يَمْلِكُ مَن كلُّه أو بعضُه حُرٌّ ثلاثًا والعبدُ اثنتينِ حُرَّةً كانتْ زَوْجَتَاهُما أو أَمَةً، فإذا قالَ: أنتِ الطلاقُ أو طالِقٌ أو علَيَّ أو يَلْزَمُنِي وَقَعَ ثلاثا بِنِيَّتِها، وإلا فواحدةٌ، ويَقَعُ بلَفْظِ كلِّ الطلاقِ أو أَكثرِه أو عددِ الْحَصَى أو الريحِ أو نحوِ ذلك ثلاثا ولو نَوَى واحدةً، وإن طَلَّقَ عُضوًا أو جُزْءًا مَشاعًا أو مُعَيَّنًا أو مُبْهَمًا أو قالَ: نصْفَ طَلْقَةٍ أو جُزءًا من طَلْقَةٍ طَلُقَتْ، وعكْسُه الروحُ والسنُّ والشَّعَرُ والظُّفْرُ ونحوُه، وإذا قالَ لِمَدخولٍ بها: أنتِ طالقٌ وكَرَّرَه وَقَعَ العددُ إلا أن يَنْوِيَ تأكيدًا يَصِحُّ أو إفهامًا، وإن كَرَّرَه ببل أو بثم أو بالفاءِ، أو قال بعدها، أو قبلها أو معها طلقة وقع اثنتان.
وإن لم يَدخلْ بها بانَتْ بالأُولَى، ولم يلزمه ما بعدها.
والْمُعَلَّقُ كالْمُنْجَزِ في هذا.
(فصلٌ)
ويَصِحُّ منه استثناءُ النصفِ فأَقَلَّ من عددِ الطلاقِ والْمُطَلَّقَاتِ، فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثا إلا واحدة فطلقتان.
وإن اسْتَثْنَى بقَلْبِه من عَددِ الْمُطَلَّقَاتِ صَحَّ دونَ عَددِ الطَّلَقاتِ، وإن قالَ: أَرْبَعُكنَّ إلا فُلانةَ طَوالِقُ صَحَّ الاستثناءُ ولا يَصِحُّ استثناءٌ لم يَتَّصِلْ عادةً، فلو انْفَصَلَ وأَمْكَنَ الكلامُ دونَه بَطَلَ، وشَرْطُه النيَّةُ قبلَ تمام ما اسْتَثْنَى منه.
(بابُ الطلاقِ في الماضي والمستقبَلِ)
إذا قالَ: أنت طالقٌ أَمْسِ أو قبلَ أن أَنْكِحَكِ ولم يَنْوِ وُقوعَه في الحالِ لم يَقَعْ، وإن أرادَ بطَلاقٍ سَبَقَ منه أو من زَيدٍ وأَمْكَنَ قبلُ، فإنْ ماتَ أو جُنَّ أو خَرِسَ قبلَ بيانِ مُرادِه لم تَطْلُقْ، وإن قال: أنت طالقٌ ثلاثًا قبلَ قُدومِ زيدٍ بشهرٍ فقَدِمَ قبلَ مُضِيِّه لم تَطْلُقْ، وبعدَ شَهْرٍ وجزءٍ تَطْلُقُ فيه يَقَعُ،
﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ إلى أن قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 229، 230]، وهل هذا شامل للأحرار والعبيد أو لا؟ فيه خلاف؛ ولهذا يقول المؤلف: (يملك من كله حُرٌّ أو بعضه ثلاثًا، والعبد اثنتين)، فعلى هذا يكون المعتبَر الزوج؛ فإن كان حُرًّا ملك ثلاثًا، وإن كان عبدًا لم يملك إلا اثنتين، وإن كان مُبعَّضًا -يعني بعضه حر وبعضه رقيق- ملك ثلاثًا، وهذا هو المشهور من المذهب؛ أنه يُعتبر بالرجال، فإذا كان الرجل حُرًّا، ولو كانت زوجته أمة ملك ثلاثًا، وإن كان رقيقًا ولو كانت أمته حرة ملك اثنتين فقط، فإذا طلق اثنتين؛ لم تحل له الزوجة حتى تنكح زوجًا غيره.
وقال بعض العلماء: إن المعتَبر الزوجة، فإذا كانت حُرَّة ملك الزوج ثلاثة، وإن كانت أمة ملك اثنتين سواء كان الزوج حُرًّا أو رقيقًا.
وقال بعض العلماء: إنه يُعتبر بهما؛ إن كانا حُرَّيْن فثلاثًا، وإن كانا رقيقين فاثنتين، وإن كان أحدهما حُرًّا والآخر رقيقًا فإنه يملك الثلاثة.
وقال بعض العلماء -وهو قول رابع-: إنه يملك الزوج ثلاثًا سواء كان حُرًّا أو رقيقًا، وسواء كانت الزوجة حرة أو رقيقة.
وهذا مذهب أهل الظاهر، وكأن ابن القيم يميل إليه في زاد المعاد؛ لأن النصوص عامة: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ [البقرة: 230]، ولم يستثنِ الله تعالى شيئًا؛ ولأن وقوع الطلاق من الحُرِّ والعبد على حد سواء، كل منهم يُطلِّق راغبًا أو راهبًا، وكل منهم له تعلق بالمرأة، والآثار المرفوعة في ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة، والآثار الموقوفة عن الصحابة متضاربة (... )، فتطرح ونبقى على العموم، والحمد لله أن هذه المسألة في أوقاتنا الآن فرضية، إلا أن يفتح الله على المسلمين جهادًا في سبيله ويحصل الاسترقاق.
المهم أن الإنسان يملك الطلاق ثلاث مرات: يُطلِّق، ثم يُراجع إن كانت في العدة، وإن انتهت العدة يعقد عليها عقدًا جديدًا، ثم يُطلِّق ويراجع، أو إن انتهت العدة يعقد عليها عقدًا جديدًا، فإذا طلق الثالثة فإنها لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، وهذا بإجماع المسلمين؛ وهو نص القرآن: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، إلى أن قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا﴾ [البقرة: 230].
طالب: طيب والعبد يا شيخ (... )؟
الشيخ: بعد الطلقة الثالثة؟
الطالب: لا، أول طلقة (... ).
الشيخ: لا.
الطالب: كأنه رجع.
الشيخ: إذا عقد ما يبقى له من الطلاق إلا الباقي، حتى لو تزوجت بزوج آخر، ثم طلقها، ثم عادت للأول فإنها ترجع على ما بقي من طلاقها.
طالب: (... )؟
الشيخ: ذكرنا لك أن الآثار في هذا متضاربة؛ روي عن عمر هذا، وروي عن غيره ما يخالفه، والأحاديث المرفوعة ضعيفة؛ فالذي ينبغي أنه يبقى على العموم.
الطالب: وجه مخالفة عمر للآية؟
الشيخ: وجه مخالفة عمر لعله لنقصه؛ لأنه لا شك أن الرقيق ليس كالحر في التصرف، وبعض العلماء يقول أيضًا: إن مأخذه أن الرقيق ما يُطلق إلا بإذن سيده.
طيب، المهم أننا نضرب صفحًا عن هذه المسألة؛ لأنها ما هي موجودة الآن حتى يأذن الله بها.
المهم، فهمنا الآن أن الإنسان إذا طلَّق ثلاث مرات؛ فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وكيفية هذا أن يُطلِّق، ثم يراجع، أو يعقد إذا انتهت العدة، ثم يُطلِّق ويراجع أو يعقد إذا انتهت العدة؛ هاتان طلقتان، ثم يُطلِّق الثالثة فلا تحِلُّ له.
يقول المؤلف: (فإذا قال: أنتِ الطلاق)، فماذا يقع؟
الجواب: (وقع ثلاثًا بنيتها وإلا فواحدة)، إذا قال: أنتِ الطلاق، فـ (أل) هنا يحتمل أن تكون للاستغراق، ويحتمل أن تكون للجنس، فإن قال: نويتُ بقولي: أنتِ الطلاق ثلاثًا، قلنا: يقع الثلاث؛ لأن اللفظ صالح لهذه النية، ويش نجعل (أل) على هذه النية؟ نجعلها للاستغراق، فيكون استغراق جميع الطلاق.
وإذا لم ينوِ ثلاثًا، بل نوى واحدة، أو قال: ما عندي نية، ويش يقع؟ يقع واحدة؛ لأن (أل) للجنس.
بقي عندنا النظر في قوله: (أنتِ الطلاق)، (الطلاق) هنا مصدر، ولا يقع صفة، فماذا نقول؟ نقول: هذا من باب المبالغة، كأنها هي الطلاق، وهذا كما يقولون: رجُل عدْل، ورجلٌ رِضًا، فيجعلون الرجل نفس المصدر، هنا جعل الزوجة نفس الطلاق.
أو نقول: إن الطلاق مصدر مؤول باسم الفاعل، والمصدر يصح تأويله باسم الفاعل ولَّا لا؟ يصح أن يُؤول باسم الفاعل، يأتي المصدر ويُراد به اسم الفاعل، مثلما قلنا في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: 177] أنه على تقدير: ولكن البار من آمن بالله واليوم الآخر.. إلى آخره.
هذه واحدة: (أنتِ الطلاق).
أو إذا قال: (أنتِ طالق)، (طالق) اسم فاعل، إن نوى الثلاث به وقعت الثلاث، وإن لم ينوِ الثلاث فواحدة.
(وإن لم ينوِ شيئًا).
طالب: ما عندنا هذه.
الشيخ: ويش عندكم؟
الطالب: (إذا قال: أنتِ الطلاق، أو طالق (... ) لأجل الطلاق).
الشيخ: لا، ما يقصد.. يقول (... ).
الطالب: كيف نصلح اللي هنا؟
الشيخ: أعدها.
طالب: على أيهما يا شيخ؟
الشيخ: عندي (إذا قال: أنتِ الطلاق، أو طالق).
طالب: (طلاق).
الشيخ: (أو أنتِ طلاق)، والله اللي عندي: (أو أنتِ طالق، أو عليَّ الطلاق)، يصلح إذا قال: أنتِ الطلاق، أو أنتِ طلاق، أو أنتِ طالق، كله يصح.
طالب: (عليَّ) ما فيه.
الشيخ: (عليَّ) (... )، لا عندي: (أو عليَّ، أو يلزمني) هذا المتن.
أَقْرَأُ المتن الآن: (فإذا قال: أنتِ الطلاق أو طالق)، والظاهر أنها مثل نسخة إبراهيم: (أنتِ الطلاق، أو طلاق، أو عليَّ، أو يلزمني) أربع مسائل.
طالب: (أو طالق).
الشيخ: أنا عندي نسخة (أو طالق)، وفي نسخة ثانية: (أو طلاق) بدل (أو طالق).
المهم المسائل أربعة الآن، (أنتِ الطلاق) انتهينا منها.
المسألة الثانية: (أنتِ طالق) اسم فاعل، أو (أنتِ طلاق) مصدر يُراد به اسم الفاعل.
كم يقع؟ يقع الطلاق ثلاثًا إن نواه، وإن نوى واحدة فواحدة، وإن لم ينوِ شيئًا فواحدة؛ يعني المسألة إما أن ينوي ثلاثًا، أو واحدة، أو لا ينوي شيئًا، فيقع ثلاثًا بنيتها، وواحدة بنية الواحدة، وبعدم النية.
أو قال: (عليَّ الطلاق)، إذا قال: عليَّ الطلاق، هذه المسألة الثالثة، (عليَّ) هذه التزام وإلزام لنفسه به، فهو يُشبه النذر، يقول المؤلف: (إذا قال: عليَّ الطلاق) طلقت امرأته، كم؟ ثلاثًا إن نواها، وإن لم ينوِ ثلاثًا فواحدة، وهذا ما ذهب إليه المؤلف، وقال شيخ الإسلام: إن هذا يمين باتفاق أهل اللغة والعُرف، وليس بطلاق.
وقال بعضهم -وهو الأصح-: إن هذا ليس بشيء، (عليَّ الطلاق) إذا ما ذكر متعلَّقًا فليس بشيء؛ لأن قوله: (عليَّ الطلاق) التزام به، وهو إن كان خبرًا بالالتزام فإنه لا يقع، وإن كان التزامًا به فإنه أيضًا لا يقع إلا بوجود سببه.
إذا قال: (عليَّ الطلاق) هل هذا أوقع الطلاق؟ تأملوها، لو قال: عليَّ أني أبيع ها البيت، عليَّ بيْع هذا البيت، ينعقد البيع؟ ما ينعقد البيع، هذا مثل النذر يكون.
