ذَكَرْنا أنه هلْ هو على الرُّوح أو على الجسم, وقُلْنا: إنَّ الأصل أنه على الروح؛ لأنه كما جاء في حديث المحتضَر إذا نزلتْ ملائكةُ العذابِ لقَبْضِ رُوحه تولَّتْه ملائكةُ العذاب فأخذوه وحنَّطوه بِحَنوطٍ معهم نزل من السماء -والعياذ بالله- حَنوطٌ من النار وكَفَنٌ من النار -نسألُ اللهَ العافيةَ- ومعلومٌ أنَّ الذي تُكفِّنه الملائكة ليس هو الجسم بلْ هو الروح، وهذا يدلُّ على أن الأصل أن العذابَ على الروحِ، لكنْ فيه ما يدلُّ من السُّنةِ على أن الجسم يناله من هذا العذاب؛ فإن الميت الكافر يُضَيَّقُ عليه القبر حتى تختلفَ أضلاعُه كما صحَّتْ بذلك السُّنةُ، وهذا يدلُّ على أن الجسم يناله من هذا العذاب.
الوجه الثالث: إذا لم يُدفن الميِّت؛ أكلتْهُ السِّباعُ، أو ذَرَتْهُ الرِّياحُ، أو سقط في اليَمِّ فأكلتْهُ الحيتانُ، فهلْ يكون عليه عذاب؟
الجواب: نعم، ويكون العذابُ على الروح؛ لأن الجسد قد زالَ وتَلِفَ وفَنِيَ، وإنْ كان هذا أمْرًا غيبيًّا أيضًا، لا أستطيعُ أنْ أجزِمَ بأنَّ البَدَن لا يناله من هذا العذاب ولو كان قد فَنِيَ واحترقَ؛ لأن الأمْر الأُخرويَّ لا يستطيع الإنسانُ أن يقيسه على الْمُشاهَدِ في الدُّنيا.
البحث الرابع: هلْ عذابُ القبرِ دائمٌ أو منقطعٌ؟
نقول: أمَّا إنْ كان الإنسانُ كافرًا -والعياذ بالله- فإنه لا طريقَ إلى وصولِ النعيمِ إليه أبدًا، ويكون عذابُهُ مستمِرًّا، وأمَّا إنْ كان عاصيًا وهو مؤمنٌ فإنه إذا عُذِّبَ في قَبْرِهِ يُعذَّبُ بقَدْرِ ذُنوبه، وربَّما يكون عذابُ ذنوبه أقلَّ من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذٍ يكون منقطعًا.
وهلْ يُخَفَّفُ بالنسبة للمؤمن العاصي؟
الجواب: نعم، قد يُخفَّفُ؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بقَبْرينِ فقال: «إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَبْرِئُ -أو قال: لَا يَسْتَنْزِهُ- مِنَ الْبَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ».
ثم أخَذَ جريدةً رطْبةً فشقَّها نصفينِ، فغَرَزَ في كُلِّ قبرٍ واحدةً وقال: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا» (10). وهذا دليلٌ على أنه قد يُخفَّف العذابُ.
ولكنْ ما مناسبةُ هاتينِ الجريدتَيْنِ لتخفيفِ العذابِ عن هذينِ المعذَّبَيْنِ؟
قيل: لأنَّهما -أي الجريدتينِ- تُسَبِّحانِ ما لم تَيْبسا، والتسبيحُ يُخفِّف من العذاب على الميِّت، وفرَّعوا على هذه العِلَّةِ المستنبَطةِ التي قد تكونُ مُستبْعَدَةً، فرَّعوا عليها أنه يُسَنُّ للإنسانِ أن يذهب إلى القبورِ ويُسَبِّحَ عندها مِن أجْل أن يخفَّف عنها.
وقال بعضُ العلماء: هذا التعليلُ ضعيفٌ؛ لأنَّ الجريدتينِ تُسَبِّحانِ، سواءٌ كانَتَا رطْبتينِ أم يابستينِ؛ لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]، ﴿إِنْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وسُمِعَ تسبيحُ الحصى بين يَدَيِ الرَّسولِ عليه الصلاة والسلام مع أنَّ الحصى يابسٌ.
إذَنْ ما العِلَّة؟
العِلَّة أنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم تَرَجَّى مِن الله عز وجل أن يُخفِّف عنهما مِن العذاب ما دامت هاتانِ الجريدتانِ رطْبتينِ؛ يعني أن المدَّة ليست طويلة، الذي رجاه الرسول عليه الصلاة والسلام، وذلك من أجْلِ التحذير عن فِعْلِهما؛ لأن فِعْلَهما كبيرٌ كما جاء في الرواية: «بَلَى إِنَّهُ كَبِيرٌ».
أحدُهما لا يَسْتبرِئُ من البول، وإذا لم يَسْتبرِئْ مِن البول صَلَّى بطهارة ولَّا بغير طهارة؟
الطلبة: بغير طهارة.
الشيخ: طيب، والثاني يمشي بالنميمة فيُفسِد عبادَ اللهِ -والعياذُ بالله- ويُلقِي بينهم العداوةَ والبغضاءَ، فالأمْرُ كبيرٌ، وهذا هو الأقربُ؛ الأقربُ أنها شفاعةٌ مُوَقَّتةٌ تحذيرًا للأُمَّةِ لا بُخْلًا مِن الرسول صلى الله عليه وسلم بالشفاعةِ الدائمةِ، ولكنْ تحذيرًا للأُمَّة.
نقول استطرادًا: بعض العلماء -عفا الله عنهم- قالوا: يُسَنُّ أن يضع الإنسانُ جريدةً رطْبَةً أو شجرةً أو نحوَها على القبرِ ليُخَفَّفَ عنه.
لكن هذا الاستنباط بعيدٌ جدًّا ولا يجوز:
أولًا: أنَّنا لم يُكْشَف لنا أنَّ هذا الرَّجُل يُعَذَّب، أليس كذلك؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: بخلافِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام.
ثانيًا: أنَّنا إذا فَعَلْنا ذلك فقد أسأْنا إلى الميِّت؛ لأننا ظَنَنَّا به ظَنَّ سوءٍ أنه يُعذَّب، وما يُدرينا فلَعلَّهُ يُنَعَّمُ، لعلَّ هذا الميِّت مِمَّنْ مَنَّ اللهُ عليه بالمغفرةِ قبلَ موتِه لوجود سببٍ من أسباب المغفرة الكثيرة، فمات وقد عفا رَبُّ العبادِ عنه، وحينئذٍ لا يستحقُّ عذابًا.
ثالثًا: أنَّ هذا الاستنباط مخالفٌ لما كان عليه السلف الصالح الذين هم أعلمُ النَّاسِ مِنَّا بشريعة الله، من هم؟ الصحابة؛ ما فَعَلَ هذا أحدٌ من الصحابة رضي الله عنهم، فما بالُنا نحن نفعله؟ !
رابعًا: أنَّ الله تعالى قد فتح لنا ما هو خير منه؛ فكان النبيُّ عليه الصلاة والسلام إذا فَرَغَ من دفن الميِّت وَقَفَ عليه وقال: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ» (11).
البحث الخامس أو المبحث الخامس: هلْ عذابُ القبرِ من أُمُورِ الغيبِ أمْ من أمورِ الشَّهادة؟
الجواب أنَّه من أمور الغيب، وكمْ مِن إنسانٍ في هذه المقابر يُعذَّب ونحن لا نَشعُرُ به، وكمْ جارٍ له مُنَعَّمٌ مفتوحٌ له بابٌ إلى الجنةِ ونحن لا نَشْعُرُ به، ما تحتَ القبورِ لا يعلمه إلا علَّامُ الغيوب، فشأنُ عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبَرَنا ما عَلِمْنا، ولهذا لمَّا دَخَلَت امرأةٌ يهوديَّةٌ إلى عائشةَ وأخبرتْها أنَّ الميِّتَ يُعذَّب في قبرِهِ فَزِعَتْ، حتى جاء النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأخبَرَتْهُ، وأَقَرَّ ذلك عليه الصلاة والسلام (12).
ولكنْ قد يُطْلِع اللهُ تعالى عليه مَنْ شاء مِن عباده مِثْلما أطْلَعَ نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم على الرَّجُلينِ اللذينِ يُعذَّبانِ؛ أحدُهما يمشي بالنميمة، والآخرُ لا يستنزِهُ من البول.
والحكمةُ من جَعْلِهِ من أمورِ الغيبِ هي أنَّ الله سبحانه وتعالى أرحمُ الراحمينَ؛ لو كُنَّا نَطَّلِعُ على عذابِ القبورِ لَمِتْنا؛ لأنَّ الإنسان إذا اطَّلعَ على أنَّ أباهُ أو أخاهُ أو ابنهُ أو زوجهُ أو قريبهُ يُعذَّب في القبرِ ولا يستطيعُ فِكَاكَه، هلْ يَقْلق ولَّا يَنْعَم؟ يَقْلَقُ، ما فيه شَكٌّ، ولا يستريح، وهذه مِن نعمة الله سبحانه وتعالى أنَّ الله سَتَرَ علينا عذابَ القبور.
ثانيًا: أنَّه سَتَرَ على الميِّتِ أيضًا؛ لو كان هذا الميِّتُ في الدنيا قد سَتَرَ اللهُ عليه ولم نعلمْ عن ذنوبه بينه وبين ربِّه، واللهُ عزَّ وجلَّ يتولَّاهُ، ثم ماتَ وأطْلَعَنا اللهُ على عذابِهِ؛ صارَ في ذلك فضيحةٌ عظيمةٌ له، وصارَ كلُّ إنسانٍ يخافُ، وكلُّ إنسانٍ يمكن أن يُعَيَّر؛ يقال: أنت الآن في المسجد وغدًا في القبر مُعذَّب، شوف، فُلان في المسجد والآن يُعذَّب في قبره.
ففيه ستْر مِن الله عز وجل رَحْمة بِمَن؟ بالميِّت.
ثالثًا: مِن الحكمة في ذلك أنَّه قد يَصعُب على الإنسان دَفْنُ ميِّته؛ كما يُروى عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ» (13) أو كلامٌ هذا معناه، ففيه أنَّ الدَّفْنَ ربما يَصعُب ويشقُّ ولا ينقادُ الناسُ لذلك، وإنْ كان الإنسانُ إذا كان له عذابُ قبرٍ عُذِّبَ ولو على سطح الأرض.
الرابع: أنَّه لو كان يُعلَم لم يكنْ للإيمانِ فيه مَزِيَّةٌ، لماذا؟ لأنه يكون مُشاهَدًا، وهو من أمور الغيب التي يُثْنَى على مَن آمنَ بها، ثم إنَّه قد يحمِلُ النَّاسَ على أنْ يؤمنوا كلهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر: 84]، فإذا رأى النَّاسُ هؤلاء المدفونينَ يسمعونهم يتصارخونَ آمنوا، ما كَفَرَ أحدٌ؛ لأنه الآنَ أيْقَنَ بالعذاب، فكأنَّه رآهُ رأْيَ العينِ كأنه نَزَلَ به، فلم يكنْ للإيمان فائدة.
وحِكَمُ الله سبحانه وتعالى عظيمةٌ، والإنسانُ المؤمنُ حقيقةً هو الذي يجزمُ بخبر الله أكثرَ مما يجزمُ بما شاهَدَهُ بعينه؛ لأنَّ خَبَرَ اللهِ عزَّ وجلَّ لا يتطرَّقُ إليه احتمالُ الوهم ولا الكذب، وما تراه بعينك يُمْكن أن تتوهَّمه؛ كمْ مِن إنسانٍ شَهِدَ أنَّه رأى الهلالَ وإذا هي نجمةٌ، كمْ مِن إنسانٍ شَهِدَ أنه رأى الهلالَ وإذا هي شعرةٌ بيضاءُ على حاجبه، هذا وَهْمٌ ولَّا حقيقة؟
الطلبة: وهم.
