طالب: شيخ، على القول الذي رجحناه أنه يكون في الفطام إذا رضع طفل ممكن في السنة الأولى، يرضع من المرأة بعد السنة الأولى (... ) فهل يؤثر؟
الشيخ: لا يكون ولدًا لها أبدًا، إنما الرضاعة من المجاعة، وهذا حد معلوم ومعقول المعنى أيضًا؛ أي فرق بين الطفل له سنة وستة أشهر يأكل التمر والخبز ويتغذى كما يتغذى الكبير ورضاع الكبير؟ أي فرق؟ لا فرق بينهما، فالرضاع محرم إذا كان له تأثير في نمو الطفل.
طالب: لو أنه رضع من أمه سنة كاملة ثم تغذى بغير اللبن.
الشيخ: طعام ولا ويش؟
الطالب: لا، طعام، ثم تركه وعاد إلى اللبن..
الشيخ: العودة هذه لا (... )، ما دام فطم وتغذى بالطعام؛ يعني مدة يتغذى بالطعام باختياره ما هو شيء غصب عليه؛ لأنه ربما يمنعونه الحليب ويأكل غصبًا عليه، لكن إذا كان باختياره فعوده بعد ذلك إلى اللبن لا يؤثر.
الطالب: وإذا كان بغير اختياره؟
الشيخ: لا، بغير اختياره ما يجوز، أصلًا ما يجوز أننا نفطم الصبي ما دام في زمن الرضاع، فنفطمه غصبًا عليه، ما يجوز، ولو هلك في هذه الحال لكان مضمونًا.
طالب: رجل تزوج امرأة في الجاهلية.
الشيخ: تزوج امرأة.
طالب: نعم، في الجاهلية.
الشيخ: زوجها؟
الطالب: إي نعم، في الجاهلية، ثم أسلموا، هل يجدد العقد أو لا؟
الشيخ: يقول: إذا تزوج إنسان امرأة من جاهلية على عقد غير شرعي لكنه يعتقده نكاحًا فهل يجددون العقد؟
الجواب: لا يجدد العقد؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يجدد العقد للذين أسلموا، بقوا على ما هم عليه من نكاح، إلا إذا كانت المرأة في تلك الحال لا تحل له كما لو كان مجوسيًّا وتزوج أخته وأسلما، فيجب أن نفرق بينهما؛ لأن المانع قائم، وهي الأخوة، أما إذا كان المانع قد انتهى فلا يضر.
طالب: ما (... ) وليًّا بالموافقة.
الشيخ: ما يضر، حتى لو تزوجها بغير ولي.
طالب: إذا عاد الزوج الأول (... ) على الثاني (... ).
الشيخ: ويش هذا، هذا في الرضاع؟
طالب: لا، ليس في الرضاع.
الشيخ: وين هو؟
طالب: في المرأة المفقودة.
الشيخ: المفقود مفقود جزاك الله خيرًا، هذا انتهى.
طالب: قال المؤلف رحمه الله في كتاب الرضاع: والسعوط والوجور ولبن الميتة والموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد أو باطل أو بزنا مُحَرِّمٌ، وَعَكْسُهُ الْبَهِيمَةُ، وَغَيْرُ حُبْلَى وَلاَ مَوْطُوءَةٍ، فَمَتَى أَرْضَعَتِ امْرَأَةٌ طِفْلًا صَارَ وَلَدَهَا فِي النِّكَاحِ، وَالنَّظَرِ، وَالْخَلْوَةِ، وَالْمَحْرَمِيَّةِ، وَوَلَدَ مَنْ نُسِبَ لَبَنُهَا إِلَيْهِ بِحَمْلٍ، أَوْ وَطْءٍ، وَمَحَارِمُهُ مَحَارِمَهُ، وَمَحارِمُها مَحَارِمَهُ، دُونَ أَبَوَيْهِ وَأُصُولِهِمَا وَفُرُوعِهِمَا، فَتُبَاحُ الْمُرْضِعَةُ لِأَبِي الْمُرْتَضِعِ وَأَخِيهِ مِنَ النَّسَبِ، وَأُمُّهُ وأُخْتُهُ مِنَ النَّسَبِ لِأَبِيهِ وَأَخِيهِ.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، سبق أن الرضاع له تأثير، ولكن لا بد من شروط، الأول؟
طالب: (... )؟
الشيخ: إي نعم، شروط تأثير الرضاع.
الطالب: أن يكون خمس رضعات.
الشيخ: أن يكون خمس رضعات فأكثر، وإن كان ستًّا؟
الطالب: (... ).
الشيخ: يعني إذن خمس رضعات فأكثر، لا بد أن تقول: فأكثر، الثاني؟
الطالب: أن يكون قبل الفطام.
الشيخ: أن يكون قبل الفطام.
ما هو الدليل على اشتراط خمس رضعات؟
الطالب: (... ) خمس رضعات، ثم (... ).
الشيخ: خمس معلومات، هذا لحديث عائشة: كان فيما أنزل عشر رضعات، ثم نسخن بخمس رضعات معلومات (7).
ما هو الدليل على أنه يكون قبل الفطام؟
طالب: (... ) النبي صلى الله عليه وسلم (... ) لعائشة: «انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانِكُنَّ؛ فَإِنَّ الرَّضَاعَةَ مِنَ الْمَجَاعَةِ».
الشيخ: «فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةَ مِنَ الْمَجَاعَةِ» (8) هذا واحد، دليل آخر؟
الطالب: دليل آخر؟ التعليل.
الشيخ: لا، التعليل غير الدليل، التعليل من الأدلة العقلية ما هو من الأدلة الفعلية، أنسيت؟ سبحان الله.
طالب: قوله صلى الله عليه وسلم: «لَا رَضَاعَ إِلَّا مَا شَدَّ الْعَظْمَ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ» (2).
الشيخ: نعم، هذا اثنان، دليل ثالث؟
طالب: قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ».
الشيخ: ذكرها.
طالب: حديث عقبة عندما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (3)، ولو كان يحرم رضاع الكبير لقال: أرضعيه.
الشيخ: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حذر من الدخول على النساء، قالوا: أرأيت الحمو؟ قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»، الحمو؛ يعني: قريب الزوج، يدخل على زوجة قريبه، قال: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»، ولو كان رضاع الكبير مؤثرًا لقال: الحمو ترضعه زوجة قريبه، هذه ثلاثة أدلة، فإن قال إنسان: ما جوابكم على حديث سالم مولى حذيفة؟
طالب: (... ).
الشيخ: أحسنت، نقول: هو خاص في مثل حاله، فإذا وجد إنسان قد تبناه أهل البيت، وصار بمنزلة أولادهم وأرضعوه بعد الكبر صحَّ، لكن هذا لا يمكن في الوقت الحاضر، السبب؟
الطالب: أن التبني حُرّم.
الشيخ: أن التبني حُرّم، لا يمكن.
من قال: إن هذا للحاجة، وأنه متى احتيج إليه جاز إرضاعه؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لا يصح، ونستدل على هذا بحديث الحمو: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ»، فلو كان مطلق الحاجة جاعلًا اللبن محرمًا لكان حل مشكلة الحمو أن ترضعه زوجة قريبه، إذن قصة سالم لا نقول: إنها مخصوصة بشخصه؛ لأنه ليس في الإسلام حكم مخصوص بالشخص، الإسلام ما بينه وبين أحد (... )، لكنه مخصوص بالحال، الحال لا توجد بعد تلك الحال التي وقعت لسالم.
إذا شرب الطفل لبنًا بغير إرضاع؟
طالب: صحَّ.
الشيخ: كيف يصح؟ معلوم يصح، ما أحد بيقول: حرام، لكن هل يؤثر أو لا يؤثر؟
الطالب: يؤثر (... ) وخمس وجبات.
الشيخ: نعم، خمس مرات يؤثر، بارك الله فيك؛ لأن العبرة بالتغذي باللبن، وقد حصل.
ما هي الرضعة التي يثبت بها الحكم؟
طالب: تكون خمس وجبات.
الشيخ: يعني هل هي المصة أو الالتقام؟ إنه ما دام إنه التقم من الثدي فهي رضعة فإذا فصله بأي وسيلة انقطعت الرضعة وصارت رضعة أخرى، أو المراد الرضعة؛ يعني: ما يسمى رضعة بمنزلة ما يسمى وجبة مثلا؟ (... ).
طالب: (... ).
الشيخ: الأخير هو الصحيح، فإذا قال قائل: لماذا لا تحتاطون وتجعلونها المصة؟
قلنا: الاحتياط بالأخير ليس بهذا؛ لأن الأصل عدم التأثير، فلا نقول: إنه مؤثر إلا بيقين، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله.
انتهينا إلى قوله (أو زنا) يعني لبن الموطوءة بزنا محرِّم.
مثال ذلك امرأة زنت والعياذ بالله، وأتت بولد وأرضعت بلبن هذا الولد طفلًا فهل يكون محرِّمًا؟
الجواب: نعم يكون محرِّمًا ولكن هل له أب؟ لا، له أم وليس له أب؛ لأن ولد الزنا لا ينسب للزاني فإذا كان ابنه الذي خلق من مائه لا ينسب إليه فالذي رضع من لبن موطوءته لا ينسب إليه، وعليه فيكون لهذا الولد أم، ولا أب له، كما أن ولد الزنا له أم وليس له أب، واضحة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: فيه لغز؛ هذا رجل له أم من الرضاع وليس له أب، غير مسألة الزنا، يقول العلماء: نعم يمكن له أم ولا له أب، كيف ذلك؟
تكون امرأة أرضعت هذا الطفل مرتين وهي عند زوج، ثم مات الزوج أو طلقها فتزوجت آخر، وأتت منه بولد، وأرضعت الطفل الذي أرضعته مرتين أرضعته ثلاث مرات، صار له أم وليس له أب، أليس كذلك؟ لأنها أرضعت بلبن الأول مرتين وبلبن الثاني ثلاثا فصارت أمًّا؛ لأنها أرضعت خمسًا، وليس له أب؛ لأنها إنما أرضعت وهي في حبال الأول مرتين وفي حبال الثاني ثلاثًا، على العكس يكون له أب وليس له أم، إنسان له أب من الرضاع وليس له أم، ما تقول، يمكن؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا تتصوره، له أب وليس له أم، مثاله: رجل له زوجتان، أرضعت إحداهما هذا الطفل ثلاث مرات وأرضعته الأخرى مرتين، المرأتان ليستا بأمين؛ لأن كل واحدة أرضعته دون النصاب، واحدة أرضعته ثلاثًا والأخرى أرضعته مرتين، لكن اللبن لبن رجل واحد؛ فيكون له أب وليس له أم.
في محاضرة ألقيت هذا السؤال عليهم، كل واحد أتى بصوت ليس بصواب، فقام أحد الطلبة الأذكياء، فقال له: السؤال غلط من أصله، السؤال غلط؛ لأنه ما تصور المسألة؟ كيف يكون له أب من الرضاع وليس له أم، فظن أنني ألقيت هذا السؤال لأمتحنهم، قال: هذا السؤال غلط، صار هذا الجواب منه أحب إلي مما لو أجاب بالصواب؛ لأن هذا منتهى تصوره، وجيد أنه صار شجاعًا حتى قال أمام إخوانه الذين كل واحد منهم أتى بجواب ليس بصحيح، لكن هو خطأ السؤال من الأول.
(وعكسُه البهيمةُ وغير حبلى ولا موطوءة) عكسه البهيمة؛ يعني: أن لبن البهيمة غير محرِّم، فلو فرضنا أن طفلين ارتضعا من بهيمة، كل واحد رضع خمس مرات، هل يكونان أخوين من الرضاع؟ أجيبوا يا جماعة؟
الطلبة: لا.
