الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 7904-7943

فقالوا: إنَّ الشرع تَرَكَهم على هذا الشيء لأنه مألوف عندهم، فلما استقر الإيمان في نفوسهم نَهَى عنه، ويكون قَسَم الرسول صلى الله عليه وسلم بِأَبِيهِ قبل النَّهْي، وحينئذٍ نقول: إنه منسوخ، ولكن النسخ من شروطه: العلم بالتاريخ، ومجرد التعليل ليس حكمًا بالتأخر أو التقدم، ما يكفي هذا، لا بد أن نعلم التأخر، وحينئذ فالقول بالنسخ أيضًا ضعيف.
ثالثًا: قالوا: إن هذا مما يجري على اللسان بغير قصد، فيكون من لَغْو اليمين، وقد قال الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89]، وهذا كان يجري على اللسان بغير قَصْد فَتُرِك، تُرِك يعني.. وحتى الآن لو فرضنا الناس معتادين على هذا معناه نتركهم، وعليه فالذين اعتادوا أن يحلفوا بالنبي ما ننهاهم؛ لأن هذا يجري على ألسنتهم، وقد قَصَصْتُ عليكم قصة الرجل الذي كان يريد أن يستفتي ويقول: والنبي أنْ تُفتيني في هذه المسألة، فقلت: حرام، سكت الرجل، قال: والنبي ما عمري أعود لهذا الشيء، هذا ما يصلح.
يعني هذا القول وجيه ولَّا لا؟ أنه مما جرى على اللسان بغير قصد؟ هذا أيضًا غير وجيه، ولا يستقيم مع قول الرسول: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (1)، لا يستقيم، هو نَهَى عن هذا بالذات، هو ما كان منهي عنه بذاته، كيف نقول: إنَّ هذا الرسول أقرَّه، وأنه يبقى حكمه إلى الآن؟ لا يمكن.
الوجه الرابع: قالوا: إن النهي عن الحَلِف بغير الله خوفًا من أنْ يقع في قلب الحالف من تعظيم هذا المحلوف به كما يكون في قلبه من تعظيم الله، وهذا بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم ممتنع، لا يمكن أن يقوم في قلبه تعظيم أب هذا الرجل الأعرابي الذي جاء يسأل كتعظيم الله.

وعلى هذا فيكون على هذا الوجه يكون هذا خاصًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لعِلْمِنا أن المحذور من الحَلِف بغير الله لا يتَصَوَّر في حقه، وعلى هذا فيكون ما سوى الرسول صلى الله عليه وسلم يكون الحَلِف بالأب ونحوه ممنوعًا، أما في حق الرسول فهو جائز له.
لكن هذا في الحقيقة يُضْعِفُه أن الرسول عليه الصلاة والسلام أُسوة أمته، ولا يمكن أن يحلف بغير الله وهو يعلم أن الأمة سوف تتَّسي به، لكن قد يقال: إنَّ الأمة قد أخبرهم بالحكم في قوله: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ».
وهذا الوجه الرابع ينطبق تمامًا على ما ذهب إليه الشوكاني وجماعة من العلماء بأن الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول مطلقًا.
بقي عندنا الآن من الأوجه الأربعة أقرب شيء هو أنه منسوخ، وهذا في النَّفْس منه شيء؛ لأننا لم نعلم التاريخ، أو أنه خاص بالرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعلى كل حال فلدينا نَصٌّ مشْتَبِه، ونَصٌّ مُحْكَم، الْمُشْتَبِه ما هو؟ حَلِف الرسول صلى الله عليه وسلم بأبِ هذا الرجل، والْمُحْكَم نهيُه عن الحَلِف بالآباء، والقاعدة الشرعية في طريق الراسخين في العلم أن يحمِلوا أيش؟ المتشابه على الْمُحْكَم؛ ليكون الشيء كله مُحْكَمًا، فما دام هذا الشيء فيه احتمالات -اللي هو حَلِف الرسول بأبيه- فإن لدينا نصًّا مُحكمًا لا يمكن أن نحيد عنه، وهو النهي عن الحَلِف بالآباء.
والوجوه الأربعة، ما هي الوجوه الأربعة؟ طالب: (... ). الشيخ: نعم.
طالب: الخامس.
الشيخ: ما هو؟ الطالب: (... ) ورب أبيه.
الشيخ: إي، هذا يصلح أن يُجاب فيه، أن يقال فيه أيضًا: على تقدير مضاف، أي: ورب أبيه، لكن هذا بعيد، الأصل عدم الحذف.
الطالب: (... ). الشيخ: لا لا، هذا يَرُدُّه قوله لَمَّا قيل له هذا في قُبْلَة الصائم قال: «إِنِّي لَأَعْلَمُكُمْ بِاللهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ» (5).

طالب: (... ) خصوصية يجب إليها، يعني دليل إن فيه خصوصية هذا الشيء بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يوجد دليل أن هذا الشيء مختص بالرسول.
الشيخ: إلَّا (... ) يفعله هو.
الطالب: إي بس ما فيه دليل، (... ). الشيخ: إي، الرسول قال: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ».
الطالب: ما فيه دليل أنه يجوز للرسول صلى الله عليه وسلم أن يحلف.
الشيخ: إي، هذا نعم، قد يقول قائل: طيب: هل حَلَف مرة أخرى حتى تكون من الخصائص؟ ما ندري.
طالب: الحلف بالطلاق أو بالحرام؟ الشيخ: الحلف بالطلاق أو بالحرام ما يجوز، ولكن الحلف بالطلاق أو بالحرام ما هو بعلى هذه الصيغة، ولهذا قيدناه بصيغة مخصوصة (... ) تقول: إن فعلتُ كذا فزوجتي طالق، حكمه حكم اليمين، ولَّا مو ها اليمين، ولهذا قال الله عز وجل لرسوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2] فجعل التحريم يمينًا؛ لأنه يُقْصَد به معنى اليمين تمامًا.
طالب: لماذا يا شيخ لا نقول: (وأبيه) تفيد لفظ لَعَمْرُك.
الشيخ: ويش نقول؟ الطالب: لَعَمْرُك.
الشيخ: ويش نقول؟ الطالب: ليس لفظ يمين هذا.
الشيخ: وأبيه؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، صريح، يمين، دخلت عليه الواو الخاصة بالقَسَم وجُرَّ.
الطالب: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ [الحجر: 72] قالوا: ليس يمينًا.
الشيخ: لا، حكمه حكم اليمين، ولَّا ما هو اليمين بالصيغة المعروفة.
طالب: (... ) ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لعمري (... ) بعض الشعراء (... ). الشيخ: نعم.
الطالب: حتى عن الشافعي: هذا لَعَمْري (... ). الشيخ: نعم.
الطالب: إن صح عنه.
الشيخ: هو صحَّ، صحَّ هذا عن ابن عباس في مسلم.
الطالب: إي نعم، صح هذا.
الشيخ: وصحَّ أيضًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الرُّقْية.
الطالب: ما نص الحديث.

الشيخ: في الرقية، «لَعَمْرِي لَقَدْ أَخَذْتَ بِحَقٍّ» (6). الطالب: هم يقولون: (... ) ومَثَّل بالنحويين.
الشيخ: لا، لا، ما هو نص القَسَم.
الطالب: يُحْذَف، الخبر محذوف وجوبًا.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: لعمرك قَسَمي.
الشيخ: إي نعم، لكنه ليس بالصيغة المعروفة، الصيغة المعروفة أن تقول: واللهِ، لو قال الإنسان: وعَمْري، صحَّ.
الطالب: مَن فَسَّرَ قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72].
الشيخ: إي.
الطالب: قال: أقسم الله سبحانه وتعالى بعمره.
الشيخ: صحيح، هو لا شك في حكم القَسَم، حتى قوله: هذا حرام عَلَيَّ، جعله الله يمينًا.
الطالب: (... ) في حُكْم القَسَم شيء (... ). الشيخ: نعم، في حُكْم القَسَم يعني معناه أنه يكون إذا حَنِث فيه فيه الكفارة.
الطالب: فقط.
الشيخ: فقط، ويدل على التوكيد إذا قُصِد به التوكيد، أو المنع إذا قُصِد به المنع.
طالب: (... ) أفلح وأفلح أبيه، من باب حَمْل (... ). الشيخ: أوه، إن كان هذا عاد غلطنا مرتين.
الطالب: كيف يعني؟ الشيخ: لأن أفلح وأفلح أبيه هذه سيبويه يزعل، ينتفخ، أفلح وأفلح أبيه! ! الطالب: (... ). الشيخ: يا أخي، أفلح: فعل ماضٍ، ويجب أن تقول: أفلح وأفلح أبوه، فهمت ولَّا لا؟ هذه واحدة، الشيء الثاني: ليس إذا أفلح الرجل يفلح أبوه، هو يلزم من إفلاح الرجل أن يفلح أبوه؟ ما يستقيم، لا معنًى ولا لفظًا.
طالب: شيخ (... ) هناك بعض طلبة العلم يقولون: الرواية هذه شاذة.
الشيخ: نعم.
الطالب: تَفَرَّد بها إسماعيل بن جعفر، وخالف فيها الإمام مالك.
الشيخ: إي.
الطالب: رواها الإمام مالك: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (7)، وقال إسماعيل بن جعفر: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ» (4). الشيخ: نعم.
الطالب: وأيضًا نفسه إسماعيل بن جعفر رواها من طريق آخر: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».
الشيخ: نعم، نعم، لا هي على كل حال ثابتة؛ لأنه إذا تعارض الرفع وعدمه، واللي رفعوه ثقات.

الطالب: ليس بالرفع، لكن زيادة (... ). الشيخ: هذه زيادة، الزيادة من الثقة مقبولة، ولا تنافي بقية الحديث.
الطالب: لكن الأصل.
الشيخ: الأصل قلنا فيه الجواب هذا، هو لو جاءت من طريق ضعيف كان كُفينا إياها، وقلنا: هذه ضعيفة ولا نقبلها.
الطالب: شيخ، الذي يؤيد الاضطراب -اضطراب السند- يؤيد اضطراب المتن بالنسبة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم.. الشيخ: لا، هذا غير هذا؛ لأنهما حديثان مستقلان، النهي عن الحلف بالآباء مستقل، وهذا مستقل، ما فيه اضطراب.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم (... ) وسألهم عن الأربع مسائل فقال: وكان يقول لهم في الجواب (... ) في الله وأيام الله (... ). الشيخ: نعم.
الطالب: أيام الله.
الشيخ: إي؛ لأن الله سبحانه قال لموسى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 5] أيام الله تشمَل ما أنعم به على أوليائه، وما أنزله من العقاب على أعدائه، كلها أيام الله.
الطالب: (... ). الشيخ: أيام الله هذه كلها، إكرام الطائعين، وإهانة العاصين.
طالب: (... ) حلف يهودي (... ) أو يهودي يحلف بالمسيح (... ). الشيخ: اليهودي ما يحلف بالمسيح.
الطالب: (... ). الشيخ: فيه نوع من الإقسام بصفاته؛ لأن هذه الآيات تدل على كمال القدرة والسلطان والعظمة والرحمة.
طالب: (... ). الشيخ: إي، نعم، نعم صحيح، لو كان هناك تعارض كان لا بأس.
الطالب: هو ظاهره التعارض.
الشيخ: لا؛ لأن ذاك عموم «لَا تَحلِفُوا بِآبَائِكُمْ» (1). الطالب: (... ) الشيخ: نعم.
الطالب: (... ). الشيخ: ما هو؟ الطالب: قبل النهي.
الشيخ: هذا هو النسخ.
الطالب: كيف يتعارض؟ الشيخ: لا، هو يقول.
الطالب: ليس بينهما تعارض.
الشيخ: إي نعم؛ لأن «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» عامٌّ، وهذا خاصٌّ، يعني لو كان مثلًا إنه وارد على محل واحد كنا نقدم النقل على الأصل من باب الترجيح.
الطالب: (... ).

