الملوحة، والعذوبة، والمرارة، والحلاوة، والحموضة، هكذا قسَّموها، هذه أصولها فيه شيء بينها ذلك، لكن هذه هي الأصول، قالوا: فإذا أذهب واحدًا منها ففيه خُمس الدية عشرون بعيرًا، وإن أزال اثنين ففيه أربعون، وهكذا، وإن أزال الكل ففيه دية كاملة، بقينا بالنسبة (... )
فمثلًا لو جنى على يده حتى صارت لا تحس باللمس، تلمس الحار والبارد، البارد ما تحس به، الخشن ما تحس به، اللين ما تحس به، ما تحس بشيء، فعليه دية اليد حتى لو ما تتحرك يعني هناك فرق بين الشلل وبين زوال اللمس، زوال اللمس في الجلد والشلل في الأعصاب.
وقال بعض العلماء: لا، إذا جنى على عضو فأذهب إحساسه فعليه حكومة؛ لأنه فرق بين الشلل وبين اللمس ولَّا لا؟ اللمس يُقدِّر يحرك يده، ويأخذ بها، ويعطي وكل شيء، لكنه ما يحس، والشلل ما يحركها قد فقد منفعتها بالكلية، أما لو جنى عليه حتى أذهب لمسه من جميع بدنه، وصار كل البدن ما له لمس، فهذا يجب عليه دية كاملة؛ لأنه أفقد البدن نفعًا مستقلًّا، بخلاف ما إذا أذهب إحساس شيء، أو لمس شيء معين من البدن، فإن فيه الحكومة، وهذا -والله أعلم- هو السر في أن المؤلف لم يذكره، أن في هذا الخلاف، وفي هذا التفصيل.
والأقرب عندي أن يُقال: إن أذهب لمسه بالكلية من جميع أعضاء بدنه فعليه دية، وإلا فعليه الحكومة، ولا يصح أن يُقاس إذهاب اللُّمْس أو اللَّمْس على الشلل؛ لأن بينهما فرقًا عظيمًا.
(وكذا في الكلام) الكلام فيه دية كاملة إن أذهب كلامه بالكلية حتى صار أخرس، فأما إن أذهب بعض الحروف ففيه قسطه من الدية، وكم تقسم عليه؟ على ثمانية وعشرين حرفًا، فإذا أذهب الراء مثلًا صار إذا تكلم بالراء، حطها لام أو غين يمكن ولَّا لا؟ إي نعم، يمكن، كثير هذا، فيه ناس عندهم لثغة يجعلون الراء لامًا أو غينًا، فنقول: يجب عليه بقسطه من الدية، وإن أذهب حرفين فبقسطهما وهكذا، فإن أذهب أربعة عشر حرفًا فنصف الدية، فالكلام..
إذا لم يُذهب الحروف، ولكنه صار يُتأتئ أو يُفأفئ، يتكلم لكن يكرر التاء أو الفاء، أو يخطئ من أثر الكلام، فما الواجب؟
الطلبة: الحكومة.
الشيخ: الواجب الحكومة؛ لأن تقدير هذا بالنسبة للدية صعب، ولا يمكن الإحاطة به فعليه الحكومة.
وكذلك أيضًا في العقْل معلوم: إذا أذهب عقله فعليه دية كاملة، هذا أشد شيء، يعني قد يُتمنى للإنسان الموت ولا ذهاب العقل، فإذا جنى عليه حتى يذهب عقله، فعليه دية كاملة، لكن كيف يذهب عقله لو أن هذا المجني عليه بدى يصير مثل المجنون وهو عاقل، يكون مثل المجنون وهو عاقل؟ إن انفرد في بيته ولا من أعقل الناس، يستمع إلى الأخبار، ويكتب ويحرر، (... )، يدع غطرته، وقام يلجلج ويخابط ويش تقولون؟
يمكن مراقبته، وهذه قد يفعلها بعض الناس، وأنتم تعرفون هؤلاء المستفتين يجون يظهرون للناس بصورة العجب اللي ما يقدر يتكلم أحيانًا يُظهر نفسه أنه ما يقدر يتحرك، وتجده إذا خلا بنفسه، وإذا هو من أصح الناس.
المهم إذا ثبت زوال العقل وجبت الدية، فإن فقد الذاكرة؛ لأن العقل للشعب، فقد الذاكرة، صار يعني ما يذكر شيئًا أبدًا، تكلمه الآن هو يقول: ويش تقول؟ كلما كلمته قال: ويش تقول؟ نسي ويش الحكاية في الحال؟ الظاهر أن عليه دية كاملة هذا، فإن نقص عقله؛ يعني بأن كان من قبل من أذكى الناس، ثم خف ذكاؤه ففيه الحكومة.
كذلك في منفعة المشي: لو جنى عليه حتى أذهب منفعة مشيه، كيف منعه المشي؟ يعني صار ما يمشي، شلت رجلاه، فصار لا يمشي، والعياذ بالله، وهذا يقع كثيرًا كما لو ضرب صلبه مثلًا، وانفصل المخ حتى صار لا يتصل بالأسفل، فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب منفعة لا نظير لها في الجسم.
كذلك منفعة الأكل والنكاح، منفعة الأكل إذا أذهبها فعليه دية كاملة، وهي ذات شُعَب، قد يُذهب اشتهاؤه الأكل، (... ) يشتهي أبدًا، فيه دية ولَّا لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، فيه دية، اللي ما يشتهيه ما هو بأكل، أو منفعة الأكل صار يأكل لكن ما ينتفع بالأكل، وهذا يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن.
أو صار يأكل لكن ما يهضم، يبقى على معدته ما ينزل أبدًا، هذا أيضًا فيه دية كاملة؛ لأن الأكل يُنتفع به في مذاقه، الذوق تقدَّم المذاق، وفي اشتهائه، وفي تهضيمه، وفي منفعة الجسم به، يبدأ يأكل، ويشرب، ويملأ بطنه، ويخرج، لكن ما ينتفع البدن أبدًا، هذا أيضًا فيه دية.
وكذلك في مسألة النكاح جنى عليه حتى صار لا يشتهي النساء، أو يشتهي لكن ما يستطيع الجماع، صار عِنِّينًا، أو يجامع ولكن ما يُنزل، امتنع إنزاله، أو يُنزل ولكن لا يلقح، وكان بالأول يلقح، كم صار من شعب؟ أربعة؛ إما أن يكسر شهوة النكاح، أو القدرة عليه، أو يفقده الماء، الرابع: أو اللقاح، يفسد ماؤه، فإذا أفسد واحد من الأربع فإن فيه الدية (... )
حنكه، أو يأكل ولا يهضم، أو يأكل ولا ينتفع بالأكل.
طالب: شيخ، (... ).
الشيخ: لا، هذا كالذوق غيره؛ لأن الذوق من الحواس.
الطالب: أو يحدث له مرض بحيث لا يستطيع بهذا المرض أن يأكل مثلًا وجبة معينة، مثل أن يصير له مرض السكري، وأن يكون عنده مشكلة (... ).
الشيخ: لا، هذا حكومة.
في منفعة النكاح ذكرنا له عدة صور..
الطالب: فيه دية كاملة.
الشيخ: فيه دية كاملة.
كم صورة له؟
الطالب: له أنه ما يشتهي النساء..
الشيخ: أن يرد شهوة النساء.
طالب: وأن يجامع ولا يُنزل.
طالب آخر: سواء أن ينزل ولا ينزل.
الشيخ: أن ينزل ولا ينزل، هذه ثلاثة، ويجب أن نضيف أو نزيد، إذا صار لا يستطيع يعني جنى عليك حتى كان لا يستطيع إمساك البول، فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب منفعة ليس في الجسم منها إلا واحد، فلزمه دية كاملة.
(أو الغائط) ما يستمسك الغائط، وهذا يمكن ولَّا ما يمكن؟ يمكن، يعني يضربه مثلًا على صلبه ويرتخي، ما عاد يقدر يمسك الغائط، أو لا يمسك الريح، كذلك يجب فيه دية كاملة.
قال المؤلف: (ويجب في كل واحد من الشعور الأربعة الدية، وهي شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين).
روي عن علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما (1)، الشعور الأربعة، هي شعر اللحية، فإذا جنى عليه جناية حتى صارت لحيته لا تنبت، فعليه دية كاملة، فإن كان هذا المجني عليه ممن يرغب أن تُحلق، فهل له دية؟ ظاهر كلام المؤلف أن فيه دية، ولَّا لا؟
لكن لو قال قائل: نحن الآن كفيناك أجرة الحلاق، بدل ما أنك تأخذ كل أسبوع ريالين بالحلق..
طالب: خمسة.
الشيخ: خمسة، الآن ما نخسر في شيء، تبقى دائمًا أمرد، ما عاد يطلع له لحية أبدًا، لكن ظاهر كلام المؤلف حتى في هذه الحال، حتى لو طالب من كان يعتاد حلق لحيته طالب بالدية فإننا نعطيه الدية، ليش؟
قال: لأنه أذهب شيئًا ليس بالإنسان منه إلا واحد.
وفيه أيضًا جمال، فإن جمال الرجل باللحية أمره ظاهر؛ ولذلك ترى الذين أنعم الله عليهم بالاستقامة بعد أن كانوا يحلقون لحاهم فأعفوها، تجد وجوههم استحسنت استحسانًا بينًا ظاهرًا، هذا اللحية.
الثاني: شعر الرأس، جنى عليه حتى صار شعر رأسه لا ينبت، يحت ما يبقى أبدًا، فهذا فيه الدية كاملة؛ لأن شعر الرأس لا شك أنه جمال ووقاية أيضًا، وفي فقده عيب عند الناس وقذر عند الناس، ففيه ثلاثة أمور: الجمال، ويش بعد؟
طالب: الوقاية.
الشيخ: والوقاية.
الطالب: العيب.
الشيخ: وأن فقده عيب، وقذر عند الناس، ولهذا في قصة الثلاثة الذين ابتلوا، أحدهم كان أقرع يقذره الناس (2). فإذا جنى عليه حتى أذهب شعر رأسه فعليه دية كاملة، وهذا واضح.
كذلك أيضًا الثالث: شعر الحاجبين، الحاجبان هما العظمان الناتئان فوق العينين، ففي شعرهما الدية، وفي الواحد نصف الدية، والحاجبان هذان من نعمة الله عز وجل على الإنسان؛ لأنهما يحميان العين من نزول ما يضرها من ناحية الجبهة، من عرَق أو غيره، وفي نفس الوقت يظللانها من أشعة الشمس والأنوار الساطعة، وفيه فوائد أيضًا أكثر من هذا.
في الأهداب أيضًا، أهداب العينين، الدية كاملة، وفي الواحد ربع الدية؛ لأن أربعة، هذه الشعور الأربعة في كل واحد منها دية كاملة؛ لأنه لا يوجد في البدن سوى شيء واحد منها في اللحية، والرأس، وسوى اثنين منها في الحاجبين، وسوى أربعة منها في أهداب العينين.
بقي علينا من الشعور شعر الشارب، لو جنى عليه حتى أذهب شعر شاربه ما الذي عليه؟
طالب: حكومة.
الشيخ: عليه حكومة.
ما عليه شيء؟ !
طالب: لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بحفِّه..
الشيخ: أمر بحفِّه، لا بإتلافه، هذا أتلفه مرة حتى صار موضع الشعر من شاربه كخدِّه، فعلى هذا فيه حكومة.
العنفقة، ويش فيها؟ فيها حكومة؛ لأنها ما هي من اللحية، العنفقة هذا الشعر الذي بين الشفة واللحية، هذا فيه حكومة.
طيب شعر الإبطين؟
طالب: يعطيه.
الشيخ: ما فيه شيء؟ ! ينظر، لازم نرجع للطب يا جماعة، إذا قال الطب: إن وجوده خير، وأن إزالته بالنتف فيه مصلحة للبدن، تقوية للمكان هذا حتى لا يكون رقيقًا مرة فيتعفن بالعرق، وما أشبه ذلك، ربما.