فإذا قال: عليَّ الطلاق، نقول: طيب، طلِّق، ما دام أنك أوجبته على نفسك فطلِّق، إذا لم تطلق فإنه لا يقع الطلاق.
وهذا القول هو الصحيح على أنه ليس فيه طلاق، وليس يمينًا إلا إن ذكر المحلوف عليه، بأن قال: عليَّ الطلاق لأفعلن كذا، فإذا قال: عليَّ الطلاق لأفعلن كذا صار يمينًا، أما رجل يقول: عليَّ الطلاق ويسكت، نقول: هذا التزام بأنه سيُطلِّق، فهو عهْد؛ إن طلَّق ووُجِد السبب طلقت، وإلا فلا، فهو إما أن يخبر بالطلاق أو يلتزم به، فإن أخبر به نقول: أين هو؟ ما صار عليك طلاق، أنت ما طلقت من قبل، وإن التزم به نقول: خليه يُوجِد السبب حتى يقع، وهذا هو الصحيح لمن تأمله.
لكن لو صار في العُرْف عند الناس، لو صار عرفًا عند الناس أن الإنسان إذا قال: عليَّ الطلاق، فهو مثل قوله: أنتِ طالق، إذا صار عرفًا مُطردًا فحينئذٍ نرجع إلى القاعدة العامة؛ أن كلام الناس يُحمل على ما يعرفونه من كلامهم ولغتهم العرفية، وعلى هذا فيكون طلاقًا.
أما بالنظر للمعنى اللغوي فإنه ليس بطلاق، وقد ضربنا مثلًا بأن الإنسان لو قال: عليَّ بيع هذا البيت، عليَّ توقيف هذا البيت، عليَّ تأجير هذا البيت، وما أشبه ذلك، هل يقع العقد؟ ما يقع، لو قال: عليَّ أن أفسخ بيْع هذا البيت، ينفسخ؟ ما ينفسخ.
إذن مثل هذه الصيغة لا تُعدُّ عقدًا ولا فسخًا، وإنما هي إن كانت خبرًا فليست بشيء، وإن كانت التزامًا فنقول: أوجِد السبب حتى يُوجد المسبب.
طالب: طيب وإن قال: عليَّ الطلاق لأفعل كذا؟
الشيخ: أما إذا قال: عليَّ الطلاق لأفعل، فهي يمين لا إشكال فيها.
الطالب: (... ).
الشيخ: نعم، هذا يمين.
إذا قال: (يلزمني) ويش يلزمني؟ الطلاق، فهي كالأولى، المذهب أنها طلاق، والقول الصحيح ما سمعتم: أن هذا التزام وليس بإيقاع، التزم، يقول: يلزم أني أطلق، يلزمني أن أُطلِّق، يلزمني الطلاق.
إن كان خبرًا عن أمر مضى نقول: بأي شيء لزمك؟ ! إن كان التزامًا بشيء مستقبَل، نقول له: أوجِد السبب، طلِّق حتى تطلُق.
طيب، أربع مسائل الآن عندنا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: ويش هي؟ أنتِ الطلاق، أنتِ طالق، أو أنتِ طلاق، اختلاف النسختين، عليَّ الطلاق؛ يلزمني الطلاق.
المذهب أن الحكم في هذه المسائل الأربع واحد، وهو أن الطلاق يقع ثلاثًا بنيته، وإن نوى واحدة أو لم ينوِ شيئًا؛ فواحدة.
طيب، لو قال: أنتِ طالق ثلاثًا، وقال: أردتُ واحدة؟ ما يُقبل؛ لأنه أتى بصريح العدد، ولو قال: أنتِ طالق واحدةً، وقال: أردتُ ثلاثًا؛ لا يُقبل؛ لأنه أتى بصريح العدد، هو قال: واحدة، ما يمكن يصير ثلاثًا وهو قال واحدة، فالنية لا تُغيِّر الصريح، وإنما تعتبر فيما كان محتملًا، أما ما كان صريحًا فلا.
وقول المؤلف: (وقع ثلاثًا بنيتها وإلا فواحدة)، حطوا بالكم للقول الراجح في هذه المسائل كلها؛ أنه ما هناك طلاق ثلاث أبدًا، لو قال: أنتِ طالق ثلاثًا، أو أنتِ طالِق، أنتِ طالِق، أنتِ طالِق، ما صار ثلاثًا، إلا إذا تخلله رجعة أو عقد، وإلا فلا يقع الثلاث، هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح، وسيأتي إن شاء الله بيانه فيما بعد.
طالب: (بنيتها) الضمير يعود على أيش؟
الشيخ: أي بنية الثلاث، (بنيتها) أي الثلاث.
طالب: في العقد (... ).
الشيخ: الظاهر أن العُرف عند الناس أنه طلاق.
طالب: الناس يقصدون اليمين.
الشيخ: لا، ما يقصد اليمين إلا ذكر المحلوف عليه.
طيب قال: (ويقع بلفظ: كل الطلاق، أو أكثره، أو عدد الحصى، أو عدد الريح، أو نحو ذلك ثلاثًا، ولو نوى واحدةً).
ليش؟ لأنه أتى بالصريح، فنيته لا يحتملها اللفظ، أنت طالق كُلَّ الطلاق، كل هذه تدل على الاستغراق، وكل الطلاق يعني ثلاثًا.
أو: أنتِ طالق أكثرَ الطلاق، مثلها؟ إي، ثلاثًا، أكثر الطلاق، ويش أكثر الطلاق؟ أكثره ثلاثة.
طالب: أقله واحدة، وأكثره ثنتان، وأقله (... ).
الشيخ: لا، أكثره ثلاث، وأقله واحدة، فإذا قال: أنتِ طالق أكثرَ الطلاق، وقع ثلاثًا.
إذا قال: أنتِ طالق عددَ الحصى؛ يقع الثلاث؛ لأن الحصى من يحصيه إلا الله عز وجل؟ ! فإذن إذا قال: أنتِ طالق عددَ الحصى؛ وقع الطلاق.
(أو عدد الريح) أيضًا عدد الريح، إن أراد الأجناس فهي أربع بالاختصار، وثمان بالبسط.
بالاختصار: شرق، وغرب، وشمال، وجنوب، وبالبسط: ما بينها، ما بين الجهتين، وإن أراد هبوب الرياح، بعدد الرياح، كم هي؟ كثيرة ما تُحصى، فصار (عدد الريح) يقع ثلاثًا.
(أو نحو ذلك) مثل لو قال: عدد النجوم، عدد أيام السنة، عدد أيام الشهر، عدد ساعات اليوم، عدد دقائق الساعة، فيقع ثلاثًا.
يقول: (وقع ثلاثًا ولو نوى واحدة) والسبب: لوجود الصريح، والنية لا تؤثر في الصريح.
طالب: قوله: (أكثره) أكثر المتن يحاول المؤلف أنه يوجز فيه، وإذا قلنا: إن أكثره يعني ثلاثًا أصبح أنه أطال في المتن، والظاهر (... ).
الشيخ: لا، كل غير أكثر.
طالب: أصبح تكرارًا.
الشيخ: إي، حتى عدد الريح وعدد.. تكرار، كله، أن يأتي بلفظ يدل على تمام العدد سواء كل أو أكثر، أو عدد الريح، أو عدد النجوم، أو عدد شعر رأسك، أو ما أشبه ذلك.
طالب: (كل) مكسورة (... ).
الشيخ: كيف؟
الطالب: قال: (ويقع بلفظ كل الطلاق).
الشيخ: إي، يجوز على سبيل الإضافة دون الحكاية.
خلاصة ما تقدم الآن: أن الإنسان إذا أتى بلفظ صريح في العدد لا يُقبل منه إرادة خلافه، فإذا قيده بواحدة لم تُقبل إرادة الثلاث، وإن قيده بثلاث لم تقبل إرادة الواحدة، وإن قيده بثنتين لم تقبل إرادة الواحدة ولا الثلاث، وإن أتى بلفظ يحتمل ويصلُح فهو على نيته؛ إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن لم ينوِ شيئًا فالأصل واحدة، وما زاد فمشكوك فيه؛ فلا يكون شيئًا.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى طلاق جزء من المرأة، إذا طلق جزء امرأته، تطلق ولَّا لا؟ نشوف.
قال المؤلف: (وإن طلَّق عضوًا) من زوجته وقع الطلاق؛ لأنه لا يتبعض، فإذا قال لها: أصبعك السبابة دائمًا تسبينني بها، فهي طالق، أنا ما أبغي ها الأصبع، أصبعك السبابة طالق.
تطلق كلها ولَّا لا؟ تطلق كلها، ما هو هذا الضمير يعود على الأصبع كل الأصبع، كل المرأة، تطلق المرأة.
طالب: (... ).
الشيخ: يسري الطلاق إلى جميعه، مثل ما لو قال لعبده: أعتقت أصبعك، يعتق كله.
قال: (عضوًا أو طلَّق منها جزءًا مُشاعًا)، قال: طالقٌ منكِ واحد في المئة، هذا جزء مشاع؛ تطلُق كلها، أو واحد في العشرة، أو ربعك، أو نصفك؛ تطلق كلها، والعلة في ذلك: لأن الطلاق لا يتبعض، إذا وُجد في جزء من البدن سرى إلى الكل.
طالب: (... ).
الشيخ: على كل حال هذا ممكن يقع، حتى لو هو هازل يقع الطلاق.
طيب، (أو جزءًا مشاعًا أو معينًا) جزءًا معينًا.
عندي بالشرح: (كنصفها الفوقاني)، قال: نصفك الفوقاني طالق، والتحتاني غير طالق؛ تطلق كلها.
يقول: (أو مبهمًا)، جزء مبهم بأن قال: بعضُك طالق، أو جُزؤكِ طالق، أو ما أشبه ذلك، فإنها تطلق.
والحاصل: أنه إذا أوقع الطلاق على جزء منها معينًا كان أو غير معين، مُبهمًا أو مُبينًا؛ فإنه يقع الطلاق على جميعها، والعِلَّة في ذلك واحدة؛ لأن الطلاق لا يتبعض، فإذا وقع على جزء سرَى إلى الجميع.
طالب: عندي (أو جزءًا مهما).
الشيخ: لا، (جزءًا مبهمًا).
ثم انتقل المؤلف إلى تجزئة الطلقة، لما ذكر تجزئة المطلق ذكر تجزئة الطلقة، فقال: (أو قال: نصف طلقة)، أنتِ طالق نصف طلقة، تطلق ولَّا لا؟ إي، تطلق واحدة؛ لأنها لا تتبعض، لو قلنا: إنها تتبعض لكان صارت الثلاث ستًّا، وهذا لا يمكن، فإذا قال: أنتِ طالق نصفَ طلقة تطلُق طلقة كاملة؛ لأنها ما تتبعض.
أو قال: جزءًا من طلقة؛ تطلق، أو بعض طلقة تطلق، ولهذا قال: (أو جزءًا من طلقة طلقت).
ثم قال: (وعكسه) يعني عكس ذلك (الروح، والسن، والشعر، والظفر، ونحوه).
طيب، عكس ذلك الروح، لو قال: روحكِ طالق؛ فإنها لا تطلق، لماذا؟ قالوا: لأن الروح تنفصل من البدن، لكن الروح ما تنفصل إلا بالموت، فما دامت حية فروحها باقية، أيهما أعظم الروح ولَّا أنملة من أصبع؟ ! الروح أعظم، لا يمكن أن تبقى بدون روح، لكن يمكن أن تبقى بدون أصبع، ولهذا القول الصحيح في هذه المسألة أنه إذا أضاف الطلاق إلى روحها طلقت؛ إذ لا يمكن أن تنفصل الروح إلا بالموت، إذا ماتت (... ) يطلق ولَّا ما يطلق.
العجيب أنه قال: (والشعر)، لو قال: شعركِ طالق، تطلق؟
طالب: يجوز.
الشيخ: لا، ما تطلُق؛ لأن الشعر جزء منفصل، لو انفصل لا تحله الحياة، ولا تتأثر به المرأة، فإذا قال: شعركِ طالق؛ فإنها لا تطلق؛ لأن هذا في حكم المنفصل، ما تطلق ولا الشعر كله، يبقى.
كذلك لو قال: ظفرك طالق، مخشته بظفرها، وقال: ها الظفر؛ لأنه نخشني لازم أطلقه.
طالب: يقصه.
الشيخ: إي نعم، فقال: ظفرك طالق، تطلق ولَّا لا؟ ما تطلق؛ لأن الظفر في حكم المنفصل، ما تحله الحياة ولو قصيته ما صار شيء.