الشيخ: لا، يمكن يكون صحيحًا، لكن إذا قال: إنَّ هذا وقع من الرسول، بالنسبة لنا الآن ما فيه إشكال إن الحلف بغير الله حرام، لكن الآن نريد أن نجيب عن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، عن أمر وقع، أما أن نقول: إننا نعارض به الحديث، ما نعارض به الحديث، لكن نريد أن نسلك مذهبًا يتبين أن هذا الذي قال الرسول عليه الصلاة والسلام مع أنه نهى عنه، أما من حيث الحكم الشرعي فلا شك أننا نلتزم بأنه لا يجوز.
طالب: (... ). الشيخ: علَّلُوا ذلك، قالوا: لِبُعْد هذا في حقه، وسبق أننا البارحة اعترضنا على هذا بهذا الشيء.
الطالب: يُذْكَر أن رواية «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ» (4) غير محفوظة، المحفوظ رواية «أَفْلَحَ وَاللهِ».
الشيخ: إي، إذا ثبت هذا انتهى كل شيء، إذا ثبت أنها غير محفوظة فقد انتهى كل شيء، لكن هي محفوظة.
الطالب: لا (... ) تبقى محفوظة «وَاللهِ إِنْ صَدَقَ» (8). الشيخ: أقول: إي نعم، هو إذا ثبتت الطريق: «وَاللهِ إِنْ صَدَقَ» بحيث تُعارِض هذا، أن يكون ثقتان تعارضَا مثلًا وتَرَجَّح الجانب «وَاللهِ» انتهى الموضوع.
الطالب: (... ) وهو إسماعيل بن جعفر بلفظ: «أَفْلَحَ وَاللهِ».. الشيخ: نعم.
الطالب: «وَاللهِ إِنْ صَدَقَ»، قال: وهذا أَوْلَى من رواية من روى عنه بلفظ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ»؛ لأنها لفظة مُنْكَرَة تَرُدُّها الآثار الصحاح.
الشيخ: إي، إي.
الطالب: تَرُدُّها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلًا.
الشيخ: نعم، لكن هي موجودة في صحيح البخاري، رواها البخاري، وأثبتها في صحيحه.
الطالب: لكن نفسه رواها بلفظ آخر.
الشيخ: وأبيه.
الطالب: نفس الراوي (... ): «وَاللهِ» برواية أخرى.

الشيخ: على كل حال، يمكن عنده روايتان، لكن إذا كان راوي «وَاللهِ» ثقة أوثق ممن روى «وَأَبِيهِ» الحمد لله، زال الإشكال، ونحن الآن عندنا في هذا أجوبة بعضها كما ترون سليم، وليس المقصود الآن أن نقول: إنَّ النهي عن الحَلِف بالآباء أنه منسوخ أو جائز، لا ما نقول هذا، الحكم الآن التحريم بكل حال، لكن نريد أن نعرف مخرجًا لهذا الحديث الذي وَرَد، فإذا صحَّ أن هذه اللفظة الشاذة غير محفوظة فقد كُفِينا والحمد لله، ولا حاجة لكل الأجوبة هذه، وإذا صحت فهذه أجوبتها.
طالب: البخاري (... ). الشيخ: نعم، إي نعم في البخاري.
الطالب: أجاب الحافظ ابن حجر (... ). الشيخ: نعم.
الطالب: (... ). الشيخ: اللي هي؟ الطالب: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ».
الشيخ: على كل حال، اللي أحفظ أنها في البخاري، وأنا ما راجعتها بعد، يعني من زمان سابق.
طالب: أليست في مسلم؟ الشيخ: ما أدري والله عن مسلم، لكن هي في البخاري.
الطالب: (... ). الشيخ: الآن يكفي وجه واحد، لا نروح، هي مسألة الحكم بها يعتبر غير وارد، الآن غير وارد؛ لأن النهي عن الحَلِف بغير الله أمر ثابت ومحكَم، ولا فيه اشتباه، ويجب العمل به، هذه من الناحية العملية، لكن قلت لكم: كيف نُخَرِّج ما ورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام فقط، أما أن نقول أنه يعني يمكن يُحْلَف، هذا لا يجوز.
يقول المؤلف رحمه الله: (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ).
طالب: (... ). الشيخ: لا، ذكرناها، ذكرناها تو، ناقشناها.


قال: (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ)، (وَيُشْتَرَطُ) الشرط تقدم لنا أكثر من مرة أنه في اللغة: العلامة، وفي الشرع: ما يلزم من عدمه العدمُ، ولا يلزم من وجوده الوجود، يعني أنه إذا عُدِمَ عُدِمَ المشروط، إما أنْ يُعْدَمَ حِسًّا، كما إذا كان شرطًا حسيًّا، وإما أن يُعْدَمَ شرعًا، كما إذا كان شرطًا شرعيًّا، فالصلاة بلا وضوء مثلًا يمكن أن يأتي رجل ويصلي صلاة كاملة بقراءتها وركوعها وسجودها وتسبيحها، فهي الآن موجودة حِسًّا، لكنها شرعًا.. طالب: غير موجودة.
الشيخ: غير موجودة، فالشرط ما يلزم، أي الذي يلزم من عدمه العدم، فإن كان شرعيًّا فالعدم شرعي، وإن كان حسيًّا فالعدم حِسِّيٌّ.
يُشتَرَط ثلاثة شروط.
وقوله: (لِوُجُوبِ الكَفَّارَةِ)، أفادنا رحمه الله أن الكفارة واجبة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]، فإن الأمر بحفظها يتناول الأمر بالكفارة؛ لأن ذلك من حفظها.
وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ» (9)، فأمر بالتكفير، والأصل في الأمر الوجوب.
إذن فعندنا دليل من القرآن ودليل من السُّنَّة على أن الكفارة واجبة إذا حَنِث فيها الإنسان.

وقوله: (الكَفَّارَةِ)، الكفارة قلنا: مشتقة من الكَفْر، وهو السَّتْر؛ وذلك أن الأصل أن الإنسان إذا حَلَف وجب عليه إتمام الحَلِف؛ لأنه حَلَفَ بعظيم، من عظمته أن تقوم بما حلفتَ به عليه؛ لأن الحَلِف في الواقع تأكيد للشيء بعظمة المحلوف به، فإذا انتهكت هذا التأكيد فهو كالإشارة إلى انتهاك عظمة المحلوف به، فلهذا وجبت الكفارة، وقلنا: لولا أن الله رَحِمَ العباد لكان مَن حَلَف على شيء وجب عليه أن يُتِمَّه بكل حال، إلَّا لضرورة.
يقول: (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ الأوَّلُ: أَنْ تَكُونَ اليَمِينُ مُنْعَقِدَةً)، واليمين المنعقدة معناها التي تثبت وتتأكد؛ لأن انعقاد الشيء معناه أن يكون كالعُقدة ثابتة، مُثَبِّتة للمعقود بها، لكن تعريفها شرعًا اليمين المنعقدة: هِيَ الَّتِي قَصَدَ عَقْدَهَا عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ، يعني جمعت اليمين المنعقدة ثلاثة شروط: الأول: قَصَدَ عَقْدَها.
الثاني: على مستقبَل.
الثالث: ممكِن، هذه هي اليمين المنعقدة اللي تجمع ثلاثة شروط، ما هي؟ أن يكون قَصَد عَقْدَها.
طلبة: وعلى مستقبل.
الشيخ: وعلى مستقبل.
طلبة: وممكن.
الشيخ: وممكن.
فقوله: (قَصَدَ عَقْدَهَا) يفيد أنه لا بد أن يكون الحالف ممن له قَصْد، فإن لم يكن له قَصْد فلا عبرة بيمينه، كالمجنون مثلًا؛ المجنون لو يحلف ألف مرة لا تنعقد يمينه، ليش؟ لأنه ليس له قَصْد، كذلك الْمُخَرِّف، الْمُخَرِّف ليس له قَصْد، يعني الكبير الْمِهَذْرِي لو حلف فليس له قَصْد، فلا تكون يمينه منعقدة، كذلك السكران لو حلف: والله لا أُكَلِّم فلانًا، تنعقد ولَّا لا؟ طلبة: لا تنعقد.
الشيخ: لأنه؟ طلبة: لا قَصْد له.
الشيخ: لا قَصْد له، رجلٌ استشاط غضبًا وغضب غضبًا شديدًا فحلف لم تنعقد؛ لأنه ليس له؟ طلبة: قَصْد.
الشيخ: قَصْد، ما قَصَد.
صبي دون التمييز، تنعقد يمينه؟ طلبة: لا تنعقد.
الشيخ: لا تنعقد.
إذا كان فوق التمييز ودون البلوغ، فهل تنعقد؟ طلبة: تنعقد.

الشيخ: نعم، ظاهر كلام المؤلف أنها تنعقد؛ لأن له قَصْدًا صحيحًا، وقد مرَّ علينا قريبًا في كتاب الذكاة أن المميِّز تصح ذكاته؛ لأن له قَصْدًا صحيحًا، وذكروا في باب الإيلاء أنه يصح من المميِّز، وهذا أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد أنه يصح من المميِّز، والقول الثاني، وهو المذهب، أنه لا يصح إلَّا من المكلَّف، وأنه يُشتَرَط البلوغ.
فأما الذين قالوا بأنه يكفي التمييز فاستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225]، قالوا: فهذا عامٌّ، وهذه يمين، وانعقادها والحِنْث فيها ليس من باب الأحكام التكليفية، ولكنه من باب الأحكام الوضعية، يعني معناه أنه سبب وُضِع على مُسَبَّب، فهذا الصبي لو قَتَل إنسانًا وجبت عليه الكفارة، إذن إذا حَنِث في اليمين تجب عليه الكفارة.
وأما الذين قالوا: لا بد من البلوغ، فقالوا: إن الكفارة تكفيرُ إثمٍ متوقَّع لولا رحمة الله عز وجل، ومَن كان دون التمييز فإنه لا يُكَلَّف، قد رُفِع عنه القلم، فلا تنعقد يمينه.
طالب: دون البلوغ.
الشيخ: نعم دون البلوغ، ومن كان دون البلوغ فإنه ليس بمكلَّف فلا تنعقد يمينه، وبناءً على هذا لو أقسم مَن له أربعَ عشرةَ سنة وعشرة أشهر على شيء وهو لم يبلغ بهذا السن فإن يمينه.. طلبة: لا تنعقد.
الشيخ: لا تنعقد، بل لو كان بلوغه في الساعة الثانية عشرة، وحَلَف في الساعة الحادية عشرة.
طالب: لم تنعقد.
الشيخ: لم تنعقد، وفي الساعة الواحدة؟ طلبة: تنعقد.
الشيخ: تنعقد؛ لأنه في الأول غير بالغ، وفي الثاني بالغ.

