الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 6944-6983

وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز، ما دام تيقنت الحمل فإنه لا يجوز إسقاطه ولو كان نطفة، قالوا: لأن احتمال الفساد كاحتمال الموت بعد نفخ الروح، ما دام أنه علق وصار الحيوان المنوي علق بالبيضة فاحتمال أن يفسد وارد، كما أن احتمال أن يموت بعد نفخ الروح فيه وارد أيضًا، لكن الأصل أنه باقٍ، وليس كالعزل؛ لأن العزل منعٌ وهذا رفعٌ، أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: العزل منع؛ يعني: منع الماء أن يدخل في الرحم، وهذا رفع؛ يعني: رفع هذا الماء الذي وصل إلى الرحم وعلق وابتدأ تكوين إنسان، فبينهما فرق.
وعلى هذا القول يكون حرامًا ما يجوز إلقاؤه.
والفرق بينه وبين العزل واضح، ما فيه شك أن الفرق واضح.
ولكنه يأتي الحال الثانية إذا كان علقة، هل يجوز إلقاؤه أم لا؟ المذهب لا يجوز إلقاؤه؛ لأن العلقة دم، والدم مادة الحياة، فالآن انتقل وتحوَّل وتغير من الماء الذي لا قيمة له إلى دم هو ابتداء خلق الإنسان، وهو مادة الروح؛ ولذلك إذا نزف دم الإنسان فإنه يبقى أو يموت؟ يموت، قالوا: فإذا وصل إلى هذه المرحلة فإنه لا يجوز إلقاؤه.
وقال بعض العلماء: بل يجوز إلقاؤه؛ لأنه دم، والدم لا قيمة له؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام (3)، والله حرم علينا أكل الميتة ولحم الخنزير، فإذن يكون لا قيمة له، فيجوز إلقاؤه، وليس آدميًّا محترمًا حتى نقول: إنه لا يجوز.
أما بعد نفخ الروح فيه فإنه لا يجوز إلقاؤه، ولكن إلقاؤه بعد نفخ الروح فيه له أحوال: تارة يُلْقَى في حالٍ يعيش فيها؛ مثل إذا تمت التاسع -مثلًا- المرأة وحصل عليها صعوبة في الوضع، يجوز إلقاؤه ولَّا لا؟ يجوز إلقاؤه بشرط أن نأمن السلامة؛ يعني: ألا يكون في ذلك خطر على حياته ولا على حياة أمه، فإن كان في ذلك خطر فهو حرام.

الثانية: أن يُلْقَى قبل أوان نزوله؛ مثل أن يُلْقَى وله خمسة شهور، ستة شهور، قبل أوان النزول، فهذا يحرم؛ لأن الغالب أنه لا يسلم، اللهم إلا فيما لو ماتت الأم وهو حي، ورُجِيَ بقاؤه لو أُخرج، فهذا ربما يقال بالجواز.
لو قال قائل: الآن الحمل قد نُفِخَت فيه الروح وتحرك، لكن أمه لو بقي لكان خطرًا عليها؛ تموت، وإذا ماتت سيموت، فهل ننزله الآن ولَّا ما ننزله؟ طالب: ننزله.
الشيخ: أنتم فاهمون المسألة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: هذا جنين في بطن أمه قد نُفِخَت فيه الروح، وقالوا: إن بقي حتى يخرج فإنها تموت الأم، وإن أخرجناه هي تسلم، هل نخرجه؟ طالب: نعم نخرجه.
الشيخ: هه.
الطالب: ننظر (... ). الشيخ: طيب.
الآن نضرب مثلًا: هذا رجل ميت من الجوع وعنده طفل مملوء لحمًا وشحمًا، صغير، لحمه لين، وهذا الرجل ميت من الجوع، يقول: إذا ما أكلت الطفل هذا مِتُّ، ويش نقول؟ طالب: نقول: مت.
الشيخ: لا، الطفل صغير، ولحمه رقيق.
طالب: (... ) حياته بموت (... ). الشيخ: إي نعم، نقول: هذا لا يجوز، لا يجوز أن نخرجه من بطن أمه ونحن نعرف أنه بيموت.
فإذا قال قائل: إن أبقيتموه مات هو وأمه، فخسرتم نفسين؟ نقول: لكن هذا ليس بفعلنا، إذا أبقيناه وماتت أمه ومات هو هذا ليس بفعلنا، هذا بفعل الله عز وجل، أما إذا نزَّلنا نحن الطفل ومات بفعلنا فنحن الذين قتلناه.
ثم نقول: ربما تموت الأم ويكون -مثلًا- عندنا أجهزة نشق بطنها بسرعة ونخرج الولد ويسلم، وفي الحالة الأولى ربما نظن أنه لو بقي ماتت، ويكون مع المعالجة والمداراة والحمية تسلم الأم، ومعها الولد يمكن يسلم، المهم أنه ما هو على كل حال تموت الأم.
فبهذا نعرف أن الشرع كله خير، وأن الإنسان لو استحسن شيئًا قد يفوته أشياء، وإلا في بادئ الأمر يقول: كوننا نقتل نفسًا ولا نقتل نفسين أحسن، نقول: أبدًا، هذا فرق بين اللي من فعلنا واللي من فعل الله.

وعلى هذا فإذا نُفِخَت فيه الروح فإنه لا يجوز إخراجه على وجه لا نأمن سلامته ويكون عليه خطر فيه.
إذا قال قائل: إذا كان بين النطفة ونفخ الروح، هو الآن -مثلًا- علقة أو مضغة لكن ما نُفِخَت فيه الروح، واضطررنا إلى تنزيله، بحيث إنه لو بقي في بطن أمه لخشي عليها الهلاك، ننزِّلُه ولَّا لا؟ في هذه الحال ننزله؛ لأنه إلى الآن ما نُفِخَت فيه الروح، والأم خطر عليها؛ يعني قال الأطباء: إنه تسعين في المئة يمكن تموت، نقول: هذا لا بأس به؛ لأن ما في ذلك قتل نفس، ولهذا الجنين في هذه المرحلة لو أنه نزل من بطن أمه لا يُغَسَّل ولا يُكَفَّن ولا يُصَلى عليه، يُحْفَر له في أي مكان ويدفن؛ لأنه إلى الآن لم يكن إنسانًا، ولا يبعث يوم القيامة؛ لأنه ما صار إنسانًا، وتأمل هذا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: 5].
فقوله: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ هذا بعد الأطوار السابقة، وفي الآية الأخرى يقول: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ بعد ذكر العلقة والمضغة، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: 14]، شوف ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾، من حيث الصورة والجسم ما تغير، لكن من حيث إنه صار إنسانًا يحس ويدرك جعله الله تعالى خلقًا آخر، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14].

الخلاصة الآن نقول: الذي يترجح لنا في هذه المسألة أنه لا يُلْقَى حتى ولو قبل الأربعين، إلا إذا كان لحاجة قبل الأربعين، أو لضرورة فيما بين الأربعين إلى نفخ الروح، وأما بعد نفخ الروح فلا يُخْرَج أبدًا.
طالب: متى الغالب في نفخ الروح؟ الشيخ: نفخ الروح ما هو غالب، يقين؛ أربعة أشهر، إذا مضى أربعة أشهر نُفِخَت فيه الروح.


ثم قال: (فصل: الثَّانِيةُ) يعني: من المعتدات، (المتوفي عنها زوجها) أو (المتوفى)؟ طلبة: (المتوفى).
الشيخ: (المتوفى)؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ويش الفرق بين المُتَوفِّي والمُتَوَفَّى؟ اسم فاعل واسم مفعول، نعم، والصواب اسم المفعول؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: 42]، فالإنسان مُتَوَفى.
ويجوز لكنه لغة ضعيفة جدًّا أن نجعلها لاسم الفاعل: مُتَوَفٍّ؛ يعني: متوفٍّ أجله ورزقه؛ يعني قد استوفاه واستكمله، لكن الأول هو الأصح.
(المتوفى عنها زوجها بلا حمل منه) احتراز من أيش (بلا حمل)؟ من الحامل.
طيب، والحامل؟ تقدم أن عدتها بوضع الحمل.
(بلا حمل منه قبل الدخول أو بعده) وقبل الخلوة أيضًا؟ طالب: وقبل الخلوة.
الشيخ: نعم، وقبل الخلوة.
وهل يُشْتَرط أن تكون ممن يُوطأ مثلها وهو ممن يطأ مثله؟ طالب: لا، لم يشترط.
طالب آخر: ما اشترطناه.
الشيخ: ما اشترطناه، ففي عدة الوفاة ما يُشْتَرط إلا شرط واحد فقط؛ وهو أن يكون النكاح غير باطل، ولا يُشترط سوى ذلك، فلا يُشترط وطءٌ ولا خلوةٌ ولا كِبَرٌ ولا عقلٌ، ولا شيء؛ ولهذا نقول: قبل الدخول وبعده، وقبل الخلوة وبعدها، وفي حال الصغر وفي حال الكبر.
طيب، لو عُقِد له على طفلة لها سنتان ومات عنها، تعتد؟ طالب: نعم.
الشيخ: وتحاد؟ الطالب: نعم.
الشيخ: نجنبها الزينة والطيب، ونخليها في البيت ما تطلع إلا لحاجة.
طالب: تهرب.
الشيخ: لا، نحطلها لعابيب حتى تقعد في البيت.

المهم أنه لا يُشترط الكبر؛ يعني: البلوغ ما هو بشرط، والعقل ما هو بشرط، وكونه يمكن وطؤها ولَّا يجوز وطؤها ويمكن أن يولد له ليس بشرط، مطلقًا، والدليل على ذلك عموم الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234]، ما قيَّد الله فيها شيئًا، مجرد كونها زوجة؛ ولهذا ترث منه ويرث منها.
طالب: (... )؟ الشيخ: إي نعم، (... ) على الغالب.
طالب: إذا عقد لها ولها سنتان هل تعتبر زوجة؟ الشيخ: إي.
الطالب: تعتبر زوجة؟ الشيخ: نعم.
الطالب: ويجوز يعني.. ؟ الشيخ: يجوز بشروط تقدمت لنا في النكاح.
يقول: (للحرة أربعةُ أشهرٍ)، عندي أنا: (وعشرة) بالتاء.
طالب: وعشرة أيام بلياليها.
الشيخ: عندكم سدا؟ طالب: (أربعة أشهر وعشرة).
الشيخ: وعشرة أيام بلياليها، هذا بالشرح.
طالب: وعشرًا.
الشيخ: عندي بالتاء على أن التمييز مُذَكَّرٌ، (أربعة أشهر وعشرة)، لكن تقدم لنا أن ثلاثة إلى عشرة تُؤنث مع المذكر وتُذكَّر مع المؤنث إذا ذُكِرَ المُمَيَّز، أما إذا لم يُذكر فيجوز الوجهان، وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] ما هي عشر ليالٍ كما قاله كثير من الناس، ولكن ﴿عَشْرًا﴾ عشرة أيام؛ لأن (أشهر) للزمان النهاري، فكذلك عشرة أيام، لكنها لم تؤنث؛ لأنه لا يجب تأنيث العدد مع تذكير المعدود إلا إذا ذُكِرَ؛ إذا كان مذكورًا.
المهم للحرة أربعة أشهر وعشرة أيام، الدليل الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234].