كذلك يقول: (والسن)، يمكن أنها عضته يومًا من الأيام، فقال: أطلق ها السن هذا، أسنانك كلها طالق، تطلُق؟ لا تطلق؛ لأن هذه كلها في حكم المنفصل، ولذلك لو مسها الإنسان وهو متوضئ -مس هذه الأشياء بشهوة، على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض- فإن وضوءه لا ينتقض، وقد مرت علينا هذه في نواقض الوضوء، ولو مسها بظفره، مس بشرتها بظفره لشهوة انتقض وضوءُه؟ لا؛ لأن هذه ما هي أجزاء، هذه فواضل تنفصل وتزول، ولا تحلها الروح.
وقول المؤلف: (ونحوه)، يقول مثل: سمعكِ، بصركِ، ريقكِ طالق؛ فإنها لا تطلق، السمع؛ لأنه صفة معنوية، والبصر صفة معنوية، والريق جسم ولَّا لا؟ جسم لكن منفصل، العرق جسم لكن منفصل.
لو قال: أُذنكِ طالق؛ تطلق؟ تطلق؛ لأنه جزء، عضو.
فإذن الآن فهمنا في هذا الفصل، فهمنا أن طلاق البعض كطلاق الكل، إلا إذا كان هذا البعض في حكم المنفصِل، مثل الظفر، والشعر، والسن، والريق، والعرَق، وما أشبهها؛ فإنها لا تطلق، أما الروح فالصواب أنها تطلق؛ إذ لا يمكن أن تنفصل إلا بالموت.
طالب: بالنسبة للسن (... ).
الشيخ: لا.
الطالب: لأننا لو قطعنا شعرها ما تتألم منه، أما لو قطعنا نصف السن تتألم.
الشيخ: إي، لكن في حكم المنفصل، ما تحله الروح، وإلا صحيح يختلف، حتى مثلًا إذا كسرته يحس به الإنسان، بخلاف الشعر لو قصيته ما تحس به.
هذا ما ذكره المؤلف.
يقول: (وإذا قال لمدخول بها: أنتِ طالق، وكرره وقع العدد، إلا أن ينوي توكيدًا يصح أو إفهامًا).
(إذا قال الإنسان لمدخول بها)، المدخول بها: المراد بها من تلزمها العدة، سواء دخل بها بمعنى جامعها أو دخل بها؛ أي خلا بها، والدخول بالمرأة يُكنى به عن الجماع، ولكن المراد هنا الجماع والخلوة، يعني من تلزمها العدة، إذا قال لها: أنتِ طالق وكرره؛ وقع العدد، إن كرره مرتين وقع طلقتان، ثلاثًا ثلاث طلقات، أربعًا أربع طلقات.
طلبة: ثلاث طلقات.
الشيخ: لكن يقول: (وقع العدد).
طيب، كرر أربع مرات؟ إذا كرر أربع مرات قلنا: لنا ثلاث والباقي لكِ! ! يقع العدد ثلاث مرات إذا قال: أنتِ طالق.
واعلم أن هذه المسألة تارةً يكرر الجملة كلها، وتارة يكرر الخبر وحده.
تعرفون (أنتِ طالق) يشتمل على مبتدأ وخبر، ينظر إن كرر الجملة فهو الذي يريده المؤلف، يقع العدد، وإن كرر الخبر فقط فقال: أنتِ طالق، طالق، طالق، طالق، فإنه واحدة ما لم ينوِ أكثر حتى على المذهب، وكثير من طلبة العلم يغلطون في هذه المسألة، يظنون أن تكرار الخبر كتكرار الجملة، وليس كذلك، فإذا قال: أنتِ طالق طالق طالق، فإنه يقع على المذهب واحدة ما لم ينوِ أكثر؛ فإن نوى أكثر فالأعمال بالنيات.
إذن الآن التكرار له وجهان:
الوجه الأول: أن يكون تكرار جملة، فيقع الطلاق بعدد التكرار.
الثاني: أن يكون تكرار الخبر فقط، فيقع واحدة ما لم ينوِ أكثر، فإن نوى أكثر وقع حسب التكرار.
إذا قال: أنتِ طالق طالق، ونوى أكثر كم يقع؟ اثنتان، إذا قال: أنتِ طالق طالق طالق يقع ثلاثًا، وهذا -كما رأيتم- إذا لم يكن هناك عطف، فإن كان عطف وقع بحسب التكرار، لو قال: أنتِ طالق، وأنت طالق، وأنت طالق، أو: أنتِ طالق وطالق وطالق؛ يقع بعدده.
وقوله: (وإن قال لمدخول بها: أنتِ طالق وكرَّره وقع العدد).
قلت: من المدخول بها؟ من تلزمها العدة، سواء لدخوله بها أو لخلوته بها، وإن كانت غير مدخول بها، فسيأتي في كلام المؤلف.
قال المؤلف: (وقع العدد إلا أن ينوي تأكيدًا يصح أو إفهامًا).
طالب: (... ).
الشيخ: لا، عندي (إفهامًا) بس، و (إفهامًا) أحسن، تكون عبارة متناسبة.
(إلا أن ينوي توكيدًا يصح أو إفهامًا).
طالب: (تأكيدًا).
الشيخ: (توكيدًا) أفصح؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91]، ويجوز في اللغة العربية (تأكيدًا).
إذا نوى توكيدًا يصح أو إفهامًا فإنه لا يقع بعدده، وانتبه لقوله: (توكيدًا يصح) متى يصح التوكيد؟ يصح التوكيد بشرطين: أن يكون بلفظ المؤكد، وأن يكون متصلًا.
فإذا قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق؟
طالب: يقع ثلاثًا.
الشيخ: لكن لو قال: أردتُ التوكيد؟
الطالب: يصح.
الشيخ: نعم، نقبل منه، حتى في الحكم نقبل منه، حتى عند القاضي نقبل منه.
كم يقع إذا قال: أردت التوكيد؟ يقع واحدة؛ لأنه يصح هنا التوكيد، اللفظ واحد ومتصل ولَّا منفصل؟ متصل.
فإن قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، وقال: أردت توكيد الأولى بالثالثة، كم يقع؟ يقع ثلاثًا، قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنت طالق، وقال: أردت توكيد الأولى بالثالثة يقع ثلاثًا لأجل الفصل؛ لأنه هنا فصل بين الجملة الأولى والثالثة بالثانية.
ولو قال: أنتِ طالق، ثم كلمها بكلام آخر، ثم قال: أنتِ طالق، ثم كلمها بكلام آخر، ثم قال: أنتِ طالق، وقال: أردتُ التوكيد؟ ما يُقبل، لماذا؟ لوجود الفصل.
هنا ما يصح التوكيد، لماذا؟ لوجود الفصل.
كذلك لو قال: أنتِ طالق، أنتِ مفارَقة، أنت مُسرَّحة، وما أشبه ذلك، فلا يصح، والسبب؟ لاختلاف الجمل.
فإذن التوكيد الذي يصح هو ما جمع شرطين: أن يكون بلفظ واحد، ولو بالمعنى مثل: أنتِ طالق ومُطلَّقة معناها واحد، والشرط الثاني: أن يكون متصلًا.
لو قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، وقال: أردت توكيد الأولى بالثانية؟ يقع ثنتين؛ لأن التوكيد هنا صحيح، لما أكَّد الأولى بالثانية صارت واحدة، ثم جاءت الثالثة فصارت الثانية.
(أو إفهامًا) يعني قال: ما كررتها إلا لأني خشيت أنها ما فهمت، فكررت ذلك، يقع واحدة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: قال: أنتِ طالق، ولا هي ما تسمع هذا الكلام، قال: أنتِ طالق، قالت: ويش تقول؟ قال: أنتِ طالق، ويش يصير هذا؟
الطلبة: واحدة.
الشيخ: ويش السبب؟
طالب: لأنها ما تسمع.
الشيخ: لأنه يبغي يفهمها.
كذلك لو فُرض أنه قال: أنتِ طالق، وهي تسمع وسمعها زين، لكنها لاهية تشتغل، وخاف أنها ما فهمت فقال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، كم يقع؟ واحدة، ما دام أنه قصد الإفهام فإنه لا يقع إلا واحدة.
وظاهر كلام المؤلف وغيره أنه لا فرق بين أن تُوجد قرينة تدل على أنها محتاجة للإفهام، أو لا توجد، حتى لو لم توجد قرينة، لو كانت امرأة واجهها بالطلاق وقال: أردت الإفهام، فإنه يُقبل منه.
وقيل: إذا لم يكن قرينة فإنه لا يقبل منه قصد الإفهام إلا تدينًا، ويش معنى إلا تدينًا؟ يعني يُديَّن، أما في الحكم فلا.
ولكن على القول الراجح في هذه المسائل.
طالب: أنه لا يقع.
الشيخ: أنه ما فيه إلا طلقة واحدة، حتى لو قال: أردتُ الطلاق بالثانية وبالثالثة، قلنا: إرادة فاسدة هذه، ولا تُقبل، ولا تؤثر شيئًا.
قال: (وإن كرره بـ (بل)، أو بـ (ثُم)، أو بالفاء) فإنه يقع بعدده.
كرره بـ (بل)، قال: أنتِ طالِق، بل طالِق، بل طالِق، كم يقع؟ يقع ثلاثًا؛ أتى بالعطف، فإن قال: أردتُ توكيد الأولى بالثانية، ما يصلح؟
طالب: باللفظ ما يصلح.
الشيخ: ويش السبب؟
الطالب: اللفظ لا يحتمل.
الشيخ: اللفظ ما هو بواحد (بل)، لو قال: أردت توكيد الثانية بالثالثة؟
طالب: ثلاثًا.
الشيخ: لا، يقبل، إذا قال: أنتِ طالق، بل طالق، بل طالق، وقال: أردتُ توكيد الثانية بالثالثة يصح؛ لأن اللفظ واحد ومتصل.
ولو قال: أردت توكيد الأولى بالثالثة ما يصح لوجود الفصل واختلاف اللفظ؛ لأن حرف العطف يقتضي أن يكون الثاني غير الأول، كيف تقول: إني أريد التوكيد، وأنت جايب حرف العطف؟ ! لأن معنى التوكيد أن الثاني هو الأول، فإذا أتيت بحرف العطف فحرف العطف يقتضي المغايرة.
كرره أيضًا: (بثم) وما أكثرها عند البادية: أنتِ طالق، ثم طالق، ثم طالق، ثم طالق، يحارب عليها من ها الطلاق إلى الطلاق، يقع الطلاق ولَّا لا؟ يقع الطلاق بعدده.
طيب، لو قال: أردتُ توكيد الأولى بالثانية؟
طالب: لا يصح (... ).
الشيخ: توكيد الثانية بالثالثة؟
طالب: يصح.
الشيخ: يصح.
(... )
إذا قال: أنتِ مطلقة، أنتِ مُسرَّحة، أنتِ مفارَقة، ونوى التوكيد، يقولون: إنه يصح، ولو مع اختلاف اللفظ، يعتبرون أيش؟ يعتبرون المعنى، وهو معنى واحد، (... )؛ لأنه خلاف المذهب.
وقلنا فيما سبق: إن الأصح في كل هذه المسائل أن الطلاق واحد، لو يقال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق (... ).
إذا قال: أنتِ طالق واحدة، ونوى ثلاثًا فواحدة، أنتِ طالق ثلاثًا ونوى واحدة؟ ثلاثًا، والتعليل في المسألتين واحد؛ وهو أن النية لا تؤثر في الصريح، تمام، إذا قال: أنتِ طالق؛ لم يقيده، فهي واحدة إلا أن ينوي الثلاث.
إذا كرر اللفظ، فإما أن يكون التكرار بعطف أو بغير عطف، إن كان بعطف وقع بعدده، وإن كان بغير عطف، فإن كرر الجملة كلها وقع بعدده، وإن كرر الخبر فقط (... )
وهذا الطلاق البائن ليس بينونة كبرى لا تحل له إلا بعد زوج، ولكنها بينونة صغرى لا تحل له إلا بعقد.
مثال ذلك: إنسان عُقِد له على امرأة متزوجة، هي متزوجة وصار بينها وبين وليِّها سوء تفاهم، فقال: أنتِ طالق، ثم طالق، طالق طالق، في نفس المجلس، كم تطلق؟ واحدة.
له عليها رجعة ولَّا لا؟ ما له عليها رجعة، السبب أنها ما تطلق إلا واحدة؛ لأنه لما قال الجملة الأولى: أنتِ طالق؛ طلقت، فصادفتها الجملة الثانية (... ) فلا يقع عليها الطلاق؛ هذا السبب، فتلزمه الطلقة الأولى ولا يلزمه ما بعدها (... ).