إذن صار للعلماء فيمَنْ فوق التمييز ودون البلوغ صار لهم فيه قولان: المذهب أن يمينه لا تنعقد، والقول الثاني الذي هو ظاهر كلام المؤلف أنها تنعقد، وهو الراجح، الراجح أنها تنعقد؛ لأن هذا من باب الأحكام الوضعية المقرونة بأسبابها، صحيح أنه غير مكلَّف، لا يدري ولا يفهم، لكنه له قَصْد صحيح، بدليل أنَّ ذكاته تصح.
الشرط الثاني: (عَلَى مُسْتَقْبَلٍ)، فإن كانت على ماضٍ فإنها لا تنعقد، ليست منعقدة، لو قال: واللهِ ما فعلت أمسِ كذا، وهو قد فَعَله، عليه كفارة؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش؟ طلبة: لأنها على ماضٍ.
الشيخ: لأنها على ماضٍ، فلا كفارة عليه.
إذا كانت كَذِبًا وهي على ماضٍ، مثل أن يقول: والله لقد كلمتُ فلانًا أمس، وهو لم يكلمه، فإنه لا حِنْث عليه، ما فيها كفارة؛ لأنها على أَمْرٍ.. طلبة: ماضٍ.
الشيخ: على أَمْرٍ ماضٍ، ونحن نقول: لا تكون منعقدة إلَّا إذا كانت على أَمْرٍ مستقبل.
الشرط الثالث: أن يكون على أمر ممكن، الأمر الممكن ضده الأمر المستحيل، المستحيل تارة يكون مستحيلًا لذاته، وتارة يكون مستحيلًا عادة، وكلاهما على حد سواء، فإذا أقسم على شيء مستحيل فإن كان على فِعْلِه وجبت الكفارة في الحال، وإن كان على ترَكْهِ فلَغْوٌ، فالكلام لَغْو.

إذا حلف على مستحيل فإن يمينه غير منعقدة، فلا كفارة عليه، سواءٌ على فِعْلِه، أو على ترَكْهِ؛ لأنه مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به الكفارة؛ لأن الحالف على المستحيل إما أن يكون على عَدَمِه، وهذا لَغْو؛ لأنه لن يكون، حَلَف أو ما حَلَف، وإما أن يكون على فِعْلِه، وهذا أيضًا لا تكون اليمين منعقدة؛ لأنه من المعلوم أنه إذا حَلَف عليه فلن يكون، فيكون حَلِفُه عليه تأكيدًا له لا وجه له؛ لأن الحَلِف إنما يُقصَد به تأكيد فعل أيش؟ المحلوف عليه، وهذا أمر مستحيل بالنسبة للمستحيل، فتكون أيضًا لَغْوًا، وهذا هو ظاهر كلام المؤلف؛ لأنه قال: (عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ) فإن كان غير ممكن لم تنعقد.
ذكرنا أنَّ المستحيل قد يكون مستحيلًا لذاته، ومستحيلًا لغيره؛ المستحيل لذاته مثل أن يقول: والله لأقتلنَّ الميت، هذا مستحيل ولَّا لا؟ طلبة: مستحيل.
الشيخ: مستحيل لذاته، لماذا؟ طلبة: لأنه ميِّت.
الشيخ: لأن الميِّت ميِّت، ما يَرِد عليه القتل إطلاقًا، وعلى هذا لو قال قائل: والله لأقتلنَّ الميت، تنعقد يمينه؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا تنعقد يمينه، على ما مشى عليه المؤلف، والمذهب في هذه المسألة عليه الكفارة في الحال؛ لأن تَحَقُّقَ حِنْثِه معلوم، فيجب عليه أن يُكَفِّر ولا ينتظر، في الحال يُكَفِّر؛ لأن قَتْلَه ليس بممكن، وعليه فيكون حانثًا في الحال، فتجب عليه الكفارة في الحال.
لو قال: والله لأقتلنَّ هذا الكلب حيًّا أو ميتًا، كلب آذاه بالنباح ولا خلَّاه ينام، قال: والله لأقتلنَّ هذا الكلب حيًّا أو ميتًا.
طلبة: تنعقد.
الشيخ: تنعقد؟ الطلبة: تنعقد.
الشيخ: ليش؟ طلبة: (... ). الشيخ: لأنه قد يكون حيًّا، وقوله: حيًّا أو ميتًا، هذا من باب تأكيد قتله، واضح؟ المستحيل لذاته مَثَّلْنَا به، والمستحيل عادة كما قال الفقهاء رحمهم الله: إذا قال: والله لأطيرنَّ، هذا مستحيل؟ طالب: ليس مستحيل.
طالب آخر: مستحيل يا شيخ.

الشيخ: لا، هو مستحيل عادة، وإلَّا فإن الله قادر أن يُطَيِّرُه، ولَّا لا؟ ما هو قادر؟ طالب: بلى قادر.
الشيخ: ويمكن بالوقت الحاضر أيضًا يجعل له جناحًا.
طالب: يركب طيارة يا شيخ.
الشيخ: ويش؟ طلبة: (... ) أجهزة (... ). الشيخ: إي، وأجهزة، يحطها على جنب ويمشي.
طالب: يركب طيارة.
الشيخ: أو يركب الطيارة، بس الطيران بالطيارة لا بد يكون مقيدًا، فيقول: أطير بالطائرة، على كل حال، هم مَنْ جعلوا الطيران من باب المستحيل عادة.
الطالب: (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: (... ). الشيخ: لا.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو هذا الطيران.
المهم، الحَلِف على مستحيل، انتبه، إذا حَلَف على المستحيل فهل تنعقد يمينه أم لا؟ كلام المؤلف يدل على أنها؟ طلبة: لا تنعقد.
الشيخ: لا تنعقد، والمذهب؟ طلبة: تنعقد.
الشيخ: تنعقد، لكن إن كان على فِعْلِه فهو حانث في الحال، وتجب عليه الكفارة، وإن كان على عَدَمِه فهي لَغْو، غير منعقدة، لماذا؟ لأنه حَلَف على أمر صحيح ولا يمكن وجوده، مثاله، قال: والله لا أقتل الميت، ويش تقولون؟ طلبة: لَغْو.
الشيخ: هذا لَغْو، صحيح ما أنت بقاتله، ما حاجة أن يقول: انتظر ربما تحنِث، ما أنت بحانث أبدًا، إذن فهي لَغْو.
قال: والله لا أطير، وهو ما أراد: لا أطير بالطيارة، لا أطير أنا بيدي يعني، هذا لَغْو أيضًا؛ لأنه على نَفْي المستحيل، ونَفْي المستحيل واقع، سواء حلفت أم لم تحلف.
إذن يُشتَرَط أن تكون اليمين منعقدة، فإذا قيل لك: ما هي اليمين المنعقدة؟ تقول: هي التي قَصَد عقدها، ويش بعد؟ طلبة: على مستقبل.
الشيخ: على مستقبل.
طلبة: ممكن.
الشيخ: ممكن.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على اشتراط الاستقبال؟ نقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم.. فإن حَلَفَ على أَمْرٍ ماضٍ كاذبًا عالِمًا فهي الغَمُوسُ.

و (لَغْوُ اليمينِ) الذي يَجْرِي على لسانِه بغيرِ قَصْدٍ كقولِه: " لا واللهِ " و" بلى واللهِ " وكذا يمينٌ عَقَدَها يَظُنُّ صِدْقَ نفسِه فبَانَ بخِلافِه، فلا كَفَّارَةَ في الجميعِ.
(الثاني) أن يَحْلِفَ مُختارًا، فإن حَلَفَ مُكْرَهًا لم تَنْعَقِدْ يمينُه.
(الثالثُ) الْحِنْثُ في يمينِه، بأن يَفعلَ ما حَلَفَ على تَرْكِه أو يَتْرُكَ ما حَلَفَ على فِعْلِه مُختارًا ذاكرًا، فإن فَعَلَ مُكْرَهًا أو نَاسِيًا فلا كَفَّارَةَ، ومَن قالَ في يمينٍ مُكَفَّرَةٍ: " إن شاءَ اللهُ " لم يَحْنَثْ.
و(يُسَنُّ) الْحِنْثُ في اليمينِ إذا كانَ خَيْرًا، الشيخ: وهو ما أراد: لا أطير بالطيارة، لا أطير أنا بيدي يعني، هذا لَغْو أيضًا؛ لأنه على نَفْي المستحيل، ونَفْي المستحيل واقع، سواء حلفت أم لم تحلف.
إذن يُشتَرَط أن تكون اليمين منعقدة، فإذا قيل لك: ما هي اليمين المنعقدة؟ تقول: هي التي قَصَد عقدها، ويش بعد؟ طلبة: على مستقبل.
الشيخ: على مستقبل.
طلبة: ممكن.
الشيخ: ممكن.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على اشتراط الاستقبال؟ نقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذَكَر أنَّ «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ» (1)، ولم يقل: إن عليه الكفارة، وإنما ذَكَر أن عليه هذا الإثم.
طالب: وجه الدلالة؟ الشيخ: وجه الدلالة ما ذكر عليه الكفارة، ذكر أن عليه إثمًا، والكفارة تستر الإثم.
الطالب: (... ) ما ذكرتم (... ). الشيخ: هذا هو؛ لأن «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ»، والاقتطاع إما دعوى ما ليس له، وإما إنكار ما هو عليه، وهذا يكون أمرًا ماضيًا، لا أمرًا مستقبَلًا.

يقول: (فَإِنْ حَلَفَ عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ كَاذِبًا عَالِمًا فَهِيَ الْغَمُوسُ)، كلام المؤلف يقول: (كَاذِبًا عَالِمًا)، فهل هو لَحْن، (كَاذِبًا) هل هو لَحْن والصواب كاذبٌ؟ طالب: لا.
الشيخ: أين الفاعل؟ طالب: هو.
الشيخ: مستتر في (حلف)، إي نعم، صح، (فَإِنْ حَلَفَ) هو، أي: الإنسان، (عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ كَاذِبًا عَالِمًا فَهِيَ الْغَمُوسُ).
(عَلَى أَمْرٍ مَاضٍ) احترازًا من؟ طلبة: المستقبَل.
الشيخ: المستقبل، فقد سبق أنه من اليمين المنعقدة.
(كَاذِبًا) احترازًا من كونه؟ طلبة: صادقًا.
الشيخ: صادقًا، فإن كان صادقًا حلف على أمر ماضٍ صادقًا فلا شيء عليه.
قوله: (عَالِمًا) احترازًا مما لو؟ طلبة: جهل.
الشيخ: مما لو كان جاهلًا، مثل أن يقول: والله لقد حضر فلانٌ أمسِ، فلان ما حضر، قلنا: أبدًا ما حضر، قال: حاضر أنا متأكد، وين هو؟ قال: شوفوا هذا هو، ظن الرجل ليس هو الرجل، يكون هذا أيش؟ طلبة: جاهل.
الشيخ: يكون جاهلًا، أو يقول: والله لقد حرَّم الله علينا كذا وكذا، ويُقْسِم، التحريم سابق ولَّا مستقبَل؟ طلبة: سابق.
الشيخ: سابق، نقول: شو الدليل؟ يقول: الدليل كذا وكذا، وجدنا أنه ليس كذلك، هذا تكون يمينه غموسًا ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ظاهر كلام المؤلف ولو كان ناسيًا، وليس كذلك، بل إذا كان ناسيًا فهو كالجاهل، حَلَف على أمر ماضٍ، مثل قال: واللهِ لا يطلُبُني فلان شيئًا، نسي أن فلانًا قد أقرضه مثلًا، تعرفون أقرضه؟ يعني سَلَّفَه، قال: هو كان يطلبك؟ قال: لا واللهِ ما يطلبني شيئًا، ما يصير، قال: واللهِ لا يطلبني شيئًا، قال ذلك ناسيًا أنه أقرضه، تكون يمينه غموسًا ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ظاهر كلام المؤلف أنها يمين غموس، ولكنه غيرُ مُراد، بل هذه يمين غير غموس؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286].

