طالب: شيخ، قلتم في التشهد يا شيخ: إن التشهد الأول ينتهي عند لفظ الشهادة، وفي حديث عائشة رضي الله عنها وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، صلاة الليل، صلى تسع ركعات، وجلس في الثامنة التي ليس فيها سلام، تَشَهَّد وقال وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، كيف نخرج من الإشكال يا شيخ؟
الشيخ: هذا في الوتر، يعني صلى ثماني ركعات، وجلس في الثامنة، فحمد الله وأثنى عليه، ما أدري عن صلاة النبي، لكن هذا في الوتر.
طالب: شيخ ثبت في..
الشيخ: لا، ما هو ثبت في النفل، ثبوته له أحكام خاصة، ولذلك تُسْرَد فيه الثماني ركعات، بل تسع ركعات، وخمس ركعات، وسبع ركعات، وغيره ما يفعل.
طالب: أقول: بعض الناس يُسَلِّم عن يمينه، ثم يستقبل القبلة يعني قليلا، ثم يُسَلّم عن يساره، يعني يقول: السلام عليكم ورحمة الله، هكذا، ثم يُسَلِّم عن يساره، فهل هذا له أصل؟
الشيخ: لا، ما أعلم له أصلًا، يعني يقول: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، كذا؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: ما له أصل هذا.
طالب: في قوله: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في الصفتين ولا في مرة واحدة.
الشيخ: في الأولى فقط، على اليمين فقط.
الطالب: قال رحمه الله تعالى: والمرأة مثله، لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها.
فصل
ويُكْرَه في الصلاة التفاتُه، ورفعُ بصره إلى السماء، وتغميض عينيه، وإقعاؤه، وافتراشه ذراعيه ساجدًا، وعبثُه وتَخَصُّره، وتَرَوُّحُه، وفرقعة أصابعه وتشبيكها، وأن يكون حاقنًا، أو بحضرة طعام يشتهيه، وتكرار الفاتحة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية) إلى آخره، فيه مناقشة هنا.
طالب: من قبل.
الشيخ: قال المؤلف: (ويدعو بما ورد)، قوله: (بما ورد)، ذكرنا أنه ينبغي أن تُبَدَّل هذه العبارة بماذا؟
طالب: بما أَحَبَّ.
الشيخ: بما أَحَبَّ، لماذا؟
الطالب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه في الحديث: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ أَوْ مَا شَاءَ» (4).
الشيخ: حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ»، أو قال: «مَا شَاءَ».
ما الذي يُستفاد من هذه الجملة؟ أن الدعاء يكون قبل السلام أو بعد السلام؟
طالب: قبل السلام.
الشيخ: قبل السلام، كذا؟ ما رأيك فيمن اعتادوا أن يَدْعُوا بعد الصلاة، إما في النافلة أو في الفريضة؟ هذه أظن ما تكلمنا عليها؟
طالب: ما ذكرناها.
الشيخ: ما تكلمنا عليها، ما يخالف، نتكلم عليها إن شاء الله.
يقول المؤلف: (يقول عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله)، على مَن يُسَلِّم إذا كان مُنْفَرِدًا؟
طالب: على الملائكة.
الشيخ: على الملائكة، وإذا كان مع الإمام؟
طالب: كذلك، واللي جنبه بعد، يُسَلِّم عليه.
الشيخ: وعلى من عنده من المأمومين، والإمام يُسَلِّم على من معه من المصلين، ولهذا كل منهم يلتفت عن يمينه وشماله.
قال المؤلف: (إذا كان في ثلاثية أو رباعية نهض)، كيف نهوضه؟
طالب: نهض على صدور قدميه.
الشيخ: على صدور قدميه، مُعْتَمِدًا على ركبتيه.
الطالب: إن سهُل.
الشيخ: إن سهل ذلك، فإن لم يسهل؟
طالب: فإنه يعتمد على الأرض؛ للحديث (... ) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام في وتر من صلاته يعتمد بيديه على الأرض.
الشيخ: أو مالك بن الحويرث.
الطالب: نعم.
الشيخ: مالك بن الحويرث.
إذن إذا لم يسهل يقوم معتمدًا على يديه بعد أن يجلس قليلًا، كذا؟
طالب: أو وهو جالس.
الشيخ: أو وهو جالس؛ لأنه في التشهد، إي نعم.
ظاهر كلام المؤلف أنه يرفع يديه أو لا يرفع؟
طالب: أنه لا يرفع، وهو المذهب.
الشيخ: والقول الثاني في المسألة؟
الطالب: أنه يرفع؛ لحديث ابن عمر.
الشيخ: أنه يرفع؛ لحديث ابن عمر، وهو الصحيح.
يقول المؤلف: إنه بعد التشهد الأول يقرأ مع الفاتحة كم سورة؟
طالب: يقرأ الفاتحة فقط.
الشيخ: الفاتحة فقط؟
الطالب: نعم، في الركعة الثالثة يقرأ الفاتحة فقط.
الشيخ: في الثالثة والرابعة الفاتحة فقط.
هل ذكرنا نحن في هذا شيئًا؟
الطالب: نعم، ذكرنا حديث أبي سعيد، ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقرأ..
الشيخ: ورد ما ظاهره أنه كان يقرأ في الركعتين الأُخْرَيَيْن نصف ما يقرأ في الركعتين الأُولَيَيْن.
وفي حديث أبي قتادة؟
الطالب: كان يقرأ الحمد فقط.
الشيخ: الحمد فقط، هل هذا من باب اختلاف التنوع، أو اختلاف التضاد، وحينئذ نلجأ إلى الترجيح؟
طالب: لا، قلنا يا شيخ: إنه من باب اختلاف التنوع، ويمكن الجمع، فنفعل هذا تارة، نقرأ بالحمد فقط، ونقرأ بسورة قصيرة تارة أخرى.
الشيخ: إي، كذا يا جماعة.
طلبة: نعم.
الشيخ: وفيه قول ثان؟
طالب: والثاني أنه يُرَجِّح حديث أبي قتادة أنه هو الراجح؛ لأنه مُتَيَقِّن، أما حديث أبي سعيد فهو فيه تخمين و..
الشيخ: يقول: حَزَرْنَا.
الطالب: حزرنا، نعم.
الشيخ: هذا وجه، وجه ثان للترجيح؟
الطالب: وجه ثان للترجيح أن حديث أبي قتادة هو الراجح.
الشيخ: وجه الترجيح هو الراجح؟ هذا الحكم.
الطالب: قال: لأنه نص على قراءة الفاتحة.
الشيخ: سلامك، هذا هو الوجه الأول اللي أنت قلت.
طالب: أنه يا شيخ في الصحيحين حديث أبي قتادة، بينما حديث أبي سعيد في صحيح مسلم فقط.
الشيخ: أحسنت.
طالب: (... ) على التقسيم، ربما يكون أولى، فيدل على أن كل قسم ذُكِرَ ما يختص (... ).
الشيخ: كيف التقسيم؟
طالب: يعني يقال: إنه كان يفعل في ركعتين كذا وكذا، وفي الركعتين الثانيتين كذا وكذا، فقسم الصلاة، وذكر في كل قسم ما كان يفعله.
الشيخ: إي، وهذا كيف القسم، حتى حديث أبي سعيد مقسم.
حديث أبي سعيد ظاهره أن قراءة الركعتين الأوليين سواء؟
طالب: والأخريين سواء.
الشيخ: سواء، يكون أطولها الركعتين في الظهر الأوليين، ثم الركعتين الأخريين، ثم العصر أقل من الأخريين، ثم الركعتين الأخريين في العصر أقل، فتكون درجات.
يقول المؤلف: إنه يجلس في التشهد الأخير، كيف التورك؟
طالب: له ثلاث صور.
الشيخ: له ثلاث صور.
الطالب: الأولى أنه يخرج رجله اليسرى من تحت ساقه الأيمن وينصب اليمنى.
الشيخ: هذه واحدة، يُخْرِج اليسرى من الجانب الأيمن من تحت الساق وينصب اليمنى.
الطالب: الحالة الثانية أنه يفرش القدمين جميعًا ويجعلهما في جهة اليمين، والصورة الثالثة أن يجعل رجله اليسرى بين فخذه وساقه الأيمن.
الشيخ: واليمنى مفروشة.
الطالب: واليمنى منصوبة.
الشيخ: لا، مفروشة، منصوبة صعب جدًّا.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، هذه أهون.
التَّوَرُّك هل هو في كل تشهد يعقبه سلام أم ماذا؟
طالب: لا، التورك في الصلاة الرباعية فقط.
الشيخ: دون الثلاثية.
الطالب: الصلاة الرباعية والثلاثية دون الثنائية، يعني في كل صلاة يعقبها تشهد أول وتشهد ثان.
الشيخ: يعني في كل صلاة فيها تشهدان يكون التشهد الأخير.
الطالب: نعم.
الشيخ: صح.
مسألة الدعاء، المؤلف رحمه الله يقول: (يدعو بما أَحَبَّ) وهذا هو الذي دل عليه حديث ابن مسعود رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (4)، وبناءً على ذلك، إذا سألنا سائل: هل أدعو بعد السلام أو قبل السلام؟ قلنا له: ادع قبل السلام؛ لأن هذا هو الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنك ما دمت في الصلاة فإنك تناجي ربك، وإذا سَلَّمْت انصرفت، وكونك تدعو في الحال التي تناجي فيها ربك خير من كونك تدعو بعد الانصراف.
وهذا ترجيح نظري، وأما ما يفعله بعض الناس من كونهم إذا سَلَّمُوا دَعَوْا في الفريضة، أو في النافلة، فهذا لا أصل له، ولم يَرِد عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم إلا حين وضع كفارُ قريش سَلَا الناقة عليه وهو ساجد، فإنه لَمَّا سَلَّم رفع يديه يدعو عليهم.
وهذا قد يقال: إنه فعل ذلك لمناسبة، وهي تخويفهم؛ لأنه لو دعا وهو يصلي ما علموا بذلك، فإذا دعا بعد الصلاة ورفع يديه فلا شك أن في هذا تخويفًا لهم، فيكون هذا له مناسبة.
كذلك أيضًا بعض الناس إذا فرغ من صلاة الفريضة دعا، واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل: أي الدعاء أسمع؟ يعني: أقرب إجابة، قال صلى الله عليه وسلم: «جَوْفُ اللَّيْلِ، وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ» (19)، قالوا: والأدبار تكون بعد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» (20)، ومعلومٌ أن هذا لا يقال إلا بعد السلام، فيكون قوله: «أَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ» أي: بعد السلام.
