يقول: (لكن يُحْرِم من الحل لطواف الفرض)، هذه الجملة في الحقيقة في هذا المكان سهو؛ لأن ظاهرها أنه إذا باشر فأنزل أَحْرَم من الحل لطواف الفرض، وهذا مفروض بأن يكون قبل التحلُّل، فلا حاجة إلى إحرام من الحل؛ لأنه لا زال مُحْرِمًا، لكن هذه الجملة ذكرها الأصحاب غير المؤلِّف فيما إذا جامَع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثاني، قالوا: يجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل ويُحْرِم منه، يعني يلبس ثياب الإحرام ليطوف مُحْرِمًا، ذلك لأن إحرامه بطل بجماعه، وحتى هذه فيها نظر، فكلام المؤلف رحمه الله -والله أعلم- سهو، فوضعه في غير مكانه.
(وإحرام المرأة كالرجل إلا في اللباس) فعليها تَحْرُم عليها المحظورات التسعة كما يحرُم على الرجل، إلا في اللباس فإنها تلبس ما شاءت من الثياب، إلا أنها لا تتبرج بالزينة أمام الرجال، هل لها أن تلبس الحلي؟ نعم، بشرط أن تستره عن الرجال، وتلبس الْخُرْص في الأذن، والقلادة في العنق، والخاتم في اليد، والخلخال في الرِّجْل ولا حرج، ما لم يكن أمام الرجال.
(وتجتنب البرقع والقفازين)، البرقع، ولو قال: النقاب، لكان أحسن؛ لأن النقاب هو الذي جاء؟
طالب: في الحديث.
الشيخ: بلفظ الحديث «لَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ» (15)، ولأنه إذا حرُم النقاب حرُم البرقع من باب أولى، لكن إذا حرُم البرقع قد يقول قائل: لا يحرُم النقاب؛ لأن البرقع غطاء معروف للوجه مزركش مُجَمَّل، فهو أدعى للفتنة من النقاب، وإذا كانت منهية عن النقاب فهي منهية عن البرقع.
والمهم أنها لا يحل لها أن تلبس النقاب ولا البرقع؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهاها عن ذلك، وعُلِمَ من نهي الْمُحْرِمَة عن النقاب أن النقاب كان معروفًا في عهد الصحابة، وأن النساء ينتقبن، لكن هل ينتقبن بقدر الضرورة؟ بمعنى ألَّا تنتقب إلا بعين واحدة تسير بها على الطريق، أو يجوز لكل العينين؟ الذي ينبغي إذا كان يمكن أن تقتصر على واحدة فلتقتصر، وأما إذا كانت لا يمكن فلتنتقب في العينين، لكن مع ذلك بالنسبة لوقتنا الحاضر لا ينبغي الإفتاء بجوازه؛ لأن النساء إذا أفتيتهن بجوازه لم يقتصرن على الجائز، بل يتوسعن في ذلك، فمنعه مع ستر الوجه، ما هو معناه نمنعه ونقول: اكشفي الوجه، كما توهمه بعض الناس، بعض الناس الذين يدعون إلى كشف الوجه أخذوا من كلامنا أننا لا نفتي بجوازه، أخذوا أنه يحرُم النقاب ويجوز كشف الوجه كله، يستدلون بالمتشابه على الْمُحْكَم، فهو لا يجوز كشف الوجه.
على كل حال ما فيه إشكال، لكن حتى النقاب في الوقت الحاضر ينبغي المنع منه، والمنع من المباح خوفَ الوقوع في الْمُحَرَّم شيء أجازه الله عز وجل في القرآن، بل أجاز الامتناع من الواجب خوف الوقوع فيما هو أَنْكَر، فقال عز وجل: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 108].
وأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه منع الرجل من الرجوع إلى زوجته إذا طلَّقها ثلاثًا، مع أن له الحق، فمنعه من الحق لما تتايَع الناس في الطلاق الثلاث.
فالمهم أن السياسة الشرعية تقتضي في العصر الحاضر منع النقاب، وليس معنى ذلك أن نبيح كشف الوجه؛ لأنك إذا رخصت للمرأة أن تضع النقاب ماذا تعمل؟
طالب: (... ).
الشيخ: أولًا: تُجَمِّل عينها، تخلي عينها من أجمل ما يكون بالكحل أو غيره، ثانيًا: توسِّع النقاب حتى يظهر الحاجب والوجنة، ثالثًا: يأتي عاد ما هو أطمّ وهو التلثُّم، تتلثَّم هكذا، تطلع الجبهة كلها وأعلى الخدين، وهذا شيء قريب جدًّا، بمعنى أنه يسهل على النساء أن يرتكبن هذا، فسدّ الباب هو المناسب.
كذلك أيضًا تجتنب الْمُحْرِمَةُ القفازين، وهما شراب اليدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك، فهل يقال: إن الرجل يُنْهَى عن ذلك؟ الظاهر: نعم، الظاهر أنه يُنْهَى عن ذلك، وإن كان لم تَجْرِ العادة أن الرجال يلبسون القفازين في ذلك العهد، عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن النساء يلبسن ذلك من أجل ستر الكف، والرجل ليس بحاجة إلى هذا، لكن الذي يبدو لي أنه إذا مُنِعَ من لباس الرِّجْل وهو أيش؟ الْخُفّ فهذا مثله، فيكون القفاز ممنوعًا بالنسبة للرجال والنساء.
وتجتنب أيضًا تغطية وجهها؛ لأن نساء الصحابة كنا يكشفن وجوههن، لكن يستثنى من ذلك ما إذا مَرّ الرجال غير المحارِم قريبًا منها فإنه يجب عليها أن تستر وجهها، ويباح لها التحلِّي لأنها الأصل الإباحة.
[باب الفدية]
ثم قال المؤلف رحمه الله: (باب الفدية)، الفدية: ما يفدي به الإنسان نفسه من عقاب الله.
وأسبابها: إما ترك واجب، وإما فعل مُحَرَّم، هذه أسباب الفدية، وأما ما كان سببه اجتماع النُّسُكَيْن في سفر واحد فهذا لا يسمى فدية، يسمى هَدْيًا، خلاف ما يقوله الناس اليوم، الناس يقولون عن هَدْي التمتع؟
طالب: فَدْي.
الشيخ: فَدْي، ما هو صحيح هذا، أنت لم تفعل مُحَرَّمًا حتى تفدي نفسك، لكنه هَدْي تشكر الله به على نعمته أن يَسَّرَ لك المتعة، إذن الفدية ما يجب بفعل محظور أيش؟
طالب: أو ترك واجب.
الشيخ: أو ترك واجب.
قال: (يُخَيَّر بفدية حلق وتقليم وتغطية رأس وطِيبٍ بَيْنَ)
طالب: (ولبس مخيط).
الشيخ: ما هي عندي (ولبس مخيط) وين؟
طالب: بعض النسخ ساقط.
الشيخ: (وتقليم وتغطية الرأس) ويش بعدها؟
طالب: (وتغطية رأس وطيب ولبس مخيط).
الشيخ: (يُخَيَّر بفدية حلق وتقليم)، حلق الرأس أو غيره من الشعر كما مَرَّ، وتقليم، يعني: تقليم الأظفار، وتغطية رأس لمن؟
طلبة: للرجل.
الشيخ: للرجل، (وطِيب) للرجل والمرأة، (ولبس مخيط) للرجل.
(بين صيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدّ بُرٍّ أو نصف صاع)، (أو) هذه عند ابن هشام رحمه الله غير عربية، يقول: لأن التخيير لا بد أن يكون بين شيئين متساويين، فيكون الصواب يُخَيَّر بين صيام ثلاثة أيام وإطعام ستة مساكين و..
طالب: ذبح شاة.
الشيخ: وذبح شاة، وهذا لا شك أنه مقتضى اللغة العربية، لكن ما يقوله الفقهاء ويعبرون به أوضح في المعنى، ولذلك نشؤوا على هذا، أنهم يأتون بـ (أو) الدالة على التخيير.
(بين صيام ثلاثة أيام)، سواء متتابعة أو متفرقة، لكن التتابع أفضل؛ لأنه أسرع في إبراء الذمة.
(أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين مُدّ بُرّ)، المراد بالمساكين هنا كالمراد بهم في آية الصدقة، يعني: مَن لا يجدون كفايتهم لمدة سنة.
(وإطعام ستة مساكين) فَسَّرَها بقوله: (لكل مسكين مُدّ بُرٍّ أو نصف صاع)، أما التقدير بنصف الصاع فلا شك فيه ولا إشكال، وأما مُدّ بُرٍّ فهذا فيه نظر؛ لأن لاحظوا أن الْمُدّ ربع الصاع، فيكون النصف نصف الصاع، فالفقهاء رحمهم الله يفرِّقون بين البُرّ وغيره في كل موضع إلا في موضع واحد؛ وهو الفطرة، الفطرة يقولون: إن البُرّ وغيره سواء؛ لأن الشرع ورد بالتقدير مع اختلاف المطعوم في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولم يُفَرِّق، فيما سوى ذلك جعلوا البُرّ نصف ما يجب من التمر وشبهه.
ولكن بالنسبة لفدية الأذى في كلامهم نظر، والصواب أن الفدية نصف صاع، سواء كان من البُرّ أو من غيره؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (16)، ولهذا جميع ما ورد في إطعام المساكين يجوز أن تُغَدِّيهم أو تعشيهم، إلا هذا الموضع فلا بد أن نطعمهم طعامًا يملكونه، ومقداره؟
طلبة: نصف صاع.
الشيخ: مقدار أيش؟
طلبة: نصف صاع.
الشيخ: مقدار المسكين؟
طلبة: نصف صاع يا شيخ.
الشيخ: نصف صاع، (أو نصف صاع تمر أو شعير، أو ذبح شاة) مما يجزئ في الأضحية ويوزِّعها على الفقراء، ولا يأكل منها شيئًا؛ لأنها دم الْجُبْرَان.
(وبجزاء صيد بينَ مثلٍ إن كان، أو تقويمه بدراهم يشترى).
أو نِصْفُ صاعِ تَمْرٍ أو شَعيرٍ أو ذَبْحُ شاةٍ، وبِجَزاءِ صَيْدٍ بينَ مِثْلٍ - إن كان - أو تقويمُه بدَراهمَ يَشْتَري بها طَعامًا فيُطْعِمُ كلَّ مِسكينٍ مُدًّا، أو يصومُ عن كلِّ مُدٍّ يومًا، وبما لا مِثْلَ له بينَ إطعامٍ وصِيامٍ، وأمَّا دمُ مُتْعَةٍ وقِرانٍ فيَجبُ الْهَديُ، فإن عَدِمَه فصِيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ، والأفْضَلُ كونُ آخِرِها يومَ عَرَفَة، وسبعةٍ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِه، والْمُحْصِرُ إذا لم يَجِدْ هَدْيًا صامَ عَشرةً ثم حَلَّ، ويَجِبُ بِوَطْءٍ في فَرْجٍ في الْحَجِّ بَدَنَةٌ، وفي العُمرةِ شاةٌ، وإن طاوَعَتْهُ زوجتُه لَزِمَها.
(فصلٌ)
ومَن كَرَّرَ محظورًا من جِنْسٍ ولم يَفْدِ فَدَى مَرَّةً بخِلافِ صَيْدٍ، ومَن فَعَلَ مَحظورًا من أجناسٍ فَدَى لكُلِّ مَرَّةٍ رُفِضَ إحرامُه أو لا، ويَسْقُطُ بنِسيانٍ فِديةُ لُبْسٍ وطِيبٍ، وتَغطيةِ رأسٍ دونَ وَطْءٍ، وصَيْدٍ وتقليمٍ وحِلاقٍ، وكلُّ هَدْيٍ أو إطعامٌ فلِمساكينِ الْحَرَمِ، وفِديةُ الأَذَىَ واللُّبْسِ ونحوِهما ودمُ الإحصارِ حيث وُجِدَ سببُه، ويُجْزِئُ الصوْمُ بكلِّ مَكانٍ، والدمُ شاةٌ أو سُبُعُ بَدَنَةٍ وتُجزِئُ عنها بَقرةٌ.