الشيخ: معلوم، لا يكونان أخوين، وإلا لأصبح أهل البيت إذا كانوا يشربون من لبن بقرة واحدة أصبحوا إخوة، مشكلة، وتأتينا لبن الأخيرة؛ ألبان القواطي هذه، إذا اشترك ناس في -هو قوطي يسمونه.
طالب: (... ).
الشيخ: علبة، هل إذا شرب من هذه العلبة لبنًا خمس مرات فأكثر هل يكونان أخوين؟ لا، إذن البهيمة لا تحرِّم.
(وغَيْرُ حُبْلَى) يعني لو أن امرأة أرضعت طفلًا بدون حمل، وهذا يقع كثيرًا، فإن بعض الصبيان يصيح، فتأتي امرأة ليس فيها لبن ولم تتزوج، فتلقمه ثديها، تريد أن تسكته، مع المص تدر عليه، ويكون بها لبن، ويرضع خمس مرات أو أكثر، هل يكون ولدًا لها؟ يقول المؤلف: لا؛ يقول: ليس ولدًا لها؛ لأنه حصل من غير حمل، وهذا التعليل لا يكفي في عدم إثبات هذا الحكم المهم، والصواب الذي عليه جمهور الأمة والأئمة الثلاثة أنه محرِّم؛ يعني لبن غير الحامل محرِّم، وأن الطفل إذا شرب من امرأة خمس مرات فإنه يكون ولدًا لها، سواء كانت بكرًا أم آيسة أم ذات زوج، محرِّم، بالدليل والتعليل.
الدليل: عموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23]، وليس في الكتاب ولا في السنة اشتراط أن يكون اللبن ناتجًا عن حمل، فتبقى النصوص على عمومها.
التعليل: أن الحكمة من تحريم اللبن؛ أي من كونه محرِّمَا، هو تغذي الطفل به، فإذا تغذى به الطفل حصل المقصود، فالصواب إذن أن لبن المرأة محرِّمٌ سواء صار ناتجًا عن حمل أو عن غير حمل، فلبن البكر محرِّمٌ، ولبن العجوز التي ليس لها زوج؛ يعني: قد مات زوجها وأيست، محرِّم.
وقوله: (ولا مَوْطُوءَةٍ) ظاهر كلامه أن الموطوءة إذا حصل منها لبن فإن لبنها محرِّم، ولكن هذا يخالف قوله: (غير حبلى)؛ لأنه ما دمنا اشترطنا أن تكون حبلى، فالحبل لا يكون إلا من وطء، ولهذا هذه العبارة: (ولا موطوءة) ليست موجودة في الكتب المعتمدة في المذهب، المعتمد في المذهب أنه لا بد أن يكون ناتجًا عن حمل.
هل يشترط في اللبن أن يكون من أنثى؟ نعم، لا بد أن يكون من أنثى، فلو كان من رجل فهل يحرِّم؟ أجب.
طالب: (... ).
الشيخ: ويش السؤال؟ ! ما أنت معي من قديم؟ ! لو أن رجلًا أرضع طفلًا خمس مرات أيكون أبًا له من الرضاع؟
طالب: (... ).
الشيخ: أنا ما قلت (... ) أنا جبت لك مثالًا، سؤال: لو أن رجلًا أرضع طفلًا خمس مرات، كل صباح يوم يرضعه حتى يشبع.
طالب: (... ).
الشيخ: يُرْضِع، هذا يرضع قلت، شيء واقع، كل يوم تروح أمه لهذا الرجل تقول: يلّا خد، أعطه الفطور، ويأخذه، ويشبع الولد، حتى يكون بطنه (... )، عجيب يا أخي، هل يكون أبًا له من الرضاع أو لا؟ أجب، قل: نعم ولّا لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: ويش يقول؟
طالب: يقول: نعم.
الشيخ: يقول: نعم؟ لا، الجواب: لا؛ لأن الله قال ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23]، والأب لا يُسمى أمًّا بأي لغة من اللغات، لا يُسمى أُمًّا، وعليه نشترط أن يكون اللبن من آدمية، أضفه إلى الشروط السابقة.
لو أن امرأة ميتة أرضعت طفلًا، يحصل به التحريم، كيف ترضعه خمس مرات وهي ميتة؟
الطالب: ترضعه في حياتها أربع مرات.
الشيخ: نعم، ترضعه في حياتها أربع مرات، والخامسة وهي ميتة.
هل هذا القول الذي مشى عليه المؤلف هل هو الراجح أو المرجوح؟
الطالب: في هذه المسألة؟
الشيخ: في هذه المسألة أيوة، هل لبن الميتة محرِّم ولّا لا؟
الطالب: هذا (... ) مرجوح.
الشيخ: الصحيح أنه مرجوح، وأن لبن الميتة لا يحرِّم؛ لأن الله قال ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23]، ولم يقل: اللاتي رضعتم منهن، لو قال: اللاتي رضعتم منهن، لقلنا: إذا رضع من الميتة فاللبن يحرِّم، لكن ﴿اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ إذن لا بد أن يكون هذا الإرضاع بإرادة المرضعة، والميتة ليس لها إرادة، المهم القول الراجح الذي رجحناه أمس أنه لا عبرة به.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فَمَتَى أَرْضَعَتِ امْرَأَةٌ طِفْلًا) يعني: بالشروط التي ذكرنا (صَارَ وَلَدَهَا في النِّكَاحِ، والنَّظَرِ، والخَلْوَةِ، والْمَحْرمِيَّةِ) انتبه، الرضاع يشارك النسب في هذه الأمور الأربعة فقط: النكاح، والنظر، الخلوة، المحرمية.
في النكاح؛ كما تحرُم البنت من النسب تحرم البنت من الرضاع.
النظر؛ كما يجوز للإنسان أن ينظر إلى ابنته من النسب يجوز أن ينظر إلى ابنته من الرضاع.
الخلوة؛ كما يجوز أن يخلو بابنته من النسب، يجوز أن يخلو بابنته من الرضاع.
المحرمية؛ كما يكون مَحْرَمًا لابنته من النسب يسافر بها يمينًا وشمالًا، يكون محرمًا لابنته من الرضاع.
هذه أربعة أحكام من النسب تثبت بالرضاع، ولكن قل لي: هل هذه الأحكام الثابتة في النسب هل تساويها الأحكام الثابتة بالرضاع؟ الحقيقة أنها لا تساويها من كل وجه، في الظاهر تساويها، لكن ليس تعلق الإنسان بابنته من الرضاع أو أخته أو بنت أخته من الرضاع كتعلقه بمن كانت كذلك من النسب، فهو لا يهاب ابنته من الرضاع كما يهاب ابنته من النسب، لا يهاب ابن أخته من الرضاع كما يهاب ابن أخته من النسب، بل ربما إذا كانت جميلة شابة ربما يحصل من خطأ، خطر ولّا لا؟ أجيبوا يا جماعة؟ أيما أقرب إلى الخطر، أن ينظر إلى بنت أخته من النسب أو إلى بنت أخته من الرضاع؟
الثاني لا شك، ولهذا لا تظنوا أن العلماء -رحمهم الله- لما قالوا: إن الرضاع يشارك النسب في هذه الأحكام، لا تظنوا إنه يشاركه مشاركة مساوية؛ لأنه قد نمنع الرجل من أن يخلو بابنته من الرضاع، أو أن يخلو ببنت أخته أو بنت أخيه من الرضاع؛ لأن الهيبة التي في قلبه بالنسبة للنسب أعظم؛ يعني لا يمكن أن يجرؤ على أن يقبل ابنته بشهوة، لكن يمكن أن يجرؤ على أن يقبل ابنته من الرضاع بشهوة.
هذه أربعة أحكام من النسب تثبت بالرضاع، غير هذا من الأحكام لا يثبت، فالنفقة لا تثبت؛ يعني لا يجب أن ينفق الإنسان على بنته من الرضاع كما ينفق على بنته من النسب.
الميراث يثبت أو لا يثبت؟ لا يثبت، فابنته من الرضاع لا ترث منه شيئًا، تحمُّلُ الدية في قتل الخطأ وشبهه لا يثبت بالرضاع، وجوب الصلة؛ صلة الأرحام، لا يثبت بالرضاع، كل أحكام النسب لا يثبت منها إلا أربعة أحكام فقط، وهي: النكاح، والنظر، والخلوة، والمحرمية.
طالب: (... ) شرب من الميتة لبنها (... ) الخامسة، لماذا لا (... )؟
الشيخ: لماذا؟ السؤال اللي سأله الأخ يقول: لماذا لا يؤثر لبن الميتة إذا كان المقصود التغذية، فإن لبن الميتة يغذي؟
فالجواب أن ظاهر الآية: ﴿أُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُم﴾ [النساء: 23] أنه لا بد أن يكون الرضاع ممن أرادت الرضاع، أرضعت، وهذه رُضِعَ منها ولم تُرْضِع.
طالب: فيقال: فرع الذي (... ).
الشيخ: تمام، هذا إيراد جيد، تقول إذن: إذا حلبت المرأة لبنها في إناء وشربه الإنسان فهنا لم ترضعه، فلنقل: هنا أرضعته؛ لأنها هي التي أرادت إخراج اللبن منها إلى هذا الكأس، واضح؟
طالب: إذا كان الإنسان غير مستقيم في دينه، هل نأمن أنه يدخل على محارمه في الرضاعة؟
الشيخ: إذا خيفت الفتنة -ولو على البنت من أبيها- فإنه يحال بينهما، الفتنة هذه ممنوعة بكل حال، حتى لو فرض أن هذا الأب خبيث، حيوان، ويخشى إذا دخل على بنته من الفتنة؛ إما بتقبيل أو ضم أو فعل الفاحشة فإنه يمنع.
طالب: ليس أننا نتهم الرجل فقط، إننا نقول قاعدة: إنه إذا كان الإنسان غير مستقيم هذا..
الشيخ: لا، بعض الناس غير مستقيم في دينه، لكن لا يمكن أن يجرؤ على محارمه، وعنده من الغيرة على المحارم أكثر من الإنسان المتدين المستقيم، هذا شيء مشاهد، يوجد أناس مثلًا عندهم تهاون في الدين، في الصلاة، في شرب الدخان، في شرب المسكر، لكن عندما تحادثه في الغيرة يكون من أشد الناس، فهذه المسألة يختلف فيها الدين عن الغيرة.
ووَلَدَ مَن نُسِبَ لبنُها إليه بِحَمْلٍ أو وَطْءٍ، ومَحارِمُه مَحارِمُه ومَحارِمُها مَحارِمُه دونَ أبويه وأُصولِهما وفُروعِهما، فتُباحُ الْمُرضَعةُ لأبي الْمُرْتَضِعِ وأخيه من النَّسَبِ، وأمِّه وأُختِه من النَّسَبِ لأبيِه وأخيه، ومَن حَرُمَتْ عليه بِنْتُها فأَرْضَعَتْ طِفلةً حَرَّمَتْها عليه وفَسَخَتْ نِكاحَها منه إن كانتْ زَوْجَتَه، وكلُّ امرأةٍ أَفْسَدَتْ نِكاحَ نفسِها برَضاعٍ قَبلَ الدخولِ فلا مَهْرَ لها، وكذا إن كانت طفلةً فدَبَّتْ فرَضَعَتْ من نَائمةٍ، وبعدَ الدخولِ مَهْرُها بحالِه، وإن أَفْسَدَه غيرُها فلها على الزوجِ نِصفُ الْمُسَمَّى قَبْلَه وجميعُه بعدَه، ويَرْجِعُ الزوجُ به على الْمُفْسِدِ، ومَن قالَ لزوجتِه: أنت أُخْتِي لرَضاعٍ.
