(ويجافي عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه) يجافي البطن عن الفخذين أن يرفعه ولا يجعل بطنه على فخذيه، ولا يمتد كما يفعله بعض الناس، بعض الناس يعني مشكلة فهم النصوص، بعض الناس في السجود يمتد حتى تقول: هل هذا منبطح ولَّا ساجد؟ هذا غلط غير صحيح:
أولًا: أن هذا خلاف السنة، لا شك في هذا، والرسول قال: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ» وهذا خلاف الاعتدال.
ثانيًا: أنه سيشق على الرجل مشقة شديدة؛ لأنه سيكون اتكاء الجسم كله على الوجه واليدين، يتعب، ولا يستطيع أن يطيل السجود؛ فالمهم أن هذا فهم خاطئ من بعض الناس.
(وبطنه عن فخذيه ويفرق ركبتيه) يعني: لا يضمهما، وأفاد المؤلف بقوله: (ويفرق ركبتيه) إن أردنا أن نحمِّل عبارته أنه لا يفرق قدميه، ماذا يصنع بقدميه؟ يضم بعضهما إلى بعض، وهذا ظاهر كلام المؤلف، حيث خص التفريق بالركتبين، والقول بأنه يفرق بين القدمين ليس عليه دليل.
فإن قال قائل: والقول بأنه يضم الرجل إلى الأخرى ليس عليه دليل.
نقول: نعم، إذا لم يكن دليل لا على هذا ولا على هذا فضعهما على طبيعتهما؛ لأن كل شيء لا دليل عليه في الصلاة يرجع الإنسان إلى الطبيعة.
ولكن نقول: هذا فيه دليل، أنه يضم إحدى الرجلين إلى الأخرى:
أولًا: أن ابن خزيمة رواه صريحًا في صحيحه.
وإن كان بعض العلماء تكلم في هذا الحديث.
ثانيًا: أنه ثبت في صحيح مسلم أن عائشة -رضي الله عنها- افتقدت النبي عليه الصلاة والسلام فقامت يعني تلتمس، فوقعت يدها على قدميه منصوبتين.
ومعلوم أن اليد لا يمكن أن تقع على القدمين جميعًا إلا وهما قد ضم بعضهما إلى بعض.
فالصواب أن القدمين يضم بعضهما إلى بعض، وأما من قال: يفرق، ويجعل بينهما نحو شبر أو ما أشبه ذلك فهذا لا دليل عليه.
قال: (ويقول: سبحان ربي الأعلى في سجوده).
يقول: (سبحان ربي الأعلى) وسبق معنى التسبيح وهو؟
طلبة: التنزيه.
الشيخ: تنزيه الله عز وجل.
وتأمل حكمة الشريعة -الله أكبر- في الركوع يقول: سبحان ربي العظيم؛ لأن هذا يناسب الهيئة، هيئة الركوع؛ لأنها تعظيم.
في السجود يقول: سبحان ربي الأعلى؛ لأنه يناسب الهيئة أيضًا؛ لأن وضع جبهتك على الأرض سفول ونزول، أنت الآن أنزلت وجهك الذي كان في أعلى جسمك حتى وضعته على الأرض، ثم هو أيضًا نزول معنوي؛ فإن هذا ذل عظيم أن تضع جبهتك أشرف ما في جسمك على الأرض تعظيمًا لمن تسجد له، وعلى هذا فنقول: إن الذكر مناسب: سبحان ربي الأعلى.
وتذكر أيضًا علو الرب عز وجل الذي فيه تنزيه الله عن السفول جل وعلا؛ ولهذا كان الصحابة في السفر إذا علوا نشزًا أيش يقولون؟
الطلبة: كبروا.
الشيخ: كبروا، وإذا نزلوا سبحوا: سبحان الله؛ لأن الإنسان إذا علا نشزًا ربما تعلو نفسه ويرى نفسه أنه ارتفع، فيذكر كبرياء الله عز وجل فيقول: الله أكبر، إذا نزل يعلم نفسه أنه انخفض وسفل فيذكر علو الرب عز وجل، فيقول: سبحان الله، ينزهه عن النزول.
واعلم أنك إذا سجدت فإنك أقرب ما تكون إلى الله عز وجل، أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ؛ وذلك لتمام ذله لربه عز وجل، ومَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ.
ولم يقل المؤلف: يقول: سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي الأعلى ثلاثًا، لكن هو ورد ثلاثًا.
قال العلماء: والإمام لا يزيد على عشر؛ لئلا يثقل على المأمومين، أما المنفرد فليفعل ما شاء، وأما المأموم فهو تبع لإمامه، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا».
نهاه الله أن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا.
أقول: نُهي الإنسان أن يقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا؛ لأن هذه الهيئة لا تليق بعظمة القرآن، وإن كان تعظيمًا لله عز وجل وخضوعًا له، لكن القرآن له شرف عظيم، فلو قرأ الإنسان وهو راكع أو ساجد هل تبطل صلاته؟
قال الظاهرية: تبطل الصلاة؛ لأنه قال قولًا منهيًّا عنه، والأصل أن الإنسان إذا فعل في العبادة فعلًا منهيًّا عنه أنها تبطل؛ لأنه منهي عنه بخصوصه، كما لو تكلم بطلت صلاته، فهذا إذا قرأ القرآن في الركوع والسجود فإنها تبطل صلاته.
وقولهم لا شك أنه له وجاهة؛ لأن نقول لهذا الذي قرأ وهو راكع وساجد هل هو عاص لله ورسوله أو لا؟
طلبة: نعم هو عاص.
الشيخ: الجواب: هو عاص لله ورسوله؛ فتبطل الصلاة.
لكن الصحيح أنها لا تبطل؛ لأن النهي عن القراءة ليس لذات القرآن، لكن لأنه يقرأ في محل لا يناسب، ثم إن القرآن ذكر مشروع في الجملة في الصلاة، ليس كلام الآدميين، فالصحيح رأي الجمهور أنها لا تبطل.
قال: (ثم يرفع رأسه مكبرًا)، (يرفع رأسه) حال كونه (مكبرًا)، فالتكبير إذن في حال رفعه.
(ويجلس مفترشًا يسراه ناصبًا يمناه، ويقول: ربِّ اغفر لي) إلى آخره.
(يجلس مفترشًا يسراه) أي: راكبًا عليها.
(ناصبًا يمناه) أي: موقفها، وتكون على يمينه ولّا على يساره؟
طلبة: على يمينه.
الشيخ: ناصب يمناه، على يمينه ولّا على يساره؟
طلبة: على يمينه.
الشيخ: على يمينه.
وعلم من كلامه –رحمه الله- أنه لا يقعي في هذا الجلوس؛ يعني: لا يركب على عقبيه وينصب قدميه؛ لأن هذه الجلسة فيها مشقة شديدة على الإنسان، والأحاديث كلها تدل على الافتراش إلا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما، والحديث في مسلم أن الإقعاء سنة.
ولكن يبدو لي -والله أعلم- أنه كان في الأول سنة ثم نُسخ، ولم يعلم ابن عباس بالناسخ، كما فعل عبد الله بن مسعود في وضع اليدين حال الركوع، وفي قيام الإمام مع الاثنين، فإن ابن مسعود رضي الله عنه لم يعلم بالناسخ؛ أي بنسخ التطبيق في حال الركوع، ونسخ تقدم الإمام إذا كانوا ثلاثة؛ فأمّ رجلين من أصحابه، وصار بينهما، وطبق في حال الركوع، طبق هكذا، يقول بيديه أو هكذا ويدخلهما بين فخذيه، وهذا منسوخ لا شك.
فالظاهر لي والله أعلم أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يبلغه النسخ في مسألة الإقعاء.
وكما ذكرت لكم أن فيه مشقة على الإنسان، فالصواب ما ذهب إليه الجمهور من أن السنة هي افتراش الرِّجل اليسرى ونصب الرجل اليمنى.
والحمد لله رب العالمين، وسبحانك اللهم ربنا وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
هو في سؤال الآن..
طالب: (... ) الإقعاء في الجلوس.
الشيخ: إي ما وصلناه، نصله إن شاء الله (... ).
طالب: خنصر يدَه اليمنى.
الشيخ: يدَه! ليش، وهي مضاف إليه، هذه مضاف إليها، المضاف إليها تكون مجرورة.
الطالب: خنصر يدِه اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى، ويشير بسبابتها في تشهده، ويبسط اليسرى ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات.
الشيخ: إلى آخره.
بسم الله الرحمن الرحيم، سبق لنا أنه يخرّ مكبرًا ساجدًا على سبعة أعضاء.
ويبدأ بماذا؟
طالب: بالركبتين.
الشيخ: إذا سجد يبدأ بماذا؟ بالركبتين ولَّا باليدين؟
الطالب: بالركبتين.
الشيخ: بالركبتين، طيب، ألك دليل في هذا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ما هو؟
الطالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البروك كبروك البعير، وأمر أن يقدم ركبتيه على يديه.
الشيخ: نهى عن بروك كبروك البعير، وبروك البعير يقدم؟
الطالب: يقدم يديه.
الشيخ: يديه! هل رأيته وهو يبرك؟
الطالب: ما رأيته ولكن ظننت أنه.
الشيخ: كيف ما رأيته، لا بد تراه، هو كذلك.
فإن قال قائل: ماذا تقول في قوله: «وَلْيَبْدَأْ بِيَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ»؟
فالجواب أننا نقول كما قال؟
طالب: قال ابن القيم: انقلاب من الراوي، تعارض أول الحديث وآخره، فأخر الحديث جعله أوله.
الشيخ: أحسنت.
إنه لا شك أنه منقلب على الراوي؛ لأن آخر الحديث يعارض أوله، لو أبقيناه على ما هو عليه.
كيف يسجد، يعني كيف يكون حاله في السجود؟
طالب: كيف يكون حاله؟
الشيخ: يضع يديه.
الطالب: يضع وجهه بين يديه ويمد ظهره، ويجافي بطنه عن فخذيه، ويبعد.
الشيخ: عضديه عن جنبيه.
الطالب: عضديه عن جنبيه، ويفرق بين ركبتيه.
الشيخ: نعم.
وأما رجلاه؟
الطالب: أما رجلاه فلا يفرق.
الشيخ: فلا يفرق بينهما؛ يعني القدمين، بل يرص بعضهما إلى بعض.
والدليل؟
الطالب: كما جاء في حديث ابن خزيمة وإن كان تُكلم عن سنده، (... ) رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عندما سجد: ووضعت يدي على قدميه.
الشيخ: نعم، وقعت يدي..
الطالب: على قدميه.