ولكن بالنسبة لفدية الأذى في كلامهم نظر، والصواب أن الفدية نصف صاع، سواء كان من البُرّ أو من غيره؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (1).
ولهذا جميع ما ورد في إطعام المساكين يجوز أن تُغَدِّيهم أو تُعَشِّيَهم إلا هذا الموضع فلا بد أن نطعمهم طعامًا يملكونه، ومقداره؟
طلبة: نصف صاع.
الشيخ: مقدار أيش؟
طلبة: نصف صاع.
الشيخ: مقدار المسكين؟
طلبة: نصف صاع يا شيخ.
الشيخ: نصف صاع، (أو نصف صاع تمر أو شعير، أو ذبح شاة) مما يجزئ في الأضحية، ويُوَزِّعها على الفقراء ولا يأكل منها شيئًا؛ لأنها دم جبران.
(وبجزاءِ صيدٍ بين مثلٍ إن كان أو تقويمه بدراهم يشتري بها طعامًا فيُطْعِم كل مسكين مُدًّا، أو يصوم عن كل مُدٍّ يومًا)، الصيد إما أن يكون له مثل أو لا، فإن كان له مثل خُيِّرَ بين ثلاثة أشياء: إما أن يذبح المثل ويتصدق به على الفقراء في مكة، أو يُقَوّم الصيد أو الْمِثْل، على خلافٍ في هذا، والمذهب أنه يُقَوَّم المثل بدراهم يشتري بها طعامًا، فيُطْعِم كل مسكين مُدًّا، فمثلًا في النعامة بدنة، النعامة فيها بدنة؛ لأنها مثله، يخيَّر بين ذبح البدنة ويتصدق بها، أو يقوِّم أيش؟
طلبة: البدنة.
الشيخ: البدنة بدراهم، فيشتري بالدراهم طعامًا، فيُطْعِم كل مسكين مُدَّ بُرٍّ، فإذا قَدَّرْنَا أن البدنة تساوي ألف ريال، والبُرّ ألف ريال في مئة صاع من البُرّ، كم يكون بالنسبة لربع الصاع؟
طلبة: أربع مئة.
الشيخ: أربع مئة ربع صاع، نقول: إن شئت افعل هذا، وإلا المخيَّر فيه الثالث: أن يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، كم يلزمه؟
طلبة: أربع مئة يوم.
الشيخ: يلزمه أربع مئة يوم يصومها؛ لقول الله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]، أما إذا قلنا: إن الذي يقوَّم هو الطير، نظرنا كم تساوي النعامة، سواء زادت قيمتها على مثلها أو نقصت، والآية محتملة لهذا وهذا؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] أيش بعده؟
طالب: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾.
الشيخ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95]، الكفارة ما بَيَّنَها الله عز وجل، لكن يقال: إن البدل له حكم الْمُبْدَل، فتكون الكفارة تساوي أيش؟ الْمِثْل، أو تساوي الصيد، القرآن ليس فيه إفصاح في هذا ولا هذا، ولذلك اختلف العلماء، هل الذي يقوَّم الصيد، أو الذي يقوَّم المثل؟ فمن قال: إن الذي يقوَّم الصيد قال: لأن الصائد اختار الطريقة الأخرى، وهي الإطعام، ومن قال: يُقَوَّم المثل، قال: لأن هذا هو الأصل، هو الواجب أصلًا، فإذا كان هو الواجب فالواجب أن يقوَّم هو دون الصيد، وهذا أقرب إلى القواعد، أن الذي يقوَّم هو أيش؟ الْمِثْل، سواء قلَّت قيمته عن الصيد أو زادت، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا.
(وبما لا مثلَ له بين إطعام وصيام)، هنا ما الذي يقوَّم فيما لا مثل له؟
طلبة: الصيد.
الشيخ: يقوَّم الصيد؛ لأنه لا مثل له، فيقوَّم الصيد بدراهم يُشْتَرَى بها طعام يوزَّع على الفقراء لكل مسكين مُدّ بُرّ، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا.
طالب: الْمُحْرِم أيمتشط، يمشط شعره؟
الشيخ: المرأة يعني؟
الطالب: سواء رجلًا أم امرأة؟
الشيخ: إذا أَمِنَ من أن يتساقط الشعر فلا بأس.
الطالب: ما يأمن يا شيخ.
الشيخ: إذا لم يأمن لا يمتشط، لكن هل يحك رأسه الْمُحْرِم؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم يحك رأسه، وأما ما يفعله بعض الْمُحْرِمِين الآن إذا حَكَّه رأسه قام ينقره بظفره هذا لا أصل له، حتى إن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: لو لم أحكه بيدي لحككته برجلي، من المبالغة، وإلَّا عاد ما أحد يحك رأسه برجله، لكن من باب المبالغة.
طالب: اشترك رجلان في قتل صيد أحدهما قتل، يعني باشَر القتل، والثاني أعانه رماه بالجذع؟
الشيخ: لا، بينهم فرق، إذا كان إعانة فالجزاء على المباشِر، لكن إذا اشتركَا بأن كان كل واحد منهما صوَّب إليه السهم فأصابه السهمان ومات.
الطالب: طارَدَاه معًا يعني؟
الشيخ: نعم.
الطالب: لما عجز الصيد قتله واحد منهم؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: طارَدَاه الاثنان وأحدهما رمى بسهم وقتله؟
الشيخ: فعلى المباشِر.
الطالب: والثاني ما عليه شيء؟
الشيخ: لا، عليه الإثم؛ لأنه أراد أن يفعل لكنه ما فعل.
طالب: حاجّ ليس معه هدي، فهل الأفضل أن يُفْرِد أو يتمتع ويصوم؟
الشيخ: ما تقول في هذا السؤال: حاج ليس معه هدي فهل الأفضل أن يُفْرِد أو يتمتع ويصوم؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، لا إشكال، الصحابة رضي الله عنهم أكثرهم فقراء لم يسوقوا الهدي، ومع ذلك أُمِرُوا بالتمتع.
طالب: أحسن الله إليك، المرأة تأخذ من جميع شعرها أم بعضه؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: المرأة تأخذ من جميع شعرها أم بعضه؟
الشيخ: في أيش؟
الطالب: في التحلُّل.
الشيخ: يبقى يجينا إن شاء الله التحلل، تأخذ بعضه على قدر أنملة، تعرف الأنملة؟ أي شيء أنملة؟ يلّا يا أخي، إذن ليس عندك علم إلا أن الأنملة قدر النملة، كذا؟ من يعرف؟
طالب: مفصل الإصبع الأخير.
الشيخ: صحيح، أحد مفاصل الإصبع، تعرفها؟ ما تعرفها، الآن إصبعي كم في السبابة؟ ثلاثة، على قدر واحد منهم، كم بالإبهام؟
الطالب: اثنان هما اللي باين.
الشيخ: تأكد.
الطالب: بعض الناس يستدلون..
الشيخ: كم؟ لا تعدل، تأكد كم في الإبهام من مفصل؟
الطالب: اثنان.
الشيخ: اثنان؟ ويش تقولون؟
طلبة: اثنان.
الشيخ: اثنان صحيح، بعض الناس أيش تقول؟
طالب: يقولون: المرأة تأخذ بعض شعرها برأسها، ولكن رجل لا يذهب هكذا، يأخذ بعض الشعر من الرأس ويحلقه.
الشيخ: يعني -مثلًا- عنده رأس كثير.
الطالب: تأخذ من شعرها بعضه؟
الشيخ: لا، تقص من جميع الرأس.
الطالب: جميع الرأس.
الشيخ: تدور عليه لكن على قدر أنملة، ما تأخذ من جانب -مثلًا-، لا، من كل الجوانب.
طالب: إذا اشترطت المرأة في حال يجوز لها الاشتراط فهل لِمَحْرَمِها أن يشترط تبعًا؟
الشيخ: هو أنت تعرف أن الاشتراط فيه ثلاثة أقوال، لكن على القول بالجواز إذا كانت تخشى من مانع ومَحْرَمُها لا يخشى فهو تبعٌ لها، يشترط، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبروه أن صفية حاضت ماذا قال؟
طالب: «أَحَابِسَتُنَا».
الشيخ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ » (2).
طالب: (... ) في المتعة (... ) سبعة شروط الفقهاء ذكروها؟
الشيخ: إي.
الطالب: هل كلها صحيح ولَّا لا؟
الشيخ: فيها بعضها صحيح، وبعضها فيها نظر، وهو قليل.
الطالب: في قولهم: إنه لازم يحل بين الحج والعمرة، لا بد أن يحل، هذا صحيح؟
الشيخ: إي معلوم، كيف يتمتع وهو ما حَلَّ.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصف رحمه الله تعالى في كتاب المناسك في باب الفدية: وأما دَمُ متعةٍ وقِرَان فيجب الهدي، فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام، والأفضل كون آخرها يوم عرفة، وسبعة إذا رجع إلى أهله، والمُحْصَر إذا لم يجد هديًا صام عشرة ثم حَلَّ، ويجب بوطء في فَرْجٍ في الحج بدنة، وفي العمرة شاة، وإن طاوَعَتْه زوجته لزمها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد أفضل النبيين، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أن الذي صحَّت فيه الفدية ثلاثة، ما هي؟
طالب: أولًا: إزالة الشعر.
الشيخ: حلق شعر الرأس أو إزالته.
الطالب: ثانيًا: قتل الصيد.
الشيخ: قتل الصيد.
طالب: الجماع.
الشيخ: صح، الجماع، هذا صحَّ عن الصحابة، الباقي ذُكِرَ بالقياس، وذكرنا أن بعض الأَقْيِسَة ما تصح، وحينئذ نقول قاعدة مهمة جدًّا، أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ثانيًا: أنه لا يجوز استحلال أموال المعصومين إلا بدليل، فلا نقول لهم: يجب أن تُخْرِجُوا من أموالكم شيئًا إلا بدليل، هذا هو الأصل، لكني قلت لكم: من باب التربية والتوجيه ينبغي ألَّا نخرج عما كان عليه جمهور العلماء بالنسبة لأيش؟ للإفتاء العام، أما بالنسبة للعلم كعلم النظري فلا بد أن يُبَيَّن الحق، كذلك لو فُرِضَ أن شخصًا معينًا استفتاك في مسألة ترى فيها خلاف ما يراه جمهور الفقهاء فلا بأس أن تفتيه، ما دمت تثق أن الرجل عنده احترام لشرائع الله فهنا يفرَّق بين الفتوى العامة والفتوى الخاصة، وبين العلم النظري والعلم التربوي، هذه قاعدة افهموها وعاملوا فيها الناس.
وقد كان بعض أهل العلم يفتي ببعض المسائل التي اشتهر عند الناس خلافها، يفتي بذلك سرًّا، كمسألة الطلاق الثلاث -مثلًا-، الطلاق الثلاث عند شيخ الإسلام رحمه الله واحدة، وهو الذي عليه الناس في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعهد أبى بكر وسنتين من خلافة عمر، وبقي الناس بعد أن سَاسَ عمر رضي الله عنه الأمة بإلزامهم بالثلاث بقي الناس على هذا.
شيخ الإسلام رحمه الله وجزاه الله خيرًا عن أمة محمد صرَّح في هذا بأن الطلاق الثلاث واحدة، ونصر ذلك نصرًا عظيمًا، مَن طالَع كلامه تبيَّن له أنه الحق، لكن هناك من العلماء مَن لم يصرِّح بهذا، يقول: وكان جدي -وهو أبو البركات المجد رحمه الله- يفتي بذلك سرًّا.
الشاهد من هذا قوله: يُفْتِي به سرًّا، وأن هذه طريقة العلماء الربانيين الذين يربون الناس حتى يلتزموا بشريعة الله.