فنقول: هذا الفهم للحديث غير مُتَعَيِّن، بل يجب أن يُحْمَل على أن المراد بالأدبار آخر الصلوات، بدليل حديث ابن مسعود، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعاء بعد التشهد، والسنة يُفَسِّر بعضها بعضًا، أما أدبار الصلوات فقد أرشد الله سبحانه وتعالى عباده إلى أن يذكروا الله بعدها، فقال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، وليس فيه الأمر بالدعاء.
وعلى هذا فنقول: ما ورد مُقَيَّدًا بدُبُر الصلاة، فإن كان ذِكْرًا فهو بعد السلام، وإن كان دعاء فهو قبل السلام، والدعاء أدبارَ الصلوات يكون قبل السلام.
فإن قال قائل: إن دُبُرَ الشيء بعده، كما في الحديث: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، أي: بعد موته؟
فالجواب: أن الدبر ما كان الشيء مُسْتَدْبِرًا له، وقد يكون منه، وقد لا يكون منه، والذي يُعَيِّن كونه منه أو ليس منه القرائن والسياق، ولهذا يقال: دبر الحيوان، وهو منه، آخره، فكذلك الدبر يُفَسَّر في كل موضع بما تقتضيه الحال والسياق.
بقي علينا أن نقول: المحافظة على الدعاء بعد النافلة كما يفعله عَوَامُّنا، يحافظون محافظةً شديدة على الدعاء بعد النافلة، حتى إن بعضهم يرى أنه إن لم يكن من السنن فهو من الواجبات.
حتى إننا نرى بعضهم إذا أقيمت الصلاة وهو يسلم من النافلة قبل أن يقوم ليصلي الفريضة يرفع يديه هكذا، وتشك هل دعا ولَّا ما دعا، يرفع يديه ثم يمسح وجهه، ثم يمسح بعضها ببعض، ثم يقوم يصلي، يمكن ما دعا، لكن يلازمون على هذا ظنًّا منهم أنه أمر واجب، أو قريب من الوجوب، فهذا لا شك أنه لا أصل له، ولا أحد من أهل العلم قاله.
ولهذا ينبغي لطلبة العلم أن يُنَبِّهُوا الناس، ولكن بالرفق؛ لأن العامة إذا أُنْكِر عليهم شيء اعتادوه نفروا، فإذا أُتُوا بالحكمة واللين هبطوا وقَبِلُوا، ولذلك ما أكثر الذين يسألون: ما حكم رفع اليدين بعد صلاة النافلة؟ ! فيظنون أن الحكم معلَّق برفع اليدين، والحكم ما هو معلَّق برفع اليدين، الحكم معلَّق بالدعاء، سواء رفعت أم لم ترفع.
نقول: ما دمت تريد أن تدعو الله ادع الله قبل أن تُسَلِّم، هذا هو المشروع، هذا هو تعليقنا على قوله: (ويدعو بما ورد).
وسبق لنا أن الدعاء لو قال: بما أحب، لكان أحسن؛ لأجل يشمل الدعاء بالوارد وغيره؛ لأن الإنسان يدعو بما شاء، حتى في أمور الدنيا على القول الراجح فإن له أن يدعو الله تعالى بشيء من أمور الدنيا، ولا حرج عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمرأة مثله)، (مثله) أي: مثل الرجل، المرأة مثل الرجل، ما الدليل؟ الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟
نعم، الدليل عدم الدليل على التفريق بين المرأة والرجل، وعلى هذا فإذا قال لنا قائل: ما الدليل على أن المرأة تصلي كما يصلي الرجل؟ نقول: الدليل عدم الدليل، وما الدليل على أنها لا تصلي كصلاة الرجل، والأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام، كما أن الأصل في الرجال أنهم كالنساء في الأحكام.
والمرأةُ مثلُه لكن تَضُمُّ نفسَها وتُسْدِلُ رِجْلَيْهَا في جانِبِ يَمِينِها.
(فصلٌ)
ويُكْرَهُ في الصلاةِ التفاتُه ورَفْعُ بَصَرِه إلى السماءِ وتَغميضُ عَيْنَيْهِ وإقعاؤُه وافتراشُ ذِرَاعَيْهِ ساجدًا
بقي علينا أن نقول: المحافظة على الدعاء بعد النافلة كما يفعله عوامنا؛ يحافظون محافظةً شديدةً على الدعاء بعد النافلة؛ حتى إن بعضهم يرى أنه إن لم يكن من السنن فهو من الواجبات، حتى إننا نرى بعضهم إذا أقيمت الصلاة وهو يُسَلِّم من النافلة قبل أن يقوم ليصلي الفريضة يرفع يديه هكذا وتشك هل دعا ولَّا ما دعا؛ يرفع يديه ثم يمسح وجهه ثم يمسح بعضها في بعض ثم يقوم يصلي، يمكن أنه ما دعا، لكن يلازمون على هذا ظنًّا منهم أنه أمر واجب أو قريب من الوجوب، فهذا لا شك أنه لا أصل له، ولا أحد من أهل العلم قاله؛ ولهذا ينبغي لطلبة العلم أن يُنَبِّهوا الناس ولكن بالرفق؛ لأن العامة إذا أُنكِر عليهم شيئًا اعتادوه نفروا، فإذا أوتوا بالحكمة واللين هبطوا وقَبِلوا.
ولذلك ما أكثر الذين يسألون: ما حكم رفع اليدين بعد صلاة النافلة؟ فيظنون أن الحكم معلق بأيش؟ برفع اليدين، الحكم مو معلق برفع اليدين، الحكم معلق بالدعاء، سواء رُفِعَت أم لم تُرْفَع.
نقول: ما دمت تريد أن تدعوَ الله ادع الله قَبْلَ أن تُسَلِّم، هذا هو المشهور، هذا هو تعليقنا على قوله: (ويدعو بما وَرَد).
وسبق لنا أن الدعاء لو قال: (بما أحب) لكان أحسن؛ لأجل أن يشمل الدعاء بالوارد وغيره، لأن الإنسان يدعو بما شاء، حتى في أمور الدنيا على القول الراجح فإن له أن يدعو الله تعالى بشيء من أمور الدنيا ولا حرج عليه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمرأة مثلُه) (مثلُه) أي: مثل الرجل، المرأة مثل الرجل، ما الدليل؟ الدليل عدم الدليل، كيف يكون الدليل عدم الدليل؟ !
طالب: (... ).
الشيخ: نعم، الدليل عدم الدليل على التفريق بين المرأة والرجل.
وعلى هذا فإذا قال لنا قائل: ما الدليل على أن المرأة تُصَلِّي كما يصلي الرجل؟
نقول: الدليل عدم الدليل، وما الدليل على أنها لا تصلي كصلاة الرجل، ما هو الدليل؟ والأصل في النساء أنهن كالرجال في الأحكام، كما أن الأصل في الرجال أنهم كالنساء في الأحكام؛ ولهذا مَن قذف رجلًا أُقيم عليه حَدُّ القذف، أو تَرَتَّب عليه حدُّ القذف كما لو قذف امرأة، مع أن الآية في القذف فيمن؟
طلبة: في النساء.
الشيخ: في النساء؛ ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: 4، 5]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في الموبقات حين عدَّها: «وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» (1)، ومن المعلوم أن الرجل مثل المرأة في هذا، ووجه ذلك أن الأصل اشتراك المكلَّفِينَ من رجال ونساء في الأحكام إلا ما قام الدليل عليه، فما قام الدليل على أنه خاصٌّ بالنساء فهو خاص بهن، وما قام الدليل على أنه خاصٌّ بالرجال فهو خاصٌّ بالرجال، فمثلًا الولاياتُ العامة خاصَّة بمَن؟ بالرجال؛ كالإمارة والقضاء وما أشبه ذلك، هذا خاصٌّ بالرجال لا تتولاه النساء أبدًا.
نعم، ربما تتولى المرأة إمارةً صغيرة محدودة؛ كما لو سافرت مع نساء، وصارت أميرتَهن في السفر، وإن كان هذا أمرًا قد لا يقع، لكن لا بأس به، وكمديرة المدرسة مثلًا، وما أشبه ذلك من ولايات النساء، أما أن تكون ذات ولاية على الرجال فهذا ليس من الدين الإسلامي في شيء.
إذن فالأصل اشتراك النساء والرجال في الأحكام إلا ما قام الدليل عليه، حتى في رفع اليدين؟
طلبة: نعم.
الشيخ: حتى في رفع اليدين؛ يعني: ترفع يَدَيْها حيث يرفع الرجل، لكن هذا استدراك، والمستدرَك منه قوله: (والمرأة مثله)، استدرك من هذا قوله: (لكن تضُمُّ نفسَها وتسدِل رجلَيْها في جانب يمينها).
تضم نفسها في الحال التي يُشْرَع للرجل التجافي، فهي تضم نفسها في حال الركوع يُشرَع للرجل مجافاة العضدين عن الجنبين، وفي حال السجود كذلك، مجافاة العضدين عن الجنبين، ومجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين، المرأة لا تجافي.
(تضم نفسها) فإذا سجدت تجعل بطنها على فخذيها، وفخذيها على ساقيها، وإذا ركعت تضم يَدَيْها هكذا على صدرها، ما الدليل؟ ما دمنا نقول: الأصل أن ما ثبت للرجال من أحكام فهو ثابت للنساء إلا بدليل، ما الدليل؟
قالوا: الدليل القواعد العامة في الشريعة الإسلامية، أن المرأة ينبغي لها أن تتستَّر، وضمُّها نفسها أستر لها مما لو جافت، والجواب على هذا من وجهين:
الأول: أن هذه علة لا يمكن أن تقاوم عموم النصوص الدالة على أن المرأة كالرجل في الأحكام؛ لا سيما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»؛ فإن هذا الخطاب عامٌّ للرجال وللنساء، وهذا الذي ذكروا لا يُقاوِم هذه العمومات.
ثانيًا: أن نقول: هذا ينتقض فيما لو صَلَّت وحدها، والغالب والمشروع للمرأة أن تُصَلِّيَ وحدها في بيتها بدون حضرة الرجال، وحينئذ لا حاجة إلى الانضمام، ما دام لا يشهدها الرجال.
ثالثا: الوجه الثالث نقول: أنتم تقولون: إنها ترفع يديها، وإن كانت المسألة خلافية؛ لأن بعض العلماء يقول: لا ترفع يديها، ورفع اليدين أقرب إلى التكشف من المجافاة، ربما إذا كان عليها ثوب هكذا ورفعته يتبيَّن شيء مستتر بالثوب، ومع ذلك تقولون: إنه يُسَنُّ لها رفع اليدين؛ لأن الأصل تساوي الرجال والنساء في الأحكام، فما هو القول الراجح بعد أن عرفنا ضعف هذا القول؟
القول الراجح: أن المرأة تصنع كما يصنع الرجل في كل شيء، فترفع يَدَيْها وتتجافى، وتَمُدُّ الظهر في حال الركوع، وترفعه عن الفخذين، والفخذين عن الساقين في حال السجود.
