الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 8064-8103

مثال الأول: عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى عمر بالخلافة، أعرفتم؟ إذن ثبتت خلافة عمر بعهد أبي بكر، ولكن يجيء الشيطان الذي يقول للإنسان: مَنْ خلق الله، يقول: من خلَّف أبا بكر؟ طلبة: اجتماع المسلمين.
الشيخ: هذه المسألة، نقول: خلَّف أبا بكر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يُشْكِل على هذا أن يقول قائل: أين النص من الرسول عليه الصلاة والسلام؟ هل قال لأبي بكر: أنت خليفتي على أمتي؟ بهذا اللفظ: لا.
قال بعضهم: خَلَّفه بالإشارة؛ يعني: فعل أفعالًا تشير إلى أنه الخليفة من بعده.
وقال آخرون: بل ثبتت خلافته بإجماع أهل الحل والعقد؛ لأن الصحابة أجمعوا على ذلك.
والصحيح أن خلافته ثبتت بالنص؛ إما صريحًا، وإما إيماء وإشارة.
فلننظر، خلَّف النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر إمامًا للناس في مرض موته في الصلاة، حتى إنه لما دَعَوْن عمر غضب، وقال: «إِنَّكُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ» (10) يعني: زوجاته اللاتي دعون عمر، ثم أمر أن يُدْعَى أبو بكر، فجاء فخلفه على أمته في الصلاة.
يلزم الإمام أن يَنْصِبَ في كلِّ إقليمٍ قاضيًا، ويَختارُ أَفْضَلَ مَن يَجِدُه عِلْمًا ووَرَعًا، ويَأْمُرُه بتَقوى اللهِ، وأن يَتَحَرَّى العدْلَ ويَجتهِدَ في إقامتِه فيَقولَ: " وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ" أو " قَلَّدْتُكَ " ونحوَه، ويُكاتِبُه في البُعْدِ.
وتُفيدُ ولايةُ الحكْمِ العامَّةِ الفصْلَ بينَ الخصومِ وأَخْذَ الحقِّ لبَعضِهم مِن بعضٍ، والنظَرَ في أموالِ غيرِ الْمُرْشَدِينَ، والحَجْرَ على مَن يَستوجِبُه لسَفَهٍ أو فَلَسٍ، والنظَرَ في وُقوفِ عمَلِه ليعملَ بشَرْطِها، وتَنفيذَ الوَصايَا، وتزويجَ مَن لا وَلِيَّ لها، وإقامةَ الحدودِ، وإمامةَ الجُمُعَةِ والعيدِ, والنظَرَ في مصالِحِ عمَلِه بكَفِّ الأَذَى عن الطُّرُقاتِ وأَفْنِيَتِها ونحوَه، ويَجوزُ أن يُوَلَّى عُمومَ النظَرِ في عُمومِ العمَلِ وأن يولِّيَ خاصًّا فيهما أو في أحدِهما.

و (يُشْتَرَطُ) في القاضي عَشْرُ صِفاتٍ: كونُه بالغًا، عاقلاً، ذَكَرًا، حُرًّا, مُسْلِمًا, عَدْلًا ثانيًا: خلَّفه على الناس أميرًا في الحج في السنة التاسعة من الهجرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحج، فخلف أبا بكر، وهذه إمامة أكبر من الإمامة الأولى وأوسع؛ لأنها إمامة لمن؟ لجميع المسلمين، كل من حج، ومعلوم أن الذين حجوا أكثر من الذين يصلون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا إشارة إلى أنه الخليفة من بعده.
ثالثًا: قال في مرض موته: «لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ» (1)، لماذا؟ إشارةً إلى أنه الخليفة من بعده؛ ليكون بيته قريبًا من المسجد الذي هو مثابة الناس.
رابعًا: أن امرأة أتته في حاجة لها، فقال: «ائْتِنِي فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ»، قالت: إن لم أجدك؟ قال: «ائْتِ أَبَا بَكْرٍ» (2)، وهذا كالنص الصريح على أنه الخليفة من بعده.
خامسًا: أنه قال: «يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ» (3)، وهذا نص، أو شبه نص على أنه سيكون الإجماع عليه، وعلى هذا فنقول: إن خلافة أبي بكر ثبتت بنص إيمائي أو صريح، حسب ما يفهمه العلماء من هذه النصوص.
فإن قال قائل: كل هذه النصوص يهدمها نص واحد؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم خلف علي بن أبي طالب على أهله حين غزا تبوكًا، فقال: يا رسول الله، تجعلني في النساء والصبيان؟ قال له: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (4)، ومنزلة هارون من موسى، قال له موسى: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: 142]، وهذا يدل على أن الخليفة بعد الرسول عليه الصلاة والسلام هو علي بن أبي طالب، وأن أبا بكر ليس الخليفة؛ لأنه قال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ ». وهارون من موسى قال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾.

فالجواب على هذا أن نقول: هذا نص من النصوص المتشابهة، والأدلة التي ذكرناها لأبي بكر من النصوص المحكمة، وأهل العلم الراسخون فيه، يردون المتشابه إلى المحكم؛ لتكون النصوص كلها محكمة، ولا يَتَّبِع المتشابه ويُعرض عن المحكم إلا من زاغ قلبه، أو إلا من كان في قلبه زيغ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7].
إذا قال قائل: كيف نُزيل مشتبه هذا الحديث؟ الجواب: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يصرح بأن عليًّا هو الخليفة من بعده، بل قال: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى»، حين خلفه على أهله، كما خلف موسى هارون على قومه في حياته، وهذا كالاستنابة والوكالة؛ يعني كما لو غاب إنسان إلى بلد، وقال لشخص آخر: اخلفني في أهلي، اقضِ حوائجهم، فإن هذا لا يعني أنه وصي من بعده.
يدل على أنه نائبه في حياته لمدة محدودة، أما الخلافة فإنها تكون بعد موت الأول نهائيًّا ومفارقته الدنيا، ولا يمكنه أن يعزل الخليفة من بعده؛ لأنه ميت، أما هذا فيمكن أن يعزله، ولا ما يمكن؟ يمكن، يرسل له يقول: رفعت خلافتك على أهلي، فهذه لا تعني الخلافة العامة، وإذا ثبتت خلافة أبي بكر ثبتت خلافة عمر، وإذا ثبتت خلافة عمر ثبتت خلافة عثمان؛ ولذلك الرافضة لا يُقرُّون بخلافة أبي بكر؛ لأجل أن يهدموا خلافته، وخلافة عمر، وخلافة عثمان، وينتهوا إلى خليفة لم يُخلَّف، إلى خليفة هو بنفسه بايع رضي الله عنه، بايع لأبي بكر ولعمر ولعثمان أيضًا، وكان هو نفسه يقول: إِنَّ خَيْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ (5). إذن تثبت الخلافة بماذا؟ بالنص؛ يعني نص الخليفة الأول على أن الخليفة بعده فلان.
الثاني: اجتماع أهل الحل والعقد، وهذا له صورتان:

الصورة الأولى: أن يُعيِّن الخليفة السابق أهل الحل والعقد، يعينهم، فيقول مثلًا: فلان وفلان وفلان وفلان يتشاورون في الخليفة، كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن عمر انتخب من الصحابة الستة الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وجعل الخلافة دائرةً بينهم على أن يختاروا لأنفسهم من يختارونه من هؤلاء.
الصورة الثانية: أن يدع الخليفة الوصية بالخلافة لأحد؛ يعني لا يوصي لأحد بالخلافة، ولكن الناس بعده يجتمعون ويولون خليفة، وهذا جائز؛ لأن الأمر يرجع إلى الناس، فإذا اختاروا أحدًا من بينهم يكون خليفة عليهم تمت خلافته.
الثالث: القهر، فإذا قهر إنسان خليفةً واستولى عليه وقتله أو حبسه، وزالت خلافته نهائيًّا، واستولى هذا على الخلافة صار خليفةً، ووجب على الناس أن يبايعوه ويطيعوه؛ لأنهم لو نابذوه في هذه الحال لحصل بذلك من الشر والفساد، وسفك الدماء، وانتهاك الأعراض ما يربو على مبايعة هذا الرجل.
فنصب الإمام إذن يكون؟ طلبة: بثلاثة طرق.
الشيخ: بثلاثة طرق، إي نعم.
الإمام أو الخليفة، عليه مسؤوليات عظيمة؛ لأنه مسؤول عن مَنْ؟ عن كل من ولَّاه الله عليهم، مسؤول عنهم في جميع أحوالهم العامة، أما الأحوال الخاصة فهذه ليست إليه، اللهم إلا إذا كانت من الأمور التي لا بد من النظر فيها كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
المهم أن على الإمام مسؤوليات عظيمة؛ منها: (أنه يلزمه أن ينصب في كل إقليم قاضيًا)، والأقاليم سبعة، الأقاليم في الدنيا كلها سبعة أقاليم، فيجب عليه أن ينصب في الدنيا كلها.
طلبة: سبعة قضاة.
الشيخ: سبعة قضاة؛ لأن في كل إقليم؟ طالب: قاضيًا.

الشيخ: قاضيًا، الآن الناس يبغون في كل حي قاضيًا، في كل حي من بلد يريدون قاضيًا، ولكن العلماء يقولون: يجب أن ينصب في كل إقليم قاضيًا، ولكن هؤلاء القضاة يجب أن يجعلوا لهم نوابًا بمقدار الحاجة، والعلماء ذهبوا هذا المذهب؛ لئلا تكون المسألة مركزية، ترجع إلى أصل واحد؛ لأن رجوعها إلى أصل واحد -لا سيما في ذلك الزمن- متعب وشاق، قالوا: فنجعل في الأقاليم كل إقليم فيه قاضٍ، هذا القاضي يجعل له نوابًا في كل مدينة، أو في كل قرية، حسب الحاجة، أعرفتم؟ فمثلًا إذا قدرنا أن الإقليم واسع، قد يحتاج إلى عشرة نواب، أو عشرين نائبًا للقاضي، يرجعون إليه -أي للقاضي الإقليمي- والقاضي الإقليمي في مشكلاته -إن جرى مشكل- يرفعه إلى الإمام؛ لأنه مسؤول، فحينئذٍ يزول الإشكال؛ لأننا لو قلنا: إنه لا يجب إلا أن ينصب في كل إقليم قاضيًا ضاعت المصالح، لا سيما في الزمن الأول، إذا كان بين اثنين خصومة، وكان بينهم وبين القاضي الإقليمي مسيرة شهر، صاروا يحتاجون إلى؟ طالب: أكثر من شهر.
الشيخ: إلى شهرين، وربما إذا وصلوا إليه وجدوا أنه مشغول بقضايا قبلهم، انتظروا، ثم إذا كان الشهود فيهم نظر، وطلب تعديل الشهود، يرجعون شهرًا يدورون على أحد يزكيهم في بلادهم؛ لأنهم في البلاد الأجنبية ما يعرفون، وهكذا، لكنهم قالوا: إنه يجب على هؤلاء القضاة الإقليميين أن يجعلوا لهم نوابًا في كل قرية.
عمل الناس الآن يشبه هذا في الواقع، فيه مثلًا فروع لوزارة العدل في كل مقاطعة، أو في كل منطقة، فروع لوزارة العدل يرجع إليها، وفيه محاكم، وكل محكمة لها رئيس، وفيه محكمة كبرى، ومحكمة مستعجلة صغرى؛ يعني فعملنا اليوم شبه مما ذكره العلماء.
(في كل إقليم قاضيًا)، قال: (ويختار أفضل من يجده)، كلمة (يختار) بالنصب ولَّا بالرفع؟ طالب: بالنصب.
الشيخ: بالنصب؛ يعني ويلزمه أن يختارَ (أفضل من يجده علمًا وورعًا)، انتبه، (أفضل من يجده علمًا) بماذا؟ طالب: بالشرع.