جزاء الصيد كم يكون؟
طالب: يكون إن كان مثليًّا فبمثله.
الشيخ: نعم، فيُخَيَّر.
الطالب: إن كان المثل فيجب عليه المثل من بهيمة الأنعام.
الشيخ: كيف؟
الطالب: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
الشيخ: هل يخيَّر ولَّا على الترتيب؟
طالب: لا، إنما على الترتيب.
الشيخ: على الترتيب، توافقونه؟ أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الإخوان ما يوافقونك بالإجماع النطقي والسكوتي.
طالب: المثل بالمثل يا شيخ.
الشيخ: السؤال: هل هو على التخيير ولَّا على الترتيب؟
طالب: على التخيير.
الشيخ: على التخيير، بارك الله فيك، كيف ذلك؟
الطالب: إما أن يصوم.
الشيخ: الذي له مِثْل يُخَيَّر بين؟
الطالب: بين صيام ثلاثة أيام.
الشيخ: الله المستعان، أيش هذه؟ جبتها من كيسك.
الطالب: المثل يا شيخ، اسمحلي يا شيخ، إما أن يذبح المثل.
الشيخ: هذا واحد.
الطالب: إما يأتي بالبدل، يعني يقوَّم الْمِثْل.
الشيخ: بأيش؟
الطالب: بفلوس يا شيخ.
الشيخ: طيب ما يخالف.
الطالب: يقوَّم المثل.
الشيخ: إي نعم، يشتري بذلك طعامًا، يُطْعِم كل مسكين مُدًّا من بُرٍّ أو نصف صاع من غيره، الثالث؟
الطالب: يصوم عن صيام إطعام كل..
الشيخ: يصوم عن..
الطالب: كل مسكين يومًا.
الشيخ: تمام، صحيح، الدليل؟
طالب: قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ﴾.
الشيخ: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: 95].
الطالب: (ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من الصيد).
الشيخ: لا لا، بعد يقتل صيدًا ثانيًا؟ الله يهديك، ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ﴾.
الطالب: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: 95].
الشيخ: إذا لم يكن له مثل؟
طالب: إذا لم يكن له مثل فإنه الثاني.
الشيخ: يُخَيَّر بأيش؟
الطالب: بين الإطعام و..
الشيخ: وأيش؟
الطالب: وأن يصوم.
الشيخ: بين الإطعام والصيام، كيف الإطعام؟
الطالب: عن كل يوم مسكين.
الشيخ: يقوّم الصيد أولًا، يقوّم الصيد بثمن ويُشْتَرَى به طعام، يطعم كل مسكين مُدّ بُرّ أو نصف صاع من غيره، أو يصوم عن إطعام كل مسكين يومًا، أفهمتم؟ هذا جزاء الصيد.
حلق الرأس أو إزالة شعره ما هي فديته؟
طالب: إذا حلق رأسه يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: حديث كعب بن عجرة.
الشيخ: ما أعرفك الحديث، فديته أولًا وبعدين نستدل؟
الطالب: يسوق الفدية يا شيخ، أو يطعم ستة مساكين، أو ذبح.
الشيخ: أو؟
الطالب: أو شاة.
الشيخ: ترتيب أو تخيير؟
الطالب: ترتيب.
الشيخ: تخيير، كيف تخيير؟ تُخَيَّر بين صيام ثلاثة أيام وذبح شاة بأربع مئة ريال أو خمس مئة ريال.
الطالب: (... ).
الشيخ: أسألك هل هو تخيير ولَّا ترتيب؟
الطالب: تخيير.
الشيخ: تخيير؟ ما الدليل؟
الطالب: حديث كعب بن عجرة.
الشيخ: الدليل من القرآن؟
الطالب: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196].
الشيخ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، توافقون على هذا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الحمد لله.
بقي علينا الجماع قبل التحلل الأول في الحج، هذا صح عن الصحابة أنهم قضوا فيه ببدنة فنتبعهم.
نبدأ بالدرس الجديد الآن، يقول رحمه الله تعالى: (وأما دمُ متعةٍ وقِرَان فيجب الهدي، فإن عدمه فصيام).
إذن الهدي في دم المتعة والقِرَان على الترتيب: هَدْي، فإن لم يجد فصيام، الهدي يجب أن تعلموا أن كل دم مشروع فلا بد أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن المعتبر شرعًا، وأن يكون خاليًا من العيوب المانعة من الإجزاء، كل دم مشروع، عرفتم؟
إذن فقوله تعالى: ﴿مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ليس باعتبار سن الهدي، بمعنى أنه إن تَيَّسَر لك شيء ثَنِيٌّ فاذبحه، وإن تَيَسَّر رضيع فاذبحه، لا، ما استيسر من حيث ملك الثمن، ووجود الهدي؛ لأن كل شيء مشروع من الذبائح فلا بد أن يكون مشتملًا على ثلاثة شروط، وهي: أن يكون من بهيمة الأنعام، وأن يبلغ السن، وأن يكون خاليًا من موانع الإجزاء.
إذن يقول: (يجب الهدي، فإن عدمه)، قوله: (فإن عدمه) يعني: عدم الهدي، والمراد: عَدِمَهُ أو عَدِم ثَمَنَه؛ لأنه قد يكون الهدي موجودًا وليس عنده دراهم، وقد يكون عنده دراهم ولا يوجد هَدْي، لنفرض أن رجلًا عنده ملايين الدراهم لكن لم يوجد في مكة هَدْي، وهذا وإن كان بعيدًا لكن قد يكون، فهل نقول: إن هذا كعادم النقود؟
الجواب: نعم، وانظر إلى الآية الكريمة كما سنقرره، يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [البقرة: 196]، دليل ذلك قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، حذف المفعول به، لم يقل سبحانه وتعالى: فمن لم يجد هديًا، ولم يقل: فمن لم يجد ثمن الهدي، من أجل؟
طالب: العموم.
الشيخ: العموم، أي: فمن لم يجد الهدي، أو لم يجد ثمنه، ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196].
إذا قال قائل: الآية ظاهرة في أن مَن تمتع بالعمرة إلى الحج فعليه الهدي، فما بالنا نقول: دمُ متعةٍ وقِرَان؟
نقول: أما بالنسبة لدم المتعة فهو بالقرآن كما سمعتم، بالنسبة للقِرَان بالقياس على التمتع، وقيل: بل هو تمتع شرعًا، ولننظر، الآية الكريمة: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
إذن هناك فاصل بين العمرة والحج يحصل به التمتع، التمتع بماذا؟ بما أحل الله للإنسان لولا الإحرام، بمعنى أن الإنسان إذا حل من عمرته حلَّت له جميع محظورات الإحرام، فتمتع بهذا، وهذا واضح أنه يلزمه الهدي شكرًا لله عز وجل على هذا التمتع.
ولنضرب لك -مثلًا- برجل أحرم في خمسة عشر من ذي القعدة، أحرم بالحج، سيبقى مُحْرِمًا إلى؟ إلى يوم العيد، خمسة وعشرين يومًا، فإذا أحرم متمتعًا وحَلَّ من العمرة في أول يوم يقدم مكة كم يبقى متمتعًا؟
طالب: أربعة وعشرين يومًا.
طالب آخر: اثنين وعشرين يومًا.
الشيخ: اثنين وعشرين؛ لأنه سوف يبقى حِلًّا إلى اليوم الثامن من ذي الحجة، أفهمتم؟ وهذا واضح أنها نعمة وتيسير تستحق شكر الله عز وجل على هذا، وذلك بوجوب الهدي.
القارِن ليس كالمتمتع في الواقع؛ لأن القارِن سيبقى على إحرامه من حين أَحْرَم إلى يوم العيد، فلو أحرم القارن في خمسة عشر ذي القعدة بقي إلى يوم العيد مُحْرِمًا، أين التمتع؟ ما تمتع في الواقع، لكن قاسوه على المتمتع بأنه حصل له نُسُكَان في سفر واحد، فالتمتع هنا لسقوط أحد السَّفَرَيْن عنه مع حصول النُّسُكَيْن جميعًا.
ولهذا ضعَّف بعض أهل العلم إلحاق القارن بالمتمتع، وقال: إنه ليس عليه هدي؛ لأن لفظ الآية لا يدل عليه، والقياس فيه نظر، لو كان لفظ الآية: فمن تمتع بالعمرة والحج، لكان دخل القارن، ما فيه إشكال، لكن الآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
ولكن اعلموا أن قول جمهور العلماء أن القارن في وجوب الهدي كالمتمتع.
يقول رحمه الله: (فيجب الهدي)، كلمة (الهدي) عَرَّفَها بـ (أل) اتباعًا للقرآن الكريم، ولم يقل: فما استيسر من هديٍ، ولأجل أن يُعْرَف أن المراد بالهدي الهدي أيش؟ المعروف شرعًا، وهو الذي جمع الأوصاف الثلاثة التي سمعتم.
(فإن عدمه فصيام ثلاثة أيام) بنص القرآن: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
يقول: (والأفضل كون آخرها يوم عرفة)، يعني: فيصوم يوم عرفة، قال بعض أهل العلم: والأفضل أن يُحْرِم بالحج يوم السابع، من أجل أن تكون الأيام الثلاثة كلها في الحج، أي: بعد إحرامه بالحج، ولنا مناقشة في هذا.
نقول: أما المناقشة الأولى فقوله: (والأفضل كون آخرها يوم عرفة) مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَصُم يوم عرفة، ويوم عرفة ليس وقت صيام للحاج، بل قد رُوِيَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة (3)، فكيف نقول: الأفضل أن يصومه؟
ثانيًا: كونهم يقولون بتقديم الإحرام بالحج في اليوم السابع، مع أنه خلاف السنة، فإن الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأَحَلُّوا من إحرامهم متى أحرموا؟
طالب: الثامن.
الشيخ: يوم الثامن بلا شك، وأكثرهم فقير لا يجد الهدي، ومع ذلك ما أُمِرُوا بالصيام ولا صاموا فأُقِرُّوا، فيكون القول بتقديم الإحرام للحج قبل الثامن قولًا ضعيفًا.
إذن ما الْمَخْرَج من قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾؟
المخرج بَيَّنَه إمام المتقين عليه الصلاة والسلام فقال: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ» (4)، إذن فمن حين أن يُحْرِم بالعمرة وهو ناوٍ التمتع يدخل وقت صيام الأيام الثلاثة، وألحقت الشريعة صيام أيام التشريق بصيامها في الحج، فقالت عائشة رضي الله عنها وابن عمر رضي الله عنهما: لم يُرَخَّص في أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدي.
(5)
ثم قال: (وسبعة إذا رجع إلى أهله)، هذا الأفضل؛ ألَّا يصوم السبع إلا إذا رجع إلى أهله، وإنما شُرِعَ تأخيرها إلى أن يرجع إلى أهله من أجل التيسير والتسهيل؛ لأنه قد يشق على الناس أن يصوموا في سفرهم، لا سيما في أيام الحر الشديد مع طول الأيام، فقيل للناس: صوموا إذا رجعتم إلى أهليكم.
ولم يُبَيِّن المؤلف رحمه الله هل تصام الثلاثة والسبعة متتابعة، أو يجوز فيها التتابع والتفريق؟
وإذا أُطْلِق الصيام جاز فيه التتابع والتفريق؛ لأن هذا هو الأصل، كل صيام محدَّد بعدد إذا لم يعيَّن فهو أيش؟ على إطلاقه، تصوم ثلاثة أيام متتابعة أو متفرقة، تصوم سبعة أيام متتابعة أو متفرقة، حتى في كفارة اليمين، إذا لم يجد الإنسان إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فيصوم ثلاثة أيام، لكن قراءة ابن مسعود رضي الله عنه تحدِّد أن المراد صيام ثلاثة أيام متتابعة، ولولاها لقلنا: صيام الأيام الثلاثة في كفارة اليمين تجوز متتابعة ومتفرقة.