طيب، أنت طالِق، ثم طالق، جاءت ثم طالق متى؟ بعد (... )، وهي ما هي بزوجة؛ لأنه إذا طلقها قبل الدخول والخلوة بمجرد أنه يقول: أنتِ طالق؛ خلاص راحت عليه، وحلت للأزواج.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، هذا عطف سبق (... ).
الطالب: طيب والأفضل؟
الشيخ: الأفضل يكون (... ).
الطالب: الدليل على هذا؟
الشيخ: الدليل أنه إذا طلق المرأة قبل الدخول بانت منه، ما لها عدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، إذا ما لها عدة فتبين بمجرد قوله: أنتِ طالق، فتأتي ثم طالق، أو: ثم أنتِ طالق على امرأة ليست له، فلا يقع عليها الطلاق.
طيب، أنتِ طالق فطالق؛ كذلك؛ لأن الفاء تفيد الترتيب.
أنتِ طالق بل طالق؟ نفس الشيء.
أنتِ طالق طلقة قبلها طلقة؟ وقعت الأولى اللي (... ) والثانية ما تقع.
طيب، إذا قال: أنتِ طالق طلقة بعدها طلقة؛ وقعت الأولى، والثانية صادفتها وهي غير زوجة.
بقي إذا قال: أنتِ طالق طلقة معها طلقة، فإن ظاهِر كلام المؤلف أنها لا يلحقها إلا طلقة واحدة؛ لأنه قال: (وإن لم يدخل بها بانت بالأولى)، ولكن المذهب خلاف ذلك، المذهب إذا قال: أنتِ طالق طلقة معها طلقة، فـ (مع) تفيد المقارنة، فيقع اثنتان، مثل ما لو قال لها -أي المدخول بها-: أنتِ طالق طلقتين، كم يقع؟ يقع اثنتان، والمذهب أصح مما ذهب إليه المؤلف، لكن وجه ما قاله المؤلف -يقول: إذا قال: أنتِ طالق طلقة معها- المصاحب غير المصاحب، وهما طلقتان، وهي تطلق بواحدة، وتبقى الثانية ما لها محل، ولكن يُقال: إن هاتين الطلقتين وقعتا معًا في آنٍ واحد، فوقعتا على محل قابل للطلاق، فتطلق طلقتين، وهذا هو المذهب.
إذا قال: أنتِ طالق وطالق لغير المدخول بها، مثل أنتِ طالق طلقة معها طلقة، وأن الواو تفيد الاشتراك، ما تفيد الترتيب، فإذا قال لغير المدخول بها: أنتِ طالق وطالق وقع فيها اثنتان كما يقع في المدخول بها أيضًا، وهو واضح.
إذن استثنينا من تلك الصور التي ذكرها المؤلف، ويش استثنينا؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا؛ لأن الواو ما جابها في ضمن هذه، استثنينا صورة واحدة، وهي ما إذا قال: أنتِ طالق طلقة معها طلقة؛ فإن كلام المؤلف يقتضي أن تبين بإحدى الطلقتين، ولا تلحقها الطلقة الثانية، والمذهب أنها تطلق طلقتين.
طالب: (... )؟
الشيخ: (... ) أيضًا، إذا قلنا إنها واحدة كم يبقى له؟ طلقتان.
قال: (والمعلَّق كالمنجَّز في هذا) المعلق كالمنجز.
ويش المعلَّق؟
(المعَلَّق) هو الذي عُلِّق وقوعه على شيء بـ (إن) أو إحدى أخواتها، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، كم تطلق؟ ثلاثًا، كذلك لو قال: إذا طلعت الشمس فأنتِ طالق، ثم أنتِ طالق، ثم أنتِ طالق، كم؟ ثلاث، وعلى هذا فقس؛ لأن المعلق كالمنجز، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في باب تعليق الطلاق بالشروط أن التعليق على القول الراجح ينقسم إلى ثلاثة أقسام: تعليق محض، ويمين، ودائر بينهما، وسيأتي إن شاء الله الكلام عليه فيما بعد.
ثم قال المؤلف: (فصل) في الاستثناء في الطلاق.
الاستثناء: لغة من الثُّنْيا، وهي الرجوع، يقال: (ثنا) بمعنى رجع، ومنه واحد (... ) اثنين؛ لأن اثنين رجوع واحد مع آخر، يقال: اثنان.
فالاستثناء مأخوذ من الثُّنيا وهي الرجوع.
وأما في الاصطلاح: فهو إخراج بعض أفراد العام بـ (إلا) أو إحدى أخواتها، أو بعضهم يقول: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بـ (إلا) أو إحدى أخواتها.
إخراج ما لولاه؛ أي ما لولا الاستثناء لدخل في الكلام بـ (إلا) أو إحدى أخواتها.
فإذا قلت: قام القوم إلا زيدًا، لولا هذا الاستثناء لكان زيد قائمًا، قام القوم غير زيد، قام القوم سوى زيد، قام القوم حاشا زيدًا، قام القوم لا يكون زيدًا، قام القوم ليس زيدًا، كل أدوات الاستثناء مثل إلا.
إخراج ما لولاه، أيش لولاه؟ (... ) لدخل في الكلام.
الاستثناء له شروط، ما شروط الاستثناء أن يصح؟ له شروط.
قال المؤلف (... ) الشرط الأول: (يصح منه) أي: من الزوج، (استثناء النصف فأقل).
أولًا: (يصح منه) (... )، وهو أن يكون الاستثناء من المتكلِّم نفسه، فلو استثنى غيره من عموم كلامه؛ لم يصح، فلو قال شخص: كل نسائي طوالق، وقال واحد بجنبه: إلا فاطمة، تطلق فاطمة ولَّا لا؟
طالب: تطلق.
طالب آخر: لا تطلق.
الشيخ: قال: إلا فاطمة؟
طالب: تطلق.
الشيخ: ليش؟ لأنه (... ) غير المتكلم، ولهذا المؤلف قال: (يصح منه) هذا شرط: أن يكون الاستثناء من المتكلم.
الشرط الثاني: (استثناء النصف فأقل)، يعني أن يكون المستثنى النصف فأقل، فإذا قال لامرأته: أنتِ طالق ثلاثًا إلا ثنتين، كم تطلق؟
طالب: واحدة.
الشيخ: لا، تطلق ثلاثًا، أنتِ طالق ثلاثًا إلا ثنتين تطلق ثلاثًا؛ لأنه استثنى أكثر من نصف قوله بها الاستثناء.
لو قال: نسائي الأربع طوالِق إلا ثلاثًا، كلهن يطلقن، السبب: لأن الاستثناء أكثر من النصف.
فإن قال قائل: هذا ينتقض عليكم بالقرآن الكريم، قال الله تعالى مخاطبًا الشيطان: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42]، ومن اتبعه من الغاوين.
طالب: كثير.
الشيخ: أكثر من النصف؟
الطالب: نعم.
الشيخ: كم؟ تسع مئة وتسعة وتسعون بالألف، فبماذا تجيبون؟
قلنا: إذا كانت الأكثرية مستفادة من الصفة جاز الاستثناء ولو كان أكثر، حتى لو افترضنا أن الاستثناء يقضي على كل المستثنى؛ صح، فلو قلت: أكرِمْ من في هذا المجلس إلا مَن عليه قميص؟ كلهم عليه قميص، يقع الاستثناء ولَّا لا؟ يقع، وعلى هذا ما نكرم ولا واحدًا منهم، ليش؟ لأن كل واحد عليه قميص، (... ).
طيب، إذن إذا كانت الكثرة مستفادة من الوصف فلا تضر، وهنا قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ (... ) بماذا؟ بالوصف: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾؛ لأن اسم الموصول بمنزلة الوصف؛ لأن معنى ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ إلا المتبع لك، فعلى هذا لا يضر.
أما إذا كان من عدد: أنت طالق ثلاثًا إلا ثنتين، أكْرِم ثلاثة رجال إلا رجلين، عندي لك عشرة دراهم إلا سبعة، يصح الاستثناء ولَّا لا؟ ما يصح، مثل: أنا عندي لك عشرة دراهم إلا سبعة، كم يلزمه؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: عشرة، ما هي ثلاثة.
عندي لك مئة ريال إلا واحدًا وخمسين ريالًا؟ مئة؛ لأني استثنيت أكثر من النصف.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على أنه لا يصح؟
قالوا: لأن اللغة العربية ما تجيء على هذا الأسلوب، إذا كان عليك مثلًا عشرة دراهم إلا سبعة ما تقول: عليَّ عشرة دراهم إلا سبعة، ويش تقول؟ عليَّ ثلاثة، هذا هو الأسلوب المعروف في اللغة العربية، وما خرج عن الأسلوب العربي فلا عبرة به.
وقال بعض أهل العلم: إن استثناء أكثر من النصف لا بأس به، وليس لكم أن تحجروا على الناس أقوالهم، فلنفرض أن هذا ليس من فصيح لسان العرب، لكنه معنًى معقول، وإذا جعلتموه معقولًا في الوصف حتى ربما يرتفع المستثنى منه كله، فلماذا لا تجيزونه في العدد؟ !
وهذا هو القول الراجح على أنه يصح استثناء أكثر من النصف؛ لأن المدار الفعلي على المعنى، وعلى ما أراده المتكلم.
أما كونه فصيحًا أو غير فصيح أو أن هذا ليس في اللغة العربية، فهذا شيء ثانٍ، صحيح أننا نقول لمن قال: عندي لك عشرة إلا سبعة، نقول: هذا كلام ما ينبغي، ركيك، لكن كوننا نلزمه بعشرة وهو يقول: عندي لك عشرة إلا سبعة (... ) أن يكون المتكلم واحد.
الشرط الثاني على المذهب: ألا يكون الاستثناء أكثر من النصف (... ) (من عدد الطلقات والمطلقات).
طالب: (الطلاق).
الشيخ: (الطلقات) مثل أن يقول: أنتِ طالق ثلاثًا إلا واحدة.
و(المطلقات) مثل أن يقول: نسائي الأربع طوالِق إلا ثلاثًا، صار كم مطلقة؟ واحدة، وقعت واحدة، صحيح؟
طلبة: (... ).
الشيخ: أنتِ طالق طلقتين إلا واحدة، يقع الطلاق طلقة، صح.
إذا قال: أنتِ طالق ثلاثًا إلا واحدة، فطلقتان (... ).
(وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات؛ صح دون عدد الطلقات)، قول المؤلف هنا فيه نظر، المؤلف يقول: (إن استثنى بقلبه من عدد المطلقات؛ صح دون عدد الطلقات).
المسألة الأولى: (إذا استثنى من عدد المطلقات)، وله صورتان:
الصورة الأولى: أن يقول: نسائي طوالق، وينوي: إلا هندًا؛ فيصح.
الصورة الثانية: يقول: نسائي الأربع طوالق، وهند لا.
فظاهر كلام المؤلف أن ذلك صحيح (... ) عادة المطلقة ثلاثًا ليس بصحيح، قال: إنه ليس بصحيح، هذه الصورة التي ظاهرها (... )
هذه الصورة التي ظاهرها، التي ظاهر (... ) هذه ليست بصحيحة، فإذا صرح بعدد النساء بأن قال: نسائي الأربع طوالق، ونوى: إلا واحدة، لم يصح الاستثناء.
(... )
ثم كلمة (نسائي) لفظ عام، والعام قد يستعمل في الخاص، يعني يمكن للمتكلم أن يريد باللفظ العام شيئًا مخصوصًا من هذا العام، قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173]، ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾ من القائل؟ الناس كلهم؟
طلبة: لا، واحد.
الشيخ: واحد، ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، يقال: إنه أبو نعيم، قال للرسول صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان قد جمع لكم (1)، وعلى هذا يكون القائل واحدًا، والجامع واحدًا، مع أنه ذكر (الناس) لفظ عموم.
فإذن عندنا صورتان في مسألة المطلقات، ويش هي؟
الصورة الأولى: أن يذكر ذلك بصريح العدد.
والصورة الثانية: أن يذكرها بلفظ عام بدون عدد، فإذا ذكرها بلفظ العدد، واستثنى بقلبه شيئًا من المعدود، فليس (... )، مثاله: نسائي الأربع طوالق، ونوى إلا فلانة، نقول: هذا ما يصح، لماذا؟ لأن النية لا تؤثر في الصريح، وهنا أتى بلفظ صريح: نسائي الأربع طوالق، ونوى إلا فلانة، ما تفيد.