بَطَلَ النِّكاحُ، فإن كان قبلَ الدُّخولِ وصَدَّقَته فلا مَهْرَ، وإن أَكْذَبَتْهُ فلها نِصْفُه، ويَجِبُ كلُّه بعدَه، وإن قالتْ هي ذلك وأَكْذَبَها فهي زوجتُه حُكْمًا، وإذا شكَّ في الرَّضاعِ أو كمالِه أو شَكَّت الْمُرضِعةُ ولا بَيِّنَةَ فلا تحريمَ.
الشيخ: (... ) غير مستقيم في دينه، لكن لا يمكن أن يجرؤ على محارمه، وعنده من الغيرة على المحارم أكثر من الإنسان المتدين المستقيم، هذا شيء مشاهَد، يعني يوجد أناس مثلًا عندهم تهاون في الدين، في الصلاة، في شرب الدخان، في شرب المسكِر، لكن عندما تحادثه في الغيرة يكون من أشد الناس، فهذه المسألة يختلف فيها الدين عن الغيرة.
طالب: أحسن الله إليك، لو حلبت امرأة لبنًا وأعطته لأخرى حتى تسقيه ابنها، فأسقته ابنا آخر؟
الشيخ: فهمتم السؤال؟ يقول: هذه امرأة حلبت لبنها، وقالت للمرأة: هذا لولد فلانة، هذا السؤال؟
الطالب: نعم.
الشيخ: وأعطته آخر، أرأيت لو أعطته إناءً فيه طعام وقالت: خذ هذا أَعْطِهِ فلانًا، وراح أعطاه آخر، يحل ولّا ما يحل؟
الطالب: لكن هل يثبت الرضاع؟
الشيخ: أسألك، هل يحل ولَّا ما يحل؟
الطالب: لا يحل للثانية أن تفعل.
الشيخ: نعم، يجب أن يعطيه مَن ذكرت، هذا مثلها.
أما بالنسبة لتأثير اللبن فهو مؤثِّر، حتى وإن كان لا يحل إعطاؤه طفلًا آخر، لكنه مؤثِّر، ولذلك لو سرقت امرأة لبن امرأة وأسقته طفلها صار مؤثِّرًا.
طالب: ولو بغير اختيار الأولى؟
الشيخ: لا، قد اختارت إرضاع اللبن، لكن اختارت شخصًا آخر.
طالب: أحسن الله إليك، إذا رضع الطفل من حليب العلب (... )، ولم ترضعه أمه (... ) ما تصير أمه يا شيخ؟
الشيخ: (... ) كيف تخفى عليك هذه؟
الطالب: ما أرضعته أمه.
الشيخ: كيف يخفى عليك أن هذه العلبة تكون أمًّا له؟ ! !
الطالب: ما رضع من أمه يا شيخ بس على العلب.
الشيخ: إي، بس رضع من العلبة هذه، يجري إلى حجرها، إلى ثديها: يا أمي يا أمي، ماذا تقولون في هذا السؤال؟ يعني يريد أن تكون العلبة أمًّا من الرضاعة! ! إذا كانت الشاة وهي ذات إرادة لو رضع من الشاة لن تكون أمه، لو ترضعه ألف مرة، كيف العلبة! !
طالب: يقول: أمه التي ولدته يا شيخ ما رضع منها.
الشيخ: إي ما رضع منها، رضع من حين ما أرضعته أمه من هذه العلبة، تضم صوتك إلى صوتي؟
الطالب: (... ) مش مفهومة الصورة، أمه يا شيخ اللي جابته ما شرب من لبنها (... ).
الشيخ: ويش الإشكال عندك؟
طالب: هو يا شيخ يسأل يقول: أمه التي ولدته ولم يرضع منها تكون أمه من الرضاع؟
الشيخ: أمه من النسب يا رجل، عجيب، لكن ما أظن يريد هذا؛ لأن هذا لا يخفى على أدنى واحد أن أمه التي ولدته هي أمه، سواء أرضعته أو لم ترضعه.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، إذا المسلمة أرضعت ولد كفار هل يكون ولدًا لها؟
الشيخ: إي نعم، هذه لا يختلف فيها جميع (... ).
[من يُحَرَّم بالرضاع]
طالب: وَمَحَارِمُهُ مَحَارِمَهُ، وَمَحارِمُها مَحَارِمَهُ، دُونَ أَبَوَيْهِ وَأُصُولِهِمَا وَفُرُوعِهِمَا، فَتُبَاحُ المُرْضِعَةُ لأَبِي المُرْتَضِعِ وَأَخِيهِ مِنَ النَّسَبِ، وَأُمُّهُ وَأُخْتُهُ مِنَ النَّسَبِ لأَبِيهِ وَأَخِيهِ، وَمَنْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِنْتُهَا فَأَرْضَعَتْ طِفْلَةً حَرَّمَتْهَا عَلَيْهِ، وَفَسَخَتْ نِكَاحَهَا مِنْهُ إِنْ كَانَتْ زَوْجَةً، وَكُلُّ امْرَأَةٍ أَفْسدتْ نِكاحَ نَفْسِها بِرَضَاعٍ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا، وَكَذَا إِنْ كَانَتْ طِفْلَةً فَدَبَّتْ فَرَضَعَتْ مِنْ نَائِمَة وبعد الدخول مهرها بحاله، وإن أفسده غيرها فلها على الزوج نصف المسمى قبله، وجميعُه بعده، ويرجع الزوجُ به على المفسِد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لعلكم قد انتبهتم إلى القواعد في باب الرضاع السابقة، أكذلك؟ والقواعد في هذا الباب أحسن من معرفة المسائل، المسائل مسائل جزئية فردية، لكن القواعد تضبط لك الأحكام، وتدخل فيها ما شئت من أفراد المسائل، من ذلك ما قاله المؤلف هنا.
يقول: (فمتى أرضعت امرأة طفلًا صار ولدها في) أمور أربعة (النكاح والنظر والخلوة والمحرمية)، وصار وَلَدَ مَن نُسِبَ لبنُها إليه، وهذا الزوج أو السيد، فإذا تزوج امرأة وحملت وأتت بلبن فاللبن من الزوج، ومَن وطئ أَمَته فحملت وأتت بولد وصار فيها لبن فاللبن يُنْسَب إلى السيد.
(وولد مَن نُسِبَ لبنها إليه) مَن هو؟ الزوج والسيد.
(بحمل أو وطء) نسب لبنها إليه (بحمل) يعني: جامعها وحملت ووضعت وصار فيها لبن.
(أو وطء) هذا يمكن أن يكون فيما لو تزوج امرأة، ومع الجماع درَّت وصار فيها لبن بدون حمل، فظاهر كلام المؤلف أن هذا اللبن محرِّم لأنه نتج عن وطء.
وقد سبق لنا أن القول الراجح أنه متى وجد اللبن ناشئًا عن حمل أو وطء أو لعب بالثدي حتى دَرَّ أو غير ذلك فإنها تكون أُمًّا له، لكن مَن ليس لها سيد ولا زوج تثبت الأمومة دون الأبوة.
قال: وصار (محارمُه محارمَه ومحارمُها محارمَه) محارم مَن؟ محارم الراضع، محارم مَن نُسِب لبنها إليه محارم للراضع؛ البنت مَحْرَم لأبيها، الولد الذي رضع من امرأة يُنْسَب لبنها إليه يكون محرَمًا، فمحارم صاحب اللبن محارم للراضع، ومحارم المرضعة محارم للراضع، بأي لغة هذا الكلام؟ عربية مفهومة؟
رضع هذا الرجل من امرأة اسمها عائشة، عائشة لها محارم، محارم عائشة محارم للطفل الذي رضع، فلننظر؛ بنتها محرم لها ولَّا لا؟
طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: أمها؟
طلبة: مَحْرَم.
الشيخ: عمتها، خالتها؟
هؤلاء المحارم يكونون محارم للرضيع.
كذلك محارم صاحب اللبن يكونون محارم للرضيع؛ زوج المرأة التي أرضعت له محارم، محارم هذا الزوج محارم للرضيع، ابنه مَحْرَم، أبوه، أخوه، عمه، خاله، وهكذا.
المحارم في الموضعين هم الأصول والفروع والحواشي، هذا بالنسبة للمرضعة ولصاحب اللبن.
أما بالنسبة للرضيع فقال المؤلف: (دون أبويه وأصولهما وفروعهما).
(دون أبويه) أي: أبوي الرضيع، (وأصولهما) وهما الجد والجدة، (وفروعهما) وهما الإخوة والأعمام.
هذه مسائل فردية كما قلت لكم، نرجع للضابط الأول، ينتشر التحريم -تحريم الرضاع- بالنسبة للطفل إلى مَن؟ إلى فروعه فقط، دون أصوله وفروعهم وحواشيه، أنا قلت: دون أصوله وفروعهم، واعلموا أن فروع الأصول هم الحواشي، لكن غابت عنكم، فروع الأصول هم الحواشي، فروع الأب إخوة، فروع الجد وإن عَلَا أعمام.
فرَّع المؤلف عليه مسائل، قال: (فتُبَاح المرضعة لأبي المرتَضِع وأخيه من النسب)، المرضعة التي أرضعت الطفل يجوز لأبي الطفل أن يتزوجها.
ولنَقُل: إن التي أرضعت فاطمة، أرضعت طفلًا اسمه علي، يجوز لأبي علي أن يتزوج فاطمة، يجوز لأخي علي أن يتزوج فاطمة؛ لأن أبا الرضيع ليس من فروعه، أخو الرضيع ليس من فروعه.
قال: (وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه) منين؟ من الرضاع، فيجوز لأبي الطفل من الرضاع أن يتزوج أخت الطفل، أخته التي ولدتها أمه؛ لأن حواشي وأصول المرتضِع لا علاقة لهم بالرضاع.
افهموا القاعدة، حتى وإن لم تفهموا هذه الأمثلة، الكلام على القاعدة.
ثم قال: (ومَن حَرُمت عليه بنتُها فأرضعت طفلةً حرَّمتها عليه، وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجتَه)، وفي نسخة: (إن كانت زوجةً).
كل امرأة حرُمت عليه بنتُها فمَن أرضعت من النساء فهي حرام عليه، تخمَّرت في رؤوسكم ولَّا لا؟ كل امرأة حرُمت على الرضيع بنتُها فإنها تُحَرِّمُها عليه.
مثال ذلك: إنسان أرضعت أمُّه طفلةً، هل تحرُم عليه الطفلة؟
طالب: تحرُم عليه.
الشيخ: تحرُم؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لأن بنتها؟
طالب: أخته.
الشيخ: لا، تحرُم عليه، إحنا بنطبق على قاعدة المؤلف، كل امرأة تحرُم عليك بنتُها فإنه يَحْرُم عليك كلُّ ما أرضعت.
الأخت؛ إنسان له أخت، بنت أخته حرام عليه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: لو أرضعت هذه الطفلةَ، أختُه أرضعت طفلةً صارت حرامًا؛ لأن بنتها تحرُم عليه، فمن أرضعت تحرُم عليه.
هذه القاعدة اللي فيها نوع من التعقيد يكفي عنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (1)، وكفى.
فمعلوم أن أختك التي هي بنت أمك حرام عليك، إذا أرضعت أمُّك طفلةً صارت الطفلةُ أيش؟
طلبة: محرَّمة عليك.
الشيخ: ما هو حُكْمًا، صارت أيش؟
طلبة: أختًا لك.
الشيخ: أختًا لك.
طلبة: من الرضاع.
الشيخ: من الرضاع، فعليك بالأصول، وَلَيْتَ المؤلف لم يَأْتِ بهذا الضابط، هذا الضابط هو ليس بقاعدة، لكن لَيْتَه لم يَأْتِ به؛ لأنه الآن في ظني يشوِّش عليكم، لكن عليكم بالأصول.