المهم على كل حال يسأل الأطباء، إن قالوا: إن جنايته عليه حتى أذهب شعر إبطيه، هذا إحسان إليه، قلنا؟
طالب: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
الشيخ: نعم، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، وإن قالوا: لا، الله حكيم عز وجل، ما خلقه إلا لحكمة، ولا أمر بإزالته إلا بحكمة، وهذا الرجل فقد هذا؛ فإنه يُعطى حكومة.
الشيخ: شعر العانة أيش؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: كالإبط؟ (... ) مع أن شعر العانة فيه تقوية للمثانة ووقاية، لكن مع ذلك ما يُترك فوق أربعين يومًا، كل هذه الشعور اللي يسن إزالتها ما تترك فوق أربعين يومًا.
ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا الشعور لا يجب فيها دية، قالوا: لأنه لا منفعة منها إلا الجمال، فهي كاليد الشلاء، وكالعين القائمة، العين القائمة ويش فيها؟ فيها دية ولَّا حكومة؟
طالب: حكومة.
الشيخ: العين القائمة فيها حكومة؛ يعني لأنها موجودة بصورتها لا بحسها، يعني ما تبصر، لكن هي صورتها موجودة، هذه فيها حكومة، قالوا: هذه الشعور، ماذا يستفيد منها الإنسان؟ هل يأخذ بها ويُعطي ويُمسك ويُطلق؟ ويش الجواب؟ الجواب: لا، إلا ها المشعوذين اللي يجون يجروا السيارة بشعره من شعر أهدابه، هذا للمشعوذين لا عبرة بهم، لكن الكلام على عامة الناس، هل ينتفعون بهذا الشعور سوى الجمال؟
زعم هؤلاء العلماء الذين قالوا: إن فيها حكومة، أنه لا نفع فيها سوى الجمال، وإذا لم يكن فيها نفع فإنما غاية ما هنالك أنه أذهب جماله، كما لو جنى عليه فخدش وجهه حتى ذهب جماله فإنه يجب عليه الحكومة، فهذا فيه الحكومة، وهي رواية عن الإمام أحمد، في نفس الوقت مذهب الشافعي، ومالك وهي رواية عن الإمام أحمد.
لكن المشهور من مذهبه أنه يجب فيه الدية، بخلاف الشعور الأخرى، فإنه يجب فيها حكومة، الظاهر أن المذهب أصح، أقرب للصواب؛ لأن الشعور مقصودة لا سيما شعر الرأس وشعر اللحية.
فشعر الرأس (... ) انتفاع الإنسان به، أما شعر الأهداب وشعر الحواجب في أهون، ومع ذلك لا شك أن فيها مصلحة ليس مصلحتها الجمال فقط أو لا؟
فيها مصلحة غير الجمال.
يقول: (وهي شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين فإن عاد فنبت سقط موجبه)، إن عاد الشعر فنبت سقط مُوجِبُه ولَّا مُوجَبُه؟
الطلبة: مُوجَبه.
الشيخ: يتعين مُوجَبه؛ لأن مُوجِب الشيء ما كان سببًا لوجوبه، ومُوجَب الشيء ما وجب لسببه، فبينهما فرق؛ الموجِب ما كان سببًا للوجوب، والموجَب؛ مُوجَب الشيء ما وَجَبَ بسببه، نظير ذلك المقتضِي والمقتضَى، مقتضِي الشيء ما كان سببًا لوجوده، ومقتضاه ما وُجِد بسببه.
إن عاد الشعر فنبت سقط موجبه.
طيب إن كان الرجل هذا سلم الدية، جنى عليه حتى ذهب شعر رأسه، وأعطاه الدية، مئة بعير، ثم بعد ذلك نبت، يرده عليه؟
طالب: إي نعم.
الشيخ: نعم، يرده عليه.
فإن مات قبل أن يرجع ثبتت الدية، فإن طالب المجني عليه بالدية، وقال الجاني: انتظر ربما يرجع الشعر، فماذا نصنع؟ يُرجع إلى أهل الخبرة، فيُمهل مدة يُعلم أن الشعر إن لم ينبت فيها فليس بنابت.
فصار عندنا الآن حالات:
أولًا: أنه إذا نبت، ولو بعد مدة يسقط موجَبُه، فإن كان المجني عليه قد قبضه ردَّه، وإن لم يقبضه فالأمر واضح.
إن مات قبل أن ينبت، استقر الوجوب ولَّا لا؟ استقر الوجوب.
وإن طالب الجاني بالإمهال، فإنه يُرجع إلى أهل الخبرة، إن قالوا: إن مثل هذه الجناية لا يُمكن أن يرجع معها الشعر أبدًا ثبت الموجِب، وإن قالوا: يمكن في خلال ستة أشهر، انظر ستة أشهر، حسب ما يقرره أهل الخبرة.
فإن قلع سنه، وقال الجاني: انتظر ربما يعود؟
طالب: فيه تفصيل.
الشيخ: إن كان سن اللبن قدمنا أن سن اللبن ما يجب فيه شيء حتى يُيأس من عوده، إذا كان السن الثاني فإنه لا ينتظر؛ لأن الأصل عدم نباته.
استمع كلام المؤلف يقول: (فإن عاد فنبت سقط موجبه).
قال: (وفي عين الأعور الدية كاملة) كيف في عين الأعور دية كاملة، وهي عين واحدة؟ قالوا: من أجل إذهاب المنفعة؛ لأن الأعور ينظر بالواحدة نظره بالثنتين، وإن كان قاصرًا لا شك؛ لأن اللي ينظر بالثنتين ينظر من كل الجوانب، واللي ينظر من واحدة ينظر من جانب واحد؛ ولهذا بعض الدهاة من البادية يعرف البعير الأعور من البعير غير الأعور، ويش هو فيه؟
بمشيه وفي رعيه، يقولون: ما يرعى الشجرة إلا من جانب واحد؛ لأنه ما يشوف الجانب الآخر، هكذا زعموا، والله أعلم.
على كل حال عين الأعور فيها الدية كاملة، معناه لو أن إنسانًا فقع عين أعور حتى فقد بصره، ما الواجب؟ دية كاملة؛ لأنه أفقده منفعة البصر، صحيح أن العين الواحدة ما فيها إلا نصف الدية، لكن هذا ليس من أجل أنها عين واحدة، لكن من أجل أنه أفقده منفعة البصر، فوجبت الدية كاملة، هذا القول هو الصحيح، وإن كان بعض العلماء أخذ بالعموم، أن في العين الواحدة نصف الدية، وكونه أفقده البصر كله هذا تابع للعين، لكن الصحيح ما ذهب إليه المؤلف.
وفي سمع من جانب واحد: لو كان واحد ما يسمع إلا من أُذن واحدة، فجنى عليه حتى أذهب السمع كله؟
طلبة: دية.
الشيخ: دية، لكن المذهب يقولون: فيه نصف الدية، ولكن عند التأمل تجد أنه لا فرق بينهما.
فإن قالوا: الفرق أن اللي يسمع من أذن واحدة، إذا صرت جنبه لو تتكلم ما يسمعك، ولهذا لو باغي يستمع منك يلوي عنقه، ليقول: تعالَ مع ذلك مثلًا، بخلاف الأعور.
قلنا له: ما هو كذلك الأعور، لو يجي واحد من يساره، وهو مثلًا ما له عين من يسراه، يمكن يمسك بتلابيبه وهو ما يدري عنه، أليس كذلك؟ فلا فرق.
واستدل بعض أهل العلم؛ لذلك بأن من نظر من خصاص البيت فإنها تُفقأ عينه بدون إنذار، خصاص البيت؛ يعني شقوق الباب اللي فيه مثلًا واحد وقف عند بابك، وقام يناظر يطلع، فهنا لك أن تفقأ عينه بدون إنذار حتى ثبت أن الرسول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين (3) أنه أخذ المدرى، وجعل يتختل الرجل هذا، يتختله، يبغي علشان ما يروح لأجل يبخز عينه، ولا حاجة تقول له: يا فلان، ليش تبغي؟ لماذا تطلع؟ أبدًا، ائته بسهولة، ولا يحس بك، تمشي كأنك على إسفنج، ما يسمع حس لرجليك، وخذ ها الخازوق واخسف به عينه.
طالب: يمكن معذور.
الشيخ: معذور يقعد على بيوتنا؟ !
الطالب: (... ) حاجة.
الشيخ: أبدًا، لو حاجة يستأذن، المهم أنه له أن يخسف.
كذلك قال العلماء: إذا تسمع فلك أن تطعن أذنه.
على خلاف في ذلك، هذه مسألة خلافية؛ لأن النص إنما ورد في العين، لكن ما دمنا ألحقنا السمع بالبصر في مسألة الاطلاع إلى بيوت الناس، فإننا نقول: إذن نلحق السمع في مسألة الدية بماذا؟ بالبصر.
فالقول بأنه إذا أذهب سمعه من جانب واحد يلزمه دية كاملة؛ لا شك أنه هو القياس والعدل، ولا فرق بينه وبين النظر أبدًا.
اللي فهمنا الآن يا إخواننا قبل أن تتشتت علينا المسائل: إذا جنى شخص على عين رجل أعور ففقأها، فما له من الدية؟
طلبة: دية كاملة.
الشيخ: دية كاملة، لماذا؟ لإفقاد منفعة البصر، إذا جنى عليه على رجل أصم من أذن واحدة، وجنى عليه بالأذن الصحيحة فأصمها؛ ففيه قولان لأهل العلم، وحتى الأولى هي قولان، لكن حتى في المذهب، المذهب أن فيها نصف الدية، والصحيح أن فيها دية كاملة؛ لأنه أذهب منفعة كاملة.
(وفي عين الأعور الدية كاملة) وقضى به عمر وعثمان إلى آخره.
(وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمدًا فعليه دية كاملة ولا قصاص) الأعور قلَع عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة، يعني رجل عنده العين اليمنى سليمة، والعين اليسرى عوراء، فقلع من عين رجل صحيح العينين قلع عينه اليمنى، من اللي قلعها؟ الأعور، الآن لو قلعنا عين الأعور عمي ولَّا لا؟ صار أعمى، مع أن هذا الأعور لما قلع عين الصحيح صار أعور لا أعمى، فهذا موجود، ماذا نصنع؟
يقول المؤلف: لا قصاص عليه، كيف لا قصاص عليه، والله عز وجل يقول: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45]؟ لكان ظاهر الكتاب القصاص، وإذا تلف بصره فهو الذي جنى على نفسه، والمسألة عمد، هو تعمَّد، لماذا لم يتعمد أن يفقأ العين اليسرى لأجل تسلم عينه؟ !
يروح يتعمد فقأ العين اليمنى عمدًا، ثم نرحمه وهو الذي جنى على نفسه؟ يقول: نعم، الله عز وجل يقول: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، والباء تدل على العِوض، وعين هذا قيمتها ليست كقيمة عين الأعور، أيهن أغلى؟
الطلبة: الأعور.
الشيخ: الأعور أغلى، فهو أفضل منه؛ يعني زائدة على كونها عينًا محتفظة بماذا؟ بالبصر كله، فلهذا لا يمكن أن تتحقق المماثلة حتى يثبت القصاص.
وقال بعض العلماء: لا قصاص عليه، وعليه نصف الدية، وهؤلاء اعتبروا عين المجني عليه، كيف اعتبروا عين المجني عليه؟ قالوا: المجني عليه ما راح منه إلا نصف البصر؛ فله نصف الدية، فالأقوال إذن ثلاثة:
قول: يُقتص منه.
والثاني: لا يُقتص منه، وعليه دية كاملة.
والثالث: لا يقتص منه، وعليه نصف الدية اعتبارًا بحال المجني عليه، فإنه لم يفت في حقه إلا نصف البصر، عين واحدة، فكيف نوجب عليه دية كاملة؟ !
