الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 4304-4343

فإذا قالوا: إذن نردُّ البيع أهون علينا من الهدم، ولكن المسلم أَبَى، قال: أنا لا أريد فسخ البيع، قلنا: نُلْزِمك؛ لأنك بعت عليهم بنيانًا لا يجوز إقرارهم عليه، فأنت الذي اعتديت، فنُلْزِمك بأن نفسخ البيع.
قال: (لَا مِن مُسَاوَاتِهِ لَهُ) يعني: لا يُمْنَعُون من مُسَاوَاتِهِ، أي: مساواة بنيانهم لبناء المسلمين؛ لأنهم لم يعلوا على المسلمين.
فإن قال قائل: وهل يُمْنَعُون من تشييد بنيانهم، وتحسينه، ووضع الديكور فيه وما أشبه ذلك؟ نقول: أما مِنْ الداخل فإنهم لا يُمْنَعُون، أما مِنْ الخارج فهذا يرجِع إلى اجتهاد الإمام، إن رأى أنهم إذا أظهروا منازلهم بهذا المظهر وبيوت المسلمين حولهم بيوت شعبية، وأن في ذلك افتخارًا لهؤلاء الكفار فله أن يمنعهم؛ لأن هذا وإن لم يكن علوًّا حسيًّا فهو علو معنوي، فيُمْنَعُون، وإن رأى أن الناس لا يهتمون بذلك ولا يقيمون له وزنًا فليُبقِهم على ما هم عليه.
ثم قال: (وَيُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) (يُمْنَعُونَ) الضمير يعود على أهل الذمة.
نرجع إلى ما سبق، قول المؤلف رحمه الله: (وَمِن تَعْلِيَةِ بُنْيَانٍ عَلَى مُسْلِمٍ) يُفهم من كلامه أنهم لو مَلَكُوه من مسلم عاليًّا فإنهم لا يُمْنَعُون، لكن الصحيح ما قرَّرْناه أولًا أنهم يُمْنَعُون، فيُهْدَم أو يُفسَخ البيع.
قال: (وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ) يعني: يُمْنَعُون من إظهار الخمر، ومن إظهار أكل لحم الخنزير؛ لأن ذلك عند المسلمين حرام، فيُمْنَعُون منه، أما لو شرِبوه في بيوتهم، أو صنعوه في بيوتهم ولم يبيعوه علينا فإننا لا نمنعهم.
وكذلك يُقال في لحم الخنزير؛ لأنهم يعتقدون أن الخمر حلال، وأن لحم الخنزير حلال، فلا نتعرض لهم في ديانتهم، لكن إظهار ما هو ممنوع عند المسلمين ممنوع.

(وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَجَهْرٍ بِكِتَابِهم) الناقوس: هو شيء يُصَوَّتُ به عند أداء شعائر دينهم، فإذا كان لهم ناقوس قوي الصوت يسمعه الناس فإننا نمنعهم من إظهاره، والمراد إظهار صوته، لا إظهار حجمه أو عينه، أهم شيء هو إظهار الصوت، فنمنعهم من إظهار النواقيس؛ لأنهم في بلاد إسلام.
كذلك نمنعهم من الجهر بكتابهم؛ لما في ذلك من الصد عن سبيل الله، فإن قيل: ما هذه الإذاعات التي تُنْشَر الآن عبر المذياع، هل يُمْنَعُون منها؟ طلبة: (... ). الشيخ: ليس لنا سلطة عليهم؛ لأنها تُبَثُّ من أي مكان؟ من بلادهم، وبلادهم ليس لنا سلطة عليها، لكن يجب علينا أن نَحُول بينها وبين سماعها بقدر الإمكان، إذا أمكن أن نُشَوِّش فهو ممكن، يُجعل مثلًا نواطير على نفس الموجة ثم لا تُسْمَع، فيجب على المسلمين أن يُشَوِّشُوا عليها.
فإن قيل: يُخْشَى إذا شَوَّشْنَا عليهم دعوتهم للنصارى أن يُشَوِّشُوا علينا دعوتنا للإسلام، نعم، وهذا وارد، فهل نتركهم ونحذر المسلمين من شرهم؟ أم ماذا؟ طالب: نُشَوِّش.
طالب: (... ). الشيخ: تأملوا هذا، الآن إذا شَوَّشْنا عليهم شَوَّشُوا علينا دعوتنا، ونحن عندنا دعوة كثيرة، ودعوة موافقة للفطرة؛ يعني أن قَبول الناس لها أكثر من قَبول الناس لدعوة هؤلاء النصارى، فهل نقول: إننا ندرأ هذه المفسدة لوجود هذه المصلحة التي هي أقوى، ونحذر الشعب المسلم من كيدهم، أو نقول: نحن نمنع الشر، وإذا مُنِع الشر من غيرنا فلسنا مسؤولين عنه.
طالب: شيخ يُنْظَر إن كانت البلاد الإسلامية هذه على تقوى وعلم وَوُجِد العلم بالناس نتركهم ونحذر الناس على قدر ما نستطيع، وأما إذا كانت هذه البلاد الإسلامية كبلاد الأعاجم الآن مسلمة ولكن إسلامهم ضعيف وثقافتهم قليلة فنمنعهم، نمنع من إرسال الإذاعات هذه ونُشَوِّش عليها.
الشيخ: لا، نُشَوِّش.
الطالب: نُشَوِّش عليهم.
الشيخ: نُشَوِّش.

الطالب: البلاد التي تكون، يكون شعبها.. الشيخ: هو عند الأمن من تشويشهم علينا ما في إشكال، نُشَوِّش، لكن إذا كان ما نأمَن؟ فتأملوها، ويكون الجواب عليه إن شاء الله، في الدرس القادم.
طالب: يا شيخ، إن شَوَّشْنَا عليهم يا شيخ أضاعوا إذاعاتنا، هم أكثر تفوقًا منا من جهة التشويش، نحن عالة عليهم في جهات كثيرة، لو شَوَّشْنا عليهم محطة واحدة أضاعوا كل محطاتنا.
الشيخ: يعني كأنك تقول.. الطالب: نتركهم يا شيخ.
الشيخ: نتركهم، ونحذر المسلمين من شرهم.
الطالب: نعم.
طالب: (... ) الإذاعات؛ لأن الناس عندها الوعي.
الشيخ: ماذا تقول، هل نُشَوِّش عليهم أو لا؟ الطالب: لا، نُشَوِّش عليهم حتى (... ). الشيخ: إي، زين، هذان رأيان متضادان.
طالب: نُشَوِّش عليهم يا شيخ؛ لأن إذاعاتنا لا تصل إليهم.
الشيخ: أيش؟ الطالب: إذاعاتنا ما تصل إليهم بشكل واضح.
الشيخ: الكلام إذا كانت تصل، أما إذا كانت ما تصل نُشَوِّش، ما فيه إشكال.
طالب: المصلحة يا شيخ (... ) نشوش عليهم.
الشيخ: نعم.
طالب: والمفسدة.. الشيخ: لا، ما هي بمصلحة، درء المفسدة.
طالب: (... ) تشويش (... ). الشيخ: لا، إذا تيقنَّا، هذا إذا كان مضمونًا، هذا ما نعتبره.
طالب: شيخ، الدعوة قائمة في بلادهم ولم يمنعوها، في الكثير (... ). الشيخ: المهم إذا تيقنَّا يقينًا أنهم يشوشون علينا، أما إذا كان فيه احتمال، لا، محل البحث الآن إذا تيقنا أنهم يشوشون علينا، أما إذا كان في احتمال فهذا قد يكون من تخويف الشيطان فلا نخاف.
طالب: (... ) المسلمين عندهم نشاط يبلغون دعوة الإسلام إحنا نرجح هذا على الأول، وإذا كان المسلمون ما لهم نشاط (... ) ونخاف (... ) نُشَوِّش عليهم (... ). الشيخ: هذا صحيح؛ يعني يقول: إذا كان ما عندنا دعوة للإسلام فنشوش عليهم، هذا ما تبغي بحث، لكن كلامنا فيما إذا كان عندنا دعوة للإسلام، وهو موجود الآن -الحمد لله- موجود دعوة للإسلام في الإذاعات.

الطالب: (... ) كيف يا شيخ إن كان عندنا دعوة للإسلام، (... ) عند المسلمين، نخليهم، ما نشوش عليهم، نبث دعوتنا (... ). الشيخ: تمام.
طالب: في قوله صلى الله عليه وسلم: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» (9)، هل المراد بهذا القول أن المراد بالقيام من أجل الإنزال؟ من أجل أن ينزلونه الناس (... ). الشيخ: نعم، لهذا وهذا، لأنه لو كان مجرد الإنزال لكان واحد يكفي.
الطالب: واحد يكفي لإنزال شخص؟ الشيخ: إي، أو اثنين، ما يُوَجِّه الكلام على العموم، ثم لا يقول: «إِلَى سَيِّدِكُمْ»؛ لأن قوله: «إِلَى سَيِّدِكُمْ» إشارة إلى أنه أمَرَهُم بالقيام من أجل السيادة.
طالب: بالنسبة للتعزية الراجح أنه لا يجوز، أو تجوز للمصلحة والمكافأة؟ الشيخ: لا، الراجح أنه تَبَع المصلحة؛ لأنه ربما نستغل وجود هذه المصيبة بدعوته إلى الحق.
طالب: كيف نعزيهم يا شيخ؟ اللفظ يا شيخ؟ (... ). طالب: شيخ بارك الله فيكم، (... ) يُمْنَعُون من إظهار النواقيس التي هي شعائر دينية، في الواقع يا شيخ أن نواقيسهم هذه لها صوت معين، والآن يوجد فيه بعض الأجراس في الساعات الكبيرة في البيوت (... ) أيضًا للتشبه بهم، وهذه يا شيخ (... )، في الميادين العامة (... ) المسلمين، نفس الأجراس يا شيخ توجد.
الشيخ: ما أعتقد هذا؛ لأن صوت الساعة الآن صوت عادي، ما هو شعار ديني.
طالب: الساعات الكبيرة يا شيخ.
الشيخ: الساعات الكبيرة، إي.
الطالب: إعلان (... ). الشيخ: إي؛ يعني مثلًا إذاعة لندن الآن فيها صوت الساعة، الناقوس هكذا.
طالب: يختلف.
الشيخ: يختلف؛ لأنه له رنَّة خاصة.
الطالب: طيب يا شيخ لو حصل، الرنة الخاصة يا شيخ موجودة.
الشيخ: ما أظن؛ لأن ساعة البندول ما هي على شكل ناقوس.
طالب: يا شيخ (... ) المساجد في ديار الملة إذا سمحوا لنا ديار المسلمين (... ). الشيخ: نعم، ما نطيعهم.
الطالب: طيب يمنع (... ).