الشيخ: كم مِن إنسانٍ يرى شَبَحًا فيقول: هذا إنسانٌ مُقبِلٌ، يَلَّه يا جماعة، السلاحَ السلاحَ، أقْبَلَ العدوُّ.
وإذا هو جِذْع نخلةٍ، ما فيه عدوٌّ ولا أقْبَلَ عليه أحدٌ، هذا واقع ولَّا غير واقع؟
الطلبة: واقع.
الشيخ: نعم، وكمْ من إنسانٍ يرى السَّاكنَ متحرِّكًا والمتحرِّكَ ساكنًا، لكنَّ خبَرَ اللهِ ما يتطرَّق إليه الاحتمالُ أبدًا، ولهذا -نسألُ الله أن يمنَّ علينا وعليكم بالثبات- المؤمنُ يرى خَبَرَ اللهِ أشدَّ مما يراه بعينه مِن قَبولِهِ والإيمانِ به، نسألُ اللهَ أن يُثبِّتَنا جميعًا، فخَبَرُ اللهِ بهذه الأمور نحن نقول: أشدُّ من المشاهَدةِ، مع ما في الستر من هذه المصالحِ العظيمةِ، فلذلك صارَ عذابُ القبرِ مستورًا -ولله الحمد- من أجْل هذه المصالحِ العظيمةِ للخَلْق.
قال: ومِن (فتنةِ المحيا والمماتِ) انتبهوا لهذا، اللهمَّ صلِّ وسلِّمْ على رسول الله، ما أنصَحَهُ للأُمَّةِ! يستعيذُ بالله من فتنةِ المحيا والممات.
فتنةُ المحيا والمماتِ تعني اختبار المرْءِ في دينه في حياتِهِ وفي مماتِهِ، وسيأتي -إنْ شاء الله- الاختبارُ في المماتِ هلْ هو سؤالُ الملَكينِ الميتَ أو فتنةٌ أُخرى في الحياة لكنها عند الموت.
فتنةُ الحياة يا إخواني عظيمةٌ وشديدةٌ، وقلَّ من يتخلَّص منها إلا مَنْ شاء الله خلاصَهُ، أسألُ اللهَ أن يجعلني وإيَّاكم مِمَّن يتخلَّص منها.
فتنةُ المحيا تدور على شيئينِ: شُبُهات، وشَهَوات؛ إما شُبُهات تَعرِض للإنسان فيلتبس عليه الحقُّ بالباطلِ فيَرى الباطلَ حقًّا والحقَّ باطلًا، وإذا رأى الحقَّ باطلًا تجنَّبه، وإذا رأى الباطلَ حقًّا فَعَلَهُ، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ؛ ما أكثرَ الذين يَرَوْنَ الرِّبا حقًّا فينتهكون! ما أكثرَ الذين يَرَونَ غِشَّ النَّاسِ شطارةً وجَودةً في البيع والشراء فيغشُّون! هذه فتنة، ما أكثرَ الذي يرى النَّظَرَ إلى النساءِ تلذُّذًا وتمتُّعًا وحريَّةً فيُطْلق نفْسَه في النظر إلى النساء! بلْ ما أكثرَ الذي يشربُ الخمرَ ويراه لذَّةً وطربًا! وما أكثرَ الذين يَرَوْنَ آلات اللَّهو والمعازفَ فنًّا يُدرَسُ ويُعطى عليه شهادات ومراتب، كلُّ هذا من فتنةِ المحيا؛ إمَّا شُبْهةٌ تَعرِض للإنسان ولا يعرفُ الحقَّ من الباطلِ، وإمَّا شهوةٌ -والعياذُ بالله- وهي أشَدُّ، شهوة؛ يعرفُ الحقَّ ولكنْ لا يتَّبعه، ويعرفُ الباطلَ ولكنْ ينتهكُه ولا يُبالي به، هذه فتنةٌ عظيمةٌ ما أكثرَ مَن فُتِنَ بها، ولهذا يُشرَع للإنسانِ أنْ يستعيذ بالله من فتنةِ المحيا.
وأمَّا فتنةُ المماتِ فاختلفَ فيها العلماءُ على قولينِ:
منهم مَن قال: إنَّ فتنةَ المماتِ سؤالُ الملَكَينِ الميِّتَ في قَبْرِه عن ربِّهِ ودينِهِ، ونبيِّهِ؛ لقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أو قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (14)، يؤتَى الميِّتُ ويُسألُ: مَن ربُّكَ؟ ما دينُكَ؟ من نبيُّكَ؟ أمَّا مَنْ كان إيمانُهُ في الدنيا خالصًا -أسألُ اللهَ أنْ يجعلني وإيَّاكُمْ منهم- فهذا يَسْهل عليه الجواب؛ فإذا سألوا: مَنْ ربُّك؟ قال: ربِّي الله.
مَنْ نبيُّك؟ قال: نبيِّي محمَّد.
ما دينُك؟ قال: ديني الإسلام.
بكلِّ صراحةٍ وبكلِّ سُهولة، وأمَّا غيره -والعياذُ بالله- فإذا سُئلَ قال: هاهْ هاهْ، لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقُلْتُه (15). نعوذ بالله، ما دَخَلَ الإيمانُ قلْبَه.
وتأمَّلْ قولَه: هاهْ، هاهْ.
كأنَّه كان يعلمُ شيئًا فنَسِيَهُ، وما أشَدَّ الحسرةَ في شيءٍ عَلِمْتَه ثم نسيتَه؛ لأن الجاهلَ لم يكسبْ شيئًا، لكن النَّاسي كَسَبَ الشيءَ فخَسِرَهُ، أمَّا الجاهل لم يكسبْ شيئًا، يهونُ عليه الأمْر، لكن هذا يقول: هاهْ، هاهْ.
كأنَّه تفطَّنَ، فيُحال بينه وبين الجوابِ الصحيحِ والعياذُ بالله، والنهاية والنتيجة يقول: لا أدري مَنْ ربِّي، ما ديني، مَنْ نبيِّي، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه.
لكن ما هناك إيمان، هذه فتنةٌ عظيمةٌ أسألُ اللهَ أنْ يُنَجِّيني وإيَّاكم منها، هذه الفتنة تدور في الحقيقةِ على ما في القلْب؛ إذا كان القلْبُ مؤمنًا حقيقةً يرى أمورَ الغيبِ رأْيَ العينِ فهذا يُجيب بكلِّ سُهولة، وإنْ كان الأمرُ بالعكسِ فالأمْر بالعكسِ، فهذه فتنةٌ عظيمةٌ قال بعضُ العلماءِ: إنها هي المرادةُ بقوله: مِن فتنةِ الممات.
وقيل: المراد بفتنة المماتِ ما يكون عند الموتِ في آخِرِ الحياةِ، ونصَّ عليها وإنْ كانتْ مِن فتنة الحياة لعِظَمِها وأهمِّيتها، كما نصَّ على فتنة الدجَّال مع أنها من فتنة المحيا، فهي فتنةُ مماتٍ؛ لأنها قُرْبُهُ، وخُصَّتْ بالذِّكْر لأنها أشَدُّ ما يكون وأعظمُ ما يكون؛ وذلك أنَّ الإنسانَ عند موتِهِ هي -كما يقال- ساعةُ الصِّفْر، ساعةُ الوداع، وداع حقولِ العمل، انتهى كلُّ شيءٍ الآنَ، في هذه اللحظة تصفيةٌ؛ إِمَّا سعادةٌ وإمَّا شقاوةٌ؛ «إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» (16)، فالفتنةُ عظيمةٌ، وأشَدُّ ما يكونُ الشيطانُ حرصًا على إغواءِ بني آدمَ في تلك اللحظةِ، والمعصومُ مَنْ عَصَمَهُ اللهُ، يأتي إلى الإنسان في هذه الحالِ الحرِجَةِ التي لا يتصوَّرها إلا من وقع فيها، ما يتصورها الإنسانُ لشِدَّتها؛ ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة: 26 - 30]، حالةٌ حَرِجةٌ عظيمةٌ، الإنسانُ فيها ضعيفُ النَّفْسِ، ضعيفُ الإرادةِ، ضعيفُ القوَّةِ، ضيِّقُ الصَّدرِ، يأتيه الشيطانُ يغويه لأنَّ هذا وقتُ المغنم للشيطان، حتى إنَّه -كما قال أهل العلم- قد يَعرِضُ للإنسانِ الأديانَ اليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ والإسلاميَّةَ بصورةِ أبَوَيْهِ يعرضانِ عليه الإسلامَ واليهوديَّةَ والنصرانيَّةَ، ويُشيرانِ عليه باليهوديَّةِ أو بالنصرانيَّةِ، أبواه يُمثِّلُهما الشيطانُ له، والشيطانُ يمكن يمثِّل أيَّ واحدٍ إلَّا النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ويش تَرَوْنَ في هذه الحالِ؟ فتنة ولَّا لا؟ فتنةٌ، أعظمُ الفِتَنِ؛ أمُّه وأبوه اللِّي هو يرى أنهما أنصح الناس له يقولان: صِرْ
يهوديًّا ولَّا نصرانيًّا، ينسى الإسلامَ لأنه في ضيقٍ، في حَرَجٍ، لكن هذا -والحمد لله- لا يكون لكلِّ أحدٍ.
حتى لو كان الإنسانُ لا يتمكَّن الشيطانُ من أن يَصِلَ إلى هذه الدرجة معه، لكنْ مع ذلك يُخشى عليه منه؛ يقال: إنَّ الإمام أحمد وهو في سَكَراتِ الموتِ يُسمَع يقول: بَعد، بَعد، فلمَّا أفاق قيل له في ذلك فقال: إنَّ الشيطانَ كان يعضُّ أنامِلَهُ يقول: فُتَّني يا أحمد.
الله أكبر! يعضُّ أناملَه ندمًا وحسْرةً؛ كيف ما أغوى الإمام أحمد! فيقول له: بَعد، بعدُ.
ويش معنى: بَعد، بَعد؟ إلى الآن ما خرجت الرُّوح، ما دامت الرُّوح في البدن كلُّ شيءٍ واردٌ، كلُّ شيءٍ محتمَلٌ، ربَّنا لا تُزِغْ قلوبَنا بعد إذْ هَدَيْتَنا، ففي هذه الحال فتنةٌ عظيمةٌ جدًّا، ولهذا نصَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليها؛ قال: «مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ» (17)؛ لأنها فتنةٌ عظيمةٌ، وعليها مدارُ السعادة والشقاوة.
الطالب: (... ) (وعنْ يسارِهِ كذلك).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سَبَقَ لنا أنَّ الإنسان في آخر التشهُّدِ الأخيرِ خاصَّةً يستعيذُ بالله من أربعٍ: من عذابِ جهنَّم، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ، وآخر ما تكلَّمْنا عليه فتنة المحيا والممات، وذَكَرْنا أن فتنةَ المحيا تدور على شيئينِ: الشُّبهة والشهوة:
فالشُّبهةُ أن يلتبسَ الحقُّ على المرْءِ حتى لا يميز بين الحقِّ والباطلِ، وهذا دَوَاؤُهُ العلمُ.