قال: (فَهِيَ الْغَمُوسُ) أي: فهي اليمين الْغَمُوسُ، (غَمُوسُ) على وزن؟ طلبة: فَعُول.
الشيخ: فَعُول، وأصلها في الفاعل غامِسة، لكن عُدِلَ عن ذلك إلى غَمُوس للمبالغة، سُمِّيَت غَمُوسًا، لماذا؟ قالوا: لأنها تَغْمِس صاحبها في الإثم، ثم في النار؛ إذ إن الحالف على أمر ماضٍ كاذبًا عالِمًا جَمَع -والعياذ بالله- جَمَع بين أمرين: بين الكذب -وهو من صفات المنافقين- وبين الاستهانة باليمين بالله -وهو من صفات اليهود، فإن اليهود هم الذين ينتقصون ربهم، ويصفونه بصفات العيوب- فيكون جامعًا بين أمرين -نسأل الله العافية-: الكذب، وانتهاك حرمة القَسَم، فحينئذٍ تكون يمينه غَمُوسًا.
وظاهر كلام المؤلف، سواءٌ تضمنت هذه اليمين اقتطاعَ مال امرئ مسلم أو لا، فالتي تتضمن اقتطاع مال امرئ مسلم هي التي يحلف بها الإنسان في الدعوى عند القاضي، يُدَّعَى عليه بمئة ريال، ويقول: ما عندي لك شيء، فقال القاضي للمدَّعِي: أَلَكَ بينة؟ قال: لا، قال: أتريد يمينه؟ قال: نعم، خَلِّيه يحلف، قال له: تحلف؟ قال: أحلف، والله لا يطلبني شيئًا، هذه اليمين يعلم أنه يكذب أن فلانًا يطلبه، ماذا تكون؟ طلبة: غَمُوس.
الشيخ: تكون يمينه غَمُوسًا؛ لأنه حلف فيها على أمر ماضٍ كاذبًا.
طلبة: عالِمًا.
الشيخ: عالِمًا، اقتطع فيه مالَ امرئ مسلم، كذا؟ وقد تكون -اقتطاع مال امرئ مسلم- قد تكون بادِّعاء ما ليس له، ثم لا يأتي بشاهد واحد، وإذا أتى بشاهد واحد كفاه اليمين، ليقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها كاذب، وهذا أشد من الذي قبله؛ لأنه يتضمن أيش؟ الكذب في اليمين، وأَكْل مال المسلم، فهذه اليمين الغَمُوس، مثل أن يدَّعِيَ على شخص بدعوى وهو كاذب ويحلف عليها ويأتي بشاهد، فإذا أتى بشاهد ويمينه حُكِمَ له بها فتكون هذه اليمين غَمُوسًا؛ لأنه إيش؟ طلبة: اقتطع بها مال امرئ مسلم.

الشيخ: اقتطع بها مال امرئ مسلم، أو يُدَّعَى عليه، ولا يكون عند المدَّعِي بينة، وفي هذه الحال يقال له: احلف أنه لا شيء لفلان عندك، فإذا حلف -وهو كاذبٌ عالِمًا- فهي يمين غموس.
ثم قال المؤلف -رحمه الله-: (وَلَغْوُ اليَمِينِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ).
طالب: (... ). الشيخ: كيف؟ الطالب: قد تكون (... ) ما ليس له شاهدًا (... ). الشيخ: إيش؟ الطالب: (... ). الشيخ: مثَّلنا الآن بمثالين: أن يدَّعي ما ليس له، أو يُنكِر ما كان عليه.
الطالب: إذا لم يأتِ بشاهدين.
الشيخ: إذا لم يأتِ بشاهدين ما يُحْكَم له، إذا ادَّعى شيئًا ولم يأتِ بشاهدين لم يُحْكَم له، وإن أتى بشاهد ويمين حُكِمَ له.
الطالب: الصحيح (... )؟ الشيخ: الصحيح هذا الأخير؛ لأن الأول ما عليه دليل.
يقول: (وَلَغْوُ اليَمِينِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ)، (لَغْوُ) مبتدأ، و (الَّذِي)؟ طالب: خبر.
الشيخ: خبر المبتدأ، ولهذا هنا يحسُن أن يأتي بضمير الفصل؛ ليتبيَّن أن قوله: (الَّذِي) خبر؛ إذ إن القارئ قد يظن أن (الَّذِي) صفة ل (لَغْوُ)، (لَغْوُ اليَمِينِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ) وينتظر أيش؟ الخبر، فلو قال المؤلف: (هو الذي) لكان أَبْيَن، وعلى كل حال فنقول: (لَغْوُ اليَمِينِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ) يعني يُطْلِقُه لسانه وهو لا يَقْصده، وهذا ليس فيه كفارة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89].
بأي القيود يَخْرُج من شروط أو من قيود اليمين المنعقدة؟ طلبة: (... ). الشيخ: نعم، من قوله: (قَصَدَ عَقْدَهَا)، فإن لَغْو اليمين لم يقصد عقدها، فلا تكون اليمين منعقدة.
دائمًا يقول لك صاحبك مثلًا: تبغي تروح معانا لفلان؟ تقول: لا والله ما أنا برايح، تُقسِم، لكن هل أنت قصدت هذا اليمين؟ لا، وعليه فلا كفارة فيه؛ لأنك لم تقصده، فهو من لَغْو اليمين.

قال المؤلف: (كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ)، ما هو الدليل على أن هذا من لَغْو اليمين؟ الدليل الآية: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، وفي آية أخرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225]، ولا تكسِب القلوب إلَّا ما قُصِد؛ لأن ما لا يُقْصَد ليس من كَسْب القلب.
فيها أيضًا حديث مرفوع عن عائشة رضي الله عنها، قال: «اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: لَا واللهِ، وَبَلَى وَاللهِ» (2)، كلام الرجل في بيته يعني أنه ما يقصد هذا، ما يقصد القَسَم والعَقْد.
قال المؤلف: (كَقَوْلِهِ: لَا وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ)، هذا نوع من لَغْو اليمين، نوع آخر على ما مشى عليه المؤلف: (وَكَذَا يَمِينٌ عَقَدَهَا يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ) فهي على رأيه من لَغْو اليمين، عَقَدها ونواها، لكنه يظن صِدْق نفسه، فتبين الأمر بخلاف ذلك.
مثاله: قال: والله لقد جرى أمسِ كذا وكذا، ظنًّا منه أنه قد جرى، ولكن لم يَجْرِ، إذن عَقَدها وهو يظن أنه صادق، ولكنه في الواقع غير صادق، يعني تبين أنه بخلافه، لكن هو إلى الآن وهو يظن أن هذا هو الواقع.
مثاله مرة ثانية قال: لقد حضر فلان الدرس في الليلة الماضية، واللهِ لقد حضر، واللهِ لقد حضر، قال الطلبة: أبدًا ما حضر، أجمعوا كلهم على أنه ما حضر، وصار الواقع أنه ما حضر، يقول المؤلف: إن هذه من.. طلبة: لَغْو اليمين.
الشيخ: لَغْو اليمين، ما الذي فاتها من القيود؟ طلبة: القَصْد.
الشيخ: لا، قاصد العقد، قاصد اليمين.
طلبة: (... ). الشيخ: نعم، على مستقبل؛ لأن هذا على شيء ماضٍ، هو يقول: حضر البارحة، البارحة ماضية ولَّا مستقبَلة؟ طلبة: ماضية.

الشيخ: ماضية، هو قال: والله لقد حضر فلان الدرس البارحة -ليلة السبت-، وتبين أنه لم يحضُر، نقول: هذه ليس فيها كفارة؛ لأنها من لَغْو اليمين.
فإذا قال قائل: هل يصح أن نسميها من لَغْو اليمين والرجل قد قَصَد؟ فالجواب: هذا ما رآه المؤلف، وهي في حكم لَغْو اليمين، ولكن الصحيح أنها ليست من لَغْو اليمين، وأنها يمين منعقدة لكن لا حِنْث فيها ؛ لأنه في الحقيقة بارٌّ لا حانث؛ لأنه حين يقول: واللهِ ما حضر، واللهِ لقد حضر، ويش يعتقد؟ الطلبة: حضوره.
الشيخ: حضوره، وهو يقول: أنا إلى الآن وأنا أعتقد الحضور، لكن نظرًا إلى أنَّ الشهود شهدوا بأنه ما حضر فهم أوكد مني، وأنا ما زلت إلى ساعتي هذه -بحسب ظني- أنه حاضر، فليست من لَغْو اليمين.

وبناءً على هذا التعليل الذي نراه لو كان حَلَف على أمر مستقبَل أنْ سيكون بناءً على غَلَبة ظنه، ثم لم يكن، فعلى المذهب هي يمين منعقدة، فيها الكفارة إذا تبين الأمر بخلافه؛ لأنها على مستقبَل، فإذا قال -بناءً على ظنه-: والله لَيَقْدَمَنَّ زيدٌ غدًا، حلف؛ لأنه كان زيد كلمه أمس يقول: أبغي أجي إن شاء الله بعد بكرة، وزيد يعرف أن الرجل صادق، فقال: والله ليقْدمَنَّ زيدٌ غدًا، بناءً على أيش؟ طلبة: على ظنه.
الشيخ: على ظنه، مضى غدٌ فلم يقدم زيد، فالمذهب أن عليه الكفارة؛ لأن هذه اليمين المنعقدة على مستقبل، وممكن ولم يكن، فيكون عليه الكفارة، وعلى ما ذهبنا إليه ليس عليه كفارة؛ لأن هذا الرجل بارٌّ بيمينه؛ إذ إنه لم يزل ولا يزال يقول: أنا حلفت على ما أعتقد، وهذا اعتقادي، أما كونه يقع على خلاف الاعتقاد فهذا ليس مني.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أنه إذا حلف على أمر مستقبل بناءً على ظنه ثم لم يكن فليس عليه كفارة.

وهل الطلاق كاليمين في هذه المسألة؟ الصحيح أنه كاليمين، والمذهب ليس كاليمين في الصورتين، أي أنه يقع الطلاق مطلقًا، وكذلك العِتْق، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في الفصل الذي بعده.
(... ) رحمه الله الشرط الثاني لأيش؟ لوجوب الكفارة.
وجوب الكفارة -في الواقع- له شروط أكثر مما ذَكَر المؤلف، وهي مأخوذة من كلام المؤلف نفسه، لكن الآن نبغي نمشي على عدد المؤلف ثم ننظر.
الشرط (الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا)، يعني مريدًا للحَلِف، وضد المختار الْمُكْرَه، (فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ)، مثل أن يقول له رجل: احلِفْ، قل: واللهِ لا أفعل هذا الشيء، إن رجل قال له: أنا أريد ألَّا تفعل هذا الشيء، قال: واللهِ لأفعل، ولنضرب مثلًا قريبًا: رجل مجرم عثر عليه إنسان فأمسكه، قال: الآن أرفع بك إلى ولي الأمر، قال: لا، ما ترفع، إذا رفعت بي فأنا أقتلك، يقوله مَنْ؟ طلبة: المجرِم.
الشيخ: المجرِم، ثم قال المجرِم: اقْسِمْ باللهِ أنك لا تُخْبِر بي، وإلَّا قتلتك، فأقْسَمَ بالله ألَّا يخبر به، فهذه اليمين لا كفارة فيها، لماذا؟ لأنه حَلَف مُكْرَهًا، وعلى هذا فإذا أخبر ولاةَ الأمور بصنيع هذا المجرِم فليس عليه إثم، وليس عليه كفارة؛ لأنه حَلَف مُكْرَهًا.
ما هو الدليل؟

الدليل من القرآن ومن السُّنَّة؛ أما من القرآن فقال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: 106]، فإذا كانت كلمة الكفر إذا صدرت من مُكرَهٍ فلا أثر لها فما سواها مثلها، وأما من السُّنَّة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ عَفَا عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (3)، أو «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، وعلى هذا فإنَّ يمينه في هذه الحال إذا حنث فيها فلا كفارة.
ولكن هل يُشترط أن ينوي في اليمين دَفْع الإكراه، فإن نوى اليمين انعقدت؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يُشترط، لكنهم ذكروا في كتاب الطلاق أنه يُشترط أن ينوي بذلك دَفْع الإكراه، لا حصول الْمُكرَه عليه، انتبه للفرق بينهما، نيةُ دَفْع الإكراه أن يقول هذا من أجل أن يَسْلَم من شر هذا الذي أكرهه، وإلَّا هو ما أراد، ونية الفعل أن ينوي الفعل، يعني يقول: والله ما أُخْبِر بك، في المثال الذي ذكرناه قبل قليل، وهو ينوي ألَّا يُخْبِر به، ما هو قصده بس لأجل يَسْلَم منه، لكن ينوي ألَّا يُخْبِر به، فإن قياس كلامهم في الطلاق أن هذه اليمين فيها الكفارة؛ لأن الذي يُكْرَه على الشيء إن قاله دفعًا للإكراه فلا حُكْم له، ولا يضرُّه، وإن قاله يريده حين أُكرِه عليه فهذا -على المذهب- يترتب عليه حُكْمُه، يعني لا تختلف الأحكام أو لا تتخلف أحكامه، بل أحكامه ثابتة.