ثم استثني المؤلف مسألة أخرى فقال: (وتُسْدِل رجليها في جانب يمينها)، والرجل يُسَنُّ له أيش؟ الافتراش، أو التورُّك، أما هي فتسدِل الرجلين في جانب اليمين في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهُّدين، وهذا أيضًا ليس عليه دليل، لا دليل عليه، بل الدليل يدلُّ على أنها تفعل كما يفعل الرجل؛ تفترش في الجلوس بين السجدتين وفي التشهد الأول، وفي التشهُّد الأخير في صلاة ليس فيها إلا تشهُّد واحد، وتتورَّك في التشهد الأخير في الثلاثية والرباعية.
إذن، لا يستثنى من هذا شيء بالنسبة للمرأة، لكن لا شك أن المرأة تخالف الرجل في بعض الأحكام كمسألة السترة مثلًا، سُتْرَة في الثياب يعني، ومسألة القراءة، أن الرجل يجهر في القراءة في الصلاة الجَهْرِيَّة، وهي لا تجهر، السُّنَّة في حقها أن تُسِرَّ.
انتهى المؤلف من الكلام على صفة الصلاة، ولكن لم يذكر رحمه الله ماذا يقول بعد السلام من الصلاة؛ لأن الكتاب هذا مختصر، ولكن ينبغي أن نعرف ماذا يقول الإنسان بعد السلام من الصلاة، يقول إذا سلم: أستغفر الله ثلاث مرات (2)، أي: أطلب من الله المغفرة.
وإنما شُرِع للإنسان سؤال المغفرة بعد أداء هذه العبادة العظيمة؛ لأن هذه العبادة العظيمة جديرة بالاعتناء والاهتمام، وكثير من الناس يُفرِّط فيها إما بالمشروعات الظاهرة أو بالمشروعات الباطنة؛ ففي المشروعات الباطنة يُفرِّط تفريطًا كثيرًا، وما أكثر الذين يُصَلُّون بظواهرهم لا ببواطنهم، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: في المشروعات الظاهرة أيضًا لا يخلو الإنسان من تقصير أو تجاوز، ربما يُقصِّر في وضع اليدين أو في استواء الرأس مع الظهر في الركوع، أو في التجافي أو في أي شيء، هذا وارد، وربما يكون منه تجاوز في الحركات، كما يُشاهَد من بعضهم، يطالع الساعة وهو يصلي، يطلع القلم ويعصره هل فيه حبر ولّا ما فيه حبر، وكذلك أيضًا يفطن لشيء ناسيه ويطلِّعه ويكتبه براحته؛ لأنه ذكره.
والشيطان يُذَكِّرك ما نسيت إذا كنت في الصلاة، وإذا انتهيت من الصلاة أنساك إياه لحين تيجي الصلاة الثانية ثم يُذَكِّرك؛ ولهذا يُذْكَر أن رجلًا جاء لأبي حنيفة وقال: إنه نسي كذا وكذا، وأن المسألة التي نسيها ما هي هينة؛ وديعة كبيرة أو شيء، المهم، قال له: اذهب فصلِّ، فذهب الرجل وصلى فتذكَّر، تذكَّر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الشيطان يقول للإنسان في حال صلاته: «اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا»؛ فأبو حنيفة رحمه الله استنبط من هذا الحديث أنَّ الصلاة سبب للتذكُّر.
المهم أن الاستغفار بعد السلام له مناسبة عظيمة؛ وهي التقصير في الصلاة، ما يخلو أحد من التقصير، فتسأل الله المغفرة؛ ولهذا استُحِبَّ للإنسان أن يَخْتِم عمله بالاستغفار، وأن يختم عمره بالاستغفار؛ أما العمر فقد قال الله تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1 - 3] قال ابن عباس رضي الله عنهما: هذا نعيُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال عمر: لا أفهم منها إلا ما فهمت (3)، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ أَرَانِي آيةً؛ إِذَا رَأَيْتُهَا فِي أُمَّتِي أَنْ أُسَبِّحَهُ وَأَسْتَغْفِرَهُ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾» (4)، جاء ولَّا ما جاء؟ جاء ورآه؛ ولهذا كان يُكْثِر عليه الصلاة والسلام أن يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» (5). ثم يقول بعد الاستغفار: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» (2) والمناسبة في هذا ظاهرة، كأنك تقول: اللهم أنت السلام، فسلِّم لي صلاتي من الردِّ والرفض؛ لأن الصلاة قد تُقبَل وقد لا تُقْبَل، قد تُلَفُّ ويُضْرَب بها وجهُ صاحبها، والعياذ بالله، وقد تُقبَل، وما أربح الذين يَقبل الله صلاتهم، اللهم اجعلنا منهم.
ثم يقول ما ورد من الذكر، والترتيب بعد ذلك بعد الاستغفار واللهم أنت السلام لا أعلم فيه ترتيبًا في السنة، فإذا قَدَّم شيئًا على شيء فلا حرج، المهم أن يحرص على ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب، ومنه التسبيح والتحميد والتكبير وقد ورد على عدة أوجه:
الوجه الأول: أن يقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين ويختم لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير (6)، فتكون مئة.
الوجه الثاني أن يقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر أربعًا وثلاثين (7)، كم تكون الجميع؟
طلبة: مئة.
الشيخ: مئة أيضًا.
والوجه الثالث أن يقول: سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا (8)، تكون الجميع ثلاثين.
والوجه الرابع: أن يقول: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً» (9)، تكون الجميع مئة.
هذا الاختلاف من اختلاف التنوع، وقد مرَّ علينا أنه ينبغي للإنسان في العبادات الواردة على وجوه متنوعة أن يفعل هذا تارة وهذا تارة، وذكرنا فوائد ذلك.
وينبغي أيضًا أن يقرأ آية الكرسي (10)؛ لأنه رُوِي فيها أحاديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام وإن كانت ضعيفة، لكن إن كانت الأحاديث صحيحة فقد وقعت محلها، وإن لم تكن صحيحة فهي زيادة حِرْزِ للإنسان؛ لأن مما يحفظ الإنسانَ من الشياطين قراءةُ آية الكرسي، وكذلك (قل هو الله أحد)، و (قل أعوذ برب الفلق)، و (قل أعوذ برب الناس)، ومن أراد بسط هذا فليرجع إلى الكتب المؤلَّفة في ذلك مثل كتاب الأذكار للنووي، وكتاب الوابل الصيب لابن القيم وهو كتاب مفيد؛ لأنه رحمه الله ذكر فيه فوائد الذكر، ذكر فيه فوق مئة فائدة لذكر الله عز وجل.
مكروهات الصلاة
ثم قال: (فصلٌ: ويُكْرَه في الصلاة التفاتُه).
(التفات) نائب فاعل؛ يعني: يُكرَه للمصلي أن يلتفت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» (11) اختلاس يعني: سرقة ونهب، يختلسه الشيطان من صلاة العبد، وقال: «إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ» (12)؛ ولأن الالتفات حركة لا مبرِّر لها، والأصل كراهة الحركات في الصلاة؛ ولأن في الالتفات إعراضًا عن الله عز وجل؛ فإن الله سبحانه وتعالى إذا قام الإنسان يصلي فالله تعالى قِبَلَ وَجْهِهِ؛ ولهذا حَرُم على المصلي أن يَتَنَخَّعَ قِبَل وَجْهِهِ؛ لأنه من سوء الأدب مع الله، ولكن إذا كان لحاجة فلا بأس، فمن الحاجة ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم حيثُ أرسلَ عينًا تترقب العدو، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي ويلتفت نحو الشِّعب الذي يأتي منه هذا العين، والعين يعني: الجاسوس؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الإنسان إذا أصابه الوَسواس في صلاته أن يَتْفُل عن يساره ثلاثَ مرَّات ويستعيذَ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا التفاتٌ لحاجة، ومن ذلك لو كانت المرأة عندها صبي وتخشى عليه فصارت تلتفت إليه فإن هذا من الحاجة، فهذا لا بأس به لأنه عمل يسير يحتاج إليه الإنسان.
ثم اعلم أن الالتفات نوعان؛ التفات حسيٌّ بالبدن، والتفات معنويٌّ بالقلب؛ الالتفات في البدن معروف، وما أكثر الذين يُمكنهم أن يسيطروا على هذا الالتفات، أليس كذلك؟ لأنه يسير، عمل بدني يسير.
أما الالتفات المعنوي القلبي فهذا هو العلة التي لا يخلو أحد منها، وما أصعب معالجتها، وما أقل السالم منها، وليته التفاتٌ جزئي، التفات يَمْسُكُك من أول الصلاة إلى آخرها، وينطبق عليه تمامًا أنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه الرجل هذه الحال، قال له: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزَبٌ» سمَّاه الرسول عليه الصلاة والسلام «فَإِذَا أَحْسَسْتَ بِهِ فَاتْفُل عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ»، إذن صار هذا الاختلاس الواضح.
وأيضًا هذا الالتفات خَفِيٌّ مثل المختلِس، تعرفون المختلس كيف يعمل؛ المختلس يجي عندك في الدكان، ويوهمك أنه بيشري منك بضائع كثيرة، يقول: شوف لي هذا كم يِسْوَى؟ تروح تجيبه، يجي (... ) أبغي ذاك، الرجل ياخده ويحطه، ويأمن من الرجل، يأمن من هذا الزبون اللي واقف على الدكان، مرتين ثلاث، ثم يقول: والله شوف لي (... ) إيش الدكان، راح يجيب الغداء (... ) قش اللي حول الباب ومشي، هذا اختلاس، ليش؟ لأنه أتى بخُفْيَة، حتى حصَّل مقصوده.
الشيطان إذا أتى القلب بِخُفْيَة، هذا اختلاس في الحقيقة، وكل منهما اختلاس، لا الالتفات البدني ولا القلبي.
طالب: الإنسان في صلاة النافلة قد يُقَصِّر بعض الشيء (... ) هل يستغفر بعد الصلاة؟
الشيخ: هذا ورد بعد المكتوبة لأنها أعظم وأهم.
الطالب: لا يقال في النافلة شيء؟
الشيخ: والله القياسُ فيه نظر.
طالب: المرأة تُسِرُّ مطلقًا (... ) يعني: تقرأ سرًّا.