والشهوةُ أن يكون الإنسانُ له إرادةٌ خلاف مرادِ الله سبحانه وتعالى، سواءٌ كانتْ في المالِ، أو في المساكنِ، أو في الثيابِ، أو المراكبِ، أو في النساءِ، أو في غير ذلك، المهمُّ أنها شهوةٌ؛ يعني أنْ يريدَ خلافَ ما يرضاه الله عز وجل، ودواءُ هذه خشيةُ اللهِ عزَّ وجلَّ وتقواه والإنابةُ إليه.
فإذا وُقِيَ الإنسانُ الفِتْنتَينِ: فتنة الشهوة وفتنة الشُّبهة، حصلتْ له النجاةُ.
وذَكَرْنا فتنةَ المماتِ وأنَّ فيها تفسيرينِ: التفسيرُ الأوَّلُ: الفتنةُ التي تكون عند الموت، والثاني: التي تكون بعد الموت، وهي سؤال الملَكَينِ الإنسانَ عن ربِّهِ ودينِهِ ونبيِّهِ، ولا مانعَ من أن نقول بأنَّها تشملُ الأمْرينِ جميعًا، ويكونُ دخولُ الفتنةِ التي قبلَ الموتِ وعند الموتِ نُصَّ عليها؛ لأنَّها أعظمُ فتنةٍ تَرِدُ على الإنسان، وذَكَرْنا ما يُخشى منها من سوءِ الخاتمةِ -والعياذُ بالله- إذا لم يُجِرِ اللَّهُ العبدَ من هذه الفتنة.
أمَّا الملَكَانِ ففتنتُهما نبحثُ فيها من وُجوهٍ:
الوجه الأول: هلْ هذه الفتنةُ حقيقيَّةٌ؛ يعني هذا الاختبار حقيقيٌّ بمعنى أنَّ الإنسان يُجْلَسُ في قبرِهِ ويُناقَش، أو أنه خياليٌّ؟
نقول: هو حقيقيٌّ بلا شَكٍّ وأنَّ الإنسانَ في قبرِهِ يُجْلَسُ ويُناقَشُ ويُسأل.
فإنْ قال قائلٌ: إنَّ القبرَ محدودٌ ضيِّقٌ، كيف يُجلَس؟
فالجواب على هذا أنَّ الواجبَ على المؤمنِ في الأُمورِ الغيبيَّةِ أنْ يَقْبلَ ويُصدِّقَ ولا يَسألَ عمَّا وراءَ ذلك، بلْ يقول: سَمِعْنا وآمنَّا وصدَّقْنا وقَبِلْنَا، ولا يسأل: كيفَ؟ ولِمَ؟؛ لأنه لا يسألُ عن كيفَ ولِمَ إلَّا مَنْ شَكَّ، وأمَّا مَنْ آمنَ وانشرحَ صدرُهُ لأخبارِ الله ورسوله فيُسَلِّمُ على طول ويقول: اللهُ أعلمُ بكيفيَّةِ ذلك.
ثانيًا نقول: تَعَلُّقُ الرُّوحِ بالبَدَن بعد الموت ليس كتعلُّقِها به في حال الحياة، بلْ إنَّ تَعَلُّقَ الرُّوحِ بالبَدَنِ في حالِ النومِ ليس كتَعَلُّقِها به في حالِ اليقظة؛ فللرُّوحِ مع البَدَن شؤونٌ عظيمةٌ ما يُدْرِكُها الإنسانُ، تَعَلُّقُها بالبَدَنِ بعد الموتِ لا يُمْكن أنْ يُقاس بتَعَلُّقها به في حال الحياة، وها هو الإنسانُ في منامِهِ يرى أنه ذَهَبَ وجاءَ وسافرَ وكَلَّمَ أُناسًا والْتَقَى بأُناسٍ أحياءٍ وأمواتٍ، ويرى أنَّ له بُسْتانًا جميلًا أوْ دارًا مُوحِشةً مُظْلِمةً، ويرى أنه راكبٌ على سيَّارةٍ مُريحةٍ، ويرى مرَّةً أنه صَدَمَ ومرَّةً أنه صُدِم، كلُّ هذا يمكن مع أنَّ الإنسانَ على فِراشِهِ ما تَغيَّرَ، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغيَّرْ، وهو رايح وجاي ويركب ويُكلِّم، ومع ذلك هو في مكانه، وهذا أمْرٌ يكون حقًّا إذا كانتْ رؤيا صالحةً، حتى إنَّه حدثني بعضُ الناسِ أنَّه إذا رأى الرُّؤيا جاءتْ في اليقظةِ تمامًا، ما هي ضَرْب مَثَل، تأتي كما رأى، ولذلك يقول: أنا أتوحَّش دائمًا مما أرى، وأُحِبُّ ألَّا أرى شيئًا أو أنْ يُنسيني اللهُ إيَّاهُ؛ لأنَّه يقول: يجيء كما شاهَدَ في المنام، ومع ذلك فإننا نحسُّ بهذا إحساسًا ظاهرًا.
فتَعَلُّقُ الرُّوحِ بالبَدَنِ بعد الموتِ يُخالِف تَعَلُّقَها به في اليقظةِ أو في المنامِ، ولها شأنٌ آخرُ ما نُدرِكُه نحن، فالإنسانُ يُمْكن أنْ يُجْلَسَ في قَبْرِهِ ويُساءل ولو كان القَبْرُ محدودًا ضيِّقًا، إذَن الفتنةُ حقيقةٌ؛ يُسأَلُ المرْءُ عن ثلاثة أشياء: عن ربِّه، ودينه، ونبيِّه.
وسَبَقَ لنا ذِكْرُ كيفيَّةِ الجوابِ مِن المسؤولِ وأنَّ المؤمنَ يقول: ربِّي اللهُ، وديني الإسلامُ، ونبيِّي محمَّدٌ.
وأمَّا الكافرُ أو المرتابُ فيقول: هاه، هاه، لا أدري، سمعتُ النَّاسَ يقولون شيئًا فقلتُه.
أمَّا الرابعةُ قال: ومِنْ (فِتْنةِ المسيحِ الدجَّالِ).
(المسيح) فَعِيلٌ بمعنى مفعولٍ مِن المسْحِ؛ لأنه كان يمسحُ الأرضَ لسُرعةِ سيرِهِ فيها، أو لأنه كان ممسوحَ العينِ؛ لأنه أعورُ العينِ اليُمنى، كأنَّ عينَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ أو عِنَبَةٌ طَافِئَةٌ، إمَّا (طافيةٌ) أو (طافئةٌ)، إن كانت (طافئة) فهي خابِيةٌ؛ يعني: كأنها غائرةٌ، وإن كانت هي (طافية) بالياء فهي كالعِنَبةِ الطافيةِ فوق الماءِ؛ أي إنها ناتئة.
على كُلِّ حالٍ هذا المسيحُ الدجَّال فِتنتُه مِنْ فتنةِ الدُّنيا؛ لأنه لا يَفتِنُ إلَّا الأحياءَ، الأمواتُ قد سَلِموا منه.
فإنْ قال إنسانٌ: إذا كان مِنْ فتنةِ الدُّنيا أو مِن فتنةِ المحيا، فلماذا ذُكِرَ وحده؟
والجوابُ على هذا سهلٌ؛ لأنَّ أعظمَ فتنةٍ على وَجْهِ الأرضِ منذُ خُلِقَ آدمُ إلى قيامِ الساعةِ فتنةُ الدجَّال كما قال ذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولهذا ما مِنْ نبيٍّ مِنْ نوحٍ إلى محمَّدٍ -صلواتُ الله عليهم وسلامُه- إلَّا أنذره قومَه تنويهًا بشأنِهِ وتعظيمًا له وتحذيرًا منه، وإلَّا فإنَّ الله يعلم أنه لنْ يخرجَ إلَّا في آخِرِ الزمانِ، لكنْ أُمِرَ الرسلُ أن يُنذِروا قومَهم إيَّاهُ من أجْلِ أنْ يتبيَّن عِظَمُه وفداحتُه، وقد صحَّ ذلك عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام وقال: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ دُونَكُمْ» صلواتُ الله وسلامُه عليه، يعني: أكفيكم إيَّاهُ.
«وَإِلَّا فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» (18)، نِعْمَ الخليفةُ.
فهذا الدجَّالُ شأنُهُ عظيمٌ مِن أعظمِ بلْ هو أعظمُ فتنةٍ كما جاء في الحديث منذُ خُلِقَ آدمُ إلى أن تقومَ الساعةُ، فكانَ حَرِيًّا بأنْ يُخَصَّ مِن بينِ فِتَنِ المحيا.
ومِنْ (فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ).
وأمَّا (الدجَّالُ) فالدجالُ مأخوذٌ من الدَّجَل، وهو التمويهُ؛ لأنَّ هذا مُمَوِّهٌ وأعظمُ مُمَوِّهٍ وأشدُّ الناسِ دَجَلًا كما سيأتي -إن شاء الله- من البحث فيه.
البحث فيه من أمور:
أولًا: هذا المسيحُ الدجَّالُ هو من علاماتِ الساعةِ، هذا باعتبارِ زمنِهِ، ولكنَّه غيرُ مُحدَّدٍ، لا نَعْلمه؛ لأنَّه لا يَعلمُ متى تكون الساعةُ إلَّا الله، فكذلك أشراطُها ما نَعْلم منها إلَّا ما ظَهَرَ، فوقْتُ خروجِهِ غيرُ معلومٍ لنا، لكنَّنا نعلمُ أنه مِن أشراطِ الساعة.
أمَّا مكانُهُ فإنَّه يخرجُ من المشرقِ جِهَة الفِتَنِ والشَّرِّ كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «الْفِتْنَةُ هَاهُنَا.
وَأَشَارَ إِلَى الْمَشْرِقِ» (19)، فالمشرقُ مَنْبعُ الشَّرِّ والفِتَنِ، يخرجُ من المشرقِ من خُراسانَ مارًّا بأصفهانَ، داخلًا للجزيرةِ من بينِ الشامِ والعراقِ، ليس له هَمٌّ إلَّا المدينة، أكبرُ هَمِّهِ المدينةُ؛ لأنَّ فيها البشيرُ النذيرُ عليه الصلاة والسلام، فيُحِبُّ أنْ يقضي على أهل المدينةِ، ولكنَّها ممنوعةٌ منه مُحرَّمةٌ عليه كما ثَبَتَ عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام؛ على كلِّ بابٍ منها ملائكةٌ يحفظونها (20)، هذا الرجُل يَخْرجُ خَلَّةً بين الشامِ والعراقِ، ويَتْبعُهُ من يهودِ أصفهانَ سبعونَ ألفًا؛ يهود أصفهان اللِّي في إيران الآن، سبعونَ ألفًا يتْبعونه لأنهم جنودُه، هم اليهودُ مِن أخبثِ عباد الله، وهو أضلُّ عباد الله، فيَتْبعونه ويُؤْوُونه وينصرونه، ويكونونَ مَسَالِحَ له -أي: جنودًا مُجَنَّدينَ- هُمْ وغيرُهم مِمَّن يتبعه، قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا، يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُتُوا» (18). يُثَبِّتُنا عليه الصلاة والسلام لأنَّ الأمْرَ خطيرٌ.
وقال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ» فَلْيبعدْ «فَإِنَّ الرَّجُلَ يَأْتِيهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَزَالُ بِهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ بِمَا يُلْقِي مِنَ الشُّبُهَاتِ» (21)؛ يأتيهِ الإنسانُ يقول: أنا أبَدًا هذا لَنْ يُضِلَّني ولنْ أتأثَّر به، ولكنْ لا يزالُ يُلْقِي فيه مِن الشُّبُهاتِ حتى يتَّبعهُ والعياذُ بالله.