الشيخ: بالأحكام الشرعية، بل نقول: بالأحكام الشرعية وبأحوال الناس، أفهمتم؟ بل ولنا أن نزيد: الذكاء والفراسة؛ لأن الذكاء والفراسة مهمان في مسألة القضاء؛ علم بالشرع، علم بأحوال الناس، ويش بعد؟ طلبة: ذكاء وفراسة.
الشيخ: ذكاء وفراسة؛ لأن الذكاء والفراسة لهما أهمية في هذا المقام، إذ إن الناس فيهم المحق وفيهم المبطل، وفيهم من يعجز عن التعبير، وفيهم من هو فصيح بليغ، فيضيع الحق إذا لم يكن عند القاضي علمٌ بأحوال الناس، وفراسةٌ وذكاء.
ولا يخفى عليكم قصة سليمان وداود في المرأتين اللتين خرجتا إلى البر ومعهما ابنان لهما، فأكل الذئب ابن الكبيرة، فجاءتا إلى داود عليه الصلاة والسلام تحتكمان إليه، فحكم بالابن للكبيرة، لعله ظن عليه الصلاة والسلام أنها أقرب إلى الصدق، أو قال: هذه صغيرة يمكن أن تلد فيما بعد، وهذه كبيرة قد تتوقف عن الولادة، وهي أحق بالشفقة.
المهم أنه قضى بالولد للكبرى، ثم خرجتا من عنده وصادفهما سليمان عليه الصلاة والسلام، وسألهما فقالتا: كذا وكذا، قال: لا، الحكم أن آتي بالسكين فأشقه نصفين؛ فتأخذ الكبيرة نصفه، والصغيرة نصفه، الكبيرة قالت: ما فيه مانع، الكبيرة، شقه نصفين، وأعطني النصف ولهذه النصف، كل واحد يروح بزبيل لحم، أما الصغيرة قالت له: يا رسول الله، لا تشقه، هو لها (6). الفراسة الآن تعطي أيش؟ طلبة: الصغيرة.
الشيخ: أنه للصغيرة، الدليل؟ الطلبة: الحنان.
الشيخ: الحنان والشفقة، هاذيك ابنها مأكول، خلِّ هذا يروح معها؛ الكبيرة، أما الصغيرة فأخذتها الشفقة والحنان وقالت: هو لها، فحكم به للصغيرة.
وقصص الذكاء في القضاة قصص كثيرة، ذكر ابن القيم رحمه الله في الطرق الحكمية جملةً صالحة منها، من الذكاء في أقضية القضاة.
المهم (يختار أفضل من يجده علمًا) بالشريعة، ويش بعد؟ وبأحوال الناس، وذكاءً وفراسة.
طالب: ما هي الأقاليم هنا يا شيخ؟

طالب آخر: ما نستطيع يا شيخ أن نرد على الرافضة؛ أن موسى عليه الصلاة والسلام عندما توفي ولَّى يوشع بن نون (... ) صلى الله عليه وسلم (... ) أبي بكر الصديق في الهجرة، ثم ولاه، وعندما توفي موسى ولى يوشع بن نون (... )؟ الشيخ: نشوف إن شاء الله.
طالب: شيخ، أرأيت (... )، نقول: إنه الرسول عليه الصلاة والسلام ولَّى عليًّا حينما لم يكن أبو بكر موجودًا، وولَّى أبا بكر حينما كان علي موجودًا، فولاه على علي، فولى أبا بكر على علي، ولم يولِّ عليًّا على أبي بكر، وإنما أبو بكر خرج إلى الحرب وهو أفضل.
الشيخ: أيضًا هي خاصة في علي بن أبي طالب ما هي في كل الصحابة، خلفه في أهله فقط.
الطالب: إي، بس ما هو أفضل من أبي بكر.
الشيخ: ما هو أفضل.
الطالب: لأنه لم يتولَّ عليه.
الشيخ: نعم.
طالب: ما هو خلافة (... ) بالنص والإجماع؟ (... ). الشيخ: نحن ذكرنا هذا، لكن بس هل النص كان صريحًا أو إيماءً؟ الطالب: يذكرون قول أنه بالنص والإجماع؛ يعني كلا الأمرين.
الشيخ: إي نعم، قلنا هذا، ما قلنا هذا؟ طلبة: قلنا النص.
الشيخ: لا، قلنا: أجمع الصحابة عليه، حتى علي بايع.
طالب: شيخ، (... ) نستدل بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7] وسكت، وفي آية أخرى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [النساء: 69] فدل هذا على (... ) إن الله سبحانه وتعالى أمرنا باتباع طريقهم.
الشيخ: ما فهمت.
الطالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وسكت، وفي آية أخرى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾.
الشيخ: قراءة؟ الطالب: إي، في آية أخرى.
الشيخ: إي.
الطالب: فدل أن الله سبحانه وتعالى أمرنا باتباع طريقهم، وذكر من جملتهم الصديقين، وأبو بكر صديق.
الشيخ: إي.

الطالب: هل يستدل بهذا على خلافة أبي بكر؟ الشيخ: يقولون لك: علي ما هو بصديق؟ الطالب: بس رسول الله سماه صديقًا.
الشيخ: إي، وهذا علي بن أبي طالب، تسمية أبي بكر بالصديق ليس معناه ما يوجد في الأمة صديق إلا هو.
طالب: يا شيخ، زمان صار التعليم، وتعلمت الناس، وتثقفت، فهل ما زال يبقى يعني أن يكون الإمام يعني يفرض عليهم فرض، أو يكون بالعهد، ليش ما يكون شورى يا شيخ، بمجالس تنتخبه، يعني حتى يشارك الناس كلها في ذلك؟ الشيخ: بارك الله فيك، ولكن إذا كان ثلاثة أرباع البلد شيوعيين، واختاروا شيوعيًّا.
الطالب: لا، نحن لا نحط يعني الشيوعيين، لا، يكونوا مسلمين، يعني فيه شروط.
الشيخ: ما يطيعونك أهل البلد، يقولون: لا، ما دام المسألة بالانتخاب، يلَّا جدِّع سهومك ونجدع سهومنا.
طالب: شيخ، ما هي الأقاليم السبعة؟ الشيخ: الأقاليم السبعة، هذه موجودة في الدرجات الأفقية، ما ذكروها في التحديد؛ يعني ما بلغني، وإلا يمكن ذكروها.
طالب: ذكروها.
الشيخ: ما بلغني في التحديد بالأماكن، بل في الدرجات الفلكية، ذكروهن عندك؟ الطالب: (... ). الشيخ: (... ). الطالب: يقول.
الشيخ: اقرأ علي، اقرأ، الأقاليم كم؟ الطالب: سبعة.
الشيخ: طيب.


الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأقاليم سبعة: الهند إقليم، الثاني: الحجاز، الثالث: مصر والشام، الرابع: بابل، الخامس: الروم، السادس: بلاد الترك، السابع: الصين.
طالب آخر: ناقصة أمريكا وأوربا وأستراليا.
الشيخ: أصلهم ما اطلعوا عليها هذه، هذه قديمة! الطالب: إي نعم.
طالب: شيخ، بالنسبة لمن يختار.
الشيخ: الحجاز الظاهر، الحجاز.
طالب: بالنسبة لمن يختار يا شيخ، ويوجد غيره في هذه البلدة مثلًا يكون عليه واجب؟ الشيخ: ما بعد وصلناه.
طالب: يا شيخ، ألا يدخل في المستأمنين، ألا يدخل فيهم كفار الخدم؟ الشيخ: لا، كفار الخدم معاهَدون.
طالب: شيخ، ما هي الحكمة في عدم (... ) خلافة أبي بكر.

الشيخ: إي، التصريح لأجل أن يكون الأمر جامعًا بين النص واجتهاد الصحابة؛ لأنه لو نص ما بقي للاجتهاد محلًّا، لكن ترك الأمر هكذا بالإشارة حتى تكون خلافته ثابتة بالنص والإجماع.
(يختار أفضل من يجده علمًا) وأفضل من يجده (ورعًا)، والورع والزهد كلاهما ترك، لكن الورع ترْك ما يضر في الآخرة، والزهد ترْك ما لا ينفع في الآخرة، وأظن أن بينهما فرقًا، فالورع أن يدع الإنسان كل ما يضره، فلا يأكل مالًا بغير حق، ولا يظلم أحدًا، ولا يضيع شيئًا من عمله، وما أشبه ذلك.
الزهد: ترك ما لا ينفع، فيدع المباحات من أجل أن يرتقي إلى الكمالات، وعلى هذا فيكون الزهد أعلى من الورع؛ يعني مقام الزهد أعلى من مقام الورع؛ لأن الزهد ترك ما لا ينفع، مثال ذلك لدينا ثلاث حالات: رجل يأكل الحرام، ورجل لا يأكل الحرام، لكنه لا يتورع عن الأشياء التي ليس فيها خير ولا ضرر، والثالث: يدع كل شيء لا نفع فيه فلا يأكله.
الأول: ليس فيه ورع ولا زهد، والثاني: فيه ورع لا زهد، والثالث: فيه ورع وزهد؛ لأن من زهد فيما لا ينفع كان لتركه ما يضر من باب أوْلى، والشيء الذي يجب في القاضي أن يكون ورعًا، أما الزهد فهو من الكمال، وأما الورع فإنه لا بد منه، لا بد أن يكون القاضي ورعًا -أي: بعيدًا عن أكل الحرام- كالرشوة، والمحاباة، وما أشبه ذلك.
وفي قوله: (علمًا وورعًا) إكمالٌ لركني الولاية، بل لركني كل عمل، وهما: القوة، والأمانة؛ لأن جميع الأعمال تنبني على هذين الركنين: القوة على أداء العمل، والأمانة في أداء العمل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، وقال: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39].

وفي تقديم القوة على الأمانة دليل على أنها أهم من الأمانة؛ لأنه كم من إنسان أمين ولا يُخشى منه الخيانة أبدًا، لكنه ضعيف، ما ينتج ولا يُثمر، وكم من إنسان قوي في أداء عمله، لكنه ضعيف في أمانته؛ فالثاني أحسن لإقامة العمل، ولهذا تجد كثيرًا من الناس الذين لديهم قوة وحزم وتصرف، تجدهم ينتجون من الأعمال أكثر بكثير من قوم ضعفاء وعندهم أمانة، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي ذر: «إِنَّكَ رَجُلٌ ضَعِيفٌ، فَلَا تَتَوَلَّ إِمَارَةً، وَلَا مَالَ يَتِيمٍ» (7). أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فالإنسان لا بد أن يكون قويًّا، وأن يكون أمينًا، ولهذا بدأ المؤلف هنا، بدأ بماذا؟ بالعلم؛ لأن به القوة على القضاء، ثم ثنَّى بالورع الذي هو الأمانة.