(وسبعة إذا رجع إلى أهله)، لو أحب أن يصوم قبل أن يرجع إلى أهله؟
نقول: لا بأس، بشرط ألَّا يكون صيام يوم واحد من السبعة في الحج؛ لأن الله لم يجعل الحج ظرفًا لصيام المتعة إلا في الأيام الثلاثة، ولهذا نقول: إذا فرغت من أعمال الحج وأنت في مكة فلا حرج عليك أن تصوم الأيام السبعة، بدليل أن الله حدَّد أيام الحج للأيام الثلاثة، فعُلِمَ من ذلك أن الأيام السبعة يدخل وقتها من حين انتهاء العمل في الحج.
ثم قال: (والمُحْصَر إذا لم يجد هديًا صام عشرة ثم حَلَّ)، الْمُحْصَر هو الممنوع من إكمال النسك، يعني: هو الذي يمنعه شيء من إتمام النسك، سواء كان مرضًا، أو عدوًّا، أو سلطة، أي شيء يمنع من إتمام النسك فهو أيش؟ إحصار؛ لأن الإحصار يعني المنع، ولكن هل الإحصار يشمل كل ما يمنع، أو هو الإحصار بالعدو خاصة؟ في هذا خلاف يأتي ذكره إن شاء الله.
فالواجب عليه الهدي؛ لأن قوله: (إذا لم يجد هديًا) يعني أن الواجب الهدي، فإن لم يجد؟ صام عشرة أيام ثم حَلَّ.
أما وجوب الهدي على الْمُحْصَر فواضح من القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196].
وأما صيام الأيام العشرة إذا لم يجد فلا دليل فيها لا من القرآن ولا من السنة، بل الدليل على خلافه، لكن الفقهاء رحمهم الله قاسوا ذلك على دم المتعة، قالوا: كما يجب على مَن لم يَجِدْ هديًا من المتمتعين أن يصوم العشرة أيام فهذا مثله، ولكن هذا قياس مع الفارق، وقياس في مصادمة السنة.
أما كونه قياسًا مع الفارق فلأن دم المتعة إنما يجب أيش؟ شكرًا لله، ودم الإحصار إنما يجب جبرًا لِمَا فات من النسك، والفرق بين هذا وهذا واضح، فكيف يُلْحَق دم الجبران بدم؟
طالب: الشُّكْرَان.
الشيخ: الشُّكْران، هذه واحدة، وأما كونه مخالفًا للسنة فمن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما أُحْصِرَ في الحديبية، معه الصحابة، ألف وأربع مئة نفر، هل كلهم مُوسِرُون؟ لا، بل فيهم الفقير قطعًا، ولم يُؤْمَرُوا بالصيام، ولا صاموا وأُقِرُّوا، فإيجاب صيام على المكلَّف بدون دليل صحيح ولا قياس صحيح لا يمكن، لا يمكن أن نقابل ربنا عز وجل بإيجاب شيء لم يوجبه الله لا في الكتاب ولا في السنة، ولا بالقياس الصحيح ولا بالإجماع، ولهذا كان الصحيح في هذه المسألة أن الْمُحْصَر إذا لم يجد هديًا سقط عنه إلى غير بدل.
(ويجب بوطءٍ في فرجٍ في الحج بدنة، وفي العمرة شاة)، الحج يجب فيه بدنة، إذا لم يجد ووجد سبع شياه أجزأ؟ نعم، إذا لم يجد شيئًا لا سبع شياه ولا بدنة، فقالوا: إنه يصوم عشرة أيام، وهذا قول لا دليل عليه، فنقول: إذا لم يجد سقط عنه كسائر الواجبات، العمرة يقول: يجب فيها شاة؛ لأن العمرة حج أصغر، فكان الواجب فيها فدية صغرى.
هذه الشاة يقولون: إنها كفدية الأذى، يُخَيَّر فيها بين ثلاثة أشياء: ذبح الشاة، إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، صيام ثلاثة أيام.
وكل ما أوجب شاة من المحظورات ما عدا جزاء الصيد فإن فديته فدية أذى، أما الْمُحْصَر فإنه قسم مستقل برأسه، وأما جزاء الصيد فكذلك.
قال: (وإن طاوَعَتْه زوجته لزمها) ويش لزمها؟
طالب: فدية.
طالب آخر: بدنة.
الشيخ: (لزمها) أي: لزمها ما وجب من فدية؛ بدنة في الحج، وشاة في العمرة، وفي نسخة: (لزماها)، ويكون الضمير عائدًا إلى؟
طلبة: إلى الشاة والبدنة.
الشيخ: إلى البدنة بالحج، والشاة في العمرة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل.. ومَن كَرَّر محظورًا من جنس ولم يَفْدِ فدى مرة بخلاف صيد)، انتبه لهذا الفصل من أهم الفصول.
إذا كَرَّر الإنسان محظورًا، فإن فدى عن الفعل الأول فدى عن الفعل الثاني، وهكذا، إن فدى عن الثاني وأعاده فدى عن الثالث، وإن لم يَفْدِ فدى مرة، فلو تطيَّب ثلاث مرات -على القول بوجوب الفدية- ولم يَفْدِ بماذا يفدي؟ مرة واحدة؟
طلبة: مرة واحدة.
الشيخ: مرة واحدة، لو جامَع زوجته ثلاث مرات ولم يَفْدِ ففدية واحدة؛ لأنه المكرَّر من جنسه.
يقول: (فدى مرة بخلاف صيد)، الصيد عليه الفدية بعدد الصيد، فلو رمى رمية واحدة وسقط من رميته خمس حمامات، كم يلزم؟
طلبة: خمس.
الشيخ: يا إخواني؟
الطلبة: خمس.
الشيخ: الله المستعان، الرمي واحد.
طلبة: بعدد الصيد.
طالب: جزاء ما قتل.
الشيخ: قتل خمسة فعليه خمس شياه، لو رمى حمامة وسقطت ميتة، ثم رمى حمامة أخرى وسقطت ميتة، ثم ثالثة، ثم رابعة، ثم خامسة، كم يجب عليه؟
طالب: خمس.
الشيخ: خمس، لماذا؟ لأن الله قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والمثلية في الكيفية والكمية، ولا يمكن أن نقول لشخص قتل خمس حمامات: ليس عليك إلا شاة، لو قلنا بهذا لم تتحقق.. أكمل.
طلبة: المثلية.
الشيخ: المثلية، وهذا واضح، كما لو قتل الإنسان خمس رقاب خطأ، وهذه تقع، أحيانًا يكون الإنسان يسوق السيارة، ثم أتاه النوم ونعس، وحصل الحادث بسبب نعاسه ومات معه عشرة، في هذا الحادث الواحد كم يلزمه؟
طلبة: عشر ديات.
الشيخ: عشر ديات واضح، كل أهل الديات تسامحوا، الكفارة؟
طلبة: عشرة.
الشيخ: عشر كفارات، يعني عشرين شهرًا.
يقول: (بخلاف صيد، ومَن فعل محظورًا من أجناس فدى لكلٍّ مرةً رفض إحرامه أو لا)، مَن فعل محظورًا من أجناس وجب عليه لكل فعل فدية، فلننظر ما تقول في الشعر والظفر على القول بأنهم من محظورات الإحرام؟
طالب: الشعر عليه فدية.
الشيخ: والظفر؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لبس مخيطًا؟
الطالب: عليه ثلاثة.
الشيخ: غطى رأسه؟
الطالب: عليه أربعة.
الشيخ: عليه أربعة، توافقونه؟ صحيح؛ لأن الجنس مختلف، مع أن الموجَب واحد، اللباس وتغطية الرأس والطِّيب والحلق والتقليم للأظفار كله موجبها واحد، ما هو؟ إما ذبح شاة، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام، ومع ذلك نقول: عليه لكل واحد فدية، مع أن الموجَب واحد.
وهذه المسألة، أولًا: كما تعرفون أن في إيجاب الفدية في غير ما ثبت به النص نظرًا.
والثاني: القاعدة في هذا -الشرعية- أنه إذا كان الموجَب واحدًا فلا يضر اختلاف الأجناس، ولذلك لو أحدث رجل ببول وغائط وريح وأكل لحم إبل ومس ذكره لشهوة، كم هذه؟
طالب: خمس.
الشيخ: خمسة موجبات، والموجَب واحد وهو الوضوء، هل نقول: توضأ خمس مرات؟ لا، فالقاعدة أنه إذا كان الموجَب واحدًا ألَّا تتكرر الكفارة أو الفدية، هذه القاعدة، لكن لعل الفقهاء رحمهم الله قالوا: احترامًا للإحرام والنسك وتعظيمًا لشعائر الله نُلْزِمُه عن كل جنس بكفارة، واضح؟
وقوله: (رَفَضَ إحرامه أو لا) يعني: حتى لو رفض إحرامه وقال: أشهدكم أني تحلَّلْت، ثم لبس وتطيَّب وفعل ما يفعله الْمُحِلُّون، هل تسقط الفدية؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، وهذا من خصائص الحج، كل العبادات إذا رفضها الإنسان خرج منها، إذا كان صائمًا وفسخ نية الصيام؟ أفطر، إذا صلى وفسخ نية الصلاة؟
طالب: بطلت.
الشيخ: بطلت وخرج منها، إلا الحج، الحج من خصائصه أنه لا يرتفض إذا رفضه الناس، وكذلك العمرة، ولهذا قال: (رفض إحرامه أو لا).
طالب: هل يُفَرَّق في العمرة بين ما لو جامَع قبل الطواف والسعي أو بعدهما وقبل الحلق؟
الشيخ: إي نعم، من جهة الفدية ما فرَّقُوا بينهما، لكن من جهة أنهم يقولون: إن العمرة لها تحلُّلَان؛ تحلُّل أول بالطواف والسعي، وتحلُّل ثانٍ بالحلق أو التقصير، وبناءً على هذا لو جامع بعد الطواف والسعي لم تفسد العمرة، لكن عليه الفدية.
الطالب: الفدية شاة في كل حال؟
الشيخ: الفدية واجبة في كل حال.
الطالب: شاة قصدي.
الشيخ: هاه؟
الطالب: شاة أو بدنة.
الشيخ: لا يا أخي، ما فيه بدنة.
الطالب: البدنة في العمرة.
الشيخ: العمرة ما فيه بدنة، حطها في بالك، إلا في الوطء قبل التحلُّل الأول في الحج، غير هذا ما فيه إلا شاة، وكل ما أوجب شاة ففديته؟
طلبة: فدية أذى.
الشيخ: فدية أذى.
طالب: شيخ بارك الله فيك، رَجَّحْنا الليلة الماضية أن الإنسان إذا أنزل من المباشرة فعليه فدية، فدية أذى، أشكل عليَّ وجه إلزامه (... ) القياس على البلوغ؟
الشيخ: نعم، هذه نقول فيها مثل ما قلنا في غيرها، لكن هذه نظرًا إلى أن محظور المباشرة من أعظم المحظورات ناسَبَ أن نلزمه بفدية فقط.
طالب: بارك الله فيك يا شيخ، ذكرنا إذا كان الموجِب واحدًا لا تتكرر.
الشيخ: الموجَب.
الطالب: لا تتكرر بعده.
الشيخ: لا أيش؟
الطالب: لا تتكرر -مثلًا- الفدية، كيف نقول: إذا كان حلق رأسه وقَلَّم تتكرر؟
الشيخ: هذا قاعدة المذهب.
الطالب: إي، الدليل على المذهب.
الشيخ: لكن قلنا لكم: إن هذا يخالف القاعدة المعروفة.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، ما قولكم فيمن يقيس ذَبْح الهدي قبل الوقوف بعرفة قياسًا على الصيام؟
الشيخ: كلمة (ما قولكم) غير لائقة في هذا المقام، الصواب أن تقول: لو فعل كذا فما الحكم، ولذلك سنحرمك من الإجابة تعزيرًا.