المذهب حجتهم مع كونه مرويًّا عن عمر، وعثمان، ولا يعرف لهما مخالف، حجتهم في ذلك يقولون: إن عليه دية؛ لأننا أسقطنا عنه القصاص لمصلحته، وأبقينا له حاسة كاملة، فلزمه دية كاملة.
إذا قلع الصحيح عين الأعور الصحيحة المماثلة إلى عينه؟
طلبة: دية كاملة.
الشيخ: عليه دية كاملة، وإذا كان عمدًا؟
طلبة: قصاص.
الشيخ: هل يجب عليه أن يدفع مع القصاص نصف الدية، ولَّا ما يجب؟ أظن ما تصورتوها، هذا رجل سليم العينين، فقأ عين رجل أعور عمدًا، فطلب الأعور القصاص، الأعور الآن كفَّ ولَّا لا؟ عمي الأعور، طلب القصاص (... ) فقأ له عينه، له الحق؟ له الحق.
قلعنا عين الرجل الصحيح المماثلة لعينه، قال الأعور: أعطوني أيضًا نصف الدية؛ لأن قيمة عيني دية كاملة وقيمة هذا الرجل اللي أنا قلعت عينه نصف الدية أعطونا الفرق.
المذهب: له ذلك؛ لأنه أفقد منه بصره حاسة كاملة، بخلاف هذا.
والقول الثاني: لا، ليس له ذلك؛ لأنه عين بعين كما قال الله عز وجل، وكون هذا يبقى له عين ثانية اللي هو الصحيح، هذا ليس من جهة المجني عليه، وهذه المسألة تحتاج إلى تأمل ونظر؛ لأن كلا القولين قوي.
لو قلع الأعور عين الصحيح التي لا تُماثل عينه، يقتص منه ولَّا لا؟
طلبة: لا يقتص منه.
الشيخ: ليش ما يقتص منه؟
طلبة: لعدم المماثلة.
الشيخ: لعدم المماثلة؛ لأن من شرط القصاص في الأعضاء المماثلة في الاسم والموضع.
قال: (وفي قطع يد الأقطع نصف الدية كغيره).
عين الأعور فيها دية، يد الأقطع فيها نصف الدية.
يعني واحد ما له إلا يد فقط، مقطوعة إحدى يديه، جاء إنسان وقطع اليد الباقية كم فيها؟
طلبة: نصف الدية.
الشيخ: نصف الدية فقط، ويش الفرق بينه وبين العين؟ بينهما فرق، العين أذهب البصر كله، صار أعمى، وأما اليد التي بقيت فهذه ما ينتفع بها إلا نصف انتفاع، ولَّا لا؟ ولهذا من أمثلة العامة اليد الواحدة ما تصفق، فلما كانت نصف المنفعة مفقود في الأول صار لا يجب في يد الأقطع إلا نصف الدية.
وقوله: (كغيره) يعني: كغير الأقطع، فإن غير الأقطع ليس في يده إلا نصف الدية.
ما تقولون في أقطع الرِّجل؟ لو قطع الباقية، رجل ما له إلا رجل واحدة وجاء إنسان وقطع الثانية؟
طلبة: نصف الدية.
الشيخ: نصف الدية؟
طلبة آخرون: دية.
الشيخ: ستختلفون فيما يظهر.
كلام المؤلف يدل على أنه ما عليه إلا نصف الدية؛ لأنهم ما استثنوا إلا العين والسمع على خلاف، يقولون في قطع رِجل الأقطع نصف الدية؛ لأنه لما قُطعت رجله الأولى زال عنه نصف المشي، ففُقِد من المنفعة نصفها، ليس للإنسان اللي ما له إلا رجل كالإنسان الذي له رجلان.
لكن بقي علينا أن نقول: وإذا قطع الثانية، هو كان بالأول يمشي على عصا، الآن ما عاد يقدر يمشي، لا على عصا ولا على غير عصا، فنقول: نعم، هذا صحيح، لكنه ما أفقد في الجناية إلا نصف المشي، ولهذا ما يجب عليه إلا نصف الدية؛ لأنه ما له إلا نصف مشي، فليس له إلا نصف الدية.
[باب الشجاج وكسر العظام]
طالب: (... ).
الشيخ: شجاج، جمع شَجَّة، و (كسر العظام) معروف.
يعني ما الذي يجب؟ كلام المؤلف من كتاب الديات إلى الآن ما هو بيتكلم عن القصاص وعدم القصاص، يتكلم عن مقادير الديات.
الشجاج، يقول المؤلف: (الشجَّة الجرح في الرأس والوجه خاصة) هذا الشجة، وإنما يُتلقى معناها ومدلولها من العرب، والعرب لا يسمونها شجة ما كان جرحًا في ساق، أو فخذ، أو صدر أو ظهر، إنما يسمون الشجة الجرح الذي في الوجه والرأس خاصة، ثم هي عند العرب مراتب، بدأ المؤلف فيها بالأسهل فالأسهل، فقال: (وهي عشر: الحارِصة) اسم فاعل بمعنى الفاعل.
الحارصة ما هي؟ قال: (التي تحرص الجلد، أي: تشقه قليلًا ولا تدميه)، إذن هي بسيطة جدًّا كحكة الظفر، إذا حكيت الظفر مثلًا أو جاك مسمار مشى على اليد، ورأيت الدم تسمى هذه حارصة، فلو (... ) واحد مثلًا (... ) وقال: هات (... )، وشج (... )، وظهر البياض، لكن ما تجمد نسمي هذه حارصة؛ يعني هي سهلة جدًّا.
ثانيًا: (ثم البازلة الدامية الدامعة) هذه أوصافها، بازلة من البزْل، وهو الشق، ومنه البزول التي كانوا يفعلونها في النخيل، يشقون بين النخيل شقًّا عميقًا لأجل أن يتسرب عنه الماء المالح، ويسمونه إلى الآن في اللغة العربية يسمونه بزلًا، (البازلة الدامية الدامعة) (الدامية)؛ لأنه ظهر منها الدم.
(الدامعة)؛ لأنه يسيل منها الدم تشبيهًا لها بدمع العين.
قال: (وهي التي يسيل منها الدم) لما انجرحت مشى الدم، لكنه لو هو قليل، لو هو أقل من نقطة، المهم أنه سال، وهذه أعلى من التي قبلها.
(ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم)، معناه: تجاوزت الجلد إلى اللحم وبضعته، يعني شقته، وهي أعلى من السابقة.
قال: (ثم المتلاحمة وهي الغائصة في اللحم) الغائصة في اللحم تُسمى المتلاحمة، وسميت بذلك لغوصها في اللحم، فكأنها صارت جزءًا منه.
قال: (ثم السِّمْحاق) السمحاق أصلها القشر اللي بين اللحم والعظم؛ لأن الله عز وجل بحكمته جعل بين اللحم والعظم قشرة بيضاء، هذه القشرة يسمونها السمحاق؛ ولهذا قال: (وهي ما بينها وبين العظم قشرة رقيقة) تسمى السمحاق، فسميت الشجة باسم هذا القشر؛ لأنها وصلت إليه.
كل هذه الدرجات عندما تتأمل تقول: الآن مثلًا الجبهة، (... ) كل الدنيا هذه أو رأسك هو فيه لحم؟ إي، فيه لحم، لكن بس قليل جدًّا خصوصًا الجبهة في بعض المواضع قليل مرة.
لكن على كل حال يُرجع في ذلك إلى أهل الخبرة، وأهل الخبرة عندهم مسبار، يعني آلة يسبرون بها مقدار الجرح، ويعرفونه تمامًا بالشعرة الواحدة، هذه الخمسة أنواع من الشجاج كلها يقول المؤلف: (فهذه الخمس لا مُقدَّر فيها) يعني: ليس فيها شيء مُقدَّر من الدية، بل حكومة، فإذا طالب المجني عليه بدية، قال: أنا لي خمس من الإبل، عشر من الإبل، قلنا: لا، إنما لك الحكومة.
معنى الحكومة: أن نُقدِّر هذا الذي جني عليه كأنه عبد لا جِناية به، ثم نقدره كأنه عبد برئ منها، فما بين القيمتين له مثل نسبته من الدية.
فإذ قدرنا أن قيمته عشرة آلاف ريال لو كان عبدًا بدون جناية، وهو بالجناية قد برئ يساوي تسعة آلاف وخمس مئة، كم ديته؟
طلبة: خمسون.
الشيخ: هو الآن خمس مئة باعتبار القيمة، لكن كم فيه من الدية؟
نصف العشر، كم من العشر؟ عَشْر من الإبل، نصفها خمس من الإبل، فيكون فيها خمس من الإبل.
لكنهم يقولون: إنه إذا كانت في موضع له مقدر حكومة فإنه لا يُبلغ بها المقدَّر، وهنا في موضع له مقدر؛ لأن غالب الشجاج فيها شيء مُقدَّر، وعلى هذا فإذا قالوا: إن الحكومة تبلغ خمسًا من الإبل؟ نقول: لا، ما نعطيه خمسًا من الإبل؛ لأن في الموضحة -وهي أعظم من ها دول- خمسًا من الإبل، لكن نعطيه خمسًا من الإبل إلا قليلًا.
قال: (وفي الموضحة).
طالب: يا شيخ، ما هي بواضحة الحكومة.
الشيخ: الحكومة أن تُقدِّر هذا المجني عليه كأنه عبد سليم، ثم تُقدِّره كأنه عبد جني عليه بهذه الجناية وبرئ منها، ثم تنظر نسبة ما بين القيمتين، وتعطيه مثل نسبته من الدية، مثال ذلك: لو قُدِّر أن هذه النسبة (... )، كم ديته؟ مئة من الإبل، عُشرها عشرة من الإبل، نصفها خمسة من الإبل.
(وفي الموضِحة، وهي ما توضِح اللحم) بخط المؤلف الحجاوي اللحم، ولكن قال الشارح: الصواب العظم، لكن نقول هنا: إن النقل أمانة، انقل الكتاب على ما هو عليه لا سيما إذا كان بخط المؤلف، ثم تعقبه إذا قال بشيء خطأ، فهنا يقول: هي بخط المؤلف (ما توضح اللحم)، ولكن (... ) ولَّا لا؟ (... ) وهو الغائص في اللحم.
إذن كأن المؤلف -والله أعلم- سبق القلم فكتب: اللحم، ولم يعد إلى تفسيرها، هو مشي على حسب كلام المؤلف، على حسب خط المؤلف الحجاوي رحمه الله، لكن الصواب (ما توضح العظم)، هذه الموضحة، وسميت به؛ لأنها أوضحته وبينته، فإذا وضح العظم من هذا الجرح نسميه موضحة؛ أي: شجة موضحة، فالموضِحة إذن وصف لموصوف محذوف، والتقدير شَجَّة بالموضحة (... ) العظم.
قال: (فيها خمسة أبعرة) (... ) إذا كانت الجناية خطأ فهي أخماس، وإن كانت شبه عمد، أو عمد فهي أرباع أو لا؟
(... ) على ما سبق عندنا بنت مخاض، وبنت لبون، وحقة، وجزعة، كلهم إناث، في الخطأ جعلت خامسة بني مخاض كذا ولَّا لا؟ يعني فيه وجهان (... ) إذا كانت خطأ نعطيه خمسة أبعرة، واحد سِنُّه سنة، والثاني سنتان، والثالث ثلاث سنوات، والرابع أربع سنوات، هذا إذا (... ) خطأ، والخامس: ذكور من بني مخاض لهن على سنة.
(... ) إذا كانت شبه عمد أو عمدًا، ولم يختر القصاص تكون أرباعًا، ونجعل واحدة من الوسط، الخامسة نختارها من الوسط.
