الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1506-1545

(إن كذب أحدهما لم يصح في حقه باطنًا) أي: فيما بينه وبين الله، أما ظاهرًا فإنهما لو ترافعَا إلى القاضي -إلى المحكمة- حكم بالصلح، لكن باطنًا فيما بينه وبين الله الكاذب لا يصح الصلح في حقه، وعلى هذا فلا يصح أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع، لكن ادَّعَاها كذبًا، وما أخذه منين؟ من العِوَض، سواء كان المدَّعِي أو المدَّعَى عليه، ما أخذه حرام لا يحل له؛ لأنه أخذه بغير حق.
مثال ذلك، آخر مثال مثَّلْنَا به، رجل ادَّعَى على أن قطعة هذه الأرض له، وهي أرض مشتركة، فأنكر مَن بيده الأرض، قال: أبدًا، إن هذه ليست لك، ثم اتفقَا على الصلح، فأعطى المدَّعَى عليه للمدَّعِي مئة درهم، عِوَضًا عن أيش؟ عن الأرض، إن كان المدَّعِي صادقًا والمنكِر المدَّعَى عليه كاذبًا فالأرض أيش؟ حرام على المدَّعَى عليه، كالأرض المغصوبة تمامًا، وإن كان بالعكس؛ المدَّعَى عليه هو الْمُحِقّ والمدَّعِي هو المبطِل فالعِوض الذي أخذه عن الأرض والدراهم تكون حرامًا عليه، وهذا واضح وماشٍ على القواعد الشرعية؛ لأن كلَّ من أخذ شيئًا بغير حق فهو حرام عليه.
ثم قال: (وَلَا يَصِحُّ بِعِوَضٍ).
يعني: (ولا يصح) أي: الصلح، (بِعِوَضٍ عَنْ حَدِّ سَرِقَةٍ)؛ لأن حد السرقة لِمَنْ؟ لله عزَّ وجل، فلا يمكن أن يأخذ المخلوق عِوَضًا عنه، وإذا بلغت الحدود السلطان فلا شفعة.
وعُلِم من قوله: (عن حدِّ سرقةٍ) أن الصلح يصح عن المال المسروق، فلو أن شخصًا سرق من آخر حُلِيًّا، فضاع الحلي، واعترف السارق به، ثم صالح عنه بعِوَض، فالصلح جائز لا بأس به، لكن لو صالح عن حد السرقة فإنه لا يصح.
لو أُمسِكَ السارق وقال للذي أَمْسَكَهُ: دعني وأعطيك عشرة آلاف ريال، لا ترفعني للولاة وأعطيك عشرة آلاف ريال، أيصح هذا أو لا؟ طلبة: يصح.
الشيخ: يا إخواننا! ما يصح.
كيف يصح؟ أبدًا.
طالب: لم يبلغ الولي.

الشيخ: إي، لكن هذا ليس له الحق في هذا، نفس الذي أمسكه ليس له الحق؛ فإما أن يرفعه للولي، وإما أن يستر عليه ويدعه إذا كان يرى أن المصلحة في ذلك، أما أن يأخذ عِوَضًا عن هذا فلا يجوز، ثم فيه مَفْسَدة عظيمة؛ يكون كُلُّ واحد يُمْسَكُ على شيء يبذل عِوَضًا ويمشي.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، وكذلك أيضًا لا يصح بعِوَضٍ عن حد قذف؛ حد القذف لِمَنْ؟ لله وللمخلوق، هو للمخلوق لكنه فيه شائبة حق لله عزَّ وجل، فلو قال المقذوف للقاذف: سأرفعك إلى ولي الأمر، فقال القاذف: لا ترفعني، أنا أعطيك عن حقك في القذف مئة ألف ولا ترفعني، فوافق، فهنا لا يجوز عن حد القذف؛ لأن حد القذف لله عز وجل، فإما أن ترفعه إلى ولي الأمر أو تتركه، لا سيما على القول بأنه لا يُشْتَرَط لإقامة حد القذف مطالبةُ المقذوف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: لا يُشْتَرَط في إقامة الحد مطالبة المقذوف؛ لأنه حقٌّ لله، حماية لأعراض المسلمين، ولهذا جاءت الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: 4]، فهو كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2].
لكن على القول بأنه حقٌّ للمقذوف، وأن للمقذوف إسقاطه، قالوا: إنه لا يصح بعِوَض؛ لأن هذا الحق ليس ماليًّا، ولا يُقصَد به المال، فلا يصح بعِوَض.
ولكن هناك قولًا آخر؛ أنه يصح بالعِوَض؛ لأن الذي سوف تَسوَدُّ صحيفته به هو مَنْ؟ المقذوف، فبدلًا من هذا يقول: أعطني مئة ألف ريال، وأنا إن شاء الله سأدافع عن نفسي فيما يتعلق بالقذف.
وهذا القول له وجهة نظر؛ لأنه حقٌّ لآدمي في الواقع، ولهذا لا يقام حد القذف إلا بمطالبة مَنْ؟ المقذوف، أما إذا قلنا: إنه حق لله محض، وأنه لا تُشْتَرَط مطالبة المقذوف، فإنه لا يصح بعِوَض.

كذلك أيضًا: (ولا حق شفعة)، حق الشفعة أيش معناه؟ حق الشفعة معناه أن شخصًا له شريك في أرض؛ يعني أن شخصين شريكان في أرض، فباع أحدهما نصيبه على ثالث، مَنِ الذي له الشفعة؟ الشريك الذي لم يَبِع، ذهب المشتري إلى الشريك، وقال: أنت لك حق الشفعة، ولكن أنا سأعطيك عشرة آلاف ريال وأَسْقِط حقك، ففعل، يقول المؤلف: إنه لا يصح إسقاط الشفعة.
وهذه المسألة فيها قول آخر بأنه يصح بعِوَض عن إسقاط حق الشفعة؛ لأن حق الشفعة يتعلق بأيش؟ بالمال، فهو حق آدمي، فإذا قال: أنا أعطيك كذا وتنازَلْ عن المطالبة بالشفعة، فما المانع؟ وهو حقٌّ له، فالصواب في هذه المسألة أنه يصح أن يصالح عن حق الشفعة وتسقط الشفعة.
(وتركِ شهادة) يعني: لو صالح إنسانًا يشهد عليه بحق، وقال له: لا تُقِم الشهادة عليَّ وأعطيك كذا وكذا.
مثاله: إنسان طلَّق زوجته بحضور شاهدَيْنِ، ثم أنكر الطلاق، فقالت المرأة: عندي شهود، رجلان يشهدان، فذهب الزوج إلى الشاهدَيْنِ، وقال: أنا سأعطي كُلَّ واحد منكما ألف ريال واتركَا الشهادة، هل يجوز هذا أو لا؟ هذا لا يجوز، لا إشكال فيه؛ لأن الله عزَّ وجلَّ يقول: ﴿وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]، ولا يصح بأي حال من الأحوال، حتى لو فرضنا أن المسألة حق مالي لا زوجية فإنه لا يجوز.
وهل يجوز أن يصالح إنسانًا يشهد له؟ طالب: لا.
طالب آخر: بحق.
طالب آخر: تفصيل.
الشيخ: يشهد له.
طالب: إن كان بحق نعم.
الشيخ: لا يا أخي، بغير حق؛ ادعى على زيد بألف ريال، وليس عنده شهود، فذهب إلى رجلين وقال: اشهدَا لي وأعطيكما كذا وكذا، يجوز؟ لا يجوز، مع أنهم يقولون في بعض البلاد؛ أظن الشهادة مُقنَّنة على حسب الحق؛ إن كان حقًّا كبيرًا فالشهادة بمئة ريال، حقًّا صغيرًا بعشرة ريالات، موجودون عند باب المحكمة يقولون، هكذا سمعت ما أدري هل صحيح ولَّا لا، موجود.

فهل يجوز أن الإنسان يعطي شخصًا ليشهد له؟ لا يجوز، لا شك فيه؛ لأن هذه شهادة زور، وهي من أكبر الكبائر.
قال المؤلف: (وتسقط الشفعة والحد).
(الحد) يعني حد القذف يسقط؛ لأن الرجل أسقطه، لكن لو قال: أنا أسقطته بعِوَض، فإما أن تعطوني العِوَض، وإلا فأنا أريد إقامة الحد على القاذف، يقولون: لا، لا نعطيك عوضًا، ولا نقيم لك الحد؛ لأنك أنت أسقطته.
وكذلك الشفعة، أنتم فاهمون المثال الأول في الشفعة؟ طالب: نعم.
الشيخ: هذا الذي أسقط حقه من الشفعة بعِوَض نقول: الآن ليس لك شفعة، وليس لك عِوَض، سبحان الله! الرجل اتفق مع المشتري الذي اشترى الشقص على أن يُسقِط شفعته بألف ريال، فالرجل أسقط شفعته، يقول: ليس له شفعة الآن؛ لأنه أسقطها، وليس له عِوَض؛ لأن العِوَض على ترك الشفعة غير صحيح، والصحيح أنه -كما قلنا قبل قليل- يجوز المصالحة بعِوَض عن إسقاط الشفعة.
طالب: (... ) حد القذف؟ الشيخ: حد القذف أتوقف فيه.
قال: (وَإِنْ حَصَلَ غُصْنُ شَجَرِهِ فِي هَوَاءِ غَيْرِهِ أَوْ قَرَارِهِ أزَالَهُ).
بدأ المؤلف بذكر شيءٍ من حقوق الجار، وإنما ذكر الفقهاء حقوق الجار في هذا الباب لأن الغالب أن النزاعات التي تكون بين الجيران الغالب أن تكون عن طريق أيش؟ عن طريق المصالحة، فلهذا ذكروا أحكام الجوار في هذا الباب، وله مناسبة أخرى يمكن تكون في آخر الفقه، لكن هنا رأوا أنه أنسب.
من المعلوم أن الجار له حق كما قال الله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36]، له حق؛ فإن كان مسلمًا قريبًا كان له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار، وإن كان مسلمًا غير قريب فله حقان: حق الإسلام وحق الجوار، وإن كان كافرًا غير قريب فله حقٌّ واحد وهو حق الجوار.

المهم أن الجار له حق، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» (1)، وقال: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ»، قالوا: مَن؟ قال: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (2)، يعني: تعديه وظلمه، وحتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (3)، ولننظر في أنفسنا نحن، هل نحن قمنا بحق الجوار؟ هذا استفهام.
والجواب: أكثر الناس في غفلة عن هذا الحق، ولا يرون أن للجار حقًّا، ولكن هذا خطأ، الذي ينبغي للإنسان أن يواصل جاره، بحسب ما تقتضيه الحال والطبيعة؛ طبيعة البلد مثلًا، طبيعة الناس، وأن يكف شره عن الجار، يعطيه من الخير ويكف الشر، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ» (4). من الأشياء التي يجب أن يدفعها عن جاره: (إذا حصل غصنُ شجرته في هواء غيره أو قراره).
الهواء: المكان المرتفع، والقرار: الأرض، القرار الأرض، والهواء ما فوق الأرض.
إذا حصل غصن الشجرة في الهواء، بأن يكون الإنسان عنده شجرة في بيته ولها أغصان متدلية على ملك جاره، هذا هواء.
القرار: إنسان عنده شجرة في البيت، لكنها من الشجر الذي يمتد على الأرض، مثل البطيخ يمتد على الأرض، حصل غصن هذه الشجرة في أرض جاره، هذا نقول: حصل في القرار ولّا في الهواء؟ في القرار.
هناك شيء ثالث يمتد أيضًا إلى الجار: وهو العروق، والعروق في باطن الأرض.
فعندنا الآن ثلاثة أشياء: غصن على القرار، وغصن في الهواء، والثالث عروق في باطن الأرض.
أما الغصن في الهواء أو على القرار، فإنه يجب على صاحب الغصن أن يُزيله إذا طالبه صاحب الأرض الذي هو الجار، إذا قال: أَزِلْ عني هذا الغصن، وجب عليه أن يزيله.