الشيخ: لا، إذا كان حولها رجال، أما إذا كان ما حولها رجال ففي الجهرية لا بأس أن تجهر.
طالب: التفل، هل يتفل على يساره أو (... ) على جسمه.
الشيخ: لا يتفل؟ ما يتفل على (... ) ما راح تمسه.
الطالب: ما يتفل على نفسه؟
الشيخ: لا، يعني من باب الورد يعني؟
الطالب: إي.
الشيخ: لا.
طالب: الرسول عليه الصلاة والسلام هل كان يقوم قبل الاستغفار أو بعده؟
الشيخ: لا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم استغفر ثلاثًا، وكان لا ينصرف إلا بعد أن يقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».
طالب: شيخ، بالنسبة أن المرأة ليست كالرجل، ذكروا في ذلك حديثًا وهو (... ) عن زيد بن أبي عبيد أو كذا أن النبي عليه الصلاة والسلام مر على امرأتين تصليان فقال لهما: «ضُمَّا اللَّحْمَ إِلَى بَعْضِه، فَإِنَّكُمَا فِي هَذَا لَسْتُنَّ كَالرِّجَالِ» (13)، وكذلك عن عَلِيٍّ يا شيخ، مدى صحة هذا؟
الشيخ: حرِّره لنا، جِبه لنا إن شاء الله.
طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ما عرفت أنا كيفية السدل؟
الشيخ: السدل تطلع (... ).
طالب: يعني: نفس التورُّك؟
الشيخ: لا، ما هو، يعني: بعده شوي، قليلًا (... )؟
طالب: جزاك الله خيرًا، يا شيخ، بالنسبة للمرأة تضم نفسها في هذه الحالة إذا كان (... ) صلاة يصلون، نرى بعض النساء تصلي، هل تضم نفسها؟
الشيخ: أي، المذهب مطلقًا، سواء عندها رجال، أو ما عندها رجال.
طالب: ما هو القول الراجح؟
الشيخ: القول الراجح: لا؛ أنها مثل الرجل مطلقًا.
الطالب: حتى لو كان الرجال يشوفونها؟
الشيخ: إذا خيفت الفتنة معلوم، حتى لو شيء مشروع، إذا خيفت الفتنة يُتْرَك.
طالب: قول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» في الأذكار، هل يُكَرَّر في المغرب والفجر؟
الشيخ: المغرب والفجر ورد أنه يقول عشر مرات، ويزيد أيضًا: «يُحْيِي وَيُمِيتُ» (14)، في غير الفجر ثلاث مرات بدون زيادة: «يُحْيِي وَيُمِيتُ».
الطالب: يا شيخ، وإن كان مسافرًا؟
الشيخ: كله واحد، نعم.
طالب: في السلام نرى بعض الناس يُسَلِّم بعد الفريضة وبعد النافلة، يصافح في هذا البلد؛ يعني: يسلِّم عند إقامة الصلاة، وقد استدل بعضهم بحديث المسيء صلاته؛ لأنه (... ) السلام ثلاث مرات؟
الشيخ: يقول ابن القيم:
وَسَلِ الْعِياذَ مِنَ التَّكَبُّرِ وَالْهَوَى فَهُمَا لُكِلِّ الشَّرِّ جَامِعَتَانِ
الإنسان الذي له هوى يستدل بما ليس فيه دليل، المسيء في صلاته سلَّم؛ لأنه راح انصرف وجاء رجع فسلَّم؛ لأن المشروع من الإنسان إذا لاقى أخاه بعد أن انصرف عنه أن يُسَلِّم، ما سلَّم؛ لأنه أدَّى صلاته.
وأما مسألة السلام بعد الصلاة فهذه على نوعين:
النوع الأول: أن يتخذها الإنسان على أنها سُنَّة بعد الصلاة، وعلامة ذلك أنه يأتي هو وصاحبه إلى المسجد فيدخلان جميعًا ويصليان جميعًا، وإذا سلما من الصلاة سلَّم عليه وصافحه، هذه يعني: كأنه فَهِمَ أن هذا السلام من سنن الصلاة، هذا لا شك أنه يُنهى عنه، ويُبدَّع صاحبه.
القسم الثاني: ألا يكون كذلك، وإنما يسلم عليه على العادة ويصافحه تحبُّبًا وتألُّفًا فهذا لا بأس به، وعلامة ذلك أنه يفعل هذا لأنه لم يصادفه قبل الصلاة، فهذا لا بأس به وليس فيه شيء.
الطالب: قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل: ويكره في الصلاة التفاتُه ورفعُ بصره إلى السماء وتغميضُ عينيه، وإقعاءٌ وافتراشُ ذراعيه ساجدًا، وعبثُه وتخصُّرُه وتروُّحُه وفرقعةُ أصابعِه وتشبيكُها، وأن يكون حاقنًا أو بحضرةِ طعامٍ يشتهيه، وتَكرارُ الفاتحة لا جمع سُوَرٍ في فرض كنفل، وله ردُّ المارِّ بين يديه وعدُّ الآي والفتحُ على إمامه ولبس الثوب ولفُّ العمامة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
سبق لنا أنه بعد السلام يستغفر الله تعالى ثلاثًا، فما هي الحكمة في الاستغفار؟
طالب: الحكمة من الاستغفار هو أن (... ) نفس الذي يحصل من المصلي في صلاته (... ).
الشيخ: هو أن الإنسان لا يخلو؟
الطالب: من تقصير في صلاته.
الشيخ: من تقصير ونقص في صلاته.
هل لهذا نظير أن يُطلَب من الإنسان الاستغفار في آخر العبادة؟
طالب: نعم، يطلب من الإنسان الاستغفار في آخر العبادة، كذلك آخر حياته.
الشيخ: هات آخر عبادة؟
الطالب: بعد التسليم.
الشيخ: خَلِّ الصلاة، نريد مثالًا لها، يعني: مثالًا آخر يَعْضُد هذه القاعدة؟
طالب: إذا انتهى الإنسان من الحج يذكر الله، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: 200].
الشيخ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]، وسبق لنا أنواع من الذكر تقال بعد السلام، منها؟
طالب: يُسَبِّحُ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً، وَيَحْمَدُهُ ثَلَاثًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً، وَيُكَبِّرُ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلاثِينَ مَرَّةً (7).
الشيخ: أو يقول: «سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، ثَلاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً» ويختم؟
الطالب: بـ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (7).
الشيخ: بـ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» إلى آخره، وفيه أيضًا نوع آخر.
طالب: أن يسبِّح الله عشر مرات.
الشيخ: أن يسبح الله عشرًا، ويَحْمَدَ عشرًا، ويُكَبِّرَ عشرًا (8). النوع الثالث؟
طالب: يسبح الله؛ سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر خمسًا وعشرين مرة (9).
الشيخ: خمس وعشرين مرة، تكون مئة.
لما أنهى المؤلف رحمه الله صفة الصلاة ذَكَر ما يُكْرَه في الصلاة، ويجب أن نعرف الفرق بين الصلاة المكروهة وبين الصلاة التي فُعِل فيها شيء مكروه، الصلاة المكروهة فيها ثواب ولَّا لا؟
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، فيها ثواب وهي مكروهة.
طالب: (... ) ليس فيها ثواب.
الشيخ: ليس فيها ثواب.
الطالب: (... ).
الشيخ: لا، هذه حرام، لكن حتى لو فرض، الصلاة في أوقات النهي، على رأي من يرى أنه قبل أن تصفرَّ الشمس مكروه وبعده حرام، فهذه ليس فيها ثواب.
الصلاة التي فيها مكروه، هل فيها ثواب؟
طالب: (... ).
الشيخ: فيها ثواب، كذا؟ مثل؟
طالب: كالالتفات.
الشيخ: كالالتفات، فإنه يُثاب على أصل الصلاة، ولكن يُكْرَه الالتفات.
المؤلف ذكر أنه يُكرَه الالتفات، فما المراد بالالتفات هنا؟
طالب: الالتفات نوعان، (... ) الالتفات بالوجه.
الشيخ: بالوجه، لا بجميع؟
الطالب: لا بجميع البدن.
الشيخ: ما حكم الالتفات بجميع البدن عن القبلة؟
الطالب: يبطل الصلاة.
الشيخ: يبطل الصلاة؛ لأن من شرطها استقبال؟
الطالب: القبلة.
الشيخ: القبلة.
ما الذي يستثنى من المكروه؟
طالب: (... ).
طالب آخر: إذا كان لحاجة.
الشيخ: نعم، إذا كان لحاجة، يستثنى من ذلك إذا كان لحاجة، مثاله؟
طالب: (... ).
الشيخ: المهم صاحت طفلة والتفتَّ تنظر ماذا حصل لها؟ هذه حاجة ولَّا لا؟
الطالب: حاجة.
الشيخ: حاجة، صح؟ فيه حاجة شرعية؟ الحاجة الشرعية للالتفات؟
طالب: (... ).
الشيخ: هذه حاجة شرعية؛ ذكرنا أن هناك نوعًا من الالتفات؟
طالب: (... ).
الشيخ: نوع من الالتفات مكروه، إن لم يكن حرامًا؟
الطالب: التفات معنوي.
الشيخ: المعنوي أيش؟
الطالب: التفات القلب.
الشيخ: التفات القلب، هذا مكروه ولَّا غير مكروه؟
الطالب: (... ) يبطل الصلاة.
الشيخ: إي إنه مكروه، وقد يُبْطِل الصلاة على رأي بعض العلماء، والصحيح أنه لا يبطل.
كلمة (يُكرَه) أظنها معروفة لديكم، ما حاجة إلى تفسيرها الآن، المكروه عند أهل العلم هو ما نُهِيَ عنه لا على سبيل الإلزام بالترك، وحكمه أنه يُثاب تاركه امتثالًا ولا يُعاقَب فاعله، فهو في منزلة بين المباح والمحرم.
يقول المؤلف رحمه الله: (يُكرَه رَفْعُ بصرِه إلى السماء)؛ يعني: يكره رفع بصره إلى السماء وهو يصلي، سواء في حال القراءة، أو في حال الدعاء أو في حال الرفع من الركوع، أو في أي حال من الأحوال، يُكْرَه أن يرفع بصره إلى السماء، بدليل وتعليل؛ يعني: له دليل وله تعليل؛ أما الدليل فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِ أَبْصَارِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُم» (15) يعني: إما أن ينتهوا وإما أن يُعاقبوا بهذه العقوبة؛ أن تُخْطَف أبصارُهم فلا ترجع إليهم، واشتدَّ قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك، هذا الدليل، والحقيقة أن الدليل أقوى من المدلول؛ لأن الدليل يقتضي أن يكون رفعُ البصر إلى السماء محرَّمًا؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حذَّر منه واشتد قوله فيه، ثم ذكر عقوبة محتملة، وهي أن تُخْطَف أبصارُهم ولا ترجع إليهم.