وسبق أن القول الراجح أنه لا يُشترَط أن ينوي دَفْع الإكراه، وأنه إذا أُكرِه فإنه لا حُكْم لكلامه؛ لعموم إيش؟ لعموم الأدلة، ولأن كثيرًا من العامَّة إذا أُكْرِهُوا فإنما يقولون هذا الشيء بنية ذلك الشيء، يعني ما كل عامِّي يعرف أنه لا بد أن ينوي دَفْع الإكراه، واضح هذا ولَّا غير واضح؟ طلبة: واضح.
الشيخ: واضح؟ طلبة: واضح.
الشيخ: مثال ذلك بعد في الطلاق: رجل أَكْرَهَهُ إنسان على أن يُطَلِّق زوجته، فقال: زوجتي طالق، يريد أن يدفع الإكراه وَيَسْلَم من هذا الرجل، وهو ما يريد طلاق زوجته إطلاقًا، ورجل آخر أُكْرِه على طلاق زوجته فطَلَّق يريد الطلاق، لكن يريده من أجل.
طالب: دفع الإكراه.
الشيخ: لا، يريد الطلاق، ما هو يريد دفع الإكراه، يريد الطلاق من أجل أنه أُكره عليه، ففي الأُولى -إذا نوى دَفْع الإكراه لا وقوع الطلاق- لا يقع طلاقه؛ لأنه لم يُرِدْه، وفي الثانية -على المذهب- يقع الطلاق؛ لأنه أراد الطلاق لكنه مُكْرَه على الإرادة، إنما هو أراد الطلاق.
والصحيح أنه لا يقع الطلاق في الحالين؛ لعموم الأدلة، هذه المسألة مثلها: رجل أُكْرِه على الحلف ألَّا يفعل أو ألَّا يقول فحلف، إنْ حلف يريد دَفْع الإكراه فلا كفارة عليه، إنْ حلف يريد اليمين لكن من أجل أنه أُكْرِه عليها؟ فعلى المذهب عليه كفارة، والصحيح أنه لا كفارة؛ لعموم الأدلة؛ ولأن كثيرًا من العامة لا يفرِّقون، لا يعرفون الفرق بين هذا وهذا.
يقول: (الثَّالِثُ: الحِنْثُ فِي يَمِينِهِ)، أصل الحِنْث الإثم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: 46]، أي: على الإثم العظيم، ولكنه هنا ليس بإثم؛ لأن من رحمة الله بعباده أن رَخَّص لهم في انتهاك القَسَم، وإلَّا فالأصل أنَّ انتهاكه إثم وحرام، ولكن الله رَخَّص لعباده في الحِنْث.

فَسَّر المؤلف الحِنْث هنا؛ لأن لدينا الحِنْث باللغة العربية هو الإثم، وحِنْث في الاصطلاح في باب الأَيْمان؛ بأن يفعل ما حلف على تَرْكِه، أو يترك ما حلف على فِعْله.
يفعل ما حلف على تَرْكِه، مِثْل؟ الطالب: (... ). الشيخ: دَوِّر غير الزنا، شيء ثان.
الطالب: (... ). الشيخ: ولا الدخان، دَوِّر شيء مباح.
الطالب: لا ألبس.. الشيخ: لا ألبس هذا الثوب، ثم؟ طلبة: لبسه.
الشيخ: لبسته، هذا فَعَل ما حلف على تَرْكِه، تَرَك ما حلف على فِعْلِه؟ طالب: قال: واللهِ لا ألبس هذا الثوب.
الشيخ: والله لألبسنّ هذا الثوب، ثم؟ الطالب: ما لبسه.
الشيخ: ثم لم يلبسه، متى نقول: كَفِّر؟ الطالب: إذا قال: واللهِ لا ألبس هذا الثوب.
الشيخ: قال: والله لألبسنَّ هذا الثوب ولا لبسه، متى يكفِّر؟ الطالب: على المذهب: لا يكفر.
الشيخ: لا، اترك المذهب، ما بعد وصلنا المذهب وغيره.
الطالب: يكفر للأُولى.
الشيخ: الأُولى انتهينا منها، هذه، إذا قال: والله لألبسن هذا الثوب، قلنا له: بعد ساعة تكفِّر، قال: إلى الآن ما راح الوقت، أنا ما قَيَّدت ها الساعة دي، متى نتحقق أن الرجل حنث في يمينه؟ طالب: إما أن يكون بنية (... ) الوقت، أو بقصد منه، إذا قال: قصدت عدم اللبس.
الشيخ: يعني مثلًا هو قال: لألبسنَّه، ألبَس.
الطالب: لعدم اللبس.
الشيخ: نقول: إنْ قَيَّدَه بزمن، ها؟ الطالب: فبانتهائه.
الشيخ: فبانتهائه، قال: والله لألبسنَّ اليوم هذا الثوب، فغابت الشمس ولم يلبسه لزمته الكفارة؛ لأنه حَنِث، أو: والله لألبسنَّ هذا الثوب إذا قَدِم فلان أتجمل به له، فقَدِم فلان وبقي على ثيابه الأولى، يحْنَث ولَّا لا؟ طلبة: نعم يحْنَث.

الشيخ: يحْنَث، أما إذا أطلق فإننا لا نعلم أنه يحنَث، حتى إما أن يتقطع الثوب ويتلف، وإما أن يموت هذا الرجل؛ لأنه لم يقيِّده بزمن، ولهذا لَمَّا قال عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: ألم تحدِّثنا أنَّا نأتي البيت ونطوف به؟ قال: «أَقُلْتُ لَكَ: هَذَا الْعَامَ؟ »، قال: لا، قال: «إِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَّوِّفٌ به» (4)، متى قال ذلك؟ في صلح الحديبية قبل أن يأتيه بسَنَة.
يقول المؤلف: (أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ مُخْتَارًا ذَاكِرًا).
طالب: (... ). الشيخ: ويش هي؟ الطالب: يفعل ما حلف على تَرْكِه.
الشيخ: يفعل ما حلف على تَرْكِه؟ قال: والله لا ألبس هذا الثوب فلبسه.
الطالب: والثاني؟ الشيخ: والثاني ترك ما حلف على فِعْلِه، مثل: والله لألبسَنَّ هذا الثوب فلم يلبسه، عَكْس ذِيك.
يقول المؤلف: (مُخْتَارًا ذَاكِرًا)، (مُخْتَارًا) ضد مُكرَهًا، (ذَاكِرًا) ضد؟ طلبة: ناسيًا.
الشيخ: ناسيًا، فإن كان مُكرهًا، يعني حنث مُكرهًا، فلا كفارة عليه، مِثْل: قال الولد لأبيه: والله لا ألبس هذا الكوت، هذا الكوت ما هو بزين، والله لا ألبسه، قال: والله لتلبسنَّه، وأنت حمار، وأَلْزَمَه، قال: والله ما ألبسه، قال: لا، البسه وإلَّا فعلتُ وفعلتُ، وهدَّدَه، فلبسه الولد.
طالب: مُكرَه يا شيخ.
الشيخ: مُكْرَه؟ عليه شيء؟ طلبة: ما عليه شيء.
الشيخ: ليس عليه لا شيء؛ لأنه لبسه.. طلبة: مُكرَهًا.
الشيخ: مُكرَهًا، والدليل ما سبق.
طالب: (... ). الشيخ: ما فيه سؤال.
هذا مُكْرَه.
(نَاسِيًا)، قال الرجل: والله لا أطالع في هذا الكتاب اليوم، دوَّخه مسألة صعبة شوي، وداخ منها، وشرب شاهي ولا نفع، وأكل منبِّهات ولا نفع، قال: والله ما أراجع هذه المسألة هذا اليوم، ذهب الرجل قام، بعدين نسي، رجع وبدأ يطالع الكتاب ناسيًا؟ طلبة: ليس عليه شيء.
الشيخ: ليس عليه شيء؟ لماذا؟ طلبة: لأنه ناسٍ.

الشيخ: لأنه ناسٍ، ولكن لاحظوا أنه متى زال العذر -الإكراه بالمسألة الأولى، والنسيان في المسألة الثانية- متى زال العذر فإنه يجب عليه التخلي وإلَّا؟ طلبة: حَنث.
الشيخ: وإلَّا حَنث؛ لأن العذر إذا زال زال مُوجَبُه.
يقول المؤلف رحمه الله: (فَإِذا حَنِثَ مُكْرَهًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ)، أظن المثال واضح، مثَّلنا به قبل قليل، (إِذا حَنِثَ مُكْرَهًا) على الحِنْث (أَوْ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ)، لكن متى زال العذر فإن أقام بعده حَنِث، وظاهر كلام المؤلف هنا أنه لو حَنِثَ جاهلًا فعليه الكفارة، كيف جاهلًا؟ قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم جاء في الصباح ولبسه ظانًّا أنه ثوب آخر غير الذي حلف عليه، هذا جاهل ولَّا ناسي؟ طلبة: جاهل.
الشيخ: نعم، هذا جاهل، فظاهر كلام المؤلف هنا أن عليه الكفارة؛ لأنه لم يذكر إلَّا شرطين: (مُخْتَارًا ذَاكِرًا)، ولم يقل: عالِمًا، لكنه سبق لنا في مسائل متفرقة في باب الطلاق أنه إذا كان جاهلًا فلا حِنْثَ عليه، حتى على المذهب، وهو الصحيح، وعلى هذا فنزيد شرطًا ثالثًا وهو (عَالِمًا)، فنقول: الحِنْثُ في يمينه بأن يفعل ما حلف على تَرْكِه، أو يترك ما حلف على فِعْلِه مختارًا ذاكرًا عالِمًا، فإنْ كان مُكْرَهًا، أو ناسيًا، أو جاهلًا فلا كفارة عليه.
وهل يُفَرَّق في هذا الباب بين الطلاق واليمين، أو هما سواء؟ المذهب: التفريق، فيقولون: إنَّ الطلاق والعِتْق لا يُعذر فيه بالجهل والنسيان، يُعْذَر فيه بالإكراه.
فإذا قال رجل: إنْ كلمتُ فلانًا فزوجتي طالق، فكلَّم رجلًا لم يَدْرِ أنه فلان، فهذا جاهل؛ على المذهب يقع الطلاق.
قال: والله إن لبست هذا الثوب فزوجتي طالق، ثم لبسه ناسيًا، فعلى المذهب يقع الطلاق، وكذلك في العِتق.