فإذا قال صاحب الشجرة: هذا الغصن ينفعك، يظلك، تجلس أنت وأهلك في ظلال هذا الغصن، تستأنس، قال: أنا لا أريد هذا، أنا أريد أن تزيل هذا الغصن، هل يُلزم صاحب الشجرة؟ نعم يُلْزَم.
وكذلك لو كان في القرار، يعني تُسَرِّح الأغصان على الأرض، فإنه إذا طالبه الجار يجب عليه إزالته.
وعُلِمَ من هذا الكلام أن الهواء ملك لصاحب الأرض، إلى أين؟ طالب: إلى السماء الدنيا.
الشيخ: إلى السماء الدنيا، أو إلى الغيم؟ الظاهر إلى السماء الدنيا، فلا يمكن لأحد أن يتخذ رَوْشَنًا، أو ما أشبه ذلك على أرضه إلا بإذنه.
بقينا في القسم الثالث، ما هو؟ العروق، إذا امتدت عروق الشجرة إلى أرض الجار، فهل للجار أن يطالب صاحب الشجرة بقطع العروق؟ نقول: في هذا تفصيل؛ إن كانت العروق تؤذيه أو تضره فله أن يطالب، وإن كانت لا تؤذيه ولا تضره فليس له حق المطالبة؛ لأن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه.
تؤذيه بأن كانت تنقل الندى، يعني الرطوبة؛ لأن العروق رطبة تنقل الرطوبة إلى الأرض، أو كانت ربما تبرز على سطح الأرض.
الضرر؛ بعض الأشجار يكون لها عروق قوية تدفع حتى الحصى، وهذا إنسان عنده قَبْو في الأرض، وعروق شجرة الجار تدفع الجدار، ربما تدفعه حتى يَسقط أو ربما تشقه إذا كان من الطين ثم تتدلى بهذا القبو، هذا ضرر، فلصاحب الملك -أي صاحب الأرض- أن يطالب صاحب الشجرة بأيش؟ بقطع هذه العروق، أما إذا كان لا يتأذى ولا يتضرر فلا يُلزِمه بإزالتها؛ لأن هذا مما جرت العادة بالتسامح فيه.
(فإن أبى) إن أبى مَنْ؟ صاحب الشجرة، أبى أن يزيله.
(لواه) الفاعل صاحب الأرض، أي: لوى الغصن.
(إن أمكن) يعني: إن أمكن لَيُّهُ.
(وإلا فله قطعه)، فصار هذا الغصن له مراحل: المرحلة الأولى: أن نطالب مَنْ؟ صاحب الغصن بالإزالة.
الثانية: إذا أبى يُلْوَى الغصن، فإن لم يمكن لَيُّه لكونه قاسيًا، أو لا يمكن أن يلتوي إلا بالكسر فله قطعه دفعًا لأذاه.

لو أن صاحب الشجرة قال لصاحب الأرض: أنا أصالحك على أن أدفع لك كُلَّ شهر كذا وكذا، فهل تصح الأجرة؟ طلبة: لا تصح.
طلبة آخرون: لا تصح.
الشيخ: يقول: لا تصح الأجرة؛ لأن الأغصان تمتد وتكبر، فيكون ما تشغله فيما بعد مجهولًا أو معلومًا؟ الطلبة: مجهولًا.
الشيخ: مجهولًا، فلا يمكن أن تكون بأجرة.
نعم لو فُرِضَ أنه آجَره إياه على حسب المساحة، وقال: إذا شَغل الغصن مساحة متر فبكذا، مترين فبكذا، فالظاهر الصحة؛ لأن هذا ليس فيه محظور شرعي ولا جهالة.
إذا صالحه على أن له نصفَ الثمر الذي في هذا الغصن المتدلِّي يصح أو لا؟ طالب: يصح.
الشيخ: هنا يصح؛ لأن الغصن حتى لو كبر وامتد سوف يزيد الثمر، فهذا يصح؛ لأن الحاجة قد تدعو إلى ذلك، وليس فيه غرر كثير.
طالب: شيخ، بارك الله فيك، بالنسبة للشهادة إذا كانت بحق، بمعنى أن لي عند رجل مثلًا شهادة، وهو يشهد بحق، وقع الأمر فعلًا، لكن اعتذر بكون الوقت لا يسمح وعدم ذهابه للمحكمة وكذا، فصالحته على أن أعطيه مبلغًا من المال، يعني لقاء وقته الذي (... )؟ الشيخ: هذا لا بأس به، يعني هنا المصالحة على إقامة الشهادة، ما هو على ترك الشهادة.
الطالب: على إقامتها.
الشيخ: على إقامتها لا بأس، له أن يطالب بأجرة النقل إذا كان بعيدًا، أو أن يطالب بفوات المنفعة إذا كان يعمل في غزل أو غيره، هذا لا بأس به، أما إذا امتنع وقال: لا أؤدي الشهادة إلا بعِوَض، هذا حرامٌ عليه.
الطالب: عليه هو؟ الشيخ: عليه هو، نعم.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا كان الهواء تابعًا لملك الأرض فهل من حق الإنسان إذا بنى مسجدًا في أرضه أن ينتفع؛ يعني أن يبني فوق المسجد في هذا الهواء مسكنًا له أو لأهله، أم يقال: إن الهواء الذي فوق المسجد.. الشيخ: الهواء اللي فوق المسجد مسجد، لا يجوز أن يبني عليه شيئًا.

الطالب: هذا منتشر يا شيخ عندنا مثلًا في كثير من البلاد أنه يبني مثلًا في أسفل العمارة يجعلها مسجدًا، وباقي العمارة كلها أدوار سكنية.
الشيخ: هذا تجده من الأصل، من الأصل ما نوى أن تكون مسجدًا.
الطالب: هو نوى أن يبني مسكنًا كاملًا.
الشيخ: إي، يعني نوى النية الآن مشتركة بين إقامة المسجد والبناء فوقه، هذا ما فيه شيء، الذي فيه الشيء هو أن يكون هذا المسجد قد بُنِيَ أصلًا، ولم يُقْصَد أن يُبْنَى فوقه شيء، ثم بدا لصاحبه أن يبني فوقه شيئًا فهذا لا يجوز.
طالب: ادعى رجل على آخر عينًا، فأنكر المدَّعَى عليه، ثم أقيمت عليه البينة، هل يصح الصلح في هذه الحال؟ الشيخ: بعد المصالحة؟ الطالب: قبل المصالحة قامت عليه البينة.
الشيخ: إذا قامت البينة ما هي مشكلة؛ لأن الصلح يكون بيعًا وشراء، ما هي مشكلة.
طالب: عفا الله عنك، شيخ، إذا كان الإنسان (... ) لإنسان الحق بهدف الحيلة، وأنكر صاحب الحق الذي عليه الحق أنه (... )، وقال: صالحتك.
أنت صالحت على بعض المال حيلةً، ما نوى منه أن يعطيه (... ). الشيخ: هذه مرت علينا.
الطالب: الصورة هذه يا شيخ ما مرت علينا.
الشيخ: لا، مرت علينا، راجع الشريط.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، القول (... ) ولا أنكرت الشهادة بحق أو باطل (... ). الشيخ: حتى (... ) بالحق يجب عليه أن يشهد، كيف يأخذ العِوَض عن طلب الشهادة؟ ! الطالب: ما يجوز المصالحة (... )؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف ذلك؟ الشيخ: ما يجوز؛ لأن الشاهد يجب أن يؤدي الشهادة، إنسان بيشهد عليه الشاهد بأن في ذمته لفلان ألف ريال، راح (... ) وقال: تعالَ، لا تشهد، إذا شهدت ما أنت بمستفيد، وربما يكون عليه ضرر، أنا بأعطيك (... ) هذه ولا تشهد.
الطالب: لا يشهد له هو بحق.
الشيخ: الآن بيشهد عليه بحق، فقال له الذي عليه الحق: لا تشهد وأعطيك كذا، يعني: اترك الشهادة وأعطيك كذا وكذا.

الطالب: شيخ، (... ) فهمتَ أن ذوي إنسان سيشهد له هو، قال: تعال اشهد لي، قلت أنا: لا، قال: سأعطيك من ها الحق وتشهد لي.
الشيخ: لا لا لا، هذا ما يصير عن طلب الشهادة، هذا عن أداء الشهادة أو تحمل الشهادة الذي ذكرت.
طالب: مَن بنى مسجدًا من دورين، هل له أن يجعل في الدور الثاني دورات مياه لهذا المسجد؟ الشيخ: يعني تبع المصلحة، هو إذا كانا المسألة تأسيسًا فليفعل ما شاء، ولينوي ما شاء، أما بعد أن تم الإنشاء وتأسس فيبقى الشيء على ما هو عليه.
الطالب: لا، ليس تأسيسًا، وإنما بُنِيَ على أنه مسجد، ثم ضاقت بهم الأرض، فقالوا: نجعل الدورات لهذا المسجد في الدور الثاني.
الشيخ: ما فيه بأس، المحذور أن تكون الدورات تحت، والصحيح أنه لا بأس بذلك.
طالب: إذا كانت العمارة من أدوار، والدور الأرضي مسجد، ثم تلفت العمارة وهدمها وأراد بناءها من جديد، هل يلزمه أن يجعل الدور الأرض مسجدًا؟ الشيخ: إي نعم، يجب أن يقيم مسجدًا في الدور الأرضي على حسب مساحة المسجد الأول، إلا إذا كان جعله مصلى، يعني يوجد في بعض العمارات الكبار يجعلون مصلى ما هو مسجد، فالمصلى ليس بمسجد، له أن يغيره، ينقله من مكان لمكان، وله أن يرفع الصلاة فيه مطلقًا.
طالب: السكوت (... )؟ الشيخ: إي نعم؛ لأن المدَّعَى عليه إما أن يُقِرّ، أو ينكر، أو يسكت، فإذا سكت فهو كالمنكِر.
الطالب: سكت وهو يجهل.
الشيخ: لا، سكت وهو يجهله، نقول: نعم، صالِح عن هذه الدعوى.
الطالب: يكون في حقه؟ الشيخ: يكون في حق المدَّعِي إن كان كاذبًا حرامًا.
طالب: إذا وُجِدَ في العين التي صالح عليها عيب في صلح إنكار، فقال: لا أريد أن أردها، ولكن أريد أَرْشَ الدَّيْن كما سبق لنا تخييره.
الشيخ: إي، له ذلك، إي نعم؛ لأن حكمه حكم البيع.

طالب: شيخ، بارك الله فيكم، لو أن الأغصان امتدت بكثرة في هواء أرضه، وكذلك العروق التي في الأرض، التي على ظهرها كالبطيخ، فأزالها، واحتاج في إزالتها إلى جهدٍ كبير، فهل له أن يأخذ من مالكها أجرة المثل؟ (... )


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الصلح: ويجوز في الدَّرْبِ النافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ، لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودَكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في ملْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وليس له وضعُ خشبه على حائطِ جارِه إلا عند الضرورة إذا لم يُمْكِنْه التَّسْقيفُ إلا به، وكذلك المسجدُ وغيرُه، وإذا انهدمَ جدارُهما أو خِيفَ ضررُه فطلبَ أحدُهما أن يَعْمُرَه الآخرُ معه أُجْبِر عليه، وكذا النهرُ والدُّولابُ والقناةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما حكم المصالحة عن حق الشفعة؟ طالب: على قول المصنف أنه لا يصح.
الشيخ: المذهب أنه لا يصح، ثم ماذا عن الشفعة؟ الطالب: تبطل الشفعة، يسقط حقه في الشفعة.
الشيخ: يسقط حقه، نعم، هل هناك قول آخر على كلامك، المذهب؟ الطالب: القول الثاني أنه يصح الصلح على الشفعة.
الشيخ: على إسقاط الشفعة؛ لأنها؟ الطالب: لأنها حق مالي وحق آدمي، ليس هناك مانع من أخذ العِوَض عنه.
الشيخ: فيدخل في عموم الحديث «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ».
(5) طيب، هل يصح الصلح عن حد القذف؟ طالب: لا يصح الصلح عن حد القذف.
الشيخ: لا يصح مطلقًا؟ على المذهب.
هل على كلامك المذهب هل هناك قول آخر؟ طالب: نعم، له أن يصالحه.
الشيخ: يصالحه متى؟ إذا وصل إلى الإمام ولّا قبل؟ الطالب: قبل أن يصل إلى الإمام.
الشيخ: قبل أن يصل إلى الإمام، توافقون على هذا؟