فإذَن البحثُ فيه من وجوهٍ: أولًا: زمنُ خروجهِ لا يُعلَم، لكنه من أشراطِ الساعة، أمَّا مكانُه فمِن المشْرقِ، وأمَّا اتجاهُهُ فإلى المدينةِ، أكبرُ هَمٍّ له أنْ يصِلَ إلى المدينة ولكنَّ الله يحميها منه ولله الحمد، وأمَّا دَعْوته فقدْ ذُكِر أنه أولَ ما يخرجُ يدعو إلى الإسلام ويقول: إنه مسلمٌ، ويُنافِحُ عن الإسلام، ثم بعد ذلك يَدَّعي النُّبُوَّةَ وأنه نبيٌّ، ثم بعد ذلك يَدَّعي أنه إِلَهٌ، أعوذُ بالله، فهذه دَعْواه، نهايتُها بدايةُ فرعون؛ وهي ادِّعاءُ الربوبيَّةِ وأنه الربُّ.
ولكنْ مِن حِكْمة الله عز وجل أنَّ الله سبحانه وتعالى يُعطيه آياتٍ فيها الفِتَنُ العظيمةُ؛ فإنه يأتي إلى القومِ يدْعوهم فيتَّبعونه، فيُصبحونَ وقد نَبَتَتْ أراضيهم وشبعتْ مواشيهم، فتعودُ إليهم أَوْفَرَ ما تكونُ لبنًا وأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا؛ يعني أنهم يعيشون برَغَدٍ لأنهم اتَّبعوه، ويأتي القومَ فيدْعوهم فلا يتَّبعونه، فيُصبحونَ مُمْحِلينَ ما في أراضيهم شيءٌ، وهذه فتنةٌ عظيمةٌ لا سِيَّمَا في الأعراب، الأعرابيُّ يفتتنُ بهذا افتتانًا عظيمًا.
ويَمُرُّ بالخربةِ فيقول: أخْرِجِي كُنُوزَكِ.
أمْرٌ؛ أخْرِجِي كُنُوزَكِ.
فتَخرجُ كُنُوزُها تَتْبَعُهُ كيعاسيبِ النَّحلِ، تَتْبعُهُ مِنْ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ وغيرِها بدونِ آلاتٍ وبدونِ شيءٍ، فتنةٌ مِن الله عز وجل، فالفتنةُ عظيمةٌ جدًّا، هذه معاملتُه لأهلِ الدنيا، اللِّي يتمتَّع بالدنيا أو يَبأس فيها.
أمَّا المآلُ فإنَّ الله تعالى جعلَ معه جنةً ونارًا بحسبِ رُؤْيا العينِ، لكنْ جَنَّتُهُ نارٌ، ونارُهُ جنَّةٌ، مَنْ أطاعهُ أدخله هذه الجنَّةَ فيما يرى الناسُ ولكنَّها نارٌ مُحرِقةٌ والعياذُ بالله، ومَنْ عصاهُ أدخله النارَ فيما يراه الناسُ ولكنَّها جنَّةٌ وماءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ.
إذَنْ يحتاج الأمرُ إلى تثبيتٍ من الله عز وجل، إنْ لم يُثَبِّتِ اللهُ المرءَ هَلَكَ وضَلَّ، فيحتاج إلى أنْ يُثَبِّتَ اللهُ المرْءَ على دِينِهِ ثباتًا قويًّا تامًّا.
يَخرُجُ إليه رجُلٌ من الناسِ شابٌّ فيقول له: أنتَ الدجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
يقول ذلك، فيدْعوهُ فيأْبَى أنْ يَتَّبعه.
ويَدعو بما وَرَدَ، ثم يُسَلِّمُ عن يمينِه " السلامُ عليكم ورحمةُ اللهِ " وعن يَسارِه كذلك، وإن كان في ثُلَاثِيَّةٍ أو رُباعيَّةٍ نَهَضَ مُكَبِّرًا بعدَ التشَهُّدِ الأَوَّلِ وصَلَّى ما بَقِيَ كالثانيةِ بـ (الحمدُ) فقط ثم يَجْلِسُ في تَشَهُّدِه الأخيرِ مُتَوَرِّكًا، والمرأةُ مثلُه
نهايتها بداية فرعون، وهي ادعاء الربوبية وأنه الرب.
ولكن من حكمة الله عز وجل أن الله سبحانه وتعالى يعطيه آيات فيها الفتن العظيمة، فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتبعونه، فيصبحون وقد نبتت أراضيهم، وشبعت مواشيهم، فتعود إليهم أوفر ما تكون لبنًا، وأَسْبَغه ضروعًا، يعني أنهم يعيشون برَغَد؛ لأنهم اتبعوه.
ويأتي القومَ فيدعوهم فلا يتبعونه، فيصبحون مُمْحِلِين، ما في أراضيهم شيء، وهذه فتنة عظيمة، لا سيما في الأعراب، الأعرابي يفتتن بهذا افتتانًا عظيمًا، ويمر بالخرِبة فيقول: أَخْرِجي كنوزك، أمر، فتخرج كنوزُها تتبعه كيعاسيب النحل، تتبعه، من ذهب وفضة وغيرها، بدون آلات وبدون شيء، فتنة من الله عز وجل، فالفتنة عظيمة جدًّا، ثم مع ذلك هذه حاله في معاملته لأهل الدنيا، اللي بيتمتع بالدنيا أو يبأس فيها.
أما المآل فإن الله تعالى جعل معه جنة ونارًا، بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنة، من أطاعه أدخله هذه الجنة فيما يرى الناس، ولكنها نار مُحْرِقة -والعياذ بالله-، ومن عصاه أدخله النار فيما يراه الناس، ولكنها جنة وماء عذب طيب.
إذن يحتاج الأمر إلى تثبيت من الله عز وجل، إن لم يُثَبِّت الله المرء هلك وضل، فيحتاج إلى أن يثبت الله المرء على دينه ثباتًا قويًّا تامًّا.
يخرج إليه رجل من الناس شاب فيقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدعوه فيأبى أن يتبعه فيأمر ويُشَقُّ هذا الإنسان نصفين، ويجعل نصفًا هنا ونصفًا هنا ويمشي بينهما، تحقيقًا للتباين؛ تباين جسده بعضه عن بعض، ثم يدعوه: قم يا فلان، فيقوم يتهلَّلُ وجهه، يقوم في الحال، ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
لله دره! ! ما يخاف، ثم يقتله ثانية ويمر بين شقيه، ثم يدعوه فيقوم يَتَهَلَّل ويقول: أنت الدَّجَّالُ الذي ذَكَرَ لنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم يأتي ليقتله فلا يُسلَّط عليه، يعجزُ عن قتله، ولن يُسلَّط على أحد بعدَه.
فهذا من أعظم النَّاس شهادةً عند الله؛ لأنه في هذا المقام العظيم الرهيب الذي لا نتصوَّره نحن في هذا المكان، لا يتصور رهبته إلا مَن باشره، المقام رهيب عظيم، ومع ذلك يُصرِّحُ على الملأ إعذارًا وإنذارًا بأنك أنت الدَّجَّال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
هذه حاله وما يدعو إليه، ولكن هذه المحنة العظيمة لا تدوم، وهو الوجه الرابع الذي نتكلم عنه.
مقدار لُبْثه في الأرض أربعون يومًا فقط، لكن يوم كسنةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، هكذا حدَّث النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.
قال الصَّحابةُ رضي الله عنهم: يا رسولَ الله، هذا اليوم الذي كَسَنَة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» (1)، انظروا يا إخواني إلى هذا المثال لتأخذوا منه عبرة، كيف كان تصديق أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم لرسول الله؟ ما ذهبوا يُحَرِّفون أو يُؤَوِّلُون، أو يقولون: إنَّ اليوم لا يمكن أن يطول؛ لأن الشمس تجري في فلكها ولا تتغيَّر، ولكنه يطول لكثرة المشاق فيه ولعِظَمِ المشاق فيه، فهو يطولُ؛ لأنه مُتْعِب، ما قالوا هكذا، كما يقوله بعضُ المُتَحَذْلِقِين.
بماذا صَدَّقوا؟ صَدَّقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهرًا حقيقة، بدون تحريف وبدون تأويل، وهكذا حقيقة المؤمن، ينقاد لما أخبر الله به ورسوله من أمور الغيب، وإن حَارَ فيها عقلُه، لكن يجب أن تعلم أن خبر الله ورسوله لا يكون فيما يكون محالًا في العقول، لكن فيما يكون حيرةً في العقول، يعني العقول تتحير؛ لأنها ما تدركه، لكن لا يمكن أن يكون شيئًا محالًا.
فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأن أول يوم من أيام الدجال كَسَنَة، لو أن هذا الحديث مَرَّ على المتأخِّرين الذين يدَّعون أنهم هم العقلاء لقالوا: إنَّ طوله مجاز عمَّا فيه مِن التَّعبِ والمشاق؛ لأن أيام السرور قصيرة، وأيام الشرور طويلة.
ولكن الصَّحابة رضي الله عنهم لصفائهم وقَبولهم سَلَّموا في الحال، وقالوا: إنَّ الذي خَلَقَ الشَّمسَ، وجعلها تجري في أربعة وعشرين ساعة في اليوم والليلة، قادر على أن يجعلها تجري في اليوم كم؟ اثني عشر شهرًا؛ لأن الخالق واحد عزَّ وجل، فهو قادر، ولذلك سَلَّموا، وقالوا: كيف نُصلِّي؟ ما سألوا عن الأمر الكوني؛ لأنهم يعلمون أن قدرة الله فوق مستواهم، سألوا عن الأمر الشرعي الذي هم مُكَلَّفون به وهو الصَّلاة، وهذا والله حقيقة الانقياد والقَبول، قالوا: كيف نصلي؟ قال: «اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ» (2).
وسبحان الله العظيم! إذا تأملت أن هذا الدِّينَ تامٌّ كامل، لا يمكن أن تكون مسألة يَحتاجُ النَّاسُ إليها إلى يوم القيامة إلا وُجِدَ لها أصلٌ.
كيف أنطقَ اللَّهُ عز وجل الصَّحابةَ أن يسألوا هذا السؤال؟ ما قالوا: نصبر حتى يأتي ذاك اليوم نشوف، نبحث.
أنطقَهم اللَّهُ حتى يكون الدِّين كاملًا ما يَحتاجُ إلى تكميل، وقد احتاج النَّاسُ إلى هذا الآن، الآن المناطق القُطبية يبقى الليل فيها سِتَّة أشهر، والنهار ستة أشهر، نحتاج إلى هذا الحديث ولَّا ما نحتاج؟ نحتاج، شوف كيف أفتى الرسول عليه الصلاة والسلام هذه الفتوى قبل أن تقع هذه المشكلة؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3]، والله لو نتأمَّل كلمة ﴿أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ لعلمنا أنه ما يوجَد شيء ناقص في الدِّين أبدًا، كامل مِن كلِّ وَجْهٍ، لكن النقص فينا؛ إما قصور في علومنا، ولَّا في أفهامنا، ولَّا إرادات تكون ما هي منضبطة، يكون إنسان وده ينصر قوله فيَعْمَى عن الحقِّ، نسأل الله العافية.