يقول المؤلف رحمه الله: (ويأمره بتقوى الله)، هل نقول: يأمرَه أو نقول: يأمرُه بالضم؟ نقول: (يأمره) على الاستئناف؛ لأنه لا يجب عليه أن يأمره، ولكنه ينبغي له أن يأمره بتقوى الله، يأمر من؟ القاضي، بتقوى الله عز وجل؛ لأن تقوى الله وصية الله سبحانه وتعالى للأولين والآخرين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131]؛ ولأن في تقوى القاضي لله عز وجل تيسيرًا لأمره، وتسهيلًا لمهمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4]؛ ولأن في تقوى القاضي لله -عز وجل- سببًا لمعرفة الحق، ومعرفة المحق لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29]، هذا صواب الآية، والقاضي محتاج إلى ذلك؛ ولأن في تقوى القاضي لله -عز وجل- سببًا لأن يجعل الله له من كل هم فرجًا، قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2، 3] فمن ثم قلنا: إنه ينبغي للإمام أن يكتب في تصدير التولية، أو أن يصدر وثيقة التولية بماذا؟ بالأمر بتقوى الله عز وجل.
كذلك أيضًا يأمره: بـ (أن يتحرى العدل ويجتهد في إقامته)، تحرى العدل من تقوى الله عز وجل، لكنه عطفها على التقوى من باب عطف الخاص على العام؛ لأهمية العدل في باب الحكومة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].
وإذا تحرى العدل، قال: (ويجتهد في إقامته)؛ لأنه ليس كل من تحرى العدل وعرف العدل يقيم العدل، أليس كذلك؟

إذن يأمره بأمرين: الأول: أيش؟ تحرِّي العدل، والثاني: الاجتهاد في إقامة العدل.
العدل يشمل أمرين: العدل في الحكم، والعدل في المحكوم عليه.
العدل في الحكم بأن يحكم بما تقتضيه شريعة الله؛ لأن كل ما تقتضيه شريعة الله فهو عدل بلا شك، وبناءً على ذلك يرفض جميع الأحكام القانونية التي تخالف شريعة الله، مهما كانت قوتها القانونية فإنه يجب على القاضي رفضها وطرحها؛ لأنها خلاف العدل، كل ما خالف شرع الله فإنه خلاف العدل.
ثانيًا: العدل في المحكوم عليه، بألا يفرق بين صغير وكبير، وشريف ووضيع، وغني وفقير، وقريب وبعيد، أعرفتم؟ وسيأتينا -إن شاء الله تعالى- بيان أنه يجب أن يعدل بين الخصمين في لفظه، ولحظه، ومجلسه، ودخولهما عليه.
لا يكون القاضي ممن إذا رُفعت إليه قضية تتعلق بأحد من أقاربه حاول أن يتملص من الحكم عليه، وإذا رُفعت إليه قضية تتعلق بأحد ممن بينه وبينهم عداوة شخصية حاول أن يحكم بها عليه؛ فإن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم حين رُفع إليه أمر المخزومية التي كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها، المخزومية من بني مخزوم، من أشراف قريش، فأهم قريشًا شأنها، وقالوا: كيف امرأة من بني مخزوم تقطع يدها، تصبح أمام الناس عارًا؟ فطلبوا من يشفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقر رأيهم على ندب أسامة بن زيد، فانتدب لذلك، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يرفع الحكم عنها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ ». والاستفهام هنا للإنكار، فأنكر، وأشار إلى العلة، أنكر في قوله: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ »، أتشفع؟ وأشار إلى العلة في قوله: «فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ »، كأنه يقول: أنا لا أملك أن أغير حدًّا من حدود الله، فلا شفاعة في حد من حدود الله؛ لأن الحكم كله لله عز وجل.

ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم واختطب، وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الْوَضِيعُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (8)، اللهم صلِّ وسلم عليه، أقسم -هو الصادق البار بدون قسم- أن «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، مع أنها سيدة نساء أهل الجنة، وأفضل النساء نسبًا، وذكر فاطمة دون غيرها؛ لأن القضية في امرأة؛ فلهذا قال: «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ».
إذن العدل في أيش؟ طلبة: في الحكم.
الشيخ: في الحكم، وفي المحكوم عليه.
(ويجتهد في إقامته).
ثم بين المؤلف صيغة التولية فقال: (فيقول) من؟ طلبة: الإمام.
الشيخ: الإمام، أو من ينيبه الإمام، كوزير العدل مثلًا في زماننا هذا، يقول: (وليتك الحكم، أو قلدتك) الحكم (أو نحوه)، قوله: (أو نحوه)، أي: ما يشبهه مما يدل على التولية، فلو قال مثلًا: نصبتك قاضيًا في المكان الفلاني، انعقدت الولاية ولَّا لا؟ طلبة: انعقدت.
الشيخ: انعقدت، ولو قال: جعلتك حاكمًا في البلد الفلاني؟ طالب: كذلك.
الشيخ: كذلك؛ وذلك لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ؛ فالألفاظ جعلت قوالب للمعاني، فكل ما دل على المعنى فهو مما تنعقد به العقود، وليس هناك لفظ يُتعبّد به، بحيث لا يُجزئ الناس إلا العقد به، حتى النكاح؟ طلبة: حتى النكاح على الراجح.
الشيخ: حتى النكاح على القول الصحيح، فكل لفظ يدل على العقد فإن العقد ينعقد به.
يقول: (أو قلدتك ونحوه، ويكاتبه) عندي أنا (وبكتابة)، والصواب: (يكاتبه) (يكاتبه في البعد) يعني يكتب إليه، (يكاتبه في البعد) إذا كان بعيدًا يكتب إليه بالولاية: من فلان إلى فلان، السلام عليكم ورحمة الله، وبعد، فقد وليتك كذا وكذا، والبرقية؟

طلبة: تقوم مقامها.
الشيخ: تقوم مقام الكتابة، الهاتف؟ طلبة: يقوم مقامها.
الشيخ: يقوم مقامه، يقوم مقام البرقية؛ لأنه يشافهه مشافهة.
واستفدنا من قول المؤلف: (يكاتبه في البعد) أنه لا يحتاج أن يشهد الإمام على تولية القاضي، ولكن لا بد من أن نعلم بأن هذا صادر من الإمام، وكيف نعلم؟ الختم، أو التوقيع المعروف، أو ما أشبه ذلك.
إذن ينعقد القضاء بأيش؟ باللفظ والكتابة؛ اللفظ ليس له لفظ محدد شرعًا، بل كل ما دل على التولية فإنه تثبت به الولاية، وأما الكتابة فواضح أنه يكتب له بما يدل على التولية.
المؤلف -رحمه الله- هنا لم يذكر أنه يشترط فيها الإشهاد، وستأتي المسألة -إن شاء الله تعالى- في باب كتاب القاضي إلى القاضي، هل يُشترط الإشهاد أو لا؟ والصحيح أنه لا يُشترط؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتب الكتب إلى الملوك والرؤساء ولا يُشهد شاهدين.
ثم انتقل المؤلف إلى بيان ما تفيده ولاية الحكم، قال: (تفيده ولاية الحكم العامة)، واحترز بقوله: (العامة) من؟ طلبة: الخاصة.
الشيخ: الخاصة؛ لأن الخاصة تختص بما خصص به، لكن العامة تفيد: أولًا: (الفصل بين الخصوم) و (الخصوم) جمع خصم، والمراد: المتخاصمان، سواء كانوا اثنين أو أكثر.
والفصل بينهما؛ أي التمييز بينهما، بأن الحق لفلان على فلان، هذا فصل، وهو غير الأخذ والإلزام؛ ولهذا قال: (وأخذ الحق لبعضهم من بعض)، فالذي يتولى التنفيذ هو القاضي، فيجبر المحكوم عليه بأن ينفذ الحكم، هذا من مسؤوليات القاضي في عهد المؤلف -رحمه الله- ومن سبقه، لكن في عهدنا الآن صار التنفيذ للأمير، القاضي، يفصل ويبين، وأما الذي ينفذ فهو الأمير، ثم أظنها الآن تحولت إلى الشرطة.
ثانيًا: يقول: (والنظر) وتفيد النظر، هذا الثالث، (والنظر في أموال غير المرشدين).
طالب: (... ).

الشيخ: قرأناه، (النظر في أموال غير المرشدين)، هذا الثالث، وغير المرشدين، إما لصغرهم أو جنونهم، أو سفههم؛ لأن الرشد يتضمن ثلاثة أمور: البلوغ، والعقل، وحسن التصرف، فغير المرشد إما الصغير، وإما المجنون، وإما السفيه الذي لا يحسن التصرف في ماله، فالذي ينظر في ماله هو من؟ طالب: القاضي.
الشيخ: القاضي.
الرابع: قال: (والحَجْر على من يستوجبه لسفه أو فلس)، الحَجْر: هو منع الإنسان من التصرف في ماله، وأشار المؤلف بقوله: (لسفه أو فلس)، أن الحجر نوعان: حَجْر لسفه، وحَجْر لفلس، أما السفه فهو عدم الرشد، وأما الفلس فهو أن تكون ديون الإنسان أكثر مما عنده من المال، فإذا كان الإنسان مدينًا وديونه أكثر من ماله فإنه يحجر عليه لأيش؟ لسفه ولا لفلس؟ طلبة: لفلس.
الشيخ: لفلس، الفرق بينهما الحجر للسفه لا يتصرف المحجور عليه، لا في ماله، ولا في ذمته، والحجر للفلس يتصرف في ذمته لا في ماله، واضح؟ طالب: أيش معنى في الذمة؟ الشيخ: فمن لم يكن رشيدًا فهو سفيه، فلا يصح تصرفه لا في ماله، ولا في ذمته؛ يعني لا يصح أن يبيع شيئًا من ماله مثلًا، ولا أن يشتري شيئًا في ذمته، عرفتم؟ طلبة: نعم.
الشيخ: المال مثل هذه الحقيبة يبيعها، الذمة يستقرض من شخص مالًا، أو يشتري منه سلعة، ويقول: الثمن في الذمة، هذا محجور عليه في ذمته وماله.
الذي لفلس محجور عليه في ماله لا في ذمته، فلا يصح أن يتصرف في أعيان ماله، أما في ذمته بأن يشتري شيئًا بثمن مؤجل يحل بعد فك الحجر عنه فإن هذا جائز، ولا بأس به.
إذن الحجر ما هو؟ منْع المحجور عليه من التصرف في ماله أو في ماله وذمته.
الخامس: (النظر في وقوف عمله ليُعمل بشرطها)، (وقوف) جمع وقف، والوقف: هو المال الذي حُبس أصله وسُبِّلت ثمرته ومغله، مثاله: رجل قال: وقَّفت هذا البيت على الفقراء، فأصله الآن محبوس، ما يمكن أن يباع، وثمرته مُسبَّلة، تكون للفقراء، يتصرفون فيها كما شاؤوا إذا ملكوها، عرفتم؟

وقوله: (في وقوف عمله) المراد بعمل القاضي المكان الذي فيه ولايته، ولنفرض أنه قاضٍ في المدينة، فما عمله؟ المدينة، العمل محل الولاية، فعمله المدينة، فينظر في أوقاف المدينة (ليعمل بشرطها)، سواءٌ كانت هذه الأوقاف خاصة أم عامة، فالخاصة كما لو قال: هذا وقْف على ذريتي، والناظر فلان ومِن بعده القاضي، فإذا مات الناظر الأول صار النظر لمن؟ طلبة: للقاضي.
الشيخ: صار النظر للقاضي، وهذا وقف عام ولَّا خاص؟ طلبة: خاص.
الشيخ: هو قال: وقف على أولادي؟ هذا خاص.
العام مثل أن يقول: هذا وقف على المساجد؛ فالناظر القاضي -قصدي- له الحق أن يطلع على تصرف الناظر؛ لينظر هل هو يعمل بالشرط أو لا يعمل به؛ لأنه ليس كل ناظر على وقف يؤدي الأمانة، قد يخون ويصرف الوقف إلى غير ما شُرط له، فلهذا نقول: إن القاضي له النظر في الوقوف ليُعمل بشرطها.
سادسًا: (وتنفيذ الوصايا)، ويش الوصايا؟ طالب: (... ). الشيخ: لا، تنفيذ الوصايا بأن يُوصي شخص بعشرة آلاف بعد موته يبنى بها مسجد، من الذي ينظر في التنفيذ؟ طالب: القاضي.
الشيخ: القاضي، إلا إذا كان لها وصي خاص؛ فالوصي الخاص هو الذي ينظر.
قال المؤلف: (تنفيذ الوصايا، وتزويج من لا وليَّ لها) من النساء، أو لها ولي ليس أهلًا للولاية، مثال الأول: امرأة ليس لها إلا أخوالها وإخوانها من الأم، ليس لها إخوان أشقاء، ولا لأب، ولا أعمام، ولا بنو أعمام، ليس لها إلا أخوالها -إخوة أمها- وأخوها من الأم، من يزوجها؟ طلبة: القاضي.
الشيخ: القاضي، لماذا؟ طلبة: لا وليَّ لها.
الشيخ: ليس لها ولي.
طيب، أو لها ولي ليس بأهل، بأن يكون لها عم أو أخ، لكن لا يصلي، فالذي لا يصلي ليس أهلًا لأن يُزوج؛ لأنه كافر، ولا ولاية لكافر على مسلم، فإذن يُزوِّج من لا ولي لها، سواءٌ كان الولي معدومًا أو كان ليس أهلًا.
سابعًا أو ثامنًا؟ طلبة: ثامنًا.