الشيخ: على قدميه، وهذا لا يمكن أن تقع يدها على قدميه إلا وهما مرصوصتان.
قال: (ويسجد الثانية كالأولى) لا، أي ويقول: سبحان ربي الأعلى، شرحناها وبينا المناسبة فيها.
(ثم يرفع رأسه مكبرا، ويجلس مفترشا يسراه ناصبًا يمناه) وسبق هذا، وبينا أن ما رواه مسلم عن ابن عباس في الإقعاء يبدو لنا أنه منسوخ، وبينا أن العمل به فيه مشقة شديدة، يوجب للإنسان أن يختصر هذه الجلسة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سجوده وقيامه وقعوده قريبًا من السواء.
(ويقول: رب اغفر لي) يعني الدعاء، يدعو بهذا الدعاء: رب اغفر لي.
وأصل (ربِّ): يا ربي بالياء، فحذفت (يا) النداء، وحذفت الياء من ربي؛ أما حذف الياء من ربي فللتخفيف، وأما حذف (يا) النداء فمن أجل التبرك بذكر اسم الله عز وجل قبل أي شيء.
(اغفر لي): (اغفر) بمعنى استر ذنوبي، وتجاوز عني؛ فيشمل -طلب المغفرة يشمل- شيئين مهمين: الأول: ستر الذنب في الدنيا والآخرة.
والثاني: التجاوز عن عقوبة الذنب.
وجه ذلك: أن المغفرة مأخوذة من المغفر الذي يوضع على الرأس ليتقي به الإنسان السهام، هذا المغفر يحصل به شيئان؛ الأول: الستر.
والثاني: الوقاية من السهام.
(رب اغفر لي) والمؤلف اقتصر على هذه الجملة، وإلا فهناك جمل أخرى: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي وَاجْبُرْنِي وَاهْدِنِي»، تقال، وعذر المؤلف -رحمه الله- أنه مختصر.
(ويسجد الثانية كالأولى) في أيش؟ كالأولى فيما يقال وفيما يفعل.
(ثم يرفع مكبرًا ناهضًا على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه إن سهل).
(ثم يرفع مكبرًا) يعني يكون التكبير متى؟ إذا شرع في الركعة.
(ناهضًا على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه إن سهل) وهذا بالنسبة للشباب يسهل، بالنسبة للشباب الصغير يسهل عليه هذا، فإن صعب فليقم كما يتيسر له، إما على يديه، وإما أن يجلس يسيرًا ثم يقوم، المهم إذا تعثر فالأمر والحمد لله واسع، يفعل ما يتيسر له، ولا يكلف نفسه ما يشق عليه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يجلس عند النهوض من الأولى مطلقًا؛ لأنه قال: (ناهضًا على صدور قدميه معتمدًا على ركبتيه إن سهل) ولم يقل: فإن صعب فليجلس.
وهذا الذي ذهب إليه رحمه الله هو أحد أقوال ثلاثة في هذه المسألة؛ فمن العلماء يقول: لا جلوس، ويحاول أن يبادر بالقيام على قدر ما يستطيع، وهذا هو المذهب كما ترون في هذا الكتاب.
ومن العلماء من يقول: بل يجلس على كل حال، يجلس ويستقل، ثم يقوم على كل حال، سواء كان نشيطًا أو ضعيفًا.
وفصل بعض العلماء فقال: أما إن كان قويًّا فالأفضل ألا يجلس، وإن كان ضعيفًا فالأفضل أن يجلس ويستوي، ثم ينهض.
وهذا القول الثالث –التفصيل- هو الصحيح، واختاره صاحب المغني الموفق رحمه الله، وكذلك ابن القيم في زاد المعاد، وهو الذي يليق بالقواعد الشرعية؛ لأن الأفضل أن الإنسان يكون نشيطًا في صلاته، غير متوانٍ فيها، ومعلوم أنه إذا قام من السجود إلى القيام رأسًا أدل على؟
طلبة: النشاط.
الشيخ: على النشاط، وعلى القوة.
فإذا كان لا يستطيع فإنه يجلس، يستقر، لحديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي جالسًا.
وعلى هذا فيكون التفصيل به التحصيل، ودائمًا العلماء إذا اختلفوا في شيء تجد أن التفصيل في الغالب هو الصواب.
وهذه الجلسة تسمى عند العلماء جلسة الاستراحة؛ لأن المقصود بها أن يريح الإنسان نفسه، واشتقاقها يدل على أنها إنما تفعل أيش؟
طلبة: عند الحاجة.
الشيخ: عند الحاجة، لكن بعض المتأخرين نازع في هذا وقال: لا، ما نسميها جلسة الاستراحة، من أين لنا هذا الاسم؟ بل نسميها جلسة في وتر من الصلاة، كما قاله مالك بن الحويرث.
ونحن لا يهمنا التسمية، المهم العمل، هل نعمل بها أو لا؟
القول الراجح: أننا لا نعمل بها إلا عند الحاجة، كإنسان ضعيف، إنسان مريض، إنسان ركبه تؤلمه، أو ما أشبه ذلك، ويدل لهذا حديث مالك بن الحويرث نفسه الذي استدل به من يرى مشروعيتها على كل حال؛ لأن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قدم في عام الوفود سنة؟
الطلبة: تسع.
الشيخ: تسع من الهجرة، بعد أن كبر الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم إن ظاهر الجلوس هذا أنه محتاج إليه؛ لأنه إذا قام منه يعتمد على يديه، والاعتماد على اليدين لا يكون إلا لحاجة، وهذا يدل على أن القيام مباشرة فيه صعوبة، ثم هذه الجلسة لو كانت مقصودة في الصلاة لكان لها تكبير في أولها وفي آخرها، وذكرٌ في حال وجودها، وكل هذا منتفٍ.
التكبير الأول ليش؟ للقيام من السجود، ولا شيء بعده، والشارع لا يمكن أن يشرع شيئًا عبثًا، فلو كانت هذه جلسة مقصودة في الصلاة كجلسة التشهد أو بين السجدتين لكان لها ذكر مشروع، ولكان لها تكبير عند عند الجلوس، وتكبير عند القيام، ولكنها جلسة مشروعة عند الحاجة إليها؛ حتى لا يشق الإنسان على نفسه.
فإن قال قائل: وهل درء المشقة مقصود للشرع؟ فالجواب؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، مقصود للشرع؛ ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصيام أبدًا، وعن القيام بلا نوم، وما أشبه ذلك، من أجل المشقة.
ثم إن قول الله تعالى بعد أن ذكر الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة، فإذا كان المصلي يشق عليه النهوض من السجود إلى القيام رأسًا فالأمر والحمد لله واسع، نقول: استرح ثم قم.
وهذا هو الذي تطمئن إليه النفس؛ أن من كان محتاجًا إليها فهي مشروعة في حقه، ويجلس كما ورد، ومن لم يكن محتاجًا إليها فلا ينبغي أن يجلس، بل يقوم ناهضًا على صدور قدميه.
فإن قال قائل: إذا كنت مأمومًا وأنا لا أرى استحبابها إلا عند الحاجة، والإمام يرى استحبابها، فهل أقوم قبله أو أتابعه؟
فالجواب: أتابعه؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ»، ولأنني لو كنت سبقته إلى القيام، فنقول: اجلس، وإن لم ترها.
بالعكس لو كان الإمام لا يراها، والمأموم يراها، والإمام ينهض قائمًا بدون تأخير، فهل يُسن للمأموم أن يفعلها؟ لا، لا يسن؛ لأن صلاته الآن ارتبطت بصلاة الإمام.
وقد نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الفتاوى، على أن الإمام إذا كان لا يجلس لا تجلس.
ولكن إذا قال قائل: هذه جلسة يسيرة، لا تخل بالمتابعة، كما لو أطلت السجود بعده، قلنا: وإطالة السجود بعده أيش؟ غير مشروعة، هذه واحدة.
والثانية: إذا أطلت السجود بعد قيام الإمام فما فعلت إلا أنك أطلت شيئًا مشروعًا لك وهو السجود، أما الجلسة فهي غير مشروعة ما دام الإمام قد نهض، وإذا كان الإمام إذا نهض عن التشهد الأول مع وجوبه وجب على المأموم أن يتابعه، فكيف بشيء مستحب على خلاف فيه؟
طالب: من باب أولى.
الشيخ: نعم.
من باب أولى.
قال: (ويصلي الثانية كذلك)، (كذلك) يعني كالأولى، إلا في أشياء.
قال: (ما عدا التحريمة) يعني بذلك تكبيرة الإحرام؛ لأنه لو كبّر للإحرام أيش يكون؟ بطلت الركعة الأولى، ثم إذا أتى بركعة جديدة ثم قام للثالثة بتكبيرة الإحرام.
طلبة: بطلت الثانية.
الشيخ: بطلت الثانية وهلم جرًّا؛ ولهذا قال: (ما عدا التحريمة).
إذا قال قائل: كيف ما عدا التحريمة، أليس الساجد يقوم مكبرًا؟
طلبة: بلى.
الشيخ: أجب؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بلى، لكن هذه التكبيرة ليست بعد أن يقوم، هذه التكبيرة في أثناء نهوضه.
(ما عدا التكبيرة والاستفتاح) فإنه لا يستفتح؛ لأن الاستفتاح إنما يكون في الركعة الأولى.
(والتعوذ) التعوذ: يعني يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وهذا مبني على أن قراءة الصلاة واحدة.
وقال بعض أهل العلم: بل يشرع أن يتعوذ في كل ركعة.
والذي تميل إليه النفس أنه لا يتعوذ إلا في أول ركعة؛ لأن الصلاة شيء واحد، قراءة بينها تكبير وتسبيح ودعاء، وهذا لا يقطع القراءة الأولى حتى نقول: لا بد من تجديد التعوذ.
الرابع: (وتجديد النية) معلوم، ما يجدد النية، لو قلنا: يجدد النية كم يكون من نية في الصلاة الرباعية؟
الطلبة: أربعة.
الشيخ: أربع نيات، وهذا غير صحيح، النية الأولى تكفي، ثم إذا قلنا في تجديد النية وقلنا باستحباب النطق بها، وهو قول ضعيف جدًّا، صار معناه أن كل ما قام قال: اللهم إني نويت.
أيش نويت؟ نويت أن أكمل صلاتي ولَّا أبدأ صلاتي؟
طلبة: أن أكمل.
الشيخ: أن أكمل.
انتبه لهذا.
يعني لو قلنا بتجديد النية فهو يجدد نية للتكميل لا للابتداء، لو جدد نية للابتداء بطل الأول، وهذا مشكل.