الشيخ: ما يخالف، نحن نُعذَر، أما أن تُقام شعائر الكفر في بلاد الإسلام؛ يعني إذا قالوا مثلًا: نحن لا نسمح لكم أن تقيموا مساجد في بلادنا إلَّا إذا سمحتم لنا أن نقيم كنائس في بلادكم، نقول: لا نسمح، ونحن معذورون، ممكن نصلي في حُجرة من الحُجَر، حُجَر البيوت.
طالب: شيخ، قوله: (إحداث كنائس) يفيد بأنه لو كان كنائس –بالمقابل- لا تُهدم.
الشيخ: صحيح.
الطالب: لو أقاموا بها الشعائر الدينية؟ الشيخ: لكن يُمْنَعون من إظهار الشعائر.
الطالب: داخل الكنيسة ما يُمْنَعون؟ الشيخ: ما يُمنَعون، لا.
طالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم نهى عائشة عندما ردَّت عليهم: عليكم السام واللعنة (11)، فنهاها عن ذلك، لماذا قلنا بجوازه؟ الشيخ: إي؛ لأن عائشة زادت، قالت: واللعنة.
الطالب: يعني اللعنة فقط؟ الشيخ: إي نعم؛ يعني لو قلنا كما قالوا ما فيها شيء.
طالب: قلنا: من مخالفة أهل الذمة يا شيخ قص شعورهم على قصَّة معينة.
الشيخ: نعم.
الطالب: الآن شباب المسلمين أكثرهم يقصُّون هذه القَصَّة.
الشيخ: كل الأحكام اللي إحنا نقرأ الآن، الله المستعان، ما فيها شيء من هذا، ولهذا قال الفقهاء: لا كعادة الأشراف؛ يعني كأن الأشراف في عهد الفقهاء -رحمهم الله- أشراف الناس لهم قَصَّة معينة في مقدم رؤوسهم، فقالوا: لا كعادة الأشراف.
طالب: ما هو من الجَزِّ يا شيخ أنه يُزال من مقدم الرأس؟ الشيخ: نعم؟ طالب: ما هو بالمراد إزالة مقدم الرأس؟ الشيخ: بلى يُجَزّ.
الطالب: يُجَزّ؟ الشيخ: نعم.
الطالب: إي، والأخ يقول: هي قصة.. الشيخ: إي، قص، القص هذا جَزٌّ، نوع من الجزِّ، ما هو لازم حَلْق.
(... ) يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قلتم: يا شيخ -حفظكم الله- أن الصغير لا يُبْعَد من مكانه في الصف من الصلاة، ولكن هل نعتبر هذا بالتمييز أم لا؟ لأن ما دون التمييز لا ندري هل توضأ أم لا؟

نعم، هو لا فرق، لكن لا شك أن مَنْ دون التمييز الأحسن أن لا يُؤْتَى به إلى المسجد إلَّا للحاجة، والحاجة مثل أن لا يكون عند هذا الصبي أحد في البيت فيأتي به أبوه من أجل أن يحفظه، أما قوله: لا ندري هل توضأ أم لا، فهذه العلة موجودة في كل أحد، حتى البالغ لا ندري هل توضأ أم لا، قد يكون غير متوضأ، ناسيًا أو متهاونًا، فهذا هو الجواب: لا، ما يُنكَر عليه إلَّا إذا آذى.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال شيخ الإسلام -رحمه الله: استفاضت الآثار أن الميت يعرف أحوال أهله وأصحابه في الدنيا، وأن ذلك يُعْرَضُ عليه، فيُسَرُّ بما كان حسنًا، ويتألم بما كان قبيحًا، فهل من إيضاح أثابكم الله.
الجواب: أنه ليس هناك آثار عن النبي عليه الصلاة والسلام تُبين ذلك، لكن آثارا عن السلف وقعت كثيرًا، وكذلك أيضًا بالنسبة لمن بَعْد السلف يقع هذا كثيرًا، وقد أخبرني أحد الثقات أنهم أضاعوا سندًا في بعض المعاملات، وراجعوا الدفتر الذي عندهم ولم يجدوا هذا السند، فرأى والده في المنام بعد موته، وقال له: إن الكتابة قد لصقت بها الصفحة الأولى لصقت ببطانة الدفتر، يقول: فلما أصبحت وجدت ذلك كما قال، وهذا يدل على أنه أحسَّ بذلك، لكن ما هناك شيء بَيِّنٌ من السُّنَّة إلَّا ما ورد فيما رواه أبو داود (15) وصححه ابن عبد البَر وأقَرَّه ابن القيم في كتاب الروح من أن الإنسان إذا سلَّم على شخص يعرفه في الدنيا ردَّ الله عليه روحه فردَّ عليه السلام.
هذا يقول: قال شارح الروض: فيما يعتقدون حِلَّه كخمر، هل معنى هذا أن الله أحلَّ الخمر، حلَّله لهم؟ وكيف يقال إذا قال قائل: إن الله تعالى لم يحرِّم شيئا إلَّا فيه مصلحة للبشر، أو العكس.
طالب: (... ). الشيخ: نعم؟ وهل تحليل الخمر لليهود والنصارى فيه مصلحة؟ جزاكم الله خيرًا.

الخمر كان حلالًا لهذه الأمة بنص القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 67]، السَّكَر باستعماله شربًا، والرزق الحسن بالربح به في التجارة، ثم تدرَّجت الأحوال -كما تعرفون هذا- أنها تدرجت بعد ذلك إلى ثلاث، كم؟ طلبة: ثلاث مراتب.
الشيخ: ثلاث مراتب، آخرها التحريم المطلق، فلعل النصارى كان ذلك حِلًَّا لهم في كتابهم ولم يُنسَخ.
طالب: شيخ، إذا قال قائل: إن الله (... ) تحليل الخمر، هل (... )؟ الشيخ: يقول.. موجود؟ حسنًا، أين هو؟ نعم.
يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، هل للصائم أجر إذا كان أمامه أُناس يأكلون؟ وهل ورد في السُّنَّة ما يُبَيِّن ذلك، إذا كان هناك أجر؟ لأن بعض الإخوة يقول: إن الملائكة تترحَّم عليه.
هذا لا أعلم فيه نصًّا عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن فيه أجرًا، أو أن الملائكة تترحم عليه، لكن بعض السلف -ولا سيما في التابعين- كان يرى أن ذلك من الصبر؛ يعني من زيادة الصبر، أي كون الإنسان يصبر على الصيام مع أن الناس يأكلون حوله يزداد بذلك أجرًا، لا سيما مع تَوَقان النفس إلى الأكل والشرب، فإنه يزداد أجره؛ لأنه سوف يزداد صبره.
وهذا يقول: هي أم عبد الرحمن (... )، والنساء يُستثنى لهن؛ لأنها ما تستطيع أن تسأل في غير هذا المكان، تقول: امرأة جاءتها العادة الشهرية على هيئة صُفْرَة وكُدْرَة لمدة عشرة أيام، ثم انقطعت الصُفْرَة والكُدْرَة نصف يوم تقريبًا ثم استمرت العادة -أي الصُفْرَة والكُدْرَة- أسبوعًا آخر، عِلْما بأن مدة الدورة سابقًا هي أسبوع، وأن الدورة تأتي هذه المرأة حاليًّا وهي مرضع كل شهرين بدلًا من إتيانها كل شهر، فما العمل جزاكم الله خيرًا بالنسبة للصلاة والصوم وغير ذلك؟ علمًا بأنها كانت تصلي في الأسبوع الأخير احتياطًا.

نقول: هذه المرأة إذا لم ترَ الدم الأحمر المعروف فإن هذه الصُفْرة والكُدْرة ليست بشيء، لا سيما وأنها ترضع؛ لأن الغالب أن المرضع لا تحيض، فالواجب عليها أن تصلي، وأما الصيام فإن كان في رمضان فوجب عليها أن تصوم، وإذا كان قضاءً فإن شاءت قضت، وإن شاءت أجَّلَت.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ لَمْ يُقرَّ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ أَوْ دِينُهُ.
فَصْلٌ: فَإِنْ أبَى الذِّمِيُّ بَذْلَ الجِزْيَةِ أَوِ التِزَامَ حُكْمِ الإِسْلاَم أَوْ تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا، أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ، أَوْ تَجَسُّسٍ، أَوْ إِيْوَاءِ جَاسُوسٍ، أَوْ ذَكَرَ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ كِتَابَهُ بِسُوءٍ انْتَقَضَ عَهْدُهُ دُونَ نِسائِهِ وَأَوْلَادِهِ، وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

سبق لنا كثير من أحكام أهل الذمة، وكما تعلمون أن هذا الكتاب مختصر، لم يستوعب جميع الأحكام التي تُطَبَّق على أهل الذمة، لكن ابن القيم -رحمه الله- توسع في ذلك في كتابه أحكام أهل الذمة وهو مطبوع في مجلدين وموجود، وكنا قبل هذا الوقت نقول: لا حاجة لقراءة الجهاد؛ لأنه ما فيه جهاد، ولا لقراءة أحكام أهل الذمة؛ لأنه ما عندنا أهل ذمة، أما الآن فلا بد لطلبة العلم من أن يقرؤوا ويحققوا أحكام الجهاد، وأحكام أهل الذمة، وسائر الكفار؛ لأننا في الجهاد -كما تعلمون الآن- انفتحت جبهات -ولله الحمد- فيها جهاد في سبيل الله، وأما الكفار فقد ابتُلينا بهم، وكثروا بيننا -لا كثَّرهم الله- فالواجب أن نعرف كيف نعامل هؤلاء الكفار، ومن أهم شيء في مسألة الكفار أنه لا يجوز إقرارهم في جزيرة العرب للسكنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن ذلك، بل قال: «أَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (16)، وقال وهو في مرض موته: «أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (17)، وقال: «لَأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ إِلَّا مُسْلِمًا» (18). لهذا يجب أن نعلم أنه لا يجوز إقرار اليهود أو النصارى أو المشركين في جزيرة العرب على وجه السُّكْنى، أما على وجه العمل فلا بأس، بشرط ألَّا نخشى منهم محذورًا، فإن خشِينا منهم محذورًا مثل بث أفكارهم بيننا أو شرب الخمر علنًا، أو تصنيع الخمر وبيعه على الناس فإنه لا يجوز إقرارهم أبدًا؛ لأنه في هذه الحالة يكونون مفسدين في الأرض.
ثم إن من جملة الأحكام -أحكام أهل الذمة- ما ذكره المؤلف بقوله، وهو مبتدأ درس الليلة:

(وَإِنْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ)، (تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ) أي: صار النصراني يهوديًّا، عَكْسُه بأن تنصَّر يهودي، أي: صار اليهودي نصرانيًّا، أيهما أكمل؟ أن يتهوَّد نصراني، أو يتنصَّر اليهودي؟ طلبة: (... ). الشيخ: كلها باطلة؛ لأن اليهودي إذا انتقل إلى النصرانية فقد انتقل إلى دين منسوخ لا يقبله الله عز وجل، صحيح أن النصارى بعد اليهود، وأنهم أقرب إلى الحق من اليهود -وإن كانوا كلهم على باطل- لكن النصارى يؤمنون بعيسى، واليهود لا يؤمنون به؛ لهذا كانوا أقرب إلى الحق من اليهود، أما من جهة الكفر فهم في الحقيقة على حد سواء.
كان النصارى قبل البعثة ضالين، يعبدون الله على ضلال ويريدون الحق، لكن عَمُوا عنه، والعياذ بالله، واليهود كانوا مغضوبًا عليهم؛ لأنهم يعلمون الحق ولكن لم يعملوا به، بعد بعثة الرسول كانوا كلهم مغضوبًا عليهم، اليهود والنصارى؛ لأن اليهود تركوا الحق عن عَمْد، والنصارى أيضًا تركوا الحق عن عَمْد، فلا فرق بينهم، فيكون الجميع على دين غير مقبول عند الله، لا اليهود ولا النصارى، لكن لا شك أن طبائع اليهود وغِلظهم وخداعهم وخيانتهم ومكرهم أشد وأعظم من النصارى في هذا الباب، لكن -ومع ذلك- بعد الحروب التي وقعت بين النصارى والمسلمين صار النصارى يُكِنُّون للمسلمين مثل ما يُكِنُّ اليهود، فنسأل الله تعالى أن يدافع الجميع عنَّا.
إذا تَهَوَّد نصراني، النصراني صار يهوديًّا، نقول: لا نقبل منك، فإما أن تُسْلِم، وإما أن ترجِع إلى دينك الذي انتقلت منه.
وإن تمجَّس؟ طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك، من باب أَوْلى.
إنْ تنصَّر مجوسي فكذلك، كل من انتقل عن دينه الذي هو عليه، قلنا له: إما أن ترجِع وإما أن تُسْلِم؛ وذلك لأنه لا يمكن أن ينتقل إلى دين أفضل من حيث القبول عند الله، كل الأديان سوى الإسلام كلها غير مقبولة عند الله، فلا فائدة من انتقاله.