ومن المعلوم أن التحذير عن الشيء بذكر العقوبة يدلُّ على أنه حرام، كما قلنا في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمارٍ» قلنا: إن هذا دليل على تحريم مسابقة الإمام.
وكذلك أيضًا قلنا في قوله عليه الصلاة والسلام: «لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفُنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ» (16) قلنا: إن فيه دليلًا على القول الراجح على وجوب تسوية الصف، وهذا الحديث الذي معنا في رفع البصر إلى السماء لا يقصر دلالة عن دلالة قوله صلى الله عليه وسلم: «أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ أَوْ يَجْعَلَ صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ».
بل إنما قد يكون أشد وأبلغ أن يرجع بصر الإنسان إلى عمى قبل أن يرتد إليه؛ ولهذا كان القول الراجح في رفع البصر إلى السماء في الصلاة أنه حرام، وليس بمكروه فقط.
ولكن إذا قلنا بأنه حرام ثم رفع بصره إلى السماء، فهل تبطل الصلاة؟
اختلف في ذلك أهل العلم؛ فقال بعضهم: إنها تبطل الصلاة، وعلَّلوا ذلك بتعليلين؛ التعليل الأول أنه فعل منهيٌّ عنه في العبادة، والإنسان إذا فعل فعلًا منهيًّا عنه في العبادة أبطلها؛ لأنه ينافيها.
والثاني أن فيه انحرافًا عن القبلة؛ لأنه إذا رفع رأسه هكذا صار مستقبلًا القبلة بحلقه لا بوجهه.
ولكن الذي يظهر لي أن المسألة لا تصل إلى حد البطلان؛ أن رفع البصر إلى السماء في الصلاة حرام، لكن الوصول إلى حد البطلان في النفس منه شيء؛ أما التعليل بأنه انحراف عن القبلة فإنه منقوض بالالتفات، فإن الملتفِتَ إلى اليمين أو اليسار قد انحرف عن القبلة، ومع ذلك لا تَبْطُل صلاته، وأما أنه فعلٌ محرَّم في العبادة فيقتضي أن يبطلها كما أبطل الكلامُ الصلاةَ، وأبطل الأكل والشرب الصوم، فهذا مثله، فهو -لا شك والله- تعليل قوي، لكن النفس لا تطمئن إلى أمر المصلي بالإعادة إذا رفع رأسه.
إنما نقول: إن صلاتك على خطر، وأما الإثم فإنك آثم؛ بناء على ذلك ينبغي لطالب العلم إذا رأى الذين يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أن يُنْكِر عليهم، ويجب أن يعلِّمهم بأن هذا حرام، وأنا أرى كثيرًا من الناس إذا رفع رأسه من الركوع خاصَّة رفع وجهه إلى السماء حتى تكاد تقول: إنه ارتفع عن الأرض من شدة رفع وجهِه إلى السماء، فيُحذَّر من ذلك.
يقول -وعندي بالشرح-: (ويُكرَه أيضًا تغميضُ عينيه؛ لأنه فعلُ اليهود) تغميض العينين أيضًا مكروه..
طالب: التعليل (... ).
الشيخ: إي نعم، التعليل في مسألة رفع البصر إلى السماء أن فيه سوءَ أدبٍ مع الله؛ لأنك بين يديه، فينبغي أن تتأدب وألا ترفع رأسك، بل يكون رأسك خاضعًا؛ ولهذا قال عمرو بن العاص رضي الله عنه: إنه كان قبل أن يُسْلِمَ يَكْرَه النبيَّ صلى الله عليه وسلم كراهةً شديدةً حتى يقول: حتى تمنيت أن أتمكن منه فأقتله، يقول: فلما أسلم كان لا يرفع بصره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (17) يعني: احترامًا له وتعظيمًا له.
فالربُّ عز وجل، أنت الآن واقف بين يديه وهو قِبَل وجهك فكونك تقول: هكذا، فيه شيء من سوء الأدب؛ فلهذا جاء الحديث بالتحذير منه.
أما تغميض عينيه فيقول المؤلف: إنه مكروه، وعلَّل ذلك بأنه فعلُ اليهود في صلاتهم، ونحن منهيُّون عن التشبه بالكفار من اليهود وغيرهم، لا سيما في الشعائر الدينية؛ لأن دياناتهم ديانات منسوخة، أبطلها الله تعالى بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز أن نتشبَّه بهم في العبادات ولا غيرها، ولكن يَذْكُر كثيرٌ من الناس أنه إذا أغمض عينيه كان أخشعَ له، ولكن هذا من الشيطانِ يُخَشِّعُه إذا أغمض عينيه من أجل أن يفعل هذا المكروه، ولو عالج نفسه وأبقى عينه مفتوحة، وحاول الخشوع لكان أحسن.
لو فُرِضَ أنه كان بين يديك شيء لا تستطيع أن تفتح عينيك أمامه؛ لأنه يشغلك فحينئذ لا حرج عليك أن تُغَمِّض بقدر الحاجة، وأما بدون حاجة فإنه مكروه كما قال المؤلف، ولا تغترَّ بما يُلْقِيه الشيطان في قلبك من أنك إذا غمضت صار أخشع.
يقول: (ويُكْرَه أيضًا إقعاؤه في الجلوس) يُكْرَه للمصلي أن يُقْعِيَ في الجلوس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن إقعاءٍ كإقعاء الكلب؛ ولأن الإنسان لا يستقر في حال الإقعاء؛ لأنه يتعب، ولكن كيف الإقعاء؟
الإقعاء عند أصحابنا له صور؛ منها أن يفرش قدميه، أي: يجعل ظهورهما نحو الأرض، ثم يجلس على عقبيه؛ يعني: بينهما في الواقع، تصوَّرتموه؟
طلبة: نعم.
الشيخ: يفرش قدميه، يعني: يجعل ظهورهما إلى الأرض هكذا، ثم يجلس على العقبين؛ يعني: العقبين على أطراف الفخذين، هذا مكروه؛ أولًا: لأنه يُشْبِه من بعض الوجوه إقعاء الكلب، والثاني: أنه متعب، لا يستقر الإنسان في حال جلوسه على هذا الوجه.
الوجه الثاني: أن ينصب قدميه ويجلس على عقبيه، وهذا لا شك أنه إقعاء كما ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه، ولكن بعض أهل العلم قال: إن هذه الصورة من الإقعاء من السُّنَّة؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إنها سُنَّة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، أو سُنَّة نبيك (18)، ولكن أكثر أهل العلم على خلاف ذلك، وأن هذا ليس من السنة، ويشبه والله أعلم أن يكون قول ابن عباس رضي الله عنهما تحدُّثًا عن سنِّةٍ سابقة نُسِخت بالأحاديث الكثيرة المستفيضة بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَفْرِش رجله اليسرى وينصب اليمنى، أو يتورك.
الصفة الثالثة، وهي أقربها مطابقةً لإقعاء الكلب أن يَنْصِبَ فخذيه وساقيه ويجلس على عَقِبَيْه، لا سيما إن اعتمد بيديه على الأرض، تصورتموها الآن؟ هكذا؛ يعني: الساقان والفخذان منصوبات، والأَلْية على الأرض، لا سيما إن انضم إلى ذلك اعتماد هكذا، صار كأنه الكلب تمامًا، وهذا هو المعروف من الإقعاء في اللغة العربية.
بقيت صفات أخرى للجلوس لا تُكْرَه، لكنها خلاف السنة كالتربُّع مثلًا، التربع مثل جلستي هذه، هذه تربع، هذه ليست مشروعة، ولا مكروهة، لكنها مشروعة في حال القيام، إذا صلى الإنسان جالسًا فإنه في موضع القيام يتربَّع وفي موضع الركوع يتربَّع، وفي موضع السجود يفترش يثني رجليه.
(وإقعاؤه وافتراشُ ذِراعَيْه ساجدًا) يعني: يُكْرَه أن يفترش ذراعيه حال السجود، وإنما قال: ساجدًا؛ لأن هذا هو الواقع، ولكن مع ذلك لو افترشهما جالسًا فهو أشد كراهة، مثل لو جلس وقال هكذا، يصير هذا أشد كراهة؛ لكن في حال السجود يُكْرَه أن يفترش ذراعيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اعْتَدِلُوا فِي السَّجُودِ، وَلَا يَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (19)؛ لأن الكلب إذا جلس مدّد يديه على الأرض، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ لأن الإنسان لا ينبغي أن يتشبَّه بالحيوان.
فإن الله لم يذكر تشبيه الإنسان بالحيوان إلا في مقام الذمِّ؛ استمعوا إلى قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: 5].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الذي يتكلم والإمام يخطب: «كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا» (20).
وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: 175، 176] هذا مقام ذمٍّ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ» (21).
إذن، فأنتم ترون الآن أن الإنسان لا يُشَبَّه بالحيوان إلا في حال الذم، وبناء على ذلك نقول: إذا كان التشبُّه بالحيوان في غير الصلاة مذمومًا ففي الصلاة من باب أولى؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَبْسُطُ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» (19). كما نهى عن إقعاء كإقعاء الكلب.
ماذا يصنع في الذراعين؟
طالب: يجافي.
الشيخ: يُجافي ويرفعهما عن الأرض، إلا أن الفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا طال السجود فله أن يعتمد بِمِرفقيه على ركبتيه على الأرض، على ركبتيه، إذا طال السجود وشقَّ عليه فإنه يعتمد بمرفقيه على ركبتيه؛ لأن هذا مما فيه التيسير على المكلف، والشارع يريد منا اليسر، ومن ثم شُرِعَت جلسة الاستراحة لمن يتثاقل أي: ينهض بدون جلوس.
طالب: (... ).
الشيخ: أيهم؟ الأولى والثانية؟ الأولى أنه يفرش رجليه هكذا على الأرض، ظهورها إلى الأرض، وبطونها إلى مقعدته، ويجلس على العقبين.
الطالب: (... ).
الشيخ: ما ينصب قدميه.
ثانيًا: ينصب قدميه ويجلس على عقبيه (... )، ويجلس على عقبيه؟
طلبة: (... ).
الشيخ: هذه الثانية، الأولى يصفِّطها ويخلي ظهورها على الأرض.
طالب: فرش القدمين؟
الشيخ: فرش القدمين؛ يخلي ظهورها على الأرض، يحتاج إني أوريكم أنا (... )؟
الطالب: هذه الثانية (... ).