الصورة الثانية: أن يأتي بلفظ عام وينوي بقلبه إخراج بعض هذا العام، مثل أن يقول: نسائي طوالق، وينوي: إلا فلانة، ما تقولون؟ يصح، ولا تطلق فلانة هذه، لماذا؟ لأن كلمة (نسائي) ما هي صريحة للعدد، لكنها لفظ عام، والعام يصح أن يُراد به الخاص (... ) يصح؛ فلهذا إذا قال: نسائي طوالق، قلنا: (... ) هند، زينب، عائشة، فاطمة، كلهم طلقوا، قال: لا، أنا نيتي إلا زينب، يُقبل؟ نعم، يقبل؛ لأنه يمكن، هذا لفظ عام يصح أن يستعمل في الخصوص.
أما الطلاق دون عدد الطلقات معروفة؛ إذا قال: أنتِ طالق ثلاثًا، قلنا: (... )، قال: لا، أنا قصدي ثلاثًا إلا واحدة، يصح؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: لماذا؟
طالب: (... ).
الشيخ: (وإن قال: أربعتكن إلا فلانة)، عندكم: (أربعتكن)؟
طلبة: (أربعكن).
الشيخ: الصواب: (أربعكن)؛ لأنه مؤنث.
(وإن قال: أربعكن إلا فلانة طوالق؛ صح الاستثناء) صح؟ لماذا يأتي المؤلف بهذا؟ هذا معلوم مما سبق؟ (أربعكن إلا فلانة طوالق) أتى به ليبين أنه لا فرق بين أن يتقدم الاستثناء أو يتأخر؛ فهو لو قال: (أربعكن طوالق إلا فلانة) صار الاستثناء متأخرًا، كذلك لو قدم الاستثناء ما يخالف: (أربعكن إلا فلانة طوالق) يجوز، ففائدة هذا المثال الذي ذكره جواز الاستثناء مُقدَّمًا قبل أن تتم الجملة، كما أنه يصح أيضًا مؤخرًا بعد تمام الجملة.
قال: (ولا يصح استثناء لم يتصل عادةً) هذا الشرط الثالث من شروط الاستثناء: أن يكون الاستثناء متصلًا بحسب العادة والعرف، فإن لم يكن متصلًا لم يصح، لكن متصلًا بماذا؟ متصلًا بالمستثنى منه؛ بحيث لا يفصل بينه وبينه كلام، فإن فُصل بينهما بكلام أو سكوت يمكنه الكلام فيه، فإن الاستثناء لا يصح، فلو قال: أنتِ طالق ثلاثًا -وهو ناوٍ أنه يستثني- انتبهي، إلا واحدة.
يصح؟ لا؛ لأنه فصل بين الاستثناء والمستثنى منه.
ولو قال: أنتِ طالق ثلاثًا، ثم سكت سكوتًا يمكنه الكلام فيه، ثم قال: إلا واحدة فلا يصح؛ لأنه لا بد من الاتصال.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال باشتراطه، ومنهم من لم يقل باشتراطه، والصحيح أنه لا يُشترط، ما دام الكلام واحدًا فإنه لا يُشترط، والدليل على ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة قام في ذلك اليوم، وخطب الناس، وبيَّن حُرمة مكة، وقال: «إِنَّهُ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ»، ثم ذكر كلامًا، فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله؟ فقال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» (2). مع أن الكلام متصل ولَّا لا؟ غير متصل، وكذلك سليمان عليه الصلاة والسلام ابن داود، قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأةً تلد كل واحدة منهن غلامًا يقاتل في سبيل الله، فقال له الملَك: قل: إن شاء الله، فلم يقُل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ» (3)، وفي لفظ: «لَمْ يَحْنَثْ، وَلَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعِينَ» (4) مع أنه متصل ولَّا منفصل؟ منفصل.
والصواب أنه ما دام الكلام واحدًا فإنه يصح الاستثناء، وهذا دائمًا يحدث، يقول الإنسان مثلًا: كلكن طوالق، ثم (... )، ويقول: إلا فلانة، بعد أن سكت، فالصواب أن الاستثناء يصح.
وكذلك لو قال: أنتِ طالق ثلاثًا، ثم سكت، ثم (... ) وقال: إلا واحدة، فالصواب: أنه يصح؛ لأن الأدلة -كما عرفتم- واضحة.
طالب: الشاهد من قصة سليمان؟
طالب آخر: مقدار الفصل، ما هو؟
الشيخ: مقدار الفصْل؟
الطالب: إي نعم.
الشيخ: يعني ما دام الكلام متصلًا بعضه ببعض فهو لم ينفصل، وأما مقدار الفصل بالسكوت فهو ما جرى به العُرف، ما حدَّده، ما جرى به العرف.
طالب: ما ينظر إلى نية المتكلم؟
الشيخ: لا، النية يأتي إن شاء الله الكلام عليها.
طالب: قول الملك لسليمان الشاهد منه؟
الشيخ: نعم، الشاهد أنه لو قال: إن شاء الله، وسليمان انتهى كلامه.
لو قال: إن شاء الله، قال الرسول: إنه «لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ» (3).
طالب: على قول المؤلف في الاتصال للاستثناء، ويش ضابط الاتصال عنده؟ يعني لو وصفت المستثنى منه؟
الشيخ: ضابط الاتصال ألا يسكت سكوتًا يمكن الكلام فيه، أو ألا يتكلم بشيء لا تعلق له بالمستثنى.
الطالب: يعني لو وصف المستثنى ما يضر؟
الشيخ: لو وصفه ما يضر.
الطالب: ما يكون انقطاعًا.
الشيخ: لا، ما يكون انقطاعًا؛ لأنه تبع المستثنى منه.
قال المؤلف: (فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل).
(انفصل) أيش؟ الاستثناء، (وأمكن الكلام دونه) يعني بينه وبين المستثنى منه، فإنه يبطل الاستثناء لوجود الفصل، وكذلك لو تكلم بينهما بكلام أجنبي؛ لأنه إذا كان السكوت الذي يتمكن فيه من الكلام مبطلًا للاستثناء، فالكلام نفسه من باب أوْلى، فإذا تكلم بكلام خارج عن موضوع الكلام لا يتصل بالمستثنى، فإنه يبطُل الاستثناء ولا يصح، ولكن الصحيح ما قلته لكم من قبل: أنه ما دام الكلام واحدًا، وأنه في مجلسه وما زال يتحدث؛ فإنه يعتبر كلامًا متصلًا، ويصح الاستثناء فيه.
طالب: حتى لو فصله بكلام أجنبي؟
الشيخ: إي نعم، ما دام الكلام واحدًا، ولو الفاصل بكلام أجنبي.
قال: (وشرطه النية قبل تمام ما استُثني منه)، هذا الشرط الرابع من شروط الاستثناء: أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه لا بعده، وهنا ثلاث حالات: أن ينويه قبل، أو بعد، أو في الأثناء.
اشتراط أن ينويه قبل أن يتكلم؛ هذا قال به بعض أهل العلم، لكنه ليس المذهب، وهو ضعيف.
نية الاستثناء في أثناء الكلام تصح ولَّا ما تصح؟ تصح.
نية الاستثناء بعد تمام الكلام على المذهب لا تصح، يُشترط أن ينوي الاستثناء قبل أن يتم المستثنى منه، فلو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم في الحال قال: إلا فلانة، حالًا، لكن ما نوى الاستثناء إلا بعد أن تمت الجملة الأولى؛ فهو على المذهب لا يصح الاستثناء.
وليس هذا خاصًّا بالطلاق؛ يعني هذه الشروط التي في الاستثناء ما هي خاصة بالطلاق؛ كل الاستثناءات، ولكن الصحيح أنه يصح أن ينويه بعد أن يتم الكلام، وقصة سليمان دليل على ذلك، وقصة العباس دليل على ذلك أيضًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام استثنى قال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ»، لما قال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» (5) بعد كلام، وهل الرسول قد نواه قبل ذلك؟ ما نواه؛ إذ لو نواه لقاله، لكنه لم ينوِه إلا بعد أن ذكَّره العباس رضي الله عنه، فاستثناه.
إذن الصواب أن نقول في النية قبل تمام المستثنى منه: ليست بشرط، وأنه يجوز أن ينوي ولو بعد أن تم الكلام، سواء تذكَّر هو بنفسه أو ذُكِّر، كله واحد، فالشروط إذن، شروط الاستثناء كم صارت؟ أربعة: أن يكون المستثنى والمستثنى منه من متكلم واحد.
أن يكون المستثنى؟
طالب: أقل من النصف.
الشيخ: لا، ما هو بأقل؛ من النصف فأقل، إذا كان من عدد؛ نضيف إليه هذا الشرط: إذا كان من عدد.
الشرط الثالث: أن يكون متصلًا بالمستثنى منه.
الشرط الرابع: أن ينويه قبل تمام المستثنى منه.
ولا يظهر دليل واضح على هذه الشروط، إلا على الشرط الأول فقط، ما هو الشرط الأول؟
أن يكون من متكلم واحد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما اكتفى باستثناء العباس لما قال: إلا الإذخر، قال: «إِلَّا الْإِذْخِرَ» (5). ولو كان الاستثناء يصح من متكلم آخر لسكت الرسول وصح.
فإذن ما يتبين من السنة لي دليل على أن هذه الشروط صحيحة إلا الشرط الأول فقط؛ لأنكم كما شاهدتم شرط النية وشرط الاتصال قام الدليل على خلافهما، وشرط أن يكون من النصف فأقل، التعليل ضعيف، ما فيه إلا أن هذا يخالف أسلوب العرب، والعرب لا يستثنون إلا ما هو أقل، وهذا من العي، وعدم الفصاحة، فلنقل: وليكن عييًّا، وليكن غير فصيح، المهم ألا نلزمه بشيء أخرجه من كلامه.
فإذا قال: له عليَّ عشرة إلا سبعة، كم يلزمه على المذهب؟ عشرة، كيف نلزمه وهو يقول: إلا سبعة؟ يقولون: غير فصيح.
(... ) ما قلت: له علي ثلاثة؛ لأن هذا هو الفصيح، فيقول: أنا حاسب أنه إذا قلت: له عليَّ عشرة إلا سبعة مثلما إذا قلت: له عليَّ عشرة إلا ثلاثة، أنه ما يلزمني إلا ما أقررت به.
طالب: ما بعربي هذا؟
الشيخ: وربما أنه ما هو بعربي، وربما أنه من (... ) زماننا كل شيء عنده سواء.
فالحاصل الذي يتبين لي أن الشرط الأول هو المعتمد، هو الصحيح، وهو أن يكون الاستثناء والمستثنى منه من متكلم واحد.
يقولون: إن بعض الناس أحمق، كان عنده زوجتان فطلقهما، صار بينه وبينهما مغاضبة فطلَّقهما، وكانت امرأة جاره تسمع، فعتبت عليه: يا أبا فلان، كيف تطلق زوجاتك الثنتين؟ قال: وأنتِ طالق على (... ).
طيب، هل يصح هذا الطلاق؟ ما يصح؛ لأنه لا يملكه.
كذلك لو قال رجل: أنتِ طالق ثلاثًا، وقال اللي بجانبه: إلا واحدة، يصح؟ ما يصح، ما يملك الاستثناء.
أو قال: زوجاتي الثلاث طوالق، قال اللي بجانبه: إلا فاطمة، ما يصح؛ لأنه ما يملك هذا الشيء.
طالب: طيب يا شيخ، لو مثلًا طلق زوجاته الثلاثة، واستثنى في الحال، يعني بعد ما انتهى (... ) قلنا: على القول الصحيح أنه يُقبل هذا الطلاق؟
الشيخ: يصح.
الطالب: يصح، لكن مثلًا لو بعد ما طلق الثلاث، بعد نصف ساعة، ساعة، استثنى؟
الشيخ: إي نعم، ما يصح.
الطالب: (... ).
الشيخ: الفرق طول الفصل؛ لأنه ما يصير الكلام واحدًا الآن.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، هل اللي بيتكلم بعد نصف ساعة ويقول: إن كلامي هذا مبني على الكلام الأول، هل يعده الناس حقيقة؟ كأنه يقول: لو أننا أجزنا هذا لكان كل إنسان ولو بعد عشر سنين يمكن يستثني.
الطالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، لكنه لما استثنى والكلام واحد متصل بعضه ببعض أو في مجلس، لكن لم يطُل الفصل عادة صار صحيحًا.
طالب: (... ).
الشيخ: والحكم الشرعي؟
الطالب: الحكم الشرعي استثني أيضًا.
الشيخ: طيب، استثناه الرسول صلى الله عليه وسلم عقب ما انتهى من الكلام، فصح الاستثناء، وكذلك قصة سليمان ما هو حكم شرعي؛ يمين، ومع ذلك لو قال: إن شاء الله لكان دركًا لحاجته (3).