الشيخ: ثامنًا: (إقامة الحدود) يعني الذي يتولى إقامة الحدود هو الحاكم الشرعي، هو الذي يقيم الحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الذي يُقيم الحد، وأحيانًا يُوكل، كما قال لأنيس: «اغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (9)، وهنا يجوز أن يوكل القاضي من يقيم الحد عنه.
(إقامة الحدود)، ما هي الحدود؟ ويش هي الحدود؟ هي عقوبات مقدرة شرعًا في معصية؛ لتمنع من الوقوع في مثلها، وتُكفِّر عن صاحبها؛ فالزنا؟ طالب: حد.
الشيخ: ما هو حد الزنا! ! طالب: إي نعم، معصية لها حد.
الشيخ: إي؛ الزنا يعني حد الزنا، حد القذف، حد السرقة، ويش بعد؟ طالب: الخمر.
الشيخ: الخمر عقوبة وليس بحد.
طالب: قطاع الطريق.
الشيخ: حد قطاع الطريق.
طالب: حد القصاص، حد القتل قصاص.
الشيخ: القتل قصاص، ما هو حد، قصاص ليس بحد.
الطالب: (... ). الشيخ: ذكرناه.
المهم إذا أخذنا الضابط: كل عقوبة مقدرة شرعًا في معصية فهي حد، الذي يقيم الحدود هو القاضي.
يقول: (إقامة الحدود، وإمامة الجمعة والعيد) يعني هو -أيضًا- يتولى إمامة الجمعة والعيد، إلا إذا كانا لهما إمام خاص، فإمامهما أولى من غيره، لكن إذا لم يكن لهم إمام فالذي يخاطب بإمامة الجمعة والعيد هو القاضي، وإن تعددت الجمع؟ طالب: يوكِّل.
الشيخ: يوكل، إن تعددت الجمع يوكل.
قال: (والنظر في مصالح عمله) هذا العاشر، (النظر في مصالح عمله) ويش معنى عمله؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا إله إلا الله، يا أسرع ما تنسون! الطلبة: مكان عمله.
الشيخ: مكان عمله، (في مصالح عمله) أي: مصالح مكان عمله.
(بكف الأذى عن الطرقات، وأفنيتها) يعني هو الذي يتولى ما تتولاه البلدية؟ إي نعم، يكف الأذى عن الطرقات وأفنيتها، فهو المسؤول.
طالب: (... ).

الشيخ: إي نعم، إذا وجدنا شيئًا في السوق ذهبنا إلى بيت القاضي، وقلنا له: شوفت في السوق الفلاني فيه أذى، أزِلْه، أعرفتم؟ هذا معنى قوله: (بكف الأذى عن الطرقات، وأفنيتها) الطرقات واضحة، الأفنية هي المتسعات التي تكون في الطرقات تُلقى فيها الكناسة والقمامة وما أشبه ذلك، فالذي ينظر فيها هو.
طالب: القاضي.
الشيخ: القاضي.
هذه عشرة أمور يستفيدها القاضي من ولايته، ولكن لاحظوا أن هذه الأمور العشرة التي ذكرها المؤلف ليست أمورًا منصوصًا عليها شرعية؛ بحيث لا نتجاوزها ولا نقصر عنها، لكنها أمور عرفية؛ أي: جرى العرف أن القاضي يتولى هذه الأمور من قِبل من؟ من قِبل الإمام، فإذا تغيرت الأحوال، وصار مقتضى أو موجب عقد القضاء لا يُلزم به القاضي أن يقوم بهذه الأعمال كلها، فعلى حسب العرف، الآن ننظر الفصل بين الخصوم لا زال باقيًا؟ طلبة: لا زال.
الشيخ: أخذ الحق لبعضهم من بعض؟ طالب: لا زال.
الشيخ: لا، ليس على القاضي الآن، القاضي ليس له إلا أن يفصل، وأما أخذ الحق من بعضهم البعض فإلى جهة أخرى.
النظر في أموال غير المرشدين؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، له.
الطالب: لا.
الشيخ: له إلى الآن.
الحجر على من يستوجبه؟ طلبة: له.
الشيخ: له، يعني ليس لوزارة التجارة، بل هو للقاضي.
النظر في وقوف العمل؟ طلبة: لا، ليس له.
الشيخ: الآن.
الطلبة: للأوقاف.
الشيخ: فيه وزارة أوقاف، هي التي تتولى هذا، تنفيذ الوصايا؟ طالب: للأوقاف.
الشيخ: الظاهر أنه للأوقاف أيضًا، ليس للقاضي، تزويج من لا ولي لها؟ طلبة: له، للقاضي.
الشيخ: صح له، لكن له وليس له؛ لأنه الآن جُعل لها مأذونون شرعيون، ولَّا لا؟ الآن اللي يزوج المأذون الشرعي، أو لا؟ طلبة: المأذون ما يكون وليًّا، ما يكون لها ولي.
الشيخ: إي، فيه المأذون الآن على قسمين: قسم مأذون يسمى قاضي أنكحة، هذا يتولى تزويج من لا ولي لها، ومأذون لمجرد العقد من الأولياء، هذا لا يتولى التزويج.

يقول: (إقامة الحدود)، ليس له، لا، هو يحكم ويقيم غيره.
إمامة الجمعة والعيد؟ طلبة: ليس له الآن.
الشيخ: ليس إليه الآن، البعض يقول: إنهم ما يجيزون غير القاضي.
النظر في مصالح العمل بكف الأذى عن الطرقات؟ طلبة: ليس له الآن.
الشيخ: ليس له، ولكن للبلدية، واضح؟ إذن صارت ولاية القضاء أو موجب ولاية القضاء ليس أمرًا شرعيًّا متلقى من الشرع بحيث نُلزم القاضي به، لكنه أمر عرفي حسب ما تقتضيه الولاية في العرف.
طالب: الفصل بين الخصوم الآن تتولاها الحقوق المدنية (... ). الشيخ: لا، إذا طلبوا الشرع.
الطالب: إذا طلبوا الشرع، لكن (... ). الشيخ: يحالون.
الطالب: (... ). الشيخ: إي.
الطالب: إذا ما تعنت أحدهم، أحد الخصمين.
الشيخ: إي، لكن هو أصل القاضي.
طالب: ذكرت فيه إخوان غير مرشدين يا شيخ، في بعض البلاد فيه تجارات أموال القاصرين الآن؟ الشيخ: إذن تخرج عنه.
طالب: ما الذي دعا المؤلف رحمه الله لأن يقول: (والنظر في مصالح عمله، بكف الأذى عن الطرقات، وأفنيتها)؟ يعني هل كان على زمانه هذا؟ الشيخ: إي، على زمانه إي، كل هذه على زمانه.
الطالب: القاضي الآن عندنا مبجل ومحترم، ولا.
الشيخ: هو مبجل، ما هو بيأخذ المكنسة يكنس، لا، المعنى هو المسؤول عن هذا الشيء، يخلي أحد يقوم مقامه.
الطالب: يأمر يعني غيره؟ الشيخ: إي نعم، يأمر غيره.
طالب: الفرق بين الأمير والقاضي؟ الشيخ: وقتنا الآن؟ الطالب: حتى من قديم يا شيخ، يعني التابعين (... ) قاضي؟ الشيخ: إي، هو الغالب -في ذلك الوقت- أن الأمير هو القاضي، لكن تخلفت الأمور، وصار الأمراء لهم أشغال، وأيضًا بعضهم قد لا يكون عنده من العلم ما يتمكن به من الفصل بين الخصوم.
طالب: بالنسبة (... ) القاضي (... ) رضي الله تعالى عنه (... ) لا شك أن (... ) التكاسل عن (... )، بعض (... ) يتكاسل عن (... ). الشيخ: هذه ما تخالف كلام المؤلف، هذه مر علينا في أحكام المرتد، لو رجعت إلى أحكام المرتد عرفتها.

الطالب: (... ). الشيخ: ما هي موجودة أحكام المرتد؟ الطالب: (... ). الشيخ: الحكم بغير ما أنزل الله، إي نعم.
طالب: إذا (... ) الأمير على رجل من العامة، هل يحتكم لنفس الأمير وهو الخصم، ولَّا يحتكم للقاضي؟ الشيخ: لا، إلى القاضي، لكن إذا أخطأ القاضي.
الطالب: (... ). الشيخ: إي نعم، يحكم إلى قاضٍ آخر.
الطالب: (... ). الشيخ: لا، ما هو لازم، المهم يحتكم إلى إمام آخر، مثل ما لو أن القاضي كان يعلم القضية، فإنه لا يحكم بعلمه، لكن يحيل القضية إلى قاضٍ آخر، مثل أن يكون القاضي يعلم بأن زيدًا يطلب عمروًا ألف درهم، يدري عن ذلك ويعلم به، فتخاصم عنده زيد وعمرو لا يحكم لهما بعلمه، بل يقول: عندي شهادة واحتكما إلى قاضٍ آخر.
طالب: شيخ، الآن القاضي هو رئيس المحكمة، ولَّا كل القضاة اللي في المحكمة؟ الشيخ: الآن صار هناك اختلاف فيما ذكره الفقهاء، وإلا كلهم قضاة.
طالب: شيخ، طيب الآن أكثر القضايا تُرفع إلى هيئة التمييز، ما يُكتفى بالقاضي.
الشيخ: لا، يُكتفى، إلا إذا طلب أحد الخصمين الرفع.
الطالب: (... ) الخصمين (... ) رفع القضايا.
الشيخ: إي.
الطالب: إذا القاضي هو الذي يعلم بالقرار.
الشيخ: هذا سيأتينا -إن شاء الله تعالى- في باب نقض حكم القاضي، هل يجوز نقضه ولَّا ما يجوز؟ طالب: إذا كان لفتاة ولي (... )، هل للقاضي أن يزوجها؟ الشيخ: إي نعم، إذا امتنع الولي من تزويجها، زوجها الولي الثاني، فإذا امتنع زوجها القاضي.
(... ) أيضًا أن صيغة القضاء لا تختص بلفظ معين، بل أي لفظ دل على التولية تثبت به التولية، فيقول أيش؟ وليتك، أو جعلتك حاكمًا، أو قلدتك الحكم في البلد الفلاني، أو ما أشبه ذلك؛ لأن القاعدة في العقود كلها أن تنعقد بما دل عليه العرف لفظًا؛ لأن ألفاظ العقود ليس لها لفظ شرعي متعبدٌ به، يُستثنى من ذلك -على المذهب- النكاح، والصحيح أنه لا يستثنى.
وسبق أيضًا أن ولاية الحكم العامة تفيد كم من أشياء؟ طلبة: أربعة.