قال: (ثم الهاشمة، وهي التي تُوضح العظم وتهشمه، وفيها عشرة أبعرة) اشترط المؤلف شرطين، إيضاح العظْم وهشمه، فإن هشمته بدون إيضاح؛ يعني الجلد ما ينشق، لكن العظم (... ) فحكومة، ما تكون هاشمة؛ لكن ولا بد أن توضح (... )، تجمع بين الأمرين وتهشمه، وفيها عشرة أبعرة.
(ثم المنقِّلة، وهي ما توضح العظم، وتهشمه، وتنقل عظامها) (... ) (توضح العظم) تهشمه تنقل العظم بحيث ينتقل عن مكانه، هذه (فيها خمسة عشر من الإبل) (... ) ورد بها النص؟ أقول له: هذه ورد بها النص عن الرسول عليه الصلاة والسلام.
قال: (وفي كل واحدة من المأمومة والدامغة ثُلث الدية)، ما هي المأمومة؟ المأمومة: هي التي تكسر العظم، توضحه، وتهشمه، وتكسره، وتنقل العظام، وتصل إلى أم الدماغ، (... ) وأم الدماغ الوعاء الذي فيه المخ، إذا وصلت إليه تسمى مأمومة (... ) والله أعلم أنه إذا وصل إلى هذا قد يموت، لكن أمر الله، الأعمار بيد الله، قد يبقى، فهذه فيها ثلث الدية كما صح به الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «فِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ» (4).
(الدامغة) هي التي تخرق جلدة الدماغ، أشد من المأمومة؟ أشد قال: وفيها ثلث الدية.
(... ) وإن مات (... ) وقال بعض العلماء: في الدامغة ثلث الدية وأرش؛ لأنها أعظم من المأمومة، فإذا كانت أعظم، فيجب أن تكون أكثر.
والمذهب يقولون: إن هذه مثلما لو قطع الكف، أو الكف والمرفق، إذا قطع الكف كم فيه؟ نصف دية، وإن قطعه مع المرفق فنصف دية، فإذا وصل إلى أم الدماغ وهي أعظم الشجاج استوى ما خرق الدماغ وما لم يخرقه، والذين يقولون بالأرش يقولون: لا فرق، وأما قياسه على اليد ففيه نظر؛ لأن اليد عضو واحد، فهي يد سواء قطعتها من الكتف، أو من المرفق، أو من الكف.
يقولون: الفرْق بينها وبين اليد أن اليد هي يد، ولو (... )، وأما هذه فبينهما فرق؛ لأن المأمومة هي التي تصل إلى أم الدماغ ولا تخرقه، لكن هي أقل خطرًا بكثير من الذي خرقت الدماغ، فلا يمكن أن نسوي بين مختلفين، وهذا القول قوي جدًّا، على أنها إذا خرقت الدماغ فإنه يُعطى مأمومة، ويعطى الأرْش.
ثم يقولون أيضًا: نحن لدينا نص يفرق بين هذه الشجاج، فالهاشمة ليست كالمنقِّلة، مع أن الموضع واحد، لكن الهاشمة هشمت العظم فقط، وهذه نقلت عظامه، ثم الموضحة ليست كالهاشمة أيضًا مع أن الموضحة وصلت إلى العظْم، وهذه هشمت، هذه وصلت إلى أم الدماغ، والثانية خرقته، فهي مثل الموضحة مع الهاشمة، وإذا كان الشرع فرق بينهما والمحل واحد عُلم أنه لا بد من التفريق، فلذلك القول الثاني في هذه المسألة أن الدامغة تجب فيها ثلث الدية مع الأرش.
كل هذا إن بقي المريض (... )، فلان يطلق عليه الرصاص (... ). على كل حال إن مات بهذه الجراحة الواجب دية كاملة.
طيب في النقطة الأولى الخمس السابقات الحارصة الحارصة ويش فيها؟ وهي مثل قبلها إذا برئت الحارصة (... )، ولَّا لا؟
يقولون قولًا، هذا الجناية، يقوم هذا بمال (... )، أو زادته فتنة (... )، لكن يبقى عندنا الحق العام، وهو التعدي، فهذه لولي الأمر أن يعزره لتعديه، أما الحق الخاص فليس (... ).
طالب: قلتم (... ).
الشيخ: هذا أيضًا ثابت من حيث (... ).
أن (في الجائفة ثلث الدية) فما هي الجائفة؟ الجائفة هي التي تصل إلى باطن الجوف، كل ما لا يرى من المجوف فهو جوف، مثل البطن، والصدر، وما بين الأُنثيين، والحلْق، وما أشبهها، فما يصل إلى باطن المجوف، فهى جائفة، وفيها ثلث الدية، وكل هذه المقادير اللي ذكرنا ما لم تصل بالإنسان إلى الموت، فإن وصلت به إلى الموت ففيها دية كاملة؛ لأن سراية الجناية مضمونة.
قال: (وفي الضلع وكل واحدة من الترقوتين بعير) في الضلع ضلع الإنسان يكون واحد جنى عليه وكسر ضلعه، فعليه بعير من جنس أسنان الدية السابقة.
وكذلك في كل واحدة من الترقوتين، ما هما الترقوتان؟ هما العظمان المحيطان بالعنق هذا، كل واحدة فيها بعير، وفي الثنتين بعيران.
وكذلك أيضًا: (في كسْر الذراع، وهو الساعد الجامع لعظمي الزند) فيه كم؟ يكون فيه بعيران.
أين الذراع؟ والآن يطلق الذراع على ما بين المرفق إلى رؤوس الأصابع، ولكن كلام المؤلف هذا يدل على أنه الساعد الجامع لعظمي الزند.
وفي كل يد زندان، أحدهما متصل بالكوع، والثاني بالكرسوع، الكوع هذا العظم اللي يلي الإبهام، والكرسوع الذي يلي الخنصر، أما هذا فيسمى المرفق؛ لأنه كان يرتفق به، يتكئ عليه، وأنشدتكم بيتين في هذا المعنى:
وَعَظْمٌ يَلِي الْإِبْهَامَ كُوعٌ وَمَا يَلِي
لِخِنْصَرِهِ الْكُرْسُوعُ وَالرُّسْغُ مَا وَسَطْ
وَعَظْمٌ يَلِي إِبْهَامَ رِجْلٍ مُلَقَّبٌ
بِبُوعٍ فَخُذْ بِالْعِلْمِ وَاحْذَرْ مِنَ الْغَلَطْ
إذن المؤلف يقول: إن (الذراع وهو الساعد الجامع لعظمي الزند) في كل يد زندان، أحدهما متصل بالكوع، والثاني متصل بالكرسوع، الآن هذا الذراع ترى فيه مقسوم ما هو باثنين ينقسم من نصف الذراع تقريبًا، هذا الواحد يقول المؤلف: إذا كُسر ففيه بعيران، أفهمتم الآن؟ والمراد كُسر، ولم ينفصل، أما إذا انفصل ففيه دية اليد كاملة: نصف الدية، لكن كُسِر وبنجبره جبر، ففيه بعيران.
قال المؤلف: (والعضُد) يعني وفي العضد بعيران، أين العضد؟
يجب علينا أن نبينه باللفظ، لكن تقول: هذا مثل ما بعد (... ) ما تعرفون.
نقول: هو العضد الذي بين الكتف والمرفق، هذا العضد فيه بعيران أيضًا.
في الفخذ، العضد ويش هو معطوف عليه؟ على الذراع، وليس معطوفًا على الزند، صح؟ ما يصح أن نقول: بعظمي الزند وعظمي للعضد.
قال: (وكذلك أيضًا في الساق والفخذ)، الفخذ أيضًا إذا كسره، إذا كسر الفخذ وهو معروف ما بين الركبة والورك ففيه بعيران.
في الساق أيضًا يقول: فيه بعيران، لكن بشرط:
(إذا جبر ذلك مستقيمًا)، فإن جبر غير مستقيم ففيه الحكومة.
يعني لو جبر الساق معوجًا، أو العضد، أو الذراع، أو الزند، أو ما أشبه ذلك، إذا جبر غير مستقيم ففيه حكومة، ولا بد أن تبقى حركة العضو على ما كانت عليه، فإن نقصت ففيه حكومة.
يعني لو كان مع الكسر انشلت يده بعض الشيء، فإن فيه حكومة، وإن جبر مستقيمًا؛ لأنه فوته بعض المنفعة.
الضلع فيه دليل عن عمر رضي الله عنه، وكذلك الترقوة، وكذلك الزند؛ أي ثلاثة عظام فيها آثار عن الصحابة، وأما البقية فإنها بالقياس.
نشوف الآن الترقوة والضلع معروف أنها جنس واحد تقريبًا؛ لأنها كلها في الصدر، هذا في أعلاه، وهذا في وسطه، أو في أسفله، وأما الذراع فإنه قد ورد عن عمر رضي الله عنه أثر في أن في الزند الواحد بعيرين (5)، وفي كل يد زندان، وفي الزندين الاثنين أربعة أبعرة.
الزند هذا الآن عظمان، اللي في آخر الذراع عظمان، إذا كُسر واحد من العظمين ففيه بعيران، أو الاثنين أربعة أبعرة، إذا كان هذا إذا كُسِر ففيه بعيران، فالذراع من باب أولى؛ لأن الذراع جامع لهما، وإذا كان الذراع فيه بعيران، فالساق من باب أولى، وإذا كان الساق فيه بعيران، فالفخذ من باب أولى، ولهذا فقهاؤنا رحمهم الله قاسوا هذه المسألة بعضها على بعض، قالوا: الآثار وردت في ثلاثة، وقس الباقي عليه؛ لأنه مثله، أو أولى منه.
وقال بعض فقهائنا الحنابلة: إنه لا تقدير إلا فيما ورد به الأثر: الضلع، والترقوة، والزند، والباقي حكومة.
وذهب أكثر أهل العلم على أن الجميع فيها حكومة، وحملوا ما ورد عن عمر في ذلك بأنه من باب التقويم، وإذا كان من باب التقويم صار حكومة، وقالوا: إن الحكومة أقرب إلى العدل، ما دامت المسألة ليس فيها نص من الشارع يجب العمل به، فإن الحكومة أقرب إلى العدل، فإنه ليس كسر الزند الواحد ككسر الذراع، والزند الواحد فيه بعيران، والزندان فيهما أربعة أبعرة، فإذا كان الفرعان فيهما أربعة أبعرة، فكيف لا يكون الأصل وهو الذراع فيه أربعة أبعرة؟ ! أو العضد أيضًا؟ !
ولهذا القول بالحكومة في هذه الأعضاء أقرب إلى العدل، وحمل ما ورد عن أمير المؤمنين رضي الله عنه على أنه من باب التقويم له وجه، ربما يكون في ذلك الوقت عمر رضي الله عنه رأى أن الحكومة تساوي بعيرين، فقال: فيه بعيران.
ثم على فرض أنه ليس تقويمًا، وأنه توقيف؛ لأن فعل هذا من عمر رضي الله عنه يدل على أن له أصلًا في السنة، فإنه يُقتصر على ما ورد به النص، ويبقى الباقي على أنه حكومة، أما أن نقول: إن كسر الفخذ ككسر واحد من الزندين، ما فيه إلا بعيران، فالمسألة فيها نظر ظاهر.
فالراجح عندي في هذه المسألة أن نقول: إن فيها حكومة في الجميع، ويُحمل ما ورد عن عمر على أنه من باب التقويم، وما دام أن الأمر فيه احتمال أن يكون هذا من عمر على سبيل التوقيف، أو على سبيل التقويم، فالأصل عدم الإلزام بهذا التقدير حتى يثبت أنه تشريع، وليس تقويمًا، ثم إذا تنازلنا، نقول: نجري ما جاء به النص عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه على ما جاء عليه، والباقي يكون حكومة.