نعم، المذهب لا يصح، والقول الثاني: إذا لم يصل إلى حد الإمام فإنه تصح المصالحة، لكن على رأي مَن يرى أن حد القذف حقٌّ لله يقول: لا تصح المصالحة مطلقًا.
طالب: ما رجحنا شيئًا يا شيخ.
الشيخ: هكذا قيل.
يقول المؤلف: (إذا حصلَ غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه)، ما معنى العبارة؟ (في هواء غيره أو قراره).
طالب: أي يكون الغصن متدليًا على بئر (... ) الجدار.
الشيخ: هذا الهواء ولّا القرار؟ الطالب: الهواء.
الشيخ: القرار؟ الطالب: القرار كأن يكون الجذع.. العروق.
الشيخ: لا.
الطالب: الجذع يا شيخ.
الشيخ: أيش الجذع؟ الجذع لا بد أنه في ملكه، ما هو في ملك جاره.
طالب: (... ). الشيخ: يعني تمتد أغصان الشجرة على الأرض، مثل؟ الطالب: (... ). الشيخ: إذن هذا الفرق بين الهواء والقرار.
هناك قرارٌ باطني؟ طالب: شيخ، العروق، عروق الشجرة.
الشيخ: ماذا تقول فيها؟ الطالب: هو إذا كان عليه ضرر أو أذية فهذا يُجْبَر على نزعه، وأما إذا لم يتأذَّ به فقد جرت العادة على التسامح في مثل هذه الأمور.
الشيخ: إي نعم، إذا حصل به ضرر أو أذية فإنه له حق المطالبة في إزالته.
ما الفرق بين الضرر والأذية؟ الطالب: الضرر يا شيخ مثل ما يكون مثلًا عنده بيت قبو تحت، فالعروق هذه تدفع الجدار نفسه، هذا الضرر.
الشيخ: الأذية؟ الطالب: الأذية مثلًا يا شيخ تُنْتِج أو شيء من هذا.
طالب آخر: يا شيخ (... ) يشتركان في إزالة الضرر إن حصل ضد الآخر، لكن الأذية فقط.
الشيخ: إي، بس مثاله؟ الطالب: مثلًا في بعض الأشجار تخرج عروقها إلى ظاهر الأرض، فيتضرر.
الشيخ: يعني فيتضرر، جاء الضرر.
الطالب: (... ) ما يحتاج مثلًا شيئًا من المالك ولا يعني.. الشيخ: ولا يخشى على الجدار أن يسقط.
الطالب: ولا يخشى على الجدار أن يسقط.
الشيخ: لكن يتأذى مثلًا بالرائحة أو تكون الأرض ندية مثلًا.
ماذا يستفاد من كلام المؤلف بالنسبة للهواء والقرار؟ طالب: كيف يا شيخ؟

الشيخ: ماذا يستفاد من كلام المؤلف بالنسبة للهواء والقرار ما دام نقول: إنه إذا حصل الغصن فله إزالته؟ الطالب: ما فهمت السؤال.
الشيخ: المؤلف يقول: (إن حصل غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه أزاله)، ماذا يستفاد من هذا الحكم؟ الطالب: أن له المصالحة عليه بعِوَض.
الشيخ: لا.
طالب: أن الهواء تابع لصاحب الأرض.
الشيخ: أن الهواء تابع للقرار، وأن القرار الأسفل تابع لما فوقه، كذا؟ توافق على هذا؟ لو وُضِعَ مسعًى تحت المسعى الآن في مكة يصح السعي فيه؟ طالب: نعم؛ لأنه تابع لما هو فوقه.
الشيخ: ولو وضع فوقه؟ الطالب: كذلك.
الشيخ: كذلك؛ لأن الهواء تابع للقرار.
إذا أبى مالك الغصن أن يزيله؟ طالب: لواه.
الشيخ: مَن يلويه؟ الطالب: مَن وقع عليه الضرر لوى الغصن.
الشيخ: ما فيه ضرر، الغصن متدلٍّ من فوق.
طالب: يلويه.
الشيخ: من اللي يلويه؟ الطالب: مَن وقع عليه.. الشيخ: مَنْ؟ الجار ولّا صاحب الغصن؟ الطالب: الجار.
الشيخ: الجار؟ كيف يتصرف في ملك غيره؟ الطالب: هذا تصرف في ملكه وليس في ملك غيره.
الشيخ: يعني لدفع أذاه، كالصائل تمامًا، كذا؟ إذا لم يمكن لَيُّه بحيث يكون من الأغصان التي إذا لويتها انكسرت.
طالب: المؤلف يقول: (القطع).
الشيخ: أيش المؤلف يعني؟ وأنت عندك فيها إشكال؟ يعني له أن يقطع الغصن الذي يتدلى على ملكه؟ الطالب: نعم.
الشيخ: له ذلك، متأكد، عازم؟ طيب.


يقول المؤلف رحمه الله: (ويجوز في الدرب النافذ فتح الأبواب للاستطراق).
الدروب يعني الطرق، تنقسم إلى قسمين: قسم نافذ، وقسم مسدود لا ينفذ، الطريق النافذ ملك لأهل البلد كُلِّهم، مُلكٌ للجميع، فيجوز أن يفتح بابًا للاستطراق في الدرب النافذ، سواء من أوَّل الدرب أو من وسطه، أو من آخره، ما دام بيته ممتدًّا من أول الشارع إلى آخره، ما دام هو للاستطراق فهو مُلكٌ عام له أن يفتح الباب.

وقوله: (للاستطراق) مفهومه فتح الباب للهواء، وهو ما يعبَّر عنه بالفُرْجَة، أو ما يسمى به في الوقت الحاضر أيش؟ الدَّرِيشَة، هل يجوز أن يفتح الدَّرِيشَة أو الفُرْجة في الجدار أو لا؟ نقول: نعم، يجوز، إذا جاز فتح الباب للاستطراق ففتح الباب للهواء من باب أوْلى؛ لأنه لا يضر أحدًا، ولأنه يجوز أن يرفع جداره، يعني يهدم جداره حتى لا يبقى إلا نحو قامة الرجل.
إذن له أن يفتح المنافذ الهوائية، وله أن يفتح الأبواب للاستطراق.
وظاهر كلام المؤلف: لا فرق بين أن يفتحه في مقابل باب جاره، أو في غير مقابل باب جاره؛ لأن الطريق مُلكٌ للجميع، وهذا كذلك، لا فرق بين أن يكون أمام بيت جاره أو لا، إلا إذا كان الجار يتأذى بفتح باب جاره أمامه، فحينئذٍ لا يحل له أن يفتحه أمام باب بيت جاره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» (1)، وقال: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ».
(2) (لا إخراج رَوْشَن وسَابَاط ودَكَّة ومِيزَاب)، هذه لا يجوز إخراجها في الدروب النافذة.
إخراج الروشن والساباط والدكة والميزاب.
(الرَّوْشَن): هو أن يجعل سقفًا لا يتصل بالجدار الآخر.
و(الساباط): أن يتصل بالجدار الآخر، أو بالعكس.
فلا يجوز أن يُخْرِج على الشارع العام شيئًا زائدًا عن ملكه.
وجه ذلك: أن الهواء تابع للقرار، وهذا الطريق ملك لعامة الناس، فلا يجوز أن تُخْرِجَ شيئًا يكون على هواء هذا الطريق.
وكذلك الساباط: لو كان الإنسان مثلًا له بيتان، يفصل بينهما طريق نافذ، فأراد أن يجعل جسرًا بين البيتين؛ فإنه ليس له ذلك، لماذا؟ لأن الهواء تابع للقرار، والشارع ملك لعامة الناس، لا يختص به أحد دون آخر.

وظاهر كلام المؤلف رحمه الله سواء كان في ذلك ضرر أم لم يكن، بل ظاهر كلامه حتى ولو كان في ذلك مصلحة لمن طرق هذا الشارع، مثل أن يكون ظلًّا يقي من الشمس ويقي من المطر، فإنه ليس له ذلك.
والصحيح خلاف هذا، الصحيح أنه لا بأس أن يُخْرِجَ ما جرت به العادة، مما لا يضر الناس، فإن كان مما يضرهم فإنه لا يجوز، حتى لو أذن مَن له الولاية على البلد، كرئيس البلدية مثلًا أن يُخْرِج هذا الساباط أو الرَّوْشَن وهو يضر بالناس فإنه ليس له أن يفعل.
فالقول الراجح في هذه المسألة أن يقال: له إخراج ما جرت به العادة بشرط أيش؟ ألَّا يضر الناس، فإن أخرجه وكان نازلًا بحيث يضرب الراكب أو ما أشبه ذلك فإنه ممنوع.
(ودكة)، الدكة: العتبة، يعني ليس له أن يُخرج عتبة، ولو كان بيته أرفع من الشارع، فإنه لا يحل له أن يُخْرِجَ عتبةً في الشارع، لماذا؟ لأن الشارع ملك للجميع؛ هذه واحدة، ولأن العتبة تضيِّق الشارع، ولأنها ربما تكدِم أقدام الناس، لا سيما إذا كان الشارع يتطرق معه أناس كثيرون، فلا يجوز أن يُخْرِجَ دكة - أي: عتبة.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كان الشارع واسعًا، ولو بإذنِ مَن له الإذن في ذلك.
وهذه أيضًا يقال فيها ما قلنا في الرَّوْشَن والساباط، وهو أنه إذا لم يكن في ذلك ضرر، بأن كان الطريق واسعًا والعتبة منخفضة، ولا ضرر فيها على أحد، فله أن يفعل ذلك كما جرت به العادة.
أما ما يفعله بعض الناس الآن؛ يجعل بالشارع الضيق درجًا ربما يصل إلى خمس درجات، أو ست درجات فهذا لا يجوز؛ لأن في ذلك تضييقًا للشارع وضررًا على المسلمين، والشارع ليس ملكًا لأحد، هو ملك عام.
(أو ميزاب)، الميزاب ما هو؟ المَثْعَب، يعني الذي يصب منه الماء من السطوح، فلا يجوز أن يُخْرَج على الدرب النافذ.

إذن ماذا نصنع؟ نجعل المطر يصب في داخل البيت ويخرج من أسفل، وهذا ظاهر كلام المؤلف أنه لا يجوز مطلقًا، سواء كان في ذلك أذية وضرر أم لا، وسواء كان بإذن ولي الأمر في البلد أم لا.
والصحيح خلاف ذلك، الصحيح أن له إخراج الميازيب بشرط ألَّا يحصل بها ضرر؛ لأن هذا عادة الناس حتى في عهد النبي عليه الصلاة والسلام الميازيب تكون في الشارع على الأسواق.
فالصواب أنه يجوز أن يُخرج الميزاب بشرط ألَّا يكون في ذلك ضرر، الضرر بأن يكون الميزاب نازلًا يضرب رأس الراكب وما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: الضرر لا بد أن يكون في الميزاب؛ لأنه إذا جاء المطر فسوف يصب على المارة؟ فيقال: هذا أولًا: ليس دائمًا.
وثانيًا: الناس في أوقات المطر الشديد الذي تصب الميازيب منه سوف يكونون في البيوت لا يخرجون، وهذا ضرر مغتَفَر في جانب المصلحة التي تكون للناس.


يقول: (ولا يفعل ذلك في ملكِ جارٍ ودربٍ مشترَك إلا بإذن المستحق).
هذا النوع الثاني من الدروب، الدرب المشترك هو الذي ليس بنافذ، فالشارع الذي ليس بنافذ مشترَك للجيران، هم أهل الحق فيه، فلا يجوز أن يُخْرِج هذه الأشياء الأربعة التي هي: الرَّوْشَن، والساباط، والدَّكَّة، والميزاب، إلا بإذن المستحِق.
مَنْ هم المستحِقُّون؟ هم الذين لهم أبواب شارعة على هذا الدَّرْب؛ هؤلاء هم المستحِقُّون، وليس الذين لهم بيوت على الدرب؛ لأن من له بيت على الدرب وليس له باب هذا لا حق له في الدرب، لكن إذا كان له باب فله الحق في الدرب، فلا يجوز إخراج هذه الأربعة إلا بإذنهم، فإذا أذنوا فالحق لهم، وإن لم يأذنوا فإنه لا يحل له ذلك.
لكن يختلف هذا عن الدرب النافذ بأن الواحد منهم لا يُخرِج بابًا أدنى من بابه إلا بإذن الآخرين، يعني: لو كان أحد هؤلاء المشترِكين في الدرب له باب في أوله، فأراد أن يحوِّله إلى آخره، فليس له ذلك؛ لأنه لا يملك من هذا الدرب إلا ما كان محاذيًا لبابه، أو أدنى منه لفَمِ الدرب.