ما هي الحكمة في أنها أربعة أشهر وعشر، الحكمة لماذا؟ الحكمة في ذلك -والله أعلم- أنها حمايةٌ لحق الزوج الأول، ولذلك لما عظم حق الرسول عليه الصلاة والسلام صارت نساؤه حرامًا على الأمة في كل الحياة؛ لعظم حقه، أما غيره فيُكْتَفى بأربعة أشهر وعشرة أيام.
طيب، لماذا كانت أربعة وعشرة؟ الأربعة ثلث الحول والعشرة ثلث الشهر، وقد جاء في الحديث: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (4)، وكانت النساء في الجاهلية يبقين في العدة سنةً في أكره بيت؛ يحطون لها خباء صغيرًا في بيتهم، وتقعد به بالليل والنهار، ولا تغسل ولا تنظف ولا شيء أبدًا، يعطونها (... ) من وراء الستار، وتبقى سنة كاملة يمر عليها الصيف والشتاء، فإذا خرجت جابوا لها عصفورًا ولَّا دجاجة ولَّا شي وخلوها تتمحش به، إذا تمحشت به ومات فهذه ممتازة؛ من كراهتها ورائحتها، ثم ماذا تفعل؟ تطلع من هذا الخباء المنتن الخبيث تأخذ لها بعرة من الأرض، تعرفون البعرة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: وترمي بها، كذا، كأنها تقول بلسان الحال: كل اللي مر عليَّ ما يسوى (... ) البعرة، هذه سنة كاملة، لكن الإسلام -والحمد لله- جاء بهذه المدة الوجيزة؛ أربعة أشهر وعشرة أيام، ثم مع ذلك هل منعها من التنظف؟ لا، تتنظف كما شاءت، وتلبس ما شاءت، غير ألَّا تتبرج بزينة -كما سيأتي- ولا تتطيب.
إذن أربعة أشهر وعشرة أيام، سواء حاضت أم لم تحض، حتى لو كانت ممن تحيض وحاضت ثلاث حِيَضٍ ما علينا منها، تحيض ثلاثة وأربعة ما علينا منها، ولو كانت ممن لا يحيض في الشهرين إلا مرة ولم تحض إلا مرتين، تنتهي عدتها ولَّا لا؟ تنتهي بأربعة أشهر وعشرة أيام.
طالب: (... ) بعد أربعين يومًا؟ الشيخ: إي، ذكر فتح الباري كلامًا طويلًا عليها، راجعه.
(... ) طيب، (وللأمة نصفها) يعني: شهران وخمسة أيام.

فإن قال قائل: حق الزوج لا فرق فيه بين الأَمَة وبين الحرة، وأنتم تقولون: إن أربعة أشهر وعشرة أيام من أجل حماية حق الزوج، فأي فرق بين الأمة والحرة؟ ! ثم إن الآية عامة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]؟ قلنا: هذا تعليل صحيح، فعندنا الآن لو قال قائل: ليش تجعلونها على النصف وعندنا عموم الآية وعموم المعنى؛ عموم الآية هذه امرأة متوفًّى عنها زوجها، وعموم المعنى؟ ما هو عموم المعنى؟ أن حماية حق الزوج لا فرق بين أن تكون المتوفى عنها أمة أو حرة.
فالجواب على ذلك أن الصحابة أجمعوا على أن المطلَّقة عدتها نصف الحرة، على ما نقل عنهم، فهذه مقيسة عليها، بل إن بعضهم حكى الإجماع على أن المتوفى عنها إذا كانت أمةً تعتد بشهرين وخمسة أيام.
والحقيقة أن الآية لو تمسك أحدٌ بعمومها وبعموم المعنى لكان له وجه، وهو أرجح، إلا إذا منع من ذلك إجماع، ولكن الإجماع لم يمنع منه، فإنه قد نُقِلَ عن الأصم وعن الحسن أنهما كانا يريان ذلك.
فأقول: إن القول بأنه لا فرق بين الحرة والأمة هو القول الصواب ما لم يمنع منه إجماع، فإن منع منه إجماع فالحجة به.
طالب: شيخ، في الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234]، قلنا: إن الأمة ما تعتبر زوجة؟ الشيخ: لا، إذا كانت زوجة، ما هو بالأمة التي وطئها سيدها، ذاك تسمى سُرِّيَّة، مثلًا زوجة أمة، أنا مزوجها واحدًا، وهي لي ملكي، مات عنها هذا الرجل، صار ترك زوجةً.
ما هو بواضح؟ الطالب: جزاك الله خيرًا.
الشيخ: يقول المؤلف: (فإن مات زوجُ رجعيةٍ في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدةَ وفاةٍ منذ مات وإن مات من أبانها) إلى آخره.
هذه المسألة التي بدأها المؤلف: إذا مات الإنسان وزوجته في عدة فلا تخلو من ثلاث حالات: إما أن تكون رجعية، أو بائنًا لا ترث، أو بائنًا ترث.

كم دولي؟ ثلاث.
اسمع للرجعية يقول: (إن مات زوج رجعية في عدة طلاق سقطت، وابتدأت عدة وفاة منذ مات) مثال ذلك: رجل طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، حاضت مرتين وبقيت عليها الحيضة الثالثة ومات، تبتدئ عدة وفاة من جديد؛ منذ مات تعتد أربعة أشهر وعشرة أيام، وهي ما بقي عليها الآن إلا كم على عدة الطلاق؟ حيضة واحدة، لكن الآن نقول: تستأنف عدة وفاة أربعة أشهر وعشرة أيام.
الدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في المطلقات، ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا﴾ [البقرة: 228]، وجه الدلالة من الآية أن الله سمى المُطَلِّق بعلًا؛ أي زوجًا، فإذا ضممت هذه الآية إلى قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] صارت الرجعيةُ زوجةً متروكةً بعد الوفاة، فيلزمها عدة الوفاة.
طالب: شيخ، بالنسبة لما حكي في الإجماع بالنسبة للطلاق أو بالنسبة للمتوفى عنها زوجها؟ الشيخ: كلهم، أما المتوفى عنها زوجها فثابت الخلاف فيه.
الطالب: ظاهر كلام الشارح أن هناك قياسًا؟ الشيخ: إي نعم، قياس، لكن حكى غيره الإجماع على ذلك إلا خلاف الأصم والحسن.
طيب، هذه واحدة.
ثانيًا: البائن التي لا ترث، واستمع إليها في كلام المؤلف؛ يقول المؤلف: (وإن مات في عدة من أبانها في الصحة لم تنتقل) إذا مات في عدة المبانة التي لا ترث فإنها لا تنتقل، لماذا؟ لأنها أجنبية منه، ما يملك ردها، البينونة لها طرق كثيرة كما سبق؛ منها أن تكون هذه الطلقة آخر ثلاث تطليقات، إذا كانت الطلقة هذه آخر ثلاث تطليقات، لما مضى حيضتان مات، تستأنف العدة؟ طالب: لا، تكمل العدة.
الشيخ: تكمل العدة، يبقى عليها حيضة واحدة؛ وذلك لأنها ليست زوجة، ولا علاقة بينها وبين زوجها بأي شيء من علائق النكاح؛ فلهذا لا تنتقل.

ومثلها من طلقها على عِوَض؛ رجل طلق زوجته على عوض واعتدت بحيضتين، ثم مات قبل الثالثة، ماذا تصنع؟ تستمر؛ يعني: تكمل الحيضة وتنتهي، لماذا؟ لأنها ليست زوجة، وليس بينها وبين زوجها شيء من أحكام النكاح.
طالب: ويش هو العوض؟ الشيخ: قروش؛ يعني (... ) الجهاز وطلقني، إي نعم.
يقول: (وتعتد من أبانها في مرض موته الأطولَ من عدة وفاة وطلاق، ما لم تكن أَمَةً، أو ذِمِّيةً، أو جاءت البَيْنُونَةُ منها فَلِطَلاَقٍ لا غيرَ).
شوف (تعتد من أبانها في مرض موته) لكن بشروط كما سيأتي، (من أبانها في مرض موته) إذا أبانها في مرض موته فهو مُتَّهم بقصد حرمانها، ثم مات وهي في العدة، هل ترث ولَّا ما ترث؟ ترث؛ لأنه مُتَّهم، وفي العدة تعتد الأطول من عدة وفاة أو طلاق، عدة الوفاة متى تبدأ؟ من وفاته، وعدة الطلاق تكميل، إذن أيهما الأطول؟ طلبة: عدة الوفاة.
الشيخ: عدة الوفاة؟ طالب: يمكن (... ). الشيخ: إي، ما نقدر نقول: الوفاة، يمكن ما تحيض إلا بعد شهرين مرة، أنا سألتني امرأة تقول: إنه (... ) الحيض أربعة أشهر، لكن يجيئها الحيض شهرًا كاملًا، سبحان الله، هذه عجائب! ما تحيض لكن يجيئها الحيض كأنه -والله أعلم- يجتمع في شهر واحد، سبحان الله العظيم! أقول: تعتد الأطول من عدة وفاة وطلاق؛ ولهذا المؤلف قال: (الأطولَ من عِدَّةِ وفاةٍ وطلاقٍ).
نعيد المثال مرة ثانية للإيضاح: رجل طلَّق زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، في أثناء العدة مات، لنفرض أنه مضى حيضتان ومات، ويش نقول؟ تعتد الأطول من عدة الوفاة والطلاق، فإن كانت عدة الوفاة أطول اعتدت بها، وإن كانت عدة الطلاق أطول اعتدت بها.
طالب: الدليل يا شيخ؟

الشيخ: ما فيه دليل، فيه التعليل، التعليل يقولون: لأنها زوجة وليست زوجة؛ فباعتبار أنها ترث زوجة، وباعتبار أنها ليست رجعية -انقطعت العلاقة بينها وبين زوجها- ليست بزوجة، فنأخذ بالأحوط ونقول: تعتد بالأطول؛ لأنها إن كانت زوجة اعتدت عدة وفاة لا غير، وإن كانت غير زوجة أكملت عدة الطلاق لا غير، فإذا كان فيها شائبة من هذه ومن هذه فإننا نقول بماذا؟ تعتد بالأطول؛ لأنه هو الأحوط.
المثال: رجل طلَّق زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، لما حاضت مرتين مات، نقول: الآن نشوف أيهما أطول؟ تقول: واللهِ هي تحيض بالشهر مرة، كم بقي عليها باعتبار الحيض؟ شهر، وباعتبار الموت أربعة أشهر وعشرة، نقول: إذن ابتدئي العدة من جديد أربعة أشهر وعشرة أيام، والتزمي فيها الإحداد، عدة وفاة.
فإن قالت: إنها الآن هو أبانها وهي الآن ترضع، وباقٍ على الحيض سنتان ويجيء، أيهما الأطول؛ عدة الطلاق ولَّا عدة الوفاة؟ طلبة: عدة الطلاق.
الشيخ: انتبهوا له؛ هذا رجل مطلق امرأته وهي ترضع، الحيض عادة ما يأتي المرضع، وهي لازم تنتظر حتى يأتيها الحيض، وتحيض ثلاث مرات، الآن الأطول بلا شك (... ) أو نقول: لا إحداد عليها؛ لأن الإحداد تبع للعدة، والآن العدة هي عدة طلاق وليست عدة وفاة؟ هذه محل نظر، والظاهر أن الإحداد من توابع العدة، فإذا ألزمناها بعدة الطلاق فلا إحداد، وإذا ألزمناها بعدة الوفاة فعليها الإحداد.
كلام المؤلف يقول: (ما لم تكن أَمَةً، أو ذمية) ليش استثنى الأمة والذمية؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا؛ لأن الأمة لا ترث، فلو طلَّقها في مرض موته المخوف يُتَّهم بقصد حرمانها ولَّا لا؟ لا، ليش؟ لأنها غير وارثة.
(أو ذمية) وهو مسلم ما ترث؛ لاختلاف الدين.
(أو جاءت البينونة منها) لا ترث؛ لأنه غير مُتَّهم، ما دامت البينونة منها فهو غير مُتَّهم.
وعلى هذا فنقول: إذا مات في عدة الرجعية فلها ثلاث حالات:

إذا مات في عدة منه فإن كانت رجعية انتقلت إلى عدة الوفاة.
وإن كانت بائنًا لا ترث أكملت عدة الطلاق.
وإن كانت بائنًا ترث اعتدت الأطول من عدة وفاة وطلاق.
(... ) الطلاق؛ لأنه لا علاقة بينه وبينها، بدليل أنه لا يرث منها لو ماتت، وأنها بائنة من الآن؛ لا يجوز أن يخلو بها، ولا أن يسافر بها، ولا أن تكشف له وجهها ولا شيء، وإنما ورَّثناها منه معاملةً له بنقيض قصده، فهنا العلة ليست من قِبَلِ الزوجية، ولكن من قِبَلِ معاملة الإنسان بنقيض قصده، وهذا القول -كما ترى- قوي جدًّا؛ لأنه ما الذي يخرجه عن العموم؟ هذه مطلقة بائن لا علاقة بينها وبين زوجها، ولكننا ورثناها منه معاملةً له بنقيض قصده، ومسألة الإرث غير مسألة العدة، صحيح أن الإرث هنا قد نقول: نجعله في حكم الزوجات، ولكننا نقول: لا، ما هو في حكم الزوجات؛ لأنها لم ترث منه لأنها معتدة منه، ولكن معاملة له بنقيض قصده، ولذلك لو تمت العدة ومات بعد انتهاء العدة ترث ولَّا لا؟ طالب: ما ترث.
الشيخ: ترث منه ما دام متهمًا بقصد حرمانها، فدل ذلك على أنه ليست العلة العدة، ولا علاقة للعدة في باب الميراث، وهذا القول هو الأرجح، عندما تتأمله تجد أنه أرجح من القول الذي مشى عليه المؤلف، وهي أنها تعتد الأطول؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان.
طالب: حتى ولو تزوج؟ (... ) الشيخ: (ما لم تكن أَمَةً) يعني: ما لم تكن الْمُبَانة في مرض الموت المخوف أمة فلا تنتقل؛ يعني: ما تعتد بالأطول، السبب لأنها لا ترث.
يتصور أن تكون أَمَةٌ وهي زوجة رشيد؟ طالب: نعم.
الشيخ: يتصور أَمَة وهي (... ). (جاءت البَيْنُونَةُ منها) (أو ذمية) يعني: من أهل الكتاب فهذه لا ترث منه، فلا تنتقل؛ تبقى على عدتها، وهذا يمكن؟ طالب: يمكن.
الشيخ: يمكن، يمكن يتزوج المسلم نصرانية أو يهودية.

(أو من جاءت البَيْنُونَةُ منها فَلِطَلاَقٍ لا غير) (من جاءت البينونة منها) مثل أن علق طلاقها على فعل لها منه بدٌّ؛ مثل أن يقول: إن خرجت من البيت فأنت طالق، يريد الطلاق، فخرجت في مرض موته المخوف، فهنا ترث ولَّا لا؟ ما ترث، وعلى هذا فلا تنتقل بالعدة، تبقى على عدة الطلاق؛ لأن البينونة جاءت منها.
طالب: ما نقول: إنه في هذه الصورة التي ذكرت أنه أراد أن تكون في العنت؟ الشيخ: أبدًا الإنسان هي زوجته له أن يحبسها عن الخروج؛ ولهذا قلنا: لها منه بدٌّ، أما ما لا بد لها منه؛ مثل أن يقول: إن ذهبت إلى الحمام فأنت طالق، وذهبت في مرض موته المخوف، ما تقدر، هذا شيء لا بد لها منه، فهي في هذه الحال تطلق ولكن ترث، إي نعم، وتعتد الأطول من عدة وفاة أو طلاق.
قال: (وإن طلق بعض نسائه مبهمة أو مُعَيَّنة ثم نَسِيها).
طالب: (أُنْسِيها).
الشيخ: يجوز (أُنْسِيها) و (نَسِيها)، يقول: (ثم نَسِيها، ثم مات قبلَ قُرعةٍ اعتدَّ كلٌّ منهنَّ سوى حاملٍ الأطولَ منهما).
قول المؤلف: (وإن طلَّق) هذا كلام مطلق، ولكن يجب أن يقيد؛ يعني: وإن طلق طلاقًا بائنًا، لماذا؟ لأنه لو طلق طلاقًا رجعيًّا لكان حتى المطلقة تنتقل إلى عدة الوفاة، فلا فرق بين المبهمة أو المعينة، فيتعين أن يُقَيَّد هذا الإطلاق بأن يقال: وإن طلَّق بعض نسائه طلاقًا دائمًا.
(مبهمة) ويش مثال الإبهام؟ مثل أن يقول: إحداكما طالق، مبهم، أيهنَّ؟ ما ندري.
أو قال: هند طالق، وكان اسمهما هندًا، ما يدري، مبهمة.
(أو معينة) بأن قال: هند طالق وله زوجة أخرى اسمها زينب، هذه معينة، لكن نسي، ما يدري الآن؛ التبس عليه الأمر.
يقول المؤلف: (ثم مات قبل قرعةٍ) أفادنا المؤلف أنه في مثل هذه الصورة تُسْتَعمل القرعة، وقد سبق لنا في باب الشك في الطلاق أنها تُسْتَعمل القرعة بينهما، فمن وقعت عليها القرعة فهي طالق، فهنا نستعمل القرعة، لكن هذا الرجل مات قبل أن يُقْرَع بينهما.

يقول: (اعتدَّ كل منهن) أي: من نسائه، (الأطولَ منهما) من أيش؟ من عدة الوفاة وعدة الطلاق، لماذا؟ لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المطلقة، والأخرى غير مطلقة.
طيب، اللي غير مطلقة تعتد عدة وفاة، والمطلقة تعتد عدة طلاق، هنا ما ندري أيتهما؟ هل هي هند ولَّا زينب ولَّا عائشة؟ ما ندري، ما نخرج من التبعة بيقين إلا إذا ألزمنا كل واحدة منهن الأطولَ من عدة وفاة وطلاق.
ما نحتاج إلى قيد آخر؟ يقول: من طلق بعض نسائه وهو في حال صحته، يحتاج ولَّا لا؟ بناء على القاعدة اللي سبقت إذا طلق طلاقًا بائنًا في مرض موته، ويش قلنا؟ إذا مات تعتد الأطول، الآن إذا كان الطلاق بائنًا وهو في مرض موته المخوف، ومات عنهن كلهن، التي لم تطلَّق ويش يلزمها؟ عدة وفاة، والتي طُلِّقت يلزمها الأطول.
فإذن نقول: كل منهن يلزمه الأطول سواء في مرض الموت أو في حال الصحة، لازم أن تعتد الأطول؛ وذلك لأن المبانة في حال المرض تعتد الأطول، واللي ما أبينت ويش تعتد؟ عدة وفاة ولو كانت أقصر.
إذن فلا حاجة أن نقيده فنقول: في حال الصحة، ولكنا نقيده بالقيد السابق؛ وهو أن يكون الطلاق بائنًا.
وقول المؤلف: (سوى حامل) لماذا استثنى الحامل؟ طالب: لأن (... ). الشيخ: إي؛ لأن عدتها بوضع الحمل، سواء كانت مبانة أو للوفاة، فعدتها بوضع الحمل، ما فيه أطول وأقصر، هذا السبب في استثناء الحامل.
وخلاصة المسألة هذه أن من طلَّق واحدةً من نسائه مبهمة أو معينة ثم أُنْسِيها، فلا يخلو من حالين: إما أن يكون الطلاق رجعيًّا أو بائنًا؛ فإن كان رجعيًّا انتقل الجميع إلى عدة الوفاة؛ لأن الرجعية في حكم الزوجة، وإن كان بائنًا اعتد الجميعُ الأطولَ من عدة وفاة وطلاق.
طالب: إلا الحامل.
الشيخ: الحامل؛ لأنه ما فيه أطول، السبب أنه استثنى الحامل..، استثناء الحامل لا وجه له في الواقع، لماذا؟ لأن الحامل.
طالب: (... ).

الشيخ: إي نعم، الحامل ما فيه أطول وأقصر، عدة الطلاق وضع الحمل، وعدة الوفاة وضع الحمل، إي نعم.
(... ) (الأطول منهما.
الثالثة: الحائل).
(الحائل) يعني: اللي غير حامل، إذا كانت الوفاة فما عدتها؟ أربعة أشهر وعشر؛ ولهذا عدة الوفاة هي أسهل شيء، عدة الوفاة للمتوفى عنها حالان: حامل أو حائل؛ الحامل بوضع الحمل، والحائل أربعة أشهر وعشر، لكن المفارقة في الحياة هي اللي فيها تفاصيل.
(الحائل ذات الأقراء المفارَقة في الحياة) ثلاثة شروط: (الحائل) احترازًا من الحامل.
(ذات الأقراء) احترازًا ممن ليست ذات أقراء.
والثالث: (المُفارَقة في الحياة) احترازًا من المفارَقة بالموت، فقد سبق الكلام عليها.
شروط ثلاثة، هذه عدتها يقول: قرءان أو ثلاثة قروء.
يقول المؤلف رحمه الله -ترى أنا تارك الجملة بالعناية- يقول: (المفارَقة في الحياة) فرقة الحياة ما هي؟ طلاق أو فسخ، لكن الفسخ يتنوع، ذكرنا لكم أن ابن القيم ذكر في بدائع الفوائد أن الفرقة عشرون نوعًا.
يقول: (المفارقة في الحياة، فعدتها ثلاثة قروء كاملة، وإلا قرءان)، ما هو الدليل على أن عدتها ثلاثة قروء؟ الدليل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، الآية واضحة صريحة ﴿ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾.
أما كونها (... ) (قَرْءان) فإنه وردت فيها أحاديث مرفوعة (5) مجموعها يقضي بأنها حسنة، وورد فيها آثار عن الصحابة صحيحة (6) على أن عدتها حيضتان؛ فيكون عموم الآية مخصَصًا بهذه الآثار الواردة المرفوعة والموقوفة، فيكون للأَمَةِ قَرءان بفتح القاف؛ لأن قُروء جمع (قَرء) بالفتح، تثنية (قَرء): قَرءان.
لماذا لا نقول: قرء ونصف؛ تنصيص؟ لأن الحيض ما يتبعض؛ فلهذا جبروه وقالوا: إن عدتها حيضتان.
ما هي الأقراء؟

الأقراء اختلف فيها أهل العلم اختلافًا كثيرًا، ولكن القول الصواب في ذلك أنها هي الحِيَض، كما قال المؤلف؛ أن الأقراء هي الحيض، وهذا هو قول عشرة من الصحابة، منهم الخلفاء الأربعة، وإذا جاء الخلفاء الأربعة فهم لا قول لأحد سواهم، إلا إذا كان الكتاب والسنة معه، فالخلفاء الأربعة -أبو بكر وعمر وعثمان وعلي- كلهم يقولون بهذا القول، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، جماعة كثيرون، كلهم يقولون بهذا القول: إنها هي الحيض، وهذا هو ظاهر القرآن والسنة؛ لقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، وقال تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، وابن عمر طلَّق في الحيض، فغضب الرسول عليه الصلاة والسلام وأمر بأن تطلق طاهرًا (7)، وهذا دليل على أن القَرء هو الحيض؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل طلاق ابن عمر طلاقًا لغير العدة، ولو كانت الأقراء هي الأطهار لكان طلاقه طلاقًا للعدة؛ لأنه الآن يستقبل الطهر إذا طلقها في حال الحيض، ولكنه إذا جعلنا الأقراء هي الحِيَض فهو ما يستقبل الأقراء إلا إذا طلق في حال الطهر، ثم إن الرسول عليه الصلاة والسلام ورد عنه في المستحاضة أنها تجلس أيام أقرائها (8)، ومعلوم أنه لا يريد أيام طهرها، وإنما يريد أيام حيضها، والنبي عليه الصلاة والسلام لا شك أن تفسيره هو الحجة؛ لأنه يفسر كلام الله عز وجل، وهو أيضًا إمام أهل اللغة، أفصح العرب من؟ محمد عليه الصلاة والسلام، فهو إن فسر ذلك بمقتضى التفسير الشرعي للقرآن فهو تفسير شرعي، وتفسيره عليه الصلاة والسلام أعلى أنواع تفاسير المخلوقين، وإن فسره بمقتضى اللغة العربية فهو أفصح مَن نطق بالعربية.
وعلى هذا فنقول: الصواب أن الأقراء هي الحِيَض، وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى: ﴿ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ أي: ثلاث حِيَض.