ومن الغرائب على القول باللفظ بالنية أن رجلًا عاميًّا كان يصلي في المسجد الحرام؛ فلما أقيمت الصلاة كبر الإمام، قال هذا للمأموم: اللهم إني نويت أن أصلي صلاة الظهر في المسجد الحرام، خلف الإمام الفلاني.
وجاء يكبر، قالوا: الآن اصبر يا ولد، باقي عليك.
قال: وأيش بقي؟ قال: باقي التاريخ، الآن ذكرت المكان، وذكرت الإمام، وذكرت الصلاة، ما بقي إلا التاريخ، وأيش اليوم من الشهر، وأيش اليوم من الأسبوع!
أقول لكم: هذا مما يدل على أن الأقوال الضعيفة تنكرها الفطر، هل الرب عز وجل خافٍ عليه حتى تجهر بالنية لتخبره؟ أبدًا، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: 16].
هل نبيك وإمامك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم هل كان يجهر بها؟
طالب: لا.
الشيخ: يقول: اللهم إني نويت؟ لا، إذن يا أخي خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
طالب: فضيلة الشيخ، في هذه -هيآت السجود والركوع- هل واحد بين الرجال والنساء؟
الشيخ: إي نعم.
الصحيح أن صلاة النساء كصلاة الرجال، إلا إذا صح الدليل بالمخالفة؛ لأن الأصل أن ما ثبت بحق الرجال ثابت في حق النساء، وما ثبت في حق النساء ثابت في حق الرجال إلا بدليل؛ ولهذا كان القول الراجح أن قوله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا» في النساء اللاتي يصلين مع الرجال في مكان واحد، أما إذا كن منعزلات فخير صفوف النساء أولها.
طالب: شيخ، بارك الله فيكم، إذا نسي الإنسان الاستعاذة في الركعة الأولى أو تركها عمدًا، هل يستعيذ في الثانية والرابعة مثلًا؟
الشيخ: الظاهر إذا نسي أنه يستعيذ متى ذكر.
طالب: (... ) اليدين على (... ).
الشيخ: تشهد؟
الطالب: (... )
الشيخ: ما وصلناها.
طالب: حفظك الله، بالنسبة يا شيخ إلى السجود هل يكون الرأس بين اليدين؟
الشيخ: إي، في السجود ورد فيه صفات؛ إما أن يكون الرأس بين الكفين، وإما أن تكون الكفان على حذاء المناكب.
كلها جائزة.
طالب: عفا الله عنك يا شيخ، بعض الناس يبالغ في جلسة الاستراحة، والإنسان اللي يصل وراه يا شيخ ما يتمكن من السجود والركوع يا شيخ، ومثله وتكبيرات (... ) في رفع اليدين في محالها، كلها يهملونها -بعض الناس- وجلسة الاستراحة كثير جدًّا يعتني بها يا شيخ، يهملون مثل الطمأنينة، الطمأنينة اللي هي ركن يا شيخ يهملونها.
الشيخ: وعلى كل هذا قد يكون، إن بعض الناس يحرص على بعض السنن ويفرط في كثير منها، لكن أهم شيء عندي يا إخوان، يا أيها الطلبة أهم شيء عندي ألا يكون هذا الاختلاف سببًا للجدال، وانتفاخ الأوداج، واحمرار الأعين، بل ناقش بهدوء، وإذا تبين الحق وجب على الجميع الرجوع إليه، وإذا لم يتبين لكل واحد منا أن صاحبه على حق فالحمد لله كل يأخذ بما أداه إليه اجتهاده، والحساب على من؟ على من الحساب؟
الطلبة: على الله.
الشيخ: على الله عز وجل، أنت يا أخي اخش الله قبل خشية الناس، وتواضع لرفع الحق، متى تبين الحق ولو كان فيه إبطال لقولك، حتى لو كنت تدعو لما تقول سنين، إذا تبين الحق يجب أن ترجع إليه، ولا تعرف الحق بالرجال، ولكن اعرف الرجال بالحق، لو كنا لا نعرف الحق إلا بالرجال كان هذا الذي يطيل أكمامه ويوسعها، ويطيل ذؤابة العمامة، ويطيل المسواك، لقلنا: هذا الرجل المعصوم، لكن ما هو بصحيح هذا، يجب أن نعرف الرجال بالحق؛ لأن الرجل يوزن بما معه من الحق، كلما وجدنا الإنسان أتبع للسنة فهو صاحبنا، وكلما وجدنا الإنسان متعصبًا لرأيه فليس صاحبًا لنا، بل ننكره وننكر منهجه، الواجب اتباع السنة حيثما كانت؛ لأننا نحن مأمورون باتباع سيد المرسلين عليه الصلاة والسلام: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: 65] شوف السؤال عن شيئين؛ عن الرسالة، وعن التوحيد.
في التوحيد: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 62] فيسأل عن التوحيد ويسأل عن الرسالة.
اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
قال المصنف رحمه الله تعالى: ثم يجلس مفترشًا، ويداه على فخذيه، يقبض خنصر يده اليمنى وبنصرها، ويحلق إبهامها مع الوسطى، ويشير بسبابتها في تشهده، ويبسط اليسرى، ويقول: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وهذا التشهد الأول، ثم يقول: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد، ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك، وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مكبرًا بعد التشهد الأول، وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط، كما يجلس في تشهده الأخير متوركًا، والمرأة مثله، لكن تضم نفسها، وتسدل رجليها في جانب يمينها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نستمر في بيان صفة الصلاة، ولا شك أنه يجب على الإنسان أن يتعلم كيف يصلي، كيف يتوضأ، كيف يزكي إذا كان ذا مال، كيف يحج إذا وجب عليه الحج، كيف يصوم إذا وجب عليه الصيام؛ لأن شرط العبادة الإخلاص، وأيش؟
طلبة: والمتابعة.
الشيخ: والمتابعة، ولا تمكن المتابعة إلا بمعرفة كيف كان الرسول يفعلها عليه الصلاة والسلام.
انتهينا إلى قول المؤلف رحمه الله: (ويصلي الثانية كذلك ما عدا التحريمة والاستفتاح والتعوذ وتجديد النية).
قال: (ثم يجلس مفترشًا) هذا الجلوس هو الجلوس للتشهد.
(يجلس مفترشًا) مفترشًا أيش؟ مفترشًا رجله اليسرى، أي جاعلًا إياها كالفراش، بحيث يكون معتمدًا عليها؛ ظهرها إلى الأرض، وبطنها إلى أليته.
ومن صفة الافتراش: أن ينصب الرِّجل اليمنى، فتكون اليمنى منصوبة خارجة عن جنبه، واليسرى مفروشة.
يقول: (ويداه على فخذيه) يعني: والحال أن يديه على فخذيه، فتكون الجملة في قوله: (يداه على فخذيه) تكون في موضع نصب على الحال.
(ويقبض خنصر اليمنى وبنصرها) الخنصر: الصغير.
والبنصر جاره الذي إلى جنبه.
(ويحلق إبهامها مع الوسطى) يجعلهما كالحلقة هكذا.
هذه إحدى الصفتين، الصفة الثانية: أن يضم الخنصر والبنصر والوسطى، ويضم إليهن الإبهام، وتبقى السبابة مفتوحة.
فهاتان صفتان، هل يداوم على إحداهما؟
الجواب: سبق لنا الكلام في هذا، وهو قاعدة في جميع العبادات المتنوعة: هل الأفضل أن يلزم الإنسان نوعًا منها واحدًا أو أن يفعل كل الأنواع؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني هو الصواب، إذا كنت تعلم الأنواع فخذ بكل نوع في موضعه، وذكرنا أن في ذلك فوائد.
طالب: إحياء السنة.
الشيخ: إحياء السنة.
طالب: فيها تمام الاقتداء.
الشيخ: تمام، أيش؟
الطالب: فيها تمام الاقتداء بالنبي بمحمد.
الشيخ: نعم، تمام الاقتداء.
طالب: فيها حضور القلب.
الشيخ: حضور القلب.
طالب: فيها حفظ السنة.
الشيخ: حفظ السنة، وهذا غير إحياء السنة، هذا زيادة عندنا.
قال: (ويحلق إبهامها مع الوسطى، ويشير بسبابتها في تشهده) يعني: يشيع بها عند التشهد، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله يشير بها، يرفعها هكذا، وقيل: يشير بها عند ذكر اسم الله، كلما ذكر اسم الله عز وجل أشار بها، فمثلًا يقول: التحيات لله، ويشير إلى العلو؛ لأن الله سبحانه وتعالى في العلو فوق كل شيء.
وقيل: يشير في الدعاء، يشير بها في الدعاء فقط، في الجملة الدعائية، وهذا هو الأقرب، ولم أعلم إلى ساعتي هذه أنه يشير بها عند التشهد، ولا عند لفظ الجلالة، وإنما جاء الحديث: يحركها يدعو بها.
وهذا يدل على أنها تحرك عند كل جملة دعائية.
ننظر في التشهد: السلام عليك أيها النبي، دعاء أو خبر؟
الطلبة: دعاء.
الشيخ: دعاء.
السلام علينا؟
طلبة: دعاء.
الشيخ: دعاء.
اللهم صل محمد؟
طلبة: دعاء.
الشيخ: اللهم بارك على محمد؟
الطلبة: دعاء.
الشيخ: أعوذ بالله من عذاب جهنم.
الطلبة: دعاء.
الشيخ: المهم في الدعاء إشارة إلى علو المدعو جل وعلا.
والباقي ذكر بعض العلماء أنها تبقى مرفوعة نوعًا ما ومحنية الرأس –أعني السبابة- والظاهر أنه لا يلزم هذا، يعني يطلق، ولكن لا يضمها إلى الأصابع، لو ضمها إلى الأصابع لكان تعيين ظن الخنصر والبنصر والوسطى والإبهام عبثًا، ولو شرع أن تضم لكان يضم الخمسة جميعًا هكذا، فهي لا تضم.
ولكن هل يبقى رافعًا لها دائمًا؟
لا؛ لأنه لو كان كذلك لم يكن يشير بها عند الدعاء.
وهل يبقى يحركها دائمًا؟
لا، لا يحركها دائمًا، وهذا إلى العبث أقرب منه إلى المشروع، ولا معنى له، كيف يحركها هكذا! كذا رأينا بعض الناس يقول هكذا، هذا يحتاج إلى دليل، أنه يحركها من أول ما يجلس إلى أن ينتهي، يحتاج إلى دليل.
فصار الأقوال في الإشارة بها.
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة؛ إما في التشهد، وإما عند لفظ الجلالة، وإما عند الدعاء، وهذا أقرب الأقوال.