أنتم تصورتم هذا؟ طالب: لا.
الشيخ: ما تصورتم.
هذا دربٌ مشترك، ما هو الدرب المشترك؟ الذي ليس بنافذ، المسدود، فيه الجيران أحدهم له باب عند مدخل الدرب، أراد أن ينقل الباب إلى داخل، نقول: ليس لك ذلك، لماذا؟ لأنه ليس لك حقٌّ في هذا الدرب المشترك إلا من حذاء بابك، وما كان أدنى إلى فم الدرب، واضح؟ لكن لو أذنوا له فلا بأس، إذا أذنوا له فالحق لهم.
فصار الآن، لو فرضنا أن هذا الدرب فيه ستة أبواب، بابان في الآخر عند نهاية الدرب، وبابان على اليمين وعلى اليسار، أصحاب الأبواب التي في الآخر، هؤلاء لهم حق؛ يفتحون في أي مكان من هذا الدرب، السبب؟ لأنهم يملكون كل الدرب، لهم حق في كل الدرب.
أصحاب الأبواب اللي على اليمين واليسار، نقول: من كان منهم أدنى إلى فَمِ الدرب فليس له أن ينقل بابه إلى الداخل إلا بإذنهم، وأما مَن أراد نقله إلى فم الدرب له ذلك؟ له ذلك؛ لأنه أسقط حقه، لكن بشرط ألَّا يفتحه أمام باب جاره؛ لأنه ربما يتأذى، إلا بإذنه.
ما هو الدرب المشترك؟ اللي غير نافذ، المسدود يعني، السوق إذا صار مسدودًا يعني، ما هو ينفذ، ما هو الآن الشوارع بعضها مسدود؟ بعضها مسدود، هذا يسمونه الدرب المشترك، هذا الدرب المشترك يشترك فيه مَن كان بابه فيه، مَن له باب في هذا الدرب فهو شريك، وليس من له بيت على هذا الدرب؛ لأنه قد يكون البيت على هذا الدرب وبابه على الشارع العام.
نقول: هذا الدرب المشترك لا يجوز للإنسان أن يفتح فيه بابًا إلا بإذن الجيران، ولا يجوز أن يُخْرِج عتبة للباب إلا بإذن الجيران، ولا أن يُخْرِج رَوْشَنًا ولا ساباطًا إلا بإذنهم، هذه واضحة يا جماعة ولّا غير واضحة؟ الآن مسألة أخرى: لو أراد أحد من هؤلاء أن ينقل بابه إلى الداخل، أيجوز هذا أو لا يجوز؟ طالب: لا يجوز.

الشيخ: إلى الداخل، يعني مثلًا طرف السوق، هو بابه عند طرف السوق، أراد أن يدخل، يدخّله عند منتهى السوق، له ذلك؟ لا، إلا بموافقة الجيران، فإذا قال إنسان: عَلِّل ليش ليس له ذلك، أليس هذا الدرب مشتركًا؟ نقول: لأن الإنسان لا يكون شريكًا إلا فيما يحاذي بابه وما كان دونه مما يلي فم الشارع.
فإن أراد اللي في آخر هذا الدرب أن ينقل بيته إلى فم الشارع، يجوز؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه يعتبر تنازل عن حقه، لكنه لا يفتحه أمام باب جاره إلا بإذنه.
طالب: شيخ، (... ) إذا كان بيتي هناك كيف أفتح باب.. ما يجوز.
طالب آخر: يدخل في ملك غيري.
الشيخ: الآن إذا قدَّرنا أن الشارع انسد من طرف الزاوية إلى هذا، أنت بابك هو الباب الأول، الحجرة الأولى، وملكك واسع، ممكن تنقل هذا الباب إلى هنا.
طالب: ولكن هذا ليس بيتي.
الشيخ: لا، كله لك.
الطالب: إي.
الشيخ: كله لك، وإلا معلوم أنه ما هو راح يفتح بابًا له في ملك غيره، هذا معروف.
طالب: إذا كان له حق فتح باب في أول الشارع، فلماذا لم يكن له حق باب في هذا الشارع؟ الشيخ: لا، ليس له حق فتح الباب مطلقًا، له حق فتح الباب من حذاء بابه الأول، وما دونه مما يلي فم الشارع.
الطالب: لو جرى عرف الناس أن له حقًّا أن يفتح في هذا الشارع بابًا، يعني مثلًا عندنا يكون مثلًا هذا الشارع المشترك إذا ترك من ملكه مثلًا مترًا أو مترين فيكون له حق فتح باب بسعة كذا، يعني عند أعراف الناس، يفتح في أول البيت، يفتح في آخر البيت، يعني ما يختلفون في هذا.
الشيخ: هذا أول ما يوضع الشارع، يعني مثلًا هؤلاء اشتروا قطعة أرض كبيرة فيها مخطط، هؤلاء اتفقوا من أول الأمر، فله أن يجعل باب البيت من أسفل الشارع أو من أعلاه، لكن بعد أن يستقر ويبنون، ويكون هذا بابه من أول الشارع، وهذا بابه من أسفل الشارع، فالذي من أسفل الشارع له أن ينقله إلى أوله، والذي من أوله ليس له أن ينقله إلى آخره.
طالب: لماذا يا شيخ؟

الشيخ: العلة علَّلْنَا لكم؛ لأن الإنسان لا يملك من هذا الشارع إلا ما كان محاذيًا لبابه، أو ما دونه من أعلى الشارع.
لكن اشترطنا في مسألة نقل الباب رضا؟ طلبة: الجيران.
الشيخ: لا، يُشْتَرَط في نقله إلى أعلى الطريق ألَّا يكون أمام باب جاره.
هل له أن يفتح بابًا للهواء في الطريق المشترك؟ نعم، له ذلك، ولا يحتاج إلى إذن، والسبب أنه لا ضرر على أهل الشارع؛ ولأنه له الحق في أن يهدم من جداره إلى مقدار قامة الرجل، فإخراج النوافذ للهواء لا بأس به.


يقول: (ولا يَفعلُ ذلك في ملْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وَلَيْسَ لَهُ وَضْعُ خَشَبِهِ عَلَى حَائِطِ جَارِهِ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ).
هذه مسألة جديدة: الجيران لا بد أن يكون بينهم جدار، هذا الجدار إما أن يكون لواحد منهم فقط، أو يكون مشتركًا؛ إذا كان لواحد منهم فهو ملكه، وإذا كان مشتركًا فهو مُلك للجميع، وكلام المؤلف الآن فيما إذا كان خاصًّا بأحدهما، أي: بأحد الجارَيْن، فهل للثاني أن يضع خشبه على هذا الجدار؟ يقول المؤلف: إذا كان هناك ضرورة فلا بأس، وإلا فليس له ذلك.
الضرورة ألَّا يمكنه التسقيف إلا به، مثل أن يكون الخشب قصيرًا، لو أنه سَقَّفَهُ على جداره هو لكانت المسافة بعيدة، والخشب قصير.
مثاله: حجرة طولها أربعة أمتار، وعرضها متران، والعرض هو جدار الجار، الخشب الذي عنده طوله متران أو متران ونصف، لو أراد أن يجعل الخشب على أربعة الأمتار يمكن ولّا ما يمكن؟ ما يمكن، إذن لا بد أن يجعله على المترين، والمتران هما الجدار الذي لصاحبه، نقول: لك أن تضع الخشب على جدار جارك، سواء رضي أم لم يَرْضَ.
فإن قال: هل لذلك شرط؟

قلنا: نعم، الشرط ألَّا يتضرر الجدار بذلك، مثل أن يكون الجدار رَهيفًا والخشب ثقيلًا، ويتضرر الجدار، يُخْشَى عليه من الانهدام فحينئذٍ لا يحل له أن يضعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (6)، لكن إذا كان لا يضره فإنه لا يمنعه ما دام محتاجًا إلى ذلك.
دليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ» أو قال: «خَشَبَةً - فِي جِدَارِهِ» (7)، لا يمنع، والنهي هنا للتحريم، وإنما حرَّم النبي صلى الله عليه وسلم المنع؛ لأن في وضع الخشب مصلحة لصاحب الجدار ومصلحة للجار.
أما مصلحة الجار فظاهرة؛ لأنه يسلم مِن أن يُقِيم أعمدة، ويقيم سقوفًا قوية تحمل الخشب، وأما مصلحة ذلك لصاحب الجدار؛ فلأن الخشب يشد الجدار ويقويه، ويقيه الشمس، ويقيه المطر، ففيه مصلحة للطرفين، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام الجار أن يمنع جاره من وضع خشبه على جداره.
قال أبو هريرة: ما لي أراكم عنها مُعْرِضِين، والله لأَرْمِيَنَّ بها بين أكتافكم، قال ذلك حين كان أميرًا على المدينة، وكلامه رضي الله عنه يحتمل معنيين: المعنى الأول: ما لي أراكم عنها، أي: عن هذه السُّنَّة، مُعْرِضِين، والله لأرمين بها بين أكتافكم، وخص الأكتاف؛ لأنها موضع التحمل.
والمعنى الثاني: ما لي أراكم عنها معرضين، أي: تمنعون من وضع الخشب، والله لأرمين بها، أي: بالخشب، بين أكتافكم، يعني: لو لم أجد ما أضعها عليه إلا أكتافكم لوضعتها على أكتافكم؛ لأنه كان أميرًا، وهذا كقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمحمد بن مسلمة: والله لَأُجْرِيَنَّهُ ولو على بطنك.
(8) تعرفون القصة هذه؟

القصة أن له مُلْكَيْن، وبينهما ملك لجاره، فأراد أن يُجْرِي الماء من ملكه إلى ملكه الثاني مارًّا بملك جاره، فمنعه الجار، قال: ما يمكن أن تجري الماء على أرضي، فألزمه عمر بذلك؛ أن يجري الماء على أرضه، ليش؟ لأن الماء فيه مصلحة؛ صاحب الأرض ينتفع، فيزرع على هذا الماء، على هذا الساقي اللي يمشي، ويغرس عليه، والجار أيضًا ينتفع.
نعم، لو فُرِضَ أن الجار الذي منع من جريان الماء يريد أن يقيم عليها بيتًا، فحينئذٍ له الحق، أما وهي بستان فإن جريان الماء ينفعها.
على كل حال أبو هريرة يقول: والله لأرمين بها بين أكتافكم، ولكن الشرط ما هو؟ ألَّا يكون على الجدار ضرر، والشرط الذي أشار إليه المؤلف: أن يكون الجار محتاجًا إلى وضع الخشب.
طالب: شيخ، لو أن الجار هذا في أثناء بناء هذا البيت أخبر جاره أن يشاركه في بناء هذا الجدار، فرفض هذا الجار، وأثناء ما أراد أن يبني هذا الجار الثاني احتاج إلى هذا، هل يُمَكِّنُه من أن يضع خشبه على.. ؟ الشيخ: هذا سؤال مهم، يقول: لو أن الجار لما بنى داره إلى جنب جاره قال له -الذي بنى أولًا قال -: لا بد أن تدفع نصف النفقة للجدار الذي بنيتُه، وحينئذٍ أُمَكِّنُك، وقال الثاني: لا، الجدار ملكك، ولا تجبرني على أن أشتري نصفه مثلًا.
الجواب: نعم، لا يُجْبِره، فإذا أراد أن يضع الخشب وهو في حاجة فإننا نُلْزِم الجار الذي له الجدار بذلك؛ لأن هذا حق شرعي.
طالب: يا شيخ، بارك الله فيك، في بعض البلاد لا يُسمح لصاحب البيت أن يُخْرِج من جدرانه نوافذ إلا إذا كانت أربعة أمتار من كُلِّ جهة، يعني الجهة التي له فيها أربعة أمتار فهذه يجوز له أن يُخْرِج منها نافذة، والجهة التي ليس له أرض يعني أقل من أربعة أمتار فلا يُخْرِج منها نافذة.
الشيخ: وأيش السبب، ليش؟ الطالب: هذا النظام.