الشيخ: هذه اللي على عقبيه، إي نعم، لا، بس (... ) شوية.
الطالب: (... ).
الشيخ: فيه صعوبة، هذه الثانية، الثالثة (... ) يسمونها عندنا (البوبزة).
طالب: نصب القدمين والجلوس بينهما على الأليتين.
الشيخ: إي، هذا أظنه أيضًا مما كرهه العلماء، لكن ما ذكروه في الإقعاء.
طالب: الجلسة (... ) الانتصاب، يجعل رجليه (... ).
الشيخ: متخالفات؟
الطالب: لا، بس نفس الجلسة اللي جلسها السابقة، لكن هذه (... ).
الشيخ: متخالفات يعني.
الطالب: (... ).
الشيخ: هي الظاهر أن الإقعاء الأول إنه متقاربات؛ لأنهم يقولون: يجلس على عقبيه.
الطالب: ينصب واحدة.
الشيخ: ويجلس على واحدة.
على كل حال الإقعاء معروف، مثل البوبز، الإقعاء عند العرب هو اللي يسمونه الآن (البوبز)، هذا ما فيه إشكال.
طالب: المؤلف يقول: (يُكْرَه)، والحديث الذي استدل به للنهي عن الإقعاء، والإقعاء يقتضي التحريم؛ هل الصواب (... )؟
الشيخ: إي نعم، هذه نتكلم عليها إن شاء الله.
الطالب: الرد على من قالوا ببطلان الصلاة في الحقيقة، الحديث ربما يَعْضُد الذين لا يقولون بالبطلان، لمن ينظر إلى السماء؛ لأن الرسول ما أمرهم بالإعادة، فقط نهاهم..
الشيخ: لا، هو بارك الله فيك، ما حدث إنسانًا واحدًا، ما كلَّم واحدًا حتى يقول: أعد صلاتك.
الطالب: حتى ولو كان يا شيخ..
الشيخ: طيب، لما قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (22). ما قال: ومن تكلم فليُعِد، هو لو خاطب واحدًا، ولو قال له: أعد، صح الاستدلال.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- نقول: النهي ليس منصبًّا على ذات المنهي عنه، والقاعدة التي مرت بنا أنه إذا انصبَّ النهي عليه فإنه يفيد البطلان، أقول: هنا انصبَّ النهي، ومع ذلك تبطل الصلاة، قلنا: في النفس من هذا شيء، والقاعدة البطلان.
الشيخ: والله ما رأيت أنا أحدًا يقول: إنها تبطل غير ابن حزم، ولا أَثَرَه عن أحد، المشكلة الواحد يعني: يتحرى، أما التحريم ما عندي فيه شك أنه حرام، والاقتصار على الكراهة فيه نظر.
طالب: لو سمحت، التسبيح إحدى عشر مرة، والتكبير إحدى عشر مرة.
الشيخ: لا، ما هو بصحيح هذا، هذا وَهْمٌ من الراوي ثلاثًا وثلاثين.
طالب: (... ) القاعدة أن ابن حزم رحمه الله أنها تَبْطُل صلاته، ألا يمكن نقول له: إذن يَبْطُل الذي يفترش يديه كافتراش الكلب؛ لأن كل هذه من الأفعال المحرَّمة في الصلاة؟
الشيخ: لا ما هي مثل هذه؛ لأن الرسول اشتد قوله في هذا، اشتد وتوعَّد، لا هذه، ما اتفقنا على أنها حرام.
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء يقولون: إن الإقعاء عند العرب كما شاهدنا، والنبي تكلم بما هو معروف عند العرب فلا يكون إلا هذه الصورة، وما عداها فيكون مستحبًّا، واستدلوا أيضًا بفعل العبادلة (23)، فما رأيكم يعني؟
الشيخ: المهم أن الإنسان ما يُقعِي.
طالب: يكون الإقعاء الوارد عن العرب كما..
الشيخ: والله، هذا جيد، لكن مسألة الاستدلال بحديث ابن عباس (18) كما قلت: فيه نظر، أما المنهي عنه هو الإقعاء كإقعاء الكلب؛ يعني: ينبغي أن يُخَصَّ هذا بما كان كإقعاء الكلب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما نَهى عن الإقعاء مطلقًا، قال: «كَإِقْعَاءِ الْكَلْبِ».
الطالب: والصور الباقية التي ذكرنا الآن هل تكون من إقعاء الكلب؟
الشيخ: لا أبدًا، هذه شرعية ما هي لغوية، عند من قال بها شرعية.
طالب: شيخ -رحمك الله- رفع البصر للكعبة هل حاجة (... )؟
الشيخ: الكعبة؟ ! هي تحتاج إلى رفع بصر؟ !
الطالب: النظر إليها.
الشيخ: النظر إليها، هذه مر علينا، ما مر علينا؟ مر علينا وقلنا: هذا ليس بصحيح.
طالب: النظر مثلي أنا الآن (... ).
الشيخ: لا لا، هكذا في السقف.
الطالب: النظر كده عادي؟
الشيخ: لا، هذا يسمى تلقاء وجهه.
طالب: جزاكم الله خيرًا، تغميض العينين قلنا: إنه يُكْرَه للتشبه باليهود، التشبه باليهود هل هي للكراهة ولّا للتحريم؟
الشيخ: المشهور من المذهب قاعدتهم يقولون: إن التشبُّه بالكفار مكروه، انتبهوا لهذا، المذهب عندنا عند الحنابلة، عند الأصحاب أصحاب المذهب أن التشبُّهَ بالكفار مكروه وليس حرامًا، عرفت؟ لكن الصحيح أنه حرام.
الطالب: يعني: يصير تحريمًا (... )؟
الشيخ: يعني: التحريم صعب.
وعَبَثُه وتَخَصُّرُه وتَرَوُّحُه وفَرقَعَةُ أصابِعِه وتَشبيكُها، وأن يكونَ حاقِنًا أو بِحَضْرَةِ طَعامٍ يَشتهيهِ، وتَكرارُ الفاتحةِ لا جَمْعُ سُوَرٍ في فرْضٍ كنَفْلٍ، وله رَدُّ المارِّ بينَ يَدَيْهِ وعَدُّ الآيِ والْفَتْحُ على إمامِه، ولُبْسُ الثوبِ ولَفُّ الْعِمامةِ وقَتْلُ حَيَّةٍ وعَقْرَبٍ وقُمَّلٍ،
الطالب: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وقال رحمه الله تعالى: وعبثُه وتخصره وتروحه وفرقعة أصابعه وتشبيكها، وأن يكون حاقنًا أو بحضرة طعام يشتهيه، وتَكرار الفاتحة، لا جمع سور في فرض كنفل.
وله رد المار بين يديه.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما يُكره من الصلاة، قال: ويُكرَه عبثه، عبثه أي عبث المصلي؛ وذلك لأن العبث فيه مفسدتان: المفسدة الأولى: انشغال القلب، فإن حركة البدن تكون بحركة القلب، ولا يمكن أن تكون حركة البدن بغير حركة القلب، فإذا تحرك البدن لزم من ذلك أن يكون القلب متحركًا، وفي هذا إشغال عن الصلاة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما نظر إلى الخميصة نظرة واحدة، قال: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ، وَائْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ؛ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» (1). فيؤخذ من هذا الحديث تجنب كل ما يلهي عن الصلاة.
المفسدة الثانية في العبث: أن العبث عبث ولغو، وهو ينافي الجدية المطلوبة من الإنسان في حال الصلاة.
وفيه أيضًا مفسدة ثالثة، وهي الحركة بالجوارح، وهذه الحركة دخيلة على الصلاة؛ لأن الصلاة لها حركات معينة من قيام وقعود وركوع وسجود، فصار في تعليل العبث في الصلاة ثلاث علل، وأما ما ذكره المؤلف الشارح رحمه الله لأنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يعبث في صلاته فقال: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» (2) فهذا الحديث ضعيف ولا يُحتج به، وقد روي عن عمر رضي الله عنه، وروي عن سعيد بن المسيب، ولكن العلل التي ذكرناها واضحة: الأولى: انشغال القلب بذلك، وكل ما يشغل القلب فإن الإنسان مأمور باجتنابه في صلاته، ودليله حديث الخميصة، والثاني: أنه عبث ينافي الجدية التي في الصلاة، والثالث: أنه حركة دخيلة على الصلاة؛ لأن البدن الآن مشغول بحركات الصلاة، فإذا تحرك بغير هذه الحركات فقد أدخل في الصلاة حركات ليست منها.
قال: (وتخصره) تخصره أي: وضع يده على خاصرته، والخاصرة هي المستدق من البطن الذي فوق الورك، يعني وسط الإنسان، ما استدق من بطنه فوق وركه هذا، يعني هذا، فإنه يكره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل متخصرًا، يعني واضعًا يديه على خاصرته، وقد جاء تعليل ذلك في حديث عائشة بأنه فعل اليهود (3)، فكان اليهود يفعلون هذا في صلاتهم، ولأنه في الغالب يأتي في حال انقباض الإنسان، إذا قال هكذا كأنه يهوجس مثلا ولّا يفكر في شيء، وهذا فيه شيء من منافاته للصلاة.
قال: (وتخصره وتروحه): (تروحه) يراد بها أن يروح على نفسه بالمروحة، مأخوذ من الريح، يعني الهواء، والمروحة معروفة، كانت تستعمل في الأول من خوص النخل، تخصف ويوضع لها يد عود، ثم يتروح بها الإنسان، هذا مكروه؛ لأنه نوع من العبث والحركة، ومشغل للإنسان عن صلاته، لكن إن دعت الحاجة إلى ذلك بأن كان كثير اللحم، وأصابه غم وحر شديد، وروح عن نفسه بالمروحة من أجل أن تخف عليه وطأة الصلاة، أو وطأة انحباسه في الصلاة، فإن ذلك لا بأس به؛ لأن القاعدة عند الفقهاء أن المكروه يزول بالحاجة، وأما التروح الذي هو المراوحة بين القدمين بحيث يعتمد على رجل أحيانًا، وعلى رجل أخرى أحيانًا، فهذا لا بأس به، لا سيما إذا طال الوقوف، إذا طال وقوف الإنسان فإنه ينبغي أن يريّح نفسه، بحيث يعتمد قليلًا على رجل، وقليلًا على الرجل الأخرى، لكن بدون أن يقدم إحدى الرجلين على الثانية، بل تكون الرجلان متساويتين، لكن يعتمد على إحداهما مرة وعلى الأخرى مرة أخرى بدون كثرة.