الشيخ: تفيد عشرة أشياء، وأن هذه الإفادة ليست أيضًا حكمًا شرعيًّا يجب أن يُطبَّق، ولكنها بحسب العرف، فيجوز أن يضاف إليها شيء، ويجوز أن يحذف منها شيء، ولَّا لا؟ وذكرنا فيما عددناه من قبل أن بعض هذه الأشياء -التي قال الفقهاء أن الولاية تفيدها- قد نزعت الآن من الحاكم، مثل الأوقاف، كانت منوطة بالحكام بالقضاة بالأول، لكن الآن صار لها وزارة خاصة، ومثل النظر في العمل، في مصالح العمل، كانت منوطة بالقاضي، وصار لها وزارة خاصة.
وسبق لنا أيضًا، لا ما سبق، نبدأ الآن فيه.
(ويجوز أن يولى عموم النظر في عموم العمل، وأن يولى خاصًّا فيهما أو في أحدهما).
(يجوز أن يولَّى) من الذي يتولى توليته؟ طلبة: الولي العام.
الشيخ: السلطان، الولي العام.
يجوز أن يولِّي القاضي (عموم النظر في عموم العمل)، (النظر) معناه القضايا التي ينظر فيها، كأن يوليه جميع الأحكام: في البيوع، والرهون، والإجارات، والأنكحة، والفرائض، وكل ما يتعلق بالخصومات، هذا نسميه (عموم النظر)، (النظر) بمعنى القضايا، يوليه جميع القضايا.
(في عموم العمل)، (العمل) المكان الذي يعمل فيه، في عموم العمل، وطبعًا (عموم العمل) لا يمكن أن يكون عمومًا مطلقًا؛ لأن العموم المطلق لا يتصور، لكنه عموم نسبي، عموم العمل أن يقول: وليتك الحكم في جميع أقطار الدنيا، وهذا يمكن ولَّا لا؟ لا يمكن؛ لأنه يتعذر الإحاطة به، إذن العموم -عموم العمل- عموم نسبي، مثل أن يقول: وليتك الحكم في القصيم، في منطقة القصيم، هذا عموم ولَّا لا؟ عموم بالنسبة لكل بلد على حدة، لكنه ليس عمومًا مطلقًا، أعم منه أن يقول: ولَّيتك الحكم في نجد، هذا أعم، لكن هل هو عموم مطلق؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا.

ولَّيتك الحكم في منطقة المدينة، هذا عموم، أعم منه: في منطقة الحجاز، ولَّا لا؟ أعم من ذلك كله: وليتك الحكم في جميع الحجاز ونجد، هذا أعم، المهم أن (عموم العمل) معناه المكان الذي يحكم فيه القاضي، يجوز أن يولي العموم، وأن يولي الخصوص، فإذا قال: وليتك جميع الأحكام في عموم القصيم، فهذا أيش؟ عموم نظر في عموم؟ طلبة: عمل.
الشيخ: عمل، كذا؟ يقول: (وأن يولى خاصًّا فيهما) الضمير في قوله: (فيهما) يعود على (النظر) و (العمل).
قلت لكم: إن (النظر) هي الأحكام التي ينظر فيها، (العمل) الأماكن التي.
طالب: يعمل فيها.
الشيخ: يحكم فيها، ويعمل فيها.
(خاصًّا فيهما) في (النظر) وفي (العمل)، (النظر) مثل أن يقول: وليتك الأنكحة والعمل في عنيزة، وليتك الأنكحة في عنيزة، هذا خصوص نظر؟ طلبة: وعمل.
الشيخ: وعمل، خصوص النظر؛ لأنه خص القضاء في الأنكحة، في خصوص العمل؛ خصه في بلد معين.
وليتك الفرائض في بريدة؟ طلبة: خصوص عمل.
الشيخ: هذا خصوص نظر.
طلبة: في خصوص عمل.
الشيخ: في خصوص عمل، خصوص نظر؛ لأنه قلت لك: في الفرائض فقط، لو جاء اثنان يتحاكمان إلى هذا الذي وُلِّي الفرائض، يتحاكمان في النكاح، هل يقضي بينهما؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا يقضي بينهما، بل لو قضى بينهما من غير تحكيم لم ينفذ حكمه؛ لأنه خُصَّ النظر في الفرائض.
في بريدة يقضي في الفرائض في بُريدة، هل يملك أن يحكم بين اثنين في مسألة فرضية في عنيزة؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليش؟ طلبة: خاص.
الشيخ: لأن العمل خاص في بريدة، هاتان صورتان متقابلتان: الصورة الأولى: عموم النظر في عموم العمل.
الصورة الثانية: خصوص النظر في خصوص العمل.
في أحدهما؛ لأنه قال: (أو في أحدهما) نبدأ بالنظر، خصوص النظر في عموم العمل؛ بأن يقول: وليتك الفرائض في منطقة الحجاز، هذا.
طلبة: خصوص نظر.
الشيخ: خصوص نظر.
الطلبة: في عموم العمل.

الشيخ: في عموم عمل، كل منطقة الحجاز ترجع إلى هذا الرجل في الفرائض فقط.
نريد الآن عموم النظر في خصوص العمل؛ بأن يقول: وليتك جميع الأحكام في مكة، يدخل فيها: البيوع والإيجارات، والأوقاف، والأنكحة، والفرائض، والجنايات، والحدود وغير ذلك؛ لأنه ويش قال له؟ وليتك عموم النظر في مكة؛ يعني جميع الأحكام في مكة، إذن ينظر في جميع الأحكام؟ لكن في مكة خاصة، في جدة -لو ذهب إلى جدة يزور- ما يكون حاكمًا فيه، واضح؟ فكانت الصور الآن أربعًا، الأولى؟ طالب: (... ) عموم النظر في.
الشيخ: في للظرفية، تكون للمكان، (خصوص النظر في عموم العمل) يقول ولي الأمر: وليتك الأنكحة في الحجاز، كذا ولَّا لا؟ يقول المؤلف رحمه الله: (يجوز أن يُولَّى عموم النظر في عموم العمل، وأن يُولَّى خاصًّا فيهما أو في أحدهما).
هل يجوز أن يوليه خاصًّا في الخاص؟ يعني بمعنى: وليتك الحكم في المناسخات من علم الفرائض؟ يجوز ولَّا لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
طالب: خاص.
الشيخ: يعني يكون هذا الرجل إنسانًا مثلًا قد بلغ القمة في علم الفرائض، فيقول: وليتك النظر في المناسخات فقط، وهذا أكثر ما يكون في الانتدابات، تجد، تكون مسائل معقدة في أملاك موروثة من قديم وفيها مناسخات، فيندب لها شخص معين ينظر فيها، ولَّا لا؟ أما على سبيل أنه ولي دائم، فهذه قليلة، لكن مع ذلك تصح.
فيه الآن هناك قضاة يُولَّون خصوص النظر في خصوص العمل؛ يعني مثلًا يقال: قاضي الأنكحة في الرياض، موجود الآن، في الرياض قاضي الأنكحة، هو يتولى الأنكحة، عقدها وفسخها، لكن تأتيه مسألة في البيع، يقول: ما لي فيها نظر.
الفائدة من قول المؤلف أو من ذِكر هذه الصور الأربع: أن مَن وُلِّي في صورة منها لم يملك.
طلبة: غيرها.

الشيخ: غيرها، فمن وُلِّي في الأنكحة ونظر في الفرائض ولو حكم لم ينفذ حكمه، شوف لو حكم بالشرع لم ينفذ حكمه، وهذا يدلك على أن الإسلام ينظر إلى هذه المسائل على وجه الضبط؛ لأنه لو خلي الأمر فلت، كل يتكلم ويحكم بما شاء، ضاعت الأمور، اللهم إلا في مسألة التحكيم؛ يعني لو أن رجلين رضيا أن يحكما فلانًا في مسألة بينهما -وإن لم تكن مما وُلِّي- هذا لا بأس به، حتى لو رضيا أن يحكما شخصًا غير قاضٍ، كما سيأتي، لكن القضاء الذي يكون مستندًا إلى تولية ولي الأمر لا يمكن أن ينفذ حكمه إلا على حسب ما خُطَّ له؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، قال المؤلف رحمه الله: (ويشترط في القاضي عشر صفات) قبل أن نتكلم عن هذه الصفات، يجب أن نعرف أن كل ولاية وعمل لا بد فيه من ركنين: القوة والأمانة؛ القوة يعني على ذلك العمل، والأمانة فيه، فالعمل الذي يتطلب العلم لا بد أن يكون المتولي له.
طالب: عالمًا.
الشيخ: عالمًا، والذي يعتمد قوة البدن لا بد أن يكون الإنسان قوي البدن، ولا بد أن يكون أمينًا؛ لأن من ليس بأمين لا يمكن أن ينفذ العمل على الوجه المرضي، ويدل على هذين الركنين قول العفريت من الجن لسليمان لما قال: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 38، 39]، أيضًا قوله تعالى عن ابنتي صاحب مدين: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، كل عمل، وكل ولاية لا بد فيها من هذين الركنين: القوة والأمانة، ومن الأعمال الهامة التي هي من أجل الأعمال في الإسلام القضاء، فلا بد أن يكون القاضي قويًّا، ويش بعد؟ طلبة: وأمينًا.

الشيخ: وأمينًا، فننظر الآن هذه الأوصاف التي ذكر المؤلف على أي الأمرين تنطبق؟ وهل هي وافية في المقصود، أو زائدة عن المقصود؛ لأن الأصل يُرجع إليه في الجزئيات؟ يقول: (يشترط في القاضي عشر صفات) القاضي الذي يقضي بين الناس يشترط فيه عشر صفات: الأولى: كونه بالغًا.
والثانية: كونه عاقلًا.
الكمال في هذين في البلوغ والعقل، والنقص في الصغر والجنون؛ فالصغير لا يكون قاضيًا، الذي دون البلوغ لا يكون قاضيًا، ولو بلغ من العلم ما بلغ، ولو بلغ من الذكاء ما بلغ، لا يمكن أن يكون قاضيًا أبدًا، ويش الناقص فيه؟ أي الصفتين؟ طلبة: البلوغ.
الشيخ: اللي ذكرناها، لا.
طالب: القوة.
الشيخ: القوة، هذا خلل في القوة، لا يقوى أبدًا على الحكم بين الناس وهو توه ما بعد بلغ، أبو سبع سنين نجعله قاضيًا في بلد فيه خمسة عشر ألف ساكن، نقول: قاضيكم هذا الصبي! ما يصلح، ولو هو عالم.
وقوله: (عاقلًا) ضده.
طلبة: المجنون.
الشيخ: المجنون لا يصلح أن يكون قاضيًا؛ لأنه لا عقل له، على أي الوصفين يدور هذا؟ طلبة: القوة.
الشيخ: القوة، لا، أصلًا ما عنده القوة إطلاقًا، القوة.
إذن يقول: (بالغًا عاقلًا)؛ لأن بفواتهما فوات القوة التي هي أحد ركني العمل أو الكفاءة، وتعليل آخر: لأنهما يحتاجان إلى ولي هما بأنفسهما، فلا يمكن أن يكونا.
طلبة: أولياء.
الشيخ: وليين على غيرهما، يشترط أيضًا أن يكون (ذكرًا)، ضد الذكر الأنثى والخنثى، الخنثى ما هي؟ طالب: ذكر أو أنثى.

الشيخ: أنه ذكر أو أنثى، فلا بد أن يكون القاضي ذكرًا، ما هو الدليل على اشتراط الذكورة؟ قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (10)، كلمة «قَوْمٌ» نكرة، تشمل كل قوم، فكل قوم ولَّوا أمرهم امرأة فإنهم لن يفلحوا، أعرفتم؟ هذا الحديث له سبب، وهو أنه لما مات كسرى أنوشروان ولَّت الفرس عليهم ابنته، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً».
فقيل في الحديث: إنه عام؛ لأن كلمة «قَوْمٌ» نكرة في سياق.
طلبة: النفي.
الشيخ: النفي، «لَنْ يُفْلِحَ»، فتكون عامة، فكل قوم ولوا أمرهم امرأة فلن يفلحوا، والقوم هم الرجال؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11]، نعم، إذا أطلق القوم وحدهم ربما يدخل فيه النساء كقول الرسل لأقوامهم: ﴿يَا قَوْمِ﴾ [نوح: 2]، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ [البقرة: 54] وما أشبه ذلك.
أقول: يرى بعض العلماء أن هذا الحديث عام؛ لأنه نكرة في سياق النفي فيعم، ويرى آخرون أنه خاص؛ يعني كأنه قال: هؤلاء القوم لن يفلحوا؛ لأنهم ولوا أمرهم امرأة، كأنه يقول: لا خير فيهم، لما قيل له: إن الفرس ولوا أمرهم المرأة، قال: هؤلاء لا خير فيهم، ولن يفلحوا وقد ولوا أمرهم امرأة.
وبناءً على هذا القول الأخير يقول مدعوه: إنه لا يلزم ألا يفلح كل قوم ولوا أمرهم امرأة؛ لأننا نرى أقوامًا الآن ولوا أمرهم امرأة وأيش؟ طلبة: وفلحت.
الشيخ: ونجحت، وهؤلاء هم الدعاة الذين يدعون إلى أن تكون المرأة وزيرًا، ورئيسة، وما أشبه ذلك، فيقولون: هذا الحديث لا يمنع، هذا الحديث ورد في قوم معينين؛ يعني: لن يفلح هؤلاء القوم؛ لأنهم ولوا أمرهم امرأة.