ومعلوم أن مَن حرُمت عليه بنتُها حرُمت عليه مَن أرضعته، قال: (مَن حرُمت عليه بنتُها فأرضعت طفلةً حرَّمَتْهَا عليه) هذا ما هو فيه إشكال.
(وفسخت نكاحَها منه إن كانت زوجةً)، هذه مشكلة فعلًا، طفلة تكون زوجةً؟
طلبة: (... ).
الشيخ: يمكن، خصوصًا على قاعدة المذهب؛ أن الرجل يجوز أن يُزَوِّج ابنته بدون إذنها، هذا إنسان وُلِدَت له طفلة وجميلة خفيفة الدم، ولها سنة وشهران، رآها رجل قال: والله بنتك هذه حلِيلَة وطيبة زَوِّجْنِيها، قال: توكَّل على الله، فعقد له النكاح على هذه الطفلة اللي ترضع، هل يستمتع بها؟ لا، يلاعبها الآن بإيديه كذا، وبعدين إن شاء الله يسهِّل الله.
على كل حال، زَوَّجَها إياه، جاءت أخته -أخت الرجل اللي تزوج الطفلة- فأرضعت الطفلة، صارت الطفلة الآن بنت أخته، فهو خالها، انفسخ النكاح، اللي حصل أخته الآن فَسَّدَت عليه، هذا واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: لماذا أَفْسَدَت النكاح؟ لأن بنت أخته تحرُم عليه، فمن أرضعته تحرُم عليه وتفسخ النكاح.
مشكل، راح عليه الآن، لكن الزوج يلزمه على هذا نصف المهر، هو أَصْدَقَ هذه البنت الطفلة مثلًا عشرة آلاف، انفسخ النكاح بغير سبب من الطفلة، نقول: يلزم الزوج نصف المهر، كم؟ خمسة آلاف ريال، لكن من أين يأخذه؟ يأخذه من أخته التي أفسدت النكاح، فيقول: أنت التي جَنَيْتِ عليَّ وفسختِ النكاح، فعليكِ نصف المهر، واضح ولَّا غير واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: قال: (وكل مَن أَفْسَدَت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فلا مهر لها).
هذه ضابط أيضًا، كل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فليس لها مهر، أفهمتم؟ قولوا: نعم ولَّا لا.
طلبة: نعم.
الشيخ: مثال ذلك: رجل له زوجة كبيرة فيها لبن من غيره، تزوَّج طفلة صغيرة، صار عنده الآن زوجتان؛ كبيرة تُرْضِع، وصغيرة طفلة تَرْضَع، فقامت الكبيرة وأرضعت الصغيرة، أفسدت نكاحها، مين اللي أفسد نكاحها؟ الكبيرة أفسدت نكاحَها؛ لأنها صارت أُمَّ زوجة، وأم الزوجة حرام على الزوج.
المسألة الآن قبل الدخول، وقد عيَّن لها مهرًا قيمته أربعون ألف ريال، هل يسقط هذا المهر أو لا يسقط، أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: لا يسقط.
الشيخ: يسقط؛ لأن المرأة نفسها هي التي أفسدت النكاح، هي التي أرضعت زوجتَه، فصارت أُمًّا لزوجته.
بالنسبة للطفلة هذه، هل يبقى نكاحها أو لا يبقى؟
طلبة: لا يبقى.
الشيخ: يبقى؛ لأنه ما دخل على أُمِّهَا، وبنت الزوجة لا تحرُم إلا إذا دخل بأمها، وعلى هذا فيبقى نكاح الطفلة، وينفسخ نكاح المرضعة؛ لأنها صارت أم زوجة.
والله ما أدري أفهَّمْكُم إياه، ما نترك هذه ونقول: إنها فرضية ما هي بواقعية، ونريحكم من الإشكال، أو واضح؟
طلبة: واضح.
الشيخ: أعيد المثال، رجل تزوج امرأة فيها لبن من غيره، ولم يدخل بها، وكان له زوجة صغيرة تَرْضَع، فقامت الكبيرة وأرضعت الصغيرة، ماذا كانت؟ صارت أم زوجة، ينفسخ نكاحها؛ لأن أم الزوجة حرام على الزوج تحريمًا مؤبدًا، بالنسبة للطفلة هل ينفسخ نكاحها أو لا؟
طلبة: لا ينفسخ.
الشيخ: لا ينفسخ، ليش؟ لأنها من الربائب، والربيبة يعني بنت الزوجة، والربيبة يُشْتَرَط أن يدخل بأمها، فلا تحرُم.
بقينا في المهر الذي سُمِّي للأم التي أرضعت، هل يكون للأم أو لا؟ لا؛ لأن كل فُرْقَة من قِبَل الزوجة قبل الدخول تُسْقِط المهر، هذه القاعدة، كل فُرْقَة تأتي من الزوجة قبل الدخول فإنها تُسْقِط المهر.
على هذه القاعدة نقول: هذه المرأة التي أفسدت نكاح نفسها ليس لها مهر؛ لأن الفُرْقَة جاءت من قِبَلِهَا.
قال: (وكذا إن كانت طفلةً فدبَّت فرضعت من نائمة)، الزوجة طفلة صغيرة في الفراش في المهد، وكانت أختُ الزوج الذي تزوج الطفلة كانت موجودة نائمة، الطفلة قامت تدب حتى التقمت ثدي أخت الزوج، ورضعت، يَفْسُد نكاحها أو لا يَفْسُد؟
طلبة: يَفْسُد.
الشيخ: ليش؟
طلبة: لأنه خالها.
الشيخ: لأنها لما رضعت من أخته صار هو خالها، فيفسُد النكاح، مَن أَفْسَد النكاح؟ نفس الزوجة، الزوج الآن ما دخل، ولو دخل يكون لا عبرة به؛ لأنه ما يمكن يستمتع بها صغيرة، مهر هذه الطفلة أتدرون كم؟
طالب: عشرة ريالات.
طالب آخر: مئة ألف.
الشيخ: عشرة ريالات؟ على كل حال لنقول: عشرين ألفًا، عشرين ألفًا هذه تسقط عن الزوج، ليش؟ الفُرْقَة ممن؟
طلبة: من الزوجة.
الشيخ: من الزوجة نفسها، يا جماعة الزوجة صغيرة ما لها راعٍ ولا شيء، نقول: إن الإتلافات يستوي فيها العاقل وغير العاقل، ولذلك لو أن المجنون أفسد مال إنسان ضَمَّنَّاه، فيسقط مهرها بفعلها؛ لأنها هي التي أفسدت نكاح نفسها.
أيها الطلبة، كلام الفقهاء -رحمهم الله- مثل هذه الأمور وإن كان لا يقع أو لا يقع إلا قليلًا يَقْصِدُون به تمرين الطالب على إدراك المسائل، وإن لم يكن ذلك واقعًا أو يقع قليلًا.
فمن يتصور أن إنسانًا يتزوج طفلةً لها سنة تَرْضَع، ثم تأتي المقادير وتدب هذه الطفلة وتجد ثدي أخته مفتوحًا، الغالب أن المرأة إذا نامت أيش؟ تكشف الثدي؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، لكن مع ذلك جاء أمر الله، وهذه الطفلة وجدت الثدي مفتوحًا، أو عبثت بالثوب حتى انفتح الثدي ورضعت، ثم الرضاع يحتاج إلى عدد، كم؟
طلبة: خمس رضعات.
الشيخ: خمس رضعات، فيقال: هذه الطفلة كل صباح يوم تدب وترضع، خمسة أيام؟ ! خلاص، تم النصاب.
طالب: هل الطلاق يقطع اللبن؟
الشيخ: لا، إلا إذا تزوجت وحملت من الثاني.
الطالب: ما دام فيها لبن من الأول فيعتبر أبًا لـ..
الشيخ: نعم، ما دام فيها لبن من الأول فهو أبو الراضع، والثاني زوج أم.
طالب: في مسألة ذكرناها قبل قليل إذا كان عنده زوجتان، وكانت الكبيرة في عصمته واللبن للزوج، فأرضعت الطفلةَ الصغيرةَ هل تطلق الصغيرة؟
الشيخ: إي، معلوم الزواج بينفسخ؛ لأنها صارت بنته.
الطالب: والكبيرة؟
الشيخ: والكبيرة؛ لأنها أم زوجته.
الطالب: كلهم؟
الشيخ: كلهم.
طالب: في المسألة التي ذكرناها قبل قليل إذا كان له زوجتان، أن يكون اللبن من غيره (... )
الشيخ: إي لأنه إذا كان اللبن منه صارت الطفلة التي رضعت بنتًا له وانفسخ نكاحها ونكاح المرضعة.
الطالب: في المسألة الثانية لو كانت أخته مثلًا.
الشيخ: نعم.
الطالب: متزوج من المرأة الصغيرة وله أخت، فرضعت الصغيرة من الكبيرة.
الشيخ: رضعت منين؟
الطالب: كنت أسأل ولكن اتضحت المسألة لي.
الشيخ: هَوَّنْت.
طالب: ما حكم الرضاعة من المحارم، يعني مثلًا الطفل الصغير يرضع من أخته شقيقته؟
الشيخ: لا بأس، فيكون ابنًا لها من الرضاع ويكون أخًا لها.
طالب: الرجل الذي له زوجتان الصغيرة والكبيرة، الكبيرة أرضعت الصغيرة، (... ) الصغيرة؟
الشيخ: لا.
الطالب: كيف ذلك؟
الشيخ: لا، الكبيرة، إلا إذا كان اللبن للزوج، فإنها إذا أرضعت الكبيرةُ الطفلةَ صارت الطفلة بنتًا له فينفسخ نكاحها.
الطالب: ما أسأل عليه يا شيخ عدم الدخول بالكبيرة.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه ما دخل عليها، واللبن من غيره، يعني قد تزوج امرأة متزوجة من قبل وفيها لبن، ولم يدخل بها، فأرضعت الصغيرةَ، واضح ولَّا؟
الطالب: واضح نعم.
طالب آخر: أحسن الله إليك، إذا ادَّعَت امرأة أنها أرضعت زوجة رجل من محارمه ولم يقل: البينة على ذلك، وأنها مشتهرة أنها تريد الفراق للزوج، فهل عليها أن تقيم البينة؟
الشيخ: هذه ستأتينا في كلام المؤلف، غدًا إن شاء الله يتبين الحكم.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا كان هناك رجل وله ولد من الرضاعة، فتزوج هذا الولد، فزوجته هل تحرُم عليه بحيث إنه يخلو بها ويسافر معها؟
الشيخ: إي نعم، هذه المسألة فيها خلاف، يعني زوجة الابن من الرضاع، هل تحرُم على أبيه من الرضاع أو لا تحرُم؟
المذاهب الأربعة كلها يقولون: إنها تحرم كزوجة ابنه من النسب، واختار شيخ الإسلام -رحمه الله- أنها لا تحرُم، واستدل الجميع بحديث واحد وهو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» (1).
فقال الجمهور: زوجة ابنه من النسب حرام، فتكون زوجة ابنه من الرضاع حرامًا؛ لأنه يحرُم من الرضاع ما يحرُم من النسب، وهذا رأي المذاهب الأربعة كلها.
وقال شيخ الإسلام الحديث: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»، ولو سُئِلْنَا عن تحريم زوجة الابن على أبيه، فهل تحريمها من النسب أو تحريمها من المصاهرة؟ لكان الجواب أن تحريمها من المصاهرة، وعلى هذا فلا تدخل في الحديث، ولأن الله تعالى قال: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: 23]، فقيَّد، واختيار شيخ الإسلام هو الصحيح من حيث الدليل.