فلو أننا نظرنا بعلم وفَهْمٍ وحُسْنِ نية لوجدنا أن الدِّينَ -ولله الحمدُ- لا يحتاج إلى مُكَمِّل، وأنه لا يمكن أن تقع مسألة صغيرة ولا كبيرة إلا وُجِدَ حَلُّها في الكتاب والسُّنَّة، لكن لما كَثُرَ الهوى، وغلب على النَّاسِ، صار بعض الناس يَعْمَى عليه الحقُّ، ويَخْفَى عليه الحق، وتجدهم إذا نزلت الحادثة التي لم تكن معروفة مِن قبل بعينها، وإن كان جنسها معروفًا، تجدهم يختلفون فيها أكثر من أصابعهم، إذا كانت تحتمل قولين وجدت فيها عشرة، كل هذا لأنَّ الهوى غلب على النَّاسِ الآن، وإلا لو كان القصد سليمًا والفهم صافيًا والعلم واسعًا لعَرَفْت.
على كل حال أقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه يبقى أربعين يومًا، فماذا يكون الأمر بعد الأربعين؟
ينزل المسيحُ عيسى بن مريم، الذي رَفَعَهُ الله إليه، وقد جاء في الأحاديث أنه ينزِلُ عند المنارة البيضاء في دمشق، أو عليها -النسيان مني- ينزل فلا يَحِلُّ لكافرٍ يجد ريحَه إلا مات، وهذه من آيات الله، يموت، يلحق الدَّجَّالَ عند باب اللُّدِّ -اللُّدّ الآن في فلسطين عند اليهود- فيقتله هناك، وحينئذٍ يقضي عليه نهائيًّا، ولا يقبل عليه الصلاة والسلام إلا الإسلام، لا يقبل الجزية، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويُرِيق الخمر، ولا يقبل إلا الإسلام فقط، لا يُعبَد إلا الله.
وعلى هذا، فالجزية التي شرعها الإسلام جعل الإسلام لها أمدًا تنتهي إليه، متى؟ نزول عيسى، ولا يقال: إن هذا تشريع من عيسى؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك مقرِّرًا له.
فوضع الجزية عند نزول عيسى من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم قوله وفعله وإقراره، وكونه يتحدث عن عيسى بن مريم مقرًّا له، هذا من سنته.
وإلا فإن عيسى لا يأتي بشرع جديد، ولا أحد يأتي بشرع جديد.
ما فيه إلا شرع محمد عليه الصلاة والسلام إلى يوم القيامة، هذا ما يتعلق بالدجال، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم منه.
قال بعض أهل العلم: إن الرسل الذين أَنْذَرُوا قومهم به لم يُنْذِرُوهم بعينه، وإنما أنذروهم بجنس فتنته، يعني أنذروهم من الدَّجَاجِلَة.
ولكن هذا القول ضعيف، بل هو نوع من التحريف؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه ما من نبي إلا أنذره قومَه، وهذا صريح في أن الناس أنذروا قومهم بعين الرجل هذا، وقد سبق لنا بيان الحكمة من إنذار الرسل به.
ولكن يجب علينا أن نعلم أن جنس هذه الفتنة موجود حتى في غير هذا الرجل، يوجد من بني آدم الآن مَن يضل الناس بحاله وقَالِه، وبكل ما يستطيع، وتجد أن الله سبحانه وتعالى بحكمته أعطاه بيانًا وفصاحة، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: 42].
فعلى المرء إذا سمع مثل هذه الفتن التي تكون في أهل البدع من أناس يبتدعون في العقيدة، وأناس يبتدعون في السلوك، وغير ذلك، يجب عليه أن يعرض هذه البدع على أي شيء؟ على الكتاب والسنة، وأن يحذر منها، وألَّا يغتر بما تُكْسَى من زخارف القول؛ فإن هذه الزخارف كما قيل فيها: حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تَخَالُهَا حَقًّا وَكُلٌّ كَاسِرٌ مَكْسُورُ
فالدجال الْمُعَيَّن لا شك أن فتنته أعظم شيء، لكن هناك دَجَاجِلَة يُدَجِّلُون على الناس ويُمَوِّهُون عليهم، فيجب الحذر منهم، ومعرفة إراداتهم ونواياهم، ولهذا قال الله تعالى في المنافقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾، مع أنه قال: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، يعني: بيانه وفصاحته وعظمه يَجُرُّك جَرًّا إلى أن تسمع، لكن ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: 4]، ما فيهم خير، حتى الْخُشُب ما هي قائمة بنفسها ﴿مُسَنَّدَةٌ﴾، تقوم على الجدار، فهي لا خير فيها، ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: 4].
فهؤلاء الذين يتزَيَّنُون للناس بأساليب القول، سواء في العقيدة، أو في السلوك والمنهج، يجب الحذر منهم، وأن تُعْرَض أقوالهم وأفعالهم على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما خالفهما فهو باطل مهما كان، ولا تقولَنَّ: إن هؤلاء القوم أُعْطُوا فصاحة وبيانًا لينصروا الحق؛ فإن الله تعالى قد يَبْتَلِي، فيعطي الإنسان فصاحة وبيانًا وإن كان على باطل، كما ابتلى الله الناس بالدجال وهو على باطل بلا شك.
بقي علينا بحث صغير: هل الدجال من بني آدم؟
نعم، هو من بني آدم، وبعض العلماء -لكن أقوال- يقول: إنه شيطان، وبعضهم يقول: إن أباه إنسي وأمه جنية، على كل حال ما ندري، هذه كلها أقوال ما هي صحيحة، فالذي يظهر أن الدجال من بني آدم، وأنه كبني آدم؛ يحتاج إلى الأكل والشرب، وغير ذلك، ولهذا يقتله عيسى قتلًا عاديًّا كما يُقْتَل البشر.
يقول: ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
طالب: موجود الآن يا شيخ؟
الشيخ: لا، ما وُجِد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر حياته خطب الناس وقال: «إِنَّهُ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ» (3)، وهذا خبرٌ، وخبر النبي عليه الصلاة والسلام لا يدخله الكذب نهائيًّا، وهو مُتَلَقًّى من الوحي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم مثل الغيب، فهو غير موجود، لكن الله يبعثه متى شاء.
طالب: (... ).
الشيخ: فيه نظر، حديث الترمذي فيه نظر.
طالب: علاماته يا شيخ؟
الشيخ: هذا ليس وقت السؤال، البحث فقهي، لكن تعرضنا لهذه المسائل؛ لأنه يندر أن توجد في كتب التوحيد إلا كان في المستقبل إن شاء الله.
يقول: (ويدعو بما ورد)، ليت المؤلف قال: ويدعو بما أحب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر حديث ابن مسعود في التشهد قال: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (4)، لكن يمكن أن نجيب عن كلام المؤلف فنقول: إنه ينبغي أن يبدأ الإنسان بما ورد؛ لأن الدعاء الوارد خير من الدعاء المصطنَع الذي أنت تقوله، فإذا وُجِدَ دعاء وارد، فالتزامه أولًا، ثم تدعو بما شئت.
ومما ورد في هذا: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَعَلَى شُكْرِكَ، وَعَلَى حُسْنِ عِبَادَتِكَ» (5)، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر معاذ بن جبل أن يدعو به دُبُرَ كل صلاة مكتوبة، وفي بعض الألفاظ أمره أن يدعو به في صلاته، فإذا جمعنا بين اللفظين قلنا: في صلاته في دُبُرِها، أي: في آخرها.
والقول بأن هذا الدعاء في آخر الصلاة أصح من القول بأنه بعد السلام؛ لأن الذي بعد السلام إنما هو الذِّكر، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 103]، وأما ما قُيِّدَ بدُبُر الصلاة وهو دعاء فإنه في آخرها.
وسُئِلَ شيخ الإسلام رحمه الله: كيف يقول: دُبُر الصلاة، فقال: دُبُر الشيء منه، كدُبُر الحيوان، فإن الحيوان له دُبُر، ودُبُره في نفس الجسم، فكذلك دبر الصلاة يكون من الصلاة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى أن ندعو بعد التشهد صار الدعاء المقيَّد بالدُّبُر محله قبل السلام آخر الصلاة.
أما دُبُر الصلاة فهو الذِّكْر؛ ولهذا لا يَرِد علينا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» (6)، ومعلوم أن هذا بعد السلام بالاتفاق؛ لأن هذا مطابق للآية: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾، والأول الدعاء اللي قلنا يكون في آخر الصلاة قبل السلام مطابق للحديث: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ».
طالب: شيخ، حديث الْجَسَّاسة (... )؟
الشيخ: والله في قلبي منه شيء.
طالب: (... ) أحد من العلماء؟
الشيخ: إي، فيه من أنكرها، صرح بإنكارها.
طالب: طول مدة الدجال، أقول: تخرج عن العادة.
الشيخ: الله على كل شيء قدير، لكن الحديث اللي ذكرته لكم في الصحيحين: «لَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ أَحَدٌ» (3).
طالب: قلنا في تفسير العين الطافئة قلنا: (... ) الطافئة، وهنا تفسير ممسوح العين، فلا يتوافق مسيح من ممسوح العين وتكون طافئة (... ) الدجال، ما تكون ممسوحة.
الشيخ: لا، يمكن أن تكون طافئة، إذا صار المرتفع يسيرًا صار طرف العين غارًا.
طالب: من جهة يعني؟
الشيخ: إي نعم، من جهة.
طالب: أحسن الله إليك، بعض العلماء أخذوا من قول النبي صلى الله عليه وسلم في قتل عيسى للمسيح الدجال أنه يقتله بسيفه، قال: هذا فيه دليل على أن آخر الزمان الدبابات والرشاشات الموجودة الآن ستفنى.
الشيخ: والله ما أدري، اللي أعرف في الحديث: يقتله، لكن في يأجوج ومأجوج أنهم يَرْمُون بنشابهم إلى السماء، فترجع إليهم مُخَضَّبَة بالدماء، فيقولون: قتلنا مَن في الأرض وقتلنا مَن في السماء، ولا نستبعد أن هذه تروح، أنا حدَّثَنِي إنسان بأنهم الآن عَثَرُوا على صناعة آلة تبطل كل الكمبيوتر، كل شيء على الكمبيوتر تبطله، حتى الطائرات تسقط على الأرض إذا شغَّلُوا هذا، بس إنه الآن من الأشياء السرية، أنا حدثني واحد في مركز الدراسات أظن..
طالب: كلية الملك عبد العزيز.
الشيخ: المهم أنه قال: إنه بس من الأمور السرية هذه، إلى الآن لم تخرج، وهذا إذا خرج معناه أبطل كل شيء، والله على كل شيء قدير، لكن إحنا ليت معنا سلاح إيمان، لو معنا سلاح إيمان ما نفعتهم دباباتهم ولا صواريخهم.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، دَلَّت السنة يا شيخ على أن حفظ أول عشر آيات من سورة الكهف أو آخرها عُصِمَ بها من الدجال، أقول أحسن الله إليكم: لا شك أن النص (... ) بنفسه، لكن أقول: ما المناسبة بين العشر آيات.. ؟
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ بِفَوَاتِحِ سُورَةِ الْكَهْفِ» (2)، فليقرأ عليه بذلك.
الطالب: يقرأ على الدجال.
الشيخ: يقرأ على الدجال، فيه لفظان: فليقرأ عليه بكذا، وفليقرأ عليه كذا.
الطالب: وَحِفْظُها ما جاء؟
الشيخ: ما أدري والله، لكن حفظها لأجل يقرأ عليه.
الطالب: لكن مناسبتها يا شيخ؟
الشيخ: الله أعلم.