ما هي الحكومة؟ ليست الحكومة الدولة أو لا؟ وإلا لو كانت الحكومة الدولة صارت رخيصة، لكن الحكومة فسرها بقوله: (أن يُقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به) الباء هنا بمعنى (في) (يُقوَّم) يعني يقدر قيمته، ومصدر قَوَّمَ تَقْوِيم، وبهذا نعرف الخطأ الشائع بين الناس الآن، يقولون: تقييم، مأخوذ من القيمة، فيقال لهم: أصل القيمة القيومة، لكن حُوِّلت الواو إلى ياء لعلة تصريفية، وعلى هذا فنقول: إنه يقوم ومصدر تقوم تقويم، (يقوم كأنه عبد لا جناية به) يعني سليم.
(ثم يُقوَّم وهي به) الواو هنا للحال، والحال أنها -أي الجناية- به، لكن بشرط: (قد برئت) وبهذا نعرف أن التقويم ما يكون إلا بعد البرء، إذا برئ قوَّمناه الآن.
هل يلزم من هذا التقويم أن ننادي عليه في السوق، ونقول: من يسوم هذا العبد؟
طالب: لا يجوز.
الشيخ: ويش يدري معنى القيمة؟ بيسأل أهل الخبرة، فإذا قال أهل الخبرة، أو إذا لم يكن أهل خبرة؛ لأن الرفيق ما هو موجود، ما ندري (... )، يحرج عليه، فيه صعوبة، يعني حر يبغي يؤتى به بعد صلاة الجمعة عند باب المسجد، ويقال: قدروا هذا، من يسوم هذا؟
وقد يكون لبعض الناس رغبة خاصة أن يزيد الثمن.
وعلى كل حال ما يهم هو إذا ارتفع الثمن أو قل فالعبرة بالنسبة (يقوم كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية).
طالب: (... ).
الشيخ: ما فيه إلا السقيم الظاهر؛ يعني بمعنى أنه يطلب اثنين وثلاثة ممن يوثق بهم، يقول: قدِّروه، يقول لك: المشكلة إن ما فيه رقيق.
وأنا قلت لكم: إنه مهما زادت القيمة أو نقصت المسألة ترجع للنسبة.
طالب: (... ).
الشيخ: ذكرها الفقهاء رحمهم الله يستدلون بها ما تتبعتها أنا.
يقول: (فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية) (كأن قيمته) عندي نسخة (فإن كان قيمته)، لكن بالأسفل يقول: الزيادة من المقنع، الأصل يعني، أما محتوى الشرح فيقول: كأن قيمته؛ يعني لو قُدِّر أن قيمته عبدًا سليمًا، كلمة عبدًا ويش إعرابها؟ حال، يعني مملوكًا، عبد مؤول بمملوك، مثل قوله: فبعه مُدًّا.
كأن قيمته عبدًا سليمًا، المشكل أن عندي ستين (... )، مقتضى العبارة أن يقول: ستون، وقيمته في الجناية خمسون، ومقتضاها أيضًا يقول: خمسون (ففيه سدس ديته).
هذا الرجل جُنِي عليه جناية لا مقدرة فيها، فيها حكومة، فنقول: قَوِّموا هذا الرجل عبدًا سليمًا، وقوِّموه عبدًا مجنيًّا عليه قد برئت جنايته، ما بين القيمتين هو ديته، فيُعطى مثل نسبته من الدية، فالمثال واضح، قدرنا هذا الرجل عبدًا سليمًا قيمته ستون ألفًا، ثم قدرناه عبدًا قد جُنِي عليه بجناية برئت فقُدِّر بخمسين ألفاً، فما الفرق بين الخمسين والستين عشرة من ستين، والعشرة من ستين هي السدس، فيُعطى سدس الدية، ولو قُدِّر أن قيمته عبدًا سليمًا مئة، وقيمته بالجناية خمسون، نصف الدية، وهكذا.
(إلا أن تكون الحكومة في محل له مُقدَّر فلا يُبلغ بها المقدَّر) إذا كانت الحكومة في محل له مقدر فإنه لا يُبلغ بها المقدَّر.
مثال ذلك: السمحاق، ذراع السمحاق أظن ما فيها مُقدَّر، ويش الواجب فيها؟
حكومة، قدرناها بالحكومة، فكانت تستوعب عشرة من الإبل، ما يعطى عشرة، لماذا؟
طالب: يعطى خمسة.
الشيخ: ولا خمسة؛ لأن الموضحة، وهي أعظم منها قدَّرها الشرع بخمسة، فنحن لا نزيد على الشرع، نعطيه خمسة إلا شيئًا قليلًا؛ لماذا؟ لأننا لسنا أحكم من الشرع، وإذا كنا لسنا أحكم من الشرع، فإن ما حدده الشرع لا يُبلغ به ما كان من جنسه.
ونظير ذلك لو أن رجلًا خلا بامرأة وقبَّلها ونام معها، واستمتع بها بين الفخذين، كل الليل، ثم أردنا أن نعاقبه، نجلده مئة جلدة؟
ما نجلده مئة جلدة ليش؟ لأننا بلغنا الحد، وهذا الفعل أقل مما يُوجب الحد، فلا نُعزِّره بتعزير يبلغ الحد؛ لأننا لو عزَّرناه بتعزير يبلغ الحد لزم من ذلك أن يكون عملنا أحكم من عمل الشرع.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن نبلغ المقدر، أو أكثر في مسألتنا، قال: لأن ما ورد به الشرع لا يمكننا مجاوزته لورود الشرع به، وما لم يُقدِّره الشرع، فقد جعل تقديره إلينا، وإذا جعل تقديره إلينا، فالواجب أن نتبع ما حصل فيه من نقص؛ فالشرع لما سكت عنه معناه أنه يريد أن يكون الأمر إلينا نحن، ونحن نُقدِّر الأمر وننظر فيه، ولكن المشهور من المذهب هو ما سمعت إلا أن تكون في موضع له مُقدَّر، فلا يُبلَغ بها الْمُقدَّر.
طالب: (... ).
الشيخ: هذه الحكومة بعد البرء، ولم تنقصه شيئًا، ما عليه شيء، ولكن عليه الحق العام، وهو التعزير.
فإذا (... ) فلا شيء، لكن لو قال الجاني: أنا أردت أن أُذهِب عنه هذا العيب، نُعزِّره؟
هذا مثلًا ثؤلول في الجبهة، فتخاصم الجاني والمجني عليه، الجاني على طول مسكه وقتله (... ) وراح (... )، فإذا قال: أنا (... ) للجراح، ويش نقول؟
نقول: يعزر؛ لأن القرينة تدل على أنه ما أراد الإحسان ولَّا لا؟ فلما كانت القرينة تدل على أنه ما أراد الإحسان، قلنا: نجازيك بالإساءة إساءة.
[باب العاقلة وما تحمله]
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا يتعلق بالديات (... ) وما تحمله.
الباب يشتمل على موضوعين: الموضوع الأول: العاقلة، والموضوع الثاني: ما تحمله العاقلة.
فنبدأ أولًا بالعاقلة، العاقلة: اسم فاعل، وهل هو مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أو هو اسم فاعل على الأصل؟ نقول: هو اسم فاعل على الأصل؛ لأننا ما نلجأ إلى جعل اسم الفاعل بمعنى المصدر، إلا إذا لم يصح أن يكون اسم فاعل، مثل العاقبة، والعافية وما أشبههما، أما إذا أمكن أن نجعله اسم فاعل فإننا نجعله اسم فاعل على الأصل، فنقول: العاقلة اسم فاعل من العَقْل، وما هو العقل؟ هل من العقل وهي الدية؛ لأنهم يؤدون عن قريبهم، أو من العقل والمنع؛ لأن العاقلة يمنعون قريبهم من أن يُعتدى عليه، أو أن يَذهب مذهبا يسيء إلى سمعتهم؟
طالب: الأول.
طلبة: الثلاثة، أو كل.
الشيخ: أو كل الثلاثة، يعني من العقل الذي هو الدية، ومن العَقْل الذي هو المنع؛ لأن العقل سمي العقل عقلًا؛ لأنه يمنع صاحبه، كيف المانع؟ يمنعونه من الاعتداء عليه، ويحمونه، وكذلك يمنعونه من أن يسلك مسلكًا يسيء إلى سمعته؛ ولهذا إذا انحرف الإنسان فإن أقاربه يذهبون إليه (... ) ويوبخونه، ويقولون: ليس هذا من عادتنا، وليس هذا من شيمتنا، وما أشبه ذلك، وإذا كانت المعاني لا تتناقض فإنه يُحمل على الجميع.
إذن العاقلة مأخوذة من العَقْل، وهو الدية، ومن العَقْل وهو المنْع؛ للوجهين اللَّذَيْن ذكرنا، فمن العاقلة؟ يعني من حيث المعنى؛ لأن الأول من حيث الاشتقاق، يذكرون إياه من قَبْل من حيث الاشتقاق.
من حيث المعنى يقول: (عصباته كلهم من النسب والولاء، قريبهم وبعيدهم) عصباته من النسب، نشوف كل ذكر لم يُدْلِ بأنثى، خرج به الإخوة من الأم، والزوج ليس منهم؛ لأنه ليس عاصبًا، والأخ من الأم ليس من العاقلة؛ لأنه مُدلٍ بأُمٍّ، وأيضًا ليس بعاصب، دخل فيه الإخوة، والأعمام، وأبناء الإخوة، وأبناء الأعمام، وما أشبه ذلك.
قال المؤلف: (والولاء)، عصبته من الولاء مثل المعتِق، وأبناء المعتق، وآباء المعتق، وإخوة المعتق.
هذا الولاء؛ لأن الولاء كما جاء في الحديث: «لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» (6)، يُورَث به.
فهم عاقلة، فلو فُرض أن عبدًا أعتق، وجنى خطأ، وليس له أقارب من النسب، مَنِ الذي يحمل عقْله؟ سيده الذي أعتقه إن كان موجودًا، أو عصباته.
قوله: (قريبهم وبعيدهم) يحتمل أن المعنى أن القريب والبعيد يشتركون في العقل، ولا نظر إلى الحجب.
ويحتمل أن المعنى أن العصبات وإن بعدوا فإنهم من العاقلة، وتحميلهم على حسب إرثهم.
ولكن المعنى الأول هو المراد، أن قريبهم وبعيدهم كلهم عاقلة، يعقلون ويؤدون، لكن لا يُحمَّل البعيد إذا أمكن تحميل القريب، وهذا هو الفرْق بينه وبين الإرث؛ لأن الإرث لا يرث البعيد مع القريب، لكن هذا لا يُحمَّل إذا أمكن من القريب، فإن لم يمكن حُمِّل، كما لو كان له أعمام فقراء، وأبناء عم أغنياء، فأبناء العم لا يرثون، لكن يُحمَّلون من العاقلة؛ لأنهم عَصَبة من حيث الجملة، وإن كانوا في هذه المسألة ليسوا بعصبة بحجب الأعمام، لكن هم من حيث الجملة عصبة؛ ولهذا قال: (قريبهم وبعيدهم).
قال: (حاضرهم وغائبهم) حتى الغائب يراسل، ويطلب منه أن يؤدي ما حُمِّل من الدية، وإلا لكان كل ممكن يغيب ويدع الحمل.
(حتى عمودي نسبه) (... ) بالياء ولَّا بالألف؟ والصواب أن تكون حتى عمودا نسبه؛ لأنها معطوفة على عصباته، وعصباته خبر المبتدأ، وليست حتى هنا غائية حتى نقول: إنها جارة، بل هي عاطفة، ولا تصلح أن تكون غائية؛ لأن ما بعدها ليس غاية لما قبلها.
إذن نقول: إذا صح أنها بخط المؤلف بالياء (عمودي)؛ فإما أن يكون سبقة قلم، وإما أن يُقدَّر له عامل، يكون بالياء من أجله، فنقول: حتى من عمودي نسبه، فتكون منصوبة بنزع الخافض.