طالب: شيخ أحسن الله إليكم، إذا وطأ زوجته؟
الشيخ: إذا؟
الطالب: إذا وطأ المجامِع إذا عجز عن بدنة هل ينتقل إلى الشاة أم ماذا؟
الشيخ: لا، يقول: يصوم عشرة أيام، لكن لو قيل بأنه إن وجد شاة فدى بها وصام عشرة أيام، لو قيل بهذا لكان له وجه، لكن ما حَرَّرْناه.
طالب: بالنسبة للفدية المحظورة المكررة يا شيخ.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: من جنس واحد، لو تعمَّد تأخير أداء الفدية يا شيخ؟
الشيخ: ماذا تقولون في كلامه، يقول: الْمُكَرَّر من جنس واحد تكفيه كفارة واحدة، لو تعمَّد أن يؤخر علشان يجمعهن كثيرًا؟
طالب: يعاقب بنقيض قصده.
الشيخ: الظاهر أنه كما قال الإخوان: نعاقبه بنقيض قصده، إذا كان تعمد، أما لو كان جرى الأمر هكذا تساهَل في الأول، ثم أعاد المحظور فهذا كما قال الفقهاء رحمهم الله.
طالب: هدي التمتع قلنا: على الترتيب، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، رجل صام ثلاثة أيام مع أنه واجد، يعني يجد الهدي جهلًا منه، فماذا عليه؟
الشيخ: لا يجزئه.
الطالب: يعيد؟
الشيخ: لا، ما يعيد، يذبح شاة، حتى لو خرج الوقت وتكون قضاءً.
طالب: أحسن الله إليك، لو لم يجد الهدي لكن وجد مَن يقرضه فهل له؟
الشيخ: لا يلزمه الاقتراض، إذا لم يجد دراهم معه ووجد مَن يقرضه فإنه لا يلزمه الاقتراض، لا سيما إذا لم يكن عنده ما يثق به من الوفاء.
طالب: شيخ حفظك الله، المتمتع الذي لم يجد الهدي.
الشيخ: نعم.
الطالب: تعبير القرآن يقول الله عز وجل: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
الشيخ: نعم.
الطالب: لو قال قائل: إن هذا قَيَّدَتْه السنة بأنه لا بد أن يكون من أيام التشريق؛ لأنها مُحَرَّم صومها، فلما استبيح الْمُحَرَّم دل على أنه واجب.
الشيخ: نعم.
الطالب: فلا يجوز أن تصام إلا في أيام التشريق؟
الشيخ: كلمة (لم يُرَخَّص) (5) يدل على أن المسألة من باب التيسير، وليس من باب الوجوب.
الطالب: لكن حفظك الله أصل صومها مُحَرَّم.
الشيخ: نعم، لكن رُخِّص فيه، والترخيص يدل على أن الأولى عدم ذلك.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا نظرنا الدليل على جزية قتل الصيد يا شيخ بدون استثناء، قلنا: هذا وجوب على مَن كان على (... )، وإذا نظرنا بدليل المضطر له وجه ثانٍ يا شيخ، إذا نظرنا للدليل في قتل الصيد من دون استثناء نقول: يلزم مَن قتل الصيد لو أنه مضطر فدية، وإذا نظرنا إلى الضرورة اللي تبيح مثل الميتة هذه لها حكم ثانٍ يا شيخ، أشكل عليَّ الحكمان.
الشيخ: ويش الإشكال؟
الطالب: الإشكال يا شيخ الضرورة حِلّ للإنسان..
الشيخ: إذا اضطر إلى قتل صيد.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: فقتله، هل قتله لمصلحته؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: لمصلحته هو.
الطالب: إي نعم.
الشيخ: نقول: إذن عليك الجزاء، كما أن الإنسان إذا اضطر إلى حلق الرأس للأذى من قمل أو غيره لزمته الفدية، مع أنه يباح له في هذه الحال.
الطالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، لكن الضرورة..
الشيخ: إحنا ذكرناها لكم البارحة؟
طالب: نعم.
الشيخ: ويش اللي ذكرنا؟ احتمالين.
طالب: أقول: الضرورة تُحِلّ يا شيخ الميتة؟
الشيخ: نعم: لأننا ما نقول: إنه حرام عليك، مت ولا تقتل الصيد، نقول: اقتل الصيد والحمد لله، الله قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، لكن أنت قتلته لمصلحة نفسك فعليك فديته.
نستمر في الدرس، قال المؤلف رحمه الله، فهمنا من كلام المؤلف: (رفض إحرامه أو لا) أنه لو رفض الإحرام فإنه؟
طالب: لا يرتفض.
الشيخ: لا يرتفض، ولا يخرج منه، وهذا شيء يخالف به الحجُّ سائرَ العبادات، وهو يخالفها في أشياء كثيرة؛ فيما يتعلق بالنية، الصلاة لو صلى صلاة هكذا مُبْهَمَة ما صح إلا نفلًا، والحج يصح أن يُحْرِم بنسك مبهم، وأن يُحْرِم كما أحرم فلان، وما أشبه ذلك.
قال: (ويسقط بنسيانٍ فديةُ لبسٍ وطِيب وتغطية رأس دون وطء وصيد وتقليم وحلق)، هذه الجملة هل تسقط الفدية بالنسيان أو لا؟ هل تسقط بالجهل أو لا؟ هل تسقط بالإكراه أو لا؟ أفهمتم؟
هذه ثلاثة أشياء، المؤلف رحمه الله فَرَّقَ بين المحظورات، ونحن نذكر قاعدة قبل أن نبدأ بكلام المؤلف.
القول الراجح أنه تسقط الفدية وكل مستلزمات المحظور بالجهل والنسيان والإكراه؛ لعموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5]، والجاهل لم يتعمد المخالفة، لم يتعمد انتهاك الحرام، وكذلك الناسي، الْمُكْرَه كذلك.
وأيضًا هناك دليل خاص في أقوى المحظورات فديةً، وهو؟ الصيد، فإنه أقوى المحظورات فدية، وإن كان الجماع أعظمها، لكن هذا أقواها؛ لأن الله حدَّد فديته، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾، فيكف يكون هذا القيد من رب العالمين عز وجل الذي إليه الحكم ونحن نوجِب على عباد الله الجزاء وإن لم يكن الإنسان متعمدًا؟
والعجب أن الزهري رحمه الله قال: واجب -يعني: إذا كان ناسيًا- بالسُّنَّة، يجب على المتعمد بالكتاب، وعلى الناسي بالسنة، أين السنة؟ ما فيه، ما فيه إلا بيان الجزاء، وأما بيان حكم وقوعه من الفاعل لم يأتِ بالسنة، السنة موافقة للقرآن: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (6)، هذا هو الصواب؛ أن جميع المحظورات إذا فعلها الإنسان ناسيًا أو جاهلًا أو مُكْرَهًا فلا شيء عليه؛ لا إثم، ولا فدية، ولا جزاء، أفهمتم هذه؟
وهذه القاعدة منين أخذناها؟ من كلام مَن؟ من كلام الله عز وجل، ما هو من المؤلف فلان ولا المؤلف فلان، ممن له الحكم وإليه الحكم، ونحن مطمئنون غاية الطمأنينة ما دمنا أخذناه من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ولكن متى زال العذر وجب الالتزام، انتبه هذه القاعدة الثانية: متى زال العذر وجب الالتزام، فإذا كان نسيانًا وتذكَّر يجب أن يلتزم، فإذا كان -مثلًا- غطى رأسه ناسيًا ثم ذكر، ماذا يجب عليه؟
طالب: أن يكشف رأسه.
الشيخ: أن يكشفها، وإذا تطيَّب ناسيًا ثم ذَكَر يجب أن يغسلها.
فإذا قال قائل: كيف يغسل الطِّيب؟ إذا غسله تلوَّثَت يداه، قلنا: هذا التلوث لإزالة الطيب وليس لاستبقاء الطيب، كما أن الإنسان إذا تغوَّط يمس الغائط بيده، ليش؟
طالب: لإزالته.
الشيخ: لإزالته، ففرْق بين أن يَعْلَق الطيب بيده لإزالة الطيب، وبين أن يتقصد ذلك، إذن القاعدة الثانية ما هي؟
طلبة: إذا زال العذر وجب الالتزام.
الشيخ: إذا زال العذر وجب الالتزام، إنسان ما يدري يظن أن الإنسان يجوز أن يغطي رأسه إذا احترّت الشمس فجاءه رجل وقال: يا فلان ويش هذا؟ ما يجوز، هل يجب عليه أن يزيله؟
طالب: نعم.
الشيخ: نعم، يجب أن يكشف رأسه وهكذا بقية المحظورات في كل عبادة، متى زال العذر وجب الالتزام، نرجع إلى كلام المؤلف.
يقول رحمه الله: (ويسقط بنسيان فدية لبس) يعني: لو لبس الإنسان قميصًا أو سراويل أو عمامة أو خُفًّا ناسيًا سقطت الفدية، وهذا مبني على أيش؟ على القول بوجوب الفدية، أما إذا لم نقل بوجوب الفدية فلا إشكال في هذا، أصلًا لا تجب عليه، كذلك الطِّيب، لو نسي فتطيَّب سقطت الفدية، كذلك تغطية الرأس لو نسي وغطَّى رأسه سقطت الفدية، والرابع: (دون وطء).
إذن ثلاثة: اللبس والطيب وتغطية الرأس، ومثله النقاب للمرأة ولبس القفازين؛ لأن المعنى واحد.
(دون وطء وصيد وتقليم وحلق)، هذه أربعة لا تسقط لا بالنسيان، ولا بالجهل، ولا بالإكراه، إلا ما سبق ويأتي، لو أن الإنسان وطئ جاهلًا لا يدري أن الوطء حرام، وكون الْمُحْرِم لا يدري أن الوطء حرام بعيد، لكن قد يطأ متأوِّلًا.
مثاله: إنسان بعد أن انصرف من عرفة وبات في مزدلفة ظنّ أن قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» (7)، وقوله لعروة بن مُضَرِّس: «وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (8)، ظن أن الحج انتهى، فجامَع زوجته ليلة العيد في مزدلفة، عليه الفدية أو لا؟
طالب: عليه.
الشيخ: على كلام المؤلف؟ عليه الفدية، لماذا عليه الفدية؟ قالوا: لأنه إتلاف، أيش لون إتلاف؟ ويش أتلف؟ قالوا: لأنه لو كانت بكرًا لأتلف بكارتها، لكن هذه له أربعون سنة معها، ما هي بكر، ويقولون: نعم، نحمل هذا على هذا، وهذا كما ترى ضعيف جدًّا.
وقالوا: إن وطء المرأة بشبهة يوجِب المهر، والشبهة جهل، فلما أوجب المهر يوجِب الفدية، والفرق ظاهر، الوطء بشبهة إذا أوجبنا فيه المهر فالمهر لمن؟
طالب: للموطوءة.
الشيخ: إي: للموطوءة، لكن لحق آدمي، أما حق الله عز وجل فالله تعالى أوسع عفوًا من خلقه فيسقط بالجهل، الثاني: الصيد، لو أن الإنسان صاد صيدًا مُحَرَّمًا في الإحرام ناسيًا فعليه؟ الجزاء، لماذا؟ قالوا: لأنه إتلاف، والإتلاف يستوي فيه الجاهل والناسي.
فنقول: نعم، إتلاف حق الآدمي واضح أنه يستوي فيه الجاهل والناسي، لكن إذا كان الحق لله، وقد عفا عز وجل عن عباده إذا وقعت منهم مخالفة نسيانًا، كيف نلزمهم؟ وكيف نلزمه والآية صريحة: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾؟ وهذا لم يتعمد، نسي أنه مُحْرِم، أو نسي أن الصيد حرام، المؤلف يقول: (لأنه إتلاف).