والمؤلف قال: (ثلاثة قروء كاملة)، فعلى هذا لو طلَّق في أثناء الحيضة -وقلنا بوقوع الطلاق- فإن البقية هذه لا تُحْتَسب؛ لأنك لو حسبتها وقلت: بعدها حيضتان صارت الأقراء ناقصة؛ صارت حيضتان ونصفًا، وإن أخذت نصف الرابعة بعَّضت الحيض، والحيضُ لا يتبعض.
وعلى هذا فإذا طلَّق في أثناء الحيضة فإن بقية هذه الحيضة لا يُحسب، بناء على القول بأن طلاق الحائض يقع، وقد سبق لنا أن القول الصحيح أن طلاق الحائض لا يقع، لكن بناء على ذلك يكون لا يُحْسَب هذا، ونستفيد عدم حسبانه من قول المؤلف: (ثلاثة قروء كاملة).
(قروء كاملة) ويش؟ بالنصب ولَّا بالجر؟ طالب: بالجر.
طالب آخر: بالنصب.
طالب آخر: معطوف.
الشيخ: لا، نذهب (... ) (قروءٍ كاملةً) نعت لـ (ثلاثة) ولَّا (كاملةٍ) نعت لـ (قروءٍ)؟ طالب: يصح.
الشيخ: يصح الجميع؟ الطالب: لا، الثاني؛ بالنصب، ثلاثة كاملة.
طالب آخر: نعت لـ (قروء).
الشيخ: الظاهر يصح الوجهان، هذه يصح فيها الوجهان، لكن الأقرب عندي أنها صفة لـ (ثلاثة)؛ يعني: لا بد أن تكون الثلاثة كاملة، فهي أقرب ولكن يجوز الوجهان، لكن لو تقول: أطعم عشرةَ مساكين محتاجين، مثلها الظاهر، نعم مثلها.
في هذه الحال نقول: يجوز لك فيها الوجهان؛ النصب أو الجر.
طالب: (... )؟ الشيخ: ﴿لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، في قُبل عدتهن.
الطالب: لا، الحديث، أقصد الحديث.
الشيخ: إلا الحديث، الحديث تفسير للآية؛ لأن الرسول فسر (... ) قال: «فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ» (7)، فلو كانت الحيض هي الأطهار لكان ابن عمر مستقبلًا للعدة، لكنه لما كانت القروء هي الحيض صار إذا طلق في أثناء الحيضة ما استقبل العدة، إي نعم.
ثم قال المؤلف: (الرَّابِعَةُ: مَنْ فَارَقَها حَيًّا وَلَمْ تَحِضْ لِصِغَرٍ أَوْ إِيَاسٍ).. طالب: تركت يا شيخ.
الشيخ: ويش هي؟ الطالب: (... ). الشيخ: هي الحِيَض.
الطالب: (حرة أو مبعضة).

الشيخ: لا، هذه ما هي عندي، (فعِدَّتُها إن كانت) (... ) ما تركتها عمدًا؛ أنا تركت عمدًا الحيض؛ لأني متكلم عنها وحدها.
(حرة أو مبعضة ثلاثة أقراء) حرة أو مبعضة تكون ثلاثة أقراء.
ويش معنى (مبعضة)؟ يعني: بعضها حرٌّ وبعضها رقيقٌ، هذا معنى مُبَعَّضة، ويمكن أن يكون ذلك؟ يمكن أن يكون ذلك؛ مثل: لو أعتقها أحدُ الشركاء وهو معسرٌ، هي امرأة مشتركة أعتقها أحد الشركاء وهو معسر، فإنه لا يعتق منها إلا ما أعتقه هو، والباقي يكون رقيقًا.
لو تزوجت هذه الأمة، ومعلوم شوفوا الأمة المشتركة ما يجوز لأسيادها أن يطؤوها، لكن يجوز أن يزوجوها.
ليش ما يصح أن يطؤوها؟ لأن كل واحد ما يملكها، إنما يملك بعضها، إذن ما فيه طريق أن تنال حظها من الاستمتاع إلا بالزواج، فإذا زوجوها وطلقها زوجها فهي الآن مبعضة.
كيف تعتد؟ نقول: عدتها كالحرة، والتعليل لأن الحيض لا يتبعض.


يقول المؤلف: (والرابعة: من فارقها حيًّا ولم تحض لصغر أو إياس) يعني: من فارقها مَنْ؟ زوجها، (حيًّا) يعني: بخلاف من فارقها ميتًا، وقد سبق.
(ولم تحض لصغر أو إياس)، (لم تحض لصغر) هذا صحيح التعبير؛ لأن (لم) حرف نفي وجزم وقلب، لكن (لم تحض لإياس)، الأَولى أن يقال: لا تحيض؛ لأنها قد حاضت ووقفت، لكن المؤلف كأنه من باب التغليب عبَّر بهذه العبارة.
(لم تحض لصغر أو إياس) اللام في قوله: (لصغرٍ) للتعليل؛ يعني: لم تحض لأنها صغيرة، أو لا تحيض لأنها كبيرة آيسة.
طيب، الصغيرة على المذهب لا حيض قبل تمام تسع سنين، فلو حاضت ولها ثمان سنين ونصف فهذا ليس بحيض، حتى لو هي تحيض حيضًا مطردًا كل شهر وبمدة معينة محدودة، لكن ما تم لها تسع سنين، فهو على المذهب ليس بحيض؛ لأنه لا حيض قبل تسع سنين.
فلو أن رجلًا تزوج امرأة لها ثمان سنوات وفارقها وهي تحيض هذا الحيض، لكن ما تمت التسع؟ طالب: تعتد ثلاثة أشهر.
الشيخ: تعتد ثلاثة أشهر؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي.
طالب: (... ) تحيض.

الشيخ: تحيض، إي يمكن، إحنا فرضناها تحيض، لكن على المذهب يقولون: لا تحيض، فهذا الحيض ليس معتبرًا، كم تعتد؟ طلبة: ثلاثة أشهر.
الشيخ: متفقون على هذا؟ طلبة: على المذهب.
الشيخ: على المذهب إي، نبغي على قواعد المذهب.
طالب: العدة (... ). الشيخ: حياة، طلاق.
(... ) في الأول أنا قلت لكم: الباب الأول اللي فيه شروط العدة هذا أساس، لا تجب عدة من مفارقة حياة إلا إذا كان الزوج يطأ مثلُه، والزوجة يُوطأ مثلها، وقلنا: إن الزوج الذي يطأ مثلُه كم؟ طالب: عشر سنوات.
الشيخ: والمرأة تسع، فهذا الرجل اللي فارقها وهي ثمان سنوات وتحيض، عليها عدة؟ ما عليها عدة على المذهب.
طالب: وإن حملت (... )؟ الشيخ: المهم دعونا، نبغي على المذهب، على المذهب ما لها عدة، لكن على القول الراجح أن هذه المسألة منوطة بالوجود، وهو الصحيح، يمكن إذا وُجِد الحيض المطرد ولها ثمان سنوات وطُلقت فإنها تعتد بثلاثة قروء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. وقوله: (أو إياس) (إياس) مصدر: أَيِسَ يَيْأَسُ إِياسًا، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، فقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ بماذا يكون اليأس؛ أبالزمن أم بالحال؟ المذهب أنه بالزمن، فلا حيض بعد خمسين سنة، فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فقد أيستْ، ولو كان الحيض يأتيها، ولو كان مطردًا؛ لأنه لا حيض بعد خمسين سنة.

فهذه امرأة طلقها زوجها ولها خمسون سنة، وهي تحيض حيضًا مطردًا؛ تحيض كل شهرين مرة منذ بلغت إلى اليوم، كم عدتها على المذهب؟ ثلاثة أشهر، ما هي ثلاثة قروء؛ لأن اليأس عندهم مقيد بزمن؛ وهو تمام خمسين سنة، فإذا طُلِّقَت المرأة ولها خمسون سنة فإنها آيسة تعتد بثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4].
والقول الثاني أن اليأس منوط بالحال لا بالزمن، وأن ذلك يختلف باختلاف النساء، فمن النساء من تبقى إلى ستين سنة وإلى سبعين سنة وهي تحيض حيضًا مطردًا، فهل هذه آيسة؟ ما هي آيسة، وهذا هو الصواب؛ لأن اليأس في اللغة العربية ضد الرجاء، فمتى صارت المرأة في حال لا ترجو وجود الحيض؛ إما لكبر في السن، أو ضعف في البنية، أو لأي سبب من الأسباب، فإنها تكون آيسة ولا نقيدها بالسن؛ لأن الله تعالى ما قيدها بالسن.
شوف الفرق بين العلماء؛ يعني الآن النكاح الفاسد يصير صوره كثيرة بناء على هذا، أو لا؟ يعني -مثلًا- امرأة لها خمسون سنة وتحيض في الشهرين مرة، على المذهب إذا تم لها ثلاثة شهور لو ما حاضت إلا مرة يعقد عليها ولَّا لا؟ يعقد عليها، وعلى القول الصحيح الراجح لا يعقد عليها حتى يتم لها ثلاث حيض.
إذن من لا تحيض لصغرٍ أو إياس عدتها ثلاثة أشهر.
(وأمةٌ شهرانِ، ومبعَّضَةٌ بالحسابِ).
طالب: (شهرين).
الشيخ: (شهران) عندي.
الطالب: (وأمة شهرين).
الشيخ: لا، عندي (شهران) يصح.
طالب: معمول (تَعْتَد).
الشيخ: أنا عندي.. الطالب: (تعتد).
الشيخ: (... ) وعدة أمة شهران، وهذا دليل على أن الماتن (... ) شهران، ويجوز، المسألة بسيطة، وإن شئتم فكونوا ممن يلزم المثنى الألف مطلقًا وتستريحون.

الآن (الأمة شهران) كيف شهران؟ يقولون: لأن الله جعل للحرة ثلاثة قروء، وجعل لمن لا تحيض ثلاثة أشهر، ومعنى هذا أن لكل حيضة شهرًا، وهذا هو الغالب، وللأمة حيضتان، يكون لها عند اليأس أو الصِّغَر شهران.
لكن قال: (مبعَّضةٌ بالحساب)، مع أنه في باب الحيض؛ التي تعتد بالحيض المبعضة كالحرة ثلاثة قروء، وهذا فيه شيء من التناقض؛ لأنك إذا قلت: الأمة شهران؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، فقل: المبعضة ثلاثة أشهر؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، وقد حكمنا بأن المبعضة تعتد بثلاث حيض، والله أعلم.
يقول المؤلف: (وأمة شهران ومبعضة بالحساب ويُجْبَر الكسر).
المبعضة بالحساب، ونحن عرفنا الآن أن الأمة عدتها شهران، فنزيد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، هذا معنى قوله: (ومبعضة الحساب) أنه يزاد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، فإذا قدَّرنا أن نصفها حر صارت عدتها؟ طالب: ثلاثة أشهر.. الشيخ: لا، شهرين ونصفًا؛ لأن المؤلف يقول: (مبعضة بالحساب).
يقول: (يُجْبَر الكسر) إذا قدرنا أن ربعها حرٌّ؟ طالب: سبعة أيام ونصف.
الشيخ: سبعة أيام ونصف، لكن يقول: (يُجْبَر الكسر) فتكون ثمانية أيام، هذا معنى قوله: (ومبعضة بالحساب ويُجْبَر الكسر)، وكيف الحساب؟ عرفتم القاعدة فيه، ما هي؟ أن نزيد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، لماذا قلنا: من الشهر الثالث؟ لأنه عندنا شهرين عدة الأمة، فيكون ما زاد على الشهرين فإنه يُنْظَر لمقدار نسبة ما في هذه المبعضة من الحرية، وتأخذ من هذا الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، إلا أنه إذا كان ربعها؛ وهو سبعة أيام ونصف، نجبر الكسر ونقول: ثمانية أيام.
هذه المسألة تؤيد قول من يقول: إن عدة الأمة بالأشهر شهرٌ ونصفٌ؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إن عدة الأمة بالأشهر إذا كانت لا تحيض لصغرٍ أو إياس ما هو شهران، يقول: عدتها شهر ونصف.