ولكن نحن نقول: إن هذا الحديث وإن تنازلنا وقلنا: إنه يُراد به هؤلاء القوم الذين ولوا أمرهم المرأة، فإننا نقول: ومن سواهم مثلهم، يقاس عليهم، أي فرق بين الفُرْس وغيرهم؟ المقصود أن عدم الفلاح رُتِّب على كون الوالي؟ طلبة: امرأة.
الشيخ: امرأة، ولا فرْق فيه بين الفرس والروم والعرب وغيرهم، فإذا كان لا يشمل من سوى الفرس بمقتضى اللفظ فإنه يشمله بمقتضى المعنى، وكيف لا يُفلح هؤلاء القوم لما ولوا أمرهم امرأة، ويفلح أقوام آخرون ولوا أمرهم امرأة؟ فإن قال قائل: بماذا تجيبون عن الواقع، فرئيسة بريطانيا امرأة؟ والفلبين -الأخيرة هذه- امرأة، وغيرهم يمكن يوجد غيرهم من الأمم الكافرة؟ قلنا: نعم، نحن نقول: إن هؤلاء إن كانوا قد أفلحوا فلأن الذين يديرون الحكم في الواقع رجال، يساعدونها ويعينونها، ولم تستبد هي كما تستبد الملكة في عهد كسرى، ما هي تستبد، هذا واحد.
جواب آخر: نقول: لعلهم لو ولوا أمرهم رجلًا لكانوا أفلح منهم الآن، وما يدرينا؟ فلعل يكون تولية المرأة على هؤلاء القوم نقصت من فلاحهم، لم يفقدوا الفلاح مطلقًا، ولكن نقص فلاحهم، أما الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه قال: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (10). في الإسلام إذن لا يصح أن تتولى امرأةٌ القضاء؛ لأنه يشترط في القاضي أن يكون ذكرًا، الدليل هو ما سمعتم.
التعليل: قالوا: لأن المرأة ضعيفة العقل والتدبير والتصرف، ضعيفة الإدراك، ما تدرك الأمور على ما ينبغي، صحيح أنه يندر من النساء من تدرك، لكن غالب النساء هو هذا، لا تدرك.

أيضًا فيها وصف ثالث -وأرجو من الإخوة ألا يتعجلوا- وهي أن المرأة قريبة العاطفة، كل شيء يقربها، وكل شيء يدنيها، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ سُوءًا لَقَالَتْ: مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ» (11)، سريعة العاطفة، تنعطف بكل سهولة، ولهذا تُخدع كثيرًا، يأتي رجل من المتحاكمين إليها، يكون قويًّا ومؤثرًا، فيؤثر على هذه المرأة، ويقلبها رأسًا على عقب، وعقبًا على رأس، فيتوجه الحكم إلى زيد، فإذا تكلم الثاني، تحوَّل الحكم.
طالب: إلى عمرو.
الشيخ: إلى عمرو؛ لذلك هي ضعيفة، الفائت فيها القوة، ولَّا الأمانة؟ طلبة: القوة.
الشيخ: القوة؛ لأنها ضعيفة، فلا تتحمل أن تتولى أمور المسلمين، أنت تسأل ليش؟ دخل الوقت؟ طالب: (... ) رجل على (... ) خصوص نظر في عموم (... ) وجد وقف وغيره يفتي بذلك، هل يجوز؟ الشيخ: يفتي؟ ! الطالب: يعني واحد لم يُولَّى ولكنه.
الشيخ: كلامنا على الحكم.
الطالب: يقضي.
الشيخ: الحكم إلزام، ما هي فتوى؟ المفتي يقول لك: الحكم كذا، إن فعلت فعلت، وإن ما فعلت ما عليك منه، الحاكم يلزم.
طالب: (... ) عبارة (... ) يقولون: أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة (... )، وكان بعض السلف يكرهون القضاء.
الشيخ: ويش يسوون؟ الطالب: يكرهون القضاء (... ). الشيخ: لا، الظاهر يريدون بذلك أن الإنسان اللي ما يعرف القضاء ويرى أنه ولاية وسيطرة يحبه، سلطة، لكن أعلم الناس به أشد لهم كراهة اللي يعلمه، ويعلم مسؤوليته، وما يترتب عليه هو الذي يكرهه، هذا معنى العبارة.
طالب: أقول: بالنسبة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُفْلِحُ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»، هل الفلاح يعني الفلاح الأخروي؟ الشيخ: لا، هذا إذا كانوا كفارًا، وإن ولوا عليهم رجلًا من أذكى الرجال، فهم لن يفلحوا.

الطالب: يا شيخ، الآن بعضهم يقول: الآن هؤلاء الذين ولوا أمرهم امرأة، تراهم يعني في الدنيا مفلحين مثلًا تقدموا وتطوروا.
الشيخ: سمعت الجواب يا أخي، أجبنا من وجهين، أما فلاح الآخرة لو ما ولوا عليهم رجلًا من أذكى رجال العالم فهم غير مفلحين.
طالب: شيخ، (... ) المرأة تقضي بين النساء.
الشيخ: إي نعم، هذه سنبحث فيها في المستقبل.
الطالب: والحديث (... ) ما يدل على بطلان (... ). الشيخ: أقول: سنبحث فيها -إن شاء الله- في الدرس القادم، ما كمل البحث على هذا.
طالب: قلنا القوة من العلم.
الشيخ: لا، العلم من القوة، لكن العلم بأحكام الشريعة وبأحوال الناس ما فيه غير هذا بالقضاء، ما فيه بالقضاء إلا هذا، علم بأحوال الناس وعلم بالشريعة.
الشيخ: الشروط الثلاثة: (بالغًا، عاقلًا، ذكرًا)، فقلنا: غير الذكر، ضد الذكر الأنثى والخنثى، أما الأنثى فعرفنا الدليل والتعليل في كونها لا تصح أن تكون قاضية، وأما الخنثى؛ فلأنه فقد شرطًا وهو الذكورة؛ ولأنه لا يُعلم أذكرٌ هو أم أنثى؟ فلا نتحقق الفلاح الذي يكون بتولية الرجل.
وظاهر كلام المؤلف أن الأنثى لا تكون قاضية حتى في حق الإناث، وهو كذلك، فلا تتولى القضاء، وأما ما سوى القضاء من الشهادات، وكذلك الحكم، أن تكون حكمًا في شيء، في صلح، أن تكون قائفة وتحكم بالقيافة التي تعرفها وما أشبه ذلك فإنه لا بأس به، لكن في القضاء لا يصح ولو كان القضاء بين نساء.
الشرط الرابع: أن يكون (حُرًّا)، وضده: المملوك، ولا بد أن يكون حُرًّا كامل الحرية، والتعليل؛ أولًا: لأن الرقيق غالبًا يكون قاصرًا؛ لأنه يشعر بأنه دون غيره، فلا تجده يستوعب الأشياء، ولا ينظر إليها نظر الجد، هذا في الغالب.
ثانيًا: أن الرقيق مشغول بخدمة سيده، والقضاء يحتاج إلى تفرغ للنظر في الحكم بين الناس، هذا هو التعليل.

وليس هناك دليل من الكتاب ولا من السنة يمنع أن يكون الرقيق قاضيًا؛ ولهذا القول الراجح أن الرقيق يصح أن يكون قاضيًا إذا توافرت فيه شروط القضاء، وهي القوة والأمانة، فإذا كان عنده علم وعنده أمانة وصدق، فما المانع من أن يكون قاضيًا؟ أما التعليل بأنه مشغول بخدمة سيده، فلأننا نقول: إذا أذن سيده أن يكون قاضيًا فأين الشغل؟ نعم، لو أبى سيده أن يكون قاضيًا فله الحق، وحينئذٍ يمتنع أن يُولَّى الرقيق، لا من جهة أنه غير صالح، ولكن من جهة.
طلبة: مشغول بسيده.
الشيخ: أنه مملوك لغيره.
إذن هذا الشرط الصحيح أنه ليس بشرط، وأن الرق مانعٌ لكونه مشغولًا بخدمة سيده فقط، وأما أنه يرى نفسه قاصرًا عن غيره، وما أشبه ذلك، فهذا تعليل، لكن ليس مطردًا، فإن من الأرقاء من إذا آتاه الله العلم عرف مكانته بين الناس، وصار مفتيًا ومعلمًا ونافعًا لعباد الله.
الشرط الخامس: أن يكون (مسلمًا)، وضده.
طلبة: الكافر.
الشيخ: الكافر، سواءٌ كان من أهل الكتاب أم من غير أهل الكتاب، فلا يصح أن يُولَّى غير المسلم القضاء؛ لأن غير المسلم إذا تولى القضاء فبأي حكم يحكم؟ بغير ما أنزل الله، والله -عز وجل- أمر بأن نحكم بين الناس بما أنزل الله عز وجل؛ وهو الحق.
وظاهر كلام المؤلف ولو على أمة كافرة، فمثلًا إذا كان أهل الذمة تحت ولاية المسلمين فإنه لا يجوز لولي الأمر أن ينصب فيهم قاضيًا منهم، بل ينصب قاضيًا من المسلمين، أما إن تحاكموا هم إلى واحد منهم، ونصبوا حكمًا بينهم فإننا لا نتعرض لهم، لكن كوننا نُولِّي عليهم قاضيًا باسم الخليفة -خليفة المسلمين- هذا لا يجوز.
يشترط أن يكون (عدلًا)، وضده؟ طالب: الفاسق.
الشيخ: الفاسق، فمن هو الفاسق؟ الفاسق من أصر على صغيرة، أو فعل كبيرة، ولم يتب منها، فإذا وجدنا شخصًا يحلق لحيته، لكنه عالم وقوي؛ فإننا لا نوليه القضاء، لماذا؟ طلبة: لفسقه.

الشيخ: لفسقه، وجدنا شخصًا مسبلًا ثوبه؛ فإننا لا نوليه القضاء؛ لأنه فاسق، وجدنا شخصًا يغتاب الناس، ويأكل لحومهم فلا.. عَدْلًا, سميعًا، بصيرًا، متَكَلِّمًا، مُجْتَهِدًا, ولو في مَذهبِه، وإذا حَكَّمَ اثنانِ بينَهما رجلًا يَصْلُحُ للقضاءِ نَفَذَ حُكْمُه في المالِ والحدودِ واللِّعانِ وغيرِها.