إذا تنصر يهودي أيضًا لا نقبل، نقول: إما أن ترجِع إلى دينك اليهودية وإما أن تُسْلِم.
وقال بعض أهل العلم: إذا تَهَوَّد نصراني لم يُقبل منه إلَّا الإسلام؛ لأن انتقاله من النصرانية إلى اليهودية إقرار منه بأن النصرانية باطلة، وانتقل إلى أي شيء؟ إلى دين باطل، إذن الدين الذي كنت عليه أولًا هو باطل، والذي انتقلت إليه أيضًا باطل، فلا نُقِرُّك على باطل، لا الأول ولا الثاني، ونقول: أَسْلِم وإلَّا قتلناك، وهذا القول لا شك أن له وجهًا قويًّا، وإما أن نقول: ارجع إلى دينك، وقد اعترف هو بانتقاله منه أنه دين باطل، كيف نقول هذا؟ ونحن أيضا نؤمن بأنه دين باطل؛ أي: منسوخ، كيف نقول: ارجع إلى دينك؟ فالقول بأن مَنْ انتقل عن دينه إلى دين آخر من سائر الكفار لا يُقبل منه إلَّا الإسلام، هذا قول قوي جدا؛ لأن انتقاله عن دينه اعتراف منه بأنه باطل، وإلى دين أيش؟ طلبة: باطل.
الشيخ: إلى دين باطل، إذن كيف نُقِرُّه! (وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوْ دِينُهُ)، فإن أَبَى؟ قال: إنه لا يرجع ولا يُسْلِم؟ فإنه يُقْتَل؛ لأنه على غير دين صحيح الآن، يُقْتَل، ولكنَّ الإمام أحمد سُئِل عن ذلك فتوقف فيه، أو قال: لا يُقْتَل، ولكن الذي يظهر من الأدلة أنه يُقْتَل؛ لأنه الآن على دين لا يُقَرُّ عليه، لكن الإمام أحمد رحمه الله رأى أنه ذو ذمة وعهد، وأن ذمته وعهده لا يُنْتَقض بذلك، فلا يجوز أن يُقْتَل، هذا وجه قول الإمام أحمد: إننا لا نقتله.
ثم قال المؤلف: (فَصْلٌ)، وهذا الفصل ذكر فيه المؤلف رحمه الله: ما ينتقض به العهد، والمعاهَدون ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: مَنْ غدروا.
والقسم الثاني: مَنْ استقاموا.
والقسم الثالث: مَنْ خِيف منهم أن يغدِروا.
أما مَن غدروا فإنهم قد انتقض عهدهم، ولا عهد لهم، كما قال الله عز وجل: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 12].

وأما مَنْ استقام، فإننا نستقيم له، ويبقى على عهده، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7].
وأما مَنْ خِيف منه الغدر، فإننا ننبُذ إليه العهد، ونُخبِره بأنه لا عهد بيننا وبينه؛ لنكون نحن وإياه على سواء، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: 58]، أي: انبذ إليهم عهدهم لتكون أنت وإياهم سواءً.
الذمي داخل في هذا، إذا خرج عما يلزمه من أحكام الإسلام فإنه ينتقض عهده؛ لأن العهد الذي بيننا وبينه أن يلتزم أحكام الإسلام، ومنها أن يبذل الجزية.
يقول: (فَإِنْ أبَى بَذْلَ الْجِزْيَةِ) قال: إنه لا يُسَلِّم الجزية فإن عهده ينتقض، ويحل دمه وماله.
كذلك إذا أبى التزام حكم الإسلام، بأن صار يجهر بالخمر ويُعْلِنه، ولا يلتزم بإقامة الحدود عليه فيما يعتقد تحريمه، ولا يتورع عن نكاح ذوات المحارم، في غير المجوسي، المجوسي يرى أن نكاح ذوات المحارم جائز، لكن اليهود والنصراني لا يرى ذلك، فإذا أَبَى التزام أحكام الإسلام انتقض عهده.
قوله: (أَوْ تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أَوْ زِنًا أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ)، تعدَّى على مسلم بقتل بأن قتل مسلمًا، فإن عهده ينتقض حتى لو عفا أولياء المقتول فإن عهده ينتقض؛ لأن أولياء المقتول إن طالبوا بالقصاص اقتُص منه، وإلَّا لم يُقتَصَّ منه، لكن بالنسبة للعهد ينتقض؛ لأنه إذا قتل هذا يمكن أن يقتل آخر.
كذلك إذا اعتدى على مسلم بزنا، زنا بمسلمة ولو برضاها فإنه ينتقض عهده؛ لأن الواجب عليه أن يلتزم أحكام الإسلام، ومثل ذلك لو اعتدى على غلام بلواط فإنه ينتقض عهده.
وقول المؤلف رحمه الله: (تَعَدَّى عَلَى مُسلِمٍ بِقَتْلٍ أو زِنا) عُلِم منه: أنه لو تعدَّى على كافر مثله بقتل أو زنا فإن عهده لا ينتقض، ولكن ماذا نصنع به؟ طلبة: (... ).

الشيخ: إذا تمت شروط القِصاص في القتل قُتِل قِصاصًا، وفي الزنا إذا تحاكما إلينا أقمنا عليه الحد، وقد سبق أن الزنا محرم بجميع الشرائع، وأن حدَّه في التوراة كحَدِّه في القرآن.
قال: (أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ) يعني: تعدَّى بقطع الطريق، بأن كان يَعْرِض للناس في الطرقات فيغصبهم المال مجاهرة ومعه السلاح، مسلَّح، صار يجلس على الطرقات ومعه سلاح، ومن جاء قال: يلَّا، سلم المال، وقاتَلَه، فإن هذا قاطع طريق، ويُعْتبر فعله هذا نقضًا للعهد.
(أَوْ تَجَسُّسٍ) وهذا من أَشَرّ ما يكون، إذا تعدى على المسلمين بالتجسس فصار ينقل أخبار المسلمين إلى العدو فإن عهده ينتقض، ولا إشكال فيه، بل إن الجاسوس -وإن كان مسلمًا- يجب أن يُقْتَل، إذا تجسس للعدو -ولو كان مسلمًا- يجب أن يُقتَل، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اطَّلَع على الجاسوس الذي جس لقريش، مَنْ هو؟ طلبة: حاطب.
الشيخ: حاطب بن أبي بلتعة، وعَلِم به، استأذن أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ» (19)، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الجاسوسية مبيحة للدم، لكن وُجِد مانع، وهو كونه من أهل بدر، وهذه العلة لا توجد في عهدنا الآن.
فإذا وجِد إنسان جاسوس يكتب بأخبارنا إلى العدو، أو ينقلها مشافهة، أو ينقلها عَبْر الأشرطة، فإنه يجب أن يُقتل حتى لو تاب؛ لأن ذلك كالحد لدفع شره، وردع أمثاله عن ذلك.
(أَوْ إِيْوَاء جَاسُوسٍ) هو لم يتجسس لكن أتى من العدو جاسوس ونزل عنده، فآواه وتستَّر عليه، فإن عهده ينتقض، لماذا ينتقض وهو لم يتجسس؟ لأنه آوى الجاسوس، فرضي بالجاسوسية، وهذا ضرر بالمسلمين.

قال: (أَوْ ذَكَرَ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ أَوْ كِتَابَهُ بِسُوءٍ) وينبغي أن يُلْحَق: (أو شريعته) إذا ذكر الله بسوء فسَبَّ الله، وقالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64]، إذا قال: يد الله مغلولة، إذا قال: إِن الله فقير، فإن عهده ينتقض؛ لأنه ذَكَر الله بسوء، إذا قال: إن الله لم يعدِل حيث جعل لأمة محمد كِفْلَين من الأجر وجعل لغيرهم كِفْلًا واحدًا، وهذا غير عدل؛ فإنه ينتقض عهده، إذا قال: إن الله تعالى جاهل ولا يدري، فإن عهده ينتقض، المهم إذا ذَكَر الله بسوء، أي سوء يكون.
كذلك إذا ذَكَر رسوله، و (رسول) هنا: مفردٌ مضاف، فيعُمُّ كلَّ رسول، فلو ذكر اليهودي عيسى ابن مريم بسوء فإن عهده ينتقض، ولو ذكر النصراني محمدًا بسوء فإن عهده ينتقض؛ يعني سبَّه فقال مثلًا: إنه جبان، إنه جائر، إن فيه كذا وكذا، أو قال: إنه رجل شهواني، وما أشبه ذلك مما يدَّعيه النصارى -قاتلهم الله ولعنهم إلى يوم القيامة- فإن عهده ينتقض، ولا عهد له ولا كرامة، كذلك لو ذَكَر الشريعة الإسلامية بسوء فإن عهده ينتقض؛ لأنه ليس هذا الذي بيننا وبينه.
قال المؤلف: (انْتَقَض عَهْدُهُ دُونَ نِسائِهِ وَأَوْلَادِهِ) فيتبعض الحكم لتبعُّض موجِبِه، النساء والأولاد لم يفعلوا شيئًا يوجِب نقض العهد فيبقَوْن على العهد، وهو فَعَلَ ما يوجِب نقض العهد فينتقض.
قال المؤلف: (وَحَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ)، حَلَّ دَمُهُ حتى لو قال إنه تاب، وإذا انتقض عهده انتقل من الذمة إلى الحِرابة، فصار حَرْبِيًّا، انتبهوا، وإذا صار حَرْبِيًّا يخيَّر الإمام فيه بين أربعة أشياء أظن، ما هي؟ القتل، والاسترقاق، والمنّ بدون شيء، والمنّ بفداء.

والفداء إما بمال أو بمنفعة، المهم أن يكون حُكْمه حُكْم الحربي، وظاهر كلام المؤلف: حتى في من كان انتقاض عهده بسبِّ الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن بعض أهل العلم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إنه يتعيّن قتله إذا سَبَّ الرسول وتاب؛ لأن هذا حق للرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نعلم أنه عفا عنه، والأصل أن يؤخذ للرسول صلى الله عليه وسلم بالثأر، إلَّا إذا علمنا أنه عفا، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام عفا عن أُناس كانوا يسبونه في عهده، وارتفع عنهم القتل.
وقوله: (وَحَلَّ مَالُهُ) إذا قال قائل: كيف يحِلُّ ماله، وأهله لم ينتقض عهدهم؟ أفلا نقول: إن المال يبقى للأهل؟ الجواب: لا؛ لأن أهله لا يملكون ماله إلَّا بعد موته، أما وهو حي فالمال ماله، وتَبَيَّن الآن أنه لا حرمة له بنفسه، فلا حرمة له بماله.
وإلى هنا انتهى ما يتعلق بالعبادات، والعلماء رحمهم الله بدؤوا في تصانيفهم بالعبادات.

(كتابُ الْبَيْعِ)

وهو مُبادَلَةُ مالٍ ولو في الذِّمَّةِ أو مَنفعةٍ مُباحةٍ - كمَمَرٍّ دار- بمِثْلِ أحدِهما على التأبيدِ غيرَ رِبًا وقَرْضٍ.
و(يَنْعَقِدُ) بإيجابٍ وقَبُولٍ بعدَه وقَبْلَه, مُتراخيًا عنه في مَجْلِسِه، فإن تَشاغَلَا بما يَقْطَعُه بَطَلَ وهي الصيغةُ القَوْلِيَّةُ، وبِمُعاطاةٍ وهي الْفِعْلِيَّةُ.
و(يُشْتَرَطُ) التراضِي منهما, فلا يَصِحُّ من مُكْرَهٍ بلا حَقٍّ، وأن يكونَ العاقِدُ جائزَ التَّصَرُّفِ, فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُ صَبِيٍّ وسَفيهٍ بغيرِ إِذْنِ وَلِيٍّ، وأن تكونَ العينُ مُباحةَ النفْعِ من غيرِ حاجةٍ كالبَغْلِ والْحِمارِ، كالبَغْلِ والْحِمارِ، ودُودِ الْقَزِّ وبِزْرِه, والفيلِ وسِباعِ البهائمِ التي تَصْلُحُ للصيْدِ، إلا الكلبَ والحشراتِ والمصْحَفَ والْمَيْتَةَ والسِّرْجِينَ النَّجِسَ والأَدْهَانَ النَّجِسَةَ، لا الْمُتَنَجِّسَةَ، ويَجوزُ الاستصباحُ بها في غيرِ مَسْجِدٍ، وأن يكونَ من مالِكٍ أو مَن يَقومُ مَقامَه، فإن باعَ مِلْكَ غيرِه أو اشْتَرَى بعينِ مالِه بلا إِذْنٍ لم يَصِحَّ, وإن اشْتَرَى له في ذِمَّتِه بلا إِذْنِه ولم يُسَمِّه في الْعَقْدِ صَحَّ له بالإجازةِ ولَزِمَ الْمُشْتَرَى بعَدَمِها مِلْكًا، ولا يُباعُ غيرُ الْمَساكِنِ

مدخل

يُشترط أن يحتاج الإنسان إليه، فخرج بقولنا: (عَيْنٌ) ما ليس بعينٍ وهو المنفعة، وستأتي، وخرج بقولنا: (مباحةُ النفْعِ) ما ليس بمباحٍ كالخمر والخنزير وشبهه، فلا (... ). وخرج بقولنا: (بلا حاجةٍ) ما يُباح نفعُه للحاجة كالكلب؛ الكلب ما هو بمالٍ مع أنه عينٌ مباحةُ النفعِ، لكنه لا يُباح إلا لحاجة.
ويش هي الحاجة؟ صيدٌ أو حَرْثٌ أو ما أشبهَ، فالتبادل بين الشخصين في كلبينِ ما يُعَدُّ بيعًا؛ لأن الكلبين ليسا مالًا؛ إذْ إنَّ المال (عَيْنٌ مباحةُ النفْعِ بلا حاجة)، هذا المال.