الشيخ: يعني يسأل يقول: في بعض الجهات أو في بعض البلاد يقول: إذا كان جدار الرجل يزيد عن أربعة أمتار فأكثر فله أن يفتح النوافذ، وإن كان دون ذلك فليس له أن يفتح النوافذ.
نقول: هذا لا وجه له في الواقع.
طالب: ستر عورات البيوت.
الشيخ: أبدًا، ويش الفرق بين أربعة أمتار وأقل؟ الطالب: الإنسان يستطيع يرى أكثر من عشرين مترًا.
الشيخ: إي نعم، قصدك النوافذ، يعني إذا صار بينه وبين جاره المقابل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: كذا؟ الطالب: نعم، بيت في وسط مثلًا أرض.
الشيخ: أنا فهمت أنه لا بد أن يكون جدار البيت أربعة أمتار فأكثر.
الطالب: لا، الأرض أربعة أمتار.
الشيخ: يعني اللي بينك وبين جارك؟ الطالب: اللي بينك وبين جارك.
الشيخ: هذا أيضًا لا وجه له، يقال: النافذة إذا كانت تطل على جارك وتكشفه فهذه ممنوعة، سواء كان بينك وبينه أربعة أمتار أو أقل أو أكثر.
الطالب: كيف يفتح للهواء؟ الشيخ: يرفعها.
الطالب: لا، هم يقولون: حتى لو جعلتها.. الشيخ: حتى لو رفعتها؟ الطالب: حتى لو جنب السقف.
الشيخ: لا، غلط، الممنوع والواجب أن يضع سُتْرَة تمنع مشارفة الأسقف، وأما إذا كان يضع جدارًا رفيعًا لا يمكن للإنسان أن ينظر منه إلا إذا كان بيصعد على السلم فهذا لا يُمْنَع، حقه، يعني معنى هذا إذن الجدران القصيرة ممنوعة.
وكذلك المسجِدُ وغيرُه، إذا انْهَدَمَ جِدَارُهما أو خِيفَ ضَرَرُه فطَلَبَ أحدُهما أن يُعَمِّرَه الآخَرُ معَه أُجْبِرَ عليه، وكذا النهْرُ والدُّولَابُ والقَناةُ.
(بابُ الْحَجْرِ)

ومَن لم يَقْدِرْ على وَفاءِ شيءٍ من دَيْنِه لم يُطالَبْ به وحُرِمَ حَبْسُه، ومَن مالُه قَدْرُ دَيْنِه لم يُحْجَرْ عليه, وأُمِرَ بوَفائِه, فإنْ أَبَى حُبِسَ بطَلَبِ رَبِّه، فإن أَصَرَّ ولم يَبِعْ مالَه باعَه الحاكِمُ وقَضاهُ ولا يَطْلُبُ بِمُؤَجَّلٍ، ومَن مالُه لا يَفِي بما عليه حالًا وَجَبَ الْحَجْرُ عليه بسؤالِ غُرمائِه أو بعضِهم، ويُسْتَحَبُّ إظهارُه، ولا يَنْفُذُ تَصَرُّفُه في مالِه بعدَ الْحَجْرِ ولا إقرارُه عليه، ومَن باعَه أو أَقْرَضَه شيئًا بعدَه رَجَعَ فيه إن جَهِلَ حَجْرَه وإلا فلا، هذا حق شرعي.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- في بعض البلاد لا يسمح لصاحب البيت أن يخرج من جدرانه نوافذ إلا إذا كانت أربعة أمتار من كل جهة، يعني الجهة التي له فيها أكثر من أربعة أمتار فهذه يجوز له أن يخرج منها نافذة، والجهة التي ليس له أرض أقل من أربعة أمتار فلا يخرج منها نافذة.
الشيخ: ويش السبب؟ ليش؟ الطالب: هذا النظام.
الشيخ: يعني يسأل يقول: في بعض الجهات أو في بعض البلاد يقول: إذا كان جدار الرجل يزيد عن أربعة أمتار فأكثر فله أن يفتح النوافذ، وإن كان دون ذلك فليس له أن يفتح النوافذ؟ نقول: هذا لا وجه له في الواقع.
طالب: ستر عورات البيوت يعني.
الشيخ: أبدًا، ويش الفرْق بين أربعة أمتار وأقل؟ طالب: الإنسان يستطيع أن يرى أكثر من عشرين مترًا.
الشيخ: إي نعم، قصدك النوافذ، يعني إذا صار بينه وبين جاره المقابل؟ الطالب: نعم، بيت في وسط مثلًا أرض.
الشيخ: أنا فهمت أنه لا بد أن يكون جدار البيت أربعة أمتار فأكثر.
الطالب: لا، الأرض أربعة أمتار.
الشيخ: يعني اللي بينك وبين جارك؟ الطالب: اللي بينك وبين جارك.
الشيخ: هذا أيضًا لا وجه له، يقال: النافذة إذا كانت تطل على جارك وتكشفه فهذه ممنوعة، سواء كان بينك وبينه أربعة أمتار أو أقل أو أكثر.
الطالب: طيب، كيف يفتح للهواء؟ الشيخ: يرفعها.

الطالب: لا، هم يقولون: حتى لو جعلتها في.. الشيخ: حتى لو رفعتها؟ الطالب: حتى لو جنب السقف.
الشيخ: لا، غلط، الممنوع والواجب أن يضع ستْرة تمنع مشارفة الأسقف، وأما إذا كان يضع جدارًا رفيعًا لا يمكن للإنسان أن ينظر منه إلا إذا كان يبغي يصعد على السُّلَّم فهذا لا يمنع، حق.
يعني معنى هذا إذن أن الجدران القصيرة ممنوعة؟ طالب: كيف الجدران القصيرة؟ الشيخ: القصيرة اللي مثلًا طول هذا الجدار.
طالب: لا، تصب حتى لو ما جعل الجدار ما يقولون لك شيئًا.
الشيخ: ويش الفرق؟ الطالب: سبحان الله العظيم! هذه الأنظمة التي.. الشيخ: أنظمة فاسدة.
طالب: شيخ، يقولون: إن هذا من مصلحة الشارع حتى يلزموا صاحب الملك أن يترك مثلًا مترين حتى ينتظم الشارع، ويكون مستقيمًا؛ لأنه لو تركوا الشارع (... ). الشيخ: لا، هذه مسألة ثانية.
الطالب: هذه هي نفس المسألة.
الشيخ: لا، هو يقول: فتح النوافذ.
الطالب: إي، هذا يلزمونه ويقولون له: ما تفتح نوافذ إلا لو خرجت مترين من ملكك حتى يستقيم الشارع (... ). الشيخ: لا، مسألة استقامة الشارع هذا يعود إلى التنظيم.
الطالب: لا، ما فيه تنظيم يا شيخ، لا، الأرض متروكة لأصحاب (... ). الشيخ: إذا كان ما فيه تنظيم ما أفتح ألف فُرْجة ولا عليه.
لا، هو الواقع التنظيم هذا لا بد منه، لكن التنظيم الظالم بحيث مثلًا يأخذون أمتارًا كثيرة ويقولون: نبغي نوسع الشارع؛ هذا غلط، إنما التنظيم لا بد منه، ما يمكن يكون واحد يدخل مترين وواحد يطلع مترين، يكون الشارع معرجًا.
طالب: المعروف اليوم والمشاهَد أن البيوت تتفاوت بالنسبة للارتفاع، وقد يعمر الإنسان بجانب شخص بيته مثلًا دور واحد، ويعمر بيتًا دورين، فإذا فتح نوافذه سيكشف على السور.

الشيخ: نحن نقول -بارك الله فيك-: النوافذ تكون رفيعة، لا بد أن تكون رفيعة، يعني حل هذه المشكلة: إما أن يرفع النوافذ بحيث إذا مر الرجل الطويل ما يشاهد إلا إذا أراد أن يصعد على سلم؛ هذا شيء ثانٍ، أو يقال: افتح النوافذ، وضع حاجزًا من برَّه بحيث أنك ما تستطيع تنظر إلى جارك.
الطالب: يا شيخ، لو كان صاحب البيت (... )، طلب من الجار أن يضع له حاجزًا، طلب الجار الأول من جاره الأخير، قال: ضعْ حاجزًا حتى لا تكشفني، فهل يطالب الجار الحادث؟ الشيخ: إي، معلوم، يقال: أنت لا بد، إما أحد أمرين: إما أن ترفع النافذة، وإما أن تضع حاجبًا، لا بد.
طالب: شيخ، الآن في نظام الفلل يكون حول البيت حوش، فيأتي الجار ويبني بيته العالي، فيطل ببيته الجديد هذا الذي بناه الجار على جميع الحوش، وعلى جميع السور الذي بناه.
الشيخ: قلنا: الآن، قلنا ونقول ونكرر: لا يمكن أن يضع نافذة إلا مرتفعة أو حاجزًا، كما أنه أيضًا لا يجعل جدار السطح قصيرًا، لا بد أن يرفعه.
الطالب: هو بيت بجانب البيت.
الشيخ: ما يخالف، لا بد يرفض.
أما بيخلي مثلًا الجدار قصيرًا بحيث إذا مشى الإنسان رأى كل اللي حوله، ما يصير هذا.
الطالب: يا شيخ، فيلا وحولها حوْش.
الشيخ: زين.
الطالب: الآخر مثله بالضبط، يبعد عنه قرابة عشرة أمتار.
الشيخ: ما يخالف.
الطالب: فإذا رفعه، إذا فتح النافذة من أي جهة كانت فسوف يطل على البيوتات التي حوله.
الشيخ: ويش معنى كلمة يطل؟ هل معناه أن الإنسان اللي يمشي مشيًا عاديًّا يطل؟ الطالب: لا، وإنما وهو في بيته، في الدور الثاني.
الشيخ: إي، ما يخالف، الدور الثاني، لكن النافذة إذا كانت رفيعة، لا يطل على جاره إلا إذا كان بيجيب سُلَّمًا يرقى عليه.
الطالب: يعني يلزم بألا يجعل (... ). الشيخ: يلْزم بأن يرفع النافذة، أو يجعل حاجبًا من ورائها.
(... )

طالب: القول بأن الهواء تابع لقراره، وأن أيضًا باطن الأرض تابع لقراره، فإن قولنا: إن المعدن الذي يجدونه في الأرض لا يدخل في البيت.
الشيخ: لا، المعادن، ما هو بكل معدن؛ المعدن الجامد يدخل.
الطالب: لا، غير جامد؟ الشيخ: هذه قاسوه على الماء، الماء النابع من الأرض ما يدخل في البيع، لكن لصاحبها حق.
ثم مسألة المعادن الآن أصبحت على خلاف ما قال الفقهاء في الواقع، أصبحت الدولة لها فيها تصرف.
طالب: إذا أتى صاحب الأرض بعامل يحفر في أرض، فحفر فوجد معدنًا، هل هو للعامل أو لصاحب الأرض؟ الشيخ: لا، لصاحب الأرض.
الطالب: وإن كان الحفر لأجل الماء.
الشيخ: إذا استؤجر لحفره فهو لصاحب الأرض، وإن استؤجر العامل لحفر بئر فوجد كنزًا فهو له.
الطالب: للعامل؟ الشيخ: للعامل.
طالب: ما قولكم في قول يقول: إن ما دخل عندنا فهو لنا، مثلًا جاران؛ فيه واحد عنده مثلًا شجرة مثمرة فدخل غصنٌ منها إلى الجار الثاني فيقول هذا الجار: ما دخل لنا فهو لنا.
الشيخ: من أين أخذ هذه القاعدة؟ الطالب: قياسه له على أن الهواء تابع لقراره، هواء بيته تابع لقراره.
الشيخ: يقابل هذا القياس بأن الغصن تابع للأصل؛ هذا الغصن للشجرة بمنزلة أعضاء الإنسان.
طالب: إذا أخرج رجل دكة من أمام بيته، وتحقق منه ضرر، ولم يرضَ الجيران، فهل يتحقق عليه الوعيد في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ» (1)؟ الشيخ: إي نعم، وقد يكون (... )؛ لأن هذا لم يتملكه، لكن يتحقق عليه الوعيد فيما هو أعظم: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
طالب: بالنسبة للأخ اللي قال يا شيخ: إن النافذ غير المشترك، النافذ المشترك، الدرب المشترك.
الشيخ: للنافذ المشترك؟ ! تناقض هذا! الطالب: الدرب المشترك، يُقاس عليه الميزاب إذا (... )؟