ومَنْ عمودا نسبه؟ عمودا نسبه من ينتسبون إليه، أو يُنسب إليهم، فالذين ينتسبون إليه: هذا (عمودي نسبه)، لأنه العمود واحد نازل وواحد طالع، مَنِ الذين ينتسبون إليه؟ فروعه.
ومن الذي ينتسب إليهم؟ أصوله.
وإنما نص المؤلف على عمودي النسب مع دخولهم في عموم قوله: (عصباته كلهم)؛ لأن في المسألة خلافًا.
ونحن ذكرنا من قبل أن أهل العلم لا ينصون على شيء داخل في العموم إلا لوجود خلاف في هذه المسألة، أو لرفع توهم، أو ما أشبه ذلك؛ يعني لا بد له من فائدة، فهنا الفائدة الإشارة إلى الخلاف.
والخلاف هو أن عمودي النسب لا عقْل عليهما، وإنما العقل على الكلالة، الحواشي من الإخوة والأعمام، ومن تفرَّع منهم.
أو أن الفرع لا عقْل عليه، بخلاف الأصل، هذان قولان، أو أن الفرْع لا عقل عليه إن كان من قبيلة أخرى، وهذا قول ثالث، كيف لا عقل عليه إن كان من قبيلة أخرى؟ مثل أبناء المرأة..
ولا عَقْلَ على رَقيقٍ وغيرِ مُكَلَّفٍ ولا فقيرٍ ولا أُنثى ولا مُخالِفٍ لدِينِ الجانِي، ولا تَحْمِلُ العاقلةُ عَمْدًا مَحْضًا ولا عَبْدًا ولا صُلْحًا ولا اعترافًا لم تُصَدِّقْه به, ولا ما دون الدِّيَةِ التامَّةِ.
(فصلٌ)
مَن قَتَلَ نفسًا مُحَرَّمَةً خطأً مُباشرَةً أو تَسَبُّبًا فعليه الكَفَّارَةُ.
(بابُ القَسَامَةِ)
وهي أَيمانٌ مُكَرَّرَةٌ في دَعْوَى قَتْلِ مَعصومٍ، ومن شَرْطِها اللَّوَثُ، وهي العَداوةُ الظاهرةُ كالقبائِلِ التي يَطْلُبُ بعضُها بعضًا بالثأرِ، فمَن ادُّعِيَ عليه القتْلُ من غيرِ لَوَثٍ حَلَفَ يمينًا واحدةً وبُرِّئَ، ويُبْدَأُ بأيمانِ الرجالِ من وَرَثَةِ الدمِ،
أو أن الفرع لا عقل عليه إن كان من قبيلة أخرى.
وهذا قول ثالث.
كيف العقل عليه إن كان من قبيلة أخرى؟ مثل أبناء المرأة؛ إذا كانت المرأة من آل فلان، وتزوجها رجل من آل فلان، صار أبناؤها ليسوا من قبيلتها، أليس كذلك؟ فذهب بعض أهل العلم إلى أنهم ليسوا من العقل -يعني لا يعقلون- لا يؤدون شيئًا من العقل؛ لأنهم من قبيلة أخرى.
وأصل هذا العقل كما سيأتي -إن شاء الله تعالى- (... ) أنه مبني على النصرة والدفاع والحماية، ومن كان من قبيلة أخرى فليس من أهل النصرة والحماية والدفاع.
ولكن المشهور من المذهب -كما ترون- يقولون: كما أنهم غانمون بالإرث فهم غارمون بالعقل، وكيف لا نجعلهم غانمين ونورثهم؟
إذا دعت الحاجة إلى ذلك في العقل، فالأقوال في عمودي النسب ثلاثة أو أربعة، (... ) من غير القبيلة؛ مثل أبناء المرأة إذا كانوا من غير قبيلتها، أما لو كانوا من قبيلتها -كما لو تزوجها ابن عمها- فهم عاقلة.
إذا قال قائل: هؤلاء هم العاقلة، فماذا عليهم؟ عليهم أن يؤدوا العقل؛ أي: الدية عن القاتل، وهذا بالنص والإجماع في الخطأ.
واختلف العلماء في شبه العمد، والصحيح أنه كالخطأ؛ أي أن العاقلة تحمله، فالعاقلة تحمل (... )، سيأتي إن شاء الله.
إذن هؤلاء هم العاقلة، وسموا بذلك لما سبق.
طالب: (... )؟
الشيخ: الصحيح العموم؛ لأن أولادها وإن كانوا من غير قبيلتها فقد وجب عليهم نصرها.
(ولا عقل على رقيق) يعني: لو كان للجاني قريب رقيق؛ يعني لين وليس بخشن؟ ويش معنى رقيق؟ يعني مملوكًا، ضده الحر، لو كان له قريب رقيق مملوك فإنه لا عقل عليه، بماذا؟ بوجهين:
الوجه الأول: أنه ليس من أهل النصرة في العادة؛ لأنه مملوك.
والثاني: أنه لا مال له؛ لأن مال المملوك لسيده.
والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (1)، فجعل المال للذي باع.
إذن لا عقل على رقيق من وجهين:
الوجه الأول: أنه ليس من أهل النصرة غالبًا.
والثاني: أنه لا يملك مالًا حتى يدفعه.
نأخذ من هذا أنه يشترط لتحميل العاقلة أن يكون العاقل حرًّا، ولَّا لا؟ (... ) هذا الشرط.
يختلف مع شروط تحمل العاقلة يقول: شروطها كذا (... ) الشرط الأول: هذا أن يكون حرًّا.
قال: (ولا على غير مكلف) من غير المكلف، الصغير والمجنون؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (2)، فلا يحمل الصغير ولو كان عنده مال كثير، ولا يحمل المجنون ولو كان عنده مال كثير، لماذا؟ لأنهما ليسا من أهل النصرة، غالبًا ما هم مكلفين؛ لأن هذا حق مالي لآدمي فهو كالإنفاق، لكن لأنهما ليسا من أهل النصرة غالبًا، أنت عندما (... ) بالصغير أو بالمجنون؟ لا.
إذن لا عقل على صغير ولا على مجنون.
خذ شرطًا ثانيًا: التكليف؛ يعني: يشترط لتحميل العاقلة أن يكون مكلفًا.
لو كان له أخ صغير عنده مال كثير وابن عم بالغ عنده مال؟
طلبة: ابن العم.
الشيخ: والأخ؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا؛ لأنه صغير غير مكلف.
(ولا على فقير) كلمة (فقير) مأخوذة من الفَقْر؛ وهو الخُلُو، وهو موافق للقَفْرِ؛ القفر المكان الخالي، وهذا يسمونه الاشتقاق الأصغر؛ يعني أن الكلمتين يتوافقان في الحروف ويختلفان في الترتيب، يسمى هذا اشتقاقًا، المعنى واحد تقريبًا.
فالفقير مأخوذ مِن؟ أصلُه من القفر؛ وهو الخلو الموافق لكلمة (الفقر) في عدد الحروف وإن كان يخالفه في الترتيب.
فالفقير هو الذي لا يجد شيئًا، ولو كان قريبًا من الجاني لا يحمل شيئًا، لماذا؟ لأن ليس عنده مال.
لا يقال: إنه يجب في ذمته حتى يغنيه الله؛ لأن المسألة كلها مبنية على النصرة والمحاماة، وهذا فقير لا يستطيع، ومن كان فقيرًا معدمًا كيف نلزمه؟ !
زد شرطًا ثالثًا: أن يكون غنيًّا.
فما هو الفقر المانع؟ وما هو الغنى؟
يجب أن نعرف الفقر في كل موضع بحسبه؛ فمثلًا في باب إيجاب الزكاة الغني من يملك نصابًا، وفي باب إعطاء الزكاة الغني من عنده قوته وقوت عائلته لمدة سنة، وفي باب النفقات الفقير من يعجز عن التكسب وليس عنده مال.
وفي هذا الباب يقول المؤلف عندي في الشرح: الفقير هو الذي لا يملك نصاب زكاة عند حلول الحول فاضلًا عنه؛ يعني معناه: أن الفقير هو الذي لا يملك نصابًا عند وجوب دفع الدية فاضلًا عن كفايته وكفاية عياله (... )، بل قال: أنا عندي ألف ريال تكفيني أنا وعائلتي، نأخذها منه؟ لا؛ لأنه فقير.
قال: (ولا أنثى) يعني: ما يحمل العقل على أنثى (... )، لكن لا يجب عليها، هذه أنثى عندها مال كثير كثير كثير، وقتل أخوها رجلًا خطأ، نحملها؟ لا، لماذا؟ لأنها ليست من أهل النصرة؛ المرأة ما هو بيُستنْصر بها ولا يستعان بها، لكن أليس بعض الناس يقول: (... ) فلا تجب للمرأة أو لا؟
طالب: (... ).
الشيخ: هذا يمكن، نادر أو خلاف العادة فلا عبرة به، حتى لو كانت أمه أو أخته أو ابنته فإنه لا تحمل من العقل شيئًا؛ لأنها ليست من أهل النصرة والدفاع صح، ولَّا لا؟ ولهذا ما تجد أحدًا يستعين بامرأة أبدًا إلا في بعض الأحوال النادرة.
يقال: إن رجلًا قالت له امرأة: أريد أن أسابقك، فقال: لا يمكن أن تسابقيني؛ إن غلبتك في المسابقة فلا فخر لي، وإن غلبتيني فعار عليَّ، إذن ما أسابقك، صح كلامه ولَّا لا؟ صح، إن سبقها ما فيه فخرٌ، معروف أن الرجل أقوى من المرأة وأسبق من المرأة، وإن سبقته فهو يُعَيَّر؛ يقال: هذا اللي سابق المرأة وسبقته، لكن هذا ما لم تكن زوجته، إن كانت زوجته فالرسول صلى الله عليه وسلم سابق عائشة مرتين.
(ولا مخالف لدين الجاني) مخالف لدينه؛ يعني: بأن يكون الجاني مسلمًا والآخر كافرًا، أو بالعكس؛ لأنه ليس من أهل النصرة؛ إذ إن الفصل بين المسلم والكافر ولو كان أقرب قريب ثابت شرعًا وعقلًا، قال الله تعالى لما قال نوح: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45] قال له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: 46]، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ» (3)، وإذا انقطع التوارث انقطع التعاون والتناصر، فلا يُحْمَل المخالف في الدين شيئًا من العقل.
نزيد شرطًا خامسًا؛ وهو اتفاق الدين.
وظاهر كلام المؤلف حتى في الولاء، خلافًا لما قالوه في باب الفرائض؛ حيث قالوا: إن اختلاف الدين لا يمنع التوارث، وسبق لنا أن الصواب أن اختلاف الدين يمنع التوارث حتى في الولاء، وهنا قال: (ولا مخالف لدين الجاني).
هذه خمسة شروط.
الشرط السادس: أن تكون الجناية خطأ أو شبه عمد؛ لقوله: (ولا تحمل العاقلة عمدًا محضًا) فبقوله: (عمدًا) خرج الخطأ، وبقوله: (محضًا) خرج شبه العمد، فلا تحمل عمدًا محضًا، لكنها تحمل الخطأ وشبه العمد.
والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حمَّل الدية في المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل بالدية على العاقلة في شبه العمد (4)، فالخطأ من باب أولى، والخطأ بالإجماع -بإجماع العلماء- أن العاقلة تحمله، وفي شبه العمد خلافٌ، والصحيح أنها تحمله.
إذن فيُشترط شرطًا سادسًا؛ وهو ألَّا تكون الجناية عمدًا، يعني إذن شبه العمد والخطأ.
وهنا يحصل التساؤل: لماذا نحمل العاقلة الدية مع أن الجاني غيره؟
والجواب على ذلك من وجهين:
الوجه الأول: أن هذا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجب علينا الاستسلام له؛ لأن حقيقة الإسلام لا تتم إلا بالاستسلام لما حكم به الرسول عليه الصلاة والسلام، قال الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
فإذا قال القائل: سلمنا لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن كيف نجيب عن قول رب الرسول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: 18]؟
فالجواب: أن هذا في الذنوب والآثام؛ ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ هذا في الذنوب والآثام.