قال: (أو منفعةٍ مباحةٍ) يعني: أو مبادلةٌ في منفعةٍ مباحةٍ، تَبادُل منفعة، ما هو تَبادُل أعيان؛ مثل أن أُبادِلَك منفعةً تَمُرُّ مع داري، في منفعةٍ أمُرُّ مع دارك؛ فيه شارع يلي دارك وشارع آخَر يليه داري، وأنا ودِّي أنفُذ إلى الشارع اللي وراءك وأنت تودُّ أن تنفذ للشارع اللي ورائي، نتَّفق على أني سأُقيم مَمَرًّا من دارك مقدار مترين، بَسْ مَعْبَر فقط، ما أملك أنا (... ) لكنْ أنا أملُك (... )، وأعطيك أنا مِثْله من داري.
هذا بيع منفعة ولَّا بيع عَيْن؟ طلبة: منفعة.
الشيخ: بيع منفعة، ولهذا قال: (كَمَمَرٍّ في دارٍ)، فأنا ما ملكْتُ العين، أنتَ ما أعطيتَني هذين المترين مِلْكًا لي، إنما أنت بِعْتَ عليَّ النفع، ولهذا لو بحثتُ أنا في هذا الممرِّ قلتُ: واللهِ أنا بحثتُ في الممرِّ هذا أبغي (... )؟ طالب: ما ملك.
الشيخ: ما ملك، أنا (... ) النفع فقط، (... ) بلاط، قال: لا، اترك البلاط، يملك هذا ولَّا ما يملك؟ طلبة: (... ). الشيخ: (... ) له أن يمنع (... )؛ لأنه ليس مِلْكي، أنا ما لي إلا الممر.
(بِمِثْلِ أَحَدِهِمَا) يعني بأن تُبادِل مالًا بمالٍ أو مالًا بمنفعة.
إذا أعطيتُك كتابًا بكتابٍ، ويش هذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: إي، لكن يُعتبر مالًا بمالٍ، المال (... ) بالمال، مالٌ بمالٍ.
طيب، إذا أعطيتُك كتابًا بِمَمَرٍّ في دارٍ، ويش هذا؟ طلبة: مال بمال.
الشيخ: مال بمنفعة.
طيب، أعطيتُك ممرًّا بممرٍّ، هذه منفعة بمنفعة.
وقول المؤلف: (ولو في الذمة) هذا قسمٌ ثالث، يقول: مالٌ في الذمَّة.
المال في الذمة، ما عَيَّن، قلت: أريد أبيع عليك سيارة داتسون رقمها كذا، وموديلها كذا، ولونها كذا.
هذه عين ولَّا في الذمة؟ طلبة: عين.
الشيخ: لا.
طلبة: في الذمة.
الشيخ: هذه في الذمة، ما قلت: أبغي أبيع عليك سيارتي.
قلت: أبغي أبيع عليك سيارة داتسون صفتها كذا وكذا وكذا.
ووصفتُها، هذه ما يقال: إنها عين، يقال: هذا موثوق في الذمة.
كذا؟

اشتريتُ منك هذا الكتاب بعشرة دراهم، هذا عين، بمالٍ في الذمة ولَّا معيَّن؟ طالب: معيَّن.
الشيخ: لا يا إخوان، اشتريتُ منك كتابًا بعشرة ريالات، ما هي معي العشرة (... )؟ طلبة: في الذمة.
الشيخ: هذا مالٌ بمالٍ في الذمة.
ذَكَر بالشرح تسع صُوَر، لكن ما احنا ذاكرينها (... ) لأني إن ذكرت (... )، هو ذَكَر أن فيه تسع صُوَر، هو صحيح؛ لأن عندنا مال معيَّن، ومال في الذمة، ومنفعة، ثلاثةُ أشياء، إذا بُودِلتْ بعضُها ببعضٍ كمْ ينتج من الثلاثة؟ تسع صور؛ يعني ثلاثة في ثلاثة: تسع.
على كل حال المالُ الآن (... ) مال ولو في الذمة، وهناك مال معيَّن ومال في الذمة، حُط مالًا معيَّنًا ومالًا في الذمة، ويش بعد؟ طلبة: منفعة.
الشيخ: والمنفعة، ثلاثة، تُبادل بعضها ببعض ينتج منها؟ طلبة: تسع صُوَر.
الشيخ: تسع صُوَر.
كيف ذلك؟ نبدأ: مالٌ بمال؛ يعني معيَّن بمعيَّن، هذه واحدة.
مالٌ بمالٍ في الذمة، صورتين.
مالٌ بمنفعة.
هذه ثلاث صور، شوف أخذْنا من رقم واحد ثلاث صور.
الثاني: مال في الذمة نُبادله بمال في الذمة، هذه واحدة.
نُبادله بمال معيَّن، ثنتين.
نبادله بمنفعة، ثلاثة.
هذه ست.
نجيء للمنفعة نقول: منفعة بمنفعة، منفعة بمال في الذمة، منفعة بمال معيَّن؛ ثلاث، (... ) تسع صُوَر، إي نعم، وهذه ما هو لازم فهْمها؛ المهم أن نفهم أن البيع مبادلة مالٍ بمالٍ أو منفعة، والمال إمَّا في الذمة وإما معيَّن.
حُكْم البيع: البيع جائز بالكتاب، والسُّنة، وإجماع المسلمين، والنظر الصحيح.
الدليل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾.

والدليل من السُّنة قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» (1) إلى آخِره، «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ»، فإثبات الحكم للبيع دليلٌ على أنه جائز؛ إذْ إنَّ الباطل أو المحرَّم ما فيه أحكام إلا أن يُمنَع بالكلية.
أمَّا الإجماع فقد انعقد الإجماع عليه؛ أجمعَ المسلمون على جواز البيع بالجملة.
وأمَّا القياس والنظر الصحيح فلأن الحاجة بل الضرورة داعيةٌ إلى ذلك، ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: أنا ربما أحتاج إلى أكْل وشُرْب، الأكل والشرب معك، كيف أتوصَّل إليه؟ جئت قلتُ: جزاك الله خيرًا، أعطني خُبزة آكلها، أنا ميِّت من الجوع.
قلتَ: لا.
ما يمكن أتوصَّل إلى الخُبزة إلا إمَّا أني آخُذ منك غصبًا، وحينئذٍ إذا كنتَ أنت من أضدادي وأندادي أتهاوش أنا وإيَّاك، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يمكن تقتلني وإلَّا أقتلك، إن كان (... ) وأنا أقوى وأخذتُها ورُحْت (... )، إن كان بالعكس فأنا الذي يكون عليه الغَلَبة، فماذا أعمل إذا قال: أنا محتاج إلى الخُبزة؟ ويش أسوي؟ طالب: يبيع لك.
الشيخ: البيع هو اللي يحلُّ المشكلة، وكذلك قد يحتاج الإنسان إلى نقودٍ، كالفلاح مَثَلًا عنده ثَمَرٌ لكن يحتاج إلى نقود، كيف يتوصَّل إلى هذه النقود؟ بماذا؟ يبيع الثمر ويشتري نقودًا (... )، وهكذا فكانت الضرورة تقتضي إباحة البيع، ولهذا أحلَّه الله تعالى لعباده.
بعد ذلك قال: (غير رِبًا وقَرْضٍ) استثناء منين؟ من المبادَلة.
طالب: (على التأبيد).
الشيخ: إي نعم، (على التأبيد) صح.
(على التأبيد) يعني معناه أنه مؤبَّد، احترازًا من الإجارة؛ الإجارة: مبادَلة مال بمنفعة، لكنها ليست على سبيل التأبيد.
أو لا؟ اشتريتُ منك منفعةَ هذا البيت لمدَّة سَنَة، ما نقول: هذا بيع.
ويش نقول؟ طالب: إجارة.
الشيخ: إجارة؛ لأنه غير مؤبَّد.

وقوله: (غير رِبًا) فإن الربا ليس من البيع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، مع أنَّ فيه مبادَلة، أعطيتُك دينارًا بدينارين؛ بادلْتُ، لكن لا يسمَّى بيعًا لأنه رِبًا.
وقوله: (وقرضٍ) يعني: وغير قرضٍ.
القرض ما يسمَّى بيعًا وإن كان فيه مبادَلة.
وصْفُ القرضِ: أتيتُ إليك فقلتُ: أنا أريد عشرة ريالات قرضًا.
فأعطيتك، بعد يوم أو يومين أعطيتَني عشرة ريالات، فيه تبادُل ولَّا لا؟ طالب: نعم، تبادُل.
الشيخ: فيه تبادُل، إي، أنا أعطيتُك عشرة وأعطيتَني عشرة، تبادُل ما فيه إشكال، لكنه لا يسمَّى بيعًا؛ لأن القصد به الإرفاقُ والإحسانُ، والبيع القصد به المعاوضةُ والاتِّجار، لكن القرض يُراد به الإرفاق والإحسان، ولذلك إذا خرج عن موضوعه واشتُرِطَ فيه الزيادة ويش يصير؟ يكون رِبًا.
شوف الآن لو قلت: بعني دينارًا بدينار؛ خُذْ هذا الدينار (... ). يجوز ولَّا ما يجوز؟ طلبة: لا، ما يجوز.
الشيخ: لأنه قُصِدَ به المعاوضة فصار رِبًا.
لكن لو قلت: خُذْ هذا الدينار سلفًا، رُدَّه لي بعد يومين أو ثلاثة (... )، يجوز؟ طالب: (... ). الشيخ: الفرق؟ طالب: يعني: هو لك.
الشيخ: لأن هناك معاوضة، وهذا إرفاقٌ بالمقترِض وإحسانٌ إليه فلا يكون من البيع.


قال: (وينعقدُ بإيجابٍ وقَبُولٍ).
البيع له صيغتان: قولية وفعلية؛ فالقولية: الإيجاب والقَبول، والفعلية: هي المعاطاة، والمعاطاة ستأتي في كلام المؤلف.
الإيجاب هو اللفظ الصادر من البائع أو مَن يقوم مقامه كالوكيل، وهو بائع في الواقع، ولهذا لو قلنا: إن الإيجاب هو اللفظ الصادر من البائع بملْكٍ أو ما يقوم مقامه.
كان جيدًا؛ ويش يقول البائع؟ بعتُك هذا الشيء.
والقبول: هو اللفظ الصادر من المشتري أصالةً أو نيابةً؛ فيقول: اشتريتُ، أو: قَبِلْتُ، أو ما أشبهَ ذلك.
هذا هو الإيجاب والقبول.
يُشترط في الإيجاب والقبول شروط:

أولًا: قال المؤلف: (وقَبُولٍ بَعْدَهُ وقَبْلَهُ).
يُشترط أن يكون القبول بعد الإيجاب؛ تقول: بعتُ عليك.
ويقول: قَبِلتُ، أو: اشتريتُ، أو ما أشبه ذلك.
ويجوز قَبْله، لكن ما هو في كل صيغةٍ؛ يجوز قبله إذا كان بلفظ أمرٍ أو ماضٍ مجرَّدٍ عن الاستفهام ونحوه، القبول إذا كان قبل الإيجاب يُشترط فيه أن يكون بلفظ أمرٍ أو ماضٍ مجرَّدٍ عن الاستفهام ونحوه.
مثال الأمر تقول: بِعْني هذا الشيء بعشرة ريالات.
فيقول بِعتُك.
هنا القبول تقدم ولَّا لا؟ طالب: إي نعم.
الشيخ: بلفظ أيش؟ الطالب: الأمر.
الشيخ: بلفظ أمرٍ؛ بِعْني، فيقول: بعتك.
إذا قال: بِعتُك إيَّاه بعشرة، يحتاج تقول له: قَبِلتُ؟ ما يحصل (... ) لأنه معروف.
(بلفظ أمرٍ أو ماضٍ مجرَّدٍ عن استفهامٍ ونحوه)، ماضٍ بأن تقول: اشتريتُ منك كذا بعشرة ريالات.
أو: أخذت (... ). فيقول ذا: بِعتُ.
طيب لو قال (... )؟ طالب: (... ). الشيخ: لو قال: الله يربِّحك.
الطالب: كذا.
الشيخ: كذا؟ الطالب: نعم.
الشيخ: لأنه ما له صيغة معيَّنة.
فإن كان ماضيًا مقرونًا بالاستفهام مثل أن يقول: أبِعْتَني هذا بعشرة، فيقول: نعم بعتُك؛ فحينئذٍ يحتاج أن يقول: قَبِلتُ، لا بدَّ أن يقول: قَبِلتُ؛ لأن الاستفهام ما يدلُّ على القبول، إلى الآن أنا ما بعد قبلتُ، أنا أستفهِم: هل أنت تبغي تبيع ولَّا لا؟ فإذا قلت: نعم، لا بد يقول: قبلتُ، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ولكن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن العقود تنعقد بما دلَّ عليها في عُرف المتعاقدين قَبْل ولَّا بَعْد، بأيِّ لفظ، ما دام الناس يرون هذه الصيغة إيجابية وأنها صيغة عقدٍ فإننا لا نحجر على الناس، (... )، يمكن بعض الناس يقول: هبني كذا بـ (... )، يريد البيع نعم.
نصيبك، الله يربِّحك، بارك الله لك فيه، وما أشبه ذلك، كل هذه تُعَدُّ عند بعض الناس إيجابًا، المهم أن الصواب ما قاله الشيخ رحمه الله، لكن نحن نريد أن نتحرى المذهب في هذه المسألة.