تقليم الظفر، لو أن الإنسان مثلما يفعل بعض الناس الآن يعض ظفوره ولَّا لا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: تشوفون الناس؟ إنسان ناسٍ قام يعض في الظفر، عض الإبهام ثم السبابة ثم الوسطى، ثلاثة، الثلاث فيهم دم ولَّا؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيهم دم، وهو ناسٍ، فقال له صاحبه: يا فلان ليش؟ قال: والله نسيت إني مُحْرِم، نقول: يلزمك شاة، وهو ناسٍ، ليش؟ قالوا: لأنه إتلاف، إتلاف أيش؟ ويش يسوى الظفر؟ لا شيء.
بل أنتم تقولون: إننا ألحقنا تحريم حلق الأظفار بالتَّرَفُّه بالطِّيب ونحوه، والطيب تقولون: إنه إذا تطيب ناسيًا لا شيء عليه، فمن عجب أن يكون الفرع أشد من الأصل، ومعلوم لكل أحد أن الأظفار ما لها قيمة، وأننا إن منعنا منها فمن أجل أيش؟ التَّرَفُّه، والتَّرَفُّه من أقوى ما يكون ترفُّهًا الطيب، وقد سقطت فديته بالنسيان، فهذا من باب أولى.
والحلق، لو أن إنسانًا نسي وحلق شعرًا من رأسه وأقلُّه كم؟ ثلاث على كلام الفقهاء رحمهم الله، أو من أي بدنه، أو من أي مكان من بدنه ناسيًا فعليه الفدية، لماذا؟ قال: لأنه إتلاف، فيقال: هذا إتلاف لما لا قيمة له، بل إتلاف ما ينبغي إتلافه أحيانًا كشعر العانة والإبط مثلًا إذا قلنا بالتعميم.
فالحاصل يا إخواننا أن القول الضعيف كلما قَلَّبْتَه ازداد ضعفًا، وتَبَيَّن أنه ليس له أصول ينبني عليها، وعندنا قاعدة -والحمد لله- أعظم من الجبل، وأقوى من الحجارة، وهي قول الله تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، فقال الله تعالى: قد فعلت، وما دام هذا كلام الله عز وجل فلا قول لأحد بعد قول الله ورسوله.
ثم قال: (وكل هَدْي أو إطعام).
طالب: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.
الشيخ: نعم.
الطالب: تعمَّد التأخير إذا رجع إلى أهله؟
الشيخ: الظاهر لا، إنه واجب على التراخي، لكن ينبغي أن يبادر؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له.
طالب: أحسن الله إليكم، قفازَا المرأة إذا كانَا لحاجة وتتكشف بدونهما؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: لبس القفازين؟
الشيخ: ما الحاجة، ما هي الحاجة؟ لبس القفازين للمرأة لحاجة، ما هي الحاجة؟
الطالب: إذا خلعتهما، قد يراها أحد.
الشيخ: لا، ما يراها، تستر بكم العباءة.
طالب: أحسن الله إليك، المحصور إذا رُدّ إلى وطنه بإحرامه ماذا يفعل؟
الشيخ: ما يُرَدّ؛ لأن المحصور إذا تعذر عليه الوصول إلى مكة يتحلَّل، يلبس ثيابه العادية، ويذبح الهدي.
الطالب: أحيانًا يعني بعض الناس للمخالفات تطاردهم منهم محرمون ويقبضون، وعلى طول يردونهم إلى بلادهم؟
الشيخ: هذا ما هو حصار، يتحلَّل والحمد لله، ومثل هؤلاء الذين يفعلون المخالفات ينبغي لهم أن يشترطوا: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، من أجل ألَّا يلزمهم دم، ثم هذه المخالفات يا إخوان أنا أعجب من بعض الناس، لكن أحب شيء إلى الإنسان ما مُنِعَ، تجده لولا المنع يمكن ما يحج، وإذا كان ممنوعًا فمخالفة ولاة الأمور مُحَرَّمة، إلا فيما يجب، فما يجب لا يمكن أن يُطَاعُوا فيه، وأما ما لا يجب فإذا نظمت الحكومة تنظيمًا فيه راحة الخلق فهذا حق أن يمتنع الناس منه، والحمد لله ما دام الحج نفلًا وطاعة ولي الأمر واجبة، وكما قلنا لكم قبل ليلة: إننا إذا أطعنا ولي الأمر لا نطيعهم لأنهم بشر، هم مثلنا، لكن نطيعهم لأنهم أولياء أمورنا، وقد أمرنا الله بطاعتهم في غير المعصية.
طالب: بالنسبة جزاء الصيد، إذا اختار الإنسان الصيام فهو يصوم عن كل مُدّ؟
الشيخ: عن إطعام كل مسكين يومًا.
الطالب: قلنا يا شيخ: المد نصف صاع.
الشيخ: نصف نصف الصاع.
الطالب: ليش اخترنا المد مع إنها نصف صاع للإطعام؟
الشيخ: يقولون: إن البُرّ أحسن من غيره، وأن قيمة الصاع من البُرّ تعادل قيمة صاعين من التمر أو أكثر، وهذا شيء الاختلاف فيه معروف، فإن معاوية رضي الله عنه لما قدم المدينة قال: أرى مُدَّيْن من هذه تساوي صاعًا، فتبعه الناس في هذا، ولكن بعض الصحابة قال: أنا لا أتبعه، أنا لا أزال أخرجه كما كنت أخرجه على عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم أبو سعيد الخدري رضي الله عنه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، إذا لزم الْمُحْرِم في فعل محظور فدية، والفدية تختلف الثمن من موضع إلى موضع، ومن زمن إلى زمن، رغم إذا أُخِّر في شراء الفدية أُخِذ بعض الثمن أو قَلّ بعض الثمن، فهل له أن يُؤَخِّر؟
الشيخ: إلى متى؟
الطالب: إلى ما بعد الحج.
الشيخ: إلى ما بعد الحج، هذا إذا كان الهدي يجب أن يُذْبَح في أيام الذبح، وهي يوم العيد وثلاثة أيام من بعده فلا يجوز أن يُؤَخِّر، ولو أَخَّرَ متعمدًا لم يجزئ، وأما إن لم يكن كذلك مثل فعل المحظور فله ذلك، لكنه لا ينبغي أن يفعل إلا إذا كانت الدراهم اللي معه قليلة ويخشى أن يضيق عليه.
الطالب: ويختلف من بلد إلى بلد؟
الشيخ: لا، ما فيه بلد إلى بلد، تبغي تذبحه هناك في أفريقيا ولَّا في جبل طارق، لا، هذا في مكة، دم الإحصار حيث وُجِدَ الإحصار، ولهذا ذبح النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم هَدْيَه في الحديبية.
فعل المحظور في مكانه، ويجوز في مكة، تَرْك الواجب لازم في مكة، هَدْي التمتع والقِرَان لازم في مكة، وانتبهوا أن ما يجب -هو سيأتينا إن شاء الله لكن أخونا استعجل- سيأتينا أن مكان الذبح في هدي التمتع هو الحَرَم، ولذلك لو ذبح الإنسان هدي التمتع في عرفة ما يجزئ، وهذا قد يفعله بعض الناس، يقول: مِنى فيها ضيق أَرُوح أطلع برة أذبحه في عرفة وأدخل به إلى منى، هذا لا يجزئ؛ لأن له مكانًا معينًا، جزاء الصيد كذلك لا بد أن يكون في الحَرَم.
طالب: إذا خطب الإنسان في الحج جاهلًا امرأة.
الشيخ: نعم.
الطالب: كيف تكون؟
الشيخ: لا يعقد عليها، ينتظر حتى يحل من نسكه ثم يعقد عليها.
الطالب: لكن أيش لو تَزَوَّج وحُكْم الزواج بعد، هل يجب عليه إعادة العقد؟
الشيخ: إي نعم، لو تزوَّج لوجب عليه إعادة العقد، كما لو صام قضاء رمضان في أيام التشريق جاهلًا فإنه يلزمه إعادة ما صام.
طالب: مَن اضطر إلى فِعْل محظور أو تَرْك واجب فهل تجب عليه الفدية؟
الشيخ: إي نعم، لأن مَن اضطر إلى فعل محظور كما سمعت في حديث كعب بن عجرة، مضطر ومع ذلك أُلْزِم بالفدية.
الطالب: المحظور الذي ارتكبه فيه إتلاف؟
الشيخ: ما هو بقيمة الشعر هذا، الشعر ما له قيمة، لكن انتهاك المحظور.
الطالب: لماذا يا شيخ ما نقيس الاضطرار على النسيان وعلى الجهل وغير ذلك من الأعذار؟
الشيخ: لأن المضطر يفعله متعمدًا لمصلحته، لمصلحة نفسه.
ارفع يدك، لا تلتفت جزاك الله خير، ارفع يدك.
طالب: بعض الحيوانات يا شيخ التي يجوز اصطيادها تعيش في البَرّ وفي البحر، فماذا يكون الحكم فيها؟
الشيخ: مثل أيش؟
الطالب: البط.
الشيخ: البط، هو يعيش في البحر البط؟
طالب: (... ) يعوم (... ).
الشيخ: يعوم صحيح، لكن ما يعيش في البحر، لو انغمس مات، لكن فيه شيء يعيش هنا وهناك، يقول العلماء رحمهم الله: إنه إذا كان يعيش في البَرّ والبحر فيغلَّب جانب الحذر، ويصير ممنوعًا.
طالب: أحيانًا يذبح الإنسان في أيام منى، وخاصة يوم العيد والذي بعده، بعض الناس يذبحون ويتركونه مكانه، وما يأكله أحد الهدي الذي ذبح، هل هذا يجزئ؟
الشيخ: لا يجزئ، هذه مسألة سمعتموها، بعض الناس يذبح الهدي في منى ويتركه ولا أحد يأخذه، نقول: لا يجزئه، لأنه يحب أن يطعم منها الفقراء، ﴿أَطْعِمُوا﴾ [الحج: 28]، يجب، والحقيقة أن الناس يتركون ذلك إما كسلًا وإما تعبًا؛ لأنه مع الزحام الشديد يتعب، ولكن نقول: الحمد لله الأمر واسع، اقطع يدها أو رجلها، وخذها معك، وأي فقير تلقاه أعطها إياه، ويكفي، أفهمت؟
طالب: حكم مَن أَخَّر صيام الأيام السبعة حتى حج من العام المقبِل؟
الشيخ: نعم، يصومه.
الطالب: متى يصومه؟
الشيخ: يصومه متى شاء، لكن ما هي على الفور.
طالب: القول بأن السفر من مكة للمزدلفة سفر؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: القول بأن السفر من مكة إلى المزدلفة سفر، فهل له أن يبقى أيام تمتعه فيها ويعتبر متمتعًا؟
الشيخ: كيف؟
الطالب: هل له أن يبقى أيام تمتعه فيها؟
الشيخ: هو من أهل جدة هو؟ أهل جدة إذا رجعوا إليها ثم عادوا مُحْرِمِين بالحج بطل تمتعهم؛ لأنه إذا رجع المتمتع إلى بلده بطل تمتعه.
الطالب: أليس العبرة بالبلد لأنها سفر؟
الشيخ: لا، مطلقًا؛ لأنه جَدَّد سفرًا إلى مكة، وهو إذا انطلق من جدة إلى مكة بيصل إلى عرفة، أهل مكة كانوا مسافرين مع الرسول عليه الصلاة والسلام في الحج، وهم أقرب إلى عرفة من أهل جدة.
طالب: (... ).
الشيخ: يكون مُفْرِدًا.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى في كتاب المناسك في باب الفدية: وكل هَدْي أو إطعام فلمساكين الحرم، وفدية الأذى واللبس ونحوهما ودم الإحصار حيث وُجِدَ سببه، ويجزئ الصوم بكل مكان، والدم شاة أو سبع بدنة، وتجزئ عنها بقرة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إذا كَرَّرَ الْمُحْرِم محظورًا فهل تتكرر الفدية؟
طالب: على كلام المؤلف إذا كان المحظور من جنس واحد، فإن فَدَى عن الأول يفدي لكل محظور، وإن لم يَفْدِ يكفيه فدية واحدة.