والصحيح أن هذا الباب واحد؛ الطلاق، والعِتق، والنَذْر، والظِّهار، والتحريم، كل هذه على حد سواء؛ لا يحنَث فيها الإنسان إلَّا إذا كان عالِمًا، ذاكرًا، مختارًا؛ لأن الحِنْث على اسمه إثمٌ، فإذا كنتُ جاهلًا، أو ناسيًا، أو مُكرَهًا فلا شيء عليَّ، هذا هو الصحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وهو الذي تدل عليه الأدلة العامة، على أن الجهل والنسيان والإكراه يُعذَر فيه الإنسان.
قال: (وَمَنْ قَالَ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ)، (مَنْ قَالَ فِي يَمِينٍ)، (مَنْ) اسم شرط جازم، (لَمْ يَحْنَثْ) جواب الشرط، فيشمل (مَنْ) كل حالف، أي إنسان يحلف فيقول: إن شاء الله، لم يحنث، لكن يقول المؤلف رحمه الله: (مَنْ قَالَ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ) أي: تدخلها الكفارة، مثل اليمين بالله، والنذر، والظهار، هذه ثلاثة أشياء كلها فيها كفارة، الظِّهَار فيه كفارة ولَّا لا؟ فيه، اليمين فيه كفارة، النذر فيه كفارة، خرج بذلك الطلاق، الطلاق -على المذهب- ما فيه كفارة، والعِتق ما فيه كفارة، وإنما الذي فيه الكفارة ثلاثة أشياء، ما هي؟ اليمين بالله، والظِّهَار، والنذر، إذا قال في اليمين المُكَفِّرَة: إن شاء الله، لم يحنَث، ويش معنى لم يحْنَث؟ يعني: ليس عليه كفارة وإنْ خالف ما حلف عليه.
مثاله في اليمين بالله: قال: والله لا ألبس هذا الثوب إن شاء الله، ثم لبسه، ليس عليه شيء؛ لأنه قال: إن شاء الله، قال: والله لألبسنَّ هذا الثوب اليوم، فغابت الشمس ولم يلبسه؟ عليه، فإن قال: إن شاء الله، فليس عليه شيء، الدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» (5).

ودليل آخر: قصة سليمان، وهي ثابتة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة، تَلِدُ كلُّ واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، عليه الصلاة والسلام، شوف محبته للقتال في سبيل الله، أقسم أنه يطوف على تسعين امرأة، كل امرأة تَلِدُ غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملَك: قل: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، اعتمادًا على قوة عزيمته، وأنه عازم، فالله عزَّ وجلَّ أراه أن الأمر بيد الله، طاف على تسعين امرأة، يعني: جامع تسعين امرأة في ليلة واحدة، فما الذي حصل؟ أَتَتْ واحدة منهن بشِقِّ إنسان، نصف إنسان، ليس إنسانًا كاملًا، لو لم تأتِ واحدة منهن بشيء يقال: هذا لا غرابة فيه، ولو جاءت كل واحدة بولد لكان برَّ بيمينه، لكن أراد الله أن يُريه قدرته عز وجل، وأن الأمر بيده، فولدت واحدة شِقَّ إنسان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ» (6)، يعني لو قال: إن شاء الله، لأبَرَّه الله في يمينه، وجاءت النساء بأولاد يقاتلون في سبيل الله.
المهم أنَّ الإنسان إذا قال: إن شاء الله، فلا حِنْثَ عليه، لكن في يمين مُكَفِّرَة.
النذر: قال: إن شفى الله مريضي فللَّهِ عَلَيَّ نذر إن شاء الله، فإنه لا شيء عليه لو ترك، أو قال: لله عَلَيَّ نذرٌ ألَّا أكلم فلانًا، لله عَلَيَّ نذرٌ ألَّا أكلم فلانًا إن شاء الله، عليه الحنث ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأنه قال: إن شاء الله، لكن يشترط لها شروط: الشرط الأول: أنْ يقولها باللفظ؛ لأن المؤلف يقول: (وَمَنْ قَالَ)، أنْ يقولها باللفظ، فإن نواها بقلبه لم تُفِدْه؛ بل إذا قال: ما الدليل؟ الدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ» (5)، والقول يكون باللسان، فلو نوى فلا عبرة بنيته.

الشرط الثاني: أن تتصل بيمينه، حقيقة أو حُكْمًا، فيقول: واللهِ لا أكلِّم فلانًا اليوم إن شاء الله، على طول، هذا اتصال حقيقي ولَّا لا؟ أو حُكْمًا: قال: والله لا ألبس هذا الثوب، فأخذه عُطاس، بدأ يعاطس، قعد له ربع ساعة وهو يعاطس، لما هدأ قال: إن شاء الله، هذا متصل حقيقة ولَّا حكمًا؟ طلبة: حُكْمًا.
الشيخ: هذا حُكْمًا؛ لأنه منعه مانع من اتصال الكلام، لكنه في الواقع متصل؛ إذا زال المانع قال هذا الاستثناء.
الشرط الثالث: أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنَى منه، يعني ينوي أن يقول: إن شاء الله، قبل تمام المستثنَى منه، فيقول: والله لألبسنَّ هذا الثوب إن شاء الله، لا بد أن ينوي (إن شاء الله) قبل أن ينطق بالباء من الثوب، يعني لا بد أن ينوي قبل تمام المستثنَى منه، فإن نوى بعد فلا عبرة به.
طالب: غير واضح.
الشيخ: واضح هذا، هذا رجل قال: والله لألبسن هذا الثوب، ما عنده نية أنه يقول: إن شاء الله، عند آخر صوت قال: إن شاء الله، هو بالأول ما نوى، لكن لما قال: الثوب، نوى أن يقول: إن شاء الله، وقال: إن شاء الله، فالنية هنا ما صارت إلَّا بعد تمام المستثنَى منه، واضح؟ أما لو قال: والله لألبسنَّ هذا الثوب، قبل أن يتمم الثوب نوى أنه يقول: إن شاء الله، فقال: إن شاء الله، فلا حِنْث عليه.
هذه ثلاثة أشياء، الآن نشوف، خلوا الشروط الآن: أنْ يقول بلسانه والنية لا تكفي.
الثاني: أن تتصل حقيقة أو حُكْمًا.
الثالث: أن ينويها قبل تمام المستثنَى منه، يعني قبل تمام الذي عُلِّق بالمشيئة.

الرابع: أن يقصد التعليق بالمشيئة؛ لأن الذي يقول: إن شاء الله، أحيانًا يقولها للتبرُّك، وإلَّا هو عازم، وأحيانًا يقولها للتعليق، يعني كأنه يقول: أنا أفعل هذا إن شاء الله، يعني وإن لم يشأ الله لم أفعله، فَفَرْق بين من يقصد التعليق، ومن يقصد التحقيق والتبرك، الذي يقصد التحقيق يوم يقول: إن شاء الله، يبغي علشان يحقق الأمر، أو يقول: إن شاء الله، لأجل التبرك بتعليقه بمشيئة الله، وأما الذي قَصَد التعليق هو قَصَد أن يكون وقوع هذا الشيء بمشيئة الله، فالعلماء يفرِّقون بين هذا وهذا، ويقولون -كلام المذهب- أن يقصد بذلك إيش؟ الشرط الرابع أن يقصد بهذا التعليق، فإن قَصَد التبرك أو التحقيق فإنها لا تؤثر.
نرجع الآن إلى الأدلة، ما هو الدليل على أنه لا بد أن ينطق بها؟ طلبة: (... ) الحديث.
الشيخ: الدليل الحديث: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ» (5)، وحديث سليمان قال له المَلَك: «قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ» (6)، هذا الدليل.
الشرط الثاني: أن يكون؟ طالب: متصلًا.
الشيخ: متصلًا، قالوا: إنه إذا انفصل فإنه يكون كلامًا أجنبيًّا، لا رابطةَ بينه وبين الكلام الأول، فحينئذٍ لا يُقَيِّد الكلام الأول، لا يكون مُقَيِّدًا له؛ لأنك مثلًا إذا قلت: والله لألبسن هذا الثوب، هذا غير مُقَيَّد، فإذا قلت: إن شاء الله صار مُقَيَّدًا، فيقولون: ما دام عندنا مُقَيِّد ومُقَيَّد فلا بد أن يكون الْمُقَيِّد متصلًا بالْمُقَيَّد، وإلَّا كان أجنبيًّا منه.
النية، نيته قبل تمام المستثنَى منه، يقولون: لأنك إذا قلت: والله لألبسن هذا الثوب، بدون نية، صار الكلام الذي دخل عليه الاستثناء كلامًا حسب نيَّتك، مطلق ولَّا غير مطلق؟ طلبة: مطلق.
الشيخ: مطلق، إلى الآن ما نويت أن تُدَخِّل عليه التقييد، فإذا دَخَّلْتَ عليه التقييد فإن هذا التقييد لا يَنْسَخ ما سبق، يعني: لا يجعل الكلام الذي تم على أنه مطلق لا يجعله؟ طلبة: مقيَّدًا.

الشيخ: مقيَّدًا، أفهمتم الآن ولَّا لا؟ ما فهمتم، أنا قلت: والله لألبسنَّ هذا الثوب، الكلام مطلَق ولَّا غير مطلق؟ طلبة: مطلق.
الشيخ: مطلق، ما قلت: إن شاء الله، ثم عند انتهائي منه فورًا قلت: إن شاء الله، لكن ما نويتها إلَّا ذاك الساعة، عقب ما تم الكلام، الآن دخل التقييد بعدما تمت الجملة الأولى، وهي مطلقة، فالتقييد إذن لا يرفع الإطلاق السابق؛ لأن ذاك تم وأنت ما نويت به الإطلاق، لم تَنْوِ به الإطلاق.
طالب: التقييد.
الشيخ: التقييد، نعم، وأنت لم تَنْوِ التقييد، والحديث: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (7)، وأنت نويت الكلام الأول بدون تقييد، فإذا دخَّلْتَ التقييد بعدما تم الأول ما صح، أعرفتم هذا؟ واضح الآن ولَّا لا؟ الرابع: أن يقصد التعليق؛ لأنه إذا قصد التحقيق أو التبرك لم يُرَد به إلَّا تأكيد الشيء وتثبيته، والمقصود بالتعليق الذي يؤثِّر هو أن تَرُدَّ الأمر إلى مَنْ؟ إلى مشيئة الله عز وجل، فإذا كنت لم تُرِدْ بذلك رَدَّ الأمر إلى المشيئة، وإنما أردت بالمشيئة أن تُثَبِّتَ الأمر وتقوِّي الأمر، فهذا لا يكون مؤثِّرًا، هذا هو ما ذهبوا إليه، فبعضه فيه الدليل، وبعضه فيه التعليل.
والصحيح أنه لا يُشترط إلَّا النُّطْق، وأن الاتصال ليس كما قالوا، الاتصال بحيث يُنْسَب آخر الكلام إلى أوله عُرفًا، فإذا كان يُنْسَب آخره إلى أوله عرفًا فهذا صحيح، فإنه يصح الاستثناء، ودليلنا على ذلك؛ أولًا: أن المَلَك قال لسليمان بعد أن أنهى الجملة قال له: قل: إن شاء الله، وسليمان هل نوى الاستثناء قبل ولَّا لا؟ طلبة: لم يَنْوِ.
الشيخ: لم يَنْوِ، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ قَالَهَا لَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ» (6)، لم يحنَث، وهذا نص كالصريح في أنه لا تُشتَرَط النية.