وهل يكون وضع اليد اليمنى بين السجدتين كهذا؟ نعم، هو هكذا بين السجدتين، وقد ذكر هذا وائل بن حُجْر رضي الله عنه، وقد ذكره ابن القيم في زاد المعاد حكمًا ثم دليلًا، ذكره في زاد المعاد وقال: يفعل هكذا في السجدتين.
واستدل بحديث وائل بن حجر، وحديث وائل بن حجر ذكر صاحب الفتح الرباني أن إسناده جيد، وذكر المحشي على زاد المعاد أنه صحيح.
وقال بعض الناس: إنه شاذ.
وأنا لا أدري كيف كان شاذًّا؟ هل خالف أحدًا حتى نقول: شاذ؟ لأن من شرط الشذوذ أن يكون فيه مخالفة، ولم أعلم إلى ساعتي هذه -وأنتم ابحثوا- أن وضع اليد اليمنى على الفخذ تكون مبسوطة، وإنما الذي ذُكر أنها مبسوطة هي اليد اليسرى، أما اليد اليمنى ففي بعض ألفاظ حديث ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس للتشهد قبض أصابعه التي تقبض، وفي بعض الألفاظ: إذا قعد في الصلاة.
فهنا عندنا شيء مطلق وشيء مقيد، ومن القواعد المعروفة في أصول الفقه أنه إذا ذكر بعض أفراد المطلق بحكم لا يخالف المطلق فإنه لا يعتبر قيدًا.
ولذلك الذي أدين الله به أن حال اليد اليمنى فيما بين السجدتين كحالها في التشهد، ومن وجد في السنة ما سوى ذلك فليسعفنا به، حتى لا نضل ونُضِلّ؛ لأننا نحن سنعمل به إن شاء الله وعاملون به، ولكن أيضًا لا نضل غيرنا؛ لأن هذه شريعة، لن تجد أبدًا في أي حديث -فيما أعلم بعد البحث- أن اليد اليمنى تكون مبسوطة على الفخذ أبدًا.
ولقد كنت أقرر أن اليد اليمنى تكون مبسوطة بين السجدتين كاليسرى، ويكون الجلوس افتراشًا، في التشهد الأول يكون الجلوس افتراشًا واليد مقبوضة، فهذا فرق بين الجلستين، في التشهد الأخير تكون اليد مقبوضة فيوافق التشهد الأول لكن يختلف عنه في صفة الجلوس.
فأقول: هذا من المناسبة ومن الحكمة أن تكون الجلسات تختلف، يتفق التشهد الأول والجلوس بين السجدتين في أيش؟
طلبة: الافتراش.
الشيخ: في الافتراش.
ويختلفان في..
طلبة: قبض اليد.
الشيخ: في قبض اليد.
ويتفق التشهد الأول والأخير في قبض اليد، ويختلفان في الافتراش، كنت أقرر هذا برهة من الزمن، حتى نبهني على ذلك بعض الفضلاء، وأحالني على كلام ابن القيم -رحمه الله- فراجعته، وإذا هو كما قال، أن وضع اليد بين السجدتين كوضعها في التشهد، ومع ذلك أنا أقول لكم: أرجو منكم إذا وجدتم شيئًا يخالف ذلك فأسعفونا به، نحن نطلب الدليل في هذا وغيره.
أما اليسرى فتبسط على الفخذ، وهذه إحدى الصفتين؛ فيه الصفة الثانية: أن اليد اليمنى تقدم حتى تكون على رأس الركبة، وهي مقبوضة واليد اليسرى تلقم الركبة، تلقم الركبة هكذا، وكلا الأمرين سنة، وإذا فعلت هذا مرة وهذا مرة فهو أفضل على حسب القاعدة التي ذكرناها.
ويقول: (التحيات لله والصلوات والطيبات) التحيات معناها: جميع التعظيمات لله عز وجل.
وانظر إلى الجمع و (أل)، (أل) تفيد العموم، والجمع يفيد العموم، أي جميع التعظيمات المطلقة العظيمة لا يستحقها إلا الله عز وجل.
(والصلوات) نص عليها لأن الإنسان يذكر الله تعالى بها في الصلاة، وما المراد بالصلوات؟
المراد بالصلوات المفروضة والنافلة، كلها لله، ولا يجوز أن تصرف إلا لله عز وجل.
(والطيبات) الطيبات تشمل جهتين: من جهة الخالق عز وجل، ومن جهة المخلوق.
أما من جهة الخالق فمعناها أن جميع الأوصاف الطيبة والأفعال الطيبة لمن؟ لله؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ».
من جهة فعل المخلوق أن الله تعالى لا يقبل إلا الطيب؛ الطيبات من الأعمال، والطيبات من الأعمال ما وافق الشريعة، وما خالف الشريعة فليس بطيب.
إذن الطيبات لها معنيان؛ الطيبات من جهة الخالق، الطيبات من جهة المخلوق؛ فالله تعالى موصوف بالطيب، أفعاله طيبة، أقواله طيبة، أحكامه الشرعية طيبة، أحكامه الكونية طيبة، كل ما صدر منه جل وعلا فهو طيب.
كذلك أيضًا بالنسبة لفعل العبد: ليس لله إلا الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، لا من الأعمال، ولا من الأموال، ولا غيرها؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى أله وسلم: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا».
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) (السلام عليك) هذا دعاء أو خبر؟
طلبة: دعاء.
الشيخ: نعم.
دعاء ولَّا خبر؟
الطلبة: دعاء.
الشيخ: دعاء، نعم، دعاء، تسأل الله تعالى أن يجعل السلام على نبيه عليه الصلاة والسلام، وما هو السلام؟
السلام من كل آفة، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم واضح أن ندعو له بالسلامة من كل آفة، وهل بعد مماته يمكن أن تلحقه آفة حتى ندعو له بالسلامة؟
الجواب: نعم، يمكن أن يسطو عدو فاجر على قبره فيستولي على جثته، كما حاول ذلك بعض الملحدين والمنافقين.
أيضًا سلام أعم مما تتصور، وهو سلامة شرعه، فالسلام عليك يشمل سلامته ببدنه عليه الصلاة والسلام، وسلامة شرعه، ولهذا نقول في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر-3]: إن مبغضك هو الأبتر، ومبغض دينك هو الأبتر.
إذن (السلام عليك يا أيها النبي) انتبه يا أخي، أنت كل يوم تصليها، (السلام عليك أيها النبي) على ذاته، وعلى أيش؟
طلبة: شرعه.
الشيخ: وعلى شرعه.
(أيها النبي) أي: يا أيها النبي، والمراد بالنبوة هنا ما يشمل الرسالة.
وقوله: (عليك) فيه إشكال، وهو وجود كاف الخطاب، وكاف الخطاب مخاطبة للآدمي، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ».
فما الجواب عن هذه الشبهة؟
الجواب: أن الذي يقول في صلاته: (السلام عليك أيها النبي) لا يريد أن هذا كخطابه فيما لو مر به.
أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: الآن حتى الذين يصلون وراء النبي صلى الله عليه وسلم لا يعتقدون أن قولهم: (السلام عليك أيها النبي) كقولهم: (السلام عليك يا رسول الله) إذا مروا به، ولذلك لا يترقبون من الرسول صلى الله عليه وسلم إجابة، ولا هم يجهرون بها حتى يسمع.
فإذا قال قائل: إذن ما الفائدة؟ لماذا لا نقول: السلام على النبي؟
قلنا: الفائدة قوة استحضار الإنسان لمن يدعو له، كأنه أمامه يخاطبه، وليس كالخطاب المعتاد، انتبه، أفهمتهم الآن ولَّا هذه فيها إشكال؟ أن تخاطب النبي صلى الله عليه وسلم وأنت تصلي، والصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
فنقول: الجواب: أن هذا ليس كالخطاب المعتاد الذي يقوله الإنسان حين يمر بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن هذا لقوة استحضاره كأنه أمامه، فيقول: (السلام عليك أيها النبي).
ومن المعلوم أنك إذا قلت: (السلام عليك أيها النبي) بمجرد ما تلفظ بها تبلغ الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
من يبلغها؟ الملائكة تبلغها إياه بأبي هو وأمي، طيب، من أجل ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: كنا نقول والنبي صلى الله عليه وسلم حي: السلام عليك أيها النبي، فلما مات كنا نقول: السلام على النبي.
فهل نحن نقول كما قال ابن مسعود؟
لا، هذا اجتهاد من ابن مسعود لكنه ليس بصواب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم أمته التشهد، ولم يقل: تشهدوا بهذا ما دمت حيًّا، فإذا مت فقولوا: السلام على النبي، ولأن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو أفقه من ابن مسعود وأعلم من ابن مسعود، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إِنْ يَكُنْ فِيكُمْ مُحَدَّثُونَ فَعُمَرُ» قال على منبر النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه مالك في موطئه بإسناد من أصح الأسانيد، قال وهو يعلم الناس التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم، قالها على ملأ من الصحابة، ولم يقم واحد منهم فيقول: يا أمير المؤمنين، كنا نقول كذا وكذا.
فلذلك كان الصواب ما عليه عامة الأمة أن تقول: (السلام عليك أيها النبي).
ومن المعلوم أن الناس في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام يقولون: (السلام عليك أيها النبي)، وهم في بلاد أخرى لا يسمعها الرسول، ولا يتوقع أن يسمعها، وكذلك من في مسجده؛ الصفوف المؤخرة وأطراف الصفوف لا يقصدون بهذا أن الرسول يسمعهم حتى نقول: إن المخاطب الآن في الأرض مدفون.
ولكن بهذا وأمثاله مما يقع من فقهاء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم يتبين لك قصور الإنسان، وأن الإنسان مهما أوتي من العلم والفقه فإنه قاصر، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف- 76] إلى أن ينتهي إلى من؟ إلى عالم الغيب والشهادة عز وجل، وكل إنسان يؤخذ منه قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (... ).
طالب: أما بعد، فقد قال المصنف رحمه الله تعالى: ثم يقول: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
انتهينا في صفة الصلاة والحمد لله إلى؟
طلبة: التشهد الأول.
الشيخ: التشهد الأول (التحيات لله والصلوات والطيبات) فما معنى التحيات؟
طالب: التعظيمات.
الشيخ: نعم، يعني جميع التعظيمات ثابتة لله عز وجل.
الطيبات؟
طالب: الطيبات نوعان: طيبات تتعلق بالخالق، وطيبات تجب لله عز وجل وتتعلق بالمخلوق؛ فإن كل ما وافق الشرع فإن الله عز وجل يقبله.
الشيخ: يعني معنى الطيبات من أقواله سبحانه وتعالى وأفعاله وأحكامه، والطيبات من أفعال الخلق.
