليه.
الطالب: إذا صدقهما؟ الشيخ: إذا صدق المشهود له الشاهدين برجوعهما وجب عليه أن يرد ما أخذه على المشهود عليه.
(... )


﴿كتاب الإقرار﴾ يَصِحُّ مِن مُكَلَّفٍ مُختارٍ غيرِ مَحجورٍ عليه، ولا يَصِحُّ من مُكْرَهٍ، وإن أُكْرِهَ على وَزْنِ مالٍ فباعَ مِلْكَه لذلك صَحَّ، ومَن أَقَرَّ في مَرَضِه بشيءٍ فكإقرارِه في صِحَّتِه، إلا في إقرارِه بالمالِ لوَارِثٍ فلا يُقْبَلُ، وإن أَقَرَّ لامرأتِه بالصَّداقِ فلها مَهْرُ الْمِثلِ بالزوجِيَّةِ, لا بإقرارِه، ولو أَقَرَّ أنه كان أَبانَها في صِحَّتِه لم يَسْقُطْ إِرْثُها، وإن أَقَرَّ لوارِثٍ فصارَ عندَ الموتِ أَجْنَبِيًّا لم يَلْزَمْ إقرارُه؛ لا أنه باطلٌ، وإن أَقَرَّ لغيرِ وارثٍ أو أعطاه صَحَّ، وإن صارَ عندَ الموتِ وَارِثًا،, وإن أَقَرَّتِ امرأةٌ على نفسِها بنِكاحٍ ولم يَدَّعِهِ اثنان قُبِلَ،

مدخل

طالب: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول لله، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الإقرار يَصِحُّ مِنْ مُكَلَّفٍ، مُخْتَارٍ، غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ مُكْرَهٍ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى وَزْنِ مَالٍ فَبَاعَ مُلْكَهُ لِذَلِكَ صَحَّ، وَمَنْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ بِشَيْءٍ فَكَإِقْرَارِهِ فِي صِحَّتِهِ، إِلَّا فِي إِقْرَارِهِ بِالْمَالِ لِوَارِثٍ فَلَا يُقْبَلُ، وَإِنْ أَقَرَّ لِامْرَأَتِهِ بِالصَّدَاقِ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْلِ بِالزَّوْجِيَّةِ لَا بِالْإِقْرَارِ، ولو أقرَّ أنه كان أَبَانَها في صِحَّتِه لم يَسْقُطْ إِرْثُها، وإن أَقَرَّ لوارثٍ فصارَ عند الموتِ أجنبيًّا لم يَلْزَمْ إقرارُه لا أنه باطلٌ، وإن أَقَرَّ لغيرِ وارثٍ أو أعطاهُ صَحَّ وإن صارَ عند الموتِ وارثًا.

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (كتاب الإقرار)، (الإقرار) مصدر أقر يُقِرّ، وهو اعتراف الإنسان بما عليه لغيره من حقوق مالية، أو بدنية، أو غير ذلك، وأخَّر المؤلف الكلام على الإقرار وإن كان له علاقة بالبيع وغيره؛ تفاؤلًا بأن يُختم له بالإقرار بالتوحيد، وسلك كثير من الفقهاء هذا المسلك، وبعضهم ختم كتاب الفقه بكتاب العتق تفاؤلًا بأن يُعتقه الله تعالى من النار، ولكلٍّ وجه، لكن الإقرار أتمُّ؛ لأن من كان آخر كلامه من الدنيا: لا إله إلا الله، دخل الجنة، فمن كان آخر كلامه الإقرار بالتوحيد فإنه يدخل الجنة، ودخول الجنة أبلغ من العتق من النار، وإن كان يلزم من العتق من النار دخول الجنة، إذن الإقرار هو اعتراف الإنسان بما عليه من حقوق مالية أو غيرها.

شروط صحة الإقرار

وله شروط، أشار إليها المؤلف بقوله: (يصحّ من مكلَّف)، المكلف: هو البالغ العاقل، فالمجنون لا يصح إقراره؛ لأنه لا حكم لقوله، سواء أقر بمال، أو بعقد، أو بطلاق، أو بغير ذلك؛ لأنه لا حكم لقوله؛ إذ هو صادر بغير قصد، وكذلك الصغير لا يصح إقراره؛ لأنه غير مكلَّف إلا فيما يصح تصرفه فيه، فإنه يصح إقراره ويؤاخذ به، مثل: إذا أُعطي شيئًا يتصرف فيه ببيع من الأمور التي جرت العادة بأنه يتصرف فيها، كالتصرف في الدجاجة -مثلًا- والبيضة، والشيء اليسير، فالإقرار هنا يصح؛ لأنه واقع ممن يصح منه العقد، فصح الإقرار به.
فإطلاق المؤلف -رحمه الله- كلمة (مكلَّف) فيه شيء من النظر، وقد يقال: إن صحة تصرف الصغير بما ذُكر لا يمنع من الإطلاق؛ وذلك لأنه مفهوم، والمفهوم كما يقولون: ليس له عموم؛ لأنه هنا: (من مكلَّف) هذا مَنْ يصح منه، مفهومه: غير المكلف لا يصح، وهو الصغير، وصورة المخالفة تصدق بصورة واحدة، أو حكم المخالفة يصدق بصورة واحدة، فإذا وجِدَت صورة واحدة يصدق عليها حكم المخالفة فلا ضرر.

المهم أن هذا النقاش يتعلق بأصول الفقه، وهو أن يقال: مفهوم قول المؤلف (من مكَلَّف) أن غير المكلف لا يصح إقراره، فيشمل من؟ المجنون والصغير، أما المجنون فلا استثناء فيه، وأما الصغير ففيه استثناء.
فإذا قال قائل: إذا كان فيه استثناء، فلماذا لم يستثنِ المؤلف؟ فالجواب من وجهين: إما أن يقال بأن المفهوم لا عموم له، ويصدق حكمه بصورة واحدة، فإذا وجدت صورة واحدة يختلف فيها الحكم عن المنطوق كفى، أو يقال: إن المؤلف أطلق؛ لأن الأمر معلوم بأن من صح تصرفه في شيء صح إقراره به وعليه، وقد مَرَّ علينا في كتاب البيع أنه يصح البيع من صغير بما جرت به العادة كالأشياء اليسيرة.
هذا الشرط الأول: أن يكون من مكَلَّف.
الشرط الثاني: (مختارٍ)، وضده المُكْرَه، فلا بد أن يكون المُقِر مختارًا لإقراره ولِمَا أقر به، فإن كان أقر باختياره بمئة وأُكره على أن يُقر بمائتين، فالإقرار لا يصح بالمئتين، لكن يصح بالمئة، وإن كان لا يُقرّ بشيء فأُكره على أن يقر بمئة لم يصح إقراره مطلقًا؛ لأنه لا بد أن يكون مختارًا، ما الدليل؟ الدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، فكل العقود لا بد فيها من التراضي، فالمكره لا يقع منه أي عقد أو إقرار.
الثالث: (غير محجور عليه)، المحجور عليه: هو الممنوع من التصرف، ثم هو قسمان: محجور عليه لحظ نفسه، وهم ثلاثة: الصغير، والمجنون، والسفيه، هؤلاء محجور عليهم لحظ أنفسهم، وقد سبق الكلام عليهم في أول الأمر.
الثاني: المحجور عليه لحظ غيره، وهو الْمُفَلَّس، الذي دَيْنُهُ أكثر من موجوداته، هذا يحجر عليه لكن لغيره، لحظ غيره، مثل: رجل عليه مئة ألف درهم دينًا، وماله ثمانون ألف درهم، وطلب الغرماء الحجر عليه من أجل توزيع موجوداته عليهم، فهذا يحجَر عليه.