ووجه ذلك أن الحيض لا يتبعض، وأما الأيام فتتبعض؛ ولذلك قلتم في المبعضة: إن عدتها من الشهر الثالث بالحساب بقدر ما فيها من الحرية، وهذا القول وجيه جدًّا.
لكن الأحوط -بلا شك- ما مشى عليه المؤلف؛ أن عدة الأمة شهران.
ولهذا قال بعض أهل العلم: إن عدة المبعضة ثلاثة أشهر، وتعليله لأن الأشهر بدل عن القروء، والمبعضة قلنا: إن عدتها ثلاثة قروء، فإذا كانت الأشهر بدلًا لزم أن تكون الأشهر كم؟ ثلاثة أشهر.
(الخامسة: من ارتفع حيضها) هي من ذوات الحيض، ولكنه ارتفع حيضها، وهذه تنقسم إلى قسمين، وربما يتبين لنا من أثناء البحث أنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أولًا: من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه.
والثاني: من ارتفع حيضها وعلمت سببه.
أما من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه، يقول: (فعدتها سنة؛ تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة) يعني: امرأة من ذوات الحيض، عمرها ثلاثون سنة، ما بلغت سن الإياس، ارتفع حيضها، فطلقها زوجها وهي في هذه الحال، كم تعتد؟ سنة؛ لأن ذلك هو الذي روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقضى به بين الصحابة ولم يُنْكَر عليه (9)، فعلى هذا يكون الاعتماد على قضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
هذا من حيث الاستدلال بالأثر.
أما بالنظر: فتسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، تسعة أشهر للحمل؛ لأن ذلك غالب الحمل، وثلاثة أشهر للعدة؛ لأن عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فتعتد اثني عشر شهرًا من فراق زوجها لها.

ولاحظوا أن الحكم الآن فيمن فورقت في الحياة، أما المفارقة في الوفاة فقد علمنا فيما سبق أنها ما لها إلا حالان فقط: حامل فعدتها بوضع الحمل، غير حامل فعدتها أربعة أشهر وعشر؛ يعني هي أسهل شيء، لكن كلامنا الآن فيمن فورقت في الحياة وارتفع حيضها ولم تدر ما رفعه، فتعتد كم؟ سنة كاملة، لماذا؟ أو ما هو الدليل؟ نقول: الدليل ما ثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ حيث قضى بذلك في محضر الصحابة ولم يُنْكَر.
وأما التعليل فتسعة أشهر -كما قال المؤلف للحمل- وثلاثة للعدة.
لماذا قلنا: تسعة أشهر للحمل مع أن الحمل يمكن يتبين في شهرين أو ثلاثة؟ نقول: بناء على الغالب؛ أن غالبه تسعة أشهر.
قال المؤلف: (وتنقص الأمة شهرًا) لأن عدتها بالأشهر شهران، فيكون لها تسعة أشهر للحمل، وشهران للعدة.
لماذا لا نقول: إنها في الحمل نصف الحرة؟ لأن الحمل أمر طبيعي لا يختلف فيه النساء؛ الأحرار والإماء، كلهن غالب الحمل عندهن تسعة أشهر.
(وتنقص الأمة شهرًا) طيب، المبعضة؟ طالب: (... ). الشيخ: (... ) عشر شهرًا بقدر ما فيها من الحرية، ويُجْبَر الكسر على حسب ما مضى.
طيب، لنفرض أن المرأة فعلت ذلك واعتدت بسنة، ثم بعد تمام السنة جاءها الحيض، هل تعود إلى الحيض؟ الجواب: لا؛ لأنها انتهت العدة، أما لو عاد الحيض قبل تمام السنة فإنها تنتقل إليه ابتداء من جديد، فتعتد بثلاث حيض.
صارت هذه المرأة التي ارتفع حيضها تعتد بسنة، كما قال المؤلف، ثم إن عاد الحيض قبل تمام السنة اعتدت به، وإن تمت السنة لم تلتفت إليه ولو عاد إليها، لماذا؟ لأن العدة انتهت وبانت من زوجها.
طالب: (... ) ما يكفي أن نقول: (... )؟ الشيخ: لا، ما تكفي؛ لأنها ما يحكم بأنها غير ذات حيض إلا إذا انتهت التسع.

قال: (وعدة من بلغت ولم تحض ثلاثة أشهر) عدة من بلغت ولم تحض ثلاثة أشهر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] فهو عام، حتى لو فُرِضَ أن هذه امرأة لها ثلاثون سنة، ولا جاءها الحيض، تعتد بثلاثة أشهر؛ لعموم: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
طيب، وإن قُدِّر أن لها ثماني سنوات وفارقها زوجها؟ طالب: لا عدة عليها.
الشيخ: إي، لا عدة عليها؛ لأنها ليست ممن يُوطأ مثلها.
الثانية: (والمستحاضة الناسية) المستحاضة الناسية أيضًا عدتها ثلاثة أشهر.
من هي المستحاضة؟ المستحاضة هي التي أطبق عليها الدم، أو كان لا ينقطع عنها إلا يسيرًا، هذه المستحاضة.
ولهذا لم يُقَل: حاضت، بل قيل: استحاضت؛ لأن السين والتاء للمبالغة والزيادة، فهذا الحيض الذي هو سيلان الدم زاد عليها؛ ولهذا سميناها استحاضة؛ لكثرة الدم وطول مدته.
والاستحاضة مرض من الأمراض، لكنه يعتاد النساءَ كثيرًا، وهو كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «عِرْقٌ» (10)، «وَرَكْضَةُ شَيْطَانٍ» (11)، «عِرْقٌ» قال العلماء: إنه عرق ينبثق من أدنى الرحم، ما هو من أقصاه، الحيض من قاع الرحم وهذا من أدنى الرحم، وركضة من الشيطان؛ لأجل أن يفسد على المرأة عبادتها ويوقعها في شك وحيرة، وهذا أمر ما نعلمه إلا من طريق الوحي.
هذه الاستحاضةُ تأتي المرأةَ فلا تخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن تكون معتادةً، فتجلس عادتَها ثم تغتسل وتصلِّي وتفعل كما يفعل الطاهرات.
الثانية: ألَّا يكون لها عادةٌ أو تنسى عادتَها، فترجع إلى التمييز.
كيف التمييز؟

يُنْظَر إلى الدم، دم الحيض له علاماتٌ ثلاثٌ ذَكَرها العلماءُ، وذَكَر بعضُ الأطباء علامةً رابعةً؛ العلامات الثلاث هي: السوادُ، والثَّخانةُ أو الثُّخُونةُ، والثالثة: الإنتانُ؛ الرائحة الكريهة.
دم الحيض أسود منتِن ثخين، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، فالتمييز بيِّنٌ، فإذا كانت عادتها غير مطردة، نسيتها مثلًا، أو جاءها الاستحاضة من ابتداء الأمر، فإنها تعمل بماذا؟ طالب: بالعادة.
الشيخ: بالتمييز، بالعادة! هي ما عندها عادة، كيف العادة؟ ! بالتمييز.
وقال بعض العلماء: تقدم التمييز على العادة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب الشافعي؛ أن التمييز مقدم على العادة، لو هي تعلم العادة وعندها تمييز تأخذ بالتمييز، وقال: إنه ليس من المستبعد أنه لما جاءها الحيض تغيرت العادة، والتمييز إن طابق العادة فأمره ظاهر، صح؟ طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟ طالب: الأحاديث.
الشيخ: تجتمع العادة والتمييز ما فيه إشكال، لكن إن خالف العادة؛ بأن كانت عادتها من أول الشهر، لكن ما رأت التمييز إلا في نصف الشهر، حينئذٍ يتعارضان، فهل نقدم التمييز أو نقدم العادة؟ فيه خلاف؛ فمن العلماء من قال: نقدم العادة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر الحديث؛ أن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرها أن تجلس قدر ما كانت حيضتها تحبسها، ولأنه أضبط وأسلم للمرأة من الاضطراب؛ لأن التمييز يمكن يجيء في الشهر هذا في أوله، وفي الشهر الثاني في وسطه، وفي الشهر الثالث في آخره، وربما يتغير عليها، فإذا قلنا: ارتبطي بالعادة صار ذلك أيسر لها وأسهل.
وهذا ترجيحه واضح.
وترجيح من يقول: بأنه يُرجع إلى التمييز أيضًا قوي؛ وجهه قوي؛ لأنه يقول: ما دام عندنا تمييز، هذا دم ثخين أسود منتن وذاك دم أحمر رقيق لا رائحة له، كيف نقول: هذا استحاضة، والأول..

والمستحاضَةِ الناسيةِ والْمُسْتَحَاضَةِ الْمُبْتَدَأَةِ ثلاثةُ أَشْهُرٍ، والأَمَةِ شَهرانِ، وإن عَلِمَتْ ما رَفَعَه من مَرَضٍ أو رَضاعٍ أو غيرِهما فلا تَزالُ في عِدَّةٍ حتى يَعودَ الْحَيْضُ فتَعْتَدَّ به أو تَبْلُغَ سنَّ الإياسِ فتَعْتَدَّ عِدَّتَه.
السادسةُ (امرأةُ المفقودِ) تَتَرَبَّصُ ما تَقَدَّمَ في مِيراثِه, ثم تَعْتَدُّ للوَفاةِ، وأَمَةٌ كحُرَّةٍ في التَّرَبُّصِ، وفي العِدَّةِ نِصفُ عِدَّةِ الْحُرَّةِ، ولا تَفتقِرُ إلى حُكْمِ حاكمٍ بضَرْبِ الْمُدَّةِ وعِدَّةِ الوَفاةِ، وإن تَزَوَّجَتْ فقَدِمَ الأوَّلُ قبلَ وَطْءِ الثاني فهي للأَوَّلِ، وبعدَه له أَخْذُها زَوجةً بالعَقْدِ الأَوَّلِ, ولو لم يُطَلِّق الثاني، ولا يَطَأُ قَبلَ فراغِ عِدَّةِ الثاني، وله تَرْكُها معَه من غيرِ تَجديدِ عَقْدٍ، ويَأْخُذُ قَدْرَ الصَّدَاقِ الذي أَعطاها من الثاني, ويَرْجِعُ الثاني عليها بما أَخَذَه منه.
(فصلٌ) ومَن ماتَ زَوْجُها الغائِبُ أو طَلَّقَها اعْتَدَّتْ منذ الفُرْقَةِ وإن لم تُحِدَّ، وعِدَّةُ موطوءةٍ بشُبهَةٍ أو زِنًا أو بعَقْدٍ فاسدٍ كمُطَلَّقَةٍ، وإن وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بشُبهةٍ أو نِكاحٍ فاسدٍ فُرِّقَ بينَهما وأَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوَّلِ - ولا يُحْتَسَبُ منها مَقامُها عندَ الثاني - ثم اعْتَدَّت للثاني، وتَحِلُّ له بعَقْدٍ بعدَ انقضاءِ العِدَّتَيْنِ، وإن تَزَوَّجَتْ في عِدَّتِها لم تَنْقَطِعْ حتى يَدْخُلَ بها، فإذا فارَقَها بَنَتْ على عِدَّتِها من الأَوَّلِ, ثم اسْتَأْنَفَت العِدَّةَ من الثاني، وإن أَتَتْ بوَلَدٍ من أَحَدِهما انقَضَتْ منه عِدَّتُها به ثم اعْتَدَّتْ للآخَرِ، ومَن وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البائِنَ بشُبْهَةٍ اسْتَأْنَفَت العِدَّةَ بوَطْأَةٍ, ودَخَلَت فيها بَقِيَّةُ الأولَى, وإن نَكَحَ مَن أبانَها في عِدَّتِها ثم طَلَّقَها قبلَ الدخولِ بَنَتْ.