وأما في النصرة والمساعدة والمعاونة فذاك شيء آخر، فإيجاب الدية على العاقلة من باب النصرة والمعاونة، كما أوجبنا على الغني الإنفاق على من؟ على قريبه الفقير.
أما قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ فهذا في الذنوب والآثام، آية أخرى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 36 - 39]، وقد أجمع العلماء على أن الرجل لو وهب للإنسان شيئًا من ماله الذي حصله بكسبه وكده، فذلك جائز ولَّا ممنوع؟ جائز، وهو ليس من سعي المعطى، فدلَّ ذلك على أن المراد بالآية الذنوب والآثام ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
أما الوجه الثاني لتحميل العاقلة الدية، إحنا ذكرنا وجهين وتلونا الدليل من السنة، والوجه الثاني: أن الخطأ يقع كثيرًا من الإنسان، ولو حملناه كل خطأ يقع منه لاستنفذنا ماله، فكان من الحكمة أن يُنَاصر ويُعَاون.
فإن قلت: هذه الحكمة موجودة في عهد الصحابة وفي زمن مضى، لكن لها عاقبة سلبية -كما يقولون في وقتنا الحاضر- وهو أن الإنسان إذا علم أن عاقلته سوف تحمل الدية عنه ترى يتهور ولا يبالي قتل نفسًا أو لم يقتل، فما الجواب عن هذا؟
طالب: نفصِّل.
الشيخ: ما هو التفصيل؟
الطالب: (... ).
الشيخ: لا يتحمل، إذن نقيد النص، الأخ يفصل؛ يقول: إذا كان هذا يؤدي إلى تهور الجاني وعدم مبالاته فإننا نحمله ذلك؛ نحمله الدية.
طالب: لكن هذا نادر.
الشيخ: نادر؟
الطالب: (... ).
الشيخ: (... ).
الطالب: (... ).
الشيخ: ما هو رايح يتعمد (... ) لكنه يتهاون.
الطالب: (... )؟
الشيخ: لا.
الطالب: (... ).
الشيخ: أبدًا، ولا قرش واحد.
طالب: (... ).
الشيخ: ما هو ذلك؟
الطالب: هو ليس عمد، لكنه من هذا الباب (... ) وبما أنه تهور نحمله (... ).
طالب آخر: (... ) في المرة الثانية (... ).
الشيخ: تفصيل جديد، هو على كل حال الواجب أن نتمشى على الشرع، وكما يظهر لي أن من ظهر منه أمارة التهور وعدم المبالاة فإنه يحجز؛ يعني: يُعزر بما يرغب به الإمام، قد يكون تعزيره بسحب رخصته، قد يكون تعزيره بسحب السيارة.
المهم الذي يرى الإمام -ولي الأمر- يعزره به، وأما الأمور الشرعية فيجب أن تتمشى على ما جاء به الشرع، هذا هو الأصل (... ).
العاقلة عمدًا، إي نعم داخل فيه، ولكن عمدًا محضًا.
(لا تحمل العاقلة عبدًا) يعني: لو أن أحدًا قتل عبدًا خطأ أو شبه عمد فإن العاقلة لا تحمله، لماذا؟ لأن ضمان العبد يجري مجرى ضمان الأموال؛ ولهذا دية العبد قيمته بالغة ما بلغت، فلا تحمله العاقلة، عندما يقتل العبد فكيف تكون ديته؟ قيمته بالغة ما بلغت، إذن فضمانه جارٍ مجرى ضمان الأموال، وإذا كان كذلك فإن ضمانه يكون على القاتل، كما لو قتل الإنسان بهيمة؛ رجل أراد أن يرمي صيدًا، فأصاب بعير شخص، فماتت البعير، من يضمنها، العاقل ولَّا القاتل؟
طلبة: القاتل.
الشيخ: القاتل، فكذلك العبد؛ لأن ضمانه ضمان أموال.
وقال بعض العلماء: إن دية العبد مضمونة على العاقلة؛ لأنه إنسان، ولأنه تجب الكفارة في قتله، فإذا وجبت الكفارة وجبت الدية، وإذا وجبت الدية فهي على العاقلة.
ولكن القول الأول أصح؛ لأنه لا يلزم من وجوب الكفارة أن تكون الدية على العاقلة -كما عرفتم- في الشروط (... ) من شروط.
إذن أضف إلى هذه الشروط السابقة -كم هي؟ - ألَّا يكون ضمان المقتول جاريًا مجرى الأموال، فإن كان جاريًا مجرى الأموال فإن العاقلة لا تحمله.
ثانيًا: (ولا صلحًا) لا تحمل العاقلة الصلح، كيف صلح؟ القتل فيه صلح؟ نعم، ادعى إنسان على شخص بأنه قتل مورثه؛ يعني: جماعة جاؤوا لشخص قالوا: أنت قتلت مورثنا؛ قتلت أبانا، قال: ما قتلت، قالوا: قتلتَ (... )؛ فإما أن تسلم الدية، وإما أن نشكوك، لما رأى أن المسألة تأزمت قال: أنا أبغي أصالحكم (... ) مصالحة، خذوا مني خمسين ألفًا وفي أمان الله.
فهل تحمل العاقلة هذا الصلح؟ لا، لماذا؟ لأنه لم يثبت؛ ما ثبت ببينة، ولا باعتراف القاتل، ولا باعتراف الذي ادُّعي عليه القتل، إنما هو صلح عن دعوى، والعاقلة ما لها بها دخل، فمعنى قوله: (صلحًا) يعني صلحًا عن دعوى قتل أنكره المدعى عليه.
يجب أن نعرف معنى العبارة: (ولو صلحا) يعني: عن دعوى قتل أنكره المدعى عليه.
وتعليل ذلك أن هذا لم يثبت، والعاقلة لا تحمل شيئًا لم يثبت.
فإذا قيل: إن هذا الرجل قد صالح عن الدعوى عليه، وبإمكانه أن يصر على الإنكار ثم يحاكم إلى القاضي، ولَّا لا؟ وإذا حاكم إلى القاضي تبين الحق، وعلى هذا فنقول: إن الصلح لا تحمله العاقلة؛ لعدم ثبوته.
(ولا اعترافًا لم تصدقه به) هذا أيضًا لا تحمله اعترافًا من المدعى عليه، (لم تصدقه به) أي: بهذا الاعتراف.
مثاله: أن يُدَّعى على شخص أنه قاتل، فيعترف بأنه هو القاتل، ولكن العاقلة قالوا: ما نصدق أبدًا (... )، فهل نلزمهم؟ ما نلزمهم؛ لأنه ما ثبت هذا ببينة، لم يثبت هذا ببينة.
إذن على من يكون؟ يكون على الجاني الذي (... )، والعاقلة لم تصدقه، وعلى هذا فلا يلزمها ما لم تصدق به أو يثبت ببينة.
ولأنا لو ألزمنا العاقلة بذلك -بالدية- لكان فتح باب لأهل الحيل، يقول: تعالوا ادعوا عليَّ أني أنا اللي قاتل أبوكم ومحمل عاقلتي الدية، وأنا (... )، وتكون الدية بيني أنا وإياكم أنصاف، شرط أن تكون لنا عشرون ولكم عشرون، ممكن هذا ولَّا ما هو ممكن؟ ممكن؛ ولهذا يجب أن نسد كل باب يمكن أن يتحيل به (... ).
إذا قال قائل: عرفنا أن العاقلة لا تحمل اعترافًا لم تصدق المعترف به، فما تقولون؛ هل الأولى أن تصدق أو الأولى أن تنكر؟ وهل إنكارها مقبول؟
نقول: يجب أن تنظر العاقلة إلى القرائن؛ فإن دلت القرائن على صدق المقر وجب عليها أن تصدق؛ لتبرئ ذمتها مما يجب عليها، وإن لم يغلب على ظنها صدقه فلها أن تنكر (... ) على أنه هو القاتل.
طيب فيما إذا اعترف ولم تصدقه ثبتت الدية عليه والكفارة عليه ولَّا لا؟ عليه، لكن هذا بينه وبين الله؛ إن كان صادقًا في اعترافه بأنه هو القاتل لزمته، وإلا لم تلزمه.
يقول: (ولا ما دون ثلث الدية التامة) يعني: ولا تحمل العاقلة ما دون ثلث الدية التامة؛ وهي دية الحر الذكر المسلم، هذه هي الدية التامة، هي دية الحر الذكر المسلم، كم هي؟ مئة بعير.
(ما دون الثلث) لا تحمله العاقلة، ما تحمل العاقلة دون الثلث؟
طلبة: نعم.
الشيخ: طيب لو أن رجلًا قطع ثلاثة أصابع من ذكر حرٍّ مسلم خطأ، تحمله العاقلة؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، طيب أربعة؟ تحمله العاقلة؛ لأن أربعة فيها أربعون، وهي فوق الثلث.
الجائفة تحملها؟ المؤلف يقول: (ما دون الثلث) الجائفة تحملها ولَّا لا؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كم فيها الجائفة؟
الطلبة: ثلث.
الشيخ: ثلث، تحملها.
طيب الموضحة؟
طلبة: لا تحملها.
الشيخ: دون الثلث، كم فيها؟ خمس من الإبل، لا تحملها.
الهاشمة؟
طلبة: لا تحملها.
الشيخ: المنقلة؟
طلبة: لا تحملها.
الشيخ: لا تحملها.
المأمومة؟
طلبة: تحملها.
الشيخ: تحملها؛ لأن فيها ثلث الدية.
هل هناك دليل أو تعليل؟
الدليل: أن ذلك هو المروي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (5) رضي الله عنه أنها لا تحمل ما دون الثلث، ولا ريب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد الخلفاء الأربعة، بل أحد الخلفاء الذين أُمِرْنَا باتباعهم، وهذه في الغالب لا تصدر عن اجتهاد، قد يكون فيها نص حكم به رضي الله عنه، ولم يروه عن النبي عليه الصلاة والسلام.
وأما التعليل: فلأن ما دون الثلث قليل لا يشق على الجاني أن يقوم به، ولا يحتاج أن يحمل غيره إياه بالمواساة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ» (6)، وعلى هذا فما دون الثلث لا تحمله، والثلث فما فوق تحمله.
رجل قتل مجوسيًّا خطأ تحمله العاقلة؟
طلبة: (... ).
الشيخ: لا يا إخوان، المقتول مخالف للدين لا شك، لكن القاتل والعاقل كلهم مسلمون.
طلبة: (... ).
الشيخ: كم دية الوثني؟
الطلبة: (... ).
الشيخ: ثمان مئة درهم؛ أقل من ثلث الدية، أو لا؟ إذن لا تحمله، نقول: الدية عليك؛ لأنها قليلة.
وإن كان بعض العلماء قال: إنها تحمله؛ لأنها دية كاملة، لكن المشهور من المذهب أنها لا تحمله؛ لأنها قليلة ولا تحتاج إلى المساعدة والمساندة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصل في كفارة القتل).
واعلم أن كفارة القتل من الكفارات المغلظة، ويشاركها في ذلك نوعان من الجريمة؛ وهما: الظهار، والوطء في نهار رمضان لمن يلزمه الصوم، إلا أن هاتين الجريمتين تخالف كفارتهما كفارة القتل بأن فيهما إطعامًا وليس في كفارة القتل إطعام؛ لأن هناك في كفارة الظهار وكفارة الوطء ترتيبًا: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا، لكن هذه ما فيها إطعام؛ إما عتق رقبة، وإلا صيام فقط.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ إلى آخره [النساء: 92].
قال المؤلف: (من قتل نفسًا محرمة خطأ مباشرة أو تسببًا بغير حق فعليه الكفارة) (... ).