وقد كتبت في هذا جوابًا سابقًا مطولًا، وبَيَّنْتُ أن قول الجمهور ضعيف، وقد قال الله تعالى بعد ذكر المحرَّمات، قال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
ولكن لو قال قائل: أنا أسلك الاحتياط، قلنا: ما نمنعك، فنقول: زوجة ابنك من الرضاع لا تحل لك، أي: لا يحل أن تزوجها، لو طلقها أو مات عنها بناء على رأي الجمهور، ولكنها لا تكشف لك، ولا تخلو بها، ولا تسافر بها، بناء على قول شيخ الإسلام ابن تيمية، فنجمع بين الأمرين، الاحتياط هنا أو هنا.
لو سلك إنسان هذا المسلك لكان له أصل، الأصل هو قصة سعد بن أبي وقاص مع عبد بن زمعة حين اختصمَا في غلام، فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد به إِلَيَّ، وكان عتبة قد زَنَا بهذه المرأة وأتت بهذا الولد، وعبد بن زمعة قال: يا رسول الله، هذا من وليدة أبي، وُلِدَ على فراشه فهو أخي، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واحتج سعد بالشبه، قال: يا رسول الله انظر شبهه، هل يشبه لعتبة أو لا يشبه؟ فرأى النبي صلى الله عليه وسلم شبهًا بَيِّنًا بعتبة، وأن الولد هذا من حيث الشبه لعتبة، لكن عتبة عاهر زانٍ، فقال: «الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ»، الولد لك يا عبد بن زمعة، ثم قال لسودة: «احْتَجِبِي مِنْهُ» (2)، مع أن الزوجة تكون أخته، لما قضى به لزمعة تكون أخته، وأمرها أن تحتجب، لماذا أمرها أن تحتجب؟
لأنه رأى شبهًا بيِّنًا بعتبة، فرأى من باب الاحتياط أن تحتجب عنه ولو كانت أخته.
أقول: لو أن أحدًا سلك هذا المسلك وقال: نحن نأخذ بكلام شيخ الإسلام -رحمه الله- من حيث وجوب الاحتجاب في زوجة الابن من الرضاع، وألَّا يكون محرَمًا لها، ونأخذ بالاحتياط في قول الجمهور ألَّا يتزوجها.
(... )
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم.
وإن أفسده غيرُها فلها على الزوج نصف المسمى قبله, وجميعه بعده، ويرجع الزوج به على المفسِد، ومن قال لزوجته: أنت أختي لرضاع، بطل النكاح، فإن كان قبل الدخول وصدَّقَتْه فلا مهر، وإن كذَّبَتْه فلها نصفه، ويجب كله بعده، وإن قالت هي ذلك وأَكْذَبَها فهي زوجته حُكْمًا، وإذا شك في الرضاع أو كماله أو شكَّت المرضِعة ولا بَيِّنَةَ فلا تحريم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- فيما إذا فسد النكاح بالرضاع، سبق إذا أفسدته المرأة فإنه إن كان قبل الدخول فلا مهر لها، وإن كان بعد الدخول فلها المهر؛ لأنه استقر بالدخول.
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: إذا أفسدته بعد الدخول فإنه لا مهر لها، لا لأنه لم يستقر، ولكن من أجل الضمان؛ لأنها لما فوَّتت نفسها على زوجها ضمنته بالمهر، وهذا قول لا شك أنه قوي، فيقول الزوج مثلًا: أنتِ الآن أفسدتِ النكاح، وقيمتك هو المهر، فأعطيني القيمة.
(وَإنْ أَفْسَدَهُ) أي: النكاح، (غَيْرُهَا فَلَهَا على الزَّوْجِ نصْفُ المُسَمَّى قَبْله، وجميعُهُ بَعْدَه، وَيَرْجعُ الزَّوْجُ به عَلَى المُفْسِدِ)
(إن أفسده غيرُها) أي: غير الزوجة، فإن كان قبل الدخول فللزوجة النصف، وإن كان بعد الدخول فللزوجة الجميع، ولكن الزوج ماذا يصنع؟ يرجع بما غَرِمه للزوجة على مَن أفسده.
مثال هذا: امرأة أرضعت زوجة أخيها؛ لأنه تزوَّج طفلة صغيرة، فجاءت أخته فأرضعتها، مَن الذي أفسد النكاح؟
الأخت عليها نصف المهر؛ لأنها أفسدته قبل الدخول، فعليها نصف المهر، وأما إذا كان بعد الدخول كما لو دبت طفلة صغيرة فرضعت من زوجة كبيرة صارت الزوجة الكبيرة الآن أُمًّا للزوجة، فينفسخ النكاح ويجب المهر كاملًا على الزوج، يرجع به على مَن؟ على الطفلة الصغيرة اللي دبَّت ورضعت.
فإذا قال قائل: صغيرة هذه كيف تضمن؟
قلنا: حقوق الآدميين لا يُشْتَرَط فيها العقل، ولا يُشْتَرَط فيها الذُّكْر، بل تضمن، سواء كانت من مجنون أو عاقل، أو ذاكر أو ناسٍ، أو عالم أو جاهل، حقوق الآدميين لا بد أن تكون مضمونة، ولهذا قال: (ويرجع به على المفسِد، ومن قال لزوجته: أنت أختي للرضاع بطل النكاح) مؤاخذةً له بإقراره، إنسان قال لزوجته: أنت أختي لرضاع، نقول: النكاح يبطل، لماذا؟ لأنه أَقَرَّ على نفسه بأنها أخته، والأخت لا يجوز أن يتزوجها، فيفرَّق بينهما، لو قال ذلك مزحًا، هل يؤاخَذ أو لا يؤاخَذ؟
نقول: إن علمنا بالقرائن أنه يمزح لم يؤاخَذ؛ لأنه لا يمكن أن نبطل نكاحًا قائمًا إلا بدليل بيِّن، وإن لم نعلم فإنه يؤاخَذ بإقراره؛ لأن الأصل في الإقرار أنه صحيح.
المهم يقول: يبطل النكاح.
(فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَصَدَّقَتْهُ فَلَا مَهْرَ) إن كان قوله لها إنها أخته من الرضاع قبل أن يدخل عليها وصدَّقَتْه قالت: نعم صَدَقْت، فهنا لا مهر.
التعليل؛ لأنه اتفق الطرفان على أن النكاح باطل، والنكاح الباطل لا أثر له.
(وَإِنْ أكْذَبَتْهُ فَلَهَا نِصْفُهُ)، (أكذبته) يعني قالت: إنه كاذب، فلها نصف المهر.
اسمع: رجل بعد أن عقد على امرأة قال: إنها أختي من الرضاع، بالنسبة له حكم النكاح باطل، بالنسبة لها إن صَدَّقَتْ فالنكاح باطل، وإن كَذَّبَتْ فلها نصف المهر؛ لأن الفُرقة جاءت من قِبَل الزوج، وكل فُرقة جاءت من قِبَل الزوج قَبْل الدخول فإن عليه نصف المهر.
ولهذا قال: (وإن أَكْذَبَتْه فلها نصفه)
(ويجب كُلُّهُ بَعْدَهُ) يعني لو كان قال بعد الدخول: أنت أختي للرضاع، وجب المهر كاملًا؛ بماذا استقر؟
استقر بالدخول، فيجب المهر كاملًا، وهذا سواء صَدَّقَتْه أو لم تُصَدِّقْه، لكن يبقى النكاح هل يبطل أو لا يبطل؟
إن صَدَّقَتْهُ بطل بلا شك؛ لأن الطرفين اتفقَا على أنه نكاح باطل، وإن كَذَّبَتْهُ بطل النكاح في حقه، ولم يبطل في حقها، وحينئذٍ يلزم الزوج بأن يطلِّق، فإذا قال: كيف أطلق وأنا أعتقد أنها ما هي زوجة؟
نقول: لكن هي تعتقد أنها زوجة، وبناء على اعتقادها لا يحل لها أن تتزوج أحدًا؛ لأنها تعتقد أنها مع زوجها، فلا يمكن أن تنفك منك إلا بطلاق، وحينئذٍ يُجْبَر على أن يُطَلِّق، فإن أبى أن يطلق طَلَّق عليه القاضي؛ لئلا تبقى المرأة محبوسة، أفهمتم هذا أو لا؟
نعيد مرة ثانية: رجل قال لزوجته: أنت أختي للرضاع وصَدَّقَتْه، فما حكم النكاح؟
طلبة: باطل.
الشيخ: باطل، سواء قَبْل الدخول أو بعد الدخول، لكن الذي يختلف المهر؛ إن كان قبل الدخول فلا مهر لها، وبعده لها المهر.
رجل قال لزوجته: أنت أختي للرضاع، كَذَّبَتْه، ثبت بطلان النكاح في حقه، ليش؟ لأنه أقر بأنه باطل، أما في حقها فلا، ولكن ماذا تصنع هذه المرأة المسكينة التي تعتقد أنها في حبال هذا الرجل؟
نقول: يُلْزَم الرجل بأن يطلقها، فإذا قال: كيف تُلْزِمُوني بأن أطلِّق وأنا لا أعتقدها زوجة؟ نقول: لكن هي تعتقدك زوجها، فلا بد أن تفك أسرها، فإن قال: لا أفعل، قلنا: يطلِّق عليه القاضي وينتهي الموضوع.
(فإِنْ قَالَتْ هِيَ ذلِكَ وَأَكْذَبَهَا فَهِيَ زَوْجَتُهُ حُكْمًا) هذه مشكلة عاد.
المرأة قالت: إنها أخت زوجها من الرضاع، هل ينفسخ النكاح أو لا؟ إن صَدَّق تبيَّن بطلانُه، وإن كَذَّب فهي زوجته حُكمًا، لكن يُشْكِل كيف تكون زوجته وهي تعتقد أنها حرام عليه؟ !
نقول: لكن هو لا يعتقد، في مثل هذه الحال يجب عليها أن تفتدي من زوجها بكل ما تستطيع، ويش معنى تفتدي؟ أي: تعطيه دراهم ليطلقها؛ لأنه لا يحل لها أن تمكِّنه من نفسها وهي تعتقد أنه ليس بزوج، أفهمتم يا جماعة؟
طالب: فهمنا.
الشيخ: إذا قال قائل: على رأيكم هذا ترون أن هذه الزوجة لا تُمَكِّن زوجها من الاستمتاع بها؟
قلنا: نعم نرى هذا.
فماذا يصنع الزوج إذا كانت هذه الزوجة تأبى أن يستمتع بها؟ نقول: حكمها حكم الناشز، ليس لها نفقة، وليس لها قَسم إن كان معه زوجة، وليس لها حق، وفي هذه الحال يتدخل القضاء، فيُلْزِم الزوج بأن يطلق، ولكن يعطَى مهرَه، كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع امرأة ثابت بن قيس التي قالت: أنا لا أطيقه، فقال: «تَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ »، قالت: نعم، قال: «خُذِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا» (3).
فهمنا الآن أنه في هذه الحال لا بد أن يتدخل القضاء لفك الحصار.
وقول المؤلف -رحمه الله-: (فهي زوجته حكمًا) أي: لا حقيقة؛ لأنها تعتقد أنها أخته من الرضاع، لكن القاضي يحكم بأنها زوجته؛ لأن الرجل يُنْكِر هذا، ولو قبلنا قول كل امرأة قالت لزوجها: أنت أخي للرضاع، لحصل شر كثير، ما هو الشر؟
طالب: (... ).
الشيخ: لكل امرأة ما تريد زوجها تقول: هو أخوها من الرضاع، لكننا لا نقبل هذا الشيء.
قال المؤلف رحمه الله -وهو أهم من المسائل اللي سبقت-: (إذا شُكَّ في الرضاع أو كمالِه أو شكَّت المرضِعة وَلَا بَيِّنَةَ فَلَا تَحْرِيمَ).