طالب: سمعنا أنه يقول للأرض تنبت، وكيف يَتَنَقَّل يا شيخ؟ هل هو على حمار كما قالوا؟
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن سيره الحقيقة، لكن البحث يُنْسِي بعضه بعضًا: كيف سَيْرُه في الأرض؟ قال: «كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ» (2)، مثل السحاب اللي شالته الريح، السحاب اللي شالته الريح من أسرع ما يكون.
الطالب: ترى تنبت الأرض يا شيخ؟
الشيخ: إي نعم.
الطالب: كيف؟
الشيخ: يقول لها: أَنْبِتِي، ويقول للسماء: أَمْطِرِي، تمطر، فتنة عظيمة.
طالب: أحسن الله إليك، هل هو أول علامات الساعة الدجال، أو طلوع الشمس من مغربها؟
الشيخ: لا، ما هو أول، طلوع الشمس من مغربها آخر شيء؛ لأنها إذا طلعت من مغربها لم ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، والإيمان بعد الدجال يكون، عيسى بن مريم واللي معه كلهم مؤمنون.
طالب: بالنسبة للدعاء في آخر الصلاة، هل يمكن أن يطلب شيئًا من أمور الدنيا، ولا خاص بس..
الشيخ: ويش ودك تطلب؟
الطالب: بيت، سيارة، زوجة.
الشيخ: اطلب، ما فيه مانع.
طالب: بالنسبة (... ) المذكور في (... ) شيخ، ما ورد أنه يحيي الموتى، يأتي الرجل اللي أبوه وأمه ميتان فيحييهما.
الشيخ: هذه ما رأيتها، لكن قضية الشاب هذا إحياء موتى.
طالب: شيخ، المسيح ما اسمه؟
الشيخ: ذكرنا هذا.
الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويدعو بما ورد ثم يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره كذلك.
وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول، وصلى ما بقي كالثانية بالحمد فقط، ثم يجلس في تَشَهُّدِه الأخير مُتَوَرِّكًا، والمرأة مثله، لكن تضم نفسها وتسدل رجليها في جانب يمينها).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
سبق لنا أن الإنسان يَتَعَوَّذ من أربعة أشياء: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.
وآخر ما تكلَّمنا عليه المسيح الدجال من عدة وجوه؛ أولًا: في مكانه، وفي هدفه، وفي زمانه، وفي مُكْثِه في الأرض، وفي فتنته وعِظَمِها، وكل هذا أظنه عُلِمَ لكم، أليس كذلك؟
طالب: بلى.
الشيخ: فكم مُكْثُه؟
طالب: أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا العادية.
الشيخ: ومن أين يخرج؟
طالب: يخرج من المشرق من خراسان، ومارًّا بأصفهان، ثم يتجه نحو المدينة.
الشيخ: من بين الشام والعراق.
هل يمكن أن يدخل المدينة؟
طالب: لا يمكن.
الشيخ: لا يمكن.
الطالب: على كل باب ملائكة يحفظونها.
الشيخ: ومكة؟
الطالب: كذلك.
الشيخ: ومكة كذلك لا يمكن أن يدخلها.
ما هي نوع فتنته، يعني بأي شيء يفتن الناس؟
طالب: بأنه إله.
الشيخ: يدعوهم إلى.. ؟
الطالب: عبادته.
الشيخ: إلى عبادته وتأليهه.
وهل يُبَرِّر ذلك تلك الدعوى؟
طالب: نعم.
الشيخ: بماذا؟
الطالب: (... )؟
الشيخ: ما هي أو اذكر شيئًا منها.
الطالب: الإحياء والإماتة، إنبات الزرع، إنزال المطر، إخراج الكنوز.
الشيخ: والجنة؟
الطالب: إحضار جنة ونار معه.
الشيخ: نعم، هل جنته حق؟
طالب: لا.
الشيخ: وناره؟
الطالب: ليس كذلك.
الشيخ: ليس كذلك، إذن ما جنته؟
الطالب: جنته نار.
الشيخ: إي نعم، وناره؟
الطالب: جنة.
الشيخ: وناره جنة.
إحياء الموتى، صورة المسألة؟
طالب: هو أن يأتيه شاب ثم يقول: أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا عنك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقتله فيشقه نصفين ثم يمر بينه، ثم يعود كما كان، ثم يقول له: أنت المسيح الدجال الذي أخبرنا بك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يكررها، ثم يريد أن يقتله فلا يستطيع أن يقتله، ولا يقتل أحدًا بعده.
الشيخ: هو أنه يأتيه هذا الرجل الشاب، ويقول: أنت الدجال الذي ذَكَرَ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأمر به فيُضْرَب ويُشَجّ ويُوَسَّع ظهره وبطنه ضربًا، ثم يعيد عليه المساءلة ثانية، ثم يقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيشقه نصفين ويمشي بينهما، وأنا ذكرت لكم في الدرس الماضي أنه يفعل به هذا مرتين، ولكن المرة الأولى ليست قتلًا، إنما هي شج وضرب فقط.
هذا اليوم الذي كسنة كيف يصنع الناس فيه من جهة الصلاة ومن جهة الصيام؟
طالب: سأل الصحابة الرسول عليه الصلاة والسلام: كيف يكفينا صلاة واحدة؟ قال: «اقْدُرُوا لِلصَّلَاةِ قَدْرَهَا» (2)، كل فرض يأتي يحسب الزمن العادي اللي كان يُصَلَّى فيُصَلُّون، ثم يُصَلُّون بعده، في هذا اليوم يُصَلُّون عدة صلوات.
الشيخ: يعني يصلون صلاة سنة كاملة، وفي الشهر؟
الطالب: وفي الشهر كذلك، يَقْدِرُونَ له قدره، صلاة شهر كامل، وفي الأسبوع.. ؟
الشيخ: صلاة شهر كامل وفي الأسبوع كذلك.
ما نهاية الدجال؟
طالب: (... ) ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام فيقتله.
الشيخ: فيقتله، وينتهي أمره.
أعطانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه علامة، وهي أنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة أو طافية، وعلامة أخرى أنه مكتوب بين عينيه (كافر)، وكُتِبَت في الحديث: (ك ف ر) يقرؤها كل مؤمن؛ يقرأ أو ما يقرأ، ويعمى عنها الكافر والمنافق.
لم يُفْصِح المؤلف بحكم هذه الاستعاذة، هل هي واجبة أو لا، ولكن سيأتينا إن شاء الله بيان أنها ليست واجبة؛ لأن المؤلف -رحمه الله- سيذكر فيما بعد الأركان والواجبات، وما عداها فهو سنن، وهو لم يذكر هذه في الواجبات، ولا في الأركان.
وعلى هذا يكون التعَوُّذ بالله من هذه الأربع سنة، وهذا هو المشهور عند أكثر أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة.
وعن الإمام أحمد رحمه الله رواية أن التعَوُّذ من هذه الأربع واجب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بها، ولأن هذه الأشياء الأربعة أمرها عظيم وشأنها كبير، فكانت جديرة بأن تُفْرَض على المسلمين ليقولوها في صلاتهم، ليستعيذوا بالله منها في صلاتهم؛ لأن خطرها من أعظم الخطر، وإذا نجا الإنسان منها فقد نجا.
فعلى هذا نقول: المسألة فيها قولان لأهل العلم -أي في وجوب التعوذ بالله من هذه الأربع فيه قولان لأهل العلم-:
القول الأول: أن ذلك واجب؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، ولشدة خطرها وعظمها.
والقول الثاني: أنها سنة، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء.
ولا شك أنه لا ينبغي للإنسان أن يُخِلَّ بها، فإن أَخَلَّ بها فإنه على خطر من أمرين؛ الأمر الأول: الإثم، والأمر الثاني: ألا تصح صلاته، ولهذا كان بعض السلف يأمر بإعادة الصلاة على من لم يَتَعَوَّذ بالله منها.
وسبق لنا أن المؤلف يقول بعد ذلك: (يدعو بما ورد)، فقوله: (بما ورد) (ما) اسم موصول يشمل كل الوارد.
ولكن ليس مراده أن كل دعاء ورد في السنة يُدْعَى به هنا، وإنما مراده أن يدعو بما ورد الدعاء به في هذا المكان، ومنه ما سبق: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَعَلَى شُكْرِكَ، وَعَلَى حُسْنِ عِبَادَتِكَ» (5)، ومنه ما عَلَّمَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه حين قال: يا رسول الله، علِّمني دعاء أدعو به في صلاتي، قال: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» (7)، ولكن لو دعا بدعاء غير ذلك فإنه يجوز.
لكن ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن يكون الدعاء واردًا، ولكن هل مراده واردًا باعتبار الجنس، أو باعتبار النوع والعين؟
فيه احتمال؛ يحتمل أنه يريد بما ورد بعينه، ويحتمل أن يريد بما ورد بجنسه، والذي ورد الدعاء بجنسه في الصلاة هو ما يتعلق بأمر الآخرة، وإذا قلنا بهذا الاحتمال صار معنى كلام المؤلف أن يدعو بدعاء يتعلق بأمور الآخرة، سواء ورد هذا الدعاء بعينه أم لم يَرِد، وإن قلنا بالاحتمال الأول؛ بما ورد بعينه، صار يتقيد بما ورد بعينه في هذا الموضع.
لكن الاحتمال الأول أشمل؛ أن يدعو بما ورد باعتبار الجنس، وهو ما يتعلق بأمور الآخرة، فيدعو بما يتعلق بأمور الآخرة بما شاء.
ولكن هاهنا مسألة؛ وهي أنه ينبغي المحافظة أولًا على الوارد في هذا المكان بعينه، ثم بعد ذلك يدعو بما شاء.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يدعو بغير ما ورد، سواء قلنا: إن المراد ما ورد بجنسه أو بعينه، فلا يدعو بشيء من أمور الدنيا، مثل أن يقول: اللهم ارزقني بيتًا واسعًا، اللهم ارزقني زوجة جميلة، اللهم ارزقني مالًا كثيرًا، اللهم ارزقني سيارة مريحة، اللهم ارزقني ثوبًا شتويًّا في أيام الشتاء، صيفيًّا في أيام الصيف، وما أشبه ذلك؛ لأن هذا يتعلق بأمور الدنيا.
حتى قال الفقهاء رحمهم الله: لو دعا بشيء مما يتعلق بأمور الدنيا بطلت صلاته، لكن هذا قول ضعيف بلا شك.
والصحيح أنه لا بأس أن يدعو بشيء يتعلق بأمور الدنيا، وذلك لأن الدعاء عبادة، وليس للإنسان ملجأ إلا الله، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (8)، ويقول: «أَمَّا السُّجُودُ فَأَكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ» (9)، ويقول في حديث ابن مسعود لما ذكر التشهد: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ مَا شَاءَ» (4).
والإنسان لا يجد نفسه مُقْبِلًا تمام الإقبال على الله إلا وهو يصلي، فكيف نقول: لا تسأل الله وأنت تصلي شيئًا تحتاجه في أمور دنياك! هذا بعيد جدًّا.
وقد جاء في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام: «لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَتَّى شِسْعَ نَعْلِهِ» (10)، وشِسْع النعل يتعلق بأمور الدنيا.
فالصواب بلا شك أنه يدعو بعد التشهد بما شاء من خير الدنيا والآخرة، وأجمع ما يُدْعَى به في ذلك: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]، فإن هذه جامعة لخير الدنيا والآخرة.