أما الحال الثالثة في المستحاضة: إذا كان ما لها عادة ولا تمييز؛ يعني ابتدأ بها الدم من الأول، واستمر معها على وتيرة واحدة، هذه لا عادة لها ولا تمييز، أو يكون لها عادة لكن نسيتها، ولكن ما عندها تمييز، هذه ترجع إلى عادة النساء: ستة أيام أو سبعة، من أول وقتٍ أتاها الحيض فيه، فإذا قُدِّر أنه أول ما شافت الاستحاضة هذه أو الدم على الأصح رأته في خمسة عشر من الشهر، نقول: كلما جاء خمسة عشر من الشهر تجلس ستة أيام أو سبعة كلما جاء، فإن قالت: نسيت، قالت: والله نسيت متى أتاها الدم من أول مرة؟ نقول: ترجع إلى أول شهر هلالي، تأخذ بأول شهر هلالي، كلما دخل الشهر جلست ستة أيام أو سبعة، والباقي تُصلِّي.
ذكرنا هذا استطرادًا، وإلا فالمقام ما هو مقام البحث في الاستحاضة والحيض، لكن استطرادًا لتعرفوا من هي المستحاضة؛ هي التي أطبق عليها الدم فلا ينقطع عنها إلا يسيرًا، أو لا ينقطع أبدًا.
كم حالة لها؟ ثلاث حالات: معتادة، مميِّزة، مُتحيِّرة.
طالب: (... ). الشيخ: يسمونها متحيرة، ولا ينبغي أن نسيمها متحيرة، من لا عادة لها ولا تمييز.
المعتادة تجلس عادتها، وذات التمييز تجلس تمييزًا، فإن اتفقت العادة والتمييز فذاك، وإن اختلفت العادة والتمييز فأيهما تُقدِّم؟ فيه خلاف، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنها تُقدِّم العادة، فإن لم يكن لها عادة ولا تمييز رجعت إلى غالب النساء: ستة أيام أو سبعة، لكن متى تبتدئ في الجلوس؟ طالب: من أول وقت.
الشيخ: من أول وقت أتاها الحيض، فإن نسيته، فمِن أول كل شهر هلالي.
طالب: ما ذكرنا الفرق الرابع؟

الشيخ: إي نعم، الفرق الرابع ذكره بعض الأطباء المعاصرين، قال: الفرْق الرابع أن دم الحيض ما يتجمد، ودم الاستحاضة يتجمد، وعلل ذلك بأن دم الحيض كان في الرحم متجمدًا، ثم ينطلق فلا يعود إليه التجمد مرة أخرى، بخلاف دم الاستحاضة فإنه دم يخرج من العرق فهو كسائر الدماء، والدم الذي يخرج من العروق -كما تعرفون- يتجمد ولَّا لا؟ طالب: من غير (... ). طالب آخر: يتجمد.
الشيخ: لا، يتجمد.
طالب: في العروق نعم.
الشيخ: يتجمد، إذا خرج تجمد.
طيب، هذا حكم المستحاضة، نشوف كلام المؤلف الآن، قال: (المستحاضة الناسية تعتد بثلاثة أشهر) ظاهر كلام المؤلف: ولو كان لها تمييز؛ لأنه أطلق: (المستحاضة الناسية)، ولكن هذا الظاهر غير مراد؛ فإن المستحاضة الناسية إذا كان لها تمييز تجلس ثلاثة قروء؛ لأن لها الآن حيضًا صحيحًا، ما دام عندها تمييز فإنها تجلس ثلاثة قروء بحسب تمييزها.
فلنفرض أن هذه المستحاضة كان يأتيها الدم المتميز كل شهرين مرة، كم تكون عدتها؟ ستة شهور، فقول المؤلف رحمه الله: (المستحاضة الناسية) وكذلك: (المبتدأة) اللي بعدها، ينبغي أن نقول: ما لم يكن لهما تمييز، فإن كان لهما تمييز فعدتهما ثلاثة قروء كغيرهما؛ لأن التمييز يعتبر حيضًا صحيحًا.
(المستحاضة الناسية والمستحاضة المبتدأة) أيشلون المستحاضة المبتدأة؟ هي التي رأت الدم المطبق من أول ما جاءها الحيض، من أول ما جاءها الدم استمر بها؛ هذه يسميها العلماء المستحاضة المبتدأة؛ لأنه ما لها عادة سابقة، فهي مبتدأة من أول ما جاءها الحيض صارت مستحاضة.
يقول: (المستحاضة المبتدأة ثلاثة أشهر، والأمة شهران) لماذا قلنا: (ثلاثة أشهر) وهي مستحاضة؟ نقول: لأن غالب النساء يحضن في كل شهر مرة، وهذه مستحاضة، وليس لها حيض صحيح، فنرجع إلى غالب النساء، وغالب النساء أن يحضن كل شهر مرة.

(الأمة شهران) بناءً على ما سبق من أن عدتها حيضتان، ولكل حيضة شهر، فتكون عدتها عند عدم الحيض شهرين.
انتهى الكلام على المرأة التي ارتفع حيضها، ولم تدرِ سبب الرفع.


قال: (وإن علمت ما رفعه من مرض، أو رضاع، أو غيرهما فلا تزال في عدة حتى يعودَ الحيض فتعتدَّ به، أو تبلغَ سن الإياس فتعتد عدته).
(إن علمت ما رفعه)، هي امرأة تحيض، ومن ذوات الحيض، فارتفع حيضها بسبب الرضاع، والغالب أن المرضِع لا تحيض، ارتفع حيضها بسبب الرضاع، ثم طلقها زوجها، كم عدتها؟ ثلاثة قروء، لكن الحيضة الآن غير موجودة، نقول: انتظري حتى يزول السبب الذي من أجله ارتفع الحيض، وهو الرضاع.
بقيت حتى فطمت الصبي، فطمت الصبي، لكن ما رجع الحيض، ماذا نعمل؟ نقول: ثلاثة أشهر؟ لا، تبقى تنتظر حتى يعود الحيض أو تبلغ سن الإياس؛ سن الإياس على المذهب خمسون سنة، إذا بلغت خمسين سنة اعتدت عدة آيسة، كم؟ ثلاثة أشهر، فإذا طُلقت وهي ذات اثنتي عشرة سنة، لها اثنتا عشرة سنة، طلقها زوجها وهي تُرضع، وفطمت الصبي ولها أربع عشرة سنة، ما جاءها الدم، انتظرت خمس عشرة سنة، ست عشرة، سبعة عشرة، إلى متى؟ (... ) إلى خمسين، إذا عجزت وصارت ما تبغى، قلنا: الآن اعتدي لأجل أن تتزوجي! فتبقى تمام خمسين سنة حتى يأتيها الحيض، وإن لم يأتها الحيض، فإذا تم لها خمسون سنة قلنا: اعتدي بثلاثة أشهر، وكل ها المدة وزوجها يُنفق عليها؛ لأنها رجعية، ولا يتزوج إذا كانت هي الرابعة ما يتزوج غيرها، يبقى محبوسًا وهي محبوسة إلى أن يتم لها خمسون سنة، ثم تعتد ثلاثة أشهر، هذا هو المشهور من المذهب، وهذا قاله علماء أجلاء، ما هو قول يعني هالك، قالوا: لأنا الآن علمنا ما رفعه فتنتظر! !

ولكن الحقيقة أن هذا القول لا تأتي بمثله الشريعة؛ لما فيه من الضرر العظيم، فيه ضرر عظيم جدًّا، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تعتد بعد زوال السبب المانع، تعتد سنة؛ لأنها الآن لما زال المانع صارت مثل التي ارتفع حيضها، ولم تدرِ سببه، والتي ارتفع حيضها، ولم تدرِ سببه كم تعتد؟ سنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، فقالوا: تعتد ثلاث.. طالب: (... ). الشيخ: ما ينفع، المهم بعد زوال السبب المانع تعتد بسنة؛ هذا القول أقرب للصواب ولَّا لا؟ لأن علته معقولة؛ ولأنه أبعد عن الحرج والمشقة التي لا تأتي بمثله الشريعة، ولكن بقي أن يقال: إن التي علمت ما رفعه ينبغي أن نقسمها إلى قسمين: القسم الأول: أن تعلم أنه لن يعود الحيض.
القسم الثاني: أن تكون راجية لعود الحيض، فإن كانت لا تعلم عوده، تعلم أنه ما هو بعائد، فهذه ما تعتد سنة، تعتد ثلاثة أشهر؛ لأنها آيسة الآن، مثل لو علمت أنَّ ارتفاع الحيض لعملية استئصال الرحم مثلًا، هذه ما أحد يقول أنها تنتظر إلى خمسين سنة! وحتى لو قيل به؛ فهو قول باطل.
فهذه المرأة التي علمت أن الحيض لن يعود نقول: تعتد بثلاثة أشهر؛ لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4]، وهذه قد أيست أيسًا قطعيًّا فتعتد بكم؟ بثلاثة أشهر.
وإن كانت ترجو.. والقسم الثاني: من ارتفع حيضها، ولكنها لا تعلم أنه لن يعود، ففيه احتمال العَوْد، فهذه تنتظر حتى يزول السبب المانع، ثم تعتد بسنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة.

وقيل: تعتد إذا زال المانع بثلاثة أشهر؛ لأن الصحابة إنما حكموا بالسنة لمن لا تعلم سببه، وهنا علمت السبب، فإذا زال السبب ولم يعُد فإنها تعتد بثلاثة أشهر، لكن الأحوط أن تعتد بسنة؛ لأنه إذا زال السبب ولم يرجع فإننا نحكم بعدم رجوعه منين؟ من أول ولَّا من زوال السبب؟ من زوال السبب، فإذا حكمنا بعدم رجوعه من زوال السبب، كان حُكمنا بعدم رجوعه حينئذٍ لغير سبب، وإذا كان ارتفاعه لغير سبب كانت المدة سنة كما سبق.
(... )


(السادسة: امرأة المفقود) يعني زوجة المفقود، والمفقود: هو الذي انقطع خبره فلم يُعلم له حياة ولا موت؛ هذا المفقود انقطع خبره فلم يُعلم له حياة ولا موت، مثل رجل سافر، ثم انقطعت أخباره، ما يعلم، هو وصل البلد الذي قصد، ولَّا رجع إلى بلده، ولَّا ذهب إلى بلد آخر، ولَّا مات، ولَّا أُسِر؟ ما يدري، إنما تعريفه: هو الذي انقطع خبرُه فلم يُعلم له حياة ولا موت؛ هذا المفقود.
يقول المؤلف: (تتربص) يعني تنتظر، (ما تقدم في ميراثه)، والذي تقدم في ميراثه على المذهب إن كان ظاهر غيبته الهلاك انتُظِر به أربع سنين منذ فُقِد، وإن كان ظاهر غيبته السلامة، انتُظر به تمام تسعين سنة منذ وُلد، فإذا فُقد وله تسع وثمانون سنة، وظاهر غيبته السلامة كم يُنتظر؟ سنة واحدة، وإن كان ظاهر غيبته الهلاك؟ أربع سنين، وكان مقتضى الأمر العكس، لكن هكذا ذكروا، واستندوا فيما ذكروا إلى آثار وردت عن الصحابة في ذلك.
والآثار الواردة عن الصحابة في ذلك قضايا أعيان، وقضايا الأعيان لا تقتضي العموم؛ هذه من قواعد أصول الفقه، انتبهوا لها.