هذا المحجور عليه لا يصح إقراره في أعيان ماله؛ لأنه ممنوع من التصرف فيها، ويصح إقراره في ذمته؛ لأنه لا ضرر على الغرماء في هذا الإقرار.
هذا رجل عليه مئة ألف درهم، والذي بيده يساوي ثمانين، عنده سيارات، عنده أثاث، عنده أوانٍ، عنده معدات؛ كلها تساوي ثمانين ألفًا، طلب الغرماء أن يُحجر عليه؛ أن يمنع من التصرف في ماله من أجل استرداد ديونه، فحجرنا عليه، إذا حجرنا عليه فإنه لا يصح تصرفه في المال الذي عنده، لا يصح.
إذا كان لا يصح تصرفه في هذا المال ببيع وغيره فإن إقراره عليه لا يصح، فلو قال مثلًا -بعد أن حجر عليه: هذه السيارة لفلان، لا نقبل منه، لماذا؟ لأنه تعلق بها حق الغير، الآن هي محبوسة لحق الغرماء، أما في ذمته لو قال: في ذمتي لفلان عشرة آلاف ريال، نقول: نعم، هي في ذمتك، وبعد الحجر يطالبك من أقررت بها له.
إذن قوله: (غير محجور عليه) فيه أيضًا تفصيل، المحجور عليه لحظ نفسه سبق الكلام عليه، المحجور عليه لحظ الغير لا يصح إقراره في أعيان ماله ويصح في ذمته، يصح في ذمته ويطالب بذلك بعد فك الحجر.
قال: (ولا يصحُّ من مكره)، لا يصح الإقرار من مكره، هذا تصريح بمفهوم قوله: (مختار)، فلا يصح من مكره، ليش؟ لما سبق من قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، ولأن الله رفع حكم الكفر عن المكرَه في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، فكذلك تصرف أو نفوذ تصرفه مرفوع عنه؛ لأنه مكره.

ولكن لو أكره على شيء فأقر بخلافه عينًا أو وصفًا فإنه يؤاخذ بإقراره، ما لم نعلم أنه أراد المبالغة، انتبه للاستثناء، إذا أكره على شيء فأقر بخلافه عينًا أو وصفًا فإنه يؤاخذ بما أقر به، ما لم نعلم أنه يريد المبالغة، فلو أُكْرِه على أن يقِرَّ بمئة فأقر بثمانين ثبت الإقرار؛ لأنه ما أكره على الثمانين، أُكْره على المئة، ولو أُكره على أن يقر بمئة فأقر بمئتين أُخِذ بذلك؛ لأنه على خلاف ما أكره عليه، ولو أُكره على أن يقر بهذه السيارة لفلان فأقر بالسيارة الأخرى؟ يثبت، يُؤْخذ بها، هذا عين ولّا وصف؟ هذا عين، ولو أُكْره على أن يقر بمئة صاع بُرٍّ رديء فأقر بمئة صاع بر نقي أُخِذ به.
إذا أُكره على شيء فأقر بخلافه عينًا أو وصفًا أُخذ بإقراره، ما لم نعلم أنه يريد المبالغة، مثل أن يكرهوه على أن يقر بمئة ويضربوه، فإذا ضربوه وآلموه بالضرب قال: إن بغيتم أقر لكم بأن في ذمتي له ألفًا ما هي مئة، فهذا خلاف ما أقر به لا شك، لكن للمبالغة من أجل الفكاك والخلاص من هؤلاء الذين أكرهوه، وصاروا يؤلمونه بالضرب حتى أقر بأكثر مما قالوا.
كذلك لو قالوا: هذه السيارة داتسون موديل 77، أكرهوه على أن يقر بها لفلان، فقال: أنا أقر هذا "البيوك" لفلان، هذا أيش؟ طالب: إقرار.
طالب آخر: مبالغة.
الشيخ: نعم، إذا علمنا من قرينة الحال أنه أراد المبالغة، بأن قال: إن بغيتم هذا "البيوك" له، بس فكوني من الحبس، فكوني من الضرب، فهذا لا يؤخذ به، لماذا؟ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيِّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (3)، وقوله: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (4)، والإنسان اللي يسمع مثل هذا ويعلم أن الرجل أراد المبالغة ما يمكن يُقضَى عليه، إذن صار في قوله: (من مكره) صار فيه تفصيل.
هل يصح الإقرار من السكران؟

المذهب أنه يصح الإقرار، مع أنه غير مختار، لكنهم يقولون: إن الإقرار ناتج عن شرب محرم، ولا ينبغي أن نتساهل مع هذا الرجل، بل نعامله بأقسى المعاملتين، فإذا كان سكران وجالهم واحد يُضحكه ويزيد في نشوته، قال: مو بأنا سلفتك عشرة آلاف، قال له: بلى أنت صاحبي، وسلفتني عشرة آلاف، يؤخذ به؟ المذهب: يؤخذ به، والصحيح أنه لا يؤاخذ بذلك؛ لأنه ما له عقل، السكران لا عقل له، فلا يؤاخذ به، ولهذا لم يؤاخذ النبي صلى الله عليه وسلم عمه حمزة بن عبد المطلب حين قال له: هل أنتم إلا عبيد أبي؟ ! (5). ثم قال: (وإن أُكْرِه على وزنِ مالٍ فباعَ ملكَهُ لذلك صَحَّ)، هذه مسألة فيها نوع شبه ممن أكره على إقرار بشيء، (أُكْره على وزن مال) يعني: على دراهم، وعبَّر عنها بالوزن؛ لأن الدراهم يُتعامل بها وزنًا وعددًا، فـ (أُكْرِه على وزن مال) يعني: على وزن نقدٍ؛ ذهبٍ أو فضةٍ، بأن قالوا له: سلِّم لفلان خمسين أوقية من الفضة، قال: ما عندي شيء، قالوا: سلِّم وإلا حبسناك، فباع ملكه ليسدد ما أُكْرِه عليه، فهل يصح البيع؟ يقول المؤلف: يصح؛ لأنه ما أكره على البيع، إنما أكره على مال، فباع لدفع الإكراه، ودليل ذلك أو وجه ذلك أنه لو أتى بهذه الخمسين الأوقية، لو أتى بها من شخص استقرضها منه ودفعها، يجزئ ولّا لا؟ يجزئ، فهم يقولون: نحن ما أكرهناه على البيع، أكرهناه على أن يدفع خمسين أوقية من الفضة، سواء جاء بها من بيع، ويش قلت؟ طالب: إذا واحد أكره على.. الشيخ: خمس مئة أوقية.
الطالب: نعم، فباع ملكه.. الشيخ: فباع ملكه لأجل يسدد.. الطالب: لأجل يسدد فيجوز له.. الشيخ: يجوز أيش؟ الطالب: يجوز يبيع ملكه ويسدد.
الشيخ: وهو أكره على خمس مئة أوقية؟ الطالب: نعم.
طالب آخر: لا يا شيخ.
الشيخ: أنا فاهم أنه لا، لكن أشوف الرجل هو معنا ولّا.. ؟

نحن قلنا: أُكْرِه على خمسين أوقية من الفضة وليس عنده شيء، فباع مُلْكَه لتسديد ما أُكْرِه عليه، فالبيع صحيح، ووجهه أنه لم يكره على العقد، إنما أُكْرِه على مال مُعَيَّن يجيبه من قيمة ملكه أو يجيبه من قرض أو من أي شيء.
ولكن هل يصح الشراء منه؟ البيع صحيح، فهل يصح الشراء منه؟ نعم، إذا صح البيع صح الشراء.
هل يكره الشراء منه؟ الفقهاء -رحمهم الله- يقولون: إن الشراء منه مكروه؛ لأن بيعه بيع اضطرار، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر (6)، وهذا الرجل مضطر إلى بيعه، ولكن الصحيح أنه لا كراهة؛ لأننا لو كرهنا ذلك لكان هذا سببًا لزيادة العقوبة عليه، كيف؟ إذا قلنا للناس: لا تشتروا منه، وهؤلاء يضربونه صباحًا ومساءً على أن يسدد لهم خمسين أوقية من الفضة، وقلنا: لا تشتروا البيت، إذن ستبقى عليه عقوبة الإكراه دائمًا، فالصحيح أنه لا يكره الشراء منه، بل لو قيل باستحباب الشراء منه من أجل فكاكه من هذا الألم؛ لكان له وجه، وأما النهي عن بيع المضطر، فالمراد به أن يُضطر إنسانٌ لشيء يجب عليك بذله له، فلا تعطه إلا ببيع، فيكون من باب إضافة المصدر إلى مفعوله، لا من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
يقول: (ومن أَقَرَّ في مَرَضِه بشيءٍ فكإقْرارِه في صِحَّتِه إلا في إقرارِه بالمالِ لوارثٍ فلا يُقْبَلُ).
انتبه، من أقر في مرضه فكإقراره في صحته، والمرض مَرَضَان: مرض مَخُوف، ومرض غير مَخُوف، فالمرض المخوف: ما لا يَستغرب الناسُ الموتَ به، هذا المخوف، وغير المخوف عكس ذلك، فمثلًا: المرأة إذا أخذها الطلق فمرضها مخوف؛ لأنها لو ماتت من هذه الولادة ما استغرب الناس، والإنسان المصاب بذات الجَنْب، وبالكوليرا، وبالسرطان وما أشبهها، لو مات الإنسان بهذا المرض لقال الناس: هذا مرض يقتل عادة فلا يُستغرب.
أقول: إن المرض نوعان؛ مرض مخوف ومرض غير مخوف.

أما مَنْ مرضه غير مخوف كصداع يسير، وزكام، رشح، وما أشبه ذلك، فهذا تصرفه كتصرف الصحيح تمامًا، في كل شيء، في الإقرارات، في البيوع، في الوقف، في الرهن، في كل شيء، من هذا؟ الذي مرضه غير مخوف؛ لأن هذا الإنسان المتصرف يتصرف وهو يشعر بأنه حي لا أنه ميت أو قريب من الموت، الذي مرضه مَخُوف، هذا هو الذي محَدَّد، تصرفه محدود، لا يتصرف بأزيد من الثلث على سبيل التبرع، لا يتصرف بأكثر من الثلث على سبيل التبرع، ولا يتصرف لوارث، لا يعطي أحدًا من الورثة؛ لأنه في حكم الميت، فهو المراد بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «خَيْرُ الصَّدَقَةَ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمَلُ الْبَقَاءَ وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلَا تَمَهَّلَ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ» (7)، الذي مرضه غير مخوف نقول: إنه ليس كالذي مرضه مخوف؛ لأن الثاني تصرفه مقيَّد.
إذا أقر المريض، والمراد بقول المؤلف: (إذا أقر في مرضه) المراد: المرض المخوف، بدليل الاستثناء الآتي.
(فكإقراره في صحته): إذا أقر بدين عليه أثبتناه، إذا أقر ببيع أثبتناه، إذا أقر بإجارة أثبتناه، إذا أقر برهن أثبتناه، وهكذا كل ما يقر به، إقراره كإقرار الصحيح، استثنى المؤلف قال: (إلا في إقراره بالمال لوارث فلا يقبل).
إذا أقر لوارثه بمال فإنه لا يقبل، سواء كان هذا الوارث يرث بفرض، أو تعصيب، أو رحم، أو ولاء، بل الولاء داخل بفرض التعصيب، المهم سواء كان بفرض أو تعصيب، وسواء كان بسبب الزوجية، أو القرابة، أو الولاء، أي وارث ما يقبل إقراره له بالمال.

مثاله: هو مريض مرضًا مخوفًا، فقال: اشهدوا بأن في ذمتي لولدي فلان عشرة آلاف ريال، وله عدة أولاد، إقراره هنا غير مقبول، ليش؟ لأنه متهم، ولأننا لو أثبتنا هذا الإقرار لكان في ذلك تعدٍّ لحدود الله -عزّ وجل- بقسمة المواريث؛ لأن هذا الابن سوف يزيد على إخوته بما أقر به والده.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان لسبب معلوم، مثل أن يُعلم بأن هذا الرجل اشترى من أحد ورثته سيارة بعشرة آلاف ريال، مثل: نعلم أن السيارة اللي كانت عنده مشتريها من فلان -أحد الورثة- باستمارتها وشهودها، معروف، ظاهر كلام المؤلف: أنه لو أقر لهذا الوارث بعشرة آلاف ريال فإنه لا يُقبل، ولكن في هذا نظر؛ لأن إقراره هنا مبني على سبب معلوم، والأصل تسليم الثمن أو عدم التسليم؟ الأصل عدم التسليم، فنقول: هذا الإنسان أقر للوارث بشيء أحاله على سبب معلوم، والأصل بقاء الثمن في ذمته وعدم قبضه، فالصحيح هنا أنه يصح؛ لأن الأصل في علة منع الإقرار للوارث في مرض الموت المخوف، ويش الأصل؟ التهمة، والتهمة هنا مفقودة، ما فيه تهمة.
وظاهر كلام المؤلف، أي ظاهر قوله: (كإقراره في صحته) أنه لو أقر لأجنبي بما زاد على الثلث ثبت الإقرار، مثال ذلك: أقر لشخص قال: أشهدكم بأن نصف مالي لفلان، وهو غير وارث، ظاهر كلام المؤلف أن ذلك صحيح، أن هذا صحيح، وذهب بعض أهل العلم إلى أن إقراره بما زاد على الثلث لا يصح، كما أنه لو أقر لوارث لم يصح؛ وذلك بناء على الوصية، الوصية بما زاد على الثلث لا تصح، وللوارث لا تصح، فالإنسان في مرض موته المخوف ممنوع من التصرف أو التبرع بما زاد على الثلث.

ولكن ما ذهب إليه المؤلف أولى؛ لأن الإنسان ربما يكون في حياته وفي صحته ربما يكون جاحدًا لما يجب عليه لشخص من الناس، فإذا رأى أن الأجل قريب تاب إلى الله وأقر، كيف ذلك؟ لنفرض أن هذا الرجل قد عقد مشاركة مع شخص مناصفة، ثم إن الرجل أنكر الشركة، ولما مَرِض مَرَض الموت ندم وتاب وأقر بشركة هذا الرجل، أليس هذا أمرًا واقعًا؟ بلى، نقول: هذا أمر واقع، فما ذهب إليه المؤلف من صحة الإقرار لغير الوارث مطلقًا صحيح، إلا إذا علمنا بقرينة قوية أن الرجل أراد حرمان ورثته، فحينئذٍ نقول: ما زاد على الثلث لا ينفَّذ، مثل أن يكون ورثته بني عمه، وبينه وبين بني عمه عداوة، وله صديق حميم، رجل طيب، وماله مئة ألف، فقال: أشهدكم بأن تسعة وتسعين ألفًا وتسع مئة وتسعة وتسعين لفلان صديقي، ويش يبقى؟ يبقى ريال واحد لوارثه، هذا الرجل ويش يظهر من إقراره هذا؟ يظهر من إقراره حرمان الورثة، أولًا: لأنه ما أبقى من المئة ألف إلا ريالًا واحدًا، وثانيًا: أنه معروف أن بينه وبين بني عمه عداوة وشحناء وبغضاء، ففي هذه الحال نقول: لا يصح الإقرار إلا بالثلث فقط؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم منع سعد بن أبي وقاص أن يتصدق بما زاد على الثلث (8). إذن صار في كلام المؤلف رحمه الله تفصيل.


قال: (وإن أقر لامرأته بالصداق فلها مهر المثل بالزوجية لا بإقراره).
(أقر لامرأته بالصداق) من اللي أقر؟ الفاعل يعود على من؟ طالب: على الزوج.
الشيخ: إي، لكن من؟ طالب: المريض.

الشيخ: على المريض، الزوج المريض مرضًا مخوفًا، قال: أشهدكم بأن في ذمتي مهر زوجتي، فلها مهر المثل بالزوجية، لكن قوله: مهر زوجتي، إنْ عيَّنه بأن قال: في ذمتي خمسون ألفًا مهرًا للزوجة، فإن كان أقل من مهر المِثل وصدَّقت أعطيت الخمسين، وإن كان مثل مهر المثل وصدقت أعطيت الخمسين، وإن زاد على مهر المثل فليس لها إلا مهر المثل؛ لأن إقراره غير معتبر؛ لأن الزوجة وارثة، لكننا أوجبنا مهر المثل؛ لأن النكاح لا يصح إلا بمهرٍ، وإذا تزوجت امرأة ثبت لها ما عُيِّن، وإن لم يثبت المعيَّن ثبت مهر المثل، ولهذا قلنا: إن هذا الرجل إما أن يقول: أشهدكم بأن في ذمتي مهر امرأتي، أو يقول: بأن في ذمتي كذا وكذا مهرًا للمرأة، فعلى الأول يلزمه مهر المثل؛ لأنه لم يعين شيئًا، وعلى الثاني نقول: إن كان ما عيَّنه أقل من مهر المثل، أو مساويًا لمهر المثل أُعطِيته المرأة، وإن كان أكثر لم تُعْطَه؛ لأنه إقرار بالمال لوارثه.
وهذه المسألة تدل على ما سبق من قولنا: إنه إذا وُجد سبب لإقراره بالمال للوارث سبب يمكن إحالة الحكم عليه؛ فإنه يقبل إقراره بالمال للوارث، كما لو عرف أن هذه السيارة منتقلة من أحد ورثته.
طالب: (... ) هل نعطيه الثلث ولّا ما نعطيه شيئًا؟ الشيخ: لا، نعطيه الثلث.
الطالب: لماذا والتهمة قوية؟ الشيخ: إي؛ لأنه له أن يأخذ الثلث على كل حال.
الطالب: يعني هو أقر أنه ببيع ولّا.. الشيخ: أقر مثلًا قال: في ذِمَّتِي لفلان، أو مثلًا: هذا البيت لفلان، البيت يساوي مئة ألف ما بقي إلا فراش (... )، وما أشبه ذلك من التركة.
الطالب: طيب، ما نفرق بين أن قال إنه شاريه منه أو قال إنه.. الشيخ: لا فرق بينهما إلا إذا ثبت الشراء، إذا ثبت الشراء معلوم أنه..


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا تعريف الإقرار؟ طالب: أن يقر بما لغيره على نفسه أو بما..

الشيخ: اعتراف الإنسان.. الطالب: بما لغيره.
الشيخ: بحق لغيره عليه.
له شروط؟ طالب: أن يكون مكلفًا.
الشيخ: أن يكون من مكلف؛ هذا واحد، ثانيًا؟ طالب: أن يكون مختارًا.
الشيخ: مختارًا، الثالث؟ طالب: غير محجور عليه.
الشيخ: غير محجور عليه، هذه أربعة؟ طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، قولنا: أن يكون مكلفًا، فمن هو المكلف؟ طالب: البالغ العاقل.
الشيخ: البالغ العاقل، هل إقرار غير البالغ العاقل لا يقبل ولّا فيه تفصيل؟ الطالب: فيه تفصيل.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: المجنون لا يُقبل على كل حال، أما الصغير قالوا: إذا كان مفوضًا في بيع وشراء، وأقره.. الشيخ: يُقْبَل فيما يصِحّ تصرفه فيه.
الطالب: فيما يصح تصرفه فيه.
الشيخ: يعني ما صح منه إنشاؤه صح به إقراره؛ هذا الضابط، وبناء على ذلك: لو أقر الصغير بطلاق امرأته –مثلًا- صَحَّ.
قوله: (مختار) من ضده؟ طالب: ضده الْمُكْرَه.
الشيخ: الْمُكْرَه، صح، الْمُكْرَه لا يصح إقراره، هل لديك دليل على هذا؟ الطالب: أولًا: أن الله رفع الإثم عن الكافر الْمُكْرَه، قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، وأيضًا قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29].
الشيخ: (غيرِ مَحْجورٍ عليه)، فإن كان محجورًا عليه؟ طالب: إن كان محجورًا عليه لا يُقْبَل.
الشيخ: ما يستقيم هذا، على الإطلاق كده، فَصِّل؟ الطالب: هناك محجور عليه لحظ نفسه أو لحظ غيره.
الشيخ: طيب، إن كان لحظ نفسه فهو؟ الطالب: إن أقر بأعيان ماله.. الشيخ: إن كان لحظ نفسه؟ الطالب: يحجر لحظ نفسه إما صبي أو سفيه أو مجنون.
الشيخ: وقد سبق حكمك إقرار الصغير والمجنون.
لحظ غيره؟ الطالب: لحظ غيره بأن يكون دينه أكثر من الموجودات التي عنده.
الشيخ: يعني محجور عليه لفلس؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هذا يقبل إقراره؟ الطالب: في ذمته لا في أعيان ماله.

الشيخ: في ذمته لا في أعيان ماله، لماذا؟ الطالب: لا يكون في أعيان ماله؛ لأنه تعلق به حق الغير.
الشيخ: نعم، وهم الغرماء.
رجل أكره على أن يدفع مئة ألف ريال، وليس عنده شيء، فباع ملكه، هل يصح البيع أو لا يصح؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لماذا وقد أُكْرِه؟ ما باعه إلا مضطرًّا؟ الطالب: أقول يصح؛ لأنه ما باع إلا مضطرًّا.
الشيخ: إذا باع المضطر هو الذي لا يَصِح؛ لأن المضطر شبيه بالمكره.
الطالب: دفعًا للإكراه.
الشيخ: لا.
طالب: يصح، لأنه لم يُكْرَه على البيع، إنما أُكْرِه على دفع المال، فهو لم يُلزم بالبيع، (... ) إحضارها بأي طريقة.
الشيخ: بأي طريقة، ومن الممكن أن يستقرض المال أو ما أشبه ذلك، أو يبيع شيئًا غير هذا الذي عيَّن.
الفقهاء -رحمهم الله- يقولون: إنه يكره الشراء منه، فما هو تعليلهم؟ وما رأيك أنت إن كان يخالفهم؟ طالب: هم يستدلون بالحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر (6)، واستدلالهم بهذا الحديث مردود.
الشيخ: اصبر، كمِّل، هذه مقدمة، هات النتيجة.
الطالب: الصحيح أنه.. الشيخ: لا، كمل تعليلهم، قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع المضطر، وهذا شبيه به؛ لأنه لولا الإكراه ما باع، هل عندك رأي آخر؟ الطالب: نعم، الصحيح أنه لا يُكْرَه، بل إن قيل: إنه يُسْتَحب، فهو له وجه.
الشيخ: نعم، لماذا؟ الطالب: لأن هذا فيه فكاك من المكرهين الذين يكرهونه وقد يؤذونه ويؤلمونه، فله الفكاك من ذلك بغير البيع.
الشيخ: إذن هو تفريج لكربته.
الطالب: نعم.
الشيخ: كيف نجيب عن دليلهم هذا؟ طالب: الحديث ولّا على التفسير؟ الشيخ: الحديث.
الطالب: (... ). الشيخ: لا.
طالب: مانع نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع المضطر أن لا يبذله ما يدفع به ضرورته إلا ببيعه.

الشيخ: أن يكون نهى أن تبيع على المضطر شيئًا، بل ادفع ضرورته بدون بيع، فالحديث يحتمل أن يكون مضافًا إلى الفاعل أو مضافًا إلى المفعول.
رجل أقَرَّ بمال وهو مريض مرض الموت، هل يقبل إقراره أو لا يقبل؟ طالب: يقبل إقراره على المذهب.
الشيخ: إي، وعلى غير المذهب؟ الطالب: (... ) آخرون أنه ما يقبل.
الشيخ: ألا يُقْبل إقراره؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: لكن المسألة فيها خلاف.
الشيخ: فيها خلاف، هذا الخلاف اللي قلت في المذهب.. الطالب: يصح إقراره.
الشيخ: المذهب يصح إقراره، مطلقًا؟ الطالب: مطلقًا.
الشيخ: إي مطلقًا، وغير المذهب؟ الطالب: بعضهم علل أنه قال.. الشيخ: اصبر، غير المذهب، أعطني الحكم ثم هات التعليل.
الطالب: أنه ما يصح إقراره.
الشيخ: إذن المذهب أنه يُقبل مطلقًا، والقول الثاني أنه لا يقبل مطلقًا.
الطالب: في المذهب إذا كان مرضًا غير مخوف.
الشيخ: لا، مرض موته المخوف، مرض مخوف مات به.
الطالب: إذا كان هناك قرينة.
الشيخ: ما راجعت الظاهر.
طالب: نعم يقبل إلا لوارث.
الشيخ: إلا بإقراره بالمال لوارث فلا يقبل، كذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: هذا المذهب؟ الطالب: نعم، هذا المذهب.
الشيخ: وغير المذهب؟ لأن الأخ فتح لنا الآن الباب، ما ندري عاد هل هو باب يدخل منه ولّا باب مغلق.
الطالب: ما أدري.
طالب آخر: يا شيخ، على المذهب لا يقبل إقراره إلا في الثلث فما دون، وأما على قول المؤلف أنه يقبل إقراره لغير وارث، أما على قول المؤلف أطلق، قال: يقبل إقراره.. الشيخ: الأحسن الظاهر ما نذكر لكم الأقوال، الآن في متاهات مثل ابن جني ولّا غيره.
طالب: المذهب أنه يقبل إقراره، إلا بإقرار ذي المال لوارث.
الشيخ: صح.
الطالب: وقلنا إن في قوله: (لوارث) ظاهره أن الأجنبي يصح ولو زاد عن الثلث.

الشيخ: يصح مطلقًا، وفيه قول: إنه لا يصح إقراره بما زاد على الثلث للأجنبي، يجعلون الإقرار كالوصية، فالوصية لا تصح لوارث مطلقًا، ولا تصح بزيادة على الثلث لأجنبي، فبعض الأصحاب قالوا: إن هذا مبني على الوصية، فإذا أعطى أجنبيًّا أكثر من الثلث، إذا أقر له بأكثر من الثلث لم يقبل إقراره؛ أي ما زاد على الثلث.
طالب: ما قلنا: هذا المذهب، يا شيخ.
الشيخ: لا، ما هو بالمذهب.
طالب: لكن لو أضافها لسبب معلوم؟ الشيخ: إي نعم، هذه ذكرنا أنه يستثنى من ذلك ما إذا أضافها إلى سبب معلوم، كما لو علم أنه قد اشترى بيت وارثه فأقر بالثمن.
رجل مريض أقر لامرأته بالصداق؟ مريض أقر لزوجته بالصداق هل يُقبل ولّا ما يُقبل؟ يقبل إقراره ولّا يقبل أيش؟ طالب: يقبل لعدم إقراره؛ لأنه ثبت معه بالزوجية.
الشيخ: يعني يقبل بإقراره؟ الطالب: ليس بإقراره؛ لأنه.. الشيخ: إذن ما الذي تستحقه المرأة بهذا الإقرار؟ طالب: تستحق مهر المِثل.
الشيخ: مهر المثل، صح؛ يعني لا ما أقر به؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لو كان المهر –مثلًا- مئة وأقر بمئتين لا يقبل إلا بمئة.
الطالب: نعم.
الشيخ: ومهر المثل بماذا؟ طالب: بالزوجية.
الشيخ: بالزوجية؛ لأن الأصل عدم تسليم المهر.
المؤلف يقول: (مَهْرُ المِثْلِ) معناه: لو أقر بأكثر لا يلزم، لو أقر بأقل من مهر المثل لها ذلك، ولو طالبت بمهر المثل فلها الحق أن تطالب بمهر المثل إلا ببينة، لكن لو كنا: في بلد عُرْفُهم تسليم المهر قبل الدخول كما في الحاضرة هنا، الحاضرة عندنا يسلمون المهر قبل الدخول، فإذا أقر لزوجته بالمهر فهل نقول: إن عادة البلد المضطردة قرينة على أنه محابٍ زوجته بهذا الإقرار؟ الجواب: نعم، لا سيما مع قوة التهمة بضعف دين الْمُقِرِّ وشدة محبته لزوجته.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإن أَقَرَّ أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثُها).

(إن أَقَرَّ) الفاعل يعود على المريض؛ لأنه قال: (ومن أَقَرَّ في مرضه)؛ يعني: إن أقر المريض لامرأته (أنه كان أبانها في صحته)؛ يعني: قبل أن يمرض، والبينونة: أن يفارقها مفارقة تَبِين بها، إما أن يكون بطلاقٍ ثلاث؛ يعني: آخر تطليقاتٍ ثلاثٍ، وإما بفسخ، وإما بغير ذلك.
فيقول المؤلف: (لم يَسقط إرثُها)؛ لأنه متهم، فلا يسقط إرثها، بل يبقى إرثها في ماله إلا إذا صدَّقته، والأمر ظاهر في هذا؛ لأنه متهم في هذا.
نعود مرة ثانية: أقر المريض بأنه قد أبان زوجته قبل أن يمرض، والبائن لا ترث، أليس كذلك؟ طلبة: بلى.
الشيخ: ولو طلقها في مرض موته ورثت ولو كان طلاقًا بائنًا، بل إنها لا ترث إلا إذا كان طلاقًا بائنًا، فهذا الرجل أقر بأنه أبان زوجته قبل أن يُمرَض من أجل أن يحرمها من الإرث، نقول: هذا الإقرار لا يُقبل، لماذا؟ لأنه متهم بقصد حرمانها، فكما أنه لو طَلَّقها في هذه الحال طلاقًا بائنًا لم يسقط إرثها، فكذلك إذا أقر بأنه أبانها في صحته لم يسقط إرثها، فإن أتى ببينة، أو أقرت هي بما أقر به الزوج؛ فإن إرثها يسقط.


قال: (وإن أَقَرَّ لوارث فصار عند الموت أجنبيًّا لم يلزم إقراره، لا أنه باطل).
(إن أَقَرَّ) الفاعل يعود على المريض أيضًا، المريض مرض الموت المخوف، (أقر لوارث، فصار عند الموت أجنبيًّا) يعني غير وارث، فإن إقراره لا يلزم اعتبارًا بحال الإقرار لا بحال الموت، مثاله: رجل كان له زوجة وعم شقيق وأم، أقر لعمه الشقيق بمال؛ لأن عمه الشقيق هو الذي يرثه بالتعصيب، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: طيب، إذا مات ميت عن زوجة وأم وعم شقيق فللزوجة الربع، وللأم الثلث، والباقي للعم الشقيق، واضح هذا.

هذا المريض أقر لعمه الشقيق بمال، ثم إن أُمَّه ولدت لهذا الأخ -لهذا الميت- أخًا شقيقًا، ثم مات المريض بعد أن وُلِد أخوه الشقيق، من الذي يرثه بالتعصيب؟ الأخ الشقيق، فهل نقول في هذه الحال: إن العم يُعطى ما أَقَرَّ به له أو لا؟ يقول المؤلف: إنه لا يعطى اعتبارًا بحال الإقرار؛ لأن حال الإقرار هي حال التهمة، فإن بقي العم هو الوارث، فهل يُعطى أو لا يُعطى؟ طلبة: لا يُعطى.
طالب: بالتعصيب.
الشيخ: ما شاء الله، أنتم قلتم قبل قليل: إنه لا يُعطى مع أنه لم يكن وارثًا لما وُجِد الأخ الشقيق، فإذا بقي هو الوارث بالتعصيب هل يُعطى أو لا يُعطى؟ طلبة: لا يُعطى.
الشيخ: لا يُعطى من باب أولى؛ لأنه أقر لوارث، المهم الآن إذا أقر المريض لوارث ثم صار عند الموت غير وارث فإن الإقرار لا يصح، لكن المؤلف يقول: (لم يلزم إقراره) يعني لا يلزم أن يعطى ما أَقَرَّ به، ولكنه ليس بباطل، بمعنى أن الورثة لو أجازوا له ذلك فإنه يجوز له، ويعطى إياه بالإقرار، لو قلنا: إنه باطل ما صح إقراره ولو بإجازة الورثة، ولهذا يجب أن نعرف الفرق بين أن نقول: إن إقراره باطل، أو نقول: إن إقراره غير لازم؛ لأننا إذا قلنا: إنه غير لازم، صار موقوفًا على إجازة الورثة، إن أجازوه أُعطي، وإن قلنا: إنه باطل، صار غير صحيح ولو أجازوه؛ لأنه بطل.


يقول: (لم يلزم إقراره لا أنه باطل، وَإِنْ أَقَرَّ لِغَيْرِ وَارِثٍ فصار عند الْمَوْتِ وَارِثًا صَحَّ).
يعني: صَحَّ إقراره ولزم، صح ولزم وإن صار عند الموت وارثًا.
مثاله: رجل له ابن وأخ شقيق، وهو مريض مرض الموت، من يرثه لو مات؟ ابنه، فأقر لأخيه بمال، ثم مات الابن قبله، قبل أبيه الذي أقر لأخيه، فهل يصح إقراره؟

الجواب: نعم، يصح، لماذا؟ اعتبارًا بحال الإقرار؛ لأنه حال الإقرار غير متهم، وإقرار الإنسان في الواقع شهادة على نفسه، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]. إذن القاعدة رقم (1): إذا أقر المريض لوارث لم يُقبل إقراره، وإن شئت فقل: لم يلزم، إلا بإجازة الورثة، وقيل: لا يُقبل مطلقًا، على كل حال قل: لا يُقبل أو لا يَلزم كما تشاء؛ لأن المذهب أنه لا فرق.
إذا أقر لوارث فصار عند الموت أجنبيًّا، يتغير الحكم ولّا ما يتغير؟ لا يتغير الحكم، الحكم لا يتغير، لا يصح إقراره؛ اعتبارًا بحال الإقرار.
إذا أقر لغير وارث فصار وارثًا صح إقراره، لماذا؟ لأن العبرة حال الإقرار، فإن قال قائل: لماذا لا تعتبرون حال الموت؟ قلنا: لأن حال الإقرار هي حال التهمة، أليس كذلك؟ أما إذا تغيرت فالإنسان لا يعلم الغيب، فلا يكون متهمًا في عمل لم يوجد سببه.
نعم، عندك سؤال؟ طالب: يا شيخ مثلًا فيه زوجة وأب وعم، هل كانت.. الشيخ: زوجة وأيش؟ الطالب: زوجة وأم وعم.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل كان وفاة الأب قبل وفاة الـ.. الشيخ: إي قبل وفاة الميت هذا، إي نعم، ضروري.
طالب: إجازة الورثة للإقرار كالوصية؟ الشيخ: إي نعم، كالوصية؛ يعني: إذا وافقوا.
الطالب: قبل الموت أو بعده؟ الشيخ: إذا وافقوا بعد الموت.
طالب: إذا أقر لأجنبي غير وارث أو أقر لـ.. الشيخ: مع أن المسألة سبق أن فيها خلافًا، أن الصحيح إجازة الورثة ولو قبل الموت، لكن المذهب بعد الموت.
طالب: إن أقر لوارث فصار عند الموت أجنبيًّا، يسقط إرثه لكن.. الشيخ: يسقط إرثه؛ لأنه صار أجنبيًّا.
الطالب: لكن يثبت الإقرار؟ الشيخ: ما يثبت الإقرار.
الطالب: لماذا؟ الشيخ: لأنه متهم حين الإقرار، هذا الرجل حين الإقرار وارث فهو متهم.

طالب: القول الثاني يا شيخ: المريض إذا أقر لزوجته ولو كان غير متهم ولا فيه ريبة من ناحيته، أيضًا ما يقبل؟ الشيخ: من أي ناحية؟ بالمهر يعني؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا يقبل.
الطالب: لا، بأنه أبانها من بعد.
الشيخ: إي نعم، هذا لا يقبل.
الطالب: مهما كان؟ الشيخ: مهما كان؛ لأن مثل هذه الأمور إذا (... ) فيها الباب أحسن من قوله: أثبت أنه متهم أو لا تثبت.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الإقرار في حال المرض كالإقرار في حال الصحة إلا في مسألة واحدة: إذا أقر بالمال لوارث فإنه لا يُقبل إلا بإجازة الورثة، وذلك لأنه متهم في إقراره، فلا يقبل إلا بإجازة الورثة.
وذكرنا أن بعض العلماء استثنى مسألة أخرى: وهي ما إذا أقر بزائد على الثلث لغير وارث، فإنه لا يقبل إلا بإجازة الورثة، وتعليل هؤلاء يقولون: إن المريض مرض الموت المخوف لا ينفذ تصرفه في ماله إلا بالثلث فأقل لغير وارث.
وسبق لنا أنه إذا وُجِد سبب الإقرار فإنه يقبل، سواء أقر لوارث أم لأجنبي بما زاد على الثلث، استنادًا إلى أي شيء؟ إلى السبب الظاهر، ولهذا قالوا: لو أقر لامرأته بالصداق فلها مهر المثل لا ما أقر به، ومهر المثل يثبت لها بماذا؟ طالب: بالعرف.
الشيخ: بالزوجية لا بإقراره.
وسبق لنا أيضًا أننا قلنا: لو قيل بأن هذا يرجع إلى حال المُقِر إذا كان رجلًا معروفًا بالصدق والأمانة، فينبغي أن يقبل؛ لأن التهمة بعيدة، وإن كان حاله دون ذلك فلا يقبل إلا بإجازة الورثة.
وسبق لنا أن المعتبَر في كونه وارثًا أم غير وارث: حالُ الإقرار لا حال الموت، وأنه لو أقر لوارث فصار عند الموت غير وارث لم يقبل إقراره، ولو أقر لغير وارث فصار عند الموت وارثًا قُبل إقراره.
ونريد مَن الأخ يمثل لنا المثال الأول؟ طالب: مثال على غير وارث؟ الشيخ: نعم، (فصار عند الموت وارثًا).

الطالب: إذا هلك هالك.
الشيخ: هلك هالك؟ ! الطالب: لا، كان مريضا له أخ وابن، فأوصى لأخيه.. الشيخ: أوصى ولّا أقر، نحن الآن في باب الإقرار.
الطالب: (... )، في هذه الحالة.
الشيخ: ثم مات ابنه.. الطالب: ثم مات ابنه.. الشيخ: قَبْلَه.
الطالب: فصار عند الموت الأخ وارثًا، فيصح الإقرار.
الشيخ: فيصح الإقرار.
لو قال قائل: أليس هو الوارث الآن؟ كيف يصِحُّ الإقرار؟ طالب: لأنه مات وهو في حال الإقرار لا بعده.
الشيخ: إي، لكن يقول: سواء قلت إن الإقرار صحيح ولّا غير صحيح، المال سيرجع إليه.
الطالب: التهمة منتفية.
الشيخ: إي ما يخالف، التهمة منتفية، وهذا اللي صحح الإقرار، لكن ويش الفائدة من قوله: إنه يصح، أو: لا يصح، ما دام المال بيرجع له الآن؟ الطالب: لا يوقف على إجازة الورثة.
الشيخ: ما عنده ورثة إلا هو.
طالب: (... )؛ يعني: لو فيه ورثة غيره يأخذ اللي أقره هذا والثاني للورثة.
الشيخ: طيب.
طالب: (... ). الشيخ: أو وصية.
الطالب: إي نعم، أو وصية.
الشيخ: إذا كان فيه وصية نقدم ما أقَرَّ به، ونأخذ ثلث الباقي بعد الوصية، إذن ففيه فائدة، إي نعم.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإِنْ أَقَرَّ لِوَارِثٍ)، يقول: (لم يلزم إقراره، لا أنه باطل)، ويش الفرق بين أن نقول: يبطل، وقولنا: (لم يَلْزَم)؟ يقول: (لم يلزم إقراره، لا أنه باطل)؟ طالب: يعني الأصل أنه صحيح في الإرث.
الشيخ: والآن يقول: (إذا أَقَرَّ لوارثٍ فصارَ عند الْمَوْتِ أجنبيًّا لم يلزم إقراره، لَا أنَّه بَاطِل)؟ الطالب: ما فهمت (... ). الشيخ: أبغيك تفهم، كلام المؤلف الآن هو الفرق بين قوله: لزم، وقوله: بطل، أو: لم يلزم، وقوله: بطل.
الطالب: يعني أصله يقول: يرث هو.
الشيخ: لا، هو كان غير وارث، ثم صار وارثًا.
الطالب: غير وارث.
الشيخ: أوصى له وهو غير وارث.
الطالب: يعني مثلًا ابنه و..

الشيخ: مثل: أَقَرَّ لأخيه وله ابن، ثم مات الابن وصار الوارث أخاه، يقول المؤلف: (لم يلزم إقراره، لا أنه باطل)؛ يعني: ما هو مشكل عندي الحكم، لكن كونه يقول: لم يلزم، لا أنه باطل؟ طالب: لأنه إذا بطل لم يَصِحَّ أن نعطيه، وفي القول: (لم يلزم) يصح للورثة أو يجوز لهم أن يعطوه.. الشيخ: أن يجيزوه.
الطالب: أن يجيزوا المقر له.
الشيخ: يجيزوه، أن يجيزوه.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لو قلنا: إنه باطل ما صح الإقرار أصلًا، فلو أن الورثة أرادوا أن يعطوا هذا المقر له شيئًا لأعطوه ابتداء من عند أنفسهم، أما إذا قلنا: (لم يلزم)، فمعناه أن الإقرار صحيح غير لازم إلا بإجازة الورثة، فإذا أجازوا لا يقال: إنهم أعطوا، بل يقال: أجازوا إقرار الميت، ولم يعطوا عطية جديدة.
ويترتب على ذلك -بالنسبة للورثة- أن عطيتهم هذه ليست بإنشاء ولكنها إجازة.


ثم قال المؤلف: (وإنْ أقَرَّ لغَيْرِ وارِثٍ أو أعْطَاه صَحَّ وإنْ صَارَ عنْدَ الموتِ وارِثًا)، هاتان مسألتان: المسألة الأولى: إذا أقر لغير وارث أو أعطاه صَحَّ وإن صار عند الموت وارثًا.
أَقَرَّ لأخيه وله ابن، ثم مات ابنه، نكرر هذا المثال، صار الوارث الآن أخاه، فيصح هذا الإقرار، ويعطى أخوه ما أقر به له، هذه مسألة.
المسألة الثانية: إذا أعطاه وهو غير وارث فصار عند الموت وارثًا، أعطاه؛ يعني: وَهَبَهُ، لكن العلماء يجعلون الهبة في مرض الموت المخوف، يسمونها عطيّة، مثاله: مرض هذا الرجل مرض الموت، فكلَّم أخاه وقال: خذ يا أخي هذه عشرة آلاف ريال، هذه عطية، ثم إن ابنه مات فهل تصح هذه العطية أو لا؟ المؤلف يرى أنها تصح كالإقرار، يرى أن العطية كالإقرار.
المذهب في هذه المسألة يقول: لا، العطية كالوصية، والمعتبر في الوصية حال الموت لا حال الإيصاء.
وبناء على المذهب فإن عطيته لأخيه لا تلزم إلا بإجازة الورثة.

الإقرار فهمتموه ولّا لا؟ أقر لغير وارث فصار عند الموت وارثًا، ما حكم الإقرار؟ صحيح ولازم ويعطى ما أقر به الميت.
العطية كالإقرار على ما مشى عليه المؤلف، وإذا كانت كالإقرار فمقتضاه: أنها تصح، ويُسلَّم لهذا الْمُعْطَى.
والقول الثاني: أنها لا تلزم إلا بإجازة الورثة بناء على أن المعتبر في العطية حال الموت لا حال الإعطاء كالوصية، مثاله: مريض مرض الموت دعا أخاه، وقال له: يا أخي بلغني أنك ستتزوج، خذ هذه عشرة آلاف مساعدة، ثم إن هذا المريض الذي أعطى هذا الرجل المساعدة توفي ابنُه، فصار الوارث الأخ؛ هذا الذي أُعْطِي، على ما مشى عليه المؤلف: العطية صحيحة، وتكون من رأس المال، وليس للورثة فيها تصرُّف كالإقرار؛ لأن المعتبر ما هو؟ حال الإعطاء، أما المذهب فيقولون: لا، المعتبر حال الموت.
وعلى هذا فنقول: لما مات ابن المعطي وصار الأخ وارثًا، فإن هذه العطية لا تلزم إلا بإجازة الورثة كالوصية.
فعندنا الآن ثلاثة أشياء: إقرار، ووصية، وعطية.
الإقرار: المعتبر به حال الإقرار، قولًا واحدًا.
الوصية المعتبر بها حال الموت، قولًا واحدًا؛ لأن الوصية ما تكون إلا بعد الموت، فالمعتبر حال الموت.
العطية فيها خلاف: المذهب أنها ملحقة بالوصية، وكلام المؤلف أنها ملحقة بالإقرار.
نشوف الوصية: رجل أوصى لأخيه، قال: يُعْطى أخي بعد موتي عشرة آلاف ريال وله ابن، ثم مات الابن وصار الأخ وارثًا، هل تُنَفّذ الوصية للأخ؟ لا تُنَفَّذ؛ لأنه صار وارثًا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ» (9). طيب، الإقرار وأيش قلنا؟ ينفذ ولّا لا؟ ينفذ؛ لأن المعتبر حال الإقرار.
العطية فيها الخلاف، لماذا صار فيها الخلاف؟ لأن الإقرار إنما ينسب الشيء إلى أمر سابق، لا إلى أمر حدث في مرض موته، والوصية؛ لأنه إنما تُنَفَّذ بعد الموت.

العطية لما كانت بَيْنَ بَيْنَ يَحتمل أنه إنشاء عطية، ويحتمل أنه عطية لأمرٍ سابق، صار فيها الخلاف، والأرجح أنها كالوصية؛ لأنها يحتمل أنه أراد أن يبَرَّه بذلك الشيء.
وقد يقول قائل: كيف ترجحون أنها كالوصية وهو حين الإعطاء غير وارث، فالتهمة منتفية في الواقع، أما الوصية فلا تكون الوصية إلا بعد الموت والتهمة موجودة؟ هذا يجعلنا نتوقف في ترجيح أن تكون العطية كالوصية، وكونها عطاء في مرض الموت يرجِّح أن نجعلها كالوصية، فننظر فيها.


ثم قال المؤلف: (وَإِنْ أَقَرَّتْ امْرَأَةٌ بِنِكَاحٍ وَلَمْ يَدَّعِهِ اثْنَانِ قُبِلَ).
هذه امرأة أقرت بالنكاح لشخص، إنسان أمسكها وقال: هذه زوجتي، فقالت: نعم.
هي زوجته، فإنها تكون زوجته، ويقبل إقرارُها؛ لأن النكاح حق على الزوجة، فإذا أقَرَّت به قُبِل إقرارها، والدليل على أنه حق عليها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ﴾ [الأحزاب: 49]، إذن فالنكاح حق على الزوجة، فإذا أقرت به قُبل؛ هذا إذا كان المدعي واحدًا، رجل أمسك بيد امرأة، وقال: هذه زوجتي، وذهب إلى القاضي، وقالت: نعم، إنها زوجته، نقول: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير، هي زوجته.
وقول المؤلف: (ولم يَدَّعه اثنان) مفهومه أنه إن ادعاه اثنان لم يقبل إقرارها؛ لأن في إقرارها إبطالًا لحق المدعي الثاني، أليس كذلك؟ هذه امرأة أمسكها رجلان، كل واحد منهما يقول: هذه زوجتي، زيد يقول: هذه زوجتي، وعمرو يقول: هذه زوجتي، فذهبوا إلى القاضي، فأقرت بأنها زوجة زيد، يُحْكَم له بها؟ لا، على المذهب لا، لا يقبل إقرارها لزيد، لماذا؟ قال: لأن في ذلك إبطالًا لحق المدعي الثاني.
ومعلوم أن هذا الحكم إذا لم يكن هناك بَيِّنَة، أمَّا إذا وجدت بينة لأحدهما فهي زوجته..

وإن أَقَرَّ وَلِيُّها الْمُجْبَرُ بالنكاحِ أو الذي أَذِنَتْ له صَحَّ، وإن أَقَرَّ بنَسَبِ صغيرٍ أو مَجنونٍ مجهولِ النسَبِ أنه ابنُه ثَبَتَ نَسَبُه، فإن كان مَيِّتًا وَرِثَه، وإذا ادَّعَى عَلى شخصٍ بشيءٍ فصَدَّقَه صَحَّ.
(فصلٌ) إذا وَصَلَ بإقرارِه ما يُسْقِطُه مثلَ أن يقولَ: له عَلَيَّ أَلْفٌ لا تَلْزَمُني.
ونحوَه, لَزِمَه الألْفُ، وإن قالَ: له عَلَيَّ وقَضَيْتُه.
فقولُه بيمينِه ما لم تكنْ بَيِّنَةٌ أو يَعْتَرِفْ بسببِ الحقِّ، وإن قالَ: له عَلَيَّ مِئَةٌ.
ثم سَكَتَ سُكوتًا يُمْكِنُه الكلامُ فيه ثم قالَ: زُيوفًا أو مُؤَجَّلَةً.
لَزِمَه مئةٌ جَيِّدَةٌ حالَّةً، وإن أَقَرَّ بدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فأَنْكَرَ الْمُقَرُّ له الأَجَلَ فقولُ الْمُقِرِّ معَ يمينِه، وإن أَقَرَّ أنه وَهَبَ أو رَهَنَ وأَقْبَضَ أو أقَرَّ بقَبْضِ ثمَنٍ أو غيرِه ثم أَنْكَرَ القبْضَ ولم يَجْحَد الإقرارَ, وسألَ إحلافَ خَصْمِه فله ذلك، وإن باعَ شيئًا أو وَهَبَه أو أَعْتَقَه أمَّا إذا وُجِدت بيِّنةٌ لأحدهما فهي زوجته، والآخَر لا تُقبل دعواه.
إنْ أقاما بيِّنتينِ؛ كل واحدٍ أقام بيِّنة بأنها زوجته؟ طلبة: يتساقطان.
الشيخ: لا، يُنظر التاريخ، فالسابق هو الزوج، ولهذا عندي بالشرح يقول: إنْ أقاما بيِّنتينِ قُدِّم أسبَقُ النكاحينِ، فإن جُهِلَ فقول وليِّها، فإن جهِلَه الوليُّ فُسِخَا ولا ترجيح بيد.
هذه ادَّعاها اثنان، إن لم يكنْ لهما بيِّنة ماذا نقول على المذهب وعلى كلام المؤلف؟ على كلام المؤلف لا يُقبل، وعلى المذهب نقول: يُقبل إقرارُه لواحدٍ، أمَّا إنْ أقرَّتْ لهما جميعًا أو لم تُقِرَّ بشيء فلا بدَّ من البينة على ما قاله الشارح.

جارٍ التحميل