الشيخ: إي نعم، يُقاس عليه، على كلام الفقهاء، والصحيح أن الميزاب ليس كالباب، الميزاب لا يؤثِّر على أحد شيئًا، الباب الاستطراق ربما الإنسان يأتي بأشياء تؤذي الناس، ويحصل بها ضرر.
طالب: بعض الناس يستعملون الميازيب في نظافة البيوت، فيطرد الماء من هذا الميزاب، يعني ليس في زمن الشتاء، نحن اغتفرنا الضرر الذي يترتب على نزول الشتاء على المرء؛ لأنه ضرر يسير، لكنه يستعمله مثلًا كلما نظف بيته أخرج الماء من هذا الميزاب، وليس في زمن شتاء ولا أي شيء.
الشيخ: لا، هذا -بارك الله فيك- يمنع حتى من غير الميزاب، حتى لو كان من أسفل يمنع من إخراج ما يضر.
الطالب: طيب، هل يُقال: إذا استعمل الميزاب في هذا الأمر يسجل (... ). الشيخ: الآن تغيرت الأعراف، الآن جرى العرف أن الإنسان يغسِّل بيته السطح والأسفل ويخرج على الشارع، ولا يرون في هذا بأسًا.
طالب: البلدية تمنع يا شيخ، وإذا حصل منه يغرمونه.
الشيخ: ما سمعنا بهذا.
طالب: يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ما لي أراكم عنها مُعرِضين (2)، مما يدل على أن الصحابة أعرضوا عن هذا الأمر، يعني إذا كان واجبًا كان فعلوه.
الشيخ: لا، ما هو على كل حال أن الصحابة.. تعرف أنه بعد الفتوحات دخل ناس ما هم من الصحابة، جاؤوا إلى المدينة وإلى مكة ليسوا من الصحابة، والصحابة رضي الله عنهم ليس كل واحد منهم معصومًا من كل إثم، أو ربما أن بعضهم يتأول أو ما أشبه ذلك.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما الفرق بين الدَّرْب النافذ والدَّرْب المشترك؟ طالب: الدرب النافذ هو المفتوح.
الشيخ: النافذ يعني المفتوح من الجانبين.
الطالب: أما الدرب المشترك فهو المسدود من أحد الجانبين.
الشيخ: صحيح، المغلق من أحد الجانبين.
طيب، هل يجوز إخراج الأبواب للتهوية في النافذ؟ طالب: يجوز.
الشيخ: ويش اللي يجوز؟

الطالب: فتْح الأبواب في الدرب النافذ.
الشيخ: لأي شيء؟ الطالب: للتهوية.
الشيخ: وفي المشترك؟ الطالب: لا يجوز.
طالب: يجوز إذا كان في ملكه من بابه إلى فتحة الدرب المشترك.
طالب آخر: الفتح للتهوية يجوز في النافذ وغير النافذ.
الشيخ: للتهوية يجوز في النافذ وغير النافذ، مطلقًا؟ الطالب: مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا، صح.
ووجه ذلك أنه لا ضرر فيه على أحد، وأن الإنسان يجوز أن يهدم جداره كله، ليس جزءًا منه فقط للهواء.
طيب، هل يجوز أن ينقل بابه في المشترك؟ طالب: يجوز للخارج وليس للداخل.
الشيخ: نعم، يجوز إلى الخارج لا إلى الداخل، لماذا؟ يعني علِّل ليش؟ الطالب: لأن له حقًّا في كل حال.
الشيخ: صحيح؛ لأن له حقًّا من بابه إلى فم السوق، لكن ليس له الحق من بابه إلى أسفل السوق.
هل يجوز إخراج الميزاب؟ طالب: نعم، يجوز.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: يجوز مطلقًا على الراجح، أما على المذهب.. الشيخ: يعني في النافذ وغير النافذ؟ الطالب: نعم، في النافذ وغير النافذ، إلا أن يكون في ملك داره فإنه يمنع.
الشيخ: على المذهب؟ الطالب: على المذهب أنه لا يجوز إخراج الميزاب في الدرب النافذ.
الشيخ: مطلقًا؟ الطالب: نعم، مطلقًا.
الشيخ: لا يجوز إخراج الميزاب في الدرب المشترك مطلقًا.
الطالب: والنافذ أيضًا.
الشيخ: والنافذ مطلقًا، طيب.
طالب: لا يجوز إلا بإذن الإمام، ولم يكن هناك ضرر.
الشيخ: في الدرب المشترك؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: الظاهر إلى الآن ما عرفت المشترك والنافذ؟ ! الطالب: المشترك هو المسدود يا شيخ.
الشيخ: طيب، الإمام ما له دخل في المشترك.
الطالب: (... ). الشيخ: ما أدري.
الطالب: الميزاب ما يخرج إلا بأن لا ضرر، وكان بإذن الإمام.
الشيخ: هذا في المشترك والنافذ ولَّا في النافذ؟ الطالب: هذا في النافذ.
الشيخ: كيف؟ ! الطالب: في النافذ والمشترك جميعًا.
الشيخ: في النافذ المشترك جميعًا.

طالب: لا يجوز في النافذ إلا بإذن الإمام أو (... )؛ لأنه حق للعامة والإمام ينوب مقامه، وأيضًا.. الشيخ: وفي المشترك؟ الطالب: في المشترك، يجوز بإذن صاحبه.
الشيخ: يعني بيد المستحق؟ الطالب: بيد المستحق.
الشيخ: صح، هذا هو.
ما هو القول الذي رجَّحناه بالنسبة لإخراج الميزاب في الدرب النافذ؟ طالب: أنه يجوز مطلقًا.
الشيخ: مطلقًا! حتى لو شق بطون الناس لو كان نازلًا مرة وصار من مر غافلًا شق بطنه؟ الطالب: لا أن يكون نازلًا يضر بالمارين.
الشيخ: إي، يعني إذن يجوز بإذن الإمام بلا ضرر، على القول الراجح؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: سبحان الله! ناقضت كلامك أوله بآخره.
الطالب: يجوز إذا لم يكن.. الشيخ: على القول الراجح؟ الطالب: القول الراجح أنه يجوز مطلقًا ما لم يكن فيه ضرر، لا يشترط فيه إذن الإمام.
الشيخ: إي، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم؛ لأن هذا هو اللي عليه العمل من عهد الصحابة إلى يومنا هذا.
طيب، هل يجوز إخراج الدكة في الطريق؟ طالب: نعم، ما لم تؤدِّ إلى ضرر.
الشيخ: مطلقًا؟ سواء النافذ أو المشترك؟ الطالب: نعم يا شيخ، ما لم تؤدِّ إلى ضرر.
الشيخ: ما لم تؤدِّ إلى ضرر، طيب.
طالب: المذهب أنه لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز، في النافذ ولَّا المشترك؟ الطالب: (... ). الشيخ: والمشترك؟ الطالب: والمشترك إلا بإذن الجار ولم يتحقَّق منه ضرر.
الشيخ: إلا بإذن المستحق، توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: يعني في النافذ يجوز بإذن الإمام بلا ضرر، في المشترك يجوز بإذن المستحق.
طيب، إذا كان المشترك فيه ستة أبواب؛ بابان في الأسفل وبابان على اليمين واليسار، فهل يستأذن من كان في الأسفل في تقديم بابه غيره أو لا يستأذنه؟ طالب: لا يستأذنه.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأن الدرب كله له.
الشيخ: لأن الدرب كله له، أحسنت.
وأما الذي من جهة فم السوق؟ الطالب: فإنه يستأذن لغرض يرجع إلى الأخير.
الشيخ: نعم، ما حُكم وضع الخشب على جدار الجار؟

طالب: حُكم وضع الخشب على جدار الجار أنه جائز للضرورة إذا احتاج إليه الجار أن يضع خشبة في الجدار.. الشيخ: يعني جائز للضرورة، وشرط ثانٍ؟ الطالب: وإذا لم يترتب على جدار صاحبه ضرر.
الشيخ: صح، وإذا كان للضرورة بلا ضرر على الجدار، صحيح.
طيب، ما هي الضرورة في هذا الباب؟ طالب: الضرورة في ماذا؟ الشيخ: في وضع الخشب على الجدار.
الطالب: يريد أن يسقف بيته.
الشيخ: لا، ما هي الضرورة؟ الطالب: ليس عنده مكان آخر يضع عليه الخشب إلا جدار جاره.
الشيخ: يعني إذا لم يمكن التسقيف؟ الطالب: إلا بجدار جاره.
الشيخ: إلا به، نعم.
هل يلزم الجار بدفع نصف النفقة إذا أراد أن يضع خشبه؟ طالب: لا يلزم.
الشيخ: ليش؟ إذا قال الجار: أنا ما عندي مانع، لكن أنا خسرت على هذا عشرة آلاف ريال على الجدار، سلِّم خمسة آلاف وضع خشبك.
الطالب: لأن هذا ملك الجار.
الشيخ: لا يلزم؛ لأن هذه معاوضة، يعني كأن الجار يقول: اشترِ نصف الجدار مني، وهذا لا يلزمه، والشارع قد جعل له الحق في أن يضع خشبه عليه.
ما هي الحكمة من إلزامه بوضع الخشب إذا لم (... ). طالب: أنها ضرورة.
الشيخ: ضرورة، يقول: ما علمت، (... ) تحط سقفًا.
الطالب: شيخ، إذا كانت مصلحة للجار صاحب الجدار وللذي يريد أن يسقف بيته.
الشيخ: لأن فيه مصلحة للطرفين؛ أما صاحب الخشب فواضح، وأما صاحب الجدار فلأنه؟ الطالب: أولًا: يتثبت في الجدار الخشب.
الشيخ: يزداد ثباتًا، ويسلم من الشمس والأمطار وما أشبهها، ففيه مصلحة للطرفين.


بسم الله الرحمن الرحيم.
ثم قال المؤلف: (وكذلك المسجد وغيره) يعني أن المسجد كالجار، فإذا احتاج جار المسجد إلى أن يضع خشبه على جدار المسجد؛ فلا بأس، بالشرطين المذكورين وهما: الضرورة، وعدم الضرر على الجدار.
لا يقال: إن المسجد ملك عام ووقف عام للمسلمين، يقال: إن العلة هي مصلحة الطرفين، وهذا لا يضر المسجد وهو مصلحة للجار.

وقوله: (وغيره)، يعني: كالمدارس، والرَّبط، وما أشبه ذلك من الأوقاف العامة، فإنه يضع خشبه عليها كما يضعه على جدار الجار بالشرطين المذكورين، وهما: الضرورة إلى وضع الخشب، والثاني: عدم الضرر.
(وكذلك المسجد وغيره).
وظاهر كلام المؤلف أن للجار أن يعلِّي بناءه على جاره، يعني مثلًا يجعل خمسة طوابق، ستة طوابق، وجاره ليس له إلا طابق واحد؛ لأن الهواء تابع للقرار، وهذا صحيح، له ذلك، حتى لو حجب الشمس والهواء عنه، فإن له ذلك؛ لأن هذا ملكه، لكن إن علمنا أنه قصد الإضرار بجاره فهنا نمنعه؛ لأنه لا يجوز للإنسان أن يضار جاره.
والمضارة ممنوعة شرْعًا، حتى إن الرجل إذا أراد أن يراجع زوجته التي طلقها حرم عليه إذا قصد المضارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]. أما إذا كان لغرض صحيح، قال: أنا رجل أريد أن أستغل ملكي، أجعله شققًا وأوجرها، فله ذلك.


ثم قال: (وإذا انْهدم جدارهما أوْ خيف ضرره فطلب أحدهما أنْ يعمِّره الآخر معه؛ أجْبر عليْه).
(إذا انهدم جدارهما) الضمير يعود على الجارين، يعني هذا جدار مشترك بين أرضيهما، وأُقيم على نفقتيهما، ثم انهدم الجدار فطلب أحدهما من الآخر أن يُعمِّرَه، قال الآخر: لا نعمره؛ لأنه ليس لي حاجة، آه، هذه أرضي لا أريد أن أعمر عليها، وليس لي حاجة لإقامة الجدار، فإنه يُجبر على ذلك؛ لأنه شريك مع صاحبه، فيُجبر على عمارة ما كانا فيه شريكين.
طيب، فإذا أراد أحدهما أن يهدمه ليعمره مسلحًا وهو قد عمر باللبن الطين، فهل يُجبَر؟ الجواب: لا؛ لأن هناك فرْقًا بين إصلاح ما فسد، وبين التجميل والتزويق والنقل إلى أفضل.
إصلاح ما فسد يُجبَر الآخر عليه، كما لو انهدم، أو خِيف ضرره بأن يكون مال أو تشقَّق، فيُجبر الآخر، أما أن يُنقل إلى أفضل فلا يجبر الآخر.