الشيخ: أحسنت، إذا كَرَّر جنس واحد فإن فدى عن الأول؟
طالب: فدى عن الثاني.
الشيخ: فدى عن الثاني، وإلا فدى عن الجميع فدية واحدة، لكن لو أَخَّر الفدية لئلا تتكرر؟
طالب: إذا أَخَّر الفدية فإنه يعاقب بنقيض قصده.
الشيخ: كيف يعاقب بنقيض قصده؟
الطالب: يُلْزَم لكل واحد فدية.
الشيخ: يُلْزَم لكل واحد فدية؛ لأن التحيل على إسقاط الواجب لا يسقطه.
إذا احتاج إلى تغطية الرأس فغطَّى رأسه ثم كشفه عند النوم ثم قام وغطاه، هل تتكرر الفدية أو لا؟
طالب: من فعل ذلك لا تتكرر الفدية.
الشيخ: لماذا؟
الطالب: هو أصلًا فعله لحاجة، فأبيحت له في (... ).
الشيخ: تمام، إذا فعله لا تتكرر الفدية؛ لأنه فعله لحاجة فارتفع عنه تحريم هذا المحظور.
لو رفض إحرامه لئلا يلزمه الفدية ماذا تقول؟
طالب: لا يتبرأ من الإحرام.
الشيخ: لا يقع الرفض، يعني يبقى على إحرامه، حتى لو قال: أشهدكم أني فسخت نسكي، توافقون على ذلك؟
طلبة: نعم.
الشيخ: هذا ما مشى عليه المؤلف رحمه الله.
لو كان صغيرًا ورفض إحرامه؟
طالب: لو كان صغيرًا؟
الشيخ: نعم.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، هو عشر سنوات ولَبَّى، قال: لبيك عمرة، أو لبيك حجًّا؟
الطالب: في وقتنا هذا له ذلك.
الشيخ: في وقتا هذا له ذلك، وقبل هذا الوقت؟
الطالب: (... ).
الشيخ: المهم أعطنا جوابًا محددًا؟
الطالب: على كلام المؤلف أنه لا يَحِلّ؛ صغيرًا أو كبيرًا.
الشيخ: أحسنت، تمام، على كلام المؤلف وهو المذهب أنه حتى لو كان صغيرًا يُلْزَم بالإكمال، القول الثاني؟
طالب: له ذلك.
الشيخ: له ذلك.
الطالب: لا يُلْزَم بإتمامه.
الشيخ: لا يلزم بإتمامه لأنه؟
الطالب: لا يجب عليه أصلًا.
الشيخ: غير مكلَّف، ما هو لم يجب عليه أصلًا، غير مكلَّف، وإلا لو قلنا بتعليلك لقلنا: إن النفل يجوز فسخه، هل تعدّ العمامة تغطية رأس أو لبْسًا؟
طالب: هي لبس وتغطية رأس.
الشيخ: لبس وتغطية رأس؟ يعني إذن لو لبس قميصًا ولبس عمامة لزمه فديتان؟
الطالب: (... ).
الشيخ: الجنس، إذا قلنا: إنها لباس صارت من جنس القميص، وإن قلنا: إنها تغطية رأس، صارت جنسًا آخر.
الطالب: ولا يلزمه إلا فدية واحدة عليه.
الشيخ: المهم، أتقول: إنها لباس أو لا؟
الطالب: لباس.
الشيخ: لباس، إذن لو لبس قميصًا وعمامة لم يلزمه إلَّا؟
الطالب: فدية واحدة.
الشيخ: فدية واحدة، ويدل لهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْعَمَائِمَ» (9)، فجعلها من باب اللبس.
ما هي المحظورات التي تسقط بالنسيان؟
طالب: المحظورات التي تسقط بالنسيان؟
الشيخ: تسقط فديتها بالنسيان.
الطالب: تغطية الرأس، وتقليم الأظافر.
الشيخ: خطأ، نريد أن نقرِّر أولًا كلام المؤلف.
الطالب: تغطية الرأس، والتطيب.
الشيخ: نعم.
الطالب: ولبس المخيط.
الشيخ: ولبس المخيط، كلمة (المخيط) قلنا: إننا رفضناها، واللبس؟
الطالب: واللبس المحظور يعني.
الشيخ: واللبس المحظور، والذي لا يسقط؟
طالب: تقليم الأظفار، والصيد.
الشيخ: الصيد.
الطالب: وإزالة الشعر.
طالب آخر: الوطء.
الشيخ: والوطء، ما هو القول الراجح في هذا؟
طالب: أن الناسي والْمُكْرَه والجاهل ليس عليهم فدية.
الشيخ: ليس عليهم فدية مطلقًا في كل المحظورات؟
طالب: إلا الصيد.
الشيخ: إلا الصيد.
طالب: إذا صاده لنفسه.
الشيخ: لا لا، إنسان جاهل أو ناسٍ أو مُكْرَه.
الطالب: نعم كل المحظورات.
الشيخ: كل المحظورات؟
الطالب: نعم.
الشيخ: لا يُسْتَثْنَى شيء؟
الطالب: نعم.
الشيخ: عندك معارضة؟
طالب: إي نعم، الصيد يا شيخ.
الشيخ: الصيد إذا صاده ناسيًا فعليه الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾.
الطالب: نعم؛ لأن الصيد يا شيخ إذا كان بالعمد هذا جاهل ما هو ناسٍ، أقول: متعمدًا؟
الشيخ: إي، متعمد.
الطالب: المتعمد للشيء ما عليه شيء.
الشيخ: ما عليه شيء، المتعمد ما عليه شيء.
الطالب: لا، أقول.
الشيخ: اعكس تصل.
الطالب: يعني ما هو متعمد.
الشيخ: السؤال الآن ناسيًا، رجل نسي لما رأى الصيد انزعج، وعلى طول أخذ البندق ورماه، ناسيًا؟
الطالب: ما عليه شيء يا شيخ.
الشيخ: ما عليه شيء؟
الطالب: بدليل الآية يا شيخ.
الشيخ: إي، أحسنت، إذن القول الراجح: إن جميع المحظورات في الإحرام، والمحظورات في الصيام، والمحظورات في الصلاة وفي جميع العبادات يسقط إثمها بالجهل والنسيان والإكراه، ويسقط ما يترتب على فعله من فدية أو جزاء، أفهمتم؟ أو جزاء أو كفارة.
قال: (وكل هَدْيٍ أو إطعام فلمساكين الحرم)، (كل هدي)، ما الهدي؟ الهدي التمتع، وهَدْي القِرَان، وهَدْي ترك الواجب، هذا كله لمساكين الحرم، أي: لفقراء الحرم، وليس لفقراء أهل مكة فقط، بل لفقراء الحرم، كل ما كان داخل حدود الحرم فإنهم يستحقون هذا، هَدْي التمتع لِمَن؟
طالب: فقراء الحرم.
الشيخ: نعم، لفقراء الحرم، لكن يجوز نقله إلى مكان آخر؛ لأن هَدْي التمتع للإنسان أن يتصرف فيما زاد على الواجب، إذ إنه يُؤْكَل منه ويُهْدَى ويُتَصَدَّق.
ترك الواجب؛ الدم الواجب لترك الواجب أين مكانه؟ لفقراء الحرم، ولا يجوز نقله عنه، لماذا؟ لأن الهدي الواجب لترك الواجب مثل الكفارة؛ لا يملك الإنسان منه شيئًا، وإذا كان لا يملك منه شيئًا وجب أن يُسَلَّم إلى أهله وهم أهل الحرم.
وقوله: (أو إطعام) يعني: أو إطعام بدل الهدي، وذلك في جزاء الصيد، الإطعام يجب في جزاء الصيد إذا لم يأتِ بجزاء المثل، فأين يكون؟ يكون لفقراء الحرم.
وقوله: (لمساكين الحرم) يعني: للمساكين الذين في الحَرَم، وليس يلزم أن يكونوا من أهل الحرم، وعلى هذا فالفقراء الآفاقِيُّون في الحرم يُعْطَوْن من هذا الهدي.
(وفدية الأذى واللبس ونحوهما، ودم الإحصار حيث وُجِدَ سببه)، هذه الأشياء فدية الأذى واللبس ونحوهما، ولو قال المؤلف: وفدية المحظورات، جميع المحظورات تكون حيث وُجِدَ سببها.
مثال ذلك: رجل أحرم من ذي الْحُلَيْفَة، في أثناء الطريق ارتكب محظورًا تجب فيه الفدية، أين تكون؟ في نفس المكان؛ لأنه المكان الذي وقعت فيه المخالفة، فكان جزاء المخالفة لأهل المكان، لو أراد نقله إلى الْحَرَم فلا حرج؛ لأن هذا هو الأصل، الأصل أن كل ما يتعلق بالإحرام في الحَرَم، لكن لما كان ارتكاب المحظور في مكان وحصل فيه المخالفة قلنا: لا بأس أن تجعله في مكان المخالفة، إذن الدم الواجب لفعل محظور يكون؟
طالب: حيث وُجِدَ.
الشيخ: حيث وُجِدَ سببه، دم الإحصار كذلك يكون حيث وُجِدَ سببه، ومن المعلوم أن الإحصار في الغالب لا يمكن أن يصل إلى الحرم، لكن ربما يُحْصَر عن دخول مكة، يعني بين حدود الحرم ومكة، فنقول: يُذْبَح حيث وُجِدَ سببه.
ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما حَصَرَهُ المشركون في عمرة الحديبية أمر بذبح الْهَدْي في المكان، فذبحوه في المكان، هذا دليل واضح، ولا يُلْزَم أن ينقله إلى مكة؛ لأنه محصور عنها، لو أراد أن يذبح فدية المحظور أو تَرْك الواجب في بلده وقال: إن بلدنا أشد حاجة من أهل مكة، يجوز؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا يجوز؛ لأننا قلنا: هدي التمتع والقِرَان وفدية تَرْك الواجب وجزاء الصيد أربعة كلها تكون؟ في مكة، في الحرم أعم من مكة، المحظورات غير جزاء الصيد تكون حيث وُجِدَ سببها، ويجوز في مكة، دم الإحصار؟
طالب: حيث وُجِدَ سببه.
الشيخ: حيث وُجِدَ سببه، ولا سبيل إلى الوصول إلى مكة، ما الذي أخرج جزاء الصيد عن فدية بقية المحظورات؟ أخرجه النص في القرآن، كما قال عز وجل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، وما دام فيه النص فإنه يجب الوقوف على ما جاء به النص.
قال: (ويجزئ الصوم بكل مكان)، معلوم؛ لأن الصوم ما فيه حظ لأحد حتى نقول: يراعى المكان، فيجزئ الصوم بكل مكان، فلو صام الإنسان عن فدية الأذى ثلاثة أيام في غير مكة، وفي غير فعل المحظور، لنفرض أنه فعل المحظور ثم سافر إلى جدة وصام هناك، يجوز؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يا إخواننا؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: فَعَل المحظور في مكة وسافر إلى جدة وصام، يجوز؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إي، تمام؛ لأن الصوم نفعه لا يتعدى فيجزئ بكل مكان.
قال: (والدم شاة أو سُبْع بدنة ويجزئ عنها بقرة)، الدم إذا أُطْلِق في كلام الفقهاء فهو شاة، والشاة إذا أُطْلِقَت فهي الواحدة من الضأن والمعز، ذكور أو إناث، فكلما قرأت في كتب الفقهاء: عليه دم، عليه دم، يجب دم، فالمراد ما ذكره المؤلف: (شاة) أي: واحدة من المعز أو الضأن من ذكور أو إناث.
(أو سُبْع بدنة) أي: بعير.
الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: «انْسُكْ شَاةً» (10)، وأنه جعل البعير يشترك فيها سبعة أشخاص، كما قال جابر: نَحَرْنَا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (11).