قولنا: إنه يدعو على القول الراجح بما شاء، هل يجوز الدعاء لِمُعَيَّن، بأن يقول: اللهم اجْزِ فلانًا عني خيرًا، أو: اللهم اغفر لفلان؟
الجواب: نعم يجوز؛ لأن هذا دعاء، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه دعا على قوم مُعَيَّنِين، ودعا لقوم مُعَيَّنِين؛ فدعا للمستَضْعَفِين في مكة، ودعا على الطغاة في مكة، لكنه نُهِيَ عن الدعاء على الطغاة باللعن، إنما دعا صلى الله عليه وسلم لِمُعَيَّن، فيجوز أن تدعو لمعين وأنت في صلاتك، سواء كان أباك أم أمك أم أخاك، أم أي إنسان تحب أن تدعو له.
قال: (ويدعو بما ورد).
لكن لو دعا لشخص بصيغة الخطاب فتذكر وهو يصلي، فقال: غفر الله لك يا شيخ الإسلام ابن تيمية.
فهل تبطل صلاته؟
الفقهاء يقولون: تبطل؛ لأنه أتى بكاف الخطاب، والخطاب لا يجوز في الصلاة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ» (11)، ولم يستثنوا إلا النبي عليه الصلاة والسلام، قالوا: إنك تخاطبه: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، أما غيره لا تَأْتِ له بكاف الخطاب مطلَقًا.
ولكن هذا القول في النفس منه شيء، وذلك لأنك إذا قلت: غفر الله لك يا فلان، وأنت تصلي، فإنك لا تشعر بأنك تخاطبه أبدًا، ولكن تشعر بأنك مستحضرٌ له غاية الاستحضار حتى كأنه أمامك، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين تَفَلَّت عليه الشيطان، قال: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ» (12)، فخاطَبه.
فبعضهم يقول: إن هذا الحديث قبل تحريم الكلام، وبعضهم يؤوله، ولكن كلا الجوابين فيه نظرٌ.
فالذي يظهر أن خطاب الآدميين أن تخاطبه، مثلًا يمر بك تقول: يا فلان تعال، وين أنت رايح؟ هذا كلام آدميين، تبطل به الصلاة ولَّا ما تبطل؟ تبطل، لكن شخص يستحضر شخصًا مَيِّتًا، ثم يقول: غفر الله لك يا فلان، في كون هذا من الكلام الْمُبْطِل للصلاة نظر.
ولكن دَرْءًا للشبهة بدل أن يقول: غفر الله لك، يقول: اللهم اغفر له، وهذا جائز بالاتفاق.
قال المؤلف: (ثم يُسَلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يسار كذلك).
يُسَلِّم بعد التشهد والدعاء، يُسَلِّم عن يمينه وعن يساره، يقول عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره: السلام عليكم ورحمة الله.
وهذا خطابٌ: السلام عليكم، لكنه خطابٌ يخرج به من الصلاة، بخلاف الخطاب الذي يكون في أثناء الصلاة فقد سمعتم القول فيه، أما هذا فهو خطاب يخرج به من الصلاة.
على من يُسَلِّم: السلام عليكم؟
طالب: على الخلاف، أنه يسلم على من (... ) لا مثل، قال أنه يسلم على من جنبه بالصفوف، وقيل: إنه يسلم على الملائكة، وقيل: إنه يُسَلِّم على..
الشيخ: يقولون: إذا كان معه جماعة فيسلم عليهم: عليكم، وإذا لم يكن معه جماعة فيُسَلِّم على الملائكة الذين على يمينه وشماله، يقول: السلام عليكم ورحمة الله.
لكن هذا السلام الآن إذا سَلَّم الإنسان مع الجماعة، هل يجب على الجماعة أن يَرُدُّوا عليه؟
لا، وإن كان قد روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُسَلِّم عليهم ويُسَلِّم بعضهم على بعض بهذا السلام، لكن الظاهر أن يقال: هذا السلام حاصل من الجميع، فكل واحد يُسَلِّم على الآخر، فاكتُفِيَ بسلام الثاني عن الرد؛ السلام عليكم، الثاني يقول: السلام عليكم.
هذا هو أقرب ما يقال في رد هذا السلام، وإلا فلا شك أن المأمومين يُسَلِّم بعضهم على بعض بهذا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما كانوا يرفعون أيديَهم يُومِؤُون بها، قال: «مَا لِي أَرَاكُمْ تُومِؤُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، مِنْ عَلَى يَمِينِهِ، وَمِنْ عَلَى شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» (13).
وهذا يدل على أن هذا السلام يُقْصَد به السلام على من بجانبه، لكنه لما كان كل واحد يُسَلِّم على الثاني اكتُفِيَ بهذا عن الرد.
قال: (السلام عليكم ورحمة الله)، سبق شرحها في التشهد، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله.
قال: (وعن يساره كذلك) يقول: السلام عليكم ورحمة الله، وهاهنا بحثٌ في السلام:
أولًا: لو قال: سلامٌ عليكم، بدون (أل)، هل يجزئ؟
الجواب: نعم، لكن السنة أن يكون بـ (أل)؛ لأن هذا هو الذي جاء به الحديث، فيقول: السلام عليكم.
الثاني: لو جاء بالإفراد، قال: السلام عليك ورحمة الله، فإنه لا يجزئ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (14)، ولوجود الفرق بين الإفراد وبين الجمع.
ولو قال: السلام عليكم، فقط، فهل يجزئ؟
فيه خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: لا يجزئ، ومنهم من قال: يجزئ؛ لأنه قد ورد في حديث رواه النسائي أشرت إليه قبل قليل: «أَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَعَلَى شِمَالِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» (15)، بدون ذكر: (ورحمة الله)، وعلى هذا فيكون قوله: (ورحمة الله) سنة، وليس بواجب.
ومنها -من البحث في السلام-: هل يزيد على ذلك فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؟
هذا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: الأفضل ألَّا يزيد، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، ألَّا يزيد على قوله: ورحمة الله، لا في التسليمة الأولى، ولا في التسليمة الثانية.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يزيد في التسليمة الأولى: (وبركاته)، دون الثانية، فيقول في الأولى: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وفي الثانية: السلام عليكم، فقط؛ لحديث أخرجه أبو داود، قال الحافظ ابن حجر: إن إسناده صحيح.
ومنها -أي من البحث في السلام-: لو اقتصر على تسليمة واحدة، فهل يجزئ؟
هذا أيضًا موضع خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقول: يجزئ؛ لحديث عائشة: وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ.
وهذا لفظ مُطْلَق يصدُق بواحدة.
ومنهم من قال: لا يجزئ؛ وأن (أل) في التسليم للعهد الذهني، أي: بالتسليم بالمعهود، وهو السلام عليكم ورحمة الله، من اليمين، والسلام عليكم ورحمة الله، من اليسار.
واستدلوا لذلك بقوله في الحديث الذي رواه النسائي أشرنا إليه قبل قليل: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِي أَحَدَكُمْ أَنْ يَقُولَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَمِنْ عَلَى شِمَالِهِ»، وقالوا: إن ما دون الكفاية لا يكون مُجْزِئًا ولا جائزًا؛ لأنه قال: يكفيك كذا، معناه ما دونه لا يكفي، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وأنه لا بد من التسليمتين، ولا يجوز أن يُخِلَّ بهما.
واستدلوا أيضًا بمحافظة النبي صلى الله عليه وسلم على التسليمتين، وقالوا: إن محافظته عليهما حضرًا وسفرًا، في حضور البوادي، والأعراب، والعالِم، والجاهل، يدل على أنه لا بد منهما، ويُرَشِّح ذلك قوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (16).
وقال بعض أهل العلم: تجزئ واحدة في النفل دون الفرض؛ لأنه ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه سَلَّم في الوتر تسليمةً واحدةً تلقاء وجهه، وقالوا: إن النفل قد يُخَفَّف فيه ما لا يُخَفَّف في الفرض، وعلى هذا فتجزئ التسليمة الواحدة في النفل دون الفرض.
فهذه أقوال ثلاثة؛ هل لا بد من التسليمتين في الفرض والنفل، كما هو المشهور من المذهب، أو تجزئ تسليمة واحدة في الفرض والنفل، أو تجزئ تسليمة واحدة في النفل دون الفرض؟
على كل حال الاحتياط من الأقوال الثالثة هو أن يُسَلِّم مرتين؛ لأنه إذا سَلَّمَ مرتين لم يَقُل أحدٌ من أهل العلم: إن صلاتك باطلة، ولو سَلَّم مرةً واحدة لقال له: من أهل العلم من يقول: إن صلاتك باطلة.
ومن المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالاحتياط فيما لم يتضح فيه الدليل، فقال عليه الصلاة والسلام: «الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» (17).
وقال عليه الصلاة والسلام: «دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» (18)، وأنت إذا أتيت بالتسليمة الثانية فقد أتيت بذكر تتقرب به إلى الله عز وجل، وتَسْلَمُ به من أن يقال: إن صلاتك باطلة.
على أن الذين قالوا بوجوب التسليمتين في الفرض والنفل قالوا: إن فعل الرسول عليه الصلاة والسلام قضية عين تحتمل النسيان أو غير ذلك، فلا يُقَدَّم هذا الفعل على القول الذي قال: إنما كان يكفي أحدكم أن يقول كذا.
ولكن هذا الاحتمال فيه نظر؛ لأن الأصل في فعل الرسول صلى الله عليه وسلم التشريع وعدم النسيان، ولا سيما أنه سَلَّمَ واحدة تلقاء وجهه على خلاف العادة، مما يدل على أنه أرادها قصدًا، لكن كما قلت: الاحتياط أن يُسَلِّمَ مرتين في الفرض والنفل.
قال: (وإن كان في ثلاثية أو رباعية نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول).
(إن كان في ثلاثية أو رباعية) ثلاثية مثل المغرب، رباعية كالظهر والعصر والعشاء.
(نهض مُكَبِّرًا)، (مُكَبِّرًا) حال من فاعل (نهض)، تدل على أنه يكون التكبير في حال النهوض، وهو كذلك؛ لأن جميع التكبيرات ما عدا تكبيرة الإحرام كلها محلها ما بين الركنين، فيكون مُكَبِّرًا حال النهوض.
قال: (نهض مُكَبِّرًا بعد التشهد الأول)، والتشهد الأول ينتهي عند قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يرفع يديه؛ لأنه لم يقل: ويرفع يديه، وهذا هو المشهور من المذهب؛ أنه لا يرفع يديه إذا قام من التشهد الأول؛ لأن مواضع رفع اليدين على المذهب ثلاثة فقط: عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه.
ولكن الصحيح أنه يرفع يديه؛ لأنه صَحَّ عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وعلى هذا القول فالقول الراجح في هذه المسألة أنه يرفع يديه إذا قام من التشهد الأول، ولأنه انتقال من نوع إلى نوع آخر في الصلاة، فإن الركعتين الأوليين يُشْرَع فيهما ما لا يُشْرَع في الركعتين الأُخْرَيَيْن، فلما كان هذا انتقال من نوع إلى نوع صار من الحكمة أن يُمَيَّزَ هذا الانتقال بالرفع، كأنه صلاة جديدة، وإن لم تكن جديدة لكنها لتَمَيُّزها عن الركعتين الأوليين صار يرفع.
ولكن متى يكون الرفع؟ يكون الرفع إذا قام؛ لأن لفظ الحديث: يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، وليس يرفع وهو جالس ثم ينهض؛ لأن هذا الرفع مع التكبير، والتكبير لا يكون إلا بعد النهوض، يعني في حال النهوض، وعليه فيكون التكبير إذا قام؛ لأن لفظ الحديث: يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، يُكَبِّر حين يقوم من الركعتين بعد الجلوس، ومعلوم أن كلمة (حين يقوم) ليس معناها: حين ينهض؛ إذ إن بينهما فرقًا، فمن توهم أنه يرفع وهو جالس، فليُصَحِّح وهمه، بل الرفع يكون إذا انتهى قائمًا.