طيب، لو أراد أحدهما أن ينقله إلى أفضل وأبَى الآخر، فهل يُجبَر الآخر؟ يعني قال: أنا أريد أن أهدم هذا الجدار وأجعله مسلحًا بدل من أن يكون طينًا، هل يُجبر؟ طالب: إذا كان على نفقته لوحده يُجبر.
طلبة: لا يُجبر.
الشيخ: لا يجبر، طيب، إذا قال: أنا أريد أن أقوم به -والجدار مشترك- على نصيبنا منه، فهل يُجبر؟ يُنظر في هذا؛ إذا كان قصده من الامتناع المراغمة لجاره، وقال أهل الخبرة: إن الجدار إذا أُقيم على الطراز الحديث أفضل وأحسن، فهنا يُجبَر؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه ضرر.
فإذا قال: اللَّبِن ملكي كيف تأخذونه؟ كيف تعدمونه؟ قلنا: لم نعدمه، وإنما نقلناه إلى أحسن وأنت ليس عليك ضرر، النفقة ليس عليك نفقة، والجدار باقٍ على الشركة، فأي ضرر في ذلك؟ ! إنك إذا امتنعت لا تريد إلَّا المراغمة فقط.
طيب، فإن قال: أنا لا أريد المراغمة، لكن إذا كان طينًا أمكنني أن أضرب الوتد في الجدار، أما الآن فلا يمكنني، أنتم فاهمون هذه؟ هو هذا غرض ولَّا غير غرض؟ طالب: ليس غرضًا.
الشيخ: قد يكون غرضًا، قد يكون الإنسان يغسل الثياب، ويريد أن يضع أوتادًا على الجدار علشان ينشر عليها الثياب.
فالمهم إذا امتنع لغرض صحيح، فهنا لا نجبره، أما إذا امتنع مراغمة لجاره، فإنه لا ضرر ولا ضرار.
قال: (وكذا النهر والدولاب والقناة) لو كان بينهما نهر، وذلك بأن فتح على النهر الأم، فتح عليه ساقية ينطلق منها الماء، فخرَبت الساقية وهي مشترَكة بين الجارين، فهل يُجبِر أحدُهما الآخر على إصلاحها؟ الجواب: نعم، يُجبره؛ لأنه مشترَك، والآن خرب، لا بد من إصلاحه، فإن طلب أحدهما من الآخر أن يُوسِّع النهر، فهل يُجبَر؟ لا يُجبَر؛ لأن هذا كمال وليس إصلاح فاسِد.
طيب، لو كان أحدهما اتسع ملكه واحتاج إلى زيادة ماء، فقال: أنا أريد أن أوسِّع مدخل الماء حتى يكثر، وقال الآخر: لا، فهل يُجبر أو لا؟

لا يُجبر؛ لأنه يقول: أنا لا أحتاج زيادة الماء، ولا يمكن أن ترهقني بالنفقة، فإن قال الجار: أنا أقوم بالنفقة، وأبى، قال: أبدًا، ولا تزده عن حاله، فهل يُجبر؟ فيه تفصيل، إن كان يقول: أخشى إن زاد مدخل الماء أخشى أن يغرقني، أنا لا أتحمل، والنهر -كما تعلمون- يزيد وينقص، فأخشى أن يغرقني، وإذا كان مدخله ضعيفًا أمكننا أن ندرأه، فأنا لا أوافق، والثاني يقول: أنا أرْضي اتسعت، أحتاج إلى زيادة الماء؟ فيُنظر في الحقيقة، نقول: إذا كان الاحتمال الذي أبداه الشريك وهو خوف زيادة الماء ويغرق الزرع، إن كان الاحتمال واردًا فهذا له الحق في الامتناع، ويقول لصاحبه: افتح نهرًا لك، وأما إذا كان غير وارد، وأن النهر مُطَّرد على حال واحدة، ولا يُخشى منه، فإننا نجبره إذا التزم الشريك بالنفقة.
طيب، كذلك (الدولاب)، الدولاب؟ ! أيش الدولاب هذا؟ دولاب الكتب؟ ! لا، دولاب الماء، فهل منكم من يعرف الدولاب؟ طالب: نعم يا شيخ، يسمى الطنبور.
الشيخ: طنبور؟ كذا، طاء، نون؟ الطالب: نعم، طاء، نون، باء، واو، راء.
الشيخ: طيب، معروف عندكم؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: اشرحه؟ الطالب: يكون مصنوعًا من الخشب على شكل دائري، وعلى شكل أسطواني، ويكون الماء إلى أسفل، ويريد إدراجه إلى أعلى، ويكون على هيئة حلزونية مدوَّرة من الداخل، ويلف من الخارج فيدور به الماء يأخذه من الأسفل إلى الأعلى.
الشيخ: بأي طريقة؟ الطالب: باليد، (... ). الشيخ: يطلع بأيش؟ الطالب: هذا الدولاب يكون مثقوبًا من الداخل على شكل حلزوني من الأسفل إلى الأعلى.
الشيخ: يعني مدورًا.
الطالب: مدورًا إي نعم، لكن هو مفتوح، ولكن الخشب في الداخل مدوَّر من الأسفل إلى الأعلى، فحينما يدور الدولاب هذا يُخرج الماء، يمتص الماء من الأسفل، ويأخذه من الأعلى.
الشيخ: يعني بقناة؟ الطالب: بقناة نعم.
طالب: مع الدوران.
الشيخ: إي، لا، هذا ما هو هذا الدولاب.
طالب: الساقية يا شيخ.
الشيخ: ويش الساقية؟

الطالب: دابة يا شيخ يربطون بها الخشب على شكل دائري، تُخرج الماء.
الشيخ: يعني بفمها؟ الطالب: لا لا، (... ). الشيخ: أنا رأيته قديمًا لما كانوا يستسقون من الآبار: هو عبارة أن يُوضع على البئر شيء مثل الرحى، وله شرفات، أسنان، ثم فيه (... ) كبيرة أيضًا لها أسنان، تدخل في أسنان هذا الموضوع على فم البئر، هذه الثانية التي على البئر والتي لها أسنان تدخل في أسنان هذه الموضوعة على البئر، لها شيء مثلما قال الأخ عبارة عن جنزير، أو سيف.
المهم اللي رأيته جنزير هذا مثل حد السيف، وفي كل حلقة منه سطل، غرَّاف ماء، طبعًا إذا دارت العليا دارت السفلى، السفلى فيها هذا الجنزير يدور، ثم يغرف من الماء، ويطلع ويصب في ساقها.
طالب: مثل الساقية يا شيخ.
طالب آخر: هي نفس الساقية.
الشيخ: تسمى عندكم ساقية؟ طالب: (... ) والناعورة.
الشيخ: والناعورة، إي.
طالب: طنبوشة.
الشيخ: أيش الطربوش؟ الطالب: الطنبوشة.
الشيخ: طنبوشة؟ ! لا إله إلا الله! (... ). وقوله: (والقناة)، القناة هي الماسورة، يعني إذا كان هؤلاء لهم ماسورة تنطلق من نهْر أو من بئر، وخربت، وطلب أحدهما من الآخر أن يعمرها وجب عليه.
والخلاصة الآن: أن إصلاح الفاسِد يُجبَر عليه الممتنع.
الأكمل لا يُجبر عليه، إلا إذا التزم من أراد إصلاحه بالنفقة، ولم يكن على الآخر ضرر؛ فإنه يُجبَر.
الثالث: إذا أراد نقله لمساوٍ، فإنه لا يُجبر مطلقًا، حتى ولو التزم بالنفقة، مثل أن ينقل الجدار بمواد هي المواد الأولى، لكن أراد أن يجعله أبيض بدل الأسود أو أحمر بدل الأبيض، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يُجبر.
فالأقسام إذن كم؟ ثلاثة: إصلاح الفاسد واجب، والكمال غير واجب إلا إذا التزم من أراد الإصلاح بالنفقة وليس على الآخر ضرر فيُجبر.
الثالث: إذا كان لمساوٍ فلا يُجبَر مطلقًا حتى لو التزم به الآخر؛ لأن ذلك ليس به مصلحة.

طالب: لو علَّى أحدهما جداره، وكان على الآخر ضرر بحيث إذا نزلت أمطار أنزلت من هذا الجدار وتسبَّبت في توسيخ منزل جاره، فهل نُلزمه بأن يقضيه بشيء؟ الشيخ: إي، لا بد، يعني لو كان جدارًا منحدرًا بحيث يتساقط المطر على جاره فله أن يمنعه.
طالب: هناك مسجد، وأراد جماعته عمل دورة مياه في جانب منه، فنقل بابه إلى باب جار للمسجد، لكن أبى جار المسجد، فهل يُجبر على (... )؟ وهل له.. ؟ الشيخ: الطريق مشترك ولَّا نافذ؟ الطالب: الطريق نافذ.
الشيخ: إن كان نافذًا فلا يملك منعه إلا إذا كان عليه ضرر بأن يكون باب المسجد سيكون مقابل بابه، ويتضرر بذلك فله أن يمنعه.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، إذا بنى الجار بجوار جدار صاحبه بيتًا؛ يعني مثلًا بجوار الجدار بنى حجرة ولم يبنِ لها إلا ثلاثة جدران، واستفاد من جدار صاحبه، فهل يُجبر على تحمُّل نصف النفقة؟ الشيخ: لا، ما يُجبر.
الطالب: هو استفاد.
الشيخ: إي، ما يخالف، كما يُستفاد بظل الجدار؛ لأن الجدار هنا خاص ما هو مشترَك، أما إذا كان مشتركًا فنعم.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ذكرنا بأنه لا يضع الخشب إلا للضرورة، والشرط الثاني: ألا يتضرر الجدار.
الشيخ: نعم.
الطالب: الضرورة هي ألَّا يمكن التسقيف إلا به، فهل مثلًا يمكنه هذا الجار أن يبني جدارًا بدلًا من أن يضع خشبه على جدار صاحبه.
الشيخ: إي، ما يلزمه، ويمكنه أن يبني جدارًا أو أن يقيم أعمدة، ويجعل جصًّا بينهما، لكن لا يلزمه ذلك.
الطالب: لا يلزمه؟ الشيخ: ما يلزمه.
طالب: شيخ، هل يملك الجار أن يمنع جاره من الانتفاع بظل الجدار؟ الشيخ: لا.
الطالب: طيب، لو وضع شجرة حتى تظلل، ثم أتى جار ووضع سيارته تحت الشجرة.
الشيخ: لكن في ملكه.
الطالب: لا، الشارع.
الشيخ: بالشارع ما فيه بأس.
الطالب: لكن الجار يا شيخ قال: لا تضع..

الشيخ: هو الآن العرف أنه إذا كانت الشجرة بحذاء منزل الإنسان، ومعروف أنه يُوقِّف سيارته بها المكان، أنه ما يملك الجار أن يوقف في هذا المكان، حسب العرف.
طالب: شيخ، أخذنا سابقًا أن الجار إذا كانت له مثلًا شجرة ودخل عرف منها إلى داخل ملك جاره، وطلع فإن الجار إذا لم يكن يريد ذلك يُلزم صاحب الشجرة بإزالة العرف، ولو لم يكن ضرر على الجار من قبل، ولكن لم نقل هذا بالنسبة للقرار أنه مثلًا إذا كان ممتدًّا، وليس عليه ضرر فإنه ليس عليه أن ينزعه.
الشيخ: لا، قلنا: إذا كان به ضرر أو أذية فله ذلك.
الطالب: الآن الفرْق أنه لم يجعل هذا القيد وهو الأذية إلا لتعليل، مثال للعرف ومثال (... ). الشيخ: الغصن في الغالب ما فيه ضرر، لكن العرق الغالب أنه فيه ضرر أو أذى.
الطالب: قلنا: رغم أنه لم يكن فيه ضرر الغصن، فإنه إذا لم يرده الجار الذي دخل في ملكه يُلزم صاحب الشجرة بإزالته، لم نقل هذا في (... )، أما إذا كان ليس هناك ضرر لا يُلزم به.
الشيخ: لأن هذا غير بَيِّن، الفرق أن هذا ظاهر، وهذا غير بَيِّن؛ العرق.
(... )


طالب: وأمر بوفائه، فإن أبى حبس بطلب ربه، فإن أصرَّ ولم يبع ماله باعه الحاكم وقضاه، ولا يطلب بمؤجّل، ومن ماله لا يفي بما عليه حالًا وجب الحجر عليه بسؤال غرمائه أو بعضهم، ويستحبُّ إظهاره، ولا ينفذ تصرفه في ماله بعد الحجر، ولا إقراره عليه.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا كان للاثنين جدار مشترَك فطلب أحدهما أن يُحوِّل مادة بنيانه إلى حجر وأبى الآخر؟ طالب: حسب الحال، يُنظَر.
الشيخ: ويش حسب الحال؟ الطالب: إذا أراد أن يدخل.. الشيخ: ما هو حسب الحال؟ الطالب: يعني يوافق أو لا.
الشيخ: سبحان الله! السؤال الآن: أحدهما يطلب والثاني يقول: لا؟

