الشيخ: لا يبرأ، ليش؟ لأن صاحب الحق سوَّى يطالب بالعين التي تلفت، يُطالب المتلِف، