يُحَوَّل إلى قاضٍ آخَر ويكون هو شاهدًا، شُفت كيف؟ ! يُحوَّل إلى قاضٍ آخَر، إذا كان هو رئيس المحكمة يُحَوِّله إلى عضْوِ المحكمة، يقول: تخاصَمْ عند فلانٍ وأنا شاهدٌ لكَ؛ المدَّعِي.
وحينئذٍ يزول الإشكال.
ظاهر كلام المؤلف أنَّ القاضي لا يحكم بعلمه مطْلَقًا، ولكنْ هنا ثلاثُ مسائل استثناها العلماء قالوا: إنه يحكم بعلمه فيها:
المسألة الأولى: عدالةُ الشهود وجرحُ الشهود.
العدالة والجرح يحكم بعلمه؛ لأن هذا ليس حُكمًا مباشرًا حتى يُتَّهَم القاضي فيه، فإذا كان يعلم عدالةَ الشاهدَيْنِ حَكَمَ بهما بدون طلبِ تزكية، وإذا كان يعلم جَرْحَهما ردَّ شهادتَهما بدون جارحٍ؛ لأن هذا ليس حُكمًا مباشرًا، وإنما هو حُكمٌ بسبب الحكْم، أو حُكمٌ بالذي ينبني عليه الحكْم، هذه واحدة.
المسألة الثانية: ما عَلِمه في مجلس الحكْم فإنه يحكم به.
كيف ما عَلِمه في مجلس الحكم؟ تحاكَمَ إليه اثنان، وفي أول الجلسة أقرَّ المدَّعَى عليه بالحقِّ، ثم بعد ذلك أَنْكرَ، يحكم عليه ولَّا لا؟
نعم، يحكم عليه؛ لأنه ما زال في مجلس الحكْم وقد سَمِع من المدَّعَى عليه الإقرار، فوجب عليه أنْ يحكم به، حتى لو أَنْكَر بعدُ ما يَقْبل.
الثالث: إذا كان الأمر مشتهرًا واضحًا بيِّنًا يستوي في عِلْمه الخاصُّ والعامُّ، لا القاضي ولا غيره، فهُنا يحكم بعلمه.
مثال ذلك: اشتهر في البلد أنَّ هذا الملْك وقْفٌ على الفقراء، مشهور عند جميع الناس منذ أزمانٍ طويلة أنه للفقراء، فجاء ذُرِّيَّة الواقف وقالوا لنا: هذا لأبينا.
ولَّا: لجدِّنا.
وكان القاضي يعلم -كما يعلم سائر الناس- أن هذا الملْك وقْفٌ، يحكم بعلمه ولَّا لا؟
يحكم، لماذا؟ لأنه مشتهر، والاتهام منْتَفٍ، ودخولُ مَن لا يوثق فيه أيضًا أيش؟ مُنْتَفٍ، وعلى هذا فيَحْكم بعلمه في ثلاث صُوَرٍ أو ثلاث مسائل: حال الشهود، وما ثَبَت في مجلس الحكْم، وما كان مشهورًا بين الناس مستفيضًا أمْرُه لا يَلْحق القاضيَ فيه تهمةٌ بأيِّ وجهٍ من الوجوه.
طالب: إذا كان (... ) القاضي ولَّا.. ؟
الشيخ: ودَّك أنَّنا نؤجل هذه إلى أن يجيء محلُّها؟
الطالب: (... ) محلُّها.
الشيخ: لا، محلُّها في كتاب الشهادات، (تُعتبَر عدالة البيِّنة).
طالب: شيخ، إذا كان القاضي فاسقًا حالقًا يحلق لحيته؟
الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله، ما نوظِّفه أصلًا، ما نحطُّه قاضيًا.
الطالب: المهم قاضٍ وضعتْه الحكومة، حطَّتْه قاضيًا، (... ) أيش رأيُكم؟
الشيخ: رأيي أنه ما يُحَطُّ، ما يُوظَّف.
الطالب: حُكْمه، ما رأيُكم فيه؟
الشيخ: رأيي أنه ما يُوظَّف أصلًا.
الطالب: وإن حَكَم (... )؟
طالب: (... ) حكْم خاص (... ).
الشيخ: اثنين حكَّموه ولَّا من وليِّ الأمر؟
الطالب: من وليِّ الأمر.
الشيخ: خلاص، ينفذ حُكمه.
طالب: فاسق.
الشيخ: ويش نسوِّي؟ لو نُبطل الأحكام من أمْر من قضاةٍ ولَّتْهم الدولة مشكلة هذه.
طالب: (... ) الوقف؟
الشيخ: ما هي؟ لا، هذا مثال.
الطالب: (... ).
الشيخ: حتى ما كان مشهورًا مَثَلًا بأن هذا ملْك فلان، مشتهر ولا فيه إشكال؟
الطالب: إذا تغير (... ).
الشيخ: إذا تغير (... ) نقول: جِئ ببيِّنة، ما يخالف، مشتهر أنَّ هذا ملْك فلان، جِئْ ببيِّنة أنه انتقَل إليك.
طالب: البينة (... ).
الشيخ: طبعًا البينة (... ).
الطالب: شخص يروح ليُزَكِّي، والقاضي يعلم أنه مجروح، ولكن (... )، هل يَقْبل التزكية (... )؟
الشيخ: ما يَقْبل إلا إذا قال المزكِّي: إنه كان يفعل كذا فتاب منه.
طالب: شيخ، المؤلف قال: (ولا يَحْكم بعلمه) (... )، بالنسبة لحديث الرسول: إنَّما أحْكُم بمثل ما أسمع.
الشيخ: «إِنَّمَا أَقْضِي» (4).
الطالب: يريد: يسمع بأذنه.
الشيخ: نعم.
الطالب: فإذا (... ) جاء المدَّعِي يخاصم المدَّعَى عليه (... )، وأقَرَّ القاضي (... ) وأنَّه حدث منهم ذلك، يعني القاضي سمع؟
الشيخ: سمع في غير مجلس الحكم.
الطالب: هو يُشترط مجلس الحكم؟
الشيخ: إي، معلوم.
طالب: شيخ، هل (... ) ممكن يدخل عليه (... ) يجيء قاضٍ (... ) إلى القاضي، وأحيانًا (... ) إلى قاضٍ آخَر وقال: أنا شاهدٌ لك، فيدخل علينا أيضًا من هذا الباب؟
الشيخ: ويش اللِّي يدخل؟
الطالب: سيأتي -مَثَلًا- رجلٌ يريد أن يشهد لفلان (... ) أيضًا؛ يعني احتال على هذا ويقول: حوِّل القضية على آخَر وأشهد لك، ويقول: أنا شاهد، جاء فلان عندي..
الشيخ: قاضٍ؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: الأصل أنَّ القاضي عَدْلٌ، تُقبَل شهادته.
الطالب: نحن قُلنا أيضًا: يَلْزمنا في الأول.
الشيخ: كيف؟
الطالب: إنه يأتي قُضاة فُسَّاق ويقضي يقول: أنا أعلم بهم.
الشيخ: إي، ربما، صحيح.
الطالب: إذن يدخل علينا هذا المثال.
الشيخ: كيف يفعل؟
الطالب: يعني الذي توقَّعناه هناك دَخَلَ علينا هنا؛ يعني هناك إذا قُلنا..
الشيخ: إي، لكن الشهادة -بارك الله فيك- الحكم بشهادته سيكون مِن قِبَل قاضٍ آخَر، فالقاضي الآخَر إذا ظنَّ أن هذا القاضي متَّهم أو فيه بلاء (... ) يرد شهادته، ما هو مِثْل إن صار هو الحاكم.
قال المؤلف: (وإنْ قال المدَّعِي: ما لي بيِّنة).
(ما لي بيِّنة) (ما) نافية هنا؛ يعني: ليس لي بيِّنة، والبيِّنة سيأتي -إن شاء الله- أنها تختلف باختلاف المشهود به؛ قد تكون رجُلًا وامرأتين، وقد تكون رجُلين، وقد تكون امرأةً واحدةً، حسب المشهود به كما سيأتي إن شاء الله.
وقال: (ما لي بيِّنة).
هنا نقول: إنه ينبغي للمدَّعِي أن يقول: لا أعلم لي بيِّنة.
لأنه إذا قال: ما لي بيِّنة، فقد يكون هناك بيِّنة لم يعلم بها أو نسيها، ثم إذا أقامها بعد أن قال: ما لي بيِّنة، فإنها لا تُسمع على المشهور من المذهب كما سيأتي إن شاء الله، فالأحسن أن يقول أيش؟ لا أعلم لي بيِّنة.
طيب، يقول: (أَعْلَمَهُ الحاكمُ أنَّ له اليمينَ على خَصْمه على صِفة جوابه) على صِفة جوابه لا على حسب دعوى المدَّعِي.
نقول الآن: إذا لم يكنْ لك بيِّنة.. نحن سألْنا المدَّعَى عليه وقال: لا، لا أُقِرُّ بذلك.
أَنْكَر، فنقول: إن لك اليمين على خَصْمك على صفة جوابه، لا على ما ادَّعيتَ.
فمثلًا إذا ادَّعى بمئةٍ وقال الخصم: إنه لا يستحقُّ عليَّ إلا خمسين.
فماذا يحلف؟ يحلف يقول: واللهِ لا يستحِقُّ عليَّ إلا خمسين.
ولا حاجة أن يقول: والله لا يطلبني مئةً.
لأنه إنما يُلْزم باليمين على صفة ما أجاب به، فيُحَلَّف على صفة ما أجاب به، ولهذا قال: (على صفة جوابه).
الدليل: قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (5)، هذا دليل.
التعليل: لأن اليمين في الخصومات يكون في جانب أقوى المتداعيَيْنِ، وهنا لدينا مدَّعٍ ومدَّعًى عليه، أيُّهما أقوى: جانب المدَّعِي أو المدَّعَى عليه؟ جانب المدَّعَى عليه؛ لأن الأصل معه، الأصل عَدَم ثبوت ما ادَّعى به المدَّعِي، فيكون الأصل مع مَن؟ مع المدَّعَى عليه، إذَنْ ترجَّحَ جانبُه لكون الأصل معه، فكانت اليمين في حقِّه لا في حقِّ المدَّعِي.
فصار لدينا دليلٌ وتعليلٌ، ما هو الدليل؟ «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ».
أمَّا التعليل: فلأن اليمين إنما تُشرع في باب الدعاوي في أيش؟ في أقوى جانِبَي المتداعيَيْنِ، وهنا جانب المدَّعى عليه أقوى، ليش؟ لأن الأصل معه، وهذه القاعدة لها فروعٌ؛ أدلَّة تؤيِّدها.
مَثَلًا: إذا ادَّعى شخصٌ بشيءٍ وأتى بشاهدٍ وحلفَ مع الشاهد، حُكِم له بذلك؛ لأنه لَمَّا أتى بشاهدٍ واحدٍ الشاهدُ ما يكفي، لكنْ يقوى جانبُه به ولَّا لا؟ يَقْوى جانبه به.
أنتم فاهمون هذه ولَّا لا؟
ادَّعيتُ على فلانٍ بمئة ريال وأتيتُ بشاهدٍ، لا يُحْكم بالشاهد، لكن الشاهد يقوِّي جانبي فتُشْرع اليمين في حقي، فإذا حلفتُ أخذتُ.
في باب القَسامة جانبُ المدَّعِي أقوى من جانب المدَّعَى عليه، وأظنُّه مرَّت عليكم القسامة.
كذلك أيضًا لو ادَّعت المرأة بعد أن فارقَها زوجُها بأن الثياب التي في الغُرفة لها وهي ثياب امرأة، وقال الزوج: بل هي لي، ما هي لها.
مَنْ يُغَلَّب؟ جانبُ المرأة أقوى، فتأخذ ذلك بيمينها.
وما مثَّلْنا به أيضًا سابقًا في رجلٍ أصلع يركض وراء رجلٍ هاربٍ وعليه غُترة وبيده غُترة، والأصلع يقول له: هذه غُترتي.
الأصلع مدَّعٍ الآن، وتكون الغُترة له بيمينه؛ لأن جانبه أقوى.
المهم إذَنْ هذه القاعدة سليمة، فصار لدينا دليلٌ وتعليلٌ:
الدليل: الحديث.
التعليل: لأن اليمين في باب الدعاوي إنما تُشرع في جانب أقوى المتداعيَيْنِ، وهو هنا بلا شكٍّ المنْكِرُ.
قال المؤلف: (فإنْ سَأَلَ إحلافَهُ أَحْلَفَهُ وخَلَّى سَبِيلَهُ).
(إنْ سَأَلَ) الفاعل المدَّعِي.
(إحْلافَه) الضمير يعود على المدَّعَى عليه، والمسؤول إحلافه مَن؟ القاضي؛ يعني إنْ سأل المدَّعِي القاضيَ إحلافَ المدَّعَى عليه؛ قال له: حَلِّفْه.
حَلَّفَهُ؛ قال له القاضي: احلفْ.
و (خلَّى سبيلَه) يعني انتهت القضيَّة، انفكَّت الخصومة الآن ولَّا لا؟ انفكَّتْ.
طالب: (... ).
الشيخ: هذه الصورة الآن أمامكم؛ ادَّعى على زيد بكذا، فقيل له: لك بيِّنة؟ قال: لا.
فقيل: لك يمينه.
قال: حلِّفوه.
فحلَّفْناه ثم خلَّيناه، انتهت القضية ولَّا لا؟ انتهت القضية.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، يجيئنا، المهم انتهت القضية، ولهذا قال: (حلَّفَهُ وخلَّى سبيلَه).
قال: (ولا يُعتَدُّ بيمينه قبل مسألةِ المدَّعِي) لا يعتدُّ بيمين المنكِر قبل مسألة المدَّعي.
ويش معنى: (قَبْل مسألة المدَّعي)؟
يعني: قبل سؤال المدَّعي من الحاكم أن يُحَلِّفه؛ فلو أن الحاكم تعجَّل، فلما رأى المدَّعَى عليه قد أنكر قال: احلفْ، قبل أن يقول خصمه: حلِّفه، فإن اليمين هنا لا يُعتَدُّ بها، لماذا؟
لأن هذه اليمين صارتْ قبل وجود السبب، وتقدُّم الشيء على سببه لا يُعتَدُّ به؛ كما مرَّ علينا في قواعد ابن رجب أن تقدُّم الشيءِ على سببه لا يُعتَدُّ به، فهُنا حلَّفه قبل أن يسأله من له الحق، الحق للمدَّعِي الآن، فإذا حلَّفه قبل سؤاله فقد حلَّفه قبل وجود السبب فلا يُعتدُّ بهذا اليمين، هذا هو تعليلهم.
ولكن إذا جرى عُرْف القضاةِ بأنه لا يحتاج إلى مسألة المدَّعِي وحلَّفوه بدون مسألته؛ فإن الطلب العُرفي كالطلب اللفظي.
(وإنْ نَكَلَ قَضَى عليه).
(إنْ نَكَل) يعني: امتنع عن اليمين، مَن؟
طلبة: المدَّعَى عليه.
الشيخ: المدَّعَى عليه؛ قال له: احلفْ.
قال: ما أنا بحالف.
قَضَى عليه.
لكن هل يقضي عليه فورًا؛ مِن يوم ينكل يقول: خلاص حكمتُ عليك بما ادَّعاه خصمك؟
لا؛ يقول المؤلف: (فيقول له: إنْ حَلَفْتَ وإلَّا قضيتُ عليك).
(إنْ حَلَفْتَ) أين جواب الشرط؟ محذوف تقديره: خلَّيتُ سبيلك.
(وإلَّا) تحلفْ (قضيتُ عليك).
ربما إذا قال له هذا القولَ ربما يخاف فيحلف، ولهذا لا بدَّ أن يقول له القاضي هذا القول، لا يكتفي بمجرَّد نُكُوله حتى يقول له: إنْ حَلَفْتَ وإلَّا قضيتُ عليك.
فإنْ لم يحلفْ قضى عليه، وإن حَلَف خلَّى سبيله.
وظاهر كلام المؤلف أن اليمين لا تُرَدُّ على المدَّعِي، بل يُحكَم للمدَّعِي بمجرَّد نُكول المدَّعَى عليه، ولا يردُّ اليمين إلى المدَّعِي؛ يعني مَثَلًا: ادَّعى زيد على عمرو بمئة ريال، فقيل لزيد: هات البيِّنة.
قال: ليس عندي بيِّنة.
فطلب أن يُحَلَّف المنكِر الذي هو عمرو، قال عمرو: لا أحلف.
ظاهر كلام المؤلف أنه يُحكم عليه، ولا نقول لزيدٍ المدَّعِي: احلفْ أنك تطلبه بكذا وكذا.
لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي»، فلم يجعل في جانب المدَّعِي إلا البيِّنة، «والْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» (5)، فجعلَ اليمين في جانب المنكِر، إذَنْ لا نردُّ اليمين؛ لأن المدَّعِي لو قلنا له: احلفْ.
قال: أنا ما أحلف، أنا ما عليَّ إلا البيِّنة، ما عندي بيِّنة، فبيِّنتي نُكول هذا الرجل.
وهذا هو المشهور من المذهب.
وقيل: بلْ تُرَدُّ اليمين على المدَّعِي؛ لأنه لما نَكَل المدَّعَى عليه قوِيَ جانب المدَّعِي، والمدَّعِي إذا كان صادقًا في دعواه فالحلف لا يضرُّه، وإنْ كان كاذبًا فقد يهاب الحلف، قد تهون عليه الدعوى لكنْ عند الحلف يهاب ولا يحلف، فإذا نَكَل حَكَمْنا ببراءة المدَّعَى عليه.
على القول بالردِّ إذا نَكَل المدَّعِي نقول: إذَنْ لا شيء لك، ويش اللِّي يجعلك تأبى أن تحلف وأنت محِقٌّ؟ لو كنتَ محِقًّا حقيقةً لَحَلفْتَ، ما يضرُّك، الحلفُ على الحقِّ لا يضرُّ، لَمَّا أبيْتَ عرفْنا أنك مُبْطِل.
إذا قال: كيف أكون مُبْطِلًا؟ ليش ما حَلَف ذاك بعدُ وهو بريء؟
نقول: لأن ذاك يقول: أنا بريء، ليش أحلف؟ ! ما أنا بحالف، (... ) عليَّ، تظلمونني اظلموني، أمَّا أن أحلف وأنا بريء ما يصير.
فلذلك القولُ الثاني في المسألة أنها تُرَدُّ اليمينُ على المدَّعِي.
فيه قول ثالث: التفصيل، وهو أنه إن كان المدَّعِي يحيط بالشيء دون المدَّعَى عليه فتُرَدُّ عليه اليمين، وإن كان العكس فلا تُرَدُّ عليه اليمين.
كيف؟
مَثَلًا إذا جاء رجل إلى وَرَثة ميت يدَّعِي عليه؛ قال: أنا ادَّعِي على مورثكم بألف ريال.
وين تكون ألف ريال؟ في التركة، إذا أُخِذت ألف ريال من التركة مَن اللي ينقص حقُّه؟
الطلبة: الورثة.
الشيخ: الورثة.
الورثة قالوا: ما لك حقٌّ أبدًا.
قلنا للمدَّعِي: هات بيِّنة.
قال: ما عندي بيِّنة، خلُّوهم يحلفون أن ما في ذِمَّة مورثهم لي شيء.
الورثة قالوا: ما نحلف، ما ندري عن مورثنا، يمكن مورثنا مستلف منك شيئًا، يمكن أنه مُشْترٍ منك شيئًا ولا أوفاك، يمكن مستقرض شيئًا ولا أوفاك، ما نحلف، ما ندري، أنت أعلم بذلك منَّا، ما نحلف.
هل يُحكَم عليهم؟
ظاهر كلام المؤلف: يُحكَم عليهم.
قال: احلفوا على نفي العِلم، على الأقلِّ على نفي العلم.
يقولون: لا، ما احنا بحالفين.
على رأي المؤلف: يُحكم عليهم.
وعلى القول الذي أشرتُ إليه يقال للمدعِي: هذا الشيء أنت تحيط به علمًا، والمدعَى عليهم لا يحيطون به علمًا، فعليك اليمين.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه إذا كان المدعِي يحيط علمًا بالمدعَى به دون المدعَى عليه فإن اليمين تُرَدُّ عليه، وإن كانا جميعًا يحيطان به علمًا فلا تُرَدُّ، وإن كان كلٌّ منهما لا يحيط به علمًا فلا تُرَدُّ أيضًا؛ كما لو ادَّعى وَرَثة زيدٍ على وَرَثة عمرٍو بأن لمورثهم على مورث الآخرين كذا وكذا.
ولو قال قائلٌ بأن هذا يرجع إلى نَظَر الحاكم واجتهاده، لا فيما يحيط به المدعِي أو المدعَى عليه علمًا ولا فيما لا يحيطان به علمًا؛ لكان هذا له وجه قوي؛ لأن القاضي قد يعلم من قرائن الأحوال أن المدعِي مُبْطِل، فيرى أن ردَّ اليمين عليه متأكد؛ لأنه يعرف أنه مُبْطِل والمدعَى عليه رجلًا سليمًا حبيبًا، هابَ أن يقول: واللهِ ما عندي له شيء؛ أنْ يكون عنده الشيء لكن ناسيه، صح ولَّا لا؟ يمكن يكون المنكِر رجلًا طيبًا وادَّعى عليه هذا الرجل الطمَّاع الذي يأكل الجمل وما حَمَل، وادَّعى عليه؛ قلنا له: عندك بيِّنة.
قال: لا واللهِ ما عندي بيِّنة، لكن إذا كان ما عندي بيِّنة أطلب يمينه.
قلنا لهذا الرجل الطيب السليم الحبيب: احلفْ.
قال: ما أحلف.
ليش ما تحلف؟ هو بنفسه يقول: ما أحلف؛ لأني أخشى أن له حقًّا لكنِّي ناسيه، ولا أنا بحالف عليه، تبغون تكتفون بإنكاري فاكتفوا، ما تكتفون بإنكاري فأشكو إلى الله، احكموا عليَّ بما ادَّعى.
أليس هذا واردًا؟
طلبة: بلى.
طلبة آخرون: نعم.
الشيخ: (بَلَى) ما هو (نعم)، إذَنْ يمكن للقاضي الآن أن يردَّ اليمين على هذا المدعِي؛ لأنه يترجَّح عنده الآن صِدق المدعِي؟ ! صحيح؟ !
لأنه يترجَّح عنده الآن كذبُ المدعِي، وصِدق المدعَى عليه، وهذا القول عندي أنه أرجح، وأنا وإنْ كنت لم أطَّلع على قائلٍ به، لكنْ هو ما دام قولًا مفصَّلًا يأخذ بقول مَن يقول بالردِّ من وجهٍ وبقول مَن لا يقول بالردِّ من وجهٍ، يكون هذا بعضَ قولِ هؤلاء وبعضَ قولِ هؤلاء، ولَّا لا؟ لأن دُولا يقولون: يُرَدُّ مُطْلقًا، ودُولا يقولون: ما يُرَدُّ مُطْلقًا، وهذا يفصِّل فيقول: تُرَدُّ اليمين على المدعِي إن رأى القاضي ذلك.
وهذا القول عندي أنه جيد، ولا ينافي قول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن حقيقة الأمر أنه إذا كان المدعِي يحيط بالشيء دون المدعَى عليه فإنه يترجَّح أن نردَّ اليمين عليه؛ لأن هذا المنكِر إنما امتنعَ من اليمين تورُّعًا، وهذا يمكنه الإحاطةُ، فلماذا لا نردُّه عليه؟ !
فقولنا هذا -الاحتمال الذي قُلته- لا ينافي قول شيخ الإسلام ابن تيمية في بعض الأحيان، ولكنه لا يخرج من الإجماع؛ يعني ما يخرج من القولين؛ يأخذ بأحد القولين مِن وجهٍ، ويأخذ بالقول الثاني من وجهٍ آخَر.
على كلِّ حالٍ المسألةُ الآن فيها ثلاثة أقوال.
طالب: (... ) أربعة.
الشيخ: أربعة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: القول الأول: أنها لا تُرَدُّ مُطْلَقًا، وهذا هو المذهب.
القول الثاني: أنها تُرَدُّ مُطْلَقًا، وهذا قولٌ آخَر في المذهب.
والقول الثالث: أنها تُرَدُّ على من كان محيطًا بالشيء دون مَن لم يكن محيطًا به، وهذا اختيار شيخ الإسلام.
القول الرابع -وهو احتمال أن يقال-: يرجع هذا إلى اجتهاد مَن؟
الطلبة: القاضي.
الشيخ: إلى اجتهاد القاضي، فإنْ رأى أنْ تُرَدَّ اليمين على المدعِي فَعَل، وإن لم يَرَ لم يفعلْ.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فإنْ حَلَفَ المنكِر) يعني وخُلِّي سبيلُه.
احنا نقول: (خُلِّي سبيلُه) (... ) (خُلِّي سبيلَه)، يقولون: إنه يجوز الوجهان، ولذلك يستوي فيها العارف بالعربية والذي لا يعرف؛ يعني اللِّي يقرأ زين واللِّي ما يقرأ زين.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما يَرِد الكسر؛ يعني يجوز أن تقول: (خُلِّي سبيلَه) و (خُلِّي سبيلُه)، إن قلت: (خُلِّي سبيلَه) صار نائبُ الفاعل الْمُخَلَّى الإنسانَ؛ يعني خُلِّيَ ضاربًا طريقَه، أو ما أشبهَ ذلك، و"سبيلَه" تكون ظرفًا، وإن قلنا: (خُلِّي سبيلُه) صار الْمُخَلَّى السبيلَ؛ يعني تُرِكَ طريقُه فلم يُتعرَّض له، على كل حال يجوز الوجهان.
(فإنْ حَلَفَ المنكِر ثم أَحْضَرَ المدَّعِي بيِّنةً حُكِم بها).
هذه مشكلة، عَقِب ما راح المنكِر فرحانًا، قال: الحمد لله أني تخلَّصْتُ من هذا الرجل، جاء يقول: أنا أطلبك مليون ريال.
قال لي: ما عندي بيِّنة، وحلفتُ عند القاضي وخلَّى سبيلي، فرحت الآن، الحمد لله الذي خفَّفَ عني.
المدَّعِي جاء ببيِّنة عند القاضي قال: لقيت شهود؛ فلان وفلان مزكَّيان.
يحكم القاضي بالبيِّنة، ليش؟ لأن اليمين يُقصَد بها فكُّ الخصومة، وإلَّا ما تُبْرِئ الإنسان إبراءً تامًّا، فليست إبراءً، ولكنها لفك الخصومة فقط بحيث لا يتعرَّض المدعِي للمدعَى عليه.
البيِّنة تُثبت الحقَّ ولَّا لا؟ تُثبت الحق، نقول: الآن ثَبَت عليك الحقُّ مليون ريال.
قال: مليون، (... ) عندي؟ قال: لأنَّا وجدْنا بيِّنة.
ولهذا قال المؤلف: (ولم تَكُن اليمينُ مُزِيلةً للحق).
صحيح، اليمين ما تُزيل الحقَّ، لكنها ترفع أيش؟ الخصومة فقط.
طيب، كلام المؤلف.. شوف الأول قال: فإن قال: (ما لي بيِّنة)، كلامه الآن مُفَرَّع على قول المدعِي: (ما لي بيِّنة).
وظاهر قوله أو ظاهر سياق كلامه أنه إذا أتى بالبيِّنة بعد قوله: (ما لي بيِّنة)؟
طلبة: (... ).
الشيخ: (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: (... ) ناظروا الكلام، اقرؤوا معي الكلام: (إنْ قال المدَّعِي: ما لي بيِّنة.
أَعْلَمَهُ الحاكمُ أنَّ له اليمينَ على خَصْمه على صفة جوابه، فإنْ سَأَلَ إحلافَهُ أَحْلَفَهُ وخلَّى سبيلَه، ولا يُعتَدُّ بيمينه قبل مسألة المدَّعِي، وإنْ نَكَلَ قَضَى عليه بالنُّكول فيقول: إنْ حَلَفْتَ وإلَّا قضيتُ عليك.
فإنْ لم يحلف قَضَى عليه، فإن حَلَفَ المنكِر ثم أَحْضَرَ المدَّعِي بيِّنةً حكم بها ولم تَكُن اليمين مزيلةً للحق).
طالب: مُرَكَّب على قوله: (ما لي بيِّنة).
الشيخ: مُرَكَّب، كلُّ الكلام مفرَّع على قول المدعِي: (ما لي بيِّنة)، فظاهر كلام المؤلف إذَنْ أنه إذا قال: ما لي بيِّنة، ثم أحلفْنا خصمَه وحَلَفَ، ثم أتى بالبيِّنة، ويش ظاهر كلامه؟ أنَّ البيِّنة تُقْبَل، وهذا القول -الذي ذهب إليه المؤلف، الذي هو ظاهر كلامه- هو الحقُّ في هذه المسألة، هو الصواب.
أمَّا المذهب فيقولون: لا تُقْبَل البيِّنة، لو أتى ببيِّنة لا تُقبل.
السبب؟
قال: لأنه هو نفسُه يكذِّب البيِّنة.
كيف يكذِّب البيِّنة؟ نعم؛ لأنه يقول: ما لي بيِّنة.
إذَنْ ما دام ما لك بيِّنة كيف تجيء البيِّنة؟ خُلِقَت البيِّنة من جديد! فكلامك إذَنْ يُكذِّب البيِّنة؛ فأنت أول مَن يشهد بكذبها، وكيف تدَّعي بما تشهد أنه كذب؟ ! صح ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: هذا تعليلهم.
لكن الذي مشى عليه المؤلف -وهو القول الثاني في المسألة- يقولون: إن قول المدعِي: ما لي بيِّنة، قد يكون بحسب اعتقاده، ويكون له بيِّنة لم يعلم بها، أو يكون له بيِّنة لكن نسيها، أو يكون له بيِّنة ظنَّ أنها ماتتْ ولا فائدة من أنه يقول لي: واللهِ لي بيِّنة وميتة.
هذا مِثْل الذي قيل له: أنت صلَّيت الفجر اليوم؟ قال: نعم.
قال: مَن يشهد لك؟ مَن الذي جنبك؟ قال: جنبي أجنبي وجدار.
أجنبي يعني غير معروف، وجدار، يبغي يشهد؟ ما هو بشاهد.
هذا ربما قال: ما لي بيِّنة؛ لأنه ظنَّ أن البينة قد ماتتْ، وقال: أنا إذا قلت: لي بيِّنة، وهي ميتة، صار الكلام عبثًا.
على كل حال نقول: إن قوله: ما لي بيِّنة، ثم إتيانه بعدُ ببيِّنة لا يستلزم تكذيب البيِّنة أبدًا؛ ليس هنالك لزومٌ عقليٌّ ولا لزومٌ شرعيٌّ، لماذا؟ لأنه قد يكون نسيها، وقد يكون جَهِل أن له بيِّنة؛ قد يجلس إنسان مع خصمه في مكان، يجلسون في مكان ويتحدثون: تذكُر يا فلان ذاك من السَّنة لَمَّا تجيء ليمي تقول: واللهِ أنا احتجْتُ دراهم؛ أبغي أتزوَّج، وطلبوا عليَّ مئة ألف ريال، وطلبوا عليَّ (... ) بخمسين ألف ريال، وطلبوا عليَّ ذهبًا بخمسين ألف ريال، هذه مئتا ألف ريال، ما عندي مئتا ألف ريال، تبغي تسلِّفها؟ وإنك سلفتها، وأنا -الآن- الدنيا حياة وفيه موت، أنا مُقِرٌّ بأن لك عندي مائتي ألف ريال وهذا سببها.
ما عندهم أحد، لكنْ فيه واحد يستمع، أو اثنان يستمعان، ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ ممكن، سواء كانوا يمشون في السوق ولَّا جالسين في مكان أو في مسجد أو غيره، يمكن يكون له بيِّنة ما عَلِم بها وقال: ما لي بيِّنة، يمكن يكون له بيِّنة ونسيها، وأحيانًا.. نحن دائمًا نقول: ما حصل كذا.
وهو حاصل، لكن ناسين، ولَّا لا؟
طيب، على كلِّ حال إنَّ الإنسان قد ينسى وينفي بناءً على نسيانه، قد يظن أن البيِّنة ماتتْ، وإذا ماتت مَن يأتي بها؟ ! فيكون ادِّعاؤه أن البيِّنة ميِّتة سَفَهًا لدى الناس فلا يتكلم، فالصواب -بلا شكٍّ- ما هو ظاهر كلام المؤلف: أنه إذا أتى ببيِّنة ذاتِ عَدْلٍ حُكِم بها، ولم تكن اليمينُ مزيلةً للحق.
ثم إنَّ العامِّي.. يعني لو تنازلْنا وقُلنا: هذا الكلام الذي ذكرْناه احتمالًا، وهو احتمال النسيان أو الجهل أو الموت، لو تنازلْنا، فهل العامِّي يفرِّق بين: (ما لي بيِّنة)، و (ما أعلمُ أن لي بيِّنة)؟
الطلبة: لا يفرق.
الشيخ: أبدًا، العامِّي لا يفرِّق، لو قيل له: ألسْتَ طلَّقْتَ امرأتَك؟ قال: نعم.
تطلق ولا ما تطلق؟
طلبة: تطلق.
الشيخ: إن كان لُغَوِيًّا؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق، إنْ كان لُغويًّا لا تطلق.
إنْ كان عامِّيًّا؟
الطلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق؛ لأنه يفهم (نعم) بمعنى (بلى)، فالعامِّي -في الواقع- لا يفرِّق بين: ما لي بيِّنة، وبين قوله: ما أعلم لي بيِّنة، اللهم إلا إذا كان المدعِي رجُلًا متمرِّسًا في الدعاوي كالذي يسمُّونه المحامي؛ فإنَّ المحامين يَدْرسون الدعاوي على أنها فنٌّ من الفنون، كالمهندس يدرس الهندسةَ على أنها فنٌّ، هو مهندس دعاوي، فتجده يأتي بِحُجَجٍ أكبر من الجبال ولو كان مُبْطِلًا، ولو كان كاذبًا؛ لأنه يكسب بهذا أمرين: المال المجعول له، والثاني: شطارته في المحاماة وقدرته على المحاماة؛ لو يفشل ما عاد يبغاه الناس، لو يكتب على دكَّانه لوحة أكبر من باب الدكان على أنه محامٍ ما قبلوه الناس.
فالحاصل أننا نقول: القول الثاني في المسألة ما هو ظاهرُ كلامِ المؤلف وهو الصواب: أنه إذا قال: ما لي بيِّنة، ثم أَحْضَرَ فإنها تُقبل.
طالب: (... ) هذا الذي ادَّعى على الورثة (... ) يقول لهم: اثبتوا لي أن مورثكم (... ) أو يَثْبت أن عندهم بيِّنة (... ) هذا المورث كاتب ورقة، قال: إن لفلان عندي ألف.
وهو يقول: إنه لم يثبت عندي (... ) وإلا ما يقول: إنه (... ) يأتي رجل عاقل ويقول: أثبِتوا لي أن هذا الرجل ما قال (... )؟
الشيخ: يحلفون على نفي العلم.
الطالب: على نفي العلم؟
الشيخ: إي.
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ) ما أحلف على نفي العلم ولا شيء.
الطالب: الظاهر أنه (... ) يقصد: هل (... ).. ؟
الشيخ: لا، ربما يدَّعي أنهم يعلمون، ربما يقول: أخذتُ وأنتم تشاهدون، ربما يقول: إنني أعلم أن مورثكم كاتب أمامي بالدفتر.
طالب: (... ).
(فصلٌ)
ولا تَصِحُّ الدعوَى إلا مُحَرَّرَةً مَعلومةَ الْمُدَّعَى به، إلا ما نُصَحِّحُه مجهولًا كالوَصِيَّةِ وعبدٍ من عبيدِه مَهْرًا ونحوَه، وإن ادَّعَى عَقْدَ نِكاحٍ أو بيعٍ أو غيرِهما فلا بدَّ من ذِكْرِ شُروطِه، وإن ادَّعَت امرأةٌ نِكاحَ رَجُلٍ لطَلَبِ نَفَقَةٍ أو مَهْرٍ أو نحوِهما سُمِعَتْ دَعواها، فإن لم تَدَّعِ سِوَى النِّكاحِ لم تُقْبَلْ، وإن ادَّعَى الإرثَ ذَكَرَ سَبَبَه.
وتُعْتَبَرُ عدالةُ الْبَيِّنَةِ ظاهرًا وباطنًا، ومَن جُهِلَتْ عَدالتُه سأل عنه، وإن عَلِمَ عدالتَه عَمِلَ بها، وإن جَرَحَ الْخَصمُ الشهودَ كُلِّفَ الْبَيِّنَةَ به وأُنْظِرَ له ثلاثًا إن طَلَبَه، وللمُدَّعِي مُلازمَتُه, فإن لم يَأْتِ ببيِّنَةٍ حَكَمَ عليه، وإن جُهِلَ حالُ الْبَيِّنَةِ طُلِبَ من الْمُدَّعِي تَزكيتُهم، ويَكْفِي فيها عَدْلان يَشهدانِ بعَدالتِه, ولا يُقْبَلُ في الترجمةِ والتزكيةِ والْجَرحِ
الشيخ: إي نعم، ترى هذه والمحارة من جنس شذر مذر.
الطالب: هل يشترط في البيع أن تكون ذات إنسان؟
الشيخ: ذات إنسان، شو ذات إنسان؟
الطالب: (... ) إنسان (... ).
الشيخ: آدمي يعني، والله ما أعتقد أحدًا يقول: يشترط في البيع أن يكون آدميًّا؟ إلا إن كان قصدك الكلاب البوليسية..
طالب: لا، إنسان، هذا يريد (... ).
الشيخ: لا، أنا قلت: ذات عدل.
الطالب: (... ) ذات عدل؟
الشيخ: يعني: أنه عدل من العدول، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
الطالب: (... ).
الشيخ: موثوقًا به.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، موثوقًا بها.
الطالب: (... ).
الشيخ: جاء لي برجل كافر يشهد له، ما نقبل شهادته؛ لأنه قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ من أين؟ ﴿مِنْكُمْ﴾، لا بد أن يكون مسلمًا، وذوي عدل أيضًا.
وقال: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282]؛ ولهذا لا تُقْبَل شهادة الرجل لابنه، ولا لأبيه، ولا لزوجته، كما سيأتي إن شاء الله في باب موانع الشهادة.
طالب: (... ).
الشيخ: إقرار؛ يعني: بكتابته؟
الطالب: (... ).
الشيخ: يعني: بقلم المدين؟ معلوم، إذا كان معروفًا فهذا إقرار، ولكن لو ادعى الورثة، أو ادعى المدين أنه أوفاه وقال: هذه ورقة قديمة كتبتها أنا، ولما أوفيته وقلت: أعطني الورقة.
قال: ضاعت.
الناس يتحيرون؛ يأخذ منه ورقة بإقراره بأني في ذمتي لفلان ألف ريال، ثم يجيء المدين ويوفي ويقول: أعطني الورقة الأصلية أمزقها، ولَّا أكتب فيها التوصيل؟ قال: لا، والله ضاعت، يمكن يقول هكذا.
الطالب: (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، ما يمكن أبدًا، ما تُقْبَل، إذا قال: لا بينة لي، اللهم إلا أن يقيم دعوى جديدة، فهذا شيء ثان.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، على كلام المؤلف: نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: هذا ما هو كاف، البينة ويش تشهد؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، لازم يكون عدولًا، إذا قدح فيهم المدعى عليه يبين القدح..
الطالب: (... ) إذا كان المدعى عليه (... ) المدعي (... ).
الشيخ: يحلف بالإشارة؛ نقول له: احلف بالله.
ويحلف بالإشارة، الأخرس لا بد له إشارة مفهومة، هذا قد يكون مفهومًا، يقول: سدا، يعني: يشير إلى الله عز وجل؛ يحلف.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، ما يجوز، التورية للظالم محرمة، ولا تنفعه.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، التوقير في الخصومة لا بأس به.
الطالب: (... ).
الشيخ: الظاهر من هذا أنه اصطلاح قريب.
الطالب: بعض (... ) الآن (... ).
الشيخ: هو إذا لم يتصور أنه الخصم بنفسه، ما استطاع أن (... ) لكن بعض المحامين -والعياذ بالله- يحاول أن يقلب الباطل حقًّا..
الطالب: (... ).
الشيخ: من أجل أن يأخذ المال، وأن يبقي على مركزه وسمعته، وإذا شاف إنه ما فيه فائدة راح يطوّل المسألة، ارفعها للتمييز، ومن التمييز قال: ارفعوها للمجلس الأعلى للقضاء، وقام يعطل المسائل.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يجوز هذا، أي إنسان يحامي عن شخص بالباطل هو حرام عليه.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم؟
طالب: (... ).
الشيخ: إي؟
طالب: (... ) البينة على المدعي (... ) ولا على يمين (... ).
الشيخ: نعم، البينة على المدعي؛ معناه: إذا لم ينكر هذا الشيء، يمكن.
هذا عموم يخصص؛ لأنه قال: البينة على المدعي في حال تكون اليمين على المنكِر، واليمين الآن ما أنكر، ما حصلت في جانب المنكر، فلما لم تحصل قوي جانب المدعي، لأنه أحيانًا يتعين على القاضي أنه يُحَلِّف المدعي، أحيانًا يعرف أن المدعي مبطلًا، وكثير من الناس يتخوف جدًّا من اليمين في الخصومة؛ لأن اليمين في الخصومة -سبحان الله العظيم- إذا كانت كاذبة فإن العقوبة أسرع إلى الإنسان من ظله.
أبدًا.
وحكى لي إنسان عن شخص خاصمه بباطل، والقاضي مشى على ما تدل عليه السنة في هذا، وحَلِفَ المنكر وهو كاذب.
فقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، يقول: ما بقي يومان إلا صار عليه حادث وقع على عياله كلهم، أعوذ بالله.
وكما قال بعض السلف قال: اليمين الكاذبة تَدَع الديار بلاقع؛ أي: خالية تهلك الناس؛ فكثير من الناس إذا جاء اليمين يخاف ولا يحلف.
الطالب: إذا وجدنا قرائن، مثلًا (... ) ماذا أنكر وقال: ما عندي بينة، ما ذكرنا، نحن قلنا..
الشيخ: نكل يعني؟
الطالب: إي نعم، فقلنا: وهذا عليه يعني قرائن (... )، أشياء وكذا، وليس عنده (... ) أليس (... ) عليه، لو قلنا له: احلف (... )، لو قلنا للرجل هذا: احلف (... ).
الشيخ: ما نبقى عليه.
الطالب: مثلًا الرجل هذا ادعى على هذا.
الشيخ: مَن هذا؟
الطالب: محمد ادعى على خليل بمئتي ألف.
الشيخ: ادعى عليه يعني بمئتي ألف؟ كذا يا محمد؟
الطالب: إي نعم؟
الشيخ: (... ) ادعى محمد على خليل بمئتي ألف ريال.
الطالب: (... ).
الشيخ: ببينة، قال: ما عندي بينة.
الطالب: قال: ما عندي بينة (... ) ونعرف أن هذا (... )، وأخذ مكتبة يعني، وأخذ أشياء وما كان عنده مبلغ، الذي يأتي بهذه الأشياء؛ يعني: هذا قرينة لأنه أخذ..
الشيخ: زين.
الطالب: وهذا يقول: أنا أعطيتك قبل شهر مثلًا.
أليس هذه قرينة؟
الشيخ: أما علي المذهب: ما فيه قرائن، يُحْكَم عليه بالنكول، ما دام أَبَى أن يحلف، ما هو بـ (أَبَى) خليل؟ !
الطالب: إي نعم.
الشيخ: أَبَى أن يحلف؛ يُحْكَم عليه بالنكول.
يقال: سلم المئتي ألف، ما فيه إشكال؟
وعلى القول الثاني: يُحْكَم عليه بالنكول بعد أن يحلف لمحمد.
طالب: (... ).
الشيخ: ما يخالف، أما لو قلنا: يرجع للقاضي؛ أما قلنا: القول الراجح اللي ذكرنا: إنه يرجع للقاضي؟ إذا رأى أن يُحَلِّف حَلَّف، يعني: خليل جائز يقول: أنا ورثته من أبي مثلًا، جاءني من صاحب لي، من صديقٍ لي، وجدته كنزًا في الأرض.
يعني: ما أجد رزقًا إلا من طريق محمد؟ !
طالب: (... ). الشيخ: يجيب أيش؟ الطالب: (... ).
الشيخ: ما يحلف؟ يقول: أديته، ما يحلف على هذا.
على كل حال، المسألة واضحة، ما فيها إشكال الآن؛ يعني: يُقْضى عليه بالنكول، إذا عَيَّل يحلف، لكن المشكِل إذا حلف، لو حلف خليل، هذه مشكلة.
(ولا تصحُّ الدعوى إلا مُحَرَّرة).
(الدعوى) هي ادعاء الإنسان على غيره حقًّا، أو براءة من حق؛ يعني: أن يدعي على غيره حقًّا، فيقول: أنا أطلب من فلان كذا وكذا.
أو براءة منه بأن يُدَّعَى عليه فينكر، فهذه أيضًا نوع من الدعوى، وإن كانت تُسَمَّى إنكارًا.
فالدعوى إذن إما أن يدعي الإنسان أن له على فلان شيئًا، أو يَدَّعي عليه أنه أبرأه من كذا، أو ما أشبه ذلك، ولكن الأخيرة يسميها العلماء أيش؟ يسميها إنكارًا.
(الدعوى) أولًا يُنْظَر إليها من ناحية الجواز، هل يجوز للإنسان أن يدعي على غيره حقًّا؟
الجواب: نعم، إذا كان ثابتًا فله أن يَدَّعي عليه الحق، أما إذا كان ظلمًا فإن النصوص كثيرة في عقوبة من ادعى على غيره شيئًا باطلًا، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانَ» (1)، والنصوص في هذا كثيرة.
فإذا جازت الدعوى فلا بد لها من شروط:
الشرط الأول: أن تكون (مُحَرَّرَة) وتحرير الشيء بمعنى تنقيته عن كل الشوائب؛ وذلك بأن يذكر جنس المُدعى به؛ جنسه، ونوعه، وصفته، وقدره، حتى يبقى متميزًا ظاهرًا محررًا مخلَّصًا من شوائب الجهل، وهذا هو معنى قوله: (معلومة المدعى به) فلا يكفي أن يقول المدعي: أنا أدعي عليه طعامًا، هذه دعوى غير مسموعة، ولا تصح حتى يحررها، فيقول: بُرًّا، أو رزًا، أو ما أشبه ذلك، ولا يكفي هذا أيضًا حتى يقول: إن قدره كذا وكذا، مئة صاع، مئتي صاع، وما أشبه ذلك، ولا يكفي هذا أيضًا حتى يضيف إليه ذكر الوصف، الجودة، والرداءة، وما أشبه ذلك، فالمهم لا بد أن تكون محررة من جميع الجوانب؛ من كل وجه.
لو ادعى عليه بعيرًا؛ أَدَّعِي عليه بعيرًا، هكذا؟ ما تُسْمَع؛ لأنها مُبْهَمَة حتى يبين؛ فيقول: بعيرًا رباعية، ثَنِيًّا وما أشبه ذلك، صفتها كذا وكذا، جنسها كذا وكذا، حتى يبين ويحرر.
هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقيل: تصح الدعوى غير محررة وتُسْمَع، ويسمعها القاضي، ويطلب من المدعي تحريرها، فإذا قال: أدعي عليه بعيرًا يسمع، ولكن يقول: صفها، اذكر نوعها، جنسها، وما أشبه ذلك، وهذا أصح، لا سيما في الأمور التي تحتاج إلى دقة وصف.
مثل لو قال: أنا أدعي عليه أرضًا، أدعي أن هذا الملك لي، أدعي أن الملك الذي بيده يتصرف فيه لي، تسمع الدعوى، ثم بعد ذلك يطلب من أيش؟ من المدعي أن يحررها ويميزها؛ لأنه لا يمكن الحكم إلا بذلك إلا بتحريرها، هل هناك دليل؟
استدل الفقهاء رحمهم الله بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ» (2)، والقضاء لا يمكن إلا بعد معرفة المقضي به، وإلا فإنه لا يمكن القضاء بشيء مبهم.
قال المؤلف: (مَعْلُومَةَ المُدَّعَى بِهِ) هذا من التحرير؛ أن تكون معلومة المدعى به جنسًا وقدرًا ووصفًا، فإن لم تكن معلومة المدعى به فإنها لا تصح ولا تُسْمَع.
والصحيح -كما قلنا- أنها تصح، ويطلب من المدعي أن يحررها؛ لأن القاضي لا يمكن أن يلزم بشيء مجهول، ولا يتأتى الإلزام بشيء مجهول.
قال المؤلف: (إلا بما نصححه مجهولًا كالوصية) فتصحُّ الدعوى به، ويَحْكُم القاضي بها، ثم يُعطى ما يترتب على ذلك.
فالوصية تصح بالمجهول؛ مثل: لو أوصى له من ماله بشيء؛ كلمة بشيء مجهول، والوصية عند الفقهاء رحمهم الله صحيحة ولو كان مجهولًا.
لكن ماذا نعطيه من المال؟
قالوا: يعطيه الوارث ما شاء مما يُطْلَق عليه أنه مال، فلو أعطاه درهمًا من مئة مليون درهم صح؛ لماذا؟
طلبة: لأنه يطلق عليه شيء.
الشيخ: لأنه يطلق عليه شيء، ولو أعطاه ثوبًا من ثيابه صح؛ لأنه يطلق عليه أنه شيء.
فهذه لو قال: أنا أدَّعي عليه بأنه أوصى لي بشيء، أدعي على الورثة بأن مورثهم أوصى لي بشيء، لا يقول القاضي: إحنا لا نسمع.
نقول: نسمع الدعوى، وإذا أتيت بشهود حكمنا لك بأن لك وصية في ماله، بماذا؟ بشيء؛ أوصى له بسهم من ماله؛ يقول لمثل هذا: يصح، لكنهم قالوا: إنه يعطى السدس بناءً على آثار وردت في ذلك؛ أنه إذا أوصى له بسهم من ماله فله السدس.
يقول: (كالوصية وعبدٍ من عبيده مهرًا ونحوه).
المهر يصح بالمبهم؛ يصح المهر بالمبهم بأن تدعي المرأة بأن زوجها أمهرها عبدًا من عبيده، تصح هذه الدعوى ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تصح؛ لماذا؟ لأن المهر يصح بمثل هذا.
إذن ما صح أن يكون عوضًا أو أن يكون مُستحَقًّا صحت الدعوى به؛ لأن الدعوى فرع على صحة العقد.
إذا خالعت على عبد من عبيدها، أو شاة من قطيعها؛ خالعت هي، فادَّعى الزوج بأن الزوجة خالعته على ذلك تصح دعواه ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: تصح؛ وتُلزم المرأة بإعطائه عبدًا من عبيدها، وحينئذٍ يُرْجَع فيه إلى ما ذكره أهل العلم في هذا الشيء.
إذن الدعوى لا تصح إلا محررةً.
وما المحررة؟ المميزة الموضحة التي لا يظهر فيها اشتباه؛ وذلك بأن تكون معلومة المدعى به جنسًا وقدرًا ووصفًا، أو نقول: نوعًا.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، إذا قلنا: نوعًا، دخل الجنس، إما أن تقول: جنسًا ونوعًا وقدرًا ووصفًا، وإما أن تقول: نوعًا وقدرًا ووصفًا.
الدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَع» (2)، ولا يمكن القضاء هذا أيضًا؛ تعليل إلا بما كان معلومًا ليتأتى الإلزام به؛ لأن القاضي -كما مر- القاضي مخبر وحاكم وفاصل وملزم، ولا يمكن الحكم والإلزام إلا بشيء معلوم.
قال المؤلف: فيه أيضًا شرط؛ يشترط أن تكون منفكة عما يكذبها، يشترط في الدعوى أن تكون منفكة عما يكذبها؛ فلو ادعى على شخص أنه سرق منذ عشرين سنة، وعُمْرُ هذا المدَّعى عليه سبع عشرة سنة، فإن الدعوى لا تصح، كيف لا تصح؟ لأننا لو سمعناها لكان معنى ذلك أنا حكمنا على هذا الإنسان بأنه سرق قبل أن يولد بثلاث سنين، وهذا شيء مستحيل.
فإذن هذا شرط مجمع عليه؛ أن تكون منفكة عما يكذبها، فإن قُرِنَ بها ما يكذبها لم تسمع بالاتفاق.
الشرط الثالث: أن تمكن المطالبة بالحق؛ فلو ادعى عليه بمؤجل من أجل إثباته، قال: أنا أدعي عليه بمئة تحل بعد سنة، فإن ذلك لا يصح؛ السبب أن المدعي لا يمكن أن يطالب بذلك، حتى لو ثبت له ما أمكنه المطالبة؛ لأنه مؤجل.
إذن ماذا يقال له؟
يقال: اصبر حتى يحل، ثم بعد ذلك ادَّعِ عليه وطالب، أما قبل أن يحل فإننا لا نسمع منك هذه الدعوى؛ لأن حقك لو ثبت الآن لم تمكنك المطالبة به.
إذن يشترط شرط ثالث؛ أن تمكن المطالبة به حالًّا، فإن ادعى مؤجلًا لم تسمع الدعوى حتى يحل.
وهذا الشرط فيه خلاف، والصحيح أنه تجوز الدعوى بالمؤجل لإثباته؛ لأن هذا المدعي يقول للقاضي: أثبته لي وأنا ما أطالبه الآن، أنا أبقيه على ما هو عليه، لكني أريد بالمطالبة إثباته خوفًا من أن يموت الشهود الذين عندي أو ينسوا، أو ما أشبه ذلك، وهذه لا شك أنها وجهة نظر صائبة، فإن المدعي له وجهة نظر، وله حق في ذلك.
فالصواب إذن أنها تصح المطالبة بالمؤجل لإثباته، والمدعي الآن لا يقول: أنا مطالب به، يعني حتى لو قال: أنا مطالب به.
ما يتمكن، لكن يقول: أنا أريد منكم إثباتًا بأن هذا الرجل في ذمته لي كذا وكذا، وإذا جاء وقت المطالبة طالبته.
الشرط الرابع: ذكر السبب؛ ذكر سبب الاستحقاق؛ فلا تصح الدعوى بدون ذكر السبب، وهذا أيضًا محل وفاق؛ فلو ادَّعى الإرث وقال: أنا وارث هذا الرجل الميت.
قلنا: ويش علاقتك به؟ ويش صلتك به؟ قال: بس، أنا وارثه، أدعي أني أنا مستحق ماله بالإرث، فإننا لا نسمع الدعوى، وإلا لكان كل واحد يجيء إذا خُبِّر أن شخصًا ليس له وارث وعنده ملايين جاء (... ) يقول: أنا وارثه.
نقول: لا بد من ذكر السبب، قال: أنا وارثه لأني عمه، لأني أخوه، أو امرأة تقول: لأني زوجته، أو رجل يقول: لأني زوجها، أو ما أشبه ذلك.
فلا بد من ذكر السبب، فإن لم يذكر السبب لم تصح الدعوى.
لو قال قائل: اسمعوها واطلبوا السبب.
لكان هذا وجيهًا.
نقول: نعم، صحيح أنه لا بد من ذكر السبب، ولا يستحق إلا بذكر السبب، لكن جَعْلُنا ذلك شرطًا في سماع الدعوى فيه نظر، وإن كان بعض الفقهاء قالوا: إن هذا لا نزاع فيه، لكن ينبغي أن يكون فيه نزاع؛ لأننا نقول: نسمع الدعوى ثم نطالبه بالسبب، أما لو جاء وقال: أنا وارثه، (... )، قدِّم بأنك أنت وارثه بسبب أنك تتصل به من الناحية الفلانية، من قرابة أو نكاح أو ولاء.
الخامس: ذكر الشروط؛ فلو ادعى عقد بيع أو إجارة أو نكاح أو وقف أو غير ذلك؛ فلا بد من ذكر الشروط، وأشار إليه المؤلف بقوله: (وإن ادَّعى عقد نكاح أو بيع أو غيرهما فلا بد من ذكر شروطه)، فلا يكفي أن يقول: إن فلانًا أدَّعِي أن هذا الرجل باع عليَّ ملكه، حتى يبين شروط صحة البيع، فيقول: باعه علي وهو مالك له بثمن معلوم، ويذكر بقية الشروط؛ لماذا؟
لأن الحكم بالشيء فرع عن تصوره، وإذا لم نتصور هذا الشيء كيف وقع فإننا لا نحكم به، وكيف نحكم بالبيع بدون أن تُذْكَر شروطه؟ ! وهذا هو المذهب.
والصحيح أنه ليس بشرط، وأنها تصح الدعوى بالعقد بدون ذكر الشروط؛ فيقول: أنا أَدَّعي عليه بأنه باع عليَّ، ثم يأتي بالشهود ويُحْكَم له بالبيع، ولا حاجة أن يذكر الشروط.
لو ادعى المدعى عليه اختلال شرط من الشروط، أو وجود شيء من الموانع، فحينئذ تكون دعوى جديدة، والأصل ما هو؟ الأصل الصحة، وأن هذا العقد جارٍ على مقتضى الشرع، وأنه لا مانع، فنطالب المدعي بعد أن نحكم بصحة البيع نطالبه بما يدعيه من انتفاء شرط، أو وجود مانع.
مثال ذلك: ادعى شخص على آخر بأنه باع عليه الأرض الفلانية، وأتى بالشهود، وحكم القاضي بصحة البيع.
على المذهب الحكم غير صحيح، لا بد أن يعرف أن هذا البيع وقع من أهله بشروطه، والصحيح أنه يصح، لكن للمحكوم عليه صاحب الأرض أن يدعي انتفاء شرط من الشروط، أو وجود مانع، فله مثلًا أن يقول: نعم، أنا بعت عليه الأرض، لكن لم يكن قد رآها، ومن شروط صحة البيع في الأرض ونحوها أن يكون قد رأى المبيع، هنا الآن نقول: هذه دعوى جديدة، فما هو الأصل؛ الصحة أو الفساد حتى يقوم دليل الصحة؟
الصحيح -وهو المذهب- أن الأصل الصحة حتى يقوم دليل الفساد، فنقول: البيع تم، والأصل فيه الصحة، ولا يمكن أن يُنْقَض.
كذلك لو ادعى وجود مانع؛ قال: نعم، أنا بعت عليه، لكن بعد أذان الجمعة الثاني، والبيع بعد أذان الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة لا يصح.
فقال: نعم، أنا أقر بالبيع، لكن وجود مانع.
نقول: هذه دعوى جديدة، والأصل الصحة وعدم وجود المانع.
المهم أن هذا الشرط الخامس في الدعوى مختلف فيه، فالمذهب أنه لا بد من ذكر الشروط، والصحيح أنه ليس بشرط، وهذا اختيار المُوَفَّق والشارح؛ الموفق صاحب أصل هذا الكتاب وهو أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة رحمه الله من أئمة المذهب، وكذلك الشارح الذي شرح المقنع، شرح أصل هذا الكتاب، اختار الرجلان أنه لا يشترط ذكر الشروط.
وفصَّل بعض العلماء فقال: يشترط في النكاح ذكر الشروط، وفي غيره كالبيع، والإجارة، والرهن، وغيرها لا يشترط.
والصحيح أنه لا فرق، وأن من ادعى عقدًا فأقام بينة حكم له بمقتضى هذه البينة، والأصل الصحة والسلامة.
قال المؤلف رحمه الله: (وإن ادعت امرأةٌ نكاحَ رجلٍ لطلبِ نفقة أو مهر أو نحوهما سُمعت دعواها، وإن لم تدعِ سوى النكاح لم تُقْبَل).
(لم تُقْبَل) هنا بمعنى لم تُسْمَع؛ (لم تقبل) الدعوى أي: لم تُسْمَع.
وفرق بين القبول والسماع؛ السماع معناه أن يتقبل القاضي الدعوى وينظر فيها، والقبول أن يقبل قول الخصم.
إذن نقول: هذه المسألة لم تُقْبَل أي لم تُسْمَع.
هذه امرأة ادعت على رجل أنه زوجها، ادعت أنه زوجها، قالت: يلّا، أنت زوجي، أو قالت: أنا زوجتك.
قال: أبدًا ما أعرفك ولا تعرفيني.
قالت: لا، أنت زوجي، نحضرها عند القاضي؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حضرناها عند القاضي، فقال القاضي: لماذا ادعيتِ أنك زوجته؟ قالت: لأطالبه بالمهر، يَسْمَع الدعوى وينظر فيها.
فهل يقبل قولها أو لا؟ لا يقبل؛ لأنها مدعية، إلا بشهود، لا يقبل إلا بشهود، المهم بس أن ينظر في القضية.
طالب: (... ) الدعوى.
الشيخ: طيب، إي نعم، هي ادعت ليكون سببًا؛ يعني جعلت الزوجية سببًا.
كذلك في النفقة، قال: لماذا ادعيتِ عليه النكاح؟ قالت: لأني منذ تزوجته ما أنفق عليَّ، فأنا أدعي عليه بالنفقة، نسمع الدعوى ولَّا لا؟
طلبة: نسمع.
الشيخ: نعم، نسمع الدعوى، ولهذا قال: (لطلبِ نفقة أو مهر أو نحوهما) من الأمور المالية؛ كالسكنى وغير ذلك، فإننا نقبل دعواها؛ قالت: أنا أدعي عليه النكاح لأجل أن يستأجر لي شقة أو فيلا أو ما أشبه ذلك.
نقول: هذه الدعوى مسموعة، فإن أتت ببينة حكمنا بما تدعي، وإلا قلنا للزوج المدَّعَى عليه: احلف، فإذا حلف خُلِّيَ سبيله كما سبق.
أما إذا لم تدَّعِ إلا النكاح أحضرته عند القاضي وادعت أنها زوجته، أو أنه تزوجها.
قال: ليش تدعي؟ على أي شيء تبغي النفقة؟ تبغي مهرًا؟ قالت: أبدًا، أنا لا أريد نفقةً ولا مهرًا، لكن أبغي هذا الرجل، هو زوجي، تُسْمَع ولَّا لا؟
طلبة: لا تسمع.
الشيخ: يقول المؤلف: ما تسمع؛ لأن الحق لها ولَّا له؟
طلبة: لها.
طلبة آخرون: له عليها.
الشيخ: لو كان لها سُمِعَت.
الحق له هو اللي يطلبه لو كانت زوجته.
امرأة تلقى واحدًا في السوق، تقول: تعال، أنت زوجي، يلّا على القاضي، مشكلة هذه، فهي إذا لم تدعي سوى النكاح فقط أنه زوجها، فإنها لا تسمع دعواها.
قالت: أنا ما أريد نفقة، ولا أريد مهرًا، ولا أريد سكنى، ولا أريد قَسْمًا، ولا شيء أبدًا، أنا أريد بس أن تثبتوا أنني زوجة هذا الرجل، نقول: لا نسمع الدعوى؛ لأن الحق في النكاح للزوج، هو الذي يطالب، وهو الذي يختار المرأة ويعقد له عليها.
ولكن في هذه الصورة، لو قالت: أنا أدعي عليه أن يفارقني، أنا ما أبغي المهر ولا نفقة ولا غيره، لكن أنا زوجته أدعي بذلك لأجل أن يفارقني، فهل تُسْمَع الدعوى ولَّا لا؟
نعم، تُسْمَع، وهذه غريبة، ادعت شيئًا لتفر منه، ادعت الزواج من أجل الفراق؛ لأنها تقول: هو الرجل الآن لا يُقِرُّ بأني زوجته، ولا يعترف بأني زوجته، لكن أنا أريد أن يطلقني؛ لأني أعتقد أني زوجته، وإذا كنت أعتقد أني زوجته، لا يمكن أن أتزوج وأنا امرأة أريد الزواج.
فنقول في هذه الحال: تُسْمَع الدعوى، ويؤمر الزوج بالطلاق، يقال: الحمد لله، طلق، أنت الآن لا يضرك شيء، لا هو مأخوذ منك مهر ولا نفقة ولا شيء، لكن طلَّق بناء على دعواها.
يقولون: لا بد أن يطلق في هذه الحال ليفك أسرها.
وفي الحقيقة هذا الكلام ذكروه في باب الإقرار في غير هذا المكان، فيه لا شك راحة للمرأة، لكن فيه مشكلة أخرى، ما هي؟
أن كل امرأة تريد إيذاء شخص تدعي عليه أنها زوجته؛ من أجل أن توصله إلى القاضي، وتجره إلى المحاكم، ما تريد هي شيئًا؛ لا نفقة، ولا مهرًا، ولا سكنى، ولا قسمًا، ولا شيئًا أبدًا، لكن تريد أن تتعب هذا الرجل عند المحاكم، فهي من وجهٍ يقوى القولُ بأنه لا بأس أن تُسْمَع الدعوى، ويُؤْمَر بماذا؟ بالفراق.
ومن وجه آخر تقول: إن عدم سماع الدعوى أولى، ويقال: أنتِ الآن لست مزوجة، بحسب الحكم الظاهر عند الله، الحكم الظاهر عند الله أنك غير مزوجة، ما ثبت أنك زوجة فلان، فلك أن تتزوجي، فأيهما أولى، أن نعتبر هذه المسألة أعني: مسألة أن بعض النساء قد يتخذ من هذا القول التوصل إلى الإضرار بالرجال؟ كل امرأة تستطيع أن تدعي لأجل أن تتعب هذا الرجل بإحضاره إلى المحاكم، ومن جهة أخرى، أننا نرحم هذه المرأة التي جاءت معترفة بأنها زوجة فلان، تريد أن تبرئ ذمتها وأن تتخلص منه؛ لتتمكن من الزواج؟
إذا قارنا بين المصلحة والمصلحة، فإننا نرى أن الأقرب أن يلزم الزوج في هذه الحال بالفراق، واحتمال أن يكون قصدها الأذى واردًا، لكن أيضًا احتمال أن تكون زوجته حقًّا وارد ولَّا غير وارد؟
طلبة: وارد.
الشيخ: وارد، ودفع هذه المضرة أعظم من دفع الأولى التي هي الأذية.
وهذا الرجل نقول: إذا كانت هذه المرأة قصدها الأذية فإنها لا شك سوف تجد عقابها؛ إما في الدنيا، وإما في الآخرة، أما أنت ففُكَّ خلاصها؛ لأن احتمال صدقها وارد.
الخلاصة الآن: إذا ادعت المرأة أن فلانًا زوجها، هل تسمع الدعوى أم لا؟
طلبة: تفصيل.
الشيخ: فيه تفصيل، إن كان لأمر مالي سمعت؛ كالمهر، ويش بعد؟
طلبة: والنفقة.
الشيخ: والنفقة والسكنى وغير ذلك.
إن كان لمجرد أنها زوجته فإنها لا تسمع دعواها، ولكن لو طلبت أن يُلْزَم بالطلاق فلها ذلك من أجل أن تتخلص من هذا الأمر التي هي تدعي أو تقر بأنها زوجته.
طالب: قوله إلا ما (... )، ويش معناه؟
الشيخ: يعني: إلا ما يحكم بصحته.
الطالب: كيف يعني؟
الشيخ: يعني: يجوز..
الطالب: يعني (... ).
الشيخ: المؤلف رحمه الله يقول: إلا الشيء الذي (نصححه) نحن العلماء إلا ما يحكم بصحته مع جهالته.
طالب: يا شيخ، لماذا لا يكون ينظر (... ) قد تكون امرأة تريد أن تَضُرَّ به، كالرجل تزوج امرأة أخرى واشترطت عليه ألا يتزوج غيرها؛ فهذه المرأة سمعت به وذهبت للقاضي، لكي تفسد عليه حياته، وذهبت تَدَّعي هذه الدعوى، فإذا قلنا: طلقها فالآن أفسدت عليه..
الشيخ: زوجته الثانية، على كل حال هذه مسألة واردة، فللقاضي في مثل هذه الحال إذا علم من قرائن الأحوال أن المرأة كاذبة، فله أن يَصْرِف النظر عن هذه الدعوى، يقول: ما دام ما ثبت عندي أنه قد تزوجك فلا أحكم عليه بإلزامه بالطلاق.
الطالب: بعدين قد يكون باين عليه، أنه ليس من (... ) حتى..
الشيخ: أقول: لا مانع في هذه الحال أن ننظر للقرائن؛ يعني: لو وجد القاضي قرينة قوية تؤيد أن دعوى المرأة كاذبة، فله أن يصرف النظر.
الطالب: يا شيخ، لو اشتهر أن هذه المرأة باغية، تريد مثلًا أن تبرئ نفسها، فتطلب الطلاق من هذا الرجل، يرى فيها (... ) وهنا أيضًا نلزمه بالقرائن.
الشيخ: مثلما قال الأخ: إنه يعني لو فرض أن هذه المرأة معروفة بالبغي، وأنها تريد هذا علشان تنفي التهمة عن نفسها فله الحق أن يُعرض عن سماع الدعوى.
طالب: المرأة من حقها أن تدعي الزوجية بدون بينة؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: القاضي مش من حقه يطلب بينة؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: عقد زواج؛ بينة على ادعاء المرأة؛ يعني: أي امرأة تدعي أن هذا الرجل زوجها بدون بينة وبدون شهود.
الشيخ: هي ربما تدعي، الكلام هل يسمع ولَّا لا، ربما تدعي ذلك، وتدعي أن الشهود غير حاضرين، أو أنهم ماتوا.
الطالب: مش فيه عقد؟
الشيخ: لا، ما هو على كل حال، العقد هذا ما حصل إلا أخيرًا، وثائق العقود أخيرًا.
طالب: يا شيخ، الدعوى إذا صارت مقلوبة، المدعى عليه..
الشيخ: وما مرت علينا؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا (... )، مرت علينا.
طالب: مرت.
الشيخ: مرت علينا، وقلنا: المذهب أنها لا تسمع، والصحيح أنها تسمع؛ لأجل يتبرأ منها.
وهذه مسألة النكاح تشبه الدعوى المقلوبة.
طالب: ترد (... ) الرجل (... ) ما تقبل؟
الشيخ: لا، إذا ادعى نكاح امرأة تسمع، ما فيها شك، لأنه يدعي حقًّا له.
طالب: (... ).
الشيخ: نعم.
طالب: العوام يا شيخ، ما يعرفون شروط البيع، ما نلزم القاضي أنه إذا إحتاج مثلًا، يحقق المسألة بنفسه، ويسأل عن شروط البيع.
الشيخ: أبدًا أبدًا ولا نلزمه؛ لأن هذا لو أردنا أن نلزمه لكان مشكلة، فيه تعب للقاضي، لكن الخصم إذا ادعى فَقْدَ شرط أو وجود مانع نظر فيه.
طالب: العوام ما يعرفون (... ).
الشيخ: وراء ما يقول المدعى عليه: نعم؛ أنا بعت عليه لكن فيه جهالة.
طالب: لو أن المرأة ادعت على شخص أنه زوجها فطلبت الطلاق، لو شُكَّ في هذا الرجل، هل تجوز؟
الشيخ: لا، ما تجوز؛ لأنه ما أقر.
الطالب: طلَّق.
الشيخ: كيف طلَّق؟
الطالب: أمره القاضي أن يطلق.
الشيخ: إي نعم، ما يظهر.
لا أبدًا، هذا بس من أجل أن تحل للأزواج فقط.
(... ) وعدم السماع، أن السماع يلتفت القاضي لها وينظر في قضيتها، وأما عدم السماع فلا يلتفت إليها ويصرف النظر عنها، حتى لو حضرت وقالت: أدَّعي أن فلانًا زوجي؛ لأني أريد أن أكون زوجته، فيصرف النظر عنها.
يقول: أبدًا ما أسمع، روحي بس، طلعها يا جندي، واضح؟
أما إذا سمعت فإن القاضي ينظر في أمرها، ويسمع لدعواها، ثم يطلب البينة.
إذن فيه التفصيل: إن ادعت شيئًا سوى النكاح من مهر أو نفقة أو غيرهما سُمِعَت دعواها، ثم إن أتت ببينة قُبِلَت وإلا فلا، وإن لم تدعي إلا النكاح فإنها لا تسمع دعواها أبدًا ويصرف النظر عنها، واضح؟
لكن في هذه الصورة لو طلبت سؤالًا مشهورًا؛ لو طلبت من القاضي أن يفارقها الزوج، فهل يلزمه أن يلزم الزوج بالمفارقة؟ يفارقها أو يفسخ النكاح؛ لأنها هي الآن ستبقى في حرج لأنها تدعي أنها زوجته (... ).
لم تتزوج وهي تتدعي أنها في عصمة رجل فلينفي الضرر عنها.
يقال للزوج: طلقها أو افسخ النكاح، وإن كان الطلاق فرعًا من صحة النكاح، لكن من أجل دفع الضرر عنها يؤمر بالفراق.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وإن ادعى الإرث ذكر سببه)، (إن ادعى الإرث) يعني بأن قال: أنا وارث فلان، فلا بد من ذكر السبب.
وأسباب الإرث ثلاثة: القرابة، والنكاح، والولاء.
فلا بد أن يقول: أنا وارثه لأنني قريبه، ولا بد أن يذكر جهة القرابة إن كان هناك مدعٍ آخر؛ يعني: لو كان رجلان كل منهما يقول: أنا قريب فلان، فلا بد في الدعوى أن يذكر جهة القرابة، فيقول: أنا عم، أخ، ابن أخ، وما أشبه ذلك، إن لم يكن له منازع يكفي أن يقول: أنا قريبه، ولكن هذا شرط لسماع الدعوى؛ لأن هذا من تحرير الدعوى؛ ذكر السبب من التحرير، هذا شرط لسماع الدعوى لا لثبوت الإرث؛ لأنه لا بد أن نطالبه بماذا؟ ببينة تشهد بأنه قريب لهذا الرجل.
ادعى الإرث لأنه زوج؛ ماتت امرأة فجاء رجل فقال: أنا وارثها، طيب، بأي سبب؟ قال: بالزوجية، فإن قال: أنا وارثها فقط، فإننا لا نسمع دعواه حتى يعين السبب.
في الولاء مات عبد مملوك، معروف أنه مملوك، وأنه مولى لبعض الناس، فجاء رجل فقال: أنا وارثه، نقول: بأي سبب؟ بيِّن السبب؟ قال: أنا مولى له.
نسمع دعواه، ولَّا لا؟ نسمعها، ثم نطلب البينة.
إذن: إذا ادعى الإرث فلا بد من ذكر السبب.
هل يشترط ذكر الشروط وانتفاء الموانع؟ ينبني على ما سبق، والصحيح أنه لا يشترط.
قال المؤلف: (وتعتبر عدالة البينة ظاهرًا وباطنًا)، سبق لنا أنه إذا ادعى شخص على شخص بشيء طولب بالبينة.
البينة في الشرع: كل ما أبان الحق وأظهره فهو بينة؛ ولهذا تسمى الكتب النازلة من السماء تسمى بيِّنات؛ لأنها تظهر الحق وتبينه، كذلك أيضًا في باب القسامة اللي مر علينا في كتاب الجنايات تسمى العداوة الظاهرة لوثًا وبينة، ولهذا يكتفى فيها بيمين المُدَّعِين، فالبينة كل ما أبان الشيء وأظهره فهو بينة.
لكن البينة في الأموال أو في دعوى الأموال رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي؛ في الأموال البينة فيها رجلان؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، أو رجل وامرأتان: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾، أو رجل ويمين المدعي؛ لأنه ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد ويمين المدعي (3).
البينة وهما الرجلان، أو الرجل والمرأتان، يعتبر فيها العدالة ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا فيما يظهر للناس، بحيث لا يظهر على الإنسان ريبة، رجل يصلي، رجل ما تجد عليه الكذب، رجل متستر، هذه عدالة ظاهرة، ما علم عليه ريبة، ولا تهمة، لكن لا بد أيضًا أن تكون أيضًا العدالة باطنًا؛ يعني: في باطن حاله، في الأمر الخفي، وهذا لا يعرف إلا بمعاملة معه، معاملةٍ يَخبُر بها المعاملُ باطن هذا الرجل؛ لأنه يوجد كثير من الناس ظاهرهم الاستقامة، لكن عند المعاملة تجدهم ظَلَمة، غَشَشَة، كَذَبة، يحلفون الأيمان الكاذبة من أجل الدنيا، وهذا كثير.
فلا بد من العدالة ظاهرًا وباطنًا؛ وذلك بأن يختبر الإنسان بمعاملة لا تظهر للناس تكون بينه وبين الرجل، فيعرف بها باطن حاله، إذن لا يكتفى بالظاهر في عدالة البينة، أعرفتم، لماذا؟
قالوا: لأن الأصل في المسلم عدم العدالة؛ لأن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ما قال: أشهدوا اثنين منكم، وتخصيص الشاهدين بذوي العدل، يدل على أن هذا وصف زائد على مطلق الإسلام، فلا بد من ثبوت عدالة؛ لأن عندنا إسلام، وعندنا عدالة، والعدالة وصف زائد على الإسلام، والأصل في الوصف عدم الوصف ولَّا وجود الوصف؟
طلبة: عدم الوصف.
الشيخ: عدم الوصف؛ ولهذا قال أكثر أهل العلم: إن الأصل في المسلم عدم العدالة.
وهذا قد نقول: إنه لا شك فيه بالنسبة لحق الآدمي، فلا نستبيح أموال الآدميين إلا بمن عرف بالعدالة ظاهرًا وباطنًا، أما فيما يتعلق بحق الله فإنه ينبغي أن يكتفى بالعدالة ظاهرًا.
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله اعتبار العدالة ظاهرًا في عدة مسائل، منها: ولاية النكاح، ومنها الأذان يكتفى فيه العدالة الظاهرة؛ لأن هذا يغلب فيه جانب حق الله.
ولو تقدم لنا إنسان ليكون إمامًا وظاهره الصلاح، فإننا لا نحتاج أن نقول: لا بد من إقامة بينة على عدالته أيش؟ باطنًا، ما هو لازم، تكفي العدالة ظاهرًا في حق الله.
لكن في حقوق الآدميين المبنية على التحري والمشاحَّة، نقول: الأصل عدم العدالة حتى يتبين أنه عدل.
قال شيخ الإسلام: الأصل في بني آدم الظلم والجهل؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]، والظلم والجهل هما السببان المنافيان للعدالة؛ لأن الإنسان لا يخالف الاستقامة، ولا يخرج عنها، إلا إما لظلمه، أو لجهله، فإن كان عالمًا وخرج عن حد الاستقامة فهو ظالم، وإن كان جاهلًا وخرج عن حد الاستقامة فهو جاهل، فالمهم أن المذهب أنه لا بد من عدالة البينة أيش؟
طلبة: ظاهرًا وباطنًا.
الشيخ: ظاهرًا وباطنًا.
استدلوا بالنص وبالنظر؛ يعني: بالأثر وبالنظر.
أما الأثر فقالوا إن الله تعالى قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، والوصف بالعدالة وصف زائد على مطلق الإسلام، والأصل في الوصف العدم حتى يتبين.
وأما النظر، فقالوا: كم من إنسان ظاهره الصلاح والاستقامة، ولكن عند المعاملة والاختبار يكون غير عدل، تجده مثلا تحمله العاطفة على أن يشهد لقريبه، أو صديقه، أو على أن يشهد على عدوه، حتى إنه مثلا على حسب ظنه من شدة غيرته للدين يشهد على فاسق بما لم يقل؛ لأنه يبغض الفاسقين، فيشهد عليه بما لم يقل، ويدعي أن هذا غيرة لله عز وجل.
فالمهم أنه لا بد من العدالة ظاهرًا وباطنًا.
وعن أحمد رواية أن المسلم عدل ما لم تظهر عليه الريبة، وهذه الرواية تومئ إلى أن الأصل في المسلمين أيش؟
طلبة: العدالة.
الشيخ: العدالة، حتى يتبين ما يجرحهم، ولهذا قال العلماء: إن الخصم إذا جرح الشهود كُلِّف البينة به، ولو كان الأصل العدالة لكان جرحه لا يحتاج إلى إقامة بينة؛ لأن الأصل عدم العدالة، لكن سيأتي الجواب عن هذا إن شاء الله بعد.
المهم، أن الإمام أحمد رحمه الله له رواية، عنه رواية، أن المسلم مقبول الشهادة ما لم تظهر منه الريبة نعم وهذا يومئ إلى أن الأصل في المسلمين العدالة، حتى يتبين جرحهم.
ولشيخ الإسلام رحمه الله رأي آخر في الموضوع، يقول: إن العدالة الشرعية التي يشترط فيها فعل الطاعات وترك المحرمات، ليست شرطًا في الشهود، بل من رضيه الناس في الشهادة فهو مقبول الشهادة، ويُفرَّقُ بين التحمل والأداء، فعند التحمل لا نُشهد إلا من هو عدل شرعًا وعُرفًا، حتى لا نقع في ورطة فيما بعد، وعند الأداء نقبل من يرضاه الناس، وإن لم يكن عدلًا في دينه.
فعلى رأي الشيخ تقبل شهادة الرجل المعروف بالغيبة، إذا كان مأمونًا في شهادته غير متهم، وعلى المذهب لا تقبل.
على رأي الشيخ تقبل شهادة حالق اللحية إذا كان غير متهمٍ في شهادته، وعلى المذهب لا تقبل.
على رأي الشيخ تقبل شهادة من يأكل بالسوق، في بلد لم تجرِ العادة فيه بالأكل في السوق، وعلى المذهب لا تقبل؛ لأنه خالف المروءة، فخرج عن الاعتدال.
على كل حال، كلام الشيخ رحمه الله جيد عند الضرورة إليه؛ لأنها تضيع حقوق كثير من الناس، مَنْ مِن الناس اليوم الذي لا يغتاب أحدًا؟ ! أقول: إلا من رحم الله، لكن الغيبة في الناس كثيرة جدًا! حتى في الناس الذين هم أهل خير، ويتقدمون إلى المساجد ويصلون الجماعات، ويتهجدون في الليل، تجدهم يغتابون الناس ولا يهمهم! نعم، فأقول: إن المسألة عظيمة، لو اعتبرنا العدالة التي حددها الفقهاء؛ إذ لا يخلو أحد من الناس من خدش في عدالته.
إذن: العدالة معتبرة ظاهرًا وباطنًا على المذهب إلا في مسائل محدودة كعقد النكاح والأذان، وعلى القول الثاني: المعتبر العدالة ظاهرًا فقط، إذا لم يكن.. ؟
طلبة: متهمًا بريبة.
الشيخ: متهمًا بريبة، فإن كان متهمًا بريبة فلا تقبل شهادته حتى يتبين زوال هذا الاتهام.
قال المؤلف رحمه الله: (ومن جهل عدالته سأل عنه، وإن علم عدالته عمل بها) وإن علم جرحه لم يعمل به، أحوال الشهود عند القاضي ثلاثة:
الحال الأولى: أن يجهل عدالة الشهود، وإلى هذا أشار المؤلف بقوله: (ومن جهلت عدالته سأل عنه)، إذا كان الشهود غير معلومي العدالة فإنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بشهادتهم، ولا أن يرد شهادتهم، ماذا يصنع؟ يسأل، ويبحث.
وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه ينبغي للحاكم أن يرتب من يسألون عن حال الشهود؛ يعني: يجعل له لجنة همهم وشأنهم البحث عن حال الشهود، ليكون هذا أيسر وأسرع في الحكم، في عهدنا الآن لا يوجد هذا، لكن يمكن للقاضي بطرقه الخاصة أن يسأل عن حال الشهود إذا جهل عدالتهم.
الحال الثانية: أن يعلم عدالته، قال: (وإن علم عدالته عمل بها) ولَّا يحتاج إلى تزكية؟ ما يحتاج إلى تزكية؛ ولهذا من اللغو أن يشهد رجلان يعرف القاضي عدالتهما، ثم يقول: شهد فلان وفلان بكذا وكذا، وزكاهما فلان وفلان، وربما يكون المزكون أجهل عند القاضي من الشاهدين وأظلم وأفسق.
لكن هذا أصبح عملًا روتينيًّا، مثل العدد في الصلاة، تعرفون العدد في الصلاة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: العدد في الصلاة، لا، موجود.
أنا أخبط، لحقت عليك، إذا صارت بعد صلاة الفجر وانتهى الناس من التهليل والتسبيح، بدأوا يعدونه، الآن..
طالب: اليوم موجود؟
الشيخ: اليوم موجود، فلان، فلان، فلان، حاضر، حاضر، إلى آخره.
حتى إنهم يعدون اللي جنب المؤذن دائمًا، ومرة من المرات عدَّ أحد العادين عدَّ الإمام.
قال: كيف تعدني أنا، من اللي صلى بك؟ ! حدثني أناس كثيرون مشهورة، كان الناس في الأول ما عندهم سرج، السرج اللي عندهم يحطون جاز في حوض صغير وفيه فتيل، ويشاهدون فيه، كان واحد من الناس ماسك السراج للي يعد بالورقة، فلما وصل اسمه عده، قال: تعد وأنا اللي ماسك لك السراج، فنفخه وأطفأه، وقال: يلّا.
على كل حال أقول: إن التزكية الآن في المحاكم من أجل السهولة وعدم التفريق بين الناس، وإلا فإنَّ القاضي إذا علم عدالة الشهود لا يحتاج إلى تزكية، فطلب التزكية مع علمه بعدالتهم لغو من العمل.
يقول: (إن علم عدالته عمل بها).
الحال الثالثة: أن يعلم القاضي فسقه فلا يعمل بشهادته، بل يردها، ولا حاجة إلى أن يطلب شهود الجرح؛ لأنه يعلم عدالتهم.
فصار حال الشهود بالنسبة للقاضي ثلاثة أحوال: من علم عدالته، ومن علم فسقه، ومن جهل حاله.
من علم عدالته عمل بها وحكم، من علم فسقه رده، إن جهل سأل عنه.