إذن لا يمكن أن يوصف الله تعالى بخلاف الطيب، كذا أن تقول: الطيبات لله، ولا يتقرب إليه بالخبيث؛ لأنك تقول: الطيبات لله.
(السلام عليك أيها النبي) السلام على النبي بعد موته؟
طالب: تتضمن الدعاء بالسلامة لجسده من أن يعتدي عليه أحد.
الشيخ: بسلامة جسمه أن يعتدي عليه أحد؛ لأنه قد حاول بعض الأشقياء أن يصل إلى جسمه الشريف ويأخذه.
هذه واحدة.
الطالب: ثانيًا: الدعاء لشريعته بالسلامة.
الشيخ: نعم.
الدعاء بالسلامة على الرسول يشمل الدعاء بسلامة شريعته، وما أكثر الذين يحاولون هدم هذه الشريعة، عقيدة وعملًا ومعاملة، أليس كذلك؟
طلبة: بلى.
الشيخ: وقوله: (ورحمة الله وبركاته) بدأ بالسلام قبل الرحمة؛ لأن السلام فيه الخلو من الآفات، والرحمة فيها حصول الخيرات.
(وبركاته) جمع بركة، وهو أن يبارك الله سبحانه وتعالى لهذا الرسول الكريم بالعمل وبكل شيء.
ولقد بارك الله عليه.
من أكثر الأنبياء تابعًا؟
طلبة: الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء تابعًا، ومن بركته عليه الصلاة والسلام، أو من بركة الله عليه أن جعل من أمته العلماء الربانيين والعباد الأتقياء، فإن كل عملٍ يقوم به واحد من هذه الأمة فللنبي صلى الله عليه وسلم مثل أجره، كل عمل، من يحصي الأمة؟ لا يحصيهم إلا الذي خلقهم.
ولهذا كان من الخطأ -وإن شئت فقل: من السفه- أن يُهدي الإنسان ثواب شيء من الأعمال الصالحة للرسول عليه الصلاة والسلام، يعني لا يشرع أن تضحي له، أو أن تحج له، أو أن تتصدق له، هذا غير مشروع.
قد يقول العامي: أعوذ بالله، غير مشروع! أتصدق عن أبوي، ولا أتصدق عن رسول الله؟ نعم ربما يقول هكذا.
فنقول: نعم، رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ أجرك قبل أن تُهديه، أليس كذلك؟ لو تصدقت لنفسك فللرسول مثلك، فما إهداؤك ثواب الصدقة للرسول إلا حرمان نفسك من ثوابها فقط، وإلا فالأجر واصل.
ولهذا كان أفقه الأمة بشريعة الله لم يفعلوا ذلك بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام، ما منهم أحد ضحّى عنه، أو اعتمر عنه، أو حج عنه، أبدًا، ولهذا نعتبر هذا الأمر بدعة، وكل بدعة.
طلبة: ضلالة.
الشيخ: ضلالة.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) سبحان الله، ما أحسن هذا الترتيب، بدأ أولًا بحق الله عز وجل، ثم بحق الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بحقنا أنفسنا، ثم بحق عباد الله الصالحين، ترتيب عظيم، يُبدأ بالأهم فالأهم.
(السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) هل نعتبر أنفسنا داخلين في قوله: (عباد الله الصالحين)؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، وعليه فيكون تعميمًا بعد؟
الطلبة: تخصيص.
الشيخ: تخصيص.
(وعلى عباد الله الصالحين) من الصالحون؟
الصالحون هم الذين قاموا بحق الله وحق العباد، لكن إن كمّلوا ذلك بالمكملات التحقوا بالصديقين والشهداء.
(أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) اللهم توفنا عليها يا رب العالمين.
الشيخ: (أشهد أن لا إله إلا الله) يعني أعترف بلساني، موقنًا بقلبي أن لا إله إلا الله، وأن جميع الآلهة سوى الله باطلة؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: 62] لكن هل يسمى ما دونه آلهة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، بنص القرآن: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: 213]، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: 101]. لكن كل الآلهة باطلة إلا الله عز وجل، إذن: (أن لا إله إلا الله) يعني: لا يوجد إله حق أيش؟
طلبة: إلا الله.
الشيخ: إلا الله، ولذلك كان أصح الأقاويل في خبر (لا) النافية للجنس أنه محذوف، وتقديره: حق، لا إله حق إلا الله.
وما معنى (إله)؟
قال العلماء: (إله) بمعنى مألوه، يعني لا مألوه، أي: لا أحد تألهه القلوب، وتحن إليه، وتحبه، وتعظمه، وترجوه، وتخافه، وتتوكل عليه إلا الله عز وجل.
(وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) وهذه العبودية أخص أنواع العبودية؛ لأن العبودية قسمان: عامة وخاصة.
والخاصة قسمان أيضًا: خاصة أخص، وخاصة فوق ذلك.
العبودية العامة: هي التذلل لله عز وجل كونًا وقدرًا، هذه عامة لا أحد يخرج منها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 53].
الكفار عبيد لله بهذا المعنى؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، لا يمكن أن يشذوا عن حكمه الكوني.
العبودية الخاصة: هي التعبد لله تعالى شرعًا، والذل له شرعًا.
ثم هذه العبودية الخاصة تنقسم إلى قسمين: أخص، وفوق ذلك.
أخص العبوديات الشرعية هي: عبودية الرسل عليهم الصلاة والسلام، هم أعبد الناس لله.
وللرسول صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله، أخصها وأعظمها.
(عبده ورسوله) (ورسوله) يعني مرسله؛ لأن الله تعالى أرسله إلى من؟
طلبة: إلى الناس أجمعين.
الشيخ: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: 79]، كل الناس.
وفي هذا ردٌّ على طائفتين منحرفتين غاية الانحراف:
الطائفة الأولى: غلت بالرسول عليه الصلاة والسلام حتى أنزلته فوق العبودية، وجعلته في منزلة الرب، بل ربما يكون أعظم عندهم من الرب؛ ولذلك تجد عندهم من انكسار النفس والذل إذا ذكر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكثر مما يكون عندهم إذا ذكر الله، حتى إنهم ليدعونه ويسألونه تفريج الكربات.
ورد على طائفة أخرى منحرفة وهي المكذبة للرسول، الذين يقولون: إنه ليس برسول.
فعبده ورسوله ترد على أيش؟ الطائفتين؛ الغالية فيه، والجافية عنه.
(وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) هذا التشهد الأول يقتصر عليه، ثم يقوم ليقضي بقية صلاته إن كان في ثلاثية أو رباعية.
لكن المؤلف -رحمه الله- أكمل التشهد فقال: (اللهم صل على محمد).
(اللهم) أصلها يا الله، لكن حصل فيها تصريف وهو حذف ياء النداء، وعوضت عنها الميم، ولم تُجعل الميم في مكان الياء تيمنًا بالابتداء بذكر الله عز وجل، واختصت الميم من بين سائر الحروف لأن الميم دالة على الجمع، فكأن الإنسان إذا قال: (اللهم) قد جمع قلبه على من؟ على الله عز وجل، فيدعوه.
وقوله: (اللهم صل على محمد) اختلف العلماء في معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استحسن كثير من العلماء قول أبي العالية الرياحي رحمه الله: إن صلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.
(على محمد وعلى آل محمد) من الذي علم الأمة هذه الصيغة؟
طلبة: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: من؟
طلبة: رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: النبي صلى الله عليه وسلم.
النبي.
طلبة: نعم.
الشيخ: من أعلم الناس بحق الرسول؟
الطلبة: هو صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم، من أنصح الناس في توجيههم للخير؟
الطلبة: الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الرسول.
أقول ذلك لأنا نسمع أن بعض الناس يقول: اللهم صل على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد.
من أين جاءوا بهذه الصيغة؟
نحن والله نعتقد أن محمدًا رسول الله سيدنا، وليس عندنا في ذلك شك، لكن من تمام سيادته ألا نتجاوز ما علمنا ونزيد عليه؛ ولهذا نقول: إن من قالوا: اللهم صل على سيدنا محمد هم إلى الإثم أقرب منهم إلى السلامة، إلى الإثم.
أما الأجر ما لهم أجر؛ لأنهم زادوا في دين الله ما ليس منه، نحن نعلم أن الرسول سيدنا، ونقول كما قال عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ»، لكن من سيادته علينا ألا نتجاوز ما علمنا.
الآن: (اللهم صل على محمد) ما قلنا: على رسول الله؛ لأننا أثبتنا ذلك في الأول: (السلام عليك أيها النبي).
فإذا قال قائل: أليس الله تعالى يقول: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63]؟ قلنا: بلى، قال الله ذلك، لكن ما معنى الآية؟ هل معناها: إذا ناديتموه لا تجعلوه كما تنادون -ينادي بعضكم بعضًا- ولكن نادوه بالنبوة أو بالرسالة؟ أو المعنى: لا تجعلوا دعاءه إياكم كدعاء بعضكم بعضًا، إن شئتم أجبتم وإن شئتم لا تجيبون؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: كلاهما، يعني: لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، ولا تجعلوا دعاءه إذا دعاكم كدعاء بعضكم بعضًا؛ إن شئتم أجبتم وإن شئتم فلا.
قلنا: بلى لكن دعاءه إنشاء، و (اللهم صل على محمد) إخبار، وباب الإخبار أوسع من باب الإنشاء؛ فلذلك ينهى الرجل أن يقول: يا محمد، ولكن لا ينهى أن يقول: اللهم صل على محمد، بل هذا هو الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
(وعلى آل محمد) من آله؟ آله قرابته؟ المؤمنون من أمته؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: نعم، قال بعض الناس: الآل هم الأقارب.
وهذا لا شك فيه، لكننا نعلم أننا إذا قلنا: إن آل الرسول أقاربه على الإطلاق دخل فيهم أبو لهب؛ ولهذا قال الشاعر أو الناظم:
آلُ النَّبِيِّ هُمُ أَتْبَاعُ مِلَّتِهِ
مِنَ الْأَعَاجِمِ وَالسُّودَانِ وَالْعَرَبِ
لَوْ لَمْ يَكُنْ آلُهُ إِلَّا قَرَابَتَهُ
صَلَّى الْمُصَلِّي عَلَى الطَّاغِي أَبِي لَهَبِ
لكنا نقول: الصحيح أن الآل إن قرنت بالأصحاب والتابعين فالمراد بها المؤمنون من قرابته، وأول من يدخل فيهم زوجاته، وأما إذا ذكر مفردًا مثل التشهد فالمراد بهم المؤمنون من أمته.