قضايا الأعيان ما تقتضي العموم؛ يعني مثلًا لو جاء واحد وسألنا، قال: إن ابني فقد، فقلنا: انتظر خمس سنين، عشر سنين، أربع سنين، هل هذه القضية تكون عامة لكل عين؟ لا، في هذه العين نفسها فقط؛ لأنه من الجائز أن يكون المفتي نَظر إلى هذا الشخص بعينه، فرأى أنه إذا مضت خمس سنين أو عشر أو أكثر تبين أمره، وربما يكون آخَر يتبين أمره بأقل من ذلك، وربما يكون آخر يتبين أمره بما فوق ذلك، حسب حالة الرجل، فلو أن وزيرًا فُقِد مثلًا، أو أن عاملًا من العمال الذي يندس في عامة الناس ولا يُعلم عنه، بينهما فرق ولَّا لا؟ طلبة: إي نعم.
الشيخ: بينهما فرق كبير، هذاك يُعرف، إذا وصل البلد عُرف، أما هذا ما يُعرف، يمكن يمضي سنة أو سنتان ما يُدرى، هل هو في البلد أو في غيره؟ ولهذا الصحيح أننا لا نُقدِّر ذلك بما ذكر الفقهاء، وأن الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد القاضي في كل قضية بعينها، ربما تكون أربع سنين كثيرة يغلب على الظن أنه مات بأقل من ذلك، وربما تكون قليلة بحسب الحال، فالصواب أنه يُرجع في ذلك إلى اجتهاد القاضي.
رجل جاءه الوادي، وادٍ يمشي من المطر، فاجترفه وحمله، ويش ظاهر فقده؟ طلبة: الهلاك.
الشيخ: الهلاك.
كم ننتظر؟ الطلبة: أربع سنوات.
الشيخ: أربع سنين في وقتنا هذا ما ننتظر أربع سنين، أيام، طائرة هليكوبتر تمشي على ممر الوادي هذا، وتعرف تكشف الأمر، فمثل هذه الأشياء الصواب أنه يُرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، وهو يختلف باختلاف الأحوال، والأزمان، والأمكنة، والأسباب التي بها فُقِد، فلا نُقيدها بأربع سنوات ولا بتسعين سنة.
إذن (تتربص ما تقدم في ميراثه)، ما هي مُدة التربص على المذهب؟ طالب: (... ). الشيخ: أنت سمعت الآن (... ) طيب، فُقد وله ثمانون، ظاهر السلامة؟ طلبة: عشر سنين.
الشيخ: ظاهره الهلاك؟ الطلبة: أربع سنوات.

الشيخ: أربع سنوات، والمثال الأول اللي ذكرنا له تسع وثمانون، إن كان ظاهره غيبة الهلاك أربع سنوات، السلامة سنة واحدة، والصواب.. طالب: إن كان له تسعون؟ الشيخ: فهو يجتهد الحاكم، ذكروا إذا فقد ابن تسعين ما فيه إلا الاجتهاد، والصواب أن الاجتهاد في كل شيء، أنه يجتهد الحاكم في كل مفقود.
بعد التربص يقول: (تربص ما تقدَّمَ في ميراثِه، ثم تعتَدُّ للوفاةِ) كم؟ أربعة أشهر وعشرة أيام.
قال: (وأمة كحُرَّة في التربص، وفي العدة نصف عِدَّة الحرة)، لماذا كانت كالحرة في التربص؟ لأن التربص معنًى يعود إلى الزوج لا إليها، أو لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنا نبحث عنه، لكن العِدَّة تعود إليها، وعلى هذا فنقول: تعتد الأمة إذا كانت زوجة الإنسان أمة، والإنسان يمكن تكون زوجته أمة؟ الطلبة: إي نعم.
الشيخ: إذا كان هو رقيقًا، أو كان حُرًّا بالشروط السابقة في مُحرَّمات النكاح، فإذا كانت أمة فإنها في التربص كالحرة، وفي العدة نصف عدة الحرة، كم تكون عدتها؟ طالب: الأمة؟ الشيخ: نعم.
(... ) وقول المؤلف: (تتربص)، ظاهر كلامه أن ذلك على سبيل الوجوب، وأنه متى فُقِد تربصت، لكنهم ذكروا أنه يجوز أن تصبر، إذا شاءت أن تصبر وتقول: والله أنا ما لي نظر بالأزواج، أبغى أصبر إلى أن الله يجيبه أو نتيقن موته، فلها ذلك.
وعلى هذا فيكون كلام المؤلف هنا مقيدًا بما إذا أرادت أن تتزوج، وأن تتخلص من هذا الزوج المفقود.
وأما إذا قالت: زوجي مفقود وأبغي أنتظر حتى نتيقن، ما نلزمها حتى تتربص وتعتد.
يقول المؤلف: (ولا تفتقر إلى حُكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة)، يعني ما يحتاج أنها تراجع الحاكم، هي بنفسها إذا فقدت زوجها تتربص المدة التي أشار إليها المؤلف، بناءً على القولين، ثم بعد ذلك تعتد للوفاة، ثم تتزوج، ما يحتاج تروح للقاضي.

وقول المؤلف: (لا تفتقر إلى حكم حاكم)، الحاكم عند الفقهاء يعني القاضي، ما هو الأمير؛ القاضي، وهذا الذي ذكره المؤلف من مفردات مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا بد من حكم الحاكم؛ لئلا يقع الناسُ في الفوضى؛ لأنه إذا قلنا: كل امرأة تفقد زوجها تتربص المدة التي يغلب على ظنها أنه مات، ثم تتزوج؛ صار في هذا فوضى، يمكن المرأة إذا أبطأ عنها زوجها، واشتهت زوجًا آخر، قالت: زوجي مفقود، وعمِلت هذا العمل.
ولهذا القول الثاني في المذهب، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أنه لا بد من مراجعة القاضي، هو الذي يتولى هذا الأمر، وهذا متعيِّن، لا سيما على القول الراجح الذي رجَّحناه، وهو أنه يُرجع فيه إلى الحكم بموته إلى اجتهاد القاضي، فما دام أنه بيرجع لاجتهاده لا بد من أن تصل المسألة إليه.
طالب: وإذا حُكم بالموت، ألا تعتد؟ الشيخ: تعتد.
الطالب: وجوبًا يعني؟ الشيخ: وجوبًا نعم.
الطالب: (... ) المرأة؟ الشيخ: ذكرنا أنها مخيرة أصلًا.
الطالب: (... ) إذا حكم بالموت؟ الشيخ: إذا حكم بالموت تعتد، لكن إن أحبت أن تبقى من الأصل ما تتربص المدة المذكورة ولا تتزوج فلها ذلك.


يقول المؤلف: (وإن تزوجت فقدم الأول)، أفادنا المؤلف بقوله: (إن تزوجت) أن لها أن تتزوج، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنها لما انتهت المدة والعدة حصل الفراق، وحلت للأزواج، لكن هل هي زوجة الثاني ظاهرًا، أو ظاهرًا وباطنًا؟ الصواب أنها زوجته ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الأحكام الشرعية إذا ثبتت ثبتت ظاهرًا وباطنًا، فعلى هذا لها أن تتزوج زوجًا آخر، تزوجت زوجًا آخر، لما تزوجت قدم الزوج الأول، حينئذٍ تقع المشكلة، أيهما الزوج، التالي ولَّا الأول؟ طالب: يُخيَّر الأول.
طالب آخر: الثاني.
الشيخ: إذا قالت هي: الأول، الحمد لله اللي فكنا الله منه، أنا أبغي الثاني.
طالب: إذن ما لها شيء.
الشيخ: الخيار لمن؟ طالب: للزوج.

الشيخ: الخيار للزوج، ولهذا قال.. لا، فيه أيضًا تفصيل: إذا تزوجت آخر فقدم الأول؛ فإما أن يكون قبل وطء الثاني أو بعده.
شوف الحكم هنا معلق بالوطء ما هو بالدخول، يعني ما هو بالخلوة، بالوطء، إما أن يكون قبل وطء الثاني أو بعده، يقول المؤلف رحمه الله: (فقدم الأول قبل وطء الثاني فهي للأول).
لماذا؟ قالوا: لأنه لما قدم الأول تبيَّنا أن عقد الثاني باطل؛ حيث كان على امرأة في عصمة زوج، فيكون النكاح باطلًا، شوف العلة هذه، انتبه؛ العلة إذا لم تكن مطردة فهي باطلة، وهذه العلة سيتبين لنا أنها غير مطردة، وعلى هذا فتكون باطلة.
نحن نقول، نُعلِّل بما عللوا به حتى نرجع على هذا، ونشوف المعنى.
إذن نقول: الزوجة زوجها مفقود، تربَّصت المدة المقررة للحكم بموته، ثم اعتدَّت للوفاة، ثم تزوجت، فقدم الزوج الأول، نقول: لا يخلو من حالين: الحال الأولى: أن يقدم قبل وطء الثاني، فإذا قدم قبل وطء الثاني، فهي له؛ للأول، غصبًا عليه ولَّا باختياره؟ غصبًا عليه، حتى لو قال: أنا ما أبغيها ما دام أنها تزوجت، فالله يساعدها، نقول: لا، هي زوجتك؛ ولهذا يقول المؤلف: (فهي للأول وبعده)، يعني بعد وطْء الثاني (له أخذها زوجة بالعقد الأول).
(بعده) أي بعد وطء الثاني، وهي الحال الثانية: إذا قدم الأول بعد وطء الثاني فهو بالخيار؛ إن شاء أخذها، وإن شاء أبقاها.
يقول المؤلف: (فله أخذها)، لكن أخذه إياها بعقد ولَّا بالزواج الأول؟ يقول: (زوجة بالعقد الأول وإن لم يطلق الثاني) أفادنا المؤلف بقوله: (وإن لم يطلق الثاني) أن النكاح صحيح؛ لأن قوله: (ولو لم يطلق) يفيد أنه لو طلق لوقع الطلاق، ولا طلاق إلا بعد نكاح، وبهذا يتبين لنا بطلان العلة السابقة، ويش العلة السابقة؟ لأنه لما قدم الأول تبينَّا بطلان العقد الثاني.

هذه العلة لا فرْق بين أن يقدم قبل الوطء أو بعد الوطء، ما دام أن العلة لبطلان النكاح، كون الزوج الأول موجودًا، فهنا لا فرق بين أن يطأ أو لا يطأ، لا فرق، مع أنهم يقولون: حتى لو خلا بها إذا لم يطأ فهي للأول، مع أنه إذا خلا بها لو كان النكاح صحيحًا لوجبت العدة كما سبق، فإذن التعليل عليل؛ ولذلك الصحيح أن الزوج الأول يُخير على كل حال، كما سنذكره فيما بعد.
الآن نمشي على المذهب: إذا قدم الزوج الأول بعد وطء الثاني فهو بالخيار بين أن يأخذها أو يتركها له؛ إن أخذها، فهل يحتاج إلى عقد جديد؟ لا؛ لأن أخذه إياها استبقاءٌ لنكاحه الأول، والاستبقاء لا يحتاج إلى ابتداء.
يقول المؤلف: (ولو لم يطلق الثاني)، وإن لم يطلق؛ لأن الخيار لمن؟ للأول.
قال: (ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني)، معلوم، ما يطأ قبل فراغ العدة؛ لأن الثاني وطئها على أنها زوجته، فتحتاج إلى عدة، الزوج الأول لما قال: أنا أبغي زوجتي؟ قلنا: هي لك، لكن لا تطأها حتى تعتد من الثاني.
طيب، إذا كانت قد ارتفع حيْضها وهي تدري ما رفعه؟ ويش تسوي؟ طالب: تنتظر.
الشيخ: إلى؟ الطالب: أن يزول السبب.
الشيخ: زال السبب، ولا رجع الحيض؟ طالب: (... ) سنة.
الشيخ: لا، على المذهب؟ طالب: على المذهب خمسون سنة.
الشيخ: على المذهب تبقى (... ) إلى خمسين سنة ما يطؤها الزوج الأول، ليش؟ لأنها ما اعتدت من الثاني، ولا بد (... ). طيب العدة للثاني فرع عن صحة النكاح، ومعلوم أننا إذا قلنا ببطلان النكاح إذا قدم قبل الوطء؛ لأنه تبينا أن زوجها الأول موجود فإنه لا فرق بين ما كان قبل وطء أو بعده.
قال: (وله) هذا الخيار الثاني، (وله تركها معه من غير تجديد عقد) للزوج الأول (تركها) أي ترك الزوجة، (معه) أي مع الزوج الثاني (من غير تجديد عقد)، تجديد عقد لمن؟ للثاني، ما حاجة لنجدد العقد، لماذا لا نجدد عقدًا؟ لأن تركها معه إمضاء للعقد الأول.
طالب: (... ) للعقد الثاني.