الطالب: إذا كان يقر شرعًا أنه له ذلك، فإنه -يعني المنْع- أنه يمنع، فيمنع.
الشيخ: يبدو أنك لم تفهم السؤال أو الجواب؟ ! الطالب: أول سؤال يا شيخ! ! طالب آخر: يا شيخ، يُنظر فإن كان لـ... الشيخ: اسمع السؤال، السؤال: طلب أحدهما أن يُغيِّر مواد البناء من لَبِن إلى طوب؟ الطالب: هذا لا يجبر.
الشيخ: لا يجبر؟ لماذا؟ الطالب: لأنه ليس إصلاح فاسد، وإنما نقل لأفضل.
الشيخ: طيب، لو أن الجدار انشق، وخِيف أن ينهدم، فطلب أحدهما إعادة بنائه؟ طالب: يُجبَر عليه.
الشيخ: ما الفرق؟ الطالب: لأنه هنا الجدار ينهدم، فيه ضرر على الطرفين؛ الأول (... )؟ الشيخ: يعني الأول طلب تحسين؛ يعني شيء زائد على الأصل، وهذا طلب إعادة إلى الأصل.
طيب، بينهما بئر، فطلب أحدهما أن تُحفر البئر ليزداد ماؤها، وقال الثاني: لا؟ طالب: لا يُجبَر على ذلك.
الشيخ: إذا كان أحدهما قد اتسعت رُقْعة مزرعته، وطلب الحفْر ليزداد الماء فيُسقي جميع الرقعة؟ الطالب: لا يُجبر الثاني على ذلك إلا إذا (... ) النفقة كاملة ولم يكن في ذلك ضرر على الثاني فإنه يجبر.
الشيخ: يعني لا يجبر الثاني على موافقة صاحبه، فإن كان الطالب محتاجًا إلى ذات الماء فعليه النفقة، ولا يجوز لصاحبه أن يمنعَه من ذلك إذا لم يكن عليه ضرر.
يقول المؤلف: (كذا النهر والدولاب والقناة) هذه ثلاثة أشياء، فما هو النهر؟ طالب: النهر هو ما كان جاريًا دون صنع أحد.
الشيخ: نعم، ويش معنى (النهر)؟ يعني لو كان أيش؟ الطالب: كما لو أن ماءً يجري.
الشيخ: لو كان بينهما نهر.
الطالب: لو كان بينهما نهر يسقي منه كل واحد منهما ويمر، وينتفعان به، كل من نفس النهر، فإنه في هذه الحال نقول: إنه إذا احتاج هذا النهر إلى إصلاح أو إلى إزالة ما فسد أو إزالة ما يمنع وصول الماء إليه، فإن في هذه الحال إذا طلب أحدهما من الآخر ذلك أُجبِر عليه، وإن كان طلبه أن يوسِّع فإن في هذه الحال..

الشيخ: يعني إذا كان نهر بينهما؛ يعني شق نهرًا من النهر الكبير، وفسد هذا النهر فاحتاج إلى إصلاح فإن الثاني يجبر، أما إذا احتاج أحدهما إلى توسعة فإن الآخر لا يُجبر على ذلك.
طيب، ما الفرْق بين النهر والقناة؟ طالب: القناة هي الماسورة.
الشيخ: نعم، القناة هي الماسورة تُسحب من النهر، وأما النهر فهو يجري على الأرض.


باب الحجر

ثم قال المؤلف: (باب الْحَجْر) الحجر في اللغة: المنْع والتضييق، ومنه سُمِّي العقل حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حْجِرٍ﴾ [الفجر: 5]، أي: لذي عقل، وسُمِّي العقل حِجْرًا؛ لأنه يمنع صاحبه من فِعْل ما لا يليق شرعًا أو عرفًا.
أما في الاصطلاح: فهو منْع الإنسان من التصرف في ماله، إما لمصلحته أو لمصلحة غيره؛ يعني أن الحجر قد يكون لمصلحة المحجور عليه، وقد يكون لمصلحة غيره.
فمثلًا: إذا قلنا للموصِي: لا تُوصِ بأكثر من الثلث؛ يعني: حجرنا عليه فيما زاد على الثلث.
فهذا لمصلحة مَنْ؟ لمصلحة الغير.
وإذا حجرنا على السفيه ألا يتصرف في ماله؛ فهذا لمصلحة نفسه.
فالمهم أن الحجر تارة يكون لمصلحة الغير، وتارة يكون لمصلحة نفس المحجور عليه.
وله أسباب تتبين -إن شاء الله- في الشرح.
قال: (ومن لم يقدر على وفاء شيء من دَيْنه؛ لم يُطالَب به وحرم حبسه، ومن ماله قدْر دَينه لم يُحْجَر عليه وأُمر بوفائه، ومن ماله لا يفي بما عليه حالًّا؛ وجب الحجر عليه).
قسم المؤلف رحمه الله هنا المدِين إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: (من لم يقدر على وفاء شيء من دَيْنه)، يعني ليس عنده شيء يوفي به، كرجل عليه مئة درهم، لكن ليس عنده شيء، هذا لم يقدر على وفاء شيء من دينه، فما الحكم؟ كيف نعامل هذا؟ يقول المؤلف: (لم يُطالَب به وحرُم حبسه).

(لم يُطالَب به) يعني لا يحل لغريمه أن يُطالِبه، بل ولا أن يطلبه؛ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾، لما قال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: 7].
إذن هذا لا يُتعرض له، ويُترك حتى يرزقه الله ويوفي دينه، هذا مَنْ؟ الذي لا يستطيع وفاء شيء من دَيْنه، ما عنده شيء أبدًا.
وبهذا نعرف أن أولئك الظلمة، الذين يُطالِبون الغرماء الذين ليس عندهم شيء، لا يخافون الله، ولا يرحمون عباد الله، لا يخافون الله؛ لأنهم عصوا الله، فالله يقول: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، وهؤلاء لم يُنظِروه، ولم يرحموا عباد الله؛ لأنهم يُكلِّفون العبد ما لا يطيق، وربما أدى ذلك إلى حبسه؛ لأن بعض القضاة قد لا يتصرف تصرفًا حسنًا، فيحبس هذا الغريم مع أنه لا يستطيع الوفاء، وما أحسن أن نقرأ -إن شاء الله- في حاشية العنقري كلامًا لابن هبيرة.
يقول: (لم يُطالَب به، وحرُم حبسُه).
حرُم على مَنْ؟ على ولي الأمر أن يحبسه، سواء حبسه في السجن العام، أو حبسه في بيته؛ لأن الحبس لا يعني أن يكون في السجن العام، بل حتى يُحبس الإنسان في بيته ويُرسَّم عليه، ويُقال: لا تخرج من البيت، لماذا؟ لما سبق من الآيات التي ذكرناها.
قال: (ومن ماله قدْر دينه لم يُحجَر عليه).
قوله: (ومن ماله قدْر دينه) لا يعني بذلك أن يكون المال قدر الدين سواء بسواء، بل المراد: من ماله قدر دينه أو أكثر، فإنه لا يُحْجر عليه، كرجل عليه مئة درهم وبيده مئة درهم، هذا مالُه قدْر دينه، هذا لا يحجر عليه؛ لأنه لا حاجة للحجر.
رجل عليه مئة درهم وبيده مئتا درهم، يحجر عليه؟ لا يحجر عليه.

إذن مراد المؤلف بقوله: (من ماله قدر دينه) هذا الحد الأدنى، يعني قدْر الدين أو أعلى فإنه لا يُحجر عليه، ولا يُمنع من التصرف في ماله، ولكن ماذا نفعل؟ يقول: (وأُمِرَ بوفائه).
(أُمِرَ) مبني لما لم يُسمَّ فاعله، فمن الفاعل الآمِر؟ ولي الأمر من قاضٍ، أو أمير، أو غيرهما، (أمر بوفائه).
(فإن أبى حُبِس بطلب ربه) أي رب الدَّيْن، أي صاحب الدَّيْن.
(حُبِس) يحبسه ولي الأمر إما في السجن العام، وإما في بيته، وإما في بيتٍ آخر، المهم أنه يُمنع من التصرُّف، ومن التجوُّل.
وقوله: (بطلب ربه)، رب مَنْ؟ رب الدَّيْن، والربُّ هنا بمعنى الصاحب، فهو يُطلَق على عدة معانٍ منها الصاحب، يعني إذا طلب صاحب الدَّيْن أن يُحبس حُبِس؛ فإن لم يطلب وقال للقاضي مثلًا لما رأى أنه مُتوجِّه إلى حبسه قال: لا تحبسه، إذا آل الأمر للحبس فأنا أصبر، فهنا لا يُحبس.
لماذا؟ لأن الحق لصاحب الدَّيْن، ولو شاء أن يُبرئه لأبرأه، فإذا كان الحق حقه، ولو شاء أن يُبرئه لأبرأه فهنا يبرئه من الحبس، يقول: لا يُحبس، اتركوه، متى أراد أوفى.
(فإن أصرَّ) حبس ولكن أصر، وهذه الصورة قد تكون نادرة، لكن ربما تقع من بعض السفهاء أو بعض من يريد الإضرار بالدائن.
المهم حُبِس يومين ثلاثة أكثر أبد.
يقول: (فإن أصرَّ ولم يَبِعْ ماله باعه الحاكم)، ولم يذكر المؤلف الضرب، يعني أنه يحبس ولا يضرب، إذا أبى فإن الحاكم يتولى بيع ماله، ويقول: متى شئت اخرج من الحبس، يتولَّى بيع ماله، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يُضرب.
وقال بعض أهل العلم: بل يُضرب، يُعزَّر كل يوم، لكن لا يُزاد على عدد الجلدات التعزيرية، وهي على المشهور عشر جلدات.
كل يوم، كل صباح نجلده عشر جلدات، يحبس ليلًا ونهارًا، ويجلد صباحًا، ويقال: أوفِ ما عليك وعنده قدْر دينِه ويَعْلم.

طيب، إذا لم ينفع فيه لا حبْس ولا ضرْب حينئذٍ يبيع الحاكم ماله، ويقضي دينَه، لكن المؤلف رحمه الله مشى على أنه لا ضرب؛ لأنه لا فائدة، رجل صبر على الحبس ولم يوفِ، ما الفائدة من ضربه؟ لكن لو رأى ولي الأمر من قاضٍ أو أمير أن ضربه قد يفيد فله أن يضربه ضربًا غير مُبرِّح، وعلى هذا فنجعل الضرب ليس لازمًا، بل هو راجع إلى المصلحة، راجع إلى رأي الإمام.
وظاهر كلام المؤلف أن الحاكم لا يبيع ماله فورًا، يعني بمعنى أنه إذا قيل له: أوفِ الدَّيْن، قال: لا، قلنا: نحبسك.
قال: احبسوني.
فظاهر كلام المؤلف أنه لا يباع، وإنما يستعمل معه الحبس.
طيب، وإلى متى؟ يومين، ثلاثة، أربعة، ما حددها، إلى أن يوفي وإلا فيبقى في الحبس دائمًا، ولا شك أن هذا فيه إضرار بلا مصلحة.
إضرار بمن؟ إضرار بصاحب الدَّيْن من وجه، وإضرار بالغريم المدِين؛ إذ لا فائدة.
ولهذا لو قيل: إن كان أحد من العلماء يقول: بأنه لا يُحبس ولا يُضرَب، وإنما يتولَّى الحاكم الوفاء مباشرةً مما عنده، لو قيل بهذا لكان له وجه؛ لأن في ذلك مصلحة للطرفين، أما صاحب الحق فمصلحته ظاهرة أنه يُسلَّم إليه الحق، وأما المدِين -وهو الغريم- فالمصلحة في حقه انتفاء الضرر عليه بالسجن أو الضرب.
وحينئذٍ نقول: إذا استوفى صاحب الحق حقه، فلا حرج على القاضي أو ولي الأمر أن يؤدِّب هذا المماطل بحبس أو ضرب، فيكون هنا التأديب فيه مصلحة، ألَّا يعود مثل هذا إلى المماطلة، وأما المبادرة بتولي قضاء الدَّيْن ففيه مصلحة لصاحب الدين.
يقول: (فإن أصر ولم يبِع ماله باعه الحاكم وقضاه).
(باعه) الهاء تعود على المال.
(الحاكم) القاضي.
وكلما مر عليكم كلمة (الحاكم) فالمراد به القاضي، لكن لو أنه جُعِل هيئة مُكوَّنة من السلطان للنظر في الديون، صارت هذه الهيئة تتولى شؤون الديون، ولا يتولاها الحاكم.

جارٍ التحميل