(وتجزئ عنها) أي: عن البعير (بقرة)، وهل يجزئ عن البعير سبع شياه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، يجزئ، وظاهر كلام المؤلف حتى في جزاء الصيد، وفي هذا نظر؛ لأن الله تعالى أوجب في جزاء الصيد أيش؟ الْمِثْل؛ ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وما أوجبه الله ورسوله فليس لنا أن نتعداه، فلو أراد أن يذبح عن النعامة بقرة، على ما يفيده كلام المؤلف الآن يجزئ، ولكنا نقول: هذا مخالف لظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن أن تذبح عن النعامة أيش؟
طالب: نعامة.
الشيخ: نعامة؟
طلبة: بدنة.
الشيخ: بدنة، هل يجزئ عن سَبْع عقائق بقرة أو بدنة؟
طالب: لا يا شيخ.
الشيخ: إنسان عنده سبع بنات لم يعق عنهن، فذبح عنهن بعيرًا، يجزئ أو لا؟
طالب: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ، لو ذبح بعيرًا عن واحدة، عقيقة واحدة، فقيل: إنها لا تجزئ؛ لأن هذا خلاف ما عَيَّنَه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: إنها تجزئ؛ لأنها خير من الشاة.
ثم قال المؤلف: ﴿باب جزاء الصيد﴾.
(باب جزاء الصيد)
في النَّعَامةِ بَدَنَةٌ وحِمارِ الوَحْشِ وبَقرتِه والإبلِ والثَّيْتَلِ والوَعْلِ بقرةٌ، والضَّبُعِ كَبْشٌ، والغزالةِ عَنْزٌ، والوَبْرِ والضَّبِّ جَدْيٌ، واليَرْبُوعِ جَفْرَةٌ، والأَرْنَبِ عَناقٌ والحمامةِ شاةٌ.
(باب: حكم صيد الحرم)
يَحْرُمُ صَيْدُه على الْمُحْرِمِ والحلالِ، وحُكْمُ صَيْدِه كصَيْدِ الْمُحْرِمِ، ويَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِه وحَشيشِه الأَخْضَرَيْنِ إلا الإِذْخَرَ، ويَحْرُمُ صَيدُ المدينةِ ولا جَزاءَ، ويُباحُ الحشيشُ للعَلَفِ وآلةِ الحرْثِ ونحوِه، وحَرَمُها ما بينَ عِيرٍ إلى ثَوْرٍ.
(باب: ذكر دخول مكة)
يُسَنُّ مِن أَعلاها والمسجدُ من بابِ بني شَيْبَةَ، فإذا رأى البيتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ ما وَرَدَ، ثم يَطوفُ مُضْطَبِعًا، يَبْتَدِئُ الْمُعْتَمِرُ بطَوافِ العُمرةِ، والقارِنُ والْمُفْرِدُ للْقُدُومِ، فيُحَاذِي الحَجَرَ الأسودَ، بِكُلِّه ويَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُه، فإن شَقَّ قَبَّلَ يَدَه، فإنْ شَقَّ اللَّمْسُ أشارَ إليه ويَقولُ ما وَرَدَ، ويَجعلُ البيتَ عن يَسارِه ويَطوفُ سَبْعًا يَرْمُلُ الأُفُقِيُّ في هذا الطوافِ ثَلاثًا ثم يَمْشِي أربعًا يَستلِمُ الحَجَرَ والركْنَ اليَمَانِيَّ كلَّ مَرَّةٍ، ومَن تَرَكَ شيئًا من الطوافِ أو لم يَنْوِهِ أو نَكَسَه أو طافَ على الشاذروانِ أو جِدارِ الْحَجَرِ أو عُريانًا أو نَجِسًا لم يَصِحَّ،
هل يجزئ عن سبع عقائق بقرة أو بدنة؟
طلبة: لا يا شيخ.
الشيخ: إنسان عنده سبع بنات لم يعق عنهن، فذبح عنهن بعيرًا يُجزئ أو لا؟
طالب: لا يجزئ.
الشيخ: لا يجزئ.
لو ذبح بعيرًا عن واحدة، عقيقة واحدة، فقيل: إنها لا تجزئ؛ لأن هذا خلاف ما عيَّنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقيل: إنها تجزئ؛ لأنها خير من الشاة.
[باب جزاء الصيد]
ثم قال المؤلف: (باب جزاء الصيد) ولم يقل: فدية؛ لأن الله تعالى عبَّر به في القرآن قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، والصيد هو الذي يحرُم على المحرم صيده أو في الحرم.
قال: (في النعامة بدنة) واعلم أن العلماء -رحمهم الله- قالوا: يُرجى فيما قضت به الصحابة من المماثلة إلى ما قضت به الصحابة، وليس لنا أن نعدل عما قضوا به، فإن وُجد شيء لم تحكم به الصحابة حكم به عدلان خبيران يعرفان وجه المشابهة فيحكمان بها، وإلا فما قضت به الصحابة يجب الرجوع إليه.
قال: (في النعامة بدنة) أي بعير، في الصغيرة صغير، وفي الكبيرة كبير؛ لأن هذا هو تحقيق المماثلة.
(وحمار الوحشي، وبقره، والأيل، والثيتل، والوعل بقرة) كل هذه أسماء صيود لا نعرفها كثيرًا، حمار الوحش هو ضد حمار الإنس، الحمار الإنسي معروف هو الذي يُحمل عليه ويُركب عليه، حمار الوحش لا يعيش إلا في البر، وينفر من الناس، قد يكون له أضلاع وقد لا يكون له أضلاع، بقر الوحش أتعرفونه؟
طالب: لا.
الشيخ: الأفريقيون؟
طالب: ضد بقر الإنس.
الشيخ: كيف؟
طالب: ضد بقر الإنس.
الشيخ: إي معلوم ضد لكن علمنا ويش هو؟
طالب: الجاموس.
الشيخ: لا.
طالب: طيب أيش لونه؟
الشيخ: على كل حال أنا لا أعرفه.
(الأَيِّل والثيتل) نوعان من الغزلان، (الوَعْل) كذلك يعني من الظباء لكنها تختلف الأنواع فقط.
طالب: ما هو من الظباء يا شيخ.
الشيخ: اللي هو الوعل؟
الطالب: إي.
الشيخ: ويش فيه؟
الطالب: هذا شيء، الظباء صغار وهذا كبير (... ).
الشيخ: لكن ما هو من الفصيلة هذه؟
الطالب: يعني أكبر، أكبر هو.
الشيخ: إي، خَلِّ الكبر.
الطالب: لكن يعني من جنس هذا، لكن غير (... ).
الشيخ: كبر رجلين فقط.
الطالب: لا، غيره.
الشيخ: غيره أيضًا.
طالب: (... ) مثل المها لكنه..
الشيخ: ومن يعرف المها؟ على كل حال هذا يرجع إلى أهل الخبرة، والحقيقة ليس لنا فيها خبرة.
قال المؤلف: (وفي الضبع كبش) الضبع معروف؟
طالب: إي نعم، يا شيخ.
الشيخ: ما نوعه؟
الطالب: نوعه يا شيخ أقرب ما يكون للذئب، لكن أكبر من الذئب، والذئب وهو يختلف عن الذئب في اللون وفي بقيته.
الشيخ: والذئب؟
الطالب: الذئب يا شيخ.
الشيخ: اشرحه لنا، شبيه بالكلب؟
الطالب: إي نعم، أشبه ما يكون الكلب، لكن الذئب أنبه من الكلب، بينهم فرق في الذكاء يا شيخ.
الشيخ: عجيب، يعني الذئب أذكى؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، اعتبار الجنس، لا باعتبار الفرق.
على كل حال، الضبع أشكل على بعض الناس، كيف يكون فيه كبش وهو من السباع؟ ولكن قضى به النبي صلى الله عليه وسلم أن في الضبع كبشًا، ولما قضى أن في الضبع كبشًا علمنا أن الضبع حلال، وأنه من الصيد، ويقولون: إنه لا يفترس إلا عند الضرورة القصوى إما دفاعًا عن نفسه وإما أن يكون مضطرًّا في مخمصة وإلا فهو سليم.
(وفي الغزالة عنز) الغزال معروف.
(وفي الوبر والضب جدي) الوبر قريب من الأرنب لكنه صغير، ويعيش متوحشًا وغير متوحش، يقول: (فيه جدي) ما هو الجدي؟
طالب: ذكر العنز.
الشيخ: إي، لكن عمره؟
طالب: أربعة أشهر.
طالب آخر: ستة أشهر.
الشيخ: أربعة شهور، كذلك (اليربوع)، الضب فيه جدي، اليربوع فيه جفرة دون الجدي، ما هو اليربوع؟ اليربوع قريب من فصيل الفأر لكنه يختلف بقصر رجليه قصرًا بينًا، وذيله، يكون له ذيل طويل وفي طرفه شعر كثير.
طالب: اليدان يا شيخ قصيرتان.
الشيخ: اليدان قصيرة جدًّا.
طالب: والرجلان؟
الشيخ: والرِّجلان طويلة، وليس بينهما نسبة، سبحان الله! ويقولون على لسانه: لو إيديَّ طول رجليَّ ما لحقتني خيل عبيا.
لكنه قصير اليدين إلا أنه -سبحان الله- على ما قال الأخ ذكي يبني له جحرًا، ويجعل له بابًا معروفًا، ويخرق في الأرض خندقًا، ثم يبعد ما شاء الله، ثم يحفر ليخرج، ليجعل له مخرجًا إلا أنه يجعل آخر الحفرة مثل القشرة، ليش؟ من أجل أنه إذا هاجمه أحد من باب جحره خرج من آخره، وتسمى النافقة ومنه اشتق النفاق.
(وفي اليربوع جفرة وفي الأرنب عناق) العناق كم لها؟ عندكم بالشرح ثلاثة أشهر.
(وفي الحمامة شاة) الحمامة لو نظرت إلى الشكل قلت: إن الشبه بعيد، لكن قضى به الصحابة فوجب علينا أن نأخذ به.
قالوا: والمشابهة في شرب الماء، الشاة تعب الماء عبًّا والحمامة تعب الماء عبًّا فشابهتها في هذا الوجه، فقال الصحابة رضي الله عنهم: إن فيها شاة، هناك أشياء من الصيود لم يذكرها المؤلف لكن -كما قلت لكم أولًا- ما قضت به الصحابة فهو؟
طالب: معتبر.
الشيخ: على ما قضت به، وما لم تقضِ به فإنه ينصب رجلان من أهل الخبرة ويذكران المماثلة كما قال عز وجل: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: 95] ذوا: اثنان، عدل منكم، وعدل لا بد أن يضاف إليها شيء آخر؟
طالب: الخبرات.
الشيخ: وهي الخبرة كما قال عز وجل: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26].
باب صيد الحرم
ثم قال: (باب صيد الحرم) الحرم؛ يعني بذلك حرم مكة والمدينة وعلى هذا فـ (أل) هنا للجنس أي باب صيد ما يُسمى حرمًا، وليس في الدنيا شيء حرم إلا هذان الحرمان فقط، حرم مكة، وحرم المدينة، أما ما نسمع في كلام الناس حرم المسجد الأقصى، وما أشبه ذلك، والحرم الإبراهيمي هذا كله لا صحة له ولا أصل له؛ ولهذا يوهِم كلام بعض الناس، يقول: عن المسجد الأقصى: ثالث الحرمين.
هذا غلط؛ لأن اللي يسمع العبارة يقول: إنه حرم، ولكن نقول: الصواب أن تقول: ثالث المسجدين؛ يعني المساجد التي تشد إليها الرحال.
قال المؤلف رحمه الله: (يحرم صيده على المحرِم والحلال) صيده: أي صيد الحرم.
(على المحرم والحلال) لأن تحريمه للمكان فيكون حرامًا على المحرم والحلال، ويدل لذلك حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي أعلنه يوم فتح مكة: «أَنَّ صَيْدَ مَكَّةَ لَا يُنَفَّرُ» (1). وإذا كان لا ينفر أيش؟
طالب: لا يقتله.
الشيخ: فمنع قتله من باب أولى.