طالب: لكن ما يصير أنه طال الفصل مع الرسول صلى الله عليه وسلم والعباس؟
الشيخ: لا، ما طال الفصل؛ لأن الكلام واحد، إذا صار الكلام واحدًا لو طال الفصل ما يهم، ما دام أنه ما سكت، وفي كلام واحد هو يعتبر متصلًا.
طالب: في المجلس الواحد.
الشيخ: اشتراط المجلس قد لا يكون شرطًا؛ لأنه ربما يقول ذلك، ثم يمشي على طول، وبعد خطوتين أو ثلاث أو أربع يستثني، الكلام على الزمان ما هو على المكان.
طالب: يشترط في الكلام أن يكون من صلب الموضوع؟
الشيخ: ظاهر الحديث مُطلق؛ لأن الرسول استثنى ولم يخصص، وقد يقال: إنه لا بد أن يكون من صلب الموضوع؛ يعني الكلام واحد مثلًا، خطبة موضوعها واحد، يتكلم مثلًا عن شيء معين ويستثني الإنسان فيها، أو مسألة الطلاق مثلًا يقول: أنتِ طالق ثلاثًا؛ لأنكِ آذيتيني، وأغضبتيني، وأفسدتِ عليَّ أولادي وما أشبه ذلك ويتكلم بهذا الكلام، ثم يقول: إلا واحدة.
طالب: (... ).
الشيخ: لا، على المذهب ما يصح هذا الاستثناء؛ لأنه أمكن أن.. بل تكلم فعلًا بين المستثنى والمستثنى منه، ولأن مثل آذيتيني وفرقتِ بيني وبين أولادي؛ ما له دخل في الاستثناء.
وأصل ذلك الذين قالوا: إنه يصح، وهو الصحيح، نقول: لأن الكلام واحد، فالكلام لا يتم ولا يُحكم به حتى يتم، وينهى ويحدث، فما دام أن الإنسان لم يطل الفصل بينه وبين الكلام الأول فإنه يعتبر كلامه واحدًا.
طالب: (... ).
الشيخ: الظاهر أنه ما هو بشرط، لكن لو وقع لكان أحسن، لكن ما هو بشرط؛ لأنك تعرف أن (نعم) حرف جواب، والجواب هو سؤال مُعاد، فإذا قال: إلا فلانة؟ فقال: نعم.
هذا استثناء.
طالب: (... ) لو أنه في هذه الحالة قال: طلقت زوجاتي الثلاث، ثم قال: رجعت (... ) يقبل منه؟
الشيخ: ما يقبل الرجوع؛ لأنه إبطال للكلام كله، ولهذا..
الطالب: (... ).
الشيخ: إي، لكن هذا إبطال لما قال، وفرق بين الاستثناء اللي يُخرج بعضه وبين الذي يبطله كله، إذا أبطله ما يمكن يبطل.
الطالب: (... ) حتى البعض.
الشيخ: يصح، هذا استثناء ويصح.
[باب الطلاق في الماضي والمستقبل]
(باب حكم إيقاع الطلاق في الماضي والمستقبل).
ما ذكر الحاضر المؤلف؟
الحاضر؛ لأنه هو الأصل، الحاضر هو الأصل، الإنسان ما يطلق إلا طلاقًا حاضرًا، لكن قد يطلق في الماضي، وقد يطلق في المستقبل.
يقول المؤلف: (إذا قال: أنتِ طالق أمس) تطلق ولَّا لا؟ ما تطلق؛ لأن الطلاق إنشاء،، والإنشاء لا يتعلق بالماضي.
هذا يصير خبرًا، فإذا كان خبرًا، هل طلقها أمس؟ ما طلقها، إذن لا يقع.
(أو قال: أنتِ طالق قبل أن أنكحك) كذلك ما يقع؛ لأنه لا طلاق إلا بعد نكاح.
حتى لو أنه ما تزوجها إلا الآن؟
طالب: نعم.
الشيخ: لو ما تزوجها إلا الآن، ما هو بأمس يعني، لما عُقد عليه، قال: زوجتك، قال: قبلت، ثم ذهب إليها وقال: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك، يقع ولَّا ما يقع؟ ما يقع؛ لأن ذلك قبل أن يملك الطلاق، ولا طلاق إلا بعد نكاح.
يقول المؤلف: (ولم ينوِ وقوعه في الحال) فإن نوى وقوعه في الحال، وقال: أنا قصدي بقولي: أنتِ طالق أمس المبالغة في تحقق ذلك، كما يقول الناس الآن العامة: والله فلان (... ) أمس، يعني أنه ميت أمس، وهو مثلًا ما مات إلا اليوم، مبالغة في وقوع هذا الشيء، فقال: أنا لما قلت: طالق أمس ناوٍ المبالغة، وأنه واقع اليوم، فإن نوى ذلك يقع؛ لأنه إقرار على نفسه بما هو أغلظ، فإذا أقر على نفسه ما نقول: لا.
ولهذا قال: (ولم ينوِ وقوعه في الحال لم يقع).
وأما إذا نوى وقوعه في الحال وقال: أردت بذلك المبالغة، فإنه يقع.
(وإن أراد بطلاق سبق منه أو من زيد وأمكن قبل).
وأيش معنى (إن قال)؟
يعني قال: أنا قصدي أنتِ طالق قبل أن أتزوجك طلاقًا سابقًا مني بالعقد الأول، يُقبل ولَّا لا؟ نعم، يقبل، يعني ما تصح نيته؛ هذا قصد المؤلف، تصح نيته، إذا أراد بقوله: أنتِ طالق قبل أن أنكحكِ، أراد به طلاقًا سابقًا منه في نكاح سبق، يصح، بمعنى أنه لا يقع الطلاق الآن؛ لأنه خبر.
كذلك لو قال: أردتُ أنتِ طالق، يعني من نكاح سبق عليَّ من زيد، يصح؟ يصح.
طالب: (... ).
الشيخ: هذا التمثيل، قال لزوجته: أنتِ طالق قبل أن أنكحك، قلنا فيما سبق: لا يقع الطلاق إلا إذا نوى وقوعه في الحال، وأراد المبالغة، طيب لو ما نوى المبالغة ولا أراد وقوعه في الحال، لكن يريد من الأصل (قبل أن أنكحك) يعني أنت طالق في نكاح سبق.
طالب: (... ).
الشيخ: له، هو متزوجها ومطلقها، وتزوجها الثاني وقال ها الكلام.
(أو أراد بطلاق سبق من زيد)، أخذها عقب رجل، وقال: أردتُ بأنت طالق (قبل أن أنكحك) يعني: من زيد.
نقول: ما فيه (... ).
طالب: الفائدة أنه يوقع الطلاق؟
الشيخ: الفائدة أنها لو حاكَمته، وقالت: إني أنا أطالبه، وأقول: إنه قاصد الطلاق بهذا النكاح، لكن أراد المبالغة، وقال: أبدًا، ما أردتُ المبالغة، إنما أردتُ الطلاق السابق من زيد، أو الطلاق السابق مني، نقول: يقبل، ولا نلزمه بيمين ولا بشيء.
طالب: طيب، زيد كيف (... ) في الطلاق؟
الشيخ: لا يا أخي، هو متزوجها عقب زيد، وقال: قصدي أخبرك بأن زيدًا مطلقك.
الطالب: إي، خبر.
الشيخ: خبر، إي.
طالب: ممكن يا شيخ في سياق التوبيخ أو كذا، يقع كثيرًا في سياق التوبيخ.
الشيخ: المهم على كل حال أن هذه المسألة إذا كان ما أراد الوقوع في الحال فهو ما يقع، هذا الأصل، سواء أراد أنها طالق بنكاح سابق منه، أو بنكاح سابق من غيره، فلو حاكمته يقبل ولَّا لا؟ المؤلف يقول: (قُبِل)، لو حاكمته قُبِل.
طالب: (... )؟
الشيخ: لا، ما هو صريح، ما قال: أنتِ طالق في هذا النكاح.
الطالب: قال: أنتِ طالق وسكت.
الشيخ: إي، ما قال: في هذا النكاح، لو قال: إنه في هذا النكاح كان معلوم ما نقبل منه.
الطالب: لو قال: أنت طالق؛ هذا صريح.
الشيخ: إي نعم، إذا قال: أنتِ طالق، ولا قال: قبل أن أنكحك ولا أمس ولا شيء، فقد سبق لنا أنه إذا أراد طاهرًا فغلط لم يُقبل حكمه.
أما هنا فظاهر كلام المؤلف أنه إذا أراد بطلاق سبق منه أو من غيره فإنه يُقبل بشرط أن هذا واقع، فإن كان ما وقع ما نقبل منه، يعني كاذبًا فيه.
طيب، لو فُرض أن هذا الرجل تُكذِّبه القرينة، قال: أنا أردت بطلاق سابق من زيد أو مني، ولكن القرينة تكذبه؛ لأنها هي سألته الطلاق؟ نقبله ولَّا لا؟ ما نقبل؛ لأن ادعاءه هذا خلاف الظاهر، فلا يُقبل منه.
(فإن مات) يعني الذي قال: أنتِ طالق أمس، أو قبل أن أنكحك، (أو جُنَّ، أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق).
قال: أنتِ طالق قبل أن أتزوجك ومات، وهو ما (... )، تطلق ولَّا لا؟
طلبة: لا تطلق.
الشيخ: ويش الأصل؟ الأصل عدم الطلاق بهذه الصيغة.
(أو جُنَّ) يعني ذهب عقله، أو مثلًا أصيب بحادث، وصار ما يعقل ما يقول.
(أو خرِس) أيش معنى خرس؟ صار لا يتكلم.
لكن المسألة الأخيرة يمكن الحصول على مراده بالإشارة أو بالكتابة مثلًا إذا كان يستطيع الكتابة، ولكن كلام المؤلف على ما إذا لم نعثر على بيان مراده، وهو قال: قبل أن أنكحك أو أمسِ، فما هو الأصل؟ عدم الوقوع، ولهذا قال المؤلف: (لم تطلق).
طالب: ويش (... )؟
الشيخ: العلماء يأتون بهذا على سبيل الفرض.
الطالب: لا، هو ذكرها يعني سواء قال هذا، ثم مات أو قاله..
الشيخ: لا؛ لأنه قد يقول قائل: إذا مات وما بيَّن مراده نحكم بالطلاق؛ لأنه يحتمل المبالغة، أو إذا خرس نحكم بالطلاق؛ لأنه يحتمل أن يقال هذا على سبيل المبالغة.
نحن نقول: لا، الأصل أنه قاله على سبيل الحقيقة دون المبالغة، فلا تطلق به.
قال المؤلف: (وإن قال: أنتِ طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر).
شوف كلها مسائل فرضية: (أنتِ طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر) يفارقها الآن ولَّا لا؟
طالب: لا.
الشيخ: يجب أن يفارقها، يعتزلها؛ لأن الطلاق ثلاث بائن، وقدوم زيد ما ندري؟ يمكن يقدم الآن، يمكن يقدم بعد، فلهذا يقول المؤلف: (إن قال: أنتِ طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر فقدم قبل مُضِيِّه لم تطلق، وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع) وعلى هذا فيجب عليه أن يتجنبها، اليوم مثلًا من الشهر خمسة أو ستة وعشرين، قال: أنتِ طالق قبل قدوم زيد بشهر، فقدم زيد في عشرين من ذي القعدة، تطلق؟ لا ما تطلق، ليش؟ لأنه تبين الآن أن الطلاق كان في عشرين من شوال، طلاق في الماضي ولَّا في المستقبل؟ طلاق في الماضي، والطلاق في الماضي ما يقع كما سبق.
إذا قدم (بعد شهر وجزء تطلق فيه يقع)، الآن مثلًا الساعة ثمانية ونصف من يوم ستة وعشرين من شوال، فقدم الساعة ثمان ونصف ودقيقة من يوم ستة وعشرين من ذي القعدة، تطلق ولَّا ما تطلق؟ تطلق، السبب؟ لأن دقيقة يتمكن من قوله: أنتِ طالق.
فإن قدم الساعة ثمان وتسعًا وعشرين دقيقة من يوم ستة وعشرين من ذي القعدة؟ ما تطلق، ويش السبب؟ لأنه باقٍ دقيقة على الشهر، يعني صارت الآن طلقها في الماضي الذي هو دقيقة واحدة.
لكن بالنسبة له هو هل يجوز أن يستمتع بها في هذه المدة ولَّا لا؟
ما يجوز أن يستمتع؛ لأن فيه احتمالًا أن زيدًا يتقدم أو يتأخر، فنحن نقول الآن: تجنبها، ربما يأتي في تمام شهر وثوانٍ، ويكون استمتاعك بها استمتاعًا بامرأة أجنبية، فتجنَّبْها.