ويكره أيضًا (فرقعة أصابعه) أن يغمزها حتى تفرقع، ويكون لها صوت؛ لأن ذلك من العبث، وفيه أيضًا تشويش على من كان حوله إذا كان يصلي في جماعة، كذلك يكره التشبيك بين الأصابع، وهو إدخال بعضها في بعض في حال صلاته، لحديث ورد فيمن قصد المسجد ألا يشبّكن بين أصابعه (4)، فإذا كان قاصد المسجد للصلاة منهيًّا عن التشبيك بين الأصابع، فمن كان في نفس الصلاة فهو أولى بالنهي، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد شبك بين أصابعه، ففرج النبي صلى الله عليه وسلم بينها (5)، وأما بعد الصلاة فلا يكره شيء من ذلك، لا الفرقعة ولا التشبيك؛ لأن التشبيك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله، وذلك في حديث ذي اليدين حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه إحدى صلاتي العشي، فسلم من ركعتين، ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها وشبك بين أصابعه (6)، فإذا انتهت الصلاة فلا بأس بالتشبيك والفرقعة، لكن الفرقعة إن خشي أن تشوش على من حوله إذا كان في المسجد فلا يفعل.
قال المؤلف رحمه الله: (وأن يكون حاقنًا) يعني يكره أن يصلي وهو حاقن، والحاقن المحتاج إلى البول، يعني الذي حصره البول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في حضرة طعام، أو وهو يدافعه الأخبثان (7)، والحكمة من ذلك أن في هذا ضررًا بدنيًّا عليه، فإن حبس البول المستعد للخروج ضرر على المثانة وعلى العصب التي تمسك بالبول؛ لأنه ربما مع تضخم المثانة فيما انحقن فيها من الماء، ربما تسترخي هذه الأعصاب لأنها أعصاب دقيقة، فيحصل في هذا ضرر على المرء، وربما تنكمش انكماشًا زائدًا، أو ينكمش بعضها على بعض، ويعجز الإنسان عن إخراج البول كما يجري ذلك أحيانًا، فلهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين، ففيها ضرر بدني وفيها أيضًا ضرر يتعلق بالصلاة؛ لأن الإنسان الذي يدافع البول لا يمكن أن يحضر قلبه لما هو فيه من الصلاة؛ لأنه مشتغل بمدافعة هذا الخبث، فكيف يحضر قلبه في الصلاة، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، طيب وإذا كان حاقبًا –بالباء- فهو مثله، الحاقب –بالباء- هو الذي حبس الغائط، فيكره أن يصلي وهو حابس للغائط يدافعه، ونقول في العلة فيه ما قلنا في علة أيش؟ الحاقن البول.
وكذلك إذا كان محتبس الريح، يعني فيه ريح منحبسة، فإنه يكره أن يصلي وهو يدافعها، فإذا قال قائل: رجل على وضوء وهو يدافع البول أو الغائط أو الريح، لكن لو قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضأ به، فهل نقول: اقضِ حاجتك وتيمم للصلاة أو نقول: صل وأنت مدافع الأخبثين؟
نقول بالأول، نقول: اقض حاجتك وتيمم، ولا تصل وأنت دافع الأخبثين؛ وذلك لأن الصلاة بالتيمم لا تكره بالإجماع، والصلاة مع مدافعة الأخبثين منهي عنها، مكروهة، ومن العلماء من حرمها، وقال: إن الصلاة لا تصح مع مدافعة الأخبثين؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (7).
طيب ولو قال قائل: إنه حاقن، ويخشى إن قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يصلي حاقنًا ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
طالب: الثاني.
طالب آخر: الأول.
الشيخ: لا، الثاني يعني يقضي حاجته ويتوضأ ولو فاتته الجماعة؛ لأن هذا عذر، وإذا طرأ عليه في أثناء الصلاة فله أن يفارق الإمام.
وإذا قال قائل: إن الوقت قد ضاق وهو الآن يدافع أحد الأخبثين، فإن قضى حاجته وتوضأ خرج الوقت، وإن صلى قبل خروج الوقت صلى وهو يدافع الأخبثين، فهل يصلي وهو يدافع الأخبثين أو يقضي حاجته ويصلي ولو بعد الوقت؟
طلبة: الأول
طلبة آخرون: الثاني.
الشيخ: طيب نقول: أولًا إن كانت الصلاة تجمع لما بعدها فليقض حاجته وينوي الجمع؛ لأن الجمع في هذه الحال جائز، وإن لم تكن تجمع لما بعدها كما لو كان ذلك في صلاة الفجر أو في صلاة العصر أو في صلاة العشاء، فللعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول أنه يصلي ولو مع مدافعة الأخبثين حفاظًا على الوقت، والقول الثاني: يقضي حاجته ويصلي ولو خرج الوقت، وهذا القول الثاني أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأن هذا بلا شك من اليسر، والإنسان إذا كان يدافع الأخبثين يخشى على نفسه، ولكن جمهور أهل العلم على الأول، يقولون: إنه يصلي ولو مع المدافعة، وهذه في المدافعة القريبة، أما المدافعة الشديدة التي لا يدري ما يقول فيها، ويكاد يتقطع من شدة الحصر، فهذا لا شك أنه يقضي حاجته ثم يصلي، وينبغي ألا يكون في هذا خلاف.
قال المؤلف رحمه الله: (أو بحضرة طعام يشتهيه) يشتهيه أي تتوق نفسه إليه، فاشترط المؤلف شرطين؛ أن يكون الطعام حاضرًا، وأن تكون نفسه تتوق إليه، وينبغي أن يزاد شرط ثالث: مع قدرته على تناوله حسًّا وشرعًا.
طيب هذه ثلاثة قيود: حضور الطعام، توقان النفس إليه، القدرة على تناوله حسًّا وشرعًا، فإن لم يحضر الطعام ولكنه جائع، لكن ليس عنده طعام، فهل يؤخر الصلاة؟
طلبة: لا يؤخر.
الشيخ: لا يؤخر؛ لأننا لو قلنا بهذا لزم ألا يصلي الفقير أبدًا؛ لأن الفقير قد يكون دائمًا في جوع ونفسه تتوق إلى الطعام.
ولو كان الطعام حاضرًا ولكنه شبعان ما يهتم به نعم فليصل، يصلي ولا كراهة في حقه، وكذلك لو حضر الطعام لكنه ممنوع منه شرعًا أو حسًّا، الشرعي الصائم، أُحْضِر الفطور عند صلاة العصر والرجل جائع جدًّا ويقول: والله أنا من (... ) لما حضرت التمر من (... ) نقول: لا تصل العصر حتى تأكله بعد غروب الشمس؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، ليش؟ لأنه ممنوع من تناوله شرعًا، فلا فائدة في الانتظار، طيب وكذلك لو قدم إليه طعام حار لا يستطيع أن يتناوله، فهل يصلي أو يصبر حتى يبرد ثم يأكل ثم يصلي؟
طلبة: يصلي.
الشيخ: يصلي؛ لأن انتظاره لا فائدة منه، يعني أنه لو صلى في هذه الحال لم تكره صلاته؛ لأن انتظاره لا فائدة منه، وكذلك لو أحضر إليه طعام الغير ونفسه تتوق إليه فإنه لا يكره أن يصلي حينئذ؛ لأنه ممنوع منه، ممنوع منه شرعًا ولّا حسًّا؟
طلبة: شرعًا.
الشيخ: طيب وكذلك لو أُحْضِر إليه طعام هو ملكه، لكن عنده ظالم مانعه من أكله، فهنا لا يكره أن يصلي، لماذا؟ لأنه لا يستفيد من عدم الصلاة لمنعه من طعامه حسًّا، فصارت المسألة تحتاج إلى ثلاثة قيود: حضرة الطعام، توقان النفس إليه، القدرة على تناوله شرعًا وحسًّا، طيب دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (8). وكلام المؤلف يدل على أن الصلاة في هذه الحال مكروهة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «لَا صَلَاةَ».
وهل هذا النفي نفي كمال أو نفي صحة؟
جمهور أهل العلم على أنه نفي كمال، وأنه يكره أن يصلي في هذه الحال، ولو صلى صلاته صحيحة، وقال بعض العلماء: بل النفي نفي للصحة، فلو صلى وهو يدافع الأخبثين بحيث لا يدري ما يقول فصلاته غير صحيحة؛ لأن الأصل في نفي الشرع أن يكون لنفي الصحة، وعلى هذا القول تكون صلاته في هذه الحال محرمة؛ لأن كل من تلبس بعبادة باطلة فتلبسه حرام؛ لأنه يشبه أن يكون مستهزئًا ساخرًا، حيث تلبس بعبادة يعلم أنها محرمة فيقدم عليها.
(أو بحضرة طعام يشتهيه).
قال..
طالب: (... ).
الشيخ: ما عندي تصنيف في هذا؛ لأن كل من القولين قوي جدًّا.
قال: ويكره أيضًا (تكرار الفاتحة)، يكره تكرار الفاتحة بأن الإنسان يقرأ الفاتحة مرتين أو أكثر، وتعليل ذلك أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمكرِّر للفاتحة على وجه التعبد بالتكرار لا شك أنه قد أتى مكروهًا؛ لأنه لو كان هذا من الخير لفعله النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إذا كرر الفاتحة لا على سبيل التعبد، بل لفوات وصف مستحب، فهل هذا جائز؟ الظاهر الجواز، مثل أن يكررها لأنه نسي فقرأها سرًّا في حالٍ يُشرع فيها الجهر، كما يقع لبعض الأئمة ينسى فيقرأ الفاتحة سرًّا، فهنا نقول: لا بأس أن يعيدها من الأول استدراكًا لما فات من مشروعية الجهر، كذلك لو قرأها الإنسان من غير استحضار قلب وأراد أن يكررها ليحضر قلبه في القراءة التالية، فإن هذا تكرار لشيء مقصود شرعًا، وهو حضور القلب في الصلاة، لكن في هذه المسألة الأخيرة إن خشي على نفسه أن ينفتح عليه باب الوسواس فلا يفعل؛ لأن بعض الناس إذا ما انفتح له هذا الباب انفتح له باب الوسواس الكثير، وصار إذا قرأها وقد غفل في آية واحدة منها ردها، وإذا ردها وغفل ردها ثانية وثالثة ورابعة، حتى ربما إذا شدد على نفسه شدد الله عليه، ربما يكون غفل في أول مرة عن آية ثم في الثانية يغفل عن آيتين أو ثلاث.