يقول رحمه الله: (وصَلَّى ما بقي كالثانية بالحمد فقط)، وصلى ما بقي كالثانية، أيش الثانية؟ أي كالركعة الثانية، يعني: فليس فيه تكبيرة إحرام، ولا استفتاح، ولا تَعَوُّذ، ولا تجديد نية.
طالب: ولا قراءة سورة؟
الشيخ: لا؛ لأنه قال: (كالثانية)، لكن قال: (بالحمد)، هذا اللي أخرج قراءة السورة، قال: (بالحمد فقط).
تمتاز الركعتان هاتان عن الأوليين أنه يقتصر فيهما على الحمد، وأنه يُسِرُّ فيهما بالقراءة، حتى في الصلاة الجهرية يُسِرُّ فيهما بالقراءة، فهما ركعتان من نوع جديد.
وقول المؤلف: (بالحمد فقط)، يعني: لا يزيد، وهذا هو مقتضى حديث أبي قتادة رضي الله عنه الثابت في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الركعتين الأُخْرَيَيْن بفاتحة الكتاب فقط، ولكن في حديث أبي سعيد الخدري ما يدل على أن الركعتين الأُخْرَيَيْن يُقْرَأ فيهما؛ لأنه ذكر أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الركعتين الأُولَيَيْن بسورة، ولا يُطَوِّل الأولى على الثانية، ويقرأ في الركعتين الأُخْرَيين بنصف ذلك.
وهذا يدل -أعني حديث أبي سعيد الخدري- على أنه جعل الركعتين الأوليين سواء، والركعتين الأخريين سواء.
لكن بعض العلماء رَجَّح حديث أبي قتادة؛ لأنه متفق عليه، وحديث أبي سعيد في مسلم، ولأن حديث أبي قتادة جزم به الراوي، وأما حديث أبي سعيد فقال: حَزَرْنَا قِيَامَهُ، أي: خَرَصْنَاه وَقَدَّرْناه، وفرقٌ بين من يجزم بالشيء وبين من يَخْرِصه ويُقَدِّرُه.
ولكن الذي يظهر أن إمكان الجمع حاصلٌ، يعني أنه يمكن الجمع بين الحديثين، فيقال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم أحيانًا يفعل ما يدل عليه حديث أبي سعيد، وأحيانًا يفعل ما يدل عليه حديث أبي قتادة؛ لأن الصلاة -كما تعلمون- ليست واحدة حتى نقول: فيه تعارض، كل يوم يصلي الرسول صلى الله عليه وسلم خمس مرات، وإذا أمكن الجمع وجب الرجوع إليه قبل أن نقول بالنسخ، وقبل أن نقول بالترجيح.
قال: (بالحمد فقط، ثم يجلس في تَشَهُّده الأخير مُتَوَرِّكًا)، يجلس متى؟ إذا أتى بما بقي؛ إما ركعة إن كان في ثلاثية، أو ركعتين إذا كان في رباعية، يجلس في تشهده الأخير مُتَوَرِّكًا.
وكيفية التَّوَرُّك: أن يُخْرِج الرجل اليسرى من الجانب الأيمن، ويجلس على مقعدته على الأرض، وتكون الرجل اليمنى منصوبة، الرجل اليمنى منصوبة، والثانية مفروشة، لكنها خارجة من الجانب الأيمن، وهذه إحدى صفات التَّوَرُّك.
الصفة الثانية: أن يفرش القدمين جميعًا، ويخرجهما من الجانب الأيمن.
والصفة الثالثة: أن يفرش اليمنى، ويدخل اليسرى بين الفخذ والساق، بين فخذ اليمنى وساقها.
كل هذه وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة التورك، وعلى هذا فنقول: ينبغي أن يفعل الإنسان هذا مرة، وهذا مرة، بناءً على القاعدة التي قَعَّدَها أهل العلم، وهي أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة ينبغي أن يفعلها مرة هكذا ومرة هكذا؛ للفوائد الثلاث الذي ذكرناها من قبل، نعيدها الآن.
طالب: أولًا: إحياء السنة.
الشيخ: نعم، إحياء السنة، الثاني؟
طالب: تستحضر القلب.
الشيخ: أن هذا أقوى لاستحضاره.
طالب: اتباع السنة.
الشيخ: كيف اتباع؟
طالب: إحياء السنة واتباعها.
الشيخ: اتباع السنة؛ لأنه يفعل هذا وهذا.
على كل حال فيها فوائد، ولا شك أنها أشد في الاتباع مما إذا اقتصر على شيء واحد، ولكن هاهنا مسألة، وهي أنه يجب على الإنسان إذا أراد أن يفعل هذه العبادات المتنوعة أن يكون على يقين منها، فإن شك رجع إلى ما يتيقنه، أحيانًا ينسى الإنسان، مثلًا: حديث ابن عباس في التشهد، وحديث ابن مسعود، بينهما بعض الاختلاف، أحيانًا ينسى الإنسان ما جاء في حديث ابن عباس، فماذا يصنع؟ هل يخبط في الحديث، ولا يقتصر على اللي هو يعلم؟ يقتصر على الذي يعلم، كما قلنا في قراءات في القرآن الكريم، القراءات التي يُقْرَأ بها في القرآن إذا كنت حافظًا لها مجيدًا لها مُتْقِنًا لها فالأفضل أن تقرأ بهذا مرة، وبهذا مرة، ما لم يكن بحضرة العوام، وأما إذا كنت غير مجيد لها فإنك تقتصر على ما تعلم؛ لئلا تُخَبِّط في القرآن، وهكذا أيضًا العبادات.
قال: (والمرأة مثله)، المرأة مثله في أيش؟ في كل ما تقدم، حتى في رفع اليدين، فترفع يديها، وتجافي عضديها عن جنبيها في الركوع، لكن تضم نفسها في الركوع والسجود، وتسدل رجليها في جانب يمينها.
تختلف المرأة عن الرجل في بعض الأشياء، وما دام عندكم أسئلة نؤجلها إن شاء الله.
طالب: (... ) الحديث، وبعدين قالوا فيه (... ) وبركاته، ما الراجح؟
الشيخ: إي، زيادة (وبركاته) في التسليمة الأولى فقط.
طالب: الأحسن الواحد يقتصر على السلام عليكم ورحمة الله.
الشيخ: أما بالنسبة عند العامة فالأفضل أن يقتصر عليها، وفي نفسه لا بأس أنه يتمها.
طالب: طيب لو قال: السلام عليكم ورحمة الله، ثم قال: وبركاته، بينه وبين نفسه.
الشيخ: ما فيه مانع، طيبة.
طالب: قلنا في دروس سابقة: إنه يُسَنَّ أن يجعل ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ آخر كلامه آخر دعائه؛ لأدلة واردة، لكن يا شيخ فيه دليل ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول علي: كان يقولها ما بين التشهد والتسليم آخر شيء.
الشيخ: اللي هي ربنا آتنا؟
الطالب: لا، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخَّرت، وما أسررت وما أعلنت.
الشيخ: إي، لكن لا يمنع أن يقول غيرها، كان يقول هذه، ولا يمنع أن يقول..
الطالب: (... ) دليل.
الشيخ: أقول: ما يمنع أن يقول غيرها، أما لو قال: ولم يقل سواها، صح.
طالب: شيخ، قلنا: العلة في قول: السلام عليكم ورحمة الله، إن الكاف هنا للخطاب، وقلنا: إن هذه خروج من الصلاة، ما يكون فيه دليل (... )؟
الشيخ: لا، ما فيه دليل؛ لأن حديث عائشة صريح: يختمها بالتسليم.
الطالب: كله ذِكْر.
الشيخ: بالتسليم، التسليم ذِكْر، تجعل الضرطة مثل الذكر؟ ما أحد يقول هذا، إن قالها أحد ما هو بصحيح.
طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، قلنا: إن قال المصلي: سلامٌ عليكم ورحمة الله، فإن ذلك يجزئ.
الشيخ: نعم.
الطالب: لكن نحن قلنا في تفسيرها: إنه كالتفسير الذي قلناه في (السلام عليك أيها النبي)، ومن التفسير في قولنا: السلام عليك أيها النبي، أن السلام اسم الله عز وجل.
الشيخ: إي، لكن هذا ضعيف، ضَعَّفْنَا هذا القول.
طالب: قال الفقهاء عفا الله عنهم: يبدأ بالسلام مع بدء التفاته.
الشيخ: هذا هو الظاهر، الظاهر أنه يبدأ مع بدء حتى يكون الكاف في (السلام عليكم) في حال انتهاء أو توسط الالتفات.
طالب: ما بيلتفت بعد ما يُسلَّم.
الشيخ: لا، معها، أما بعض الناس يقول: السلامُ عليكم، السلام وهو مستقبل القبلة، هذا استحبه بعض الفقهاء، لكن ما له أصل، بعضهم قال: لا يلتفت إلا حين يأتي بكاف الخطاب، لكن ظاهر السنة خلاف ذلك، أنه يلتفت من حين يبدأ بالسلام.
طالب: جزاكم الله خيرًا، ما ورد الاستعاذة من فتنة الْمَأْثَم والْمَغْرَم؟
الشيخ: بلى، بس ما فيها أمر.
طالب: شيخ، إذا كان المصلي في نفل، ثم سَلَّم وكان بجواره واحد، هل يجب عليه الرد؟
الشيخ: لا، ما يرد.
طالب: هل لا بد أنه ينوي الخروج من الصلاة حين السلام؟
الشيخ: كيف؟
طالب: يعني يسَلِّم هكذا، أو نقول: لا بد أن تنوي تخرج من الصلاة؟
الشيخ: يعني لو سَلَّم يريد السلام ما هو بالخروج يعني؟
طالب: الفقهاء يقولون: لا بد ينوي بالسلام هذا الخروجَ من الصلاة.
الشيخ: على سبيل السُّنِّيَّة يعني، لكن هذا معروف، ما أحد يُسَلِّم من صلاته إلا يريد هذا.
طالب: هل لا بد أن يلتفت يعني (... ) أو يلتفت التفاتًا يسيرًا؟
الشيخ: لا، يلتفت حتى يُرَى بياض خَدِّه، لكن كونه يلتفت بكل بدنه لا، يلتفت برأسه فقط.
طالب: جزاكم الله خيرًا، قلنا: عندما تقول: سلام عليكم، إن هذا يجزئ لكن مخالف للسنة؟
الشيخ: لكن السنة أن يكون بـ (أل).
طالب: إي نعم، وقلنا يا شيخ: السلام عليك، هذا لا يجزئ؛ لأن حديث عائشة: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (14)، وحديث: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (16)، وأيضًا يا شيخ الصيغة الأولى مخالفة؟
الشيخ: إي، لكن بينهما فرق؟ الثانية: عليك وعليكم، تنقل الكلام من المخاطَبين إلى مخاطب واحد، لكن هذاك في تعريف السلام وتنكيره، وقد ورد هذا وهذا، ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: 25].
طالب: شيخ، إذا التفت على اليسار، يعني يلتفت على اليمين السلام، ولكن نسي أن يقول: السلام، تذكر أنها وجبت على اليسار، يجزئ؟
الشيخ: يعني بس هو التفت ولا سَلَّم ثم سَلَّم؟
طالب: ثم سَلَّم على شماله.
الشيخ: لا، إذا ذكر يلتفت يمينًا، بسيطة إدارة رأسه.