الشيخ: إي، للعقد الأول منه، للعقد الأول اللي هو الزوج الثاني نعم، ما هو لعقد الأول، للعقد الأول يعني من الزوج الثاني، ما نحتاج لنجدد العقد.
فإبقاؤها معه معناه إمضاء عقده، وليس معناه تركها أنها الآن ما صارت زوجة، بل هو إمضاء للعقد، فيكون هذا من باب إجازة العقد بعد تنفيذه، وهذه ما يعبر عنها بتصرف الفضولي، وقد سبق لنا أن المذهب: لا يجوز تصرف الفضولي إلا في مسائل معدودة، منها هذه المسألة، وين تقدمتنا هذه؟ في كتاب البيع.
هذا الرجل الآن الزوج الأول لما جاء ووجد الزوج الثاني قد عقد عليها وجامعها، قلنا: لك الخيار -انتبهوا نعود من جديد- لك الخيار بين أن تأخذها وبين أن تتركها له، إن أخذتها فلا حاجة إلى تجديد العقد؛ لأن أخذها استبقاء وليس ابتداء، كذا؟ طيب، ولكنها تعتد للثاني وأنت لا تطؤها حتى تفرغ عدتها من الثاني؛ هذه واحدة، ولك أن تتركها.
طيب، لو قال الثاني في هذه الحال: أنا أبغي مهري، أنا أريد مهري؟ نشوف الآن، سيأتينا إن شاء الله.
وله أن يدعها معه من غير تجديد عقد اعتمادًا على العقد الأول، وعلى هذا فيكون تركها مع الزوج الثاني إمضاء لعقده، ولهذا قلنا: لا تحتاج إلى تجديد عقد، كأنه يقول: أنا موافق على العقد الأول.
طيب، ما رأيك لو أنني أخذت هذا المسجل وبعته؟ المسجل هذا في ظني يسوى مئة ريال، وبعته بمئة وعشرين، وجاء صاحبه قلت له: والله أنا بعت المسجل بمئة وعشرين؟ قال: ما يخالف، أما ممضٍ العقد.
يصح ولَّا ما يصح؟ على المذهب لا يصح، ولكن على القول الراجح يصح، ويؤيد ذلك هذه المسألة؛ فإن الصحابة قضوا بأن الزوج الأول له الخيار بين أن يأخذها أو يدعها للزوج الثاني بعقده الأول ولَّا بعقد جديد؟ بعقده الأول نعم: (وله تركُها معه).
طالب: يجوز ذلك في اللقطة.
الشيخ: (من غيرِ تجديدِ عَقْدٍ) اضبطوا المسألة الآن، مستعدون للجواب على السؤال؟ طلبة: نعم.

الشيخ: طيب (... ) سؤال: إذا اختار أَخْذَها، فهل يضمن للثاني مهره؟ الثاني خسر عليه خمسون ألفًا مهرًا، وهذا جاء بعد يومين وقال: في أمان الله، روح ما لك شيء، يضمن للثاني ولَّا ما يضمن؟ الطلبة: لا يضمن للثاني.
الشيخ: نعم، لا يضمن للثاني.
لماذا لا يضمن؟ لأن الثاني دخل على بصيرة، دخل على أنها زوجة مفقود، أليس كذلك؟ الطلبة: بلى.
الشيخ: والمفقود من الجائز أن يرجع، فنقول: أنت الذي فرطت ودخلت على بصيرة، بأن هذه الزوجة -زوجة المفقود- ربما يعود زوجها، وحينئذٍ ليس لك شيء.
يا جماعة، أنا خسرت خمسين ألفًا وخليت بها بس بيومين ما بتُّ عندها إلا ليلة، ماذا نقول؟ طلبة: (... ). الشيخ: لا، ما فيه.
إذن نقول: لا شيء له؛ لأنه دخل على بصيرة.
طالب: طيب قد تكون الزوجة (... ). الشيخ: إذا تركها له تحتاج إلى تجديد عقد ولَّا لا؟ طلبة: ما تحتاج.
الشيخ: للثاني؟ ما تحتاج إلى تجديد عقد؛ لأن تركه إياها إمضاء لعقده، فلا يحتاج إلى تجديده مرة ثانية.
طيب، ويش الدليل على هذا؟ الدليل على هذا آثار عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم قالوا في امرأة المفقود تتزوج: إذا قدم زوجها فهو بالخيار، والوارد عن الصحابة رضي الله عنهم: لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهذا هو مقتضى القياس؛ أنه لا فرق بين ما قبل الدخول وبين ما بعده؛ لأننا إن قلنا: إن العقد صار باطلًا بتبيُّن أن زوجها موجود، وأنها مُزوَّجة، فلا فرق بين أن يطأها الثاني أو لا يطؤها، ولَّا لا؟ طلبة: نعم.

الشيخ: وإن قلنا: إن العلة أنه لما عقد عليها فإن نفس زوجها قد تطيب بها للزوج الثاني، إما حياءً منه وإما كراهةً لهذه الزوجة التي تزوجت ولم تنتظر، أو لسبب من الأسباب، فهنا لا فرق أيضًا بين ما قبل الدخول وبين ما بعده، ولهذا كان القياس الصحيح والنظر الصحيح ما جاء عن الصحابة من التخيير مطلقًا، ويش وجه التخيير؟ قلنا: وجه التخيير؛ لأن الزوج الأول أملك بها، الخيار للأول ما هو للثاني، الزوج الأول أملك بها لأنها زوجته، فكان التخيير له.
إذا قيل: لماذا تخيرونه؟ لماذا لا تبطلون النكاح مطلقًا، وتقولون: هي للأول كما قال به بعض أهل العلم؟ بعض العلماء يقول: هي للأول بكل حال، إذا قدم فهي له بكل حال بدون تفصيل؟ نقول: لا، نخيره؛ لأن الإنسان إذا جاء وزوجته متزوجة، أولًا: قد تستنكف نفسه عنها ويأنف منها، أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: يقول: هذه التي أرخصتني، أنا ما أريدها، أنا أرخصها أيضًا، وكما يقول المثل: من باعنا بالرخص بعناه ببلاش، أو يقول: أنا لي فيها رغبة، لكن هذا الرجل لما تزوجها تعلَّقت نفسه بها، وهي أيضًا متعلقة نفسها به في الغالب، فهو يتركها من أجل مصلحة الزوج الثاني، ويقول: الحمد لله، أما أنا يجيب الله لي بدلها.
فالصواب أنه يُخير مطلقًا.
بقينا في مهرها من الزوج الأول، الزوج الأول الآن، هل تروح عليه امرأته بمهره أو لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: اسمع كلام المؤلف يقول: (ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني)، (يأخذ) من؟ الزوج الأول (قدر الصداق الذي أعطاها) أي أعطى الزوجُ الأول (من الثاني) يأخذه من الثاني.

مثال ذلك: هذا الرجل المفقود كان قد تزوجها بمئة ريال، الشيء رخيص ذاك الوقت، بمئة ريال، وفُقِد، وتزوجت آخر، ورجع، وقال: أنا ما أبغيها، نقول: تبقى لمن؟ للثاني، وللزوج الأول أن يُطالِب الثاني بمهره الذي أعطاها، كم؟ مئة ريال، يأخذ مئة ريال.
لماذا؟ لأن مهرها قيمتها، وهو قد فوتها عليه، فيضمن القيمة، فيعطيه مئة الريال.
إذن صار الزوج الأول يخيَّر بين المرأة وبين مهرها، صح ولَّا لا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: لأنه بيأخذ مهرها، لكن لو قال الزوج الأول: إذا كان ما أنتم معطوني إلا مئة ريال، أنا أبغي زوجتي، الآن لو أعطيتموني مئة ريال ما يجيب لي شيئًا أبدًا، ويش نقول له؟ نقول: الخيار لك الآن، لك الخيار.
لكن شوف، إذا اختار أن تبقى مع الزوج الثاني ما عاد له خيار، وعلى هذا فلا بد أن يكون الزوج الأول فقيهًا؛ لأنه إذا اختار أن تبقى مع الزوج الثاني، ثم قلنا: ليس لك إلا مهرك، قال: هوَّنْت، يحصل له هذا ولَّا لا؟ ما يحصل له؛ لأنه لما اختار أن تبقى مع الزوج الثاني صارت زوجةً له بعقد مُجَازٍ.
طالب: ولو في المجلس (... )؟ الشيخ: ولو كان في المجلس؛ ما فيه خيار النكاح، النكاح ما فيه خيار مجلس.
طيب، يأخذ قدْر الصداق الذي أعطاها من الثاني.
هل للزوج الثاني أن يرجع على المرأة؟ طالب: له أن يرجع.
طالب آخر: ثلاثة أوجه.
الشيخ: يقول المؤلف: (ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه).
(يرجع الثاني عليها) على الزوجة (بما أخذه) أي بما أخذه الزوج الأول (منه) أي من الزوج الثاني.
مئة الريال اللي هي مهر الزوج الأول، وأعطاه إياها يقول للزوجة: أعطني إياها.
إذن صار عليه غرم ولَّا ما عليه، الزوج الثاني؟ ما عليه غرم؛ لأن الغرم الذي غرمه في الأول يرجع به على الزوجة، فلا يكون عليه غُرم.

والصحيح أنه لا يرجع عليها بشيء، إلا أن تكون قد غرَّته، فأما إذا لم تغره فإنه لا يرجع عليها بشيء، كيف قد غرته؟ يعني لم تُعلِمْه أنها زوجة مفقود، فحينئذٍ إذا أخذ الزوجُ الأول صداقه من الزوج الثاني رجع الثاني عليها؛ لأنها غرته، وأما بدون غرور فإنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأن الذي فوَّتها على زوجها الأول مَنْ؟ هو، هو الذي فوتها، وإن كان أن النكاح لا بد فيه من رضاها، لكن حقيقة الأمر أنه هو الذي صار فيه نوع من التعدي على حق الأول.
الخلاصة الآن: امرأة المفقود تتربص مدة انتظاره، ثم تعتد للوفاة، ثم إن شاءت تزوجت، فإن بقي زوجها على فقده فالنكاح بحاله، وإن رجع ففيه تفصيل على المذهب: إن كان قبل وطء الثاني فهي للأول، وإن كان بعده خُيِّر الأول بين أخذها وتركها، فإن أخذها لم يحتج إلى تجديد عقد، ولكنه لا يطأ حتى تنتهي عدة الثاني، وإن تركها للثاني فالثاني لا يحتاج إلى تجديد عقد، بل يتركها بالعقد الأول، وله أن يأخذ من الثاني قدْر الصداق الذي أعطاها، ويرجع الثاني عليها بما أخذ.
والصواب في هذه المسألة أن الزوج الأول بالخيار مُطلقًا، سواء قبل وطء الثاني أو بعده، فإن أبقاها له فهي له ويأخذ منه صداقه، وإن أخذها فهي للأول ولا يرجع الثاني عليها بشيء.
(... ) والقول الثاني: (... ) جاء عن الصحابة، هذا هو.
طالب: ذكرت التعليل.
الشيخ: نحن قلنا: الدليل أو التعليل اعتمادًا على ما جاء عن الصحابة من أنه يُخيَّر الأول، ونقول هذا لأجل ننتقل إلى القول الثاني الراجح في المسألة وهو (... ) أو بعده، قبل الوطء أو بعده.
طالب: نعم.
الشيخ: إي نعم، وهذا القول هو الصحيح.
طيب، لماذا جُعل له الخيار؟ طالب: جُعل له الخيار بعد الوطء؟ الشيخ: لا، بعد الوطء أو قبل الوطء (... ) نقول: خيار سواء قبل الوطء أو بعده؟ طالب: لأنه لا فرق بين ما إن وطئ الزوج الثاني ما إن وطئها أو لم يطأها؛ لأنها دخلت في عصمة الثاني (... ).

جارٍ التحميل