هذه مسائل مهمة جدًّا:
(إذا شُك في الرضاع) يعني: أن أهل الطفل شَكُّوا هل رضع من المرأة هذه أو لا، فلا تحريم؛ لأن الأصل عدم الرضاع فلا يثبت التحريم، إذا شُك في كماله بأن قالوا: نعم، الطفل رضع من هذه المرأة عدة مرات، لكن لا ندري أرضع خمسًا أم دون ذلك؟ فلا تحريم؛ لأن الأصل الحِلّ، وهنا لم نتيقن إلا ما دون الخمس فلا تحريم، وهذا من أكثر ما يقع.
دائمًا اللي يسألون عن هذا الرضاع، نقول: كم رضع؟ قال: والله ما أدري، هو جاء عند المرأة من أول النهار إلى آخر النهار ولا ندري كم رضع، فما جوابنا على هذا؟ أن نقول: لا تحريم، الولد ليس ولدًا لها حتى نتيقن أنه رضع خمس مرات.
(أو شكت المرضعة) بأن شكت في الرضاع، أو في كماله، والشك هنا ليس من أهل الطفل، بل من المرضعة، قالت: أنا ما أدري هل أرضعته أو لا؟ أمه أعطتني إياه وذَهَبَت إلى السوق، ولا أدري أرضعته أم لا؟ هذه صورة.
الصورة الثانية: قالت: نعم أنا أرضعته، لكن لا أدري أرضعته خمسًا أم أقل؟
في كلتا الصورتين لا تحريم، يعني لا يكون الولد ولدًا لها.
قال: (ولا بَيِّنَةَ)، فإن وُجِدَ بينة فالحكم لها، يعني مثلًا شككنا هل رضع هذا الطفل أو لا، فجاءنا شاهد وقال: أشهد أن هذا الطفل رضع من هذه المرأة خمس مرات، ماذا نعمل؟ يثبت التحريم؛ لأنه وُجِدَت البينة، أو شككنا هل رضع خمسًا أو أقل؟ فقال: أشهد أنه رضع خمسًا، يثبت التحريم.
ولكن ما هي البينة هنا؟ البينة امرأة عدل، إذا صار امرأة موثوقة في دينها وفي حفظها ثبت التحريم.
ودليل ذلك أن رجلًا استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في زوجته التي قالت امرأة: إنها أرضعتهما -الزوج والزوجة، فصارَا أخوين- فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ » (4) يعنى كيف تُبْقِيها وقد قيل: إنها رضعت معك، وهذا دليل على أن البينة كم؟ امرأة واحدة ثقة، فإن شهد رجل فمن باب أولى؛ لأن الرجل أثبت في شهادته من المرأة، فإذا كانت السنة النبوية أثبتت الرضاع بشهادة امرأة واحدة، فإثباته بشهادة رجل واحد من باب أولى، والله أعلم.
طالب: بارك الله فيك، قلنا: إن الصورة للذِّكْرَى محرَّمة؛ لأن الملائكة لا تدخل في بيت فيه صورة، لماذا لا نذكر ذلك في صورة الزوجة للتمتُّع؟
الشيخ: لماذا أيش؟
الطالب: صورة الزوجة للتمتع بها.
الشيخ: إي، هذه لغرض مقصود؛ لأن كل شيء يوجب المودة بين الزوجين فهو مطلوب شرعًا.
الطالب: الملائكة يا شيخ.
الشيخ: كل شيء مباح، الملائكة لا تمتنع من الدخول فيه.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قلنا: العلاج، لا يَلْزَم المريض أن يتداوى، فإذا توقف تناول الدواء على إنقاذ حياة المريض أو حياة عضو من أعضائه هل يَلْزَمُه تناوله؟
الشيخ: إي، هذا فيه خلاف؛ بعض العلماء يقول: إذا تَيَقَّنَّا نفعه، أو غلب على ظننا وجب، وهذا يمكن في بتر عضو يُخْشَى من انتشار المرض منه، هذا صحيح، لكن في الأشياء الأخرى ما تتيقن، حتى لو قلت: إن هذا الدواء جرت العادة بأن الناس يشفون منه، فقد يشفى منه مريض ولا يشفى منه مريض آخر، فكيف نوجِب على الإنسان ما لا يُدْرَى عن عاقبته.
أما إذا كان يقينًا ينفع كما قلت لك، أحيانًا تكون فيه آكلة في أصبع من الأصابع، ويقول الأطباء: لا بد من قطعه، وإذا قُطِعَ انقطع المرض، فهنا نقول بالوجوب، فيه شيء يسمى ذات الجنب، تعرفونه؟
طالب: الشلل النصفي.
الشيخ: لا، ذات الجنب هو عبارة عن أن الرئة تلتصق بالأضلاع، وإذا التصقت لم تتمكن من جذب الهواء ودفعه، إن أراد الله لهذا المريض شفاء شفاه عز وجل، وإلا هلك، يعني هو من الأمراض المخوفة، فيه له دواء نافع جدًّا وهو الكي، سبحان الله ما يرفع الرجل يده من الكي إلا وقد تنفَّس المريض، هذا يمكن نقول بالوجوب.
طالب: يا شيخ، من القواعد المعروفة أن كل صلاة يُشْرَع فيها الاجتماع يجهر بها بالقراءة، هل يُسْتَثْنَى من هذا صلاة الجنازة؟
الشيخ: لا، الجنائز أصلًا ما فيها جهر، لا في الليل ولا في النهار.
الطالب: الفاتحة.
الشيخ: لا، ولا الفاتحة، ما يُجْهَر فيها.
الطالب: (... ) يُسْتَثْنَى يا شيخ؟
الشيخ: كيف يستثنى؟ ! صلاة الجنازة صلاة سرية ما فيها جهر أصلًا، لكن يجهر بها ابن عباس رضي الله عنه للتعليم فقط، ولهذا قال: ليعلموا أنها سنة (5)، وإلا فالأصل أنها سرية ليلًا ونهارًا.
طالب: شيخ، أثابكم الله، إذا جاءت المرأة إلى أم الإنسان وقالت بأنها أرضعته، والأم تقول: هي ما أرضعته؟
الشيخ: هي ثقة التي قالت أنها أرضعته؟
الطالب: إي ثقة.
الشيخ: ثقة، إذا اجتمع نافٍ ومُثْبِت مَن يُقَدَّم؟
الطالب: يُقَدَّم الناقل عن الأصل.
الشيخ: أيش الناقل عن الأصل، مُثْبِت ونَافٍ مَن يُقَدَّم؟
الطالب: يقدَّم الْمُثْبِت.
الشيخ: الْمُثْبِت؛ لأن المثبت معه زيادة علم، فالأم تقول: ما أرضعته، وهي تقول: أرضَعْتُه، وهي ثقة، نقول: نحكم بشهادتها؛ لأنها قد تأتي والأم غائبة مثلًا وتُرْضِع، وقد تُرْضِع في حضور الأم وتنسى الأم، فالمهم متى ثبت بشهادة امرأة موثوقة متى ثبت الرضاع المحرِّم وهو خمس رضعات في الحولين، أو قبل الفطام على القول الثاني، ثبت الحكم.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، إذا قال أناس لأهل طفل: إنهم أرضعوه خمسًا أو أربعًا، شكوا في ذلك، ألا يؤخذ بالاحتياط أنهم أرضعوه؟
الشيخ: لا، الأصل الحِلّ، فلا يثبت التحريم.
(كتاب النفقات)
من هنا توقف الشيخ -رحمه الله- عن شرح متن الزاد إلى الشرح من مذكرة أخرى.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد، فإنكم بمقدمة المذكرة، وأرجو أن يكون كحضور المذكرة دائمًا، المذكرة هذه اللي فيها فقرات تحضرون بها.
فيه يقول: يراعى فيها الدليل أو التعليل ما أمكن؛ لأن المسائل الفقهية بعضها له دليل خاص، وبعضها له دليل عام، وبعضها له تعليل، والتعليل هو اللي يؤخذ من قواعد الشريعة، وأهداف الشريعة؛ كدرء المفاسد وجلب المصالح، وما أشبه ذلك، فإذا وُجد في المسألة دليل فهو فوق كل شيء، وإذا لم يوجد فإننا نلجأ إلى التعليل.
ممكن يكون دليل وتعليل ولَّا لا؟ يمكن أن يكون دليل وتعليل.
ثانيًا: مع ترجيح الراجح من أقوال أهل العلم، وهذا أيضًا مهم ولا سيما بالنسبة لكم؛ أن الإنسان يكون عنده ملكة ومقدرة يستطيع أن يعرف بها الراجح من المرجوح من أقوال أهل العلم؛ لأنكم تعرفون أن أهل العلم يختلفون في الأحكام لأسبابٍ متعددة؛ منها أن يكون بعضهم لم يبلغه الدليل، ومنها أن يكون بعضهم بلغه الدليل لكن ظنَّ دلالته على كذا، أو ظن أنه على عمومه وقد خُصِّص، أو ظن أنه مُحكَم وهو قد نُسخ، وما أشبه ذلك، فيحصل بذلك الاختلاف بين أهل العلم.
والاختلاف بين أهل العلم هو بالنسبة للمختلفين تسعهم رحمة الله سبحانه وتعالى، ولا يؤاخَذون بهذا الاختلاف؛ من أصاب منهم فله أجران، ومن أخطأ فله أجر، لكن بالنسبة لمقلديهم إذا تبين لهم الحق فإنه لا يجوز لهم أن يتبعوا عالمًا على خطئه، هو قد يُعذر بخطئه لكن نحن الذين نريد أن نقلده إذا علمنا أن قوله مخالفٌ للسنة فإنه لا يجوز لنا أن نقلده، حتى لو قال قائل: أليس هذا إمامًا؟ نقول له: بلى، لكنه إمامٌ أخطأ، وكل إنسانٍ يمكن أن يخطئ، هو في نفسه معذور؛ حيث أخذ بهذا القول المخالف للسنة؛ لأننا نعلم أنه أداه إليه اجتهاده، لكن أنت أيها المقلِّد غير معذور حينما يتبين لك الحق.
ولهذا يقال: إن أقوال أهل العلم يُحتَج لها ولا يحتج بها؛ هي ما هي بحجة ما لم يكن إجماع، إذا كان إجماع فالمسألة خارجة عن هذا الموضوع؛ ولهذا نقول: مع ترجيح الراجح من أقوال أهل العلم.
وقد سبق لنا غير مرة أنه لا يمكن الترجيح إلا بسلوك أمرين: أحدهما تقوية الجانب المرجِّح، والثاني دفاع قول الخصم وأدلته؛ يعني ما يمكن لك أن تبغي ترجح قولًا وتقول: لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا، أو لأن القرآن يقول الله فيه كذا، لا ما يكفي هذا، حتى أيش؟ حتى تدفع حجة خصمك، فإذا دفعتَ حجة الخصم وأثبتَّ حجتك حينئذٍ يتبين الراجح.
يراجع عليها في الحديث بلوغ المرام، والمنتقى وشروطهما، وهذا طبعًا لا بد أن نعتني به؛ يعني ما نقتصر على شرح المدرِّس؛ لأن المدرس يفوته بعض الشيء، فلا بد لطالب العلم أنه هو بنفسه يرجع إلى الكتب التي ألفها أهل العلم في هذا الأمر.
أما في الفقه فهو الروض المربع، والمغني، واختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية، وإن حصل الفتاوي فهي أولى؛ لأن الاختيارات في الحقيقة يُذْكر فيها رأي الشيخ مجردًا عن الدليل والتعليل، في الغالب، لكن الفتاوي إذا تكلم فإنه يذكر الدليل والتعليل.