انتبهوا للقيود والألفاظ العامة.
أولًا قال: (من قتل) و (من) اسم شرط، وأسماء الشرط للعموم، فيشمل كل قاتل، حتى الصغير؟ نعم حتى الصغير، والمجنون؟ والمجنون.
والحر والعبد؟
طلبة: نعم.
الشيخ: كيف؟
طالب: لأنه من باب أولى
الشيخ: ما هو من باب أولى (... ) الحر والعبد.
طيب يشمل الذكر والأنثى؟
طلبة: نعم.
الشيخ: الذكر والأنثى، كل هذا داخل في قوله: (مَنْ)، والمسألة هذه أما إذا كان بالغًا عاقلًا فلا ريب أن الكفارة تلزمه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].
وأما إذا كان غير بالغ ولا عاقل فإن في المسألة خلافًا بين أهل العلم؛ فذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل العلم إلى أنه لا كفارة على الصغير والمجنون، قال: لأن الكفارة حق لله، وليست حقًّا ماليًّا محضًا فلا تلزمه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ» (2)، ومنهم الصغير والمجنون، فلا تلزمهما الكفارة؛ لأنهما ليسا من أهل التكليف.
وهل مثلهما النائم؛ يعني: لو نامت امرأة على طفلها وهي لم تشعر ومات، فهل عليها كفارة؟ نعم، عليها الكفارة، وإن كانت مرفوعًا عنها القلم، لكن عليها الكفارة؛ لأنها من أهل التكليف، والنوم مانع، وليس فوات شرط، بخلاف الصغير والمجنون فإن الصفة فيهما فوات شرط، وأما الصفة في النائمة فهي وجود مانع، وإلا فهي من أهل التكليف.
وما ذهب إليه أبو حنيفة أقرب إلى الصواب مما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وإن كان قول جمهور أهل العلم له حظ من النظر؛ لأنهم يقولون: إن الله أوجب الكفارة في الخطأ فدلَّ ذلك على عدم اشتراط القصد، وإنما يشترط التكليف في العبادات من أجل القصد الصحيح، والصغير والمجنون لا قصد لهما، فلا تجب عليهما العبادات، ووجوب الكفارة في القتل ليس من شرطها أيش؟
طلبة: القصد.
الشيخ: القصد؛ بدليل وجوبها على المخطئ؛ فلذلك قلنا: إنها تجب على الصغير والمجنون؛ لعدم اشتراط القصد فيها، بدليل أنها واجبة على المخطئ، وهو قول قوي وجيه جدًّا.
لكن يقال: إن أصل التكليف ليس بلازم لمن ليس بمكلف، هذا التعليل عندي أقوى من تعليل الجمهور.
قوله: (قتل) أو نقول: من لزمته دية إنسان وجبت عليه كفارته؟
طلبة: (... ).
الشيخ: الأول، لماذا؟
طالب: لأن القاتل عمدًا لا تجب كفارة.
الشيخ: لا؛ لأن الدية قد تجب بدون قتل، أو لا؟ في ذهاب السمع دية، وفي ذهاب البصر دية، وكذلك اليدين لو قطعهما جميعًا فيهما الدية؛ ولهذا نقول: التعبير بالقتل لا بد منه، ودليله القرآن؛ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾.
قال المؤلف: (نفسًا) هذه نكرة في سياق الشرط فتكون عامة، لكنها خُصِّصت بأوصاف تمنع القول بالعموم.
(... ) (محرمة) ويش معنى محرمة؟ يعني محرم أكلها؟ محرم قتلها؛ وهي المعصومة، المعصوم أربعة أصناف من الناس، من؟ المسلم، والذمي، والمعاهد، والمستأمن، هؤلاء معصومون؛ أنفسهم محرمة.
فأما الحربي؛ لو قتل إنسان حربيًّا خطأ ليس بمضمون لا بدية ولا بالكفارة؛ لأنه غير معصوم.
طالب: (... )؟
الشيخ: (... ) على كل حال هذه قال بها بعض أهل العلم، فإن اصطلحوا تقديرًا لهذا القول فلا بأس، وأما إذا كانوا يعتقدون (... ).
طالب: (... ) الصغير والمجنون والنائم؟
الشيخ: لا، النائم تجب فيه الكفارة.
الطالب: حتى على قول أبي حنيفة؟
الشيخ: إي نعم، حتى على قول أبي حنيفة.
الطالب: (... ).
الشيخ: سمعت ماذا قلت، قلنا: ويش إخراجه؟ أن عدم التكليف في النائم لا لفوات الشرط (... )، لكن لوجود مانع؛ وهو النوم.
طالب: (... )؟
الشيخ: أن يكون القاتل حرًّا.
طالب: (... ).
الشيخ: ما فيه إلا القتل (... ) الجاني.
الطالب: (... ).
الشيخ: ألَّا يكون الجاني عبدًا؛ لأنه إذا كان عبدًا تكون الدية في رقبته.
كفارة القتل ويش معناها؟ أن هذا من فعله (... ) يعني: هو الذي تسبب في وجود هذا الشيء، هذا عند القائلين بالتفريق.
هل تجب الكفارة على النائم لو قتل نفسًا؟ عللنا بكلام المؤلف (... ) صح، وتعم نفسه ونفس غيره.
طلبة: (... ).
الشيخ: إي، يشتري من تركته رقيق ويعتق، ما هي مشكلة، كذا ولَّا لا؟ بلى، يشمل حتى نفسه، فلو أن أحدًا كان يعبث في سلاح معه، ليصلحه مثلًا، ثم (... ) وقتله فإن عليه الكفارة، وليس عليه الدية؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب نشوف الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]، والآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ ﴿مُؤْمِنًا﴾ وهو مؤمن، ويسمى قاتلًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ عُذِّبَ بِهَا» (7)، فهو قاتل لنفس مؤمنة، فيلزمه الكفارة، وهذا هو المشهور من المذهب، وجزموا به، وقالوا: إنه يجب أن تؤدى الكفارة من تركته؛ لعموم الآية.
ولكن هناك قولًا آخر: إنها لا تجب على من قتل نفسه، واستدلوا بقصة عامر بن الأكوع رضي الله عنه في غزوة الخيبر: خرج مرحب اليهودي يطلب المبارزة، فتقدم إليه عامر ليبارزه، فلما أراد عامر رضي الله عنه أن ينزل له؛ يعني: يطعنه من الأسفل، كان سيفه قصيرًا، فعاد السيف وضرب عين ركبة عامر، فنزف الدم ومات رضي الله عنه، فلما مات شك الناس فيه، وقالوا: بطل أجر عامر، حتى إن بعضهم توقف في الدعاء له، قالوا: لأنه قتل نفسه بسهمه، يقول سلمة بن الأكوع: فبينما أنا مع الرسول عليه الصلاة والسلام آخذًا بيدي وجدني ساكتًا شاحبًا؛ يعني: كأنه مغموم، فقال: «مَا لَكَ؟ » قال: قلت: يا رسول الله، إنهم يقولون: بطل أجر عامر؛ قتل نفسه، قال: «كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ»، (... ) عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ» (8)، فالرسول عليه الصلاة والسلام ذكر في هذا الحديث ثلاثة أمور:
أولًا: كذب من قال: إنه بطل أجره، قال العلماء: والكذب هنا بمعنى الخطأ؛ يعني: أخطأ؛ لأنه لم يطابق قوله الواقع؛ لأنهم هم ما أخبروا عن شيء حدث، إنما قالوا قولًا ظنوه، فكلامهم هذا إنشاء وليس خبرًا، فقال: «كَذَبُوا»، وهذا أحد المواضع الذي يكون شاهدًا، الذي يستشهد (... ).
كما يقال: شعرٌ شاعرٌ؛ يعني: شعر جيد جدًّا، و «جَاهِدٌ مُجَاهِدٌ» يعني: أنه جاهد جدًّا.
وقيل: بل معنى الجاهدِ الجادُّ في الأمور، والمجاهد: المجاهد في سبيل الله، وهذا التفسير أحسن؛ لأنه إذا دار الأمر بين كون الكلام تأسيسًا أو توكيدًا حُمِل على أنه تأسيس؛ لأننا إذا حملناه على التوكيد ألغينا مدلول الكلمتين، فإذا حملناه على التأسيس عملنا بمدلول الكلمتين، فعلى هذا يكون الأحسن في تفسيره أنه جاهد في أمره؛ جاد، ومجاهد في سبيل الله، فيكون الرسول عليه الصلاة والسلام أثنى عليه من جهة العمل والجد فيه، ومن جهة الإخلاص أنه مجاهد في سبيل الله.
الثالث: قال: «لَهُ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»، كيف له الأجر مرتين؟ لأن الرجل بارز، وهذا أجر، وقتل نفسه في سبيل الله، وهذا أجر آخر؛ ولذلك كان له الأجر مرتين، ودعا له الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: إن عليه كفارة، ولو كانت الكفارة واجبة عليه لبيننها النبي صلى الله عليه وسلم؛ لدعاء الحاجة إلى بيانها.
ثم إنك إذا قرأت الآية ظهر لك منها أن المراد غير قاتل نفسه؛ لأنه قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾، ولا تجتمع الدية مع الكفارة إلا فيما إذا كان المقتول غير نفسه، أما إذا قتل نفسه فإنه لا تجب الدية بالاتفاق، فسياق الآية يدل على أن المراد من قتل غيره، وهذا القول أرجح؛ يعني: ليس من جهة الآية، الآية قد ينازع فيها منازع، لكن من جهة قضية أو قصة عامر بن الأكوع رضي الله عنه.
وقول المؤلف: (من قتل نفسًا محرمة بغير حق) احترازًا مما إذا قتلها بحق، (مباشرة أو تسبُّبًا) يعني: قتلها مباشرة أو تسببًا.
المباشرة واضح أن يباشر قتله هو بنفسه؛ يعني مثلًا ضربه بعصًا صغير ومات، أو أراد أن يرمي صيدًا فأصاب إنسانًا؛ هذه مباشرة.
التسبب مثل أن يحفر بئرًا في محل لا يجوز له حفره فيه، فيسقط فيه إنسان، يكون هذا متسببًا، هو لم يباشر القتل، لكن فعل ما يكون سببًا في القتل، فعليه الكفارة، لماذا؟ قالوا: لأن المتسبب كالمباشر في الضمان، فلزم أن يكون كالمباشر في وجوب الكفارة، وهذا هو القول الراجح.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المتسبب لا كفارة عليه، وأن الكفارة إنما هي على المباشر؛ لأن المتسبب لا يسمى قاتلًا، ولكن الصحيح أن المتسبب كالمباشر، فكل من تسبب لشخص حتى مات فعليه الكفارة.
قال المؤلف: (من قتل نفسًا محرمة أو شارك في قتله خطأ مباشرة أو تسببًا بغير حق فعليه الكفارة) الأول قال المؤلف: (أو شارك فيه) (من قتل) (أو شارك)، إذا شارك في القتل فعليه كفارة، وعليه وعلى شريكه دية واحدة؛ الدية واحدة، والكفارة متعددة، فإذا اشترك اثنان في قتل شخص فعليهما دية واحدة، وعلى كل واحد منهما كفارة، وهذا كثير.
يصطدم اثنان بسيارتهما، وكل منهما مخطئ، فيموت من بينهما رجل، فعليهما دية هذا الرجل؛ دية واحدة، وعليهما كفارتان؛ على كل واحد كفارة.
ولو مات من بينهما رجلان فعليهما ديتان وأربع كفارات، لماذا لا يقول: أنا أكفر عن واحد، وأنت كفر عن واحد؟ لا تتبعض، وأنتم الآن اشتركتم؛ كل واحد منكما شارك في قتل كل واحد منهما، فيكون عليكما لكل واحد كفارتان؛ واحدة على زيد، وواحدة على عمرو، هكذا قال أهل العلم، وعللوا ذلك بأنها لا تتبعض.