فإن قال قائل: وهل تأتي (آل) في اللغة العربية بمعنى الأتباع؟
الجواب: نعم، اقرأ قول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]، آله يعني أتباعه، وليس المراد قرابة فرعون فقط.
(كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) نزاع كثير على قولك: (كما صليت على إبراهيم) ووجه النزاع أنهم قالوا: إن المشبه أدنى حالًا من المشبه به.
اللهمَّ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ وعلى آلِ محمَّدٍ كما صَلَّيْتَ على آلِ إبراهيمَ إنك حَميدٌ مَجيدٌ، وبارِكْ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ كما بارَكْتَ على آلِ ابراهيمَ إنك حَميدٌ مَجيدٌ " ويَستعيذُ من عذابِ جَهنَّمَ وعذابِ القَبْرِ وفِتنةِ الْمَحْيَا والْمَمَاتِ وفِتنةِ المسيحِ الدَّجَّالِ، ويَدعو بما وَرَدَ، ثم يُسَلِّمُ عن يمينِه " السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ " وعن يَسارِه كذلك، وإن كان في ثُلَاثِيَّةٍ أو رُباعيَّةٍ نَهَضَ مُكَبِّرًا بعدَ التشَهُّدِ الأَوَّلِ وصَلَّى ما بَقِيَ كالثانيةِ بـ (الحمدُ) فقط ثم يَجْلِسُ في تَشَهُّدِه الأخيرِ مُتَوَرِّكًا، والمرأةُ مثلُه لكن تَضُمُّ نفسَها وتُسْدِلُ رِجْلَيْهَا في جانِبِ يَمِينِها.
أفضل من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله، النبي وآله أفضل من إبراهيم وآله.
فقال بعض العلماء: إن قوله: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، مِن آل إبراهيم محمد عليه الصلاة والسلام، فيكون هذا قد ذكر مرتين، مرة: صلِّ على محمد وآل محمد، ومرة: كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.
لكن هذا الجواب فيه نظر؛ لأن الجملة الثانية ما هي دعاء، الثانية خبر.
وقال بعضهم: إنه لا يمنع أن يكون المشبه أقوى من المشبه به، وإن كان هذا نادرًا، لكن هذا من النادر.
والقول الراجح في هذه المسألة أن الكاف هنا ليست للتشبيه، وإنما هي للتعليل، فيكون المعني: على محمد وآل محمد؛ لأنك صليت على إبراهيم، فيكون هذا من باب التوسل بفعل الله على نظيره، والتوسل بفعل الله على نظيره مشروع.
فإذا قال قائل: وهل تأتي الكاف للتعليل؟
فالجواب: نعم، واسمع كلام الإمام ابن مالك رحمه الله في الألفية يقول:
شَبِّهْ بِكَافٍ.................
..................................
من يحفظ البيت؟ شَبِّه بِكافٍ، واحد، اثنان ثلاثة، سبحان الله! ! طالب العلم لا ينبغي أن يدع حفظ الألفية.
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ
يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ
احفظ البيت أعيده:
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ
يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ
الشاهد قوله:
.... وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ
يُعْنَى..........................
فنقول: الكاف هنا للتعليل وليست للتشبيه، وإذا قلنا للتعليل بطل الإشكال من أصله، وانتهى الإشكال من أصله، وانتهى الدرس في نهاية وقته (... ).
طالب: وبارك على محمد.
الشيخ: أنا عندي (كما صليت على آل إبراهيم) عندكم هكذا؟
طالب: على آله.
الشيخ: على آل إبراهيم.
طالب: وعلى محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ويستعيذ من عذاب جهنم وعذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، ويدعو بما ورد، ثم يسلم عن يمينه السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
ذكر المؤلف بقية التشهد عند قوله: (اللهم صلِّ على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم) وذكرنا الإشكال الذى أورده بعض العلماء على قوله: (كما صليت على إبراهيم).
وذكرنا فيه جوابين أصحهما أن الكاف؟
طلبة: للتعليل.
الشيخ: للتعليل، وإذا كانت للتعليل كانت من باب التوسل إلى الله تعالى بأفعاله السابقة إلى أفعاله اللاحقة المطلوبة؛ يعني كأنه يقول: إنه يا ربنا، أنت صاحب الكرم والجود، تكرمت على إبراهيم وآله، وصليت عليهم، وباركت عليهم، فصلِّ وبارك على محمدٍ وآله، وإبراهيم هو الخليل؛ خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام، تنازع فيه اليهود والنصارى والمسلمون، فلمن حكم الله؟
طلبة: للمسلمين.
الشيخ: حكم الله للمسلمين، فقال جل وعلا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67].
(إنك حميد مجيد) (حميد) فعيل بمعنى (فاعل)، وبمعنى (مفعول)، بمعنى (فاعل)؛ لأنه عز وجل يحمد من يستحق الحمد من المؤمنين المتقين، وبمعنى (محمود)؛ لأنه سبحانه وتعالى محمود على إنعامه على كمال صفاته.
وكان النبى صلى الله عليه وسلم إذا أتاه ما يسره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإذا أتاه خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ» (1).
والعبارة المشهورة عند بعض الناس الحمد لله الذى لا يحمد على مكروه سواه، هذه مُنكَرة؛ لأن قائلها يُنبئ تمامًا على عدم رضاه بقضاء الله، وأنه كاره له، ولكن الله يحمده عليه، وخير الهدي هدي مَنْ؟
طلبة: محمد صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: هدْي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد كان يقول: إذا أتاه ما يسوؤه «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»، إذن حميد بمعنى حامد، وبمعنى محمود.
يقول حسان بن ثابت في مدح النبى صلى الله عليه وسلم:
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ
فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
أما مجيد فهي بمعنى اسم الفاعل؛ أى: ذو مجدٍ عظيم، والمجد صفات العظمة، اقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: 1] تجد أن في آياتها ذكر المجد والعظمة لله عز وجل لإذلال من يكونون كالذين عذبوا أصحاب الأخدود.
(وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد)؛ يعني أنزل البركة فيهم، والبركة كثرة في الخيرات، وساعته وثباته ودوامه؛ لأنها مشتقة من (البِرْكة)، وهي حوض كبير يجتمع فيه الماء، فالمراد بالبركات كثرة الخيرات وثبوتها ودوامها.
(على محمد وعلى آل محمد) وسبق تفسيرها.
(كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)، وهذا التشهد ورد على روايات؛ منها ما ذكر المؤلف: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» (2).
رواية أخرى: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» و «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» (3).
الرواية الثالثة: الجمع بينهما: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» (4).
فهل نقول: إن هذا من باب زيادة الثقة أو نقول: من باب تنوع العبادات؟
يُنظر إلى مخرج الحديث؛ إذا كان مخرج الحديث واحدًا، فهذا من باب زيادة الثقة، أما إذا كان متعددًا فإن كل طريق يُعتبر نوعًا آخر.
وقد ذكر بعض الفضلاء أنه لم يصح الجمع بينهما، لكنه ثابت في صحيح البخارى (... ) الإجماع.
(ويستعيذ بالله من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) هذه أربع، أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يستعيذ الإنسان منها في التشهد الأخير، كما جاء ذلك مصرحًا به في مسلم: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمُ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ» (5). فيه إشارة إلى أن التشهد الأول ليس محلًّا للدعاء، فلا ينبغي تطويله، وقد ذكر ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخففه حتى كأنما هو على الرضف (6) وهي الحجارة الحامية.
(أعوذ بالله من عذاب جهنم) جهنم: اسم من أسماء النار، والاستعاذة معروفة لكم ما هي؟
طلبة: الاعتصام بالله.
الشيخ: الاعتصام، واللجوء إلى الله عز وجل (من عذاب جهنم)، وكان من دعاء عباد الرحمن: ﴿رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65].
(ومن عذاب القبر) عذاب القبر: ما يكون قبل يوم القيامة، والمراد بالقبر هنا ما هو أعم من الحفرة التى يُدفن فيها الإنسان؛ إذ إن المراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة، كما قال عز وجل: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 100].
وإذا قلنا بهذا فلا فرق بين أن يُدفن الإنسان في البر، أو يغوص في البحر، أو تأكله السباع، أو تذروه الرياح، فكل هذا يسمى قبرًا، ويُعذَّب فيه الإنسان.
عذاب القبر ثابت بالقرآن والسنة؛ أما القرآن، فقال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ يعني سكراته ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: 93] الله أكبر! إنهم لشاححون بها، لا يريدون أن تظهر؛ لأنهم بُشِّروا قبلها بالغضب، والعياذ بالله؛ غضب الله عليهم، فلا يريدون أن تخرج؛ ولهذا باسطو أيديهم هكذا ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾، وفي هذا دليل على أن الملائكة لهم أيدي كما لهم أجنحة.
﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾، اليوم (أل) هنا للعهد؟
طلبة: الحضوري.
الشيخ: الحضوري ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾، وهذا صريح، ومن ذلك قوله تعالى في آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ أعوذ بالله! ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] إذن يُعرضون عليها غدوًا وعشيًّا متى؟ قبل الساعة ولَّا بعدها؟
الطلبة: قبل الساعة.
الشيخ: قبل الساعة، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
وقال الله تعالى في قوم نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: 25]، والفاء تدل على الترتيب والتعقيب قد ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾.
أما السنة فإنها متواترة بذلك، لو لم يكن منها إلا هذا الحديث الذي يقرؤه المسلمون، كلهم في كل صلاة، يقرؤونه، يقولون: نعوذ بالله من عذاب جهنم ومن عذاب القبر، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» (7)، فأمر أن نتعوذ بالله من عذاب القبر في كل وقت، ويتأكد ذلك في الصلاة.
(ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) (فتنة) اختبار، (المحيا) الحياة، (الممات) الموت، وهل للمحيا فتنة؟
طلبة: نعم.
الشيخ: نعم، له فتنة، فتنة المحيا ترجع إلى شيئين: شُبهه وشهوة؛ شُبهة يضل بها الإنسان، ولا يعرف الحق فيضيع، شهوة يعرف الحق، لكن لا يريده، وأيهما أشد؟
طلبة: الثانية.
الشيخ: الثانية أشد؛ لأن الأول الذي لا يعرف الحق ربما إذا عرفه استقام، فتعود فتنة المحيا إلى هذين الأمرين: الشبهات -نعوذ بالله- أو الشهوات.
(الممات) هل المراد الفتنة بعد الموت أو الفتنة عند الموت أو كلاهما؟
طلبة: كلاهما.