الاتصال، الاتصال خطب النبي صلى الله عليه وسلم عامَ الفتح، وذَكَر مكة وحُرْمتها، وأنه لا يُختلَى خَلاها، ولا يُحَشُّ حشيشُها، وذَكَر كلامًا، ثم بعد ذلك قال العباس: إلَّا الإذخر يا رسول الله؛ فإنه لبيوتهم وقَيْنِهِم، فقال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» (8)، وهذا بعد كلام منفصل عن الأول، منفصل بضرورة ولَّا بغير ضرورة؟ طلبة: بغير ضرورة.
الشيخ: بغير ضرورة، الرسول يتحدث، ما فيه لا سؤال ولا عُطاس ولا شيء، وهل الرسول نوى الاستثناء ولَّا لا؟ ما نواه، فدل ذلك على أنه ليس بشرط، وأن الرجل لو حلف عليك مثلًا أن تفعل شيئًا وقلت: قل: إن شاء الله، فقال: ما أنا بقائل: إن شاء الله، واضح إذا قال: لا أقولها، واضح، لكن إذا قال: إن شاء الله، بعد أن قلت له.
طالب: صح.
الشيخ: ينفعه على القول الراجح، ولا ينفعه على المذهب، ولكن القول الراجح أنه ينفعه، كما في قصة سليمان عليه الصلاة السلام.
إذا شك: هل قال: إن شاء الله، أو لم يقل؟ رجل حلف، وجاء يسألنا، وقال: والله ما أدري هل أنا قلت: إن شاء الله، أو لم أقل، نقول: الأصل؟ طلبة: العدم.
الشيخ: عدم ذلك، يعني عدم قول: إن شاء الله، هذا الأصل، ولكن يقول شيخ الإسلام: إذا كان من عادته أن يستثني ويقول: إن شاء الله، حُمِلَ على العادة، وإذا قال: ها المرة دي ما أدري أنا قلت: إن شاء الله ولَّا لا، ولكن أنا أعرف من نفسي أني كلما حلفت قلت: إن شاء الله، نقول له: ارجع إلى العادة؛ لأن الظاهر هنا أقوى من الأصل، واستدل شيخ الإسلام لهذه المسألة بأن النبي صلى الله عليه وسلم رد المستحاضة إلى عادتها، قال: فهذا دليل على أن العادة مؤثِّرة، مع العلم بأن المستحاضة قد تكون الحيضة تَغَيَّرَ مكانُها بسبب الاستحاضة وقد لا يتغير، ومع ذلك ردَّها النبي عليه الصلاة والسلام إلى عادتها.
طالب: الحلف على المستقبل (... ) يُقَيَّد بـ (إن شاء الله)؟ الشيخ: لا، ما يجب.

الطالب: قول سليمان -يعني- في الحديث أنه تجرأ على الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: نعم.
الطالب: يحلف على شيء في مستقبل ما يحنَث.
الشيخ: إي نعم، هو يحلف على فِعْلِه، لكن هو عليه الصلاة والسلام، الذي فيه المشكلة أن الحَمْل وكونهم يجاهدون في سبيل الله ما هو من فِعْلِه.
الطالب: تجرأ على الله سبحانه وتعالى.
الشيخ: إي هذه هي، نحن ما نقول، المهم من فِعْلِه لا تحلف عليه.
يقول: رجل دخل قال: والله لا ألبسنَّ هذا الثوب، وإذا أحد الناس يدخل عليه يقول: السلام عليكم، قال: عليكم السلام إن شاء الله، إن شاء الله للأول.
المذهب ما يصح، وعلى القول الثاني: يصح، لا سيما إذا كان قد نوى من الأصل، لكن رد السلام يكون جملة معترضة.
الطالب: حلف على شيء يعمله وبعدين عمله.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل قلت: إن شاء الله؟ قال: ما لها قيمة إن شاء الله (... )، فقلنا له يعني: إذا قلت: إن شاء الله، إن عملته (... ). الشيخ: نعم.
الطالب: (... ) إن شاء الله.
الشيخ: لا، لا، ما يصير، هذا.
الطالب: يمكن جاهل، إن قلت: عن جهل الأول.
الشيخ: ما ينفع، ما ينفع.
طالب: إذا حلف على ثوبٍ لا يلبسه، قال: واللهِ لا ألبس هذا الثوب وهو لابسه.
الشيخ: لألبسنَّه؟ الطالب: نعم، وهو عليه.
الشيخ: ما ندري، إذا كان قصده والله لأستمِرَّنَّ في لُبسه، فهو يمين صحيح، وإن كان المقصود لألبسنَّه، يعني مثل: لأقتلنَّ الميت، فهذا يعتبر من اليمين التي لا تنعقد.
طالب: إذا حلف ثم أراد أن ينقض يمينه فيما بعد، يعني: حلف ولم يستثنِ، وأراد أن ينقض يمينه ولا يكفِّر عن هذا النقض، فقال بعد ذلك: إن شاء الله.
الشيخ: ما يصح.
الطالب: هل ينقض اليمين.
الشيخ: لا ما يصح، إلَّا إذا كان متصلًا.
الطالب: وإن كان في شبه اتصال، قد يكون بعد، تبين له أمر وأراد أن ينقض اليمين بدون أن يكفِّر، فقال بعد ذلك: إن شاء الله.

الشيخ: ما ينفع إلَّا إذا كان متصلًا، فيه رأي لبعض العلماء -وهو لابن عباس رضي الله عنه- يقول: إن الاستثناء يجوز ولو بعد سنة، وهذا مشكِل؛ لأن بعض الناس إذا شاف أنه يبغي يحنث راح يقول: إن شاء الله، مثل قال لرفيقه: والله لأفعلنَّ كذا وكذا، قال له رفيقه: أبدًا، والله ما تفعل هذا الشيء، يوم شاف أنه مغلوب قال: إن شاء الله، ما ينفع هذا.
(... ) إنه ينفع إذا قصد التبرك، إذا قصد التبرك لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» (6) وهذا عام.
طالب: (... ) الاتصال (... ). الشيخ: وإذا لم يُشترط الاتصال فهذا من باب أَوْلى.
الطالب: التعليق بالمشيئة.. الشيخ: التعليق بالمشيئة إذا قصد التعليق واضح، وإذا قصد التحقيق فإنه كعدمه، الاستثناء كعدمه.


قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وَيُسَنُّ الحِنْثُ فِي الْيَمِينِ إِذَا كَانَ خَيْرًا)، الحِنْث الذي أشار إليه من قبل، وهو أن يفعل ما حلف على ترَكْهِ، أو يترك ما حلف على فِعْلِه.
فهذا رجل قال: والله لا أفعل هذا، ثم جاء يسألنا ما تقولون: هل الأفضل أن أحفظ يميني ولا أفعله؟ أو الأفضل أن أفعله؟ هذه هي المسألة.
ورجل آخر قال: والله لأفعلنَّ هذا، هذا عَكْس الأول، الأول قال: والله لا أفعل، والثاني قال: والله لأفعلنَّ، ما فهمتم، قال: والله لأفعلنَّ هذا الشيء، ثم جاء يسألنا: هل الأفضل أفعل، أو لا أفعل؟ هذا هو المسألة التي نتكلم عليها الآن.
نقول: إذا كان في الحِنْث خير، أو إذا كان الحِنْث خيرًا من عدمه فاحنَثْ، وإذا كان عدم الحِنْث خيرًا، أو تساوَى الأمران فالأفضل ألَّا تحنث، الأفضل حفظ اليمين.
إذن المسألة لا تخلو من ثلاث حالات:

إما أن يكون الحِنْث خيرًا، أو عدمه خيرًا، أو يتساوى الأمران؛ فإن كان الحِنْث خيرًا حنث، وإن كان عدمه خيرًا لا يحنث، وإن تساوى الأمران خُيِّر، والأفضل أن لا يحنث، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، إلى قوله: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89]: لا تحنثوا فيها، خَلُّوها مُحْكَمَة، محفوظة.
أما إذا كان الحِنْث خيرًا فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (9)، وقال لعبد الرحمن بن سَمُرَة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (10)، أعرفتم؟ فصار من قوله والتزامه عليه الصلاة والسلام أنه إذا كان الحِنْث خيرًا فإنه يحنَث.
الخيرية في الحِنْث تارة تكون خيرية واجب، وتارة تكون خيرية تطوع، فإن كانت خيرية واجب كان الحِنْث واجبًا، وإن كانت خيرية تطوع صار الحِنْث تطوعًا.
مثال الأول، قال: والله لا أصلي اليوم مع الجماعة، مسكين، قال له: روح صَلِّ يا ولد، أَذَّن فاتت الجماعة، قال: والله لا أصلي اليوم مع الجماعة، هذا حلف على؟ طلبة: ترك واجب.
الشيخ: ترك واجب، الحِنْث واجب ولَّا لا؟ طلبة: واجب.
الشيخ: الحِنْث واجب، يجب الآن أن يذهب ويصلي مع الجماعة ويكفِّر، قال له أبوه: يا ولدي، اختم صلاة الليل بالوتر، الوتر سُنَّة سَنَّها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله وفعله، قال: والله ما أُوتِر، والله ما أُوتِر، نقول له -الآن الحلف على شيء تطوع- فنقول: الحِنْث أفضل لك من عدمه، أن يتأكد الحِنْث هنا، فنقول: أَوْتِر، وبعد كفِّر عن يمينك.

تعانَدَ هو وعمّه في شيء، الرجل عمُّه، تعاندَا في شيء، قال: واللهِ لا أُكَلِّم عمي، هذا هَجْر مؤمن، وقطيعة؟ طلبة: رحم.
الشيخ: رحم، ويش نقول له؟ الحِنْث واجب؛ لأنه يتوقف عليه فِعْل الواجب، فإذا توقف على الحِنْث فِعْل الواجب صار واجبًا.
رجل غضب على شخص، قال: والله لأَفْلِقنَّه، تعرفون الفَلْقَة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يعني يضربه بالحجر حتى يجرحه، والله لأَفْلِقنَّه، ماذا نقول له؟ طلبة: يحنَث.
الشيخ: يحنَث؟ يجب وجوبًا ولَّا لا؟ طلبة: يجب.
الشيخ: يجب؛ لأن ترك المحرَّم يتوقف على حِنْثه، وإذا توقف ترك المحرَّم على الحِنْث صار الحِنْث واجبًا.
طالب: لأفلقنَّه لغة؟ الشيخ: إي، لغة، لأنه من الفَلَق، سبحانه ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: 96]، ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام: 95]، هذا إذا ضربه على رأسه انفلق الرأس.
ففيه يقول: إذا كان -نحن ذكرنا أنه إما أن يكون الحِنْث خيرًا، والخير إما خير واجب ولَّا خير تطوع- عدم الحِنْث هو الخير، حينئذ نقول: لا تحنث؛ وذلك بأن يفعل، يحلف على فعل محرَّم، انتبهوا أنا غلطت.
الطلبة: على ترك.. الشيخ: على ترك محرَّم أو على فعل واجب، الحِنْث هنا؟ حرام، مثال ذلك: قال: والله لأصلِّيَنَّ مع الجماعة، أبوه رجل ما هو بطيب، يقول له: يا ولدي لا تروح تصلي، اقعد بالبيت، قال: والله لأصليَنَّ مع الجماعة، ويش حُكْم الحِنْث الآن؟ طلبة: حرام.
الشيخ: ويش تقول؟ الحِنْث يَحْرُم، إذن يجب أن يذهب ويصلي مع الجماعة؟ طلبة: نعم.
ومَن حَرَّمَ حلالًا - سِوَى زوجتِه - من أَمَةٍ أو طعامٍ أو لِباسٍ أو غيرِه لم يَحْرُمْ، وتَلْزَمُه كَفَّارَةُ يمينٍ إن فَعَلَه.
(فصلٌ) يُخَيَّرُ مَن لَزِمَتْه كَفَّارَةُ يمينٍ بينَ إطعامِ عَشرةِ مَساكينَ أو كِسوتِهم أو عِتْقِ رَقَبَةٍ، الشيخ: يحرُم، الحِنْث يحرُم، إذن يجب أن يذهب ويصلي مع الجماعة؟ يجب يصلي مع الجماعة، وعليه كفارة؟ طلبة: لا.