يقول: (متراخيًا عنه).
(متراخيًا) هذه حال من القبول؛ يعني يكون القبول متراخيًا عن الإيجاب.
وعلى الفور يجوز ولَّا لا؟ طلبة: (... ). الشيخ: من باب أَوْلى، يجوز متراخيًا ويجوز على الفور؛ فإذا قال: بعتُك هذا بعشرة ريالات، قال: قَبِلتُ.
على طول، يصح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: ولو قال: بعتُك هذا بعشرة ريالات.
وسكت له شويّ يفكر هل يجزم ولَّا ما يجزم، قال: قَبِلت.
يجوز؟ طلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: المؤلف يقول: (متراخيًا عنه)، لكن يُشترط في التراخي (في مجلسه)؛ فإن قام عن المجلس فلا بد من إعادة الإيجاب، ما يكفي القبول لما سبق.
ثانيًا: ألَّا يتشاغل بما يقطعه؛ فإن تشاغل بما يقطعه فلا بدَّ من إعادة الإيجاب.
والحاصل أنه يُشترط في القبول أن يكون بعد الإيجاب، وأن يكون في المجلس، وألَّا يتشاغلا بما يقطعه.
بقي شرطٌ رابع: أن يكون مطابقًا للإيجاب؛ فإن كان مخالفًا له لم يصح.
الشروط أربعة الآن، نعيدها مرةً ثانيةً؛ يُشترط في القبول أربعة شروط، مَن يعرف الشروط؟ طالب: أن القبول لا يكون متراخيًا.
الشيخ: لا، يكون متراخيًا.
طالب: أن يكون متراخيًا على أن يكون في المجلس.
الشيخ: بَس ما هو بشرط أن يكون متراخيًا.
الطالب: أن يكون في المجلس.
الشيخ: أن يكون في المجلس، نعم.
بس واحد! طالب: وألَّا يتشاغلا بما يقطعه.
الشيخ: ألَّا يتشاغلا بما يقطعه.
هذا اثنان.
طالب: أن يكون بلفظٍ مطابق.
الشيخ: أن يكون مطابقًا للإيجاب.
طالب: أن يكون الإيجاب بعد القبول.
الشيخ: أن يكون الإيجاب بعد القبول (... ) غلط؛ أن يكون القبول بعد الإيجاب.
هذه أربعة شروط، لكن الشرط الأخير فيه تفصيل؛ لأنه إذا تقدَّم القبول على الإيجاب بلفظ الأمر وشبهه يُجزِئه ولَّا لا؟ الطالب: نعم، يجزئه.
الشيخ: (... ).

(إنْ تشاغَلَ بما يقطعُهُ) مثال ذلك قال: بعتُك هذا الشيء بعشرة دراهم.
قال: (... ) أني طلعت خمسة أتمشَّى، ووجدت الناس يتبايعون ويشترون، ووجدت فلانًا فعل كذا وفلانًا فعل كذا، وقام (... )، وبعدين قال: قَبِلتُ.
ويش تقولون؟ يصح القبول ولَّا لا (... )؟ طلبة: تشاغل.
الشيخ: تشاغلَ بما يقطعه، وإذا تشاغل بما يقطعه ويفْصله عن الإيجاب ما يصح.
الرابع: أنه يتوافق؛ أن يطابق القبولُ الإيجابَ؛ قال: بِعْتُك هذا الكتاب -وهو الروض المربع- بعشرة ريالات، فقال: قَبِلْتُ شراء الْمُغْنِي بخمس آلاف (... )، يصح؟ طلبة: لا، ما تطابق.
الشيخ: لأنه ما طابق.
طيب قال: قبلتُ الروض المربع بثمانية ريالات؟ طلبة: ما يصح.
الشيخ: ما يصح؛ لعدم التطابق، وهذا كله بناء على المذهب، أمَّا على اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية فنقول: ما دام هذا يُعَدُّ عقدًا عند الناس فهو صحيح.
فإذا قال: بعتُ عليك بخمسة عشر، قال: قبلت بعشرة، ويش يُعتبر عند الناس؟ يُعتبر قبولًا ولَّا لا؟ يُعتبر قبولًا.
المذهب يقولون: هذا يصلح، بس لا بد يقول البائع: بعتُه بعشرة.
لا بد أن يقولها.
يقول المؤلف: وينعقد أيضًا بالمعاطاة.
قال: (وهي الصيغةُ القوليَّة) يعني الإيجاب والقبول.
(وبِمُعاطاةٍ وهي الفعليَّة)؛ ينعقد البيع بالمعاطاة، وهي الفعلية، بدون لفظ.
المعاطاة لها ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يقول البائع للمشتري: خذ هذا بعشرة.
هذا إيجاب ولَّا لا؟ الطلبة: إيجاب.
الشيخ: المشتري أطلع العشرة من جيبه وأعطاها إيَّاه وأخذ السلعة، ولا قال: قبلتُ، ولا شيء، ويش هذه؟ طلبة: معاطاة.
الشيخ: معاطاة، معاطاة منين؟ من المشتري فقط.
الصورة الثانية: وقف على صاحب الدكان وقال: أعطني هذه الحاجة بعشرة.
فأخذها صاحب الدكان وأعطاها إيَّاه، ما قال: بعتُك، ولا قال: بعشرة، ولا بشيء، تصير معاطاة من جانب؟ طلبة: البائع.
الشيخ: من جانب البائع.
فيه معاطاة من الجانبين، كيف؟ طالب: معروف هذا السعر.

الشيخ: يكون مثلًا سعر كل بضاعة مكتوبًا عليها، هذا يوجد أظنُّه في الأجهزة.
الطالب: وفي الكتب.
الشيخ: وفي الكتب بعد؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: زين، المهم مكتوب السعر، أخذت الكتاب مثلًا ووضعت الفلوس، هذا ويش يُسمَّى؟ الطالب: معاطاة.
الشيخ: معاطاة مِن؟ الطالب: من الجانبين.
الشيخ: من الجانبين، فالمعاطاة إذن تصح من الجانبين، وهذا القول أيضا هو الصحيح عند أهل العلم.
وقال بعض العلماء إن البيع لا بد أن يكون بالصيغة القولية فقط ولا يصح بالصيغة الفعلية.
والصواب العكس أنه يصح بهذا وبهذا، لماذا؟ لأن الله قال ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ وأطلق ما قال أحل البيع بصورة كذا وبصورة كذا، فما عده الناس بيعا فهو بيع.
وبهذا نعرف أن القول الراجح في مسألة التزويج أن ما عده الناس عقدًا فهو نكاح سواء قال زوجتك بنتي أو قال جوزتك بنتي أو قال ملَّكْتُك بنتي كله ما دام الناس يعدونه عقد فهو نكاح؛ لأن الله ما اشترطَ شيئًا معيَّنًا في عقد النكاح، وقد وردَ في حديث سهل بن سعد في قصة المرأة التي وهبتْ نفسَها للرسول عليه الصلاة والسلام -في بعض ألفاظه- أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال له: «مَلَّكْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» (2). «ملَّكْتُكها»، وهنا لما نقولها باللغة العامية، ويش نقول؟ ملكتك إياها، باللغة العامية.
فإذَنْ نقول: كل ما عدَّه الناس عقدًا في النكاح وفي البيع وفي الوقف وفي الإجارة وفي غيرها فهو أيش؟ فهو عقد؛ لأن الله تعالى أطْلَقَ هذه الأشياء، أطلقها (... ) بشيء معيَّن، فما دامتْ عقدًا فهي عقدٌ بأي لفظ يكون، ولكن إذا حصل اختلاف في العُرف فإنه يُرجَع إلى اللغة إذا حصل اختلافٌ في العُرف؛ ما كان (... ) بين الناس فلا بد أن يُوضَّح ويُحمل على اللغة العربية الفصحى والله أعلم.


طالب: (... )؟ الشيخ: (... ) أو لا؟ الثمن ما دخلتْ عليه الباء؛ قلت: بِعْتُ عليك عشرة دراهم بثوب، وين الثمن؟ طلبة: الثوب.

الشيخ: الثمن الثوب؛ لأنه دخلت عليه الباء.
بعت عليك ثوبًا بعشرة.
الثمن؟ طالب: العشرة.
الشيخ: الثمن العشرة، خلافًا لمن قال: إن الثمن هو الذهب والفضة؛ النقد، فما كان نقدًا فهو الثمن سواء دخلت عليه الباء ولَّا ما دخلت.
فالصواب -وهو المذهب- أن ما دخلتْ عليه الباء فهو الثمن.
طالب: كل هذا يدخل عليه الباء.
الشيخ: لا، ما ينفع.
طالب: والباء هذه ويش هي؟ الشيخ: الباء هذه من الفعل.
فهمنا الآن الباء، ولهذا قلنا إن الصور تسع؛ فإذا قلت: هذه المنفعة بهذا الكتاب، أو: هذا الكتاب بهذه المنفعة؛ فهما صورتان؛ لأن الثمن ما دخلتْ عليه الباء.
عقد البيع أو البيع هو جائز ولَّا حرام؟ طالب: جائز؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.


باب شروط البيع

الشيخ: (... ) له شروط كغيره من العقود، و (... ) المعتبرة في العقود مما يدلُّ على كمال تنظيم الشريعة وتحديدها للأمور حتى تكون منضبطة؛ لأنه لو جازت الأشياء بدون شروط لأصبحت العبادات فوضى والمعاملات فوضى، كلٌّ يفعل على ما يشاء، فمن حكمة الشريعة ومن كمال الشريعة أن الأشياء لها شروطٌ وحدودٌ وضوابطُ، فالشروط إذن ليست للتضييق على العباد، ولكنها للتنظيم والضبط، حتى يكون (... ) كل الناس يتعامل كما يشاء.
ولهذا نقول: إن الشروط في البيع، والرهن، والوقف، والنكاح، كل المعاملات، وكذلك في العبادات، الشروط لها أهمية عظيمة، وهي ضبط الشريعة وانتظامها حتى تكون شريعةً واحدةً لجميع الناس.
من الشروط:

الأول: (التراضي منهما) يعني من البائع والمشتري؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]؛ يعني صادرة عن التراضي، ولأنه رُوي عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (3)، ولأن هذا مقتضى القياسِ؛ لأننا لو قلنا بجواز البيع بدون تراضٍ أفضى ذلك إلى الشِّجار والنزاع والعدوان، ولَّا لا؟ فإذا قلت: أنا -مَثَلًا- أرغب في السيارة (... )، تبيعها عليَّ.
يقول البائع: خذها بمليون، (... )، ويش يكون؟ طلبة: عداء.
الشيخ: عداوة وبغضاء، ثم إذا اشتريتها منه (... ) سيارتك (... )، لكن لا بد من التراضي بدلالة الكتاب والسُّنَّة والقياس الصحيح، وأظن الإجماع؛ ما أظنُّ أحدًا من أهل العلم يُبيح العقد بدون رضًا.
(فلا يصح من مُكْرَهٍ إلا بحقٍّ) لا يصح البيع من مُكرَهٍ سواء أُكْرِهَ على البيع أو الشراء إلا بحقٍّ، فإذا كان بحقٍّ فلا حرج؛ فإن أُكْرِهَ بحقٍّ فلا بأس به والبيع صحيح.
من الإكراه بحق أن يضطر رجلٌ إلى طعام وهو عند هذا الشخص، (... ) لا يبيع، فإنه يجبر على أن يبيع (... ) بالمال، واضطر الإنسان إلى لباسٍ في الشتاء، بَرْد، ما عنده إلا لباسٌ خفيفٌ ما يقيه، ولكن هذا اللباس موجودٌ عند فلان، قال: بع (... ). يُجبَر على بيعه ولَّا لا؟ الطلبة: يُجبَر.