الشيخ: الصحيح أنه كلاهما، الفتنة بعد الموت؛ يفتن الإنسان في قبره، يُسأل عن ربه ودينه ونبيه، الفتنة عند الموت؛ أشد ما يكون، وأحرص ما يكون الشيطان على بني آدم عند موته؛ لأنها الساعة الحاسمة؛ إما إلى الجنة وإما إلى النار، أحسن الله لي ولكم الخاتمة.
فإذا قال قائل: الفتنة في هذا الوقت داخلة في فتنة المحيا.
فيقال: نص عليها؛ لأنها أخطر ما يكون، وقد ذُكر أن الإمام أحمد -رحمه الله- في سياق الموت تأتيه إغفاءة فيسمعونه يقول: بعد بعد، فإذا أفاق قالوا: يا أبا عبد الله، ما بعد بعد؟
قال: إن الشيطان يعض أنامله أمامي، يقول: فتني يا أحمد، فأقول: بعد بعد؛ لأن الإنسان ما دام لم تخرج روحه من بدنه فهو على خطرٍ عظيم.
إذن نص على فتنة الممات -أي: التي عند الموت- ليش؟ لخطرها وعظمها، كما نص على فتنة الدجال.
(فتنة المسيح الدجال) المسيح ولا المسيخ؟
طلبة: المسيح.
الشيخ: المسيح، خلافًا لمن قال: عيسى مسيح، والدجال مسيخ، نقول: الله أكبر، أنت أعلم من الرسول عليه الصلاة والسلام؟ ! الرسول قال: مسيح، سُمِّيَ مسيحًا؛ لأنه يمسح الأرض ويجوبها يمينًا وشمالًا وبسرعة، أما المسيح عيسى ابن مريم فلأنه لا يمسح ذا عاهة؟
طلبة: إلا برأ.
الشيخ: إلا برأ، المسيح الدجال فتنته عظيمة حتى إن جميع الأنبياء أنذروا به قومهم لأهميته وخطره، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما من فتنة منذ خُلق آدم إلى قيام الساعة أشد من فتنة الدجال (8)، ووالله إنها لعظيمة، يأتي ويأمر وينهى، فمن أطاعه أصبح مبسوطًا في الدنيا، ومن عصاه أصبح خاسرًا في الدنيا، حتى يأتي القبيلة يدعوهم وهم مُمحلون ما فيه مطر، ما فيه نبات، فيدعوهم فيجيبونه ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتُنبت، ما هذه الفتنة يا جماعة؟ فتنة عظيمة، ويأتي الآخرون على العكس من ذلك إذا لم يجيبوه أصبحوا ممحلين؛ فتنة عظيمة.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ» -اللهم اجزهِ عنا خيرًا- «وَإِلَّا فَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (9) ونعم الخليفة، فأمره عظيم.
والدجال: كثير الدجل، وهو الكذب والتمويه.
وقوله: (ويدعو بما ورد) ليته عبر بما عبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بماذا عبر؟
طلبة: بما أحب.
الشيخ: «بِمَا أَحَبَّ» (10). أما أن نقيد ونقول: بما ورد، غير صحيح؛ لأن الدليل يدل على أننا ندعو بما ورد بما أحببنا، صحيح أن الأدعية الواردة أفضل من غيرها وأبرك وأجمع، لكن قد يكون الإنسان له إرادات، أرأيت لو أن الإنسان في زمن الاختبار، ولما انتهى من التشهد قال: اللهم نجِّحني، واجعل درجاتي خمسة وتسعين في المئة، أما تكفيه؟ ما تكفي، تسعين في المئة، أستغفر الله! واجعل درجاتي مئة في المئة، يجوز هذا ولَّا لا؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز.
الطلبة: نعم، يجوز.
الشيخ: يجوز، يدعو بما أحب، لو قال مثلًا: اللهم ارزقني بيتًا واسعًا، يجوز؟
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، لو دعا في شيء من أمور الدنيا كاللهم اجعل مالي كمال فلان أنفقه في سبيلك، يجوز ولَّا لا؟
الطلبة: نعم.
الشيخ: أتمتع به فيما أبحت لي.
الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز، إذن نقول: الصواب أن يقال: يدعو بما أحب، هذا الصواب من خير الدنيا والآخرة، وأما قول بعض العلماء رحمهم الله: إذا دعا بشيء من أمور الدنيا بطلت صلاته، فلا وجه له، الإنسان يدعو ربه، وجاء في الحديث: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى شِرَاك نَعْلِهِ» (11)، يعني حتى الشيء الزهيد، اسأل الله.
(ويدعو بما ورد)، والصواب: ويدعو بما أحب.
(ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك)
(يسلم عن يمينه) يعني: كل السلام من حين ما يقول: السلام ينصرف يعني يصرف وجهه.
أما بعض الناس يقول: السلام عليكم ورحمة الله، يخلي السلام كله على القبلة، والانحراف على في (عليكم) فقط من أين هذا؟ لا وجه له، من حين ما تبدأ بالسلام التفت حتى تكون (عليكم) عند الالتفات الكامل للمأمومين، وفي اليسار؟
طلبة: كذلك.
الشيخ: كذلك في اليسار، وعلى هذا لا وقوف بين السلامين، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله، ويكون الانصراف عن يساره أكثر قليلًا، هذا هو المشروع.
هذا السلام فيه الخروج من الصلاة، وهو على القول الصحيح: ركن فيها، لا تصح الصلاة بدونها بدون السلام، وأما من قال: إنه إطلاق من محذور؛ لأنه خطاب آدمي، فكأنه تكلم لتبطل صلاته -فسبحان الله- قول ضعيف هذا؛ لأننا لو قلنا: إنه إطلاق من محذور، لكان الإنسان إذا فعل أي مبطل للصلاة خرج منها.
ولذلك يُذكر أن بعض العلماء كان يشير على أحد الخلفاء أن يدع مذهبًا معينًا، لكن الخليفة متمسك به، فقال: يا أمير المؤمنين، أتريد أن أصلي لك صلاة هذا المذهب؟ قال: نعم، صلِّ.
قال: الله أجل، بدل الله أكبر؛ لأن المقصود التعظيم، الله أجل ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: 64]، وركع، بلا تكبير ولا تسبيح، ويرفع كذلك، ولا طمأنينة، فلما انتهى عند آخر الصلاة فسا، ليش؟ لأنه فاعل محظور، وانتهت الصلاة، قال: هذا؟ قال: نعم، هذا تجزئ الصلاة عندهم، فعدل عنه، وهذا من ذكاء بعض العلماء.
ألم يمر علينا أن بعض الخلفاء كان يرى مذهب ابن عباس في جواز الاستثناء، ولو طال الفصل، وهذا لا شك أنه قول ضعيف، وإن كان ينجو به الإنسان من الإثم، لكنه قول ضعيف، فحمل هذا الخليفة على أحد العلماء الذي قال: إنه لا يجوز، قال: كيف تخالف ابن عباس؟ قال: يا أمير المؤمنين، لو أنا أخذنا بقول ابن عباس لكان الرجل يبايعك ويحلف لك، فإذا خرج قال: إن شاء الله انحلَّت البيعة، قال: هكذا؟ قال: الصواب ما قلت.
فالمهم أن هذه من ذكاء بعض العلماء أن يُلزم الخلفاء بما فيه المنفعة، والله الموفق، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي محمد، وإلى (... ).
طالب: ثم يجلس في تشهده الأخير متوركًا والمرأة مثله، لكن تضم نفسها، وتسدل رجليها في جانب يمينها.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، بقية صفة الصلاة.
تقدم لنا ما ساقه المؤلف -رحمه الله- إلى قوله: (ويدعو بما ورد) وقلنا: إن هذه عبارة فيها؟
طالب: قصور.
الشيخ: قصور، وفيها تحديد، وفيها تضييق لما وسع الله، والصواب: يدعو بما أحب من أمور الدين وأمور الدنيا؛ لأنه هكذا جاءت السنة.
(ثم يُسلِّم) أي المصلي (عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك)، وتكلمنا على هذا.
والسلام سيأتينا -إن شاء الله- في الأركان أنه ركن من أركان الصلاة، وهل يجب أن ينوي به الخروج من الصلاة أو لا؟ والمسألة لا تخلو من ثلاث حالات؛ إما أن ينوي به الخروج من الصلاة، وهذا أحسن شيء، وإما أن ينوي به السلام على من يمينه أو يساره، وفي إجزاء ذلك وجهان للعلماء، أو قولان للعلماء، منهم من قال: إنه إذا نوى السلام على يمينه، وعلى يساره بطلت صلاته.
ومنهم من قال: لا تبطل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّمَا يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ مِنْ عَلَى يَسَارِهِ» (12).
الحالة الثالثة: ألا ينوي شيئًا، سلَّم على أن هذا شيء مشروع في الصلاة واجب، أو ركن ولم ينوِ شيئًا، هذا يجزئه لا شك، وهذا في الغالب هو الذي عليه أيش؟ أكثر الناس، ما يشعر ذاك الساعة أنه يريد الخروج من الصلاة، ولا أنه يسلم على من يمينه وعن يساره.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يزيد: (وبركاته)، بل يقول: السلام عليكم ورحمة الله في اليمين والشمال، وهذا الذى عليه جمهور العلماء.
وقيل: إنه يزيد: (وبركاته) في السلام الثاني، أو في السلام الأول، أو فيهما، وهذا مبني على صحة الحديث؛ فإن صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فعلى العين والرأس، ولكن نقول: ذلك أحيانًا لا داعي له، وإن لم يصح فقد كُفينا همه، وقد أشرنا إلى هذه القاعدة في باب المناظرة، وأن الإنسان إذا استدل عليك بحديث أو بقول مأثور عن الصحابة فطالبه أولًا؟
طلبة: بصحة النقل.
الشيخ: إي، بصحة النقل، فإذا لم يصح كُفيت همَّه، وإن صح فحينئذٍ يُنظر في أمره.
(وإن كان في ثلاثية كالمغرب، أو رباعية كالظهر والعصر والعشاء نهض مكبرًا بعد التشهد الأول) (نهض) أي: قام، وظاهر كلامه أنه لا يقوم معتمدًا على يديه؛ لأن كلمة (نهض) تعطي أنه ينهض بسرعة وبقوة ونشاط.
فينهض (مكبرًا) في حال النهوض؛ لأن جميع التكبيرات والتسمية والتحميد يكون في حال الانتقال إلا قول المنفرد والإمام: (ربنا ولك الحمد)، فيكون بعد تمام القيام.
يقول: (نهض مكبرًا) بدون أن يعتمد على الأرض، إلا أن يكون محتاجًا؛ لذلك كالكبير والمريض وما أشبه ذلك.