الشيخ: ما عليه.
طالب: لأنه ما حَلَف.
الشيخ: لا، حَلَف، لكن فَعَل ما حلف عليه؛ لأنه بَرَّ بيمينه، كذا؟ إذن الحِنْث هنا حرام.
قال: والله لا أسرق اليوم.
طلبة: حرام.
الشيخ: الحِنْث حرام؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لو هَمَّ أن يسرق، قال: أبغي أسرق، نقول: حرام عليك؟ طلبة: حرام.
الشيخ: حرام، صحيح، فلو سرق لزمته الكفارة مع الإثم، ومع قَطْع اليد إنْ تمت الشروط.
المكروه، ويش يحلف على إيش؟ على تَرْك المكروه، ولَّا على فِعْل المكروه؟ طلبة: على فِعْل المكروه.
الشيخ: لا، على تَرْك المكروه، مثل قال: والله لا ألتفت برأسي في صلاتي، الالتفات بالرأس في الصلاة مكروه، نقول هنا: الحِنْث؟ طلبة: مكروه.
الشيخ: ما هو الحِنْث في هذه المسألة؟ طلبة: أن يلتفت.
الشيخ: أن يلتفت، هذا الحِنْث، نقول: هذا مكروه.
والله لا آكل البصل.
طالب: مكروه.
طالب آخر: مباح.
الشيخ: لا، اصبر.
طلبة: (... ). الشيخ: لا، هو الآن يبغي يصلي الجماعة هو، الساعة الحين باقي على الأذان ثلث ساعة مثلًا.
طالب: ولو كان غداة.
الشيخ: اصبر، اصبر، قال: والله لا آكل البصل، ويش حُكْم الحِنْث؟ طلبة: مكروه.
الشيخ: الحِنْث مكروه؛ لأننا نقول: اصبر حتى تصلي، فإنْ أَكَل لئلَّا يصلِّي صار؟ طلبة: صار حرامًا.
الشيخ: صار حرامًا، المباح، قال: واللهِ لا ألبس هذا الثوب، ولألبَسَنَّ هذا الثوب؟ نقول: يخيَّر، ولكن (... ) فيه أَوْلى.
فإن قال له والده: يا بني اتقِ الله، لا تلبس ثوبًا ينزل عن الكعبين، فقال: والله لألبسنَّ ثوبًا يضرب إلى الأرض.
طلبة: الحِنْث واجب.
الشيخ: الحِنْث واجب؟ طلبة: واجب.
الشيخ: إي، صح، الحِنْث واجب؛ لأنه بحِنْثه يترك.. طلبة: المحرَّم.

الشيخ: المحرَّم، والعكس بالعكس، لو كان والده؛ لأن بعض الناس الآن يعتِبُون على أولادهم إذا رفعوا ثيابهم فوق الكعبين، يقول: لازم تنزِّل تحت الكعبين وإلَّا فأنا أهجرك، موجود هذا، ما هو شيء مفروض، هذا موجود، قال: والله لا ألبس ثوبًا نازلًا عن الكعبين؟ طالب: حرام.
الشيخ: حكم الحِنْث؟ طلبة: محرَّم.
الشيخ: يا سبحان الله! والله لا ألبس، لو لبست.
طلبة: يحرم.
الشيخ: يحرم الحِنْث؛ لأنه إن حَنِث وَقَع في.. طلبة: المحرَّم.
الشيخ: في المحرَّم، زين، الدليل فهمناه من السُّنَّة؛ من التزام الرسول عليه الصلاة والسلام أن يفعل ما هو خير إذا حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، ومن قوله أيضًا لعبد الرحمن بن سَمُرَة: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» (1). قال المؤلف.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم؛ لأن الخير ضده غير الخير.
الطالب: (... ). الشيخ: يؤخذ من هذا.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ). الشيخ: ما يحرُم؛ لأن الأصل الإباحة في الحِنْث، وهذا بيفعل مكروه، غاية ما هنالك إذا حَنِث أن يفعل مكروهًا فقط.
طالب: (... ). الشيخ: نحن ذكرنا التقسيم الآن، قلنا: الخير إما واجب ولَّا تطوع، وعدم الخير إما حرام وإما مكروه، وما تساوَى الأمران فهو المباح.
بقينا في إبرار القَسَم، إبرار القَسَم غير الحنث؛ لأن الحِنْث واقع من المُقْسِم، من الحالف، لكن تحنيث الغير، بمعنى أن يحلف عَلَيَّ شخص، فهل الأفضل أن أبَرَّ بيمينه، أم ماذا؟ نقول: الأفضل أن تَبَرَّ بيمينه، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ هذا من حق المسلم على المسلم، إبرار المُقْسِم، فإذا حَلَف عليك أخوك فإن من حقه عليك أن تَبَرَّ بيمينه، وطبعًا هذا ما لم يكن في ذلك ضرر عليك، فإن كان في ذلك ضرر عليك فإنَّ ذلك لا يلزمك.

لو قال: والله لتُخبِرَّني كم مالُك، وكم عيالُك، وكيف معاشرُتك لأهلك، ومتى تنام، ومتى تستيقظ، أُقسِم عليك بالله العليِّ العظيم أن تخبرني، يلزمه؟ طلبة: لا، ربما يحرُم.
الشيخ: ما يلزمه، إي ربما يحرُم، فيه أشياء سرِّية ما يمكن يبلغ بيها أحدًا، لكن الشيء الذي ليس عليك فيه ضرر فأنت مأمور بأن تَبَرَّ بيمينه، كذا؟ أما ما فيه نَفْع لأخيك فإنه يكون أشد توكيدًا لذلك، فإن كان فيه دَفْع ضرر عنه فإن يجب، المهم إنَّ إبرار المُقْسِم الأصل فيه أنه مشروع، وأنه من حقوق المسلم على المسلم، وقد يقترن به ما يجعله ممنوعًا وما يجعله واجبًا.
ولكن هل الكفَّارة تجب على المُحَنِّث أو على الحالف؟ طلبة: على الحالف.
الشيخ: على الحالف، يعني لو أنك قطعت يمين الحالف، ولم تبرَّ به فالكفارة عليه؛ لأنه هو الحالف، والكفارة تتعلق بمن؟ بالحالف.
فلو قال الحالف: أنتَ اللي قطعت اليمين وتسببت في وجوب الكفارة عليَّ فعليك الكفارة؛ لأن المتسبِّب كالمباشِر، عندنا قاعدة مرت علينا في القِصاص: (المتسبِّب كالمباشِر)، أنتَ اللي تسببتَ، يقول: بل أنت متسبِّب مباشر، مَن الذي حَلَف؟ أنتَ، ومَن الذي فَعَل؟ أنتَ، ولَّا لا؟ أنا ما فعلت إلَّا ما هو شرط في وجوب الكفارة فقط، وهو الحِنْث، أما أما المتسبِّب الأصلي فهو أنت، صحيح أنه أنا الذي باشرت الحِنْث وفعلتُ ما حلفتَ على ألَّا أفعله، لكن هذه المباشرة مبنية على سبب هو في الحقيقة مباشرة؛ لأن الحالف هو الذي تسبَّب في إيجاب الكفارة على نفسه.
قال: (وَمَنْ حَرَّمَ حَلاَلًا سِوَى زَوْجَتِهِ، مِنْ أَمَةٍ، أَوْ طَعَامٍ، أَوْ لِبَاسٍ، أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَحْرُمْ، وَتَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ).
(وَمَنْ حَرَّمَ)، (مَنْ) هذه اسم شرط جازم، فعل الشرط فيها (حَرَّمَ)، وجوابه: (لَمْ يَحْرُمْ).

المحرِّم لما أحل الله ينقسم إلى عدة أقسام: أنْ يكون مُنشِئًا، وأنْ يكون مُخْبِرًا، وأنْ يكون ممتنِعًا، ثلاثة أقسام: أن يكون مُنشِئًا، ومُخْبِرًا، وممتنِعًا.
أما إذا كان مُنشِئًا فهذا قد يَكْفُر، إذا قال: إنَّ هذا الشيء الذي حرَّمه الله أنا أقول: إنه حلال، ولا أوافق على أنه حرام، فهذا قد يكفر، متى يكفر؟ إذا استباح ما حَرُمَ في الدين بالضرورة، مثل لو استباح الخمر، أو الزنا، أو السرقة، أو ما أشبه ذلك، قال: الزنا حلال، أو كما يُذْكَر عن المعري في الخمر يقول:

لَئِنْ حُرِّمَتْ يَومًا عَلَى دِينِ أَحْمَدٍ فَخُذْهَا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمِ

أعوذ بالله، فهذا يكون كافرًا، وإن حَرَّم ما لم يُجمَع على تحريمه، فهذا إن كان باجتهاد فله حكم المجتهِدين، وإن كان بعِنادٍ فهو على خطر، هذا حُكم مَنْ؟ -نحن قلنا: ثلاثة أقسام-، المُنشِئ للتحريم.
المُخْبِر بالتحريم هذا إما صادق، وإما كاذب، فقط، مثل لو قال: إن الله حرَّم هذا، هو ما هو يقول: أنا أُحَرِّمُه، وأُنْشٍئُ تحريمه، قال: هذا حرام، يعني يخبر أن الله حرَّمه، فهذا إما أن نقول: إنه صادق، أو كاذب، ولَّا لا؟ ننظر، إن كان الله قد حرَّمه فقوله صادق، وإن كان الله لم يحرِّمه قلنا: كذبت، ولهذا يُرْوَى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن مَن قال لزوجته: أنتِ عليَّ حرام، فقل له: كَذَبْتَ، وهذا محمول على أيش؟ على أنه مُخْبِر، نقول: هذا ما هو صحيح، ما هي حرام، الله مُحِلَّها لك، عرفتم هذا؟ القسم الثالث: أن يُحَرِّم الشيء مانعًا نفسه منه، أو ممتنعًا منه، اللفظان واحد؛ إذن: مُنشئًا، ومُخْبِرًا، وممتنِعًا، يعني قصده الامتناع فقط، هذا الأخير هو الذي يريده المؤلف -رحمه الله- في هذا الكلام، عرفتم؟

إذا حَرَّم الإنسان شيئًا حلالًا بهذا القصد، أي بقصد أيش؟ الامتناع، فهل يَحْرُم؟ لا، ما يَحْرُم، لو قال: حرام عليَّ أن آكل طعامك، نقول: الآن الطعام حلال لك، ما حَرُم، ولَّا لا؟ هذا ويش قصده؟ قصده أن يمتنع من أكله، والحرام ممنوع، نقول: هذا لا يَحْرُم، ولكن عليه كفارة يمين إنْ فَعَلَه.
الدليل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 1، 2]. يكفِّر عنه قبل الحِنْث.
وسُمِّيَ ﴿تَحِلَّةَ﴾؛ لأن الإنسان تحلَّل منه حين كَفَّر، فأنا مثلًا قبل أن أُكَفِّر لا يحل لي أن أفعله إلَّا إذا أديت الكفارة بعد أن أحْنِث، أما الآن فلما أديت الكفارة انحلَّ اليمين، صار ما فيه يمين إطلاقًا، ولهذا نقول: أداء الكفارة قبل الحِنْث تَحِلَّة، وبعد الحِنْث كفَّارة.
هذا رجل قال: حرام عليَّ -تحريمه العسل- الذي نزل من أجله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، وقصته مشهورة عند تفسير هذه الآية في ابن كثير وغيره، أنَّه حَرَّم على نفسه العسل، قال: لن أعود إلى شرب العسل، فقال الله له: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ﴾.
قال المؤلف: (سِوَى زَوْجَتِهِ)، (سِوَى) هذه أداة استثناء، يعني مَن حرَّم حلالًا سوى الزوجة، الزوجة حلال للإنسان ولَّا لا؟ طلبة: حلال.
الشيخ: حلال؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ [النساء: 23] أي: نساؤهم، فالزوجة حلال بلا شك.

جارٍ التحميل