الشيخ: يُجبَر.
كذلك إنسانٌ عليه دَينٌ، وقد رهن بيتَه لصاحب الدَّين، وحلَّ الدَّين فطالب صاحبُ الرهنِ (... )؛ يقول: أستوفي.
فقال صاحب البيت: أنا لا أبيع بيتي.
يُجبَر ولَّا لا؟ يُجبَر على بيعه لأنه مرهون، وصاحب الرهن له الحق في أن يُباع رهنُه ليستوفي دَينه، فالمهم إذا كان بحقٍّ فإنه يجوز ولو بدون رضًا، لماذا؟ لأجل القيام بحقِّ الغير؛ لأننا لو قلنا: إنه لا يُجبَر عليه مع الحق، أدَّى ذلك إلى ضياع الحقوق، فكما أننا نراعي العاقد فنقول: لا عقد إلا بالتراضي، كذلك نراعي حقوق الناس، وإلَّا لأصبح الناس يأكل بعضُهم بعضًا، فإذا أُكرِهَ الإنسانُ على البيع أو الشراء بحقٍّ جازَ ذلك؛ لأنه لولا هذا لأصبح الناس فوضى.
الشرط الثاني: (أنْ يكونَ العاقِدُ جائزَ التصرُّفِ).
(أن يكون العاقد) أيُّ العاقدَينِ؟ البائع والمشتري، (جائزَ التصرُّف) يعني: يجوز تصرُّفه شرعًا بماله، وهو الحرُّ البالغ العاقل الرشيد، هذا الجائز التصرف الذي يجمع أربعة أمور: أن يكون بالغًا، عاقلًا، حُرًّا، رشيدًا.
طالب: الفرق بين العاقل والرشيد؟ الشيخ: إي، طيب، يجيء إن شاء الله.
أن يكون (بالغًا) والبلوغ يحصل بواحدٍ من ثلاثة بالنسبة للرجال، وبواحدٍ من أربعة بالنسبة للنساء؛ يحصل البلوغ بالنسبة للرجل بالإنزال، ويحصل بالإنبات؛ إنبات شعر العانة، ويحصل بتمام خمس عشرة سنة، وتزيد المرأة بماذا؟ طلبة: بالحيض.
الشيخ: بالحيض؛ فإذا حاضت بلغت.
(عاقلًا) ضده المجنون والمبرسَم والمعتوه وما أشبهَ ذلك، هؤلاء ما يصح تصرُّفهم -بيعُهم ولا شراؤهم- لعدم وجود العقل.
(حرًّا) ضده العبد المملوك، لا يصح تصرُّفه؛ لأنه أولًا لا مال له، والثاني أنه لا يملك التصرُّفَ المطْلقَ لأنه مملوك، ولو جاز له التصرُّفُ المطْلقُ لتنافى مع الملكية.

الرابع: أن يكون (رشيدًا)، والرشيد هو الذي يُحسِن التصرُّفَ في ماله فيقوم عليه بالحفظ وعدمِ الإضاعة وعدمِ التصرُّف فيما لا فائدة منه، وبهذا عرفْنا الفرق بين العاقل وبين الرشيد.
هذا رجلٌ بالغٌ عاقلٌ، من أحسن ما يكون من العقلاء، متَّزِنٌ، وحُرٌّ، لكن في المال ما يعرف، يبيع الذي يساوي عشرة بريالين، ويشتري الذي يساوي عشرة بكم؟ بعشرين، ويُغبَن دائمًا ولا يُبالي، مِثْل هذا ما هو رشيد، ولا يجوز أن ندفع له المال ولا أن نأذن له بالتصرف.
فصار جائزُ التصرُّفِ من جمع أربعة شروط: أن يكون بالغًا، عاقلًا، حُرًّا، رشيدًا، سواء كان رجلًا أم امرأة، حتى المتزوجة لها أن تتصرَّف في مالها بدون إذن زوجها لأنها جائزة التصرُّف.
قال: (فلا يصحُّ تصرُّف صَبِيٍّ وسفيهٍ بغير إذن وَلِيٍّ).
(صَبِيٍّ) مَن هو الصبي؟ مَن لم يبلغ.
والسفيهُ مَن لا يُحسِن التصرفَ في ماله، ما يصح بغير إذن ولِيٍّ، فإنْ أَذِنَ الوليُّ صح، لكن اعلمْ أن إذن الوليِّ تارةً يكون إذنًا خاصًّا في عقدٍ خاصٍّ، وتارةً يكون إذنًا عامًّا، فإن كان إذنًا خاصًّا بحيث يأتي إليه الصبِيُّ ويقول: أنا أحبُّ أن أشتري هذا الكتاب بعشرة ريالات.
فقال نعم، اشترِه.
هذا أيش؟ طالب: إذنٌ خاص.
الشيخ: إذنٌ خاص، وتارةً يقول له: خذ هذه الدراهم بعْ بها واشترِ.
هذا إذنٌ عامٌّ، فلا يجوز بهذا الإذن العامِّ إلا في الشيء اليسير الذي جرتْ به العادة؛ مِثْل أن يقول مثلًا: خُذْ هذه الأربعة ريال رُح اشترِ (... ) بيض دجاج.
أمَّا يقول: هذه أربعة ريال رُح بِع واشترِ العقار.
يجوز ولَّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: يمكن يشتري له عقارًا يساوي مئة ألف بخمس مئة ألف، لكنْ دجاجة وبيضة وما أشبهَ ذلك ما فيه مانع؛ الشيء اليسير.

وأيضًا ما يأذن الولي، ما يجوز يأذن إلا إذا رأى المصلحة في ذلك، فإن رأى عدم المصلحة حَرُم عليه الإذن؛ افرضْ أنه أعطاه مثلًا أربعين درهمًا أو ريالًا فقال: رُح بعْ واشترِ بها الدجاج والبيض والبطيخ وما أشبهَ ذلك، وصار هذا الصبي يأخذ الأربعين ويشتري الدجاجة (... )، والبيض (... ) اثنين بريال، يغلط ولَّا لا؟ طلبة: يغلط.
الشيخ: يغلط، ما يجوز يأذن حتى في الشيء اليسير.
فالحاصل أن الإذن للصبيِّ ينقسم إلى قسمين: إذنٌ خاصٌّ في شيءٍ معيَّن وهذا يجوز ولو كَثُر، وإذنٌ عامٌّ؛ هذا ما يجوز إلا في الشيء اليسير الذي جرتْ عادة الصبيان بالتصرُّف فيه.
وقوله: (بغير إذْنِ وليٍّ) مَن هو الولي؟ المذهب أن الولي هو الأبُ، أو وصِيُّه، أو الحاكمُ، أو وكيله من باب أَوْلى؛ أي: أو وكيله أو وصِيُّه أو الحاكم، هذا هو الولي على المذهب، فالجد ليس وليًّا، والأم ليست وليًّا، والأخ ليس وليًّا، إلا إذا وكَّله الحاكم على ذلك، أو وكَّله أبوه، أو أوصى إليه.
الولي على المذهب يختصُّ أو ينحصر في أربعة أشياء، مَن؟ الأب، أو وكيله، أو وصيُّه، أو الحاكم.
وعلى هذا فالجدُّ ليس وليًّا ولو من قِبَل الأب، والأم ليست وليًّا، والأخ ليس وليًّا.
إذَن مات رجلٌ عن أبنائه وفيهم مَن هو بالغٌ عاقلٌ رشيدٌ، وكلهم صغار، مَن يتولَّى أموال الصغار هذه؟ يتولاها القاضي.
إذا قال إنسان: القاضي مشغولٌ بقضائه وبالأمور العامة للمسلمين، (... ) المسألة بسيطة، ويش يعمل؟ يأتي مثلًا لأخيهم الأكبر إذا كان صالحا مُصلحًا يقول: تفضل أنت وليٌّ أو وكيلٌ عني بالنظر على إخوانك الصغار.
وحينئذٍ يكون وليًّا بالوكالة عن القاضي.
طالب: (... ). الشيخ: الصبي من لم يبلغ.
الطالب: لو كان يُحسِن التصرف؟

الشيخ: ولو كان يُحسِن التصرف فهو صبي، لو كان من أشطر عباد الله في البيع والشراء وهو ما بعد بَلَغ -يعني بلوغه بأحد (... ) الثلاثة- فإنه لا يُقام عليهم، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ إذا بلغوا النكاح ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 6].
الشرط الثالث: (أنْ تكون العينُ مباحةَ النفعِ من غير حاجة).
هذا الشرط يتضمَّن عدة شروطٍ؛ قال: (مباحةَ النفعِ من غير حاجة)؛ أفادنا المؤلف بقوله: (مباحةَ النفعِ) أنه لا بدَّ أن يكون في العين المبيعة نفْعٌ، هذه واحدة، ولا بد أن يكون هذا النفع مباحًا، هذا اثنين، ولا بد أن تكون الإباحة بدون حاجة.
إذا تمت هذه الشروط الثلاثة صحَّ عقد البيع عليها وإلا فلا.
كتابٌ يشتمل على صحيح البخاري، يجوز عقد البيع عليه؟ طلبة: لا.
طلبة آخرون: نعم.
الشيخ: فيه نفع؟ طلبة: نعم.
طالب: كلُّه نفْع.
الشيخ: كلُّه نفْع.
لا! البخاري ما فيه نفْع! كلُّه نفْع، (... ) النفْع اللِّي يُؤكل فقط! طالب: يُؤكل ويُشرب.
الشيخ: لا، ما هو اللِّي يُؤكل فقط، يؤكل ويُلبَس ويُشرب ويُنتفَع به في الدِّين.
النفع الذي فيه مباح؟ طلبة: نعم.
طالب: معلوم.
الشيخ: فالنفع بلا حاجة ولَّا بحاجة؟ طلبة: بلا حاجة.
الشيخ: بلا حاجة، إذَن يصح عقد البيع على صحيح البخاري؛ لأنه عينٌ مباحة النفْع بدون حاجة.
رجُل عنده حمارٌ زَمِن، ويش معنى زَمِن؟ طالب: (... ). الشيخ: (... ) ما يقدر يمشي، هل يجوز عقد البيع عليه؟ طالب: لا.
الشيخ: هو عين ومُباح النفع؛ ﴿وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] طالب: (... ). الشيخ: لا، (... ) بلا حاجة، مباح النفع بلا حاجة، (... ) ماذا نقول فيه؟ ما فيه (... )، ما تقولون؟ طالب: ليس فيه نفع.
الشيخ: هذا لا يصح البيع عليه لأنه ليس فيه نفْع، فالعقد إذَن لا يصح عليه.