وقد أنكر النووي -رحمه الله- حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم ضامًّا كفيه كالعاجِن قال: هذا لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وبعض العلماء قال: إنه صحيح، ولكن سواء قام عاجنًا أو قام باسطًا يديه على الأرض، الأمر في هذا واسع، إنما المهم ألا يفعل إلا عند الحاجة.
وقال: (بعد التشهد الأول)، التشهد الأول الذي أنهاه المؤلف -رحمه الله- عند قوله: (أن محمدًا عبده ورسوله) قال: (هذا التشهد الأول) وعلى هذا فإذا قال: (أن محمدًا عبده ورسوله) ينهض، ولا يزيد على هذا، إلا إذا كان مأمومًا واستمر الإمام فإنه لا يسكت، يكمل حتى لو كمل التشهد كله؛ لأنه تابع لإمامه، والصلاة ليس فيها سكوت.
وقال بعض أهل العلم: حتى المأموم لا يزيد، وإذا كان الإمام أطال الجلوس فإنه يكرر التشهد؛ لأن ذلك -أي: الزيادة- لم ترد عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن الأقرب عندي أنه لا يكرر، بل يستمر.
قال: (وصلِّ ما بقي كالثانية) (صلِّ ما بقي) ويش اللي يبقى؟
طالب: إن كانت ثلاثية فركعة؟
الشيخ: إن كانت ثلاثية فركعة، إن كانت رباعية فركعتان.
(كالثانية) أي: بدون استفتاح ولا تعوذ، ولكنه استثنى، قال: (بالحمد فقط)؛ يعني بالفاتحة فقط، ولا يزيد، وهذا القول هو الراجح؛ أنه لا زيادة في الركعتين على الفاتحة؛ لأن حديث أبي قتادة رضي الله عنه صريح في أن النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الأخريين بالفاتحة فقط (13)، وهو أولى من حديث أبي سعيد.
من وجهين؛ الوجه الأول: أولًا: حديث أبي سعيد، فإن فيه ما يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ بالأخريين بزيادة على الفاتحة، لكن الأخذ بحديث أبي قتادة أولى لوجهين؛ الأول: أنه صريح في التحديد قال: يقرأ بالأوليين بالفاتحة وسورة، وبالأخريين بالفاتحة فقط.
ثانياً: أن حديث أبي سعيد يقول: إنهم كانوا يحزرون الصلاة؛ يعني يخرصونها (14) فليس صريحًا في التحديد، والإنسان قد يحزر الشيء بناءً على ظنه، ويكون خلاف ما ظن.
(ثم يجلس في تشهده الأخير متوركًا)، ثم يجلس في التشهد الأخير في الثالثة أو الرابعة؟ في الثلاثية في الثالثة، في الرباعية في الرابعة.
(متوركًا) التورك له ثلاث صفات:
الصفة الأولى: أن ينصب الرجل اليمنى، ويخرج اليسرى من تحت ساقيه، فتكون الرجلان كلتاهما عن يمينه ومقعدته على الأرض.
الصفة الثانية: أن يخرج الرجلين كلتيهما من اليمين مفروشتين ومقعدته على الأرض.
الصفة الثالثة: اختلفت فيها الروايتان: ففي صحيح مسلم (15) أنه يفرش اليمنى، ويخرج اليسرى من بين الساق والفخذ، تصورتموها؟
طلبة: نعم.
الشيخ: وفي رواية أبي داود (16) يُخرج الرجل اليسرى من تحت الساق.
على رواية أبي داود تكون هي الصفة الثانية في التورك، وعلى ما رواه مسلم تكون الصفة الثالثة، ولا شك أن الأخذ برواية مسلم أولى؛ لأن مسلم بالاتفاق أصح من أبي داود رحمه الله.
فعلى كل حال الصفات ثلاث، وقد ذكرها كلها ابن القيم في زاد المعاد.
يقول: (والمرأة مثله، لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها) المرأة مثل من؟ (مثله) أي: مثل الرجل في الصلاة قولًا وفعلًا حتى في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وعند القيام من التشهد الأول، فإنها مثل الرجل ترفع يديها، لكن في الجلوس تختلف عن الرجل، تضم نفسها، ولا تتجافى أيضًا في السجود، ولا في الركوع تضم نفسها؛ لأن المطلوب منها الستر.
(وتسدل رجليها بجانب يمينها)، ولا تفترش بين السجدتين، ولا في التشهد الأول، ولا تتورك في الأخير، فتفارق الرجل الآن أن جميع ما تُشرع فيه المجافاة غير مشروع للمرأة.
والثاني في صفة الجلوس، لا تجلس مفترشة، ولا متورِّكة، وإنما تجلس سادلة رجليها إلى جانب يمينها، وهذا الاستثناء فيه نظر، بل نقول: ما ثبت في حق الرجل ثبت في حق المرأة إلا بدليل، فالدليل لا منازع معه، فإذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بذلك، فعلى العين والرأس، وإذا لم يثبت فالأصل، أتموا؟
الأصل تساوي الرجال والنساء في أحكام الله عز وجل؛ لأنهم كلهم مكلفون، نعم لو فُرض أن المرأة تصلي وحولها رجال، فهنا نقول: الأفضل أيش أن تضم نفسها لا شك، أفضل بكثير، وهذا لسبب عارض ليس دائمًا، لكن تصلي في بيتها أو ليس عندها إلا محارمها، أو نساء مثلها فإنها تكون كالرجل تمامًا، أفهمتم؟
يستثنى من ذلك مسألة الشَّعْر، إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى الرجل معقوص الشعر (17)، يعني: مربوط.
وقال: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» (18). المرأة لا بد أن تكف الشعر، السبب؛ لأنها سوف تغطي جميع رأسها، فلا بد أن تكفه، فهذا مما يُستثنى، فالمرأة لا نقول: دعي الشعر يسجد في الأرض لا، نقول: استُريه، أما الرجل فنعم، انتهى صفة الصلاة (... ).
لأنها خارجة عن صفة الصلاة، لكن ينبغي أن يقال: لأنه من تكميل الصلاة.
فمثلًا مما يسن بعد الصلاة أن يستغفر الإنسان ثلاثًا، يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، وهذا الاستغفار ليس استغفارًا عامًّا عن جميع الذنوب، استغفار عمَّا يمكن أنه وقع في هذه الصلاة، فهو تابع لها، ولهذا قال الله عز وجل في الحج: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 199].
فهذا بختام هذا العمل الجليل؛ لأنه ما منا إلا وعنده تقصير في الصلاة، ثم بعد ذلك يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام؛ أنت السلام يعني السالم من كل نقصٍ وعيب، ومنك السلام: التسليم من كل آفه.
تباركت يا ذا الجلال والإكرام: تباركت يعني أن البركة تحل بكل ما يتعلق بالله عز وجل، إن عبد الإنسان ربه حصل له البركة، إن سمَّع حصل له البركة، إن ذكر الله حصل له البركة، كل شيء.
يا ذا الجلال والإكرام؛ أي: يا صاحب الجلال؛ أي: العظمة.
والإكرام، أي: أنك أهل للإكرام، يكرمك العباد، وأنت أهل للإكرام، تُكرم المؤمنين، فالإكرام هنا يصلح لهذا وهذا.
ثم يذكر الله يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ثلاث مرات في كل صلاة، وفي المغرب والعشاء والفجر يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات.
ويقول: لا إله إلا الله، ولا أعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين، ولو كره الكافرون، هذه معروفة، أكثركم لا تخفى عليه والحمد لله.
ثم يسبح، التسبيح له أربع صفات: الصفة الأولى: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر؛ ثلاثًا وثلاثين، ويختم المئة بقوله: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
الصفة الثانية: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين مرة، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين مرة، والله أكبر أربعًا وثلاثين مرة، كم الجميع؟
الطلبة: مئة.
الشيخ: مئة، ولا يزيد.
الصفة الثالثة: أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمسًا وعشرين مرة، فالجميع مئة.
الصفة الرابعة: أن يقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات، ولا يزيد.
الصفة الخامسة: ذكرها بعضهم أن يقول: سبحان الله إحدى عشرة مرة، والحمد لله إحدى عشرة مرة، والله أكبر إحدى عشرة مرة، لكن الصحيح أن هذه لم ترد، لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي تفسير لبعض الرواة وليس مصيبة.
فالوجوه كم؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: أربعة، ينبغي للإنسان أن يحافظ عليها تارة هذه، وتارة هذه وألا يهملها.
لو أنا أجرينا مسابقة في الأشياء الواردة على وجوه متنوعة من أول الصلاة إلى آخرها قولًا وفعلًا، هل منكم من ينزل في الميدان؟
واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، زين، والبقية أكثر من النصف الآن، ما ورد على وجوه متنوعة من أول تكبيرة الإحرام إلى آخر الذكر.
طيب ممكن نوزع، ممكن..
(فصلٌ)
ويُكْرَهُ في الصلاةِ التفاتُه ورَفْعُ بَصَرِه إلى السماءِ وتَغميضُ عَيْنَيْهِ وإقعاؤُه وافتراشُ ذِرَاعَيْهِ ساجدًا
وعَبَثُه وتَخَصُّرُه وتَرَوُّحُه وفَرقَعَةُ أصابِعِه وتَشبيكُها، وأن يكونَ حاقِنًا أو بِحَضْرَةِ طَعامٍ يَشتهيهِ، وتَكرارُ الفاتحةِ لا جَمْعُ سُوَرٍ في فرْضٍ كنَفْلٍ، وله رَدُّ المارِّ بينَ يَدَيْهِ وعَدُّ الآيِ والْفَتْحُ على إمامِه، ولُبْسُ الثوبِ ولَفُّ الْعِمامةِ وقَتْلُ حَيَّةٍ وعَقْرَبٍ وقُمَّلٍ،
فإن أطالَ الفعْلَ عُرْفًا من غيرِ ضرورةٍ ولا تَفريقٍ بَطَلَتْ ولو سَهْوًا ويُبَاحُ قراءةُ أواخِرِ السُّوَرِ وأَوساطُها، وإذا نابَه شيءٌ سَبَّحَ رَجُلٌ وصَفَّقَت امرأَةٌ ببَطْنِ كَفِّها على ظَهْرِ الأُخْرَى، ويَبْصُقُ في الصلاةِ عن يَسارِه وفي المسجِدِ في ثَوْبِه، وتُسَنُّ صلاتُه إلى سُترةٍ قائمةٍ كمُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ، فإن لم يَجِدْ شَاخِصًا فإلى خَطٍّ، وتَبْطُلُ بمرورِ كلبٍ أسودَ بَهيمٍ فقطْ،
الصفة الرابعة: أن يقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات، ولا يزيد.