وهذه إحدى المسائل الثلاث التي يحكم فيها القاضي بعلمه، وتذكرون المسألتين الأخريين؟
المسألة الثانية إذا استفاض الأمر واشتهر، بحيث استوى القاضي وغيره في علمه.
والمسألة الثالثة ما كان في مجلس الحكم، فهذا أيضًا يحكم به.
قال: (وإن جَرَّحَ الخصمُ الشهودَ كُلِّف البينة به).
(إن جَرَّح الخصمُ الشهود) جَرَّحَهم: أي: وصفهم بما تُرَدُّ به شهادتهم.
هذا الجرح؛ بأن قال: هذا يشرب الخمر، هذا يسرق، هذا يزني، وما أشبه ذلك مما تُرَدُّ به الشهادة.
(كُلِّفَ البينة به) أي: أُلْزِمَ بإقامة البينة؛ لسببين:
السبب الأول حمايةً لأعراض الناس؛ حتى لا يستطيل أحد على أحد بالجرح والسبِّ.
والثاني من أجل رفع الحكم أو من أجل منع الحكم بشهادة هؤلاء الشهود.
صح؟ لماذا يكلف البينة؟ لسببين:
السبب الأول حمايةً لأعراض الناس؛ حتى لا يتطاول الناس بعضهم على بعض.
والثاني: منع الحكم بشهادة هؤلاء الشهود.
فيقال للخصم إذا قال: والله ها دول اللي يشهدوا لفلان أنا أُجَرِّحُهم.
ما تُقْبَل شهادته.
يقول له القاضي: أقم البينة على أنهم مجروحون بما تقول.
(كُلِّفَ البينة به) البينة بينة الجرح ويش تشهد؟
هل لا بد أن تشاهد ما يجرح الشهود؛ بأن يقول: أشهد أني رأيته يفعل كذا وكذا، أو يقول: كذا وكذا، أو تكفي الاستفاضة؟
طالب: تكفي الاستفاضة.
الشيخ: نقول: نعم، إما أن يشهد الجارح عن رؤية أو سماع أو مباشرة، أو عن استفاضة؛ ولهذا كثير من الناس ما نعلم عن فسقهم بما فعلوا بعينه، لكن يستفيض عند الناس أنهم فَسَقة.
فللجارح أن يشهد بالاستفاضة، فإذا أتى بشهود الجرح قُبِلَت شهادة شهود الجرح ولم يحكم بشهادة الشهود في الدعوى التي ادعاها الخصم؛ لماذا؟ لانتفاء العدالة في حقهم؛ لأنه لما ثبت جرحهم انتفت عدالتهم.
قال المؤلف: (وأُنْظِرَ له) أي: لإثبات الجرح.
(ثلاثًا -ثلاثة عندي- إن طلبه) إذا قال المدعى عليه وهو الخصم: أنا أجرح هؤلاء بأنهم فسقة؛ يشربون الخمر، يسرقون، يزنون، وما أشبه ذلك.
يطالب بالبينة؛ مِن: إلى.
نقول: لك ثلاثة أيام إن طلبها؛ إن طلب الإنظار، وإن لم يطلب الإنظار، فإننا نطالبه بإحضارهم فورًا، إن طلب أكثر من ثلاثة أيام فإنه لا يقبل ولا يطاع؛ لما في ذلك من الإضرار بمن؟ بخصمه، إلا إذا رضي خصمه، وقيل له: تسمح أن نعطيه مهلة أسبوع أو عشرة أيام، وقال: نعم.
فالحق له، وإلا فأعلى ذلك ثلاثة أيام.
قال: (وللمدعي ملازمته) ملازمة من؟ الخصم الذي جَرَّح الشهود، للمدعي أن يلازمه.
أيش معنى يلازمه؟ أي: يبقى معه لا ينفك عنه، يروح معه، يتابعه، إذا خرج للمسجد يمشي وياه، يصلي جنبه، إذا راح للبيع والشراء يروح وياه، إذا راح للمدرسة؛ مثلًا لو كان في الجامعة؛ طالب، يروح وياه، يجلس إلى جنبه في الكرسي، إذا دخل بيته يقف عند الباب.
إي نعم.
لماذا؟
طلبة: لئلا يهرب.
الشيخ: قالوا: لئلا يهرب؛ لأنه يمكن أن يدعي الجرح، ويقول: هؤلاء مجروحون، فيهم كذا وكذا من الفسق، ثم يُنْظَر ثلاثة أيام، وإذا خرج من المحكمة (... ) ما عاد يلقى، يختفي، فللمدعي أن يلازمه.
الملازمة في الحقيقة سهلة ولَّا صعبة؟
طلبة: صعبة.
الشيخ: صعبة جدًّا، إذا كان الحق سهلًا، كعشرة ريالات مثلًا، يبغي يلازمه؟
طلبة: ما يلازمه.
الشيخ: ما يلازمه، لكن لو يكون الشيء كبيرًا فالملازمة عنده سهلة، إما أن يلازمه هو بنفسه، ولَّا يوجه واحدًا من الناس يقول: تعال، أنا بعطيك كل يوم مئة ريال ولازم هذا الرجل؟ يلجأ لا سيما إذا كان هو ضعيف الجسم، لو لازمه يمكن يهرب ويخليه، يجيب له واحد جيد وقوي وشجاع، يلازمه حتى لا يتمكن من الهروب.
قال: (وللمدعي ملازمته) إذن ملازمته إما بنفسه، وإما بمن يقيمه مقام نفسه.
(فإن لم يأت ببينة حُكِمَ عليه)، صح، إذا لم يأتِ ببينة تشهد بما ادعاه من الجرح فإنه يُحكم عليه؛ لأن الحكم الآن تَمَّت شروطه وانتفت موانعه، فلا بد من إقامته، ما يجوز أن يتخلف القاضي؛ يقول بعد: ننظره ثلاثة أيام أُخَر، أو ثلاثة أيام أُخَر، ما يجوز هذا، يجب أن يحكم؛ (حُكِمَ به).
قال: (وإن جَهِلَ حال البينة طلب من المدعي تزكيتهم) لتثبت عدالتهم فيحكم له، سبق الكلام على قول: (ومن جُهِلَت عدالته سَأَل عنه) فإما أن يسأل بنفسه، وإما أن يطلب من المدعي تزكيتهم؛ يقول: رُح جيب شهود على تزكيتهم.
قال: (ويكفي فيها عدلان يشهدان بعدالته).
(يكفي فيها) أي: في التزكية.
(عدلان)؛ وكلمة (عدلان) تعني أنه لا بد أن يكونا رجلين، فلا يقبل في التزكية رجل وامرأتان، أو أربع نساء مثلًا، لا بد من رجلين عدلين؛ طيب رجلين فاسقين؟
لا يقبل تعديلهما، تزكيتهما؟ ليش؟ لأنهما هما يحتاجان إلى تزكية.
(يشهدان بعدالته) قال: (ولا يقبل في الترجمة والتزكية والجرح والتعريف والرسالة إلا قول عدلين).
هذه خمس مسائل: الترجمة، والتزكية، والجرح، والتعريف، والرسالة، لا يقبل فيها إلا قول عدلين.
أما الترجمة فهي نقل معنى الكلام من لغة إلى لغة أخرى؛ نقل الكلام من لغة إلى لغة أخرى، ويشترط فيها شرطان أو ثلاثة شروط:
الأول: علم المترجم باللغتين جميعًا، أن يعلم المعنى باللغتين جميعًا؛ المنقول منها، ويش بعد؟ والمنقول إليها.
الثاني: علمه بالموضوع؛ لأن العلم بالموضوع مهم بالنسبة للترجمة، فمن لم يكن عنده علم بالموضوع ربما يترجم اللفظ على غير المراد، فلا بد أن يكون عنده علم بالموضوع، وهذا غير العلم بالمعنى.
الشرط الثالث: أن يكون أمينًا، وهنا الأمانة تؤخذ من قول المؤلف: (إلا قول عدلين) فإن كان غير أمين فإنها لا تقبل ترجمته.
المهم اشترط المؤلف للترجمة أن يقوم بها عدلان؛ فإذا تخاصم إلى القاضي رجلان، أحدهما يعرف القاضي لغته، والثاني لا يعرف لغته، يحتاج القاضي إذن إلى مترجم، هل يكفي مترجم واحد؟
يقول المؤلف: لا، لا بد من مُترجِمَيْنِ؛ لماذا؟ قال: لأن الترجمة شهادة، فإن المترجم يشهد بأن هذا المتكلم أراد كذا وكذا، إذن الشهادة لا بد فيها من عدلين.
قلنا: إذا قلت كذلك فاجعل الترجمة مبنية على الشهادة، وقل: إذا كانت الترجمة في أمر يحتاج إلى أربعة رجال كالزنا، فقل: لا يقبل إلا أربعة.
قال أصحابنا أهل المذهب: نعم، نلتزم بذلك، ونقول: الترجمة فيما يشترط فيه أربعة لا بد فيها من أربعة؛ لأنها مبنية على الشهادة، فالإقرار بالزنا مثلًا، إذا كان المقر لا يعرف القاضي لغته فلا بد من أيش؟
من أربعة مترجمين؛ يترجمون إقراره ليثبت عند القاضي، كما أن الزنا لا يثبت إلا بأربعة شهود، وهذا هو المشهور من المذهب.
والذي مشى عليه المؤلف قول على خلاف المذهب؛ لأن المؤلف رحمه الله مشى على أن الترجمة يكفي فيها قول عدلين مطلقًا، حتى فيما لا يقبل فيه إلا شهادة أربعة؛ لأن الترجمة شهادة ليست على الفعل الذي لا بد فيه من أربعة، بل شهادة على شيء لا بد من ثبوته ثبوت هذا القول، وثبوت هذا القول يحصل بماذا؟ بشهادة اثنين.
انتبهوا لكلام المؤلف، المؤلف يرى أن الترجمة وإن كانت في أمر لا بد فيه من شهود أربعة يكفي فيها عدلان، لماذا؟ قال: لأن الترجمة ليست شهادة على الفعل، بل شهادة يقصد بها إثبات هذا القول الصادر من المقِرِّ، وإثبات القول يكفي فيه عدلان.
وما ذهب إليه المؤلف أقرب من المذهب.
فيه قول ثالث لبحر العلوم شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: يكفي في الترجمة واحد فقط، لكن بالشروط الثلاثة اللي ذكرنا؛ العلم باللغتين، وبأيش؟ وبالموضوع والأمانة؛ يقول: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم اتخذ مترجمًا واحدًا في أمور عظيمة هامة؛ مثل: اتخذ زيد بن ثابت رضي الله عنه مترجمًا للكتب الواردة من اليهود والصادرة إليهم، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام أمر زيد بن ثابت أن يتعلم لغة اليهود.
وتعلم لغة اليهود في ستة عشر يومًا (4)، ستة عشر يومًا! الواحد لو يتعلم الحروف الهجائية في اللغة الإنجليزية كم يقعد؟
طالب: ست شهور.
الشيخ: لا، ما هو بست شهور.
طالب: ثلاث أسابيع.
الشيخ: لا، يقعد عشرة أيام؛ يعرفها، لكنه تعلم اللغة.
إلا أن شيخ الإسلام يقول: سبب ذلك أن اللغة العبرية قريبة من اللغة العربية، فلذلك سهلت على زيد بن ثابت.
على كل حال، يرى شيخ الإسلام رحمه الله أنه يكفي في الترجمة قول عدل واحد، وهذا الذي ذهب إليه هو الصحيح.
فصار في المسألة ثلاثة أقوال:
المذهب أنها مبنية على الشهادة.
والقول الثاني يكفي فيها قول عدلين.
والثالث قولُ واحدٍ.
أفادنا المؤلف أنه ينبغي للإنسان أن يتعلم لغة غيره، مما تدعو الحاجة إلى تعلمه، فالقاضي إذا كان في أمة فيهم أناس كثيرون لغتهم غير عربية، وهو عربي، ينبغي له أن يتعلم لغتهم ليعرف خطابهم بنفسه؛ لأنه مهما كان الإنسان ثقة لا يمكن أن تكون ثقتك به كثقتك بنفسك، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: إذن، ينبغي أن تتعلم اللغة، إذا كنت في قوم مختلط، فيهم ناس لغتهم غير اللغة العربية، أما تعلمها أي اللغة غير العربية بدون حاجة فهو من إضاعة الوقت، كما أنه يترتب عليه الميل إلى قوم هذه اللغة، الميل إلى أصحاب هذه اللغة، وأما إذا اعتاد التخاطب بها وأغفل اللغة العربية، فهذا إما مكروه، وإما محرم.