إذا قال قائل: يُشكل إذا قلنا: لا بد أن يكون فيه نفْع مباح؛ فيه أشياء كثيرة يبيعونها في الأسواق على الصبيان ما فيها نفع، (... )، فيه نفع هذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: (... )، إذَنْ فهو نفْع في الحقيقة.. يعني ما هو قال: نفْع لكلِّ الناس.
إذا كان فيه نفْع ولو من بعض الوجوه أو ولو كان ينتفع به ناس دون ناس، هذا لو اشترطت (... )، يصلح؟ طالب: لا يصلح.
الشيخ: ما يصلح، ما فيه نفْع له، لكن لو جاء واحد مِثْل ما قلتم (... ) هذا لا بأس به؛ لأن فيه نفْعًا مباحًا ولو لبعض الناس.
هذا أسطوانة أغاني، أو العود المعروف هذا، يشتمل على نفع؟ طلبة: لا.
الشيخ: يشتمل على نفع، فيه طَرَب.
طالب: (... ). الشيخ: نعم فيه (... ). طالب: غير مباح.
الشيخ: لكنه غير مباح، (... ) لكنه غير مباح ولا يحل عقد البيع عليه؛ لأن نفْعه غير مباح.
كذلك الإنسان عنده كُتُب -والعياذ بالله- مشتملة على زندقةٍ وعلى سِحرٍ وعلى دعوةٍ للكفر، ما تقولون في بيعها؟ طلبة: (... ). الشيخ: ما يجوز لكن لو اشتراها إنسانٌ بمقابلٍ لإحراقها مَثَلًا، يجوز ولَّا لا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؛ لأن فيه دفع مضرَّة، صحيح ما فيه منفعة، لكنْ فيه دفع مضرَّة، وأنا ما يمكنني أتوصَّل إليها إلا بهذه الطريقة، وعلى هذا تكون مصادرة الكتب المضِلَّة، يكون شراؤها صحيحًا ولَّا لا؟ صحيحًا لأجل الدافع؛ إذا لم نتمكن من الدافع إلا بطريق الشراء صحَّ وكان الإثم على البائع لا علينا.
طالب: (... )؟ الشيخ: (... ) عينٌ فيها نفْع.
الطالب: لا.
الشيخ: ما فيها نفْع؟ طلبة: لا، فيها مضرَّة.
الشيخ: ما فيها إلا نفْع محرَّم ولا هو بنفع في الواقع للمضرَّة، لا يجوز بيعه.
الطالب: (... ) فيها ويحرقها.
الشيخ: هذا لا بأس به، هذا لأجْل دفْعِ مضرَّتها، لكن هذا ويش يسوي؟ ! (... ) اشترى له كيس وكيسين وثلاثة ويش راح يسوي؟ ! الطالب: (... ). الشيخ: هذا أحسن (... ).


(... ) يعني أن الحمار ينزو على الفرس فيتولَّد بينهما ما يُسمَّى بالبغل، ولهذا: البغلُ فيه شَبَهٌ من الاثنين؛ الحصان وفيه شبه من الحمار، الحمار معروف.
(كالبغْلِ والحمارِ ودودِ القَزِّ) الدود معروف (... )، والقَزُّ: الحرير، القَزُّ له دودة معيَّنة تُسمَّى دودة القَزِّ، الحرير الأصلي الطبيعي يخرج من هذه الدودة، هذا مِن أحسنِ ما يكون وأنْعمِ ما يكون يخرج من دودة، سبحان الله! هذه الدودة يقولون: إنها تفرز إفرازات وتطويها على نفسها، تطويها على نفسها، (... ) انتهت طويتها ماتت، فإذا يبست جاؤوا وأخذوا هذا (... ) وألقوا هذا اليابس من جسمها، هذا يجوز، مع أنه كيف يجوز أن أبيع الديدان؟ طلبة: (... ). الشيخ: يجوز؛ لأن فيها مصلحة من أعظم ما يكون؛ القز.
كذلك بزر القزِّ؛ (وبزره)، بزر القزِّ ما فيه فائدة الآن، لكن يُنتفع به في المآل، والمراد ببزره: بيضُهُ.
كيف هذه البزرة تؤخذ؟ (... ) فتكون بزرًا في المستقبل يُنتفَع به، فيجوز.
كذلك قالوا: لو أنه اشترى ديدانًا لصيد السمك بأنه يجوز؛ لأن فيه نفعًا مباحًا، ولو اشترى عَلَقًا لِمَصِّ دمٍ يجوز، العَلَقُ معروف.
طالب: (... )؟ الشيخ: لا، العَلَق هذا الذي يكون في الماء، دودة حمراء (... ). طالب: (... ) الحمل.
الشيخ: حمل؛ يحمل أثقال، يقلع الأشجار، قوي جدًّا.
كذلك أيضًا (سِباعُ البهائمِ التي تَصْلُح للصيد) مثل الفهد؛ الفهد: نوع من السباع يُصاد به.
(إلا الكلب) إلا الكلب فلا.
طالب: (... )؟ الشيخ: (... ) كل شيءٍ يَصْلح لصيده يُضاف لهذا.
(إلا الكلب) الكلب ما يَصْلُح بيعُه مع أنه يَصْلُح للصيد ويُصاد به، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثَمَن الكلب (4)، فيكون هذا نصًّا خاصًّا مُبطِلًا لبيعه، ولأنه -على القاعدة- لا يُباح إلا لحاجة.
قال: (والحشرات).
الحشرات هذه ما هي معطوفة على المستثنى، معطوفة على المستثنى منه؛ يعني: وكالحشرات، يصح بيعُها ولَّا ما يصح؟

طالب: ما يصح.
الشيخ: إذن (والحشرات) معطوفة على الكلب؛ يعني: إلا الكلب وإلا الحشرات فلا يصح بيعها.
السبب؟ طالب: ما فيها نفْع.
الشيخ: ما فيها نفْع ولا فيها فائدة، فصَرْف المالِ فيها إضاعةٌ للمال، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن إضاعة المال (5). واستثنى (... ) العَلَق لِمَصِّ الدم، والديدان لصيد السمك، وكذلك الديدان وشبهها والحشرات للانتفاع بها من الناحية الطبية (... ). طالب: (... ). الشيخ: الديدان لمصلحة.
طالب: (... ). الشيخ: ما يجوز (... ).


(... ) أيضًا لا يجوز بيعُه، لا يجوز بيع المصحف، لماذا؟ يقولون: لأن في بيعه ابتذالًا له، كأنك إذا بعتَه معناه أنك راغبٌ عنه ما تبغيه، فلهذا لا يجوز بيعُه.
ومقتضى هذا التعليل أنه يجوز شراؤه؛ لأن المشتري (... )، ولكن يُقال: إن البيع عقدٌ لا يكون إلا بين اثنين، فأنتم إذا قلتم للبائع: لا يصح بيعُك، لَزِمَ من هذا ألَّا يصح شراء المشتري، وهذا هو المشهور من المذهب أنه لا يصح بيعُ المصحف ولا شراؤه أيضًا، ولكن الصواب أنه يصح بيعُه وشراؤه؛ لأن فيه نفعًا، مباحًا ولَّا أكثر من مباح؟ أكثر من مباح، نفعًا مطلوبًا (... )، وما زال المسلمون يبيعونه ويشترونه.
وأمَّا قول ابن عمر الذي يُروى عنه وددتُ أنَّ الأيدي تُقطع في بيعه (6)، فإن هذا منه رضي الله عنه يُحمَل على إذا كان واجبًا (... )؛ بحيث يكون عند الإنسان مصحف مستغنٍ عنه وغيرُه محتاجٌ إليه فإنه يجب عليه أن (... )، فإذا باعه في حال وجوب الإعارة فقد أساءَ، فيُحمل قول ابن عمر على هذه الحال.
قال: (والميتة).
الميتة ما يصح بيعها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ» (7)، ولأن الميتة ليس فيها نفعٌ مباحٌ على الإطلاق، متى يُباح الانتفاع بها؟ طلبة: الضرورة.
الشيخ: عند الضرورة.

وقول المؤلف: (الميتة)، يُستثنى منها؛ من جنسها ومن أجزائها، فيه استثناء؛ يُستثنى من جنس الميتةِ الميتةُ الطاهرة؛ فإن الميتة الطاهرة يجوز بيعُها، مثل؟ طلبة: السمك.
الشيخ: السمك والجراد، يجوز أنك تبيع سمكًا ميتًا أو جرادًا ميتًا.
ويُستثنى من أجزائها الشعر و (... )؛ فإنه يجوز بيعُه، ويُستثنى كذلك -على القول الراجح- الجِلْد إذا دُبِغ أو مطْلقًا.
فإذَن الميتةُ يُستثنى منها استثناءان: الاستثناء الأول من جنسها، والاستثناء الثاني من أبعاضها، ما الذي يُستثنى من جنسها؟ طلبة: السمك والجراد.
الشيخ: الميتة الطاهرة المباحة كالسمك والجراد.
ويستثنى من أعضائها؟ طلبة: الشعر.
الشيخ: الشعر، والصوف، والوبر، والريش إذا (... )؛ لأنه طاهر لا تدخله الحياة، ويُستثنى -على القول الراجح- الجلدُ سواء دُبِغَ أو لم يُدبَغ.
قال: (والسِّرجين النجس) ما هو السرجين النجس؟ السرجين: الدمان، تعرفون الدمان؟ ما هو؟ طالب: (... ). الشيخ: ما يجوز أن يُباع السرجين النجس، مِثْل أيش؟ كسرجين الحمير مَثَلًا، سرجين الحمير ما يجوز، لماذا؟ لأنه على المذهب ما فيه نَفْع، المذهب لا يجوز أن يسمد بالسرجين النجس، وإذا كان ما يجوز فمعنى ذلك أنه ما فيه انتفاع، لكن إذا قلنا بجواز الانتفاع به فهلْ يجوز بيعُه أو لا يجوز؟ في هذا نظر؛ لأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، قالوا: يا رسول الله، أرأيتَ شحوم الميتة، فإنها تُطلى بها السفن، ويُدهَن بها الجلود، ويَسْتصبِح بها الناس.
قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ» (7). يعني بيعها حرامٌ، مع أن الصحابة ذكروا له الانتفاع بها فمَنَعَ من بيعها، فالظاهر -قياسًا على هذا النص- أن السرجين النجس لا يجوز بيعه ولو قلنا بجواز الانتفاع به.
السرجين المتنجِّس يجوز بيعه ولَّا لا؟

نعم يجوز بيعه؛ لأن المؤلف يقول: (النجس)؛ النجس لذاته، أمَّا المتنجِّس مثل أن نجد سرجينًا طاهرًا بال عليه شخصٌ أو بال عليه حمارٌ أو بال عليه هِرٌّ أو ما أشبهَ ذلك، فيجوز بيعُهُ؛ وذلك لأنه يمكن تطهيره، بماذا يطهر؟ طالب: بالماء.
الشيخ: بالماء؛ «أَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ» (8)، فلمَّا كان يمكن تطهير السرجين المتنجِّس جاز بيعه، كما لو بعتُ عليك ثوبًا متنجِّسًا فيجوز (... ). قال: (ولا المتنجِّس) يعني: ولا يجوز بيع الأدهانِ المتنجِّسة.
طلبة: والنجسة؟ الشيخ: ولا الأدهان النجسة، الأدهان النجسة (... ) أيضًا لا يجوز بيعُها؛ مثل دهن الميتة دهنٌ نجسٌ ما يجوز بيعُه، الدليل؟ قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، ولَمَّا عرضوا عليه الشحوم ويش قال؟ قال «هُوَ حَرَامٌ» (7)، فمنع مِن بيعه، ولأن الأدهان النجسة لا يمكن الانتفاعُ بها في الأكل والشرب وشبه ذلك، ما يُنتفع بها -على القول الراجح- إلا فيما لا يتعدَّى (... ) كطلْي السفن والاستصباحِ وما أشبهَ ذلك، هذا هو الراجح.
أمَّا المذهب فإن الأدهان النجسة لا يجوز الانتفاع بها أبدًا حتى فيما لا يتعدَّى؛ لأنهم يقولون: إن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا، هُوَ حَرَامٌ».
«هُوَ» يعود على ما سألوا عنه، لا يعود على البيع، وهم ويش سألوا؟ عن شحوم الميتة يستصبح بها الناس وتُطلى بها السفن وتُدهَن بها الجلود، فقال: «لَا، هُوَ» أي: هذا الذي ذكرتم «حَرَامٌ».