فالحاصل أن تكرار الفاتحة إن كان على وجه التعبد به فلا شك في أن الأمر كما قال المؤلف مكروه؛ لأن ذلك من البدع، وإن كان لاستدراك أمر مشروع فاته فهذا لا بأس به، وضربنا لكم مثلًا بمن نسي الجهر بها في صلاة الليل، أو بمن لم يستحضر حال قراءته إياها، لكننا استدركنا على الأخير ما لم يخش الوسواس، فإن خشيه فلا يعيده.
قال: (لا جمع سور في فرض كنفل).
يعني لا يكره جمع السور في الفرض، يعني أن يقرأ سورتين فأكثر، وهذا باعتبار السورة مع الفاتحة لا إشكال فيه، فإن الإنسان إذا قرأ الفاتحة يسن أن يقرأ معها سورة كما سبق، لكن مراد المؤلف بجمع السور ما عدا الفاتحة؛ لأن مسألة الفاتحة أمرها معلوم، فهذه المسألة يقول: لا يُكره جمع السور في الفرض كما لا يُكره في النفل، ودليل ذلك حديث حذيفةَ بن اليمان رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورةَ البقرة والنساء وآل عمران (9)، وهذا جمع بين السور في النفل، وما جاز في النفل جاز في الفرض إلا بدليل، هذه القاعدة، وما وجب في الفرض وجب في النفل إلا بدليل.
والدليل على أن هذه هي القاعدة، أي أن ما جاز في النفل جاز في الفرض، أن الصحابة لما حكوا صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته في السفر، وأنه يوتر عليها، قالوا: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة؛ لأنهم لولا أن الفرض يحذى به حذو النفل ما كان للاستثناء فائدة، فلما قالوا: غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة، علمنا أنهم فهموا بأن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض، وإلا ما احتيج إلى استثناء.
وعلى هذا فنقول: إنه لا بأس أن يجمع الإنسان في الفرض بين سورتين فأكثر، ودليله حديث حذيفة.
ووجه الدلالة منه أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، طيب العكس؛ يعني تفريق السورة في الركعتين هل يجوز أو لا؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، إلا إذا كان لما بقي تعلق فيما مضى، فهنا ينبغي ألا يفعل، مثل لو قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: 1 - 3] فهنا ما ينبغي أن يقف على هذا الموقف لانقطاع الكلام بعضه عن بعض، أما إذا لم يكن محظور في الوقف فلا بأس، ودليل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ في سورة المغرب بالأعراف فرقها في الركعتين (10)، وهذا يدل على جواز تفريق السورة في الركعتين، لكن ينبغي ملاحظة ما يشرع من التطويل والتوسط والتقصير كما هو معروف في أول صفة الصلاة.
هاتان مسألتان.
المسألة الثالثة: هل يقرأ من أثناء السورة أو لا؟ يعني بأن يقرأ آية أو آيتين من أثناء السورة؟ نقول: نعم يجوز هذا، وإن كان الأفضل عدمه، حتى إن ابن القيم ذكر في الزاد زاد المعاد أنه لم يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ من أثناء السورة، ولكن يقال: إنه قد ثبت عنه أنه كان يقرأ في سنة الفجر في الركعة الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ (11) [آل عمران: 64].
والأصل أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض إلا بدليل، فالصحيح أنه يجوز أن يقرأ الإنسان الآية أو الآيتين من أثناء السورة، ولا بأس بذلك.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا في التخصر أنه جاء النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عنه بعينه، مع أنك تقول: إنه مكروه، والقاعدة أنه (... )، على القاعدة أنه (... ) ولو قلنا بالكراهة، أحسن الله إليك، كذلك في التشبيك، قلنا بالكراهة، مع أنه جاء فيه دليل الخاص.
أقول: لماذا لا يقال بالتحريم؟
الشيخ: ما كل شيء ورد به النهي يكون للتحريم، فالمسألة أولًا خلافية، لكن القول الراجح أنه للتحريم إلا بدليل، الدليل هذا أن عامة العلماء إن لم يكن إجماعًا على هذا الشيء، فإن وجد مثلًا قول بعض العلماء أنه حرام فهو وجيه.
طالب: شيخ، قول بعض العلماء في مسألة التشبيك بالأصابع: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يشبك بالأصابع (12)، قالوا: إذا كان ينتظر الصلاة قبل الصلاة وينتظر الصلاة فلا يشبك كذلك في أثناء الصلاة، أما إذا كان بعد الصلاة ولا ينتظر صلاة بعدها فيشبك.
الشيخ: فلا بأس به.
الطالب: وحديث ذي اليدين (13) يا شيخ، ما يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الصلاة به؛ لأنه رجع وكمل الصلاة.
الشيخ: إي، لكن ما علم حين شبك، هو لا يدري أنه في الصلاة.
طالب: يقاس يا شيخ على مدافعة الأخبثين وحضور الطعام بإجماع؟
الشيخ: إي نعم، كل ما يشغل، شدة الحر، الحر الشديد الذي يحتاج إلى تبرد، وكذلك البرد الشديد الذي يحتاج إلى تدفئة، كل ما يشغل عن حضور القلب فهو من جنس مدافعة الأخبثين.
طالب: بالنسبة لجواز الجمع بين السور في الفرض، قد استدلوا بحديث الرجل الأنصاري الذي كان يصلي بالسورة ويقرأ بعدها ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنه يحبها (14).
الشيخ: إي نعم، هذا إذا كان يقرأ سورة كاملة -الرجل- إذا كان يقرأ مع الإخلاص سورة كاملة، وهذا هو الظاهر من يقرأ سورة كاملة.
طالب: يقتصر على الفاتحة؟
الشيخ: نعم.
طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، هل يعيد صلاته؟ يعني مثلًا جاءه دفع الأخبثين، يعني جاءه الحصر وهو وسط الصلاة في الركعة الثانية أو في الركعة الثالثة؟
الشيخ: يكملها خفيفة.
الطالب: يعيد صلاته؟
الشيخ: لا، يكمل خفيفة.
طالب: لو اقتصر الإمام على الفاتحة يعني ما يقرأ بعدها سورة؟
الشيخ: كرهها العلماء، قالوا: يكره أن الإنسان يقتصر على الفاتحة؛ لأن ذلك خلاف السنة، ويفتح باب التهاون للعامة، حتى لو كان الإنسان في صلاته وحده فهو يكره له ذلك؛ لأنه خلاف السنة.
طالب: يعني مثلًا تكرار التشهد أو التكبير يعني يقاس على الفاتحة مثلًا، تكره.
الشيخ: التكبير ما يمكن تكراره.
الطالب: يمكن ينسى يقول: الله أكبر.
الشيخ: إذا نسي ما يقال..
الطالب: يعني يكرر؟
الشيخ: أقول: هذا نسيان ما له حكم النسيان.
الطالب: طيب التشهد؟
الشيخ: التشهد ما ذكروا أنه يكره، لكن ينبغي أن يقال مثل هذا، إن فعله تعبدًا فهو مكروه، وإن فعله استدراكًا لما فاته من الكمال فلا بأس به.
الطالب: (... ) والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، قال رحمه الله تعالى: وله رد المار بين يديه، وعد الآي، والفتح على إمامه، ولبس الثوب، ولف العمامة، وقتل حية وعقرب وقمل، فإن طال الفعل عرفًا من غير ضرورة ولا تفريق بطلت، ولو سهوًا، ويباح قراءة أواخر السور.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فقد سبق لنا عدة أشياء مكروهة في الصلاة، منها العبث، فما وجه الكراهة؟
طالب: يكره العبث أولًا من ثلاثة أوجه: الوجه الأول: بأن فيه عدم حضور القلب، الوجه الثاني: لأنه على اسمه، الوجه الثالث..
الشيخ: وأيش معنى على اسمه؟
الطالب: لأن العبث علم معناه يعني..
الشيخ: يعني: عمل لا فائدة منه.
الطالب: الوجه الثالث أنه يقتضي الحركة، وهذه الحركة تكون دخيلة على الصلاة.
الشيخ: أنه تحرك بحركة خارجة عن أفعال الصلاة، فيكون دخيلًا فيها.
التروح؟
طالب: هي المروحة التي يتروح بها عن نفسه في الصلاة.
الشيخ: المقصود بها استعمال المروحة.
الطالب: وإن كان المقصود بها التروح بين القدمين في الصلاة فله أن يتروح بين القدم الأولى والثانية، ولكن لا يقدم الأولى على الأخرى.
الشيخ: إي، ولا يكثر.
الطالب: ولا يكثر.
الشيخ: ومراد المؤلف الأول، تروحه يعني معناه استعمال المروحة.
طيب التخصر، حكمه؟
طالب: مكروه.
الشيخ: وما معناه؟
الطالب: معناه أن يضع الإنسان يده على ما ضاق من بطنه.
الشيخ: على خاصرته.
الدليل؟
طالب: أنه كما جاء في الحديث عن عائشة أنه من فعل اليهود (8)، تشبه باليهود.
الشيخ: لكن الدليل؟ هذه العلة والحكمة.
الطالب: الدليل أنه نهى عن التخصر في الصلاة.
الشيخ: يكره فرقعة الأصابع، ما معنى فرقعة الأصابع، ويش معنى فرقعة الأصابع؟
الطالب: غمزها حتى يخرج منها صوت.
الشيخ: غمزها حتى يحصل منها صوت، لماذا كره؟
الطالب: لأن فيه الانشغال، ولأن فيه حركة خارجة عن الصلاة، دخيلة على الصلاة حركة مكروهة.
الشيخ: وربما يكون فيه تشويش على من حوله إن كان يصلي مع الجماعة.
حكم التشبيك في الصلاة، تشبيك الأصابع؟
طالب: يكره كذلك، من العبث.
الشيخ: لأنه من العبث الموجب لعدم حضور القلب، ولأنه نهي أن يشبك الإنسان بين يديه إذا كان قاصدًا للصلاة، فكيف بالصلاة نفسها.
حكم الصلاة وهو حاقن؟
طالب: حكم الصلاة وهو حاقن مكروهة.
الشيخ: ما معنى حاقن؟
الطالب: يعني يكون حابسًا للبول.
الشيخ: الدليل؟
الطالب: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ» (7).
الشيخ: هل مجرد الإحساس بذلك يوجب الكراهة؟
طالب: يعني مجرد الإحساس لا، يعني إذا كان هو شغال ويدافع..
الشيخ: أي هذا الذي يكره، أما مجرد الإحساس بذلك لأنه لا يشغل القلب.
هل تكره الصلاة بحضرة الطعام؟
طالب: الحديث السابق: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ».
الشيخ: طيب اشترطوا ثلاثة شروط؟
الطالب: بأن يكون حاضر الطعام، ويكون قادرًا عليه حسًّا وشرعًا.
الشيخ: الثالث؟
الطالب: بحضرة الطعام.