وعلى كل حال مَنْ أراد العلم فبابه مفتوح ومعلوم.
مدخل
نبدأ الآن بالمقرر فنقول: كتاب النفقات؛ تعريف النفقة: النفقة هي كفاية من يَمُونه طعامًا وكسوةً وسكنى؛ فالطعام يدخل فيه الأكل والشرب، والشرب يسمى طعامًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: 249]؛ ولأن المشروب له طعمٌ فهو طعام.
إذن كفاية من يمون أيش؟ طعامًا وكسوة وسكنى، هذه هي النفقة.
باب نفقة الأقارب والمماليك والبهائم
وهي واجبة على من تجب عليه المؤونة بالشروط التي ستُعرض؛ واجبة لأن الله تبارك وتعالى أمر بها؛ بقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]؛ ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (1). هذا دليلٌ من القرآن ودليل من السنة؛ ولأن المعنى يقتضي ذلك؛ فإن دفع الحاجات والضروريات واجب، وما لا يكمُل الواجب إلا به فهو واجبٌ.
إذن فالنفقة إذا تمت شروطها فهي واجبة بدلالة الكتاب والسنة، والقياس الصحيح على وجوبها، ولكنها لها أسباب؛ أسباب وجوب النفقة ثلاثة: الزوجية، والقرابة، والملك.
هذه هي أسباب وجوب النفقة: الزوجية، والقرابة، والملك.
أما الزوجية فقد دلَّ عليها القرآن والسنة كما أشرنا إليه قبل قليل؛ حيث قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]، وهذا السياق في الأزواج، وفي الحديث الصحيح الذي أشرنا إليه: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»، وأما القرابة فلقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 233]، فقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ﴾، ويش عليه؟ ﴿رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ مقابل إرضاع ولده، وقال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾، وقال في سورة الطلاق: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6]، إذن فالدليل أن القرابة من أسباب هو هذا القرآن؛ ما دلَّ عليه القرآن.
كذلك أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام سُئل: مَنْ أحق بالصلة؟ فقال: «أُمُّكَ وَأَبَاكَ، وَأُخْتُكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ فَأَدْنَاكَ» (2).
وأما الملك فدليل كونه سببًا لوجوب النفقة قوله صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (3). وقال صلى الله عليه وسلم: «دَخَلَتِ النَّارَ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ لَهَا حَبَسَتْهَا؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ» (4).
إذن الملك سببٌ من أسباب وجوب النفقة، سواءٌ كان المملوك آدميًّا أم بهيمةً.
صواب العبارة ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: سواءٌ كان المملوك آدميًّا أم بهيمة، صحيح؟ المملوك قد يكون آدميًّا؛ مثل؟
طالب: عبد.
الشيخ: الرقيق، وقد يكون بهيمة كالبعير مثلًا.
طالب: غير البعير.
الشيخ: نعم؟
الطالب: الرجل يملك البعير.
الشيخ: إي، ويملك الرقيق أيضًا؛ إذن الملك يشمل ملك البهائم وملك الآدميين، فإن الملك إذن من أسباب وجوب النفقة؛ ولهذا يجب على المالك المملوك أن يطعمه وأن يكسوه وأن يُسْكِنه، يجب عليه ذلك لقوله: «كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ» (3).
إذن النفقة واجبة، وأسباب وجوبها كم؟ ثلاثة؛ وهي الزوجية، والقرابة، والملك، طبعًا وأوكدها الزوجية؛ لأن الزوجة من ضروريات الحياة، وإذا لم تنفق عليها تقول لك: أنفق أو طلِّق، إذا لم تنفق عليها قالت لك: أنفق أو طلِّق، ولها الحقُّ في ذلك، فإذا لم يقم الزوج بواجب النفقة، فإن لها أن تفسخ النكاح إذا لم يطلقها الزوج.
بماذا تجب النفقة للزوجة، وبماذا تسقُط؟
أولًا؛ فَهِمْنا من هذا التعبير أن النفقة للزوجة واجبة، منين فهمناه؟ من قوله: (بماذا تجب النفقة للزوجة؟ ) والإنفاق على الزوجة واجب، وقد ذكرنا دليله من القرآن والسنة والاعتبار أيضًا؛ الاعتبار اللي هو القياس الصحيح؛ لأنه لا تندفع حاجة المرأة أو ضرورتها إلا بالإنفاق، وما لا يكمُل الواجب إلا به فهو واجبٌ.
إذن فالإنفاق على الزوجة واجب بالقرآن والسنة والاعتبار، وهي أيضًا من ضروريَّات المرأة، فلا بد أن ينفق عليها ليحفظ ضرورة نفسه، لكنها تجب؛ يقول العلماء: إنها تجب النفقة على الزوجة إذا تسلَّمها الزوج أو بَذَلَت نفسها وإن لم يتسلمها.
أما تسلُّمه إياها فواضح بأن يدخل عليها أو تُزَفَّ إليه، بأن يدخل إليها كما هي عادتنا نحن؛ أن الزوجة تبوء إلى الزوج عند أهلها، أو تُزف إليه كما هي عادة السابقين وعادة بعض المسلمين اليوم؛ أن الزوج يبقى في بيته وليؤتى بالمرأة إليه؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الإنسان الذي ينتظر أن تُزَفَّ إليه زوجته يُعذَر بترك صلاة الجماعة؛ لأنه ينتظر زوجته، فيخشى إذا خرج إلى المسجد وجاؤوا إلى البيت لم يجدوا أحدًا، فيقولون: هذا الرجل استخار يمكن.
طالب: (... )
الشيخ: المهم، سبحان الله، هكذا قالوا.
إذا تسلَّمها، أو بذلت نفسها وإن لم يتسلمها، افرض أن المرأة قال له أهلها: نحن مستعدون أي ليلة تبغي تدخل مستعدين، لكنه هو يماطل لعذر أو لغير عذر، فهنا تجب النفقة ما دام التأخير منه، فإنه واجب عليه أن ينفق؛ وذلك لأنها زوجة، والاستمتاع بها ممكِن، والتأخير من الزوج، فإذن هي معذورة؛ لأنها بذلت الواجب، ومستعدة لتمكينه من الاستمتاع، والنفقة في مقابلة الاستمتاع؛ لقوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، فإذا كان كذلك وكان التأخير منه، فإنه لا يُعذَر بأي شيء؟ بسقوط النفقة، فيجب عليه أن يُنْفِق، وعلى هذا لو أنه تزوَّج امرأة وعقد عليها، وقالوا له: تفضل، ادخل الليلة القابلة، ولكنه أبى، وصار يماطل فيهم، فإنه يجب عليه الإنفاق؛ لأن عقد النكاح قد تَمَّ، وهي محبوسة لأجله، وتأخير التسليم أو التسلم من الزوج، فيجب عليه أن ينفق، لكنه لو طلب الإمهال لمدةٍ جرت بها العادة؛ مثل: قال: انتظروا هذا الأسبوع حتى أرتِّب منزلي، وما أشبه ذلك، ففي هذه الحال هو معذور، فلا نفقة عليه حينئذٍ؛ لأنه فات تسلمها لعذر، وأما إذا كان يماطل بهم فليس له الحق في إسقاط النفقة.
طالب: فيه ناس يا شيخ تقول: في عرف الناس أن بين العقد وبين الدخول مدة طويلة عرفًا (... ).
الشيخ: لا، ما يكون بينهم مدة طويلة الآن، كان بالأول يمكن يصير، لا الآن أبدًا؟
طالب: أحوال نادرة.
الشيخ: اللي أعرف الآن غالب الزواجات أنهم يعقدون إما ليلة الزواج وإلا قبله بيومين ثلاثة، هذا الغالب، يمكن بعض الأحيان يخاف أن المرأة تفوت، يعقد له عليها ويتأخر مثلًا لمدة سنة، أو ستة أشهر، أو سنتين أيضًا، هذه المسألة الآن يمكن نبحثها؛ إذا كان تأخير الدخول باتفاقٍ بين الطرفين؛ مثلًا البنت صغيرة، أو مثلًا أهلها لهم عذر؛ يريدون أن تبقى عندهم لمدةٍ معينة، فهل تسقط النفقة حينئذٍ أو لا تسقط؛ لأنه باتفاقهم؟ الظاهر أنها لا تسقط هنا، لا تسقط النفقة، وأنه يجب عليه الإنفاق لأنه لو شاء، ويش لو شاء؟ لطلب المبادرة في الدخول، فينظر عاد إذا طلب المبادرة في الدخول وأَبَوا حينئذٍ يكون ليس لها نفقة، لكن ما دامت المسألة باتفاقهم، فإنها محبوسةٌ له، وتأخيرها برضا منه، فيجب عليه الإنفاق، وطبعًا هذا عند التنازع، أما عند التسامح مثلًا عندنا ما دامت المرأة لم يتسلمها الزوج فالمعروف عندنا أنه لا يُنْفِق عليها، فمع التسامح لا بأس به، لكن عندما يأتي محاقة؛ كل واحد منهم يريد الحق، فإنه على هذا التفصيل الذي سمعتم.
بماذا تسقط النفقة؟
طالب: (... ).
الشيخ: بماذا؟ التسليم أو البذل.
الطالب: (... ) العقد.
الشيخ: لا؛ لأنها قد تمتنع هي، ما تسلم نفسها، يقولون: نبغي ننتظر، كل ما آجي أقول: يلَّا خلونا ندخل.
قالوا: انتظر، وهذا يسقط النفقة.
طالب: (... ) ما امتنعت؟
الشيخ: إذا امتنعت؛ ولهذا قلنا: إذا بذلت نفسها، وكان التأخير من الزوج وجب عليه الإنفاق.
الطالب: حتى ولو بذلت بعد العقد الظاهر.
الشيخ: إي نعم، إلا أني قلت لكم: إذا طلب المهلة لإصلاح حاله لمدةٍ معينة فلا حرج.
النفقة تسقط.. أولًا: لا بد أن نعرف أن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فما دام الاستمتاع ممكنًا فالنفقة جارية، وإذا تعذَّر الاستمتاع فإن النفقة تسقط، لكن إن كان تعذر الاستمتاع بسبب من الزوجة فالنفقة ساقطة مع الإثم، وإن كان بغير سبب منها فالنفقة ساقطة ولا إثم عليه، وإن كان بسبب من الزوج فالنفقة باقية، فحينئذٍ نقول: الأصل، ونحن نريد أن نرسم خطوطًا عريضة في هذا الباب؛ فنقول: النفقة الأصل فيها أنها الوجوب في مقابلة الاستمتاع، فإذا تعذَّر الاستمتاع فإن كان بسبب من المرأة بدون عذر، فالنفقة ساقطة ويش بعد؟ مع الإثم؛ لأنه لا يجوز لها كما مر علينا في باب النساء؛ لا يجوز لها أن تمنع زوجها من الاستمتاع بها بالمعروف، وإذا كان بسبب من المرأة يكون مع العذر، فإنها ساقطة بدون إثم، وإذا كان بسبب من الزوج فإنها باقية جارية ما تسقط، هذه هي الخطوط العريضة في هذا الموضع، ونحن نذكر لذلك أمثلة:
مثلًا امرأة صامت نفلًا، صيام النفل يمنع من كمال الاستمتاع ولَّا لا؟ لأنه الزوج الآن لو أراد أن يستمتع منها بجماع في أثناء النهار، وإن كان يجوز له أن يفعل، ولكنه يجد نفسه في حرج، يجد نفسه في حرج أن يُفسِد عليها صومها، إذن فهنا منعته من كمال الاستمتاع، مع أنه لا يجوز لها أن تصوم وهو حاضر إلا بإذنه، حينئذٍ نقول في هذه الحال: النفقة ساقطة في النهار؛ يعشيها ولا يغديها، ولَّا لا؟ السحور يجب عليه ولا ما يجب؟
الطلبة: ما يجب.