والصواب أن «هُوَ» يعود على بيعها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يتحدَّث عن البيع، فلمَّا أوردوا عليه هذه المنافع يريدون أن يُحِلَّ البيعَ من أجْل هذه المنافع قال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ».
وهم رضي الله عنهم ما سألوا قالوا: يا رسول الله هل يجوز أن يستصبح بها الناس وأن تُطلى بها السفن وأنْ تُدهن بها الجلود؟ ما سألوا عن حُكْم هذا حتى نقول: إن قوله: «هُوَ حَرَامٌ» يعود على هذه الأشياء، إنما سألوا عن أيش؟ طالب: البيع.
الشيخ: عن جواز بيعها لما فيها من هذه المصالح، فقال: «هُوَ» أي: بيعُها «حَرَامٌ».
لاحظ الآن، صار بيع هذه الأدهان النجسة ويش حكمه؟ طلبة: (... ). الشيخ: حرامٌ.
ولو جازَ الانتفاعُ بها في هذه الأشياء؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا نصُّ الحديث، والمعنى يقتضي ذلك؛ لأننا لو جوَّزْنا هذا الشيء -أي: البيع- لكثُرتْ مُلابسات الناس لهذا الشيء النجس طلبًا لبيعه وثمنه، فإذا قلنا: هو حرام، ما صار يلابسها إلا مَن يحتاج إليها، أو لا؟ لو قلنا: إن بيع شحوم الميتة جائز، وأدهان الميتة جائز، كان كلُّ الناس يأخذون هذه الشحوم ويبيعونها، فيتلوَّثون بالنجاسة ويلوِّثون أوانيهم وغير ذلك.
(ولا المتنجِّسة) يعني: ولا يجوز بيع الأدهان المتنجِّسة.
ويش الفرق بين النجسة والمتنجِّسة؟ النجسة: التي هي عينُها نجسة، والمتنجِّسة: هي الطاهرة التي أصابتْها نجاسةٌ، هذا الفرق.
مثال ذلك: أنا عندي دهنٌ من لبنٍ؛ زبدٌ، سقطتْ عليه نجاسةٌ، ويش يصير؟ يكون متنجِّسًا، إذا كان متنجِّسًا يقول المؤلف: إنه ما يجوز بيع المتنجِّس.
كيف لا يجوز؟ نحن نقول: ما يجوز؛ لأنه على المذهب لا يمكن تطهير الأدهان المتنجِّسة أبدًا، الأدهان المتنجِّسة ما يمكن تطهيرها، وبناءً على ذلك تكون كالنجسة، ما دام ما يمكن تطهيرها فهي كالنجسة.

والصواب جواز بيع الأدهان المتنجِّسة؛ لأن تطهيرها ممكن، بماذا يمكن تطهيرها؟ بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا» (9)، فإذا ألقيناها وما حولها طهرتْ، وهذا يمكن؛ أمَّا في الجامد فظاهرٌ، وأمَّا في المائع فكذلك؛ لأن الدهن ليس كالماء يخالط ما يكون فيه، ولذلك تجد أن الدهن إذا صار في المرق دهن ينفرد الدهن عن المرق ولَّا لا؟ ينفرد (... )، وعلى هذا فالصواب أن الأدهان المتنجِّسة يمكن تطهيرها، وبناءً على ذلك يجوز بيعُها؛ لأن المشتري يمكن أن يطهِّرها فينتفع بها.
قال: (ويجوز الاستصباحُ بها).
(بها) الضمير يعود على أيش؟ طالب: على المتنجِّسة.
الشيخ: على المتنجِّسة خاصة؛ (يجوز الاستصباح بها) أي: بالمتنجِّسة (في غير مسجدٍ).
ويش معنى الاستصباح بها؟ يعني أن تجعلها وقودًا للمصباح، وكانوا في الزمن السابق يستصبحون بالدهن بدلًا عن الجاز؛ يحطون الدهن في إناءٍ صغيرٍ ويضعون فتيلةً؛ يعني خرقة، يكون أسفلُها في هذا الدهن، و (... ) النارَ في أعلاها، تبدأ تمتص مِن هذا الدهن وتولع، هذه الشعلة سيخرج منها دخان، الدخان سيلوِّث ما حوله، فإذا كان في مسجدٍ معنى ذلك أننا لوَّثْنا المسجد بنجاسة، ولهذا قال: (يجوز الاستصباحُ بها في غير مسجدٍ)، أمَّا إذا كان في البيت فلا حرج.
إذا كان في مسجدٍ ولكنه في السطح، ما رأيكم؟ طالب: (... ). الشيخ: فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز حتى في السطح؛ لأنه وإن لم يحدث تلوُّث فإن الرائحة تكون رائحةَ شيءٍ نجسٍ، والرائحة النجسة ما يجوز أنها تكون في المسجد، ولهذا قالوا: إنه لا يُحدِث في المسجد؛ يعني ما يفسو في المسجد.

والمسألة الأخيرة هذه فيها خلاف؛ بعضهم يقول: لا بأس أن الإنسان يفسو في المسجد؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَا لَمْ يُحْدِثْ» (10)، لكن الملائكة تصلِّي عليه وتستغفر له ما لم يُحدِث، قالوا: فلمَّا قال: «مَا لَمْ يُحْدِثْ» دلَّ هذا على جواز الحدث في المسجد.
ولكن هذا الاستدلال فيه نظر، بل لو قيل: إن هذا الحديث يدلُّ على منْع الإحداث لكان أَوْلى؛ لأن كون الملائكة تتوقَّف عن الدعاء له إذا أحدثَ إكرامٌ له ولَّا عقوبة؟ طلبة: عقوبة.
الشيخ: عقوبة، هل العقوبة تكون على شيءٍ مباح؟ طلبة: لا.
الشيخ: ما تكون، لكن الإنسان قد يُحدِث غصْبًا عليه.
ثم إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام منع مَن أَكَل البصلَ أنْ يدخل المسجدَ (11) لرائحته، أيُّهم أَوْلى؟ طالب: الإحداث.
الشيخ: هذا أَوْلى؛ لأنه له رائحة كريهة.


(... ) قال: (وأنْ يكون مِن مالكٍ).
(وأنْ يكون) الضمير يعود على العقد؛ يعني: وأن يكون العقد صادرًا من مالكٍ، مالكٍ لماذا؟ للمعقود عليه.
(أو مَن يقوم مقامه) يعني: أو صادرًا ممن يقوم مقام المالك، المالك واضح؛ الذي له الشيء.
والذي يقوم مقام المالك هم: الناظر، والوكيل، والولي، والوصِيُّ؛ أربعة، هؤلاء يقومون مقام المالك.
الولي: وهو مَن له الولاية شرعًا؛ كوليِّ اليتيم، وكالقاضي الوليِّ على الأموال المجهولة وأموال السفهاء وما أشبهَ ذلك.
والوكيل مَن؟ هو الذي فوَّضَ إليه العقدَ مالكُهُ، هذا وكيلٌ؛ مثل: قلتُ لك: خُذْ هذا بِعْه.
أو: خُذْ هذه الدراهمَ اشترِ لي كذا وكذا.
فهُنا البائع في الصورة الأولى والمشتري في الصورة الثانية قائمٌ مقامَ المالك في صفة الوكالة.

وأمَّا الناظر فهو: المدبِّر للأوقاف؛ يعني الذي جُعِلَ وكيلًا على الوقف يُسمَّى ناظرًا، ولهذا بعض الناس يقول إذا كتب الوقف: هذا وقفٌ على فلان، قال: والوكيل فلان بن فلان.
لو أخذنا باللفظ لكان إذا مات الْمُوقِفُ انفسخت الوكالة؛ لأن الوكالة تنفسخ بالموت، لكن نحن نعلم أنَّ قَصْد الكاتب: والوكيل فلان، بالنسبة للوقف، ويش قصْده؟ طلبة: الناظر.
الشيخ: الناظر فلان، ولهذا ينبغي لطالب العلم إذا كَتَب أن يُحَرِّر كتاباته، احنا دائمًا تُصادِفُنا مشاكل في هذه المسائل؛ يكتب الكاتب: الوكيل فلان.
إذا صار وكيلًا معناه تنفسخ وكالته بموته، لكن قلنا: الناظر على الوقف فلان بن فلان.
الوصِيُّ مَن هو؟ الوصِيُّ هو الوكيل بعد الموت؛ مَن أُذِنَ له بالتصرُّف بعد الموت، هذا هو الوصِيُّ؛ مِثْل أنْ يقول شخص: أُوصِي بثُلُثي أنْ يُبنى فيه مسجدٌ والوصِيُّ فلان.
هنا يصير فلان قائمًا مقام المالك بصفة أيش؟ طالب: الوصاية.
الشيخ: بصفة الوصاية.
(فإنْ باع مِلْكَ غيرِهِ... لم يصِحَّ)، ليش؟ ليس بماله؛ مثلًا: لو فرضْنا أن عيسى باع كتاب غانم، أخذه وباعه، يصح ولَّا ما يصح؟ ما يصح البيع.
لو موسى صديقه وصاحبه؟ أجيبوا.
الطلبة: لا يصح.
الشيخ: ولو كان ولده؛ هذا ابنٌ باع ملْكَ أبيه، ما تقولون؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح؟ ! ابنٌ ما يستطيع يبيع ملْكَ أبيه؟ ! طلبة: ما يصح.
الشيخ: لا يصح.
أبٌ باعَ ملْكَ ابنه، يصح ولَّا ما يصح؟ طلبة: لا يصح.
طلبة آخرون: يصح.
طالب: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (12). الشيخ: ما يصح، نَعَم، «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» نَعَم أبوك على العين والرأس، لكن الآن الملْك ملْك الولد، فلا يمكن أن يبيعه الوالد، ويش يعمل اللِّي بغى يبيعه؟ يتملك عليه لأجْل أن يكون مالكًا، أمَّا أن يبيعه على أنه لولده فلا يملك ذلك، ولهذا لو سألكم سائلٌ وقال لكم: رجلٌ باع ملْكَ ابنه، هل يصح البيع؟ ما تقولون؟

إنْ تَمَلَّكَه ثم باعه صحَّ البيع؛ لأنه مِلْكه الآن، وإنْ باعه قبل تَمَلُّكِهِ لم يصح؛ لأنه ليس مالكًا ولا قائمًا مقام المالك.
طالب: مَن يقوم؟ الشيخ: نقول (... ). الطالب: يدَّعي أنه له؟ الشيخ: ما هو بيدَّعي يتملَّكه حقًّا شرعًا (... )، مَثَلًا: هذا الكتاب لابنك، واسمه عبد الله، أخذتَ الكتاب وبِعْتَه قبل أن تتملَّكَه معناه بعتَ ما لا تملك، فإذا قلتَ مَثَلًا لي أو الثاني والثالث: يا جماعة (... ) تملَّكتُ هذا الكتاب، أو نويتَ أنت بنفسك أنك تملَّكتَ الكتابَ لك ثم بِعْتَه؛ فلا حرج.
الطالب: بس هو يتملَّكُه بلسان الحال.
الشيخ: ما هو لسان الحال، لسان الحال هنا مقطوع، ما دام باعه على أنه ملْكُ ابنه فهو ملْكُ ابنه.
طالب: (... ). الشيخ: لا، نقول على كل حال: يمكن يبيعه على أنه للابن و (... ) الابن.
الطالب: هذا التصرُّف اللي على الابن.
الشيخ: إي، التصرف على الابن.
طيب، إذَن (إذا باع ملْكَ غيرِهِ... لم يصح)، (إذا اشترى بعينِ مالِهِ بِلا إذْنِهِ) (بلا إذْنِهِ) متعلِّقة بالصورتين.
(إذا اشترى بعينِ مالِهِ... لم يصِحَّ)، إذا اشترى بعين ماله سواء له ولَّا للمتصرِّف لم يصح، كيف اشترى بعين ماله؟ أنا عندي لك مئة ريال وديعة، أيش لون الوديعة؟ يعني حاطُّه عندي وديعة ورقة من فئة مئة ريال ورقمها عشرة آلاف، عند واحد سلعة تساوي مئة ريال، فقلت له: اشتريت منك هذه السلعة بهذه المئة.
الآن البيع من أيِّ الصور؟ عينٌ بعينٍ، فالآن اشتريتُ بعين مالِهِ عينَ مالِ الرجل، لكن الظاهر أن ما بعد (... )، واضح؟ طلبة: (... ). الشيخ: أعيد مرة ثانية، اشتريتُ هذا المسجِّل بهذه المئة، قلت لصاحب المسجِّل: اشتريتُ منك هذا المسجِّل بهذه المئة، المئة ما هي لي، لفلان.
الآن اشتريتُ بعينِ مالِ فلانٍ، ما يصِحُّ البيع.
فإن قلتَ: اشتريتُ منك هذا المسجِّل بمئة ريال.
ثم طلَّعت (... ) وأعطيته إياها، يصح ولَّا ما يصح؟ طلبة: يصح.

جارٍ التحميل