﴿باب آداب القاضي﴾ يَنبغِي أن يكونَ قَوِيًّا من غيرِ عُنْفٍ، لَيِّنًا من غيرِ ضَعْفٍ، حَليمًا ذا أَناةٍ وفِطْنَةٍ, ولْيَكُنْ مَجلسُه في وَسَطِ البلَدِ فَسيحًا، ويَعْدِلْ بينَ الْخَصمينِ في لَحْظِه ولَفْظِه ومَجْلِسِه ودخولِهما عليه.
و(يَنبغِي) أن يَحْضُرَ مَجْلِسَه فقهاءُ المذهَبِ ويُشاورَهم فيما يُشْكِلُ عليه.
و(يَحْرُمُ) القضاءُ وهو غَضبانُ كثيرًا, أو حاقِنٌ أو في شِدَّةِ جُوعٍ أو عَطَشٍ, أو هَمٍّ أو مَلَلٍ, أو كَسَلٍ أو نُعاسٍ, فلا نُوَلِّيه القضاء وإن كان عالمًا وقويًّا؛ وذلك لفِسقه، الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، فأمر الله عز وجل أن نتبيَّن خبر الفاسق، وهذا يدل على أن خبره لا يُقبل مطلقًا؛ يعني: لا يُقبَل على سبيل الإطلاق، وإنما يُتَبَيَّن فيه، ومعلوم أن القضاء يتضمن الخبر؛ لأن القاضي يقول للمُدَّعِي والمُدَّعَى عليه: هذا حُكْم الله، فحُكْمه متضمن للخبر، فلا يُقبَل.
وأما التعليل؛ فلأن الفاسق لا يُؤْمَن أن يحيف لفِسقه، وأضرار المعاصي على القلب والاتجاه والسلوك ظاهرة جدًّا، فلا يصح أن يكون قاضيًا.

ولكنْ يجب أن نعلم أن هذا الشرط يُطَبَّق أو يُعْمَل به بحسب الإمكان، فإذا لم نجد إلَّا حاكمًا فاسقًا فإننا نوليه، ولكن نختار أخفَّ الفاسقَيْن فِسْقًا؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وإلَّا لو نظرنا في مجتمعنا اليوم لم نجد أحدًا يَسْلَم من خَصْلة يفسق بها إلَّا من شاء الله؛ الغيبة فسق، وموجودة بكثرة، التغيب عن العمل، والإصرار على ذلك، وكونه لا يأتي إلَّا بعد الدوام بساعة، ويخرج قبل الدوام بساعة مثلًا، الإصرار على هذا فِسْق؛ لأنه ضد الأمانة، خيانةٌ وأكْلٌ للمال بالباطل؛ لأن كل راتب تأكله في غير عمل فهو من أكل المال بالباطل.
لو نظرنا أيضًا إلى مجتمعنا لوجدنا كثيرًا من الناس يتهاون بإسبال الثوب، ولا يهمه إذا أسبل.
نجد أيضًا كثيرًا من الناس يتهاون بالنَّيْل من لحيته؛ إما حَلْقًا أو تقصيرًا، فإذا كنا لا نجد في الناس من يتصف بصفة العدالة، فإننا نُوَلِّي أخف الفاسِقَيْن فِسْقًا.
يقول: (عَدْلًا سَمِيعًا)، يُشتَرط أن يكون سميعًا أو أن يكون قوي السمع؟ طلبة: سميعًا.
الشيخ: سميعًا، ضده الأصمُّ اللي ما يسمع أبدًا؛ يعني: لو وقع عند أُذُنِه أقوى صوت في الدنيا ما سمعه، هذا ما يصح أن يكون قاضيًا، لماذا؟ قالوا: لأنه لا يسمع كلام الخصمَيْن، أو لا؟ الخصمان لو يتكلمان أكبر كلام أو أشد صوت بأشدِّ صوت ما سَمِع، وظاهر كلامهم أنه لا يصح أن يكون قاضيًا ولو أمكن إيصال كلام الخصمين إليه عن طريق الكتابة.
طالب: أو الإشارة.
الشيخ: أو الإشارة؛ لأني أدركتُ رجلًا كان لا يسمع أبدًا؛ لو تَثَوَّر البُنْدُق جَنْب أذنه ما سمع، لكنه يكتب، ويعرف الإشارة معرفة عظيمة، وكان معه لوح حَجَر، ما أدري تعرفون اللوح الحجر؟ طالب: ما نعرف.
الشيخ: اللي يُكتَب فيه بالبنسل؟ طالب: ويمسح؟

الشيخ: ويمسح، معه حجر صغير يضعه في مخبأته، إذا لاقاك أشَّر هكذا؛ يعني: السلام عليكم، ثم طلَّع اللوح قال: اكتب؛ يعني: إن كان جاء له أخبار ولَّا شيء؛ ولهذا كان هو من أعلم الناس بالأخبار، حتى أخبار الدول وغيرها يعلمها؛ لأنه حريص على تلقِّي الأخبار، سبحان الله العظيم! يحس في نفسه أنه إذا لم يفعل هذا ما عَلِمَ بشيء، فتجده إذا لقي أي واحد سلَّم عليه وطلَّع هذا من جيبه وقال: اكتب، فكان عنده علم كثير.
كلام الفقهاء الآن يقتضي أن الأصمَّ لا يصح أن يكون قاضيًا ولو فَهِم كلام الخصمين بالإشارة أو بالكتابة، أما بالإشارة فقالوا: إنه لو فَهِم بالإشارة قد لا يُحْسِن الخصم الإشارة، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: قد يشير بشيء يتصوره القاضي شيئًا آخر، ربما يشير هكذا، فيحسب القاضي أن خصمه قد ضربه بجمْعه، وهو يريد: خمسة؛ يعني الإشارات تختلف.
على كل حال يقول: الإشارة ما تنفع، لكن الكتابة بحروف واضحة مقروءة؛ يكتب الخصم، ثم يُعْرَض على القاضي، ثم يطلب من المدَّعَى عليه مثلًا الدفاع، أو الإقرار، ويكتب ذاك، هذا ممكن ولَّا لا؟ طلبة: ممكن.
الشيخ: نقول: هذا ممكن، فإذا كانت العلَّة في منع نَصْب الأصمِّ قاضيًا هي عدم سماع الخصمين، فإننا نقول: إذا أمكن أن تصل حُجَّة الخصمين إلى هذا القاضي بأي وسيلة زالت العلَّة ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: تزول العلَّة، وإذا زالت العلَّة زال الحكم.
طالب: ما كل (... ) يكتبون.
الشيخ: يكتب لهم، ما يهم، يكون عنده واحد يكتب كالمترجم.
يقول: (بَصِيرًا) يعني: قوي البصر؟ طالب: غير أعمى.
طالب آخر: لا.
الشيخ: لا، بصيرًا؛ يعني: غير أعمى، فالأعمى لا يصح أن يكون قاضيًا، لماذا؟ قال: لأنه لا يعرف المدَّعي من المدَّعَى عليه؛ لأنه أعمى، فربما يتكلم أحدهما مُقَلِّدًا للآخر، فيحسِب أنه هو ذلك المُقَلَّد، ولَّا لا؟ لأنه لا يميز الأشياء إلَّا بالصوت، والصوت يمكن تقليده ولَّا ما يمكن؟ طلبة: يمكن.

الشيخ: يمكن يقول المُدَّعِي: أنا أدَّعي على فلان بن فلان بعشرة آلاف ريال، فيقول القاضي: ماذا تقول؟ فيقلِّد ذاك صوتَ المُدَّعَى عليه يقول: نعم، عندي له عشرة آلاف ريال، فبناءً عليه يَحْكُم، فيقولون: إنه لا يعرف المُدَّعِي من المُدَّعَى عليه، وتشتبه عليه الأصوات، فربما يَحْكُم لِمَنْ ليس له الحق بسبب ذلك.
ولكن هذا التعليل عليل في الواقع؛ لأننا نشاهد أن الأعمى يُدْرِك بحسه السمعي أكثر مما يُدْرِك البصير بحسه السمعي، وعنده إدراك قوي بحاسة السمع، ويعرف الأصوات، وأما معرفة مَنْ هو المُدَّعِي مِن المُدَّعَى عليه فهذا حاصل لكل أحد، المُدَّعِي مَنْ إذا سكت تُرِك، والمُدَّعَى عليه مَنْ إذا سكت لم يُترك.
فالصحيح أنه لا يُشترط أن يكون بصيرًا، وأن الأعمى يصح أن يكون قاضيًا، صحيح أن البصير أكمل لكن كونه شرطًا بحيث إذا لم نجد إلَّا أعمى فإننا لا نوليه فهذا غير صحيح.
قال: (مُتَكَلِّمًا) لماذا؟ طالب: الأخرس ما ينطق.
الشيخ: لأن الأخرس إذا كان قاضيًا كيف يكلم الخصمين؟ طالب: بالإشارة.
الشيخ: يقول: لا بد ينطق؛ لأن المسألة تحتاج إلى تصريح مفهوم، والإشارة قد تكون مفهومة، وقد تكون غير مفهومة.
طيب، إذا كان يكتب؟ إذا كان يكتب فإنه يزول المانع في الواقع؛ لأن الكتابة تعبِّر عما في القلب كما يعبِّر اللسان عما في القلب، فإذا كان يستطيع أن يكتب فلا شك أنه يجوز أن يكون قاضيًا، صحيح أن النُّطْق أسرع من الكتابة، لكن إذا وجدنا هذا الرجل أهلًا للقضاء ولم يبقَ عليه إلَّا النُّطْق فلا يمكن أن نمنعه القضاء من أجل أنه لا ينطق، ونقول: يكتب ويشير، والإنسان الملازم للشخص يعرف إشارته كما يعرف نُطْقَه بلسانه، وهذا شيء مُشاهَد.

نحن نعرف أن الأخرس إذا كان حوله أحد من أبناء أو أب أو زوجة أو تجدهم يعرفون من إشارته كما يعرفون من نُطْقه تمامًا، والأخرس أحيانًا يُشير بيده، وأحيانًا يُشير بشفَتَيه، ونحن قد شاهدنا بعض الخُرْس يشير بشفتيه إلى أبيه، فيعرف أبوه ما يريد، يشير، لم تدرِ وإذا أبوه ذهب وأتى بماء، وأنت ما تدري ويش هو؟ لكن أشار بشفتيه، وذاك يَعْرِف، يشير فإذا أبوه قام فأتى بالمِبْخَرة، كيف؟ بإشارته، فهذا العارف بالإشارة إذا كان إلى جانب القاضي يكون كالمترجم له، أليس كذلك؟ فالمترجم يترجم العبارة وهذا يترجم الإشارة، ولا فرق.
إذن المتكلم نقول: إن اشتراط كون القاضي متكلمًا فيه نظر، وأنَّه يجوز أن يُوَلَّى الأخرس، بشرط أن تكون إشارته معلومة أو كتابته مقروءة، فإذا حصل هذا أو هذا صَحَّ أن يكون قاضيًا.
(مُجْتَهِدًا)، هذه عاد المشكلة، لا بد أن يكون القاضي مجتهدًا، والاجتهاد نوعان: اجتهاد مطلق، وهو الاجتهاد في أقوال العلماء كلِّهم، بحيث يُطَبِّق هذه الأقوال على النصوص، ويختار ما هو الصواب، والثاني: اجتهاد في المذهب؛ يعني: هو ما يخرج عن المذهب، ولا يطالع أقوالًا سوى المذهب، لكنه في المذهب مجتهد؛ يقارن بين الأقوال ويعرضها على الكتاب والسُّنَّة، ويعرف الراجح من المرجوح، بل ظاهر كلامهم أنه إذا عرف الراجح من المرجوح ولو باعتبار كلام فقهاء المذهب فإنه يسمَّى مجتهدًا في مذهبه.
فالمجتهد في مذهبه؛ إما أن يكون مِمَّنْ يَعْرِض أقوال أصحاب المذهب على الكتاب والسُّنَّة ويعرف الراجح، أو يكون مِمَّنْ يَعْرِض أقوال أصحاب المذهب على أئمة المذهب، وينظر ما عليه الأئمة فيختاره، وأظن الفَرْق بين الصورتين واضح.
طالب: واضح.