الشيخ: ما يجب؛ لأنه هو الغداء.
طالب: (... ).
الشيخ: لا؛ تستمع به بالنهار، في العشاء أفطرت الآن تمكَّن من الاستمتاع، فتسقط نفقتها، مع أن الفقهاء يقولون: إنها تسقط نفقتها مطلقًا، حتى في الليل؛ لأنها منعته كمال الاستمتاع.
لو سافرت المرأة لعذر؛ كمرض، سافرت بعذرٍ كمرض، تسقط نفقتها ولَّا لا؟ تسقط لكن بلا إثم؛ لأن هذا الأمر لعذر، وكذلك لو مرضت فلم يتمكن من الاستمتاع بها فإنها تسقط ولكن بلا إثم؛ لأنها معذورةٌ في ذلك.
لو سافرت لحاجة الزوج، هو الذي أمرها، تسقط ولَّا لا؟
طالب: لا تسقط.
الشيخ: لماذا؟ لأن تعذر الاستمتاع من جهته هو، تعذُّر الاستمتاع من جهته؛ هو الذي أمرها أن تسافر، وهذا القول هو الراجح، والمذهب يقولون: إذا سافرت ولو بإذنه، إذا كان لحاجتها فإنها تسقط النفقة، ولكن الصحيح أنه إذا أذن فإن امتناع الاستمتاع هنا بإذنه، فهو الذي أسقط حقه، لو شاء لقال لها: لا تسافري.
طالب: (... ) لو سافرت المرأة مثلًا النفقة (... ) المعروف.
الشيخ: لا ما يجب عليه.
الطالب: في العرف الآن (... ).
الشيخ: بس الناس يتسامحون الآن، لكن لو تصل للمحاقة عند القاضي ما مكَّنها من ذلك، ما يمكنها من ذلك.
طالب: (... ).
الشيخ: إي، إذن ما تأثم، لكن ويش ذنب الزوج إنه يخليه ينفق سنة أو سنتين على زوجته وهي تعالج.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، في ذمته ولم ينتفع بها.
الطالب: ما تجب عليه النفقة؛ لأنها زوجته.
الشيخ: هي زوجة لكن النفقة في مقابل الاستمتاع، فإذا كان ما حصل له الاستمتاع فإنها تسقط، كيف إني أنا أعطيها مثلًا ما تستمتع به من المال والإنفاق وهي لم تعطني ما أستمتع به؟
الطالب: هي لو كانت صحيحة ما منعت.
الشيخ: معلوم؛ ولهذا قلنا: إنها لا تأثم، هي الآن للزوج عليها حق الاستمتاع، فإذا امتنعت منه بدون عذر فهي آثمة بدون نفقة، ولعذر فلا نفقة ولا إثم، لكن يبقى علينا أن نناقش الموضوع بالنسبة للعرف، هل نقول مثلًا: إن العرف إذا جرى بأنه إذا تعذر الاستمتاع لعذر فالنفقة جارية، وأننا نتبع في ذلك العرف؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]، وليس من العشرة بالمعروف أن يدع النفقة؛ لأن العرف جارٍ بها، هذا في الحقيقة عندي محل نظر؛ وذلك لأن قوله: ﴿عَاشِرُوهُنَّ﴾؛ (عاشر) تقتضي المعاشرة من الجانبين؛ لأن (فاعَل) فعلٌ يقتضي المشاركة، فإذا كان كذلك فمعنى ذلك أن العشرة متبادلة، وهي في الحقيقة هنا لم تبادلني العشرة؛ لأنها تعذر الاستمتاع بها، وكأني أنا لا زوجة عندي، بل هذا هو الواقع ما عندي زوجة، فإذن كيف أنفق على شيء أنا لا أنتفع به؟ فلذلك ممكن أن نقول: إن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] يقتضي العشرة من الجانبين، فهنا لا عشرة من الجانبين؛ لأن جانب الزوجة سقط، فإذا سقط فإنه يسقط جانب الزوج أيضًا.
في مسألة: إذا صامت عن فرضٍ متعيِّن في وقته، تسقط نفقتها ولَّا لا؟
طالب: لا تسقط.
الشيخ: ما تسقط، إذا صامت عن فرضٍ متعين في وقته؛ مثل صامت رمضان، وهو أي: الزوج مثلًا مريض ما يصوم؛ ممنوع من الصوم في رمضان، فهل نقول في هذه الحال لما امتنع منها كمال الاستمتاع: سقطت نفقتها، أو نقول: إن هذا واجبٌ شرعي فهو مستثنى؟ نقول: هذا واجب شرعي فهو مستثنى.
ينبني على هذه المسألة مسألة فيها خلاف؛ لو وجب عليها الحج وسافرت للحج، هل يجب عليه الإنفاق؛ أي: إنفاق مقدار نفقة الحضر؟ أو ما يجب عليه؟
انظر المسألة الآن؛ امرأة وجب عليها الحج، وقد مر عليكم في الحج أنه إذا تمت شروط وجوب الحج فإنه لا يجوز للزوج أن يمنع زوجته منه، المرأة الآن عندها مال، وأخوها يريد أن يحج بها، الزوج في هذه الحال لا يمكن أن يمانع، لماذا؟ لأن الحج فريضة.
حجت المرأة، هل يجب عليه مدة الحج أن ينفق أو لا يجب؟
طلبة: لا يجب.
الشيخ: نشوف؛ إن قلتم: يجب.
قلنا: قياسًا على وجوبها في صيام الفرض، وإن قلتم: لا يجب.
قلنا: قد يكون بينهما فرق؛ قد يكون بينهما فرقٌ من جهة أن الصيام نصف الوقت يستمتع بها وهو الليل، ثم في النهار أيضًا له أن يستمتع منها بالتقبيل، والضم، وما أشبه ذلك، لكن إذا سافرت انقطع الاستمتاع بها ليلًا ونهارًا، كاملًا وناقصًا؛ فعلى هذا لا يمكن القياس.
ومن ثَمَّ قال الفقهاء: إنها إذا سافرت إلى الحج فإنه ليس لها نفقة، إلا أنهم قالوا: إذا كان الفرض بسببها كالنذر.
وأما إذا كان الفرض بأصل الشرع فإنه يجب عليه الإنفاق؛ لأن هذا مستثنى شرعًا مثلما قالوا في صيام الفرض.
الخلاصة أننا ينبغي لطالب العلم -ولا سيما بالنسبة لكم أنتم- أن يعرف الخطوط العريضة في هذا الباب، ثم تأتي هذه المسائل الجزئية، تجد أنها فيها خلاف، والخلاف هذا مبني على تحقيق المناط بهذه المسألة، هل إنه يتحقق فيه مسقط النفقة أو لا يتحقق؟
ما هي الخطوط العريضة اللي قلنا؟ قلنا: إن النفقة الأصل فيها أنها في مقابل الاستمتاع، فإذا تعذر الاستمتاع فإن كان من جهة الزوج فالنفقة واجبة تجري عليه، إذا كان من جهة الزوجة بعذر سقطت بدون إثم، وإذا كان منها لغير عذرٍ سقطت مع الإثم، هذا هو الضابط، والمسائل الفرضية كثيرة، لكن هذا هو مدار هذه المسألة.
إذن تسقط النفقة بكل ما يفوِّت الاستمتاع من قِبل مَن؟ من قبل الزوجة، لكن إن كان لعذر فهي غير آثمة، وإن كان لغير عذر فهي آثمة، فالضابط إذن لما يسقط النفقة.
ما هو الضابط؟ الضابط لما يسقط النفقة كل ما يمنع الاستمتاع من قبل الزوجة، وأما إذا كان من قبل الزوج؛ مثل افرض إن الزوج مُرِض مرضًا لا يستطيع معه أن يستمتع بزوجته، تسقط النفقة ولَّا لا؟
طلبة: لا تسقط.
الشيخ: لماذا؟ لأن التعذر هنا من جهة الزوج، أو مثلًا زوج يحب الصيام؛ يصوم دائمًا ويقوم الليل، فهل تسقط النفقة؟ ما تسقط، بل في هذه الحال للزوجة أن تطالبه، ولهذا منع النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم النهار ويقوم الليل، وقال: «إِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» (5).
كيف تقدر النفقة؟
نقول: رسَم الله تبارك وتعالى لنا كيف نقدرها؛ فقال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7] فذو السعة وهو الغني ينفق بحسب غناه، والإنسان الذي قُدِّر عليه رزقه -يعني: ضُيِّق- ينفق مما آتاه الله، وإلى أي شيء نرجع؟ إلى المعروف؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]، وقوله صلى الله عليه وسلم: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (6).
إذن الآن المرجع العُرف، وكيف تُقدَّر؟ نقول: على الموسع قَدَره وعلى المقتر قدره، ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
هنا اختلف العلماء بعد اتفاقهم أن النفقة حقٌّ للزوجة وعلى الزوج، اختلفوا هل المعتبَر حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما جميعًا؟ انتبهوا يا جماعة؛ هل المعتبر في السعة والضيق حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما جميعًا؟
طالب: حال الزوج.
الشيخ: يرى بعض العلماء أن المعتبر حال الزوج، ويرى آخرون أن المعتبر حال الزوجة، ويرى آخرون أن المعتبر حالهما جميعًا، ويظهر ذلك بالأمثلة:
موسر تحته موسرة ويش الواجب عليه؟ نفقة الموسر؛ يعني: أعلى النفقات إذا كان الزوج موسرًا والزوجة موسرة يجب هنا أن تكون النفقة من أعلى النفقات؛ نفقة موسر.
مُعسِر وزوجته معسرة؛ الزوجة من بيت فقراء وهو أيضًا فقير، ويش الواجب عليه؟ نفقة معسر، وفي هذين النوعين لا تختلف الأقوال، الأقوال ما تختلف ولَّا لا؟ لأن إذا صار موسر وتحته موسرة، أو معسر وتحته معسرة، إن قلت: الاعتبار بحال الزوجة؛ فهي معسرة في المثال الثاني وموسرة في المثال الأول، إن قلت: المعتبر حال الزوج؛ فهو موسر في المثال الأول ومعسر في الثاني، إن قلت: المعتبر حالهما؛ فكلاهما موسر في الأول وكلاهما معسر في الثاني.
قسم ثالث: متوسط تحته متوسطة، ويش نفقة؟
الطلبة: متوسط.
الشيخ: متوسط على الأقوال كلها، أليس كذلك؟
موسر تحته معسرة؟
طالب: متوسط.
الشيخ: متوسط؛ لأن المعتبر حالهما على القول بأن المعتبر حالهما يكون نفقة متوسط؛ لأن موسر مع معسر واحد إلا ربع، ولَّا لا؟
موسر نصف ومعسر ربع، ولو كان هذا موسرًا صار كاملًا؛ فيكون بينهما، تكون النفقة نفقة متوسط، ما يجب على الزوج إلا نفقة متوسط، واضح؟
معسر وزوجته موسرة؟
طالب: معسر.
الشيخ: لا، متوسط؛ لأنا نبغي نمشي على القول بأن المعتبر حالهما، يكون نفقة متوسط، يُلزَم الزوج الفقير بأن يأتي لزوجته بنفقة متوسط.
طالب: منين؟
الشيخ: يدبر روحه وإلا تفسخ النكاح، يدبر نفسه وإلا تفسخ النكاح، خليكم معنا، هذا على القول بأن المعتبر حالهما.
نرجع مرة ثانية على القول بأن المعتبر حال الزوج؛ فإذا كان موسرًا وامرأته معسرة، فما الواجب؟
الطلبة: موسر.