طالب: كم طلقة؟
الشيخ: ثلاث، طلق ثلاثًا، كلام المؤلف فيمن طلق ثلاثًا..
فإن خالَعَها بعدَ اليمينِ بيومٍ وقَدِمَ بعدَ شهرٍ ويومينِ صَحَّ الْخُلْعُ وبَطَلَ الطلاقُ، وعكسُهما بعدَ شهرٍ وساعةٍ، وإن قالَ: طالقٌ قبلَ مَوْتي طَلُقَتْ في الحالِ، وعكسُه معَه أو بعدَه.
(فصلٌ)
وإن قالَ أنتِ طالقٌ إن طِرْتِ أو صَعِدْتِ السماءَ أو قَلَبْتِ الْحَجَرَ ذَهَبًا.
ونحوَه من المستحيلِ لم تَطْلُقْ، وتَطْلُقُ في عكسِه فورًا وهو النَّفْيُ في المستحيلِ مثل لأقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ أو لأَصْعَدَنَّ السماءَ ونحوَهما، وأنتِ طالقٌ اليومَ إذا جاءَ غدٌ لَغْوٌ، وإذا قال: أنتِ طالقٌ في هذا الشهرِ أو اليومَ.
طَلُقَتْ في الحالِ، وإن قال: في غدٍ أو السبتِ أو رمضانَ.
طَلُقَتْ في أَوَّلِه، وإن قالَ: أَرَدْتُ آخِرَ الكلِّ.
دُيِّن وقُبِلَ، وأن قال أنتِ طالقٌ إلى شهرٍ.
طَلُقَتْ عندَ انقضائِه إلا أن يَنْوِيَ في الحالِ فيَقَعَ، وطالقٌ إلى سنةٍ.
تَطْلُقُ باثْنَيْ عشرَ شَهْرًا، وإن عَرَّفَها باللامِ.
طَلُقَتْ بانسلاخِ ذي الْحِجَّةِ.
(بابُ تعليقِ الطلاقِ بالشروطِ)
لا يَصِحُّ إلا من زوجٍ، فإذا عَلَّقَه بشرْطٍ.
لم تَطْلُقْ قَبْلَه، ولو قالَ: عَجَّلْتُه وإن قال: سَبَقَ لسانِي بالشرْطِ ولم أُرِدْهُ.
وَقَعَ في الحالِ، وإن قالَ: أنتِ طالقٌ, وقالَ: أَرَدْتُ إن قُمْتِ.
لم يُقْبَلْ حُكْمًا.
وأدواتُ الشرْطِ إن وإذا ومتى وأيّ ومَن وكُلَّمَا - وهي وَحْدَها للتَّكرارِ - وكلُّها ومَهْمَا بلا (لم) أو نِيَّةِ فورٍ أو قرينةٍ للتَّراخِي، ومعَ (لم) للفَوْرِ، إلا (إن) مع عَدَمِ نِيَّةِ فَوْرٍ أو قَرينةٍ، فإذا قالَ: إن قُمْتِ أو إذا أو متى أو أيَّ وَقتٍ أو مَن قَامَتْ أو كُلَّمَا قُمْتِ فأنتِ طالِقٌ.
فمتى وُجِدَ طَلُقَتْ، وإن تَكرَّرَ الشرْطُ لم يَتَكَرَّر الْحِنْثُ إلا في (كُلَّمَا)، وإن لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ ولم يَنْوِ وَقْتًا ولم تَقُمْ قرينةٌ بفَوْرٍ ولم يُطَلِّقْها طَلُقَتْ في آخِرِ حياةِ أَوَّلِهما مَوْتًا، ومتى لم، أوإذا لم، أو أيَّ وقتٍ لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ، ومَضَى زمنٌ يُمْكِنُ إيقاعُه فيه ولم يَفعلْ طَلُقَتْ، وكُلَّمَا لم أُطَلِّقْكِ فأنتِ طالقٌ، ومَضَى ما يُمْكِنُ إيقاعُ ثلاثٍ مُرَتَّبَةٍ فيه طُلِّقَت الْمَدخولُ بها ثَلاثًا وتَبِينُ غيرُها بالأُولى،
(طلقت في الحال) إذا قال لزوجته: أنت طالق قبل موتي.
طلقت؛ لأن كل جزء يقع بعد هذه الكلمة فهو قبل موته، فيقع في الحال، ولهذا قال: (أنت طالق قبل موتي، طلقت في الحال).
(وعكسه معه أو بعده) يعني: فلا تطلق، إذا قال: أنت طالق بعد موتي.
ما تطلق، والسبب: لأنها بانت، بموته بانت منه، وكذلك لو قال: (معه) فإنه لا يقع الطلاق؛ وذلك لأن البينونة بالموت أقوى من البينونة بالطلاق، فكان الحكم للأقوى، وهو الموت، فعلى هذا لا يقع الطلاق، ولهذا قال: (وعكسه معه أو بعده).
إذا قال: أنت طالق قُبَيل موتي.
تطلق قبل موته بقليل، وإن قال: يوم موتي.
طلقت في أوله، في اليوم الذي يموت فيه.
ثم قال: (فصل.
وإن قال: أنت طالق إن طرتي).
طالب: بالنسبة (... ) كيف تدري يعني..
الشيخ: كيف تدري؟
الطالب: في يوم موتي أو قبل موتي؟
الشيخ: (قبل موتي) قلنا: تطلق في الحال، ما فيها إشكال.
الطالب: إذا قال: قُبَيل موتي؟
الشيخ: قُبَيل موتي؛ إذا مات عرفنا أنها قد طلقت قبيل موته.
الطالب: وإذا قال: في يوم موتي؟
الشيخ: وكذلك: في يوم موتي، إذا مات تبين لنا أنها طلقت في ذلك؛ يعني ما يتبين إلا بعد الموت.
طالب: لو كان جامعها ثم مات، مثلًا (... )؟
الشيخ: إي، يتبين؛ إن كانت رجعية تبين له أنه جامع امرأة رجعية، وإن كانت بائنًا تبين أنه جامع امرأة بائنًا، ولكنه لا يجوز له أن يجامعها، إذا قال: قبيل موتي؛ لأن كل ساعة تمضي تحتمل أن تكون قبيل موته.
الطالب: يعني هي طلقت في الحال؟
الشيخ: ما طلقت، يجب عليه النفقة ولا يجوز له أن يجامعها ويستمتع بها؛ هذا إذا كان الطلاق بائنًا، ويجب عليه النفقة إن كانت حاملًا، وكذلك إن لم تكن حاملًا؛ لأن الأصل بقاء النكاح، وهذه المسائل العلماء يذكرونها على سبيل التمرين، وإلا في الغالب أنها ما تقع.
طالب: ما يقولون: إذا اتهم بقصد حرمانها، هذا يعني..
الشيخ: هو إذا قال: قبيل موتي.
يمكن يتهم بقصد حرمانها، ولكن مع ذلك مسألة الإرث ما تمنع منه، لكن إذا كان الطلاق بائنًا فإنها على خلاف مسألة العدة هل تعتد عدة الوفاة أو عدة الطلاق؟
(فَصْلٌ.
إذا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ طِرْتِ).
يعني بالطيارة؟ لا، الطيارة ممكن، لكن إن طرت بنفسك فأنت طالق، تطلق ولّا لا؟
طالب: ما تطلق.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن أمرها مستحيل.
الشيخ: لأن هذا على المستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل، ولهذا قالوا في قول الشاعر:
إِذَا شَابَ الْغُرَابُ أَتَيْتُ أَهْلِي
وَصَارَ الْقَارُ كَاللَّبَنِ الْحَلِيبِ
قالوا: هذا الرجل (... )، السبب أن الغراب لا يشيب، ما يمكن يبيض، والقار الأسود لا يمكن أن يبيض، فالتعليق على المستحيل مستحيل، فإذا قال: أنت طالق إن طِرْت.
قلنا: لا تطلق.
(أنت طالق إن صعدت السماء)، ويريد بالسماء السماء المعروفة، تطلق ولّا لا؟ ما تطلق؛ لأن هذا شيء مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل.
(أو أنت طالق إن قلبتِ الحجر ذهبًا)، تطلق؟ ما تطلق؛ لأنه لا يمكن أن تقلب الحجر ذهبًا.
(وَنَحْوَهُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ لَمْ تَطْلُقْ) قال في الشرح: (مثل أن يقول: إن رددت أمس أو جمعت بين النقيضين، أو شاء الميت أو شاءت البهيمة)، إن جمعت بين الضدين ما تطلق، مثل: جمعت بين السواد والبياض، ما يمكن تجمع بين السواد والبياض؛ لأن السواد والبياض ضدان لا يجتمعان، أو قال: أنت طالق إن جمعت بين الحركة والسكون، وهذان نقيضان، ما يمكن تطلق.
فالمهم أنه إذا علقه على شيء مستحيل لم يقع الطلاق، والتعليل: أن المعلَّق على المستحيل مستحيل.
طالب: السواد والبياض ضدان (... )؟
الشيخ: إي، هذا (... ) بأن صارا ضدين.
الطالب: لا بد (... )؟
الشيخ: الضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.
طالب: ما معنى أن تجمع بين السواد والبياض؟
الشيخ: أن يكون الشيء أسود أبيض.
الطالب: (... )؟
الشيخ: كيف بالألوان؟
الطالب: (... ).
الشيخ: يعني كل نقطة جنب الثانية؟
الطالب: (... ).
الشيخ: إذا خلطا جميعًا لم يكن أسود خالصًا ولا أبيض خالصًا، يكون..
الطالب: نعم (... ).
الشيخ: لا، يريد أن يكون أبيض خالصًا وأسود خالصًا، ما يمكن هذا، ضدان.
الطالب: وما حكم التلفظ يا شيخ، التلفظ بأمر مستحيل؟
الشيخ: حكمه أنه يمكن يكون.
الطالب: يعني محرم؟
الشيخ: لا، ما هو محرم.
الطالب: لو قال (... )؟
الشيخ: أبدًا ما يقول؛ لأنه ربما (... ) عليه في الطلاق وهو لا يريد أن يطلقها، يقول: أنت طالق إن طرت، ودائمًا يقع هذا، يقول: والله لو تطيرين ما أطلقك.
طالب: هذا استهزاء بآيات الله يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما استهزأ بآيات الله.
الطالب: كالذي طلق أكثر من ثلاثة، وقال: (... )؟
الشيخ: غير هذا، هذا يريد أن يبين شيئًا جعل الله له به فرجًا.
الطالب: لا، لو طلقها أكثر من ثلاثة، وقال: له الباقي (... ).
الشيخ: إي نعم، نقول له: كل من طلق أكثر من واحدة فقد اتخذ آيات الله هزوًا، الرجل الذي طلق ثلاثًا قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ ! » (1).
الطالب: هذه ما تكون مثلها؟
الشيخ: لا، ما تكون مثلها.
طالب: أحيانًا يكون المستحيل في وقت ممكنًا في وقت آخر، فكيف يكون يتصرف؛ يعني إن قال: إن طِرْتِ، ويقصد بأي وسيلة، ولَا عندهم طيران؟
الشيخ: يحمل على العرف المعروف.
الطالب: أو على النية.
الشيخ: النية ما فيها هذا الوقت؛ لأن شيئًا (... ).
كذلك يقول: (وتطلق في عكسه فورًا وهو النفي في المستحيل).
(تطلق في عكسه فورًا)، شوف: أنت طالق إن طرت، هذا إثبات ولا نفي؟
طالب: إثبات.
الشيخ: إثبات، خلوه منفيًّا، وتطلق حالًا: أنت طالق إن لم تطيري؛ تطلق حالًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما نقول: اصبر ربما تطير، ما نقول؛ لأن هذا مستحيل، فإذا دخَّل حرف النفي على المستحيل طلقت فورًا؛ لأن نفي المستحيل واجب، أو لا؟ انتفاء المستحيل أمر واجب؛ لأن المستحيل مستحيل في الوقوع فيكون انتفاؤه واجبَ الوقوع، فعلى هذا إذا علقه على نفي مستحيل طلقت في الحال.
قال: أنت طالق إن لم تقلبي الحجر ذهبًا؟
طالب: تطلق على طول.
الشيخ: لا، نقول: اصبر، ربما أنه (... ) ويصير ذهبًا، ولّا لا؟
طالب: ما يصير.
الشيخ: ما يصير، زين.
أنت طالق إن لم تصعدي السماء، تطلق حالًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: السبب؟ لأنها لن تصعد السماء.
طلبة: لأنها لن تصعد.
الشيخ: لأنها لن تصعد السماء، وعلى هذا فانتفاء المستحيل واجب، فيكون الطلاق واقعًا وجوبًا فورًا، ولا حاجة إلى أن تنتظر.
طالب: في وقتنا هذا ما هو مستحيل طيرانها إلى السماء؟
طالب آخر: عندنا هنا في المتن (في النفي بالمستحيل مثل: أنت طالق لأقتلن الميت)؟
الشيخ: ما بعد وصلنا لها، أنا أمثل لكم الآن بمثال أقرب، أنا فاهم كلام المؤلف، وفيه نظر.
طالب: أقول: ممكن أن تطير في هذا الوقت.
الشيخ: ممكن؟
الطالب: فيه أشياء يجعلونها يركب فيها الواحد ويطير بنفسه.
الشيخ: إذن طار بالبالون.
طالب: يا شيخ، ما طار بنفسه.
الشيخ: نعم، ما يطير بنفسه، يقال: فيه رجل سليم الصدر، قالوا له: إن الهجرة إلى المسجد الأقصى من أفضل ما يكون، فالرجل (... ) هذا الشيء، يقولون: حط بيديه الليف، تعرفون الليف (... )، حط له الليف وشبَّك فيه كأنه جناحان، ورقى (... ) طويلة، لما رقى هم الرجل أن يطير، وفعلًا طار ووقع.
هذا ما يمكن يصير هذا أبدًا.
طالب: الآن الحجر يصير في مصانع الحجر يصير ذهبًا أو..
الشيخ: ما يمكن.
طالب: ما يمكن أن يتدخل الجن يا شيخ؟
الشيخ: ما يمكن أبدًا، المهم يا إخواني نحن الآن شيء واقع أمامنا، الشيء هذا مستحيل؛ لأنه ما يقلب الأعيان إلى أعيان أخرى إلا الخالق عز وجل، أما غيره ما يمكن.
طالب: مثل الحجر الآن يحطوه المصانع.
الشيخ: ما يحطونه ذهبًا، الحجر يمكن يقلبونه ذهبًا؟
الطالب: يعني يصفون ويصير ذهبًا.
الشيخ: أحسنت، هذا معدن فيه أجزاء من الذهب مختلطة في الحجر، ولهذا لو شفته في الشمس يبرق فيه لمعان، هذه الأشياء بعد ما تصهر على النار ويعمل فيها ما يعمل تكون ذهبًا خالصًا.
الطالب: طيب، هذا ما يصير؟
الشيخ: لا، قصده الحجر اللي ما فيه ذهب، أما هذا معدن ذهب.
يقول: (وهو النفي في المستحيل)، الماتن مثَّل بمثال قد يكون فيه نظر: (مثل: أنت طالق لأقتلن الميت)، في الحقيقة أن هذا قَسَمٌ، أنت طالق، ولهذا أُجيب بجواب القسم، بماذا أجيب؟ باللام ونون التوكيد الدالة على أن الجملة جواب قسم، قسمية، أنت طالق لأقتلن الميت، كقوله تمامًا: والله لأقتلن الميت، فإذا قال: والله لأقتلن الميت يحنث ولّا لا؟ في الحال يحنث، السبب: لأن قتل الميت مستحيل؛ إذ إن الميت ميت، كيف تقتله؟ ! ثم هذه الجملة هل هي نفي ولّا إثبات؟ إثبات، مؤكدة باللام ونون التوكيد، لكن لما كان هذا الإثبات مستحيلًا صار يحنث في الحال؛ لأنه مستحيل أن يقع عليه القتل.
فقوله: والله لأقتلن الميت، نقول: هذا يصلح أن يكون مثالًا للقسم، ثم هو في الحقيقة إثبات وليس بنفي؛ لأنه أقسم أن يقتل، لا ألّا يقتل، أن يقتل الميت، فعلى هذا يكون في المثال نظر، والأمثلة الصحيحة أن تقلب الإيجاب في الأمثلة الأولى إلى نفي، فتقول: أنت طالق إن لم تطيري، أو إن لم تصعدي، أو إن لم تقلبي الحجر ذهبًا، وحينئذٍ تطلق في الحال.
والخلاصة الآن، خلاصة هذه المسألة: أن الإنسان إذا علَّق طلاق امرأته على شيء مستحيل لم تطلق، لماذا؟ لأن المعلق على المستحيل مستحيل، أما إذا كان بالعكس، بأن علق الطلاق على نفي المستحيل، فإنها تطلق في الحال؛ لأن انتفاء المستحيل أمر واجب، وما عُلق على الواجب فهو واجب.
إذن فتطلق فورًا.
طالب: (... ) لا تطلق.
الشيخ: لا، تطلق فورًا.
الطالب: علقه على مستحيل، علق أمرًا على مستحيل.
الشيخ: قوله: والله لأقتلن الميت.
الطالب: أنت طالق.
الشيخ: ما يخالف، أنت طالق لأقتلن الميت، قتل الميت ممكن؟
الطالب: مستحيل.
الشيخ: إذن احذف الشرط، شوف ما دام -يعني علامة المستحيل- إذا كان مستحيلًا فاحذفه كأنه لا وجود له.
الطالب: (... ).
الشيخ: كأنه لا وجود له، فأنت طالق إن طِرْتِ، قلنا: ما تطلق؛ لأنه ما يمكن أن تطير، أنت طالق لأقتلن الميت، وأيش نقول؟ تطلق؟ تطلق؛ لأن هذا إثبات للقتل وقتل الميت مستحيل.
فإذن ماذا نقول؟ نقول: في هذه الحال -على القول بأنه ليس بقسم- نقول: تطلق فورًا؛ لأنه الآن ما جعله معلقًا على شرط، جعل الصيغة صيغة قسم على فعل شيء ما يمكن، إذن نقول: حالًا تطلق، كأنه ما أقسم على شيء، كأنه قال: أنت طالق.
وقوله: (أنت طالق لأصعدن السماء)، قلنا: إن الصواب أن هذا قسم، لكن المؤلف يجعله من باب التعليق، أنت طالق لأصعدن السماء، ماذا تقولون؟ تطلق في الحال؛ لأن معنى (لأصعدن): إن لم أصعد السماء، وهو لو قال: والله لأصعدن السماء يحنث ولّا ما يحنث؟
طالب: يحنث.
الشيخ: لو قال: والله لأصعدن السماء حنث في الحال، لماذا؟ لأن صعود السماء غير ممكن، إذن فأنت الآن تيقَّنا يقينًا أنك لن تفعل ما حلفت عليه، وحينئذٍ فيلزمك الكفارة إن كانت يمينًا، ويقع الطلاق إن كان طلاقًا.
لكن الصواب في مسألة (لأقتلن الميت) أو (لأصعدن السماء) ونحوهما، الصواب أن هذا قسم، وأنه لا تطلق الزوجة، ولكن عليه كفارة يمين.
المهم، تمثيل المؤلف فيه نظر، ويش وجه النظر؟ لأن هذه صيغة قسم، وليست صيغة تعليق، وهو قسم على فعل مستحيل، والقسم على فعل مستحيل يوجب الكفارة فورًا؛ لأن فعل المستحيل مستحيل، فمعناه أنه لا يمكن أن تبر بيمينك فتلزمك الكفارة.
كذلك هنا، المؤلف يجعل تقدير الكلام: أنت طالق إن لم أقتل الميت، أنت طالق إن لم أصعد السماء، ومعلوم أنه لن يصعد السماء ولن يقتل الميت، فحينئذ يقع الطلاق.
فالمؤلف رحمه الله جعل قوله: (لأقتلن) الذي هو إثبات مؤكد باللام ونون التوكيد، جعله بمنزلة النفي، كأنه قال: أنت طالق إن لم أقتل الميت، أنت طالق إن لم أصعد السماء.
يقول: (... ) أو لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: إذن (إن لم أصعد) معناه: أنه وقع الطلاق، معناه أنه يقع الطلاق فورًا؛ لأنه عُلق على أمر يستحيل وجوده، وإذا استحال وجوده ويش وجب؟ إذا استحال وجوده وجب عدمه وانتفاؤه، وحينئذ نقول: علقت الطلاق على أمر واجب -وهو انتفاء الطيران- فيكون الطلاق واقعًا فورًا.
طالب: القول الصحيح في هذه المسألة أن يقال: الصحيح أن يقع الطلاق؟
الشيخ: إي، يقع الطلاق، نعم، لكن هذا إذا قُصد به اليمين، سيأتينا إن شاء الله في باب تعليق الطلاق بالشروط (... ) التعليق.
قال المؤلف رحمه الله: (وَأَنْتِ طَالِقٌ اليَوْمَ إِذَا جَاءَ غَدٌ لَغْوٌ).
انتبهوا للصورة الآن: (أنت طالق اليوم إذا جاء غد)، يقول: هذا (لغو)، ويش السبب؟ لأن غدًا لا يمكن أن يأتي اليوم، يمكن أن يصير اليومُ باكرًا؟ لا، فغد ما يجيء اليوم، إذا قال: (أنت طالق اليوم إذا جاء غد) يقول المؤلف: (لغو).
وأيش السبب أنه لغو؟
طلبة: مستحيل أن يأتي.
الشيخ: مستحيل أن يأتي؟
طالب: نعم.
الشيخ: فيكون علق الطلاق على شيء مستحيل، فلا يقع الطلاق، لكنه في الحقيقة كما قال المؤلف: هو لغو؛ لأن مثل هذا الكلام ما يصدر من إنسان عاقل يعي ما يقول، (... ) ما ندري عنه.
(إذا جاء غد لغو) يقول عندي: لعدم تحقق شرطه؛ لأن الغد لا يأتي في اليوم بل بعد ذهابه.
(وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر أو اليوم طلقت في الحال).
إذا قال: أنت طالق في هذا الشهر، نقول: تطلق الآن، ويش السبب؟ لأن الآن من الشهر، وكذلك إذا قال: أنت طالق في هذا اليوم، تطلق في الحال؛ لأن الآن من اليوم.
(وإن قال: في غد، أو السبت، أو رمضان؛ طلقت في أوله) إذا قال: أنت طالق في غد، أو في يوم السبت، أو في رمضان فإنها تطلق في أوله، كيف في أوله؟ لأن غدًا يتحقق بدخوله في أوله، وكذلك أيضًا يوم السبت يتحقق بأوله، ورمضان يتحقق بأول جزء منه.
ولكن إذا قال: أنت طالق في غد، فمتى تطلق؟ تطلق بعد غروب الشمس -شمس غدٍ- أو بعد طلوع الفجر منه؟
طالب: طلوع الفجر.
الشيخ: الظاهر أنه هذا الأخير؛ لأن هذا هو المعروف؛ أن الغد يُعنى به النهار.
كذلك إذا قال: في يوم السبت، ويش معناه؟ النهار، فتطلق في أول النهار، في أول طلوع الفجر.
في رمضان متى تطلق؟ في أول دخوله بعد غروب آخر ليلة من شعبان.
(وإن قال: أردت آخر الكل؛ دُيِّن وقُبل).
طالب: (آخر الكل)، أو: (لكلٍّ)؟
الشيخ: (آخر الكل)، ما فيها غير ألف واحدة فقط.
طالب: عندنا (آخرًا لكلٍّ).
الشيخ: لا، (آخر الكل)، (إن قال: أردت آخر الكل دُيِّن وقُبل).
(آخر الكل) ويش (الكل)؟ اليوم، الغد، السبت، الشهر.
(إذا قال أردت آخر الكل) يقول: (دُيِّن وقُبل)، ويش معنى (دُيِّن)؟ أي: فُوض ذلك إلى دينه، ولكن في الحكم يقبل ولّا لا؟ لا يُقبل؛ لأنه كلما قال الفقهاء رحمهم الله: (دُيِّن) فالمعنى فيما بينه وبين الله، وأما عند المحاكمة فيؤخذ بما يدل عليه ظاهر اللفظ.
ففي المسألة الأولى إذا قال: أنت طالق في هذا اليوم، وقال: أردت آخر اليوم، إن طالبته المرأة حكم بالطلاق مِن تكلُّمِهِ به، وإن لم تطالبه دُيِّن، كذلك إذا قال: أنت طالق في غد، وقال: أردت آخر النهار، نقول: إن طالبته حكمنا بالطلاق من أول النهار، وإن لم تطالبه دُيِّن، وكذلك السبت، وكذلك رمضان.
ولكن هل الأفضل أن تطالبه أو أن نُدَيِّنه؟ قلنا فيما سبق: إن كان الرجل ذا دين وأمانة ومستقيمًا فإن الواجب عدم المطالبة، وإن كان الأمر بالعكس فإن الواجب المطالبة، على حسب الحال.