الشيخ: الفَرْق بين الصورتين: المجتهد في مذهبه قلت: يمكن أن يجتهد في مذهبه باعتبار أدلة الكتاب والسُّنَّة، أو باعتبار أئمة المذهب، فالأول يعرف الأقوال في مذهبه، ثم يَعْرِضُها على الكتاب والسُّنَّة، والثاني يعرف الأقوال في مذهبه، ثم يَعْرِضُها على أئمة المذهب، فما كان عليه أئمة المذهب أخذ به، ولا يلتفت للأدلة، ولا ينظر فيها.
خرج بذلك المُقَلِّد الذي لا يجتهد أبدًا، يأخذ مثلًا الروض المُرْبِع ويمشي عليه، يأخذ منتهى الإرادات ويمشي عليه، يأخذ الإقناع ويمشي عليه، ولا ينظر في الأقوال، ولا يقارن بينها، فهذا لا يصحُّ أن يكون قاضيًا، ليش؟ لأنه مُقَلِّد، غير مجتهد، ما يقارن بين الأقوال ويختار الأرجح، والمُقَلِّد قال ابن عبد البر: إنه ليس من العلماء بإجماع العلماء، وصَدَق؛ لأن الله يقول: ﴿اسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7]، فمن احتاج إلى الرجوع إلى قول غيره ليس من أهل الذِّكْر، وليس من أهل العلم.
على هذا نقول: يُشترط في القاضي أن يكون مجتهدًا، ثمَّ قسَّمنا الاجتهاد إلى قسمين: مطلق، ومُقَيَّد، الاجتهاد المطلق هو: الذي ينظر صاحبه في أقوال أهل العلم جميعًا، ويرجِّح منها ما رجَّحه الكتاب والسُّنَّة، هذا مجتهد مطلق.
المجتهد المُقَيَّد: المجتهد في مذهبه، وهذا له صورتان؛ الصورة الأولى: أن يكون مجتهدًا في مذهبه يَعْرِض أقوال المذهب على الكتاب والسُّنَّة، ويرجِّح ما رجَّحه الكتاب والسُّنَّة، والثاني: مجتهد في مذهبه؛ في أئمة المذهب، لا في الأدلَّة، فما كان عليه الأئمة من المذهب أخذ به وترك الباقي.

بقي قسم رابع وهو المُقَلِّد، هذا لا حظَّ له في القضاء، ولا يجوز أن يُوَلَّى القضاء؛ لأنه مُقَلِّد، كما أن المُقَلِّد لا يجوز أن يُفتي، وإنما إذا أراد أن يفتي ودعت الضرورة إلى سؤاله، يقول: قال الإمام أحمد، قال صاحب الكافي، قال صاحب الإقناع، فينسب القول إلى قائله، كما أن العامي إذا سمع عالمًا من العلماء يتكلم بشيء فإنَّه لا يُفتي به، ولكن يقول: قال العالم الفلاني: كذا وكذا؛ لأنه لم يصلْ إلى درجة الفتوى حتى يُصدِر القول من عند نفسه، ولكن ينسب القول إلى قائله، كالصحابي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كذا وكذا، فينسب الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
هذا الشرط الأخير -المجتهد ولو في مذهبه- نقول: هو شرط، لكن بحسب الإمكان، فإذا لم نجد إلَّا قاضيًا مُقَلِّدًا فإنَّه خير من العاميِّ المحض؛ لأن العاميِّ المحض ما يستفيد شيئًا أبدًا ولا يُفيد، والمُقَلِّد معتمد على بعض كتب المذهب الذي يقلده، فعنده شيء من العلم.
يقول: (مُجْتَهِدًا وَلَوْ فِي مَذْهَبِهِ)، عندي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: قال الشيخ تقي الدين: وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، وتجب ولاية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدلُّ كلام أحمد وغيره، فيُوَلَّى لعَدَمٍ أنفعُ الفاسقَيْن، وأقلُّهما شرًّا، وأعدلُ المُقَلِّدَيْن وأعرفهما بالتقليد، قال في الفروع: وهو كما قال، كما قال الشيخ يعني.
وصدق الشيخ رحمه الله، هذه الشروط العشرة شروط إذا أمكن تطبيقها، إذا لم يمكن يُوَلَّى الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]، وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، فإذا لم نجد أحدًا يتَّصف بهذه الصفات وإنما يتَّصف ببعضها أخذنا بقدْر الإمكان.

طالب: طيب، مثل أهل البدع، مثل إما رافضة أو.. هل يُوَلَّى عليهم منهم ولَّا؟

الشيخ: لا، الشروط هذه لا بد أن تتحقق في القاضي، وأهل البدع ينقسمون إلى قسمين؛ أهل بدع مكفِّرة، هؤلاء انتفى منهم شرط الإسلام، وأهل بدع مفسِّقة انتفى منهم صفة العدالة، إي نعم.
الطالب: لكن ما نقول: إنهم مثلًا عندهم شرط كونهم مسلمين، لكن عندهم بدع.
الشيخ: إي، قال: (مُسْلِمًا، عَدْلًا).
الطالب: إي نعم.
الشيخ: (عَدْلًا)، فهذه البدع إذا كانت مفسِّقة فإن صاحبها لا يُوَلَّى.
الطالب: ولا على أهل بدعته.
الشيخ: ولا على أهل بدعته، نعم.
طالب: قولك في تعريف العدل: هو الذي يفعل الواجبات دون النوافل، طيب، لو كان.. الشيخ: ويترك المحرمات.
الطالب: إي، لو ترك الوتر على قول الإمام أحمد.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: ما يكون فاسقًا؟ الشيخ: الوتر يقول الإمام أحمد: إنه مَنْ تركه فهو رجل سوء لا ينبغي أن تُقبَل له شهادة، قال: لأن تهاونه بالوتر يدل على تهاونه بالشهادة، هذا أتى به من عدم الأمانة.
طالب: ما مدى تأثير البدعة على العدالة؟ الشيخ: إي نعم، البدعة يقولون: إنها إذا كانت بدعة مكفِّرة للمجتهد فهي مُفَسِّقة للمقلِّد، كل بدعة تكفِّر المجتهد فهي تُفَسِّق المُقَلِّد؛ لأن المُقَلِّد ما عنده علم.
طالب: إذا كان القاضي متعصبًا لمذهبه لا يأخذ إلَّا بقول الإمام فهل يُوَلَّى القضاء؟ الشيخ: نعم، يُوَلَّى القضاء إذا لم يجد مجتهدًا في النصوص؛ لأن المجتهد في المذهب ذكرنا أنه ينقسم إلى قسمين: مجتهد في أقوال الأئمة، ومجتهد في النصوص، فالمجتهد في النصوص -في المذهب- يُقَدَّم على المجتهد في أقوال الأئمة.
طالب: نحن قلنا بعدم جواز تولية المرأة القضاء، بالنسبة لتولية عائشة القضاء في معركة الجمل أنها وليت القضاء؟ الشيخ: إي نعم، هذا يُحمل على أنه من خصائص أمهات المؤمنين، وإذا شئنا أن نقول: إنه انطبق عليها الحديث، وهي، ويش الحديث يقول؟ الطالب: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ».

الشيخ: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمِ امْرَأَةً» (1)، فقد حصل بهذا شرٌّ عظيم.
طالب: أقول يا شيخ، فيه فرق بين الْمَوْلَى والمملوك؟ الشيخ: إي نعم، المملوك هو: العبد الذي يُباع ويُشترى، والمولى هو: المُعْتق، ويطلق على المولى من أسفل، يقال: هذا مولى ابن عمر؛ أي: عتيقه.
الطالب: يُوَلَّى القضاء؟ الشيخ: إي، يُوَلَّى، المَوْلى يُوَلَّى القضاء.
طالب: شيخ، إذا كان القاضي يحفُّ لحيته من أعلى العارض.
الشيخ: من أعلى العارض؟ الطالب: نعم.
الشيخ: يعني يحلق بعض اللحية؟ الطالب: نعم، هنا، هذا.
الشيخ: إي.
الطالب: بعضهم يقول: إن في هذا خلاف (... ). الشيخ: اللي نرى أن هذا حرام؛ لأنه من اللحية.
الطالب: ما يُفَسَّق؟ الشيخ: لا، مسألة الفسق بفعل المعاصي هذا سيأتينا -إن شاء الله- في كتاب الشهادات البحث فيه.
طالب: لكن -يا شيخ- إذا كان محرَّمًا فهي معصية، والمعصية تُفَسِّق؟ الشيخ: إي، المعصية تفسِّق، لكنْ هل أنها تفسِّق وتزيل الولاية؟ أو نقول: إن الولاية شيء والفِسْق شيء آخر؛ لأن مِن الناس مَنْ يكون فاسقًا، لكن ولايته مِنْ أتم ما يكون من الولايات، إي نعم.
طالب: شيخ، الفِسْق الذي ذكرت في القاضي هل يكون مقيَّدًا بالقضاء أو.. ؟ الشيخ: لا، بالقضاء وغير القضاء، كل ما تُشترط فيه العدالة فإنه يُعتبر بما ذكرنا في القاضي.
طالب: الشروط التي اشترطناها في القاضي هل نشتَرطها في مترجم القاضي؟ الشيخ: في المترجم؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: لا، ما يُشتَرط، لا، يُشتَرط فيه الأمانة فقط والقوة.

طالب: بالنسبة يا شيخ إذا كان فعله الرجل متأولًا، مثل ترك صلاة الجماعة لأنه يراها سُنَّة، (... )؟

الشيخ: لا، المتأوِّل يُنْظَر: هل لتأويله وجه وهو مما يسوغ فيه الاجتهاد فلا يفَسَّق، وإلَّا لو قلنا بذلك لفَسَّقْنا كلَّ مَنْ خالفنا وفَسَّقَنا هو أيضًا، هو يعتقد أننا فَسَقَة، ونحن نعتقد أنه فاسق، لكن مَنْ تبيَّن له الحق وأصَرَّ وكان الحق واضحًا فهذا قد يَفْسُق وقد يَكْفُر.
طالب: شيخ، إذا كان القاضي من الخوارج نأخذ فتواه؟ الشيخ: ما يُوَلَّى، لا بد، أقول: لا بد أن يكون عدْلًا، ولكن -كما قلت لكم- إذا تعذَّر وجود هذه الصفات في القاضي فيؤخذ بحسب الإمكان، مثلما قال شيخ الإسلام ابن تيمية.
(... ) صحيح؛ لأنه لا يستطيع أن يحكم وهو دون البلوغ أو مجنون.
يُشتَرط أن يكون ذَكَرا هذا صحيح، لكن سيأتينا -إن شاء الله- في مسألة التحكيم أنه لو حُكِّمَت امرأة فلا بأس، لكن أن تُوَلَّى منْصِبًا عامًّا هذا لا يجوز.
اشتراط أن يكون مسلمًا، صحيح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح.
اشتراط أن يكون حرًّا هذا غير صحيح؛ لأن العِلَّة الذي ذكروها -وهي أن العبد مشغول بخدمة سيده- ربما تنتفي، بماذا تنتفي؟ بإذْن سيِّده، يأذَن له، وإذا كان هذا العبد عالِمًا وتَمَّت به الشروط فأيُّ مانع؟ ! الرِّق ليس بمانع.
إذن القول الراجح في مسألة الحريَّة أنها ليست بشرط إذا أَذِنَ في ذلك مَنْ؟ طالب: السيِّد.
الشيخ: السيِّد.
(سميعًا) هذا على إطلاقه؟ الصحيح أنه ليس على إطلاقه، وأنَّه إذا أمكن إيصال الحُجَّة إلى الأصَمِّ بالإشارة أو بالكتابة فإن قضاءه صحيح؛ لأن العلَّة التي ذكروها -أنه لا يسمع كلام الخصمين- تنتفي بما إذا كان يُكْتَب له فَيَفْهَم، أو يُشار له فَيَفْهَم الإشارة.
(بَصِيرًا) الصحيح أنه لا يُشتَرط أن يكون بصيرًا؛ وذلك لأن القوة على القضاء والأمانة فيه تتحققان بدون أن يكون بصيرًا، والواقع شاهدٌ بذلك، فما أكثر القضاة الذين ليس لهم بصر! وإذا فَقَد بصره فقد حصل على بصيرته.
(مُتَكَلِّمًا) هذا صحيح أنه شرط؟ طلبة: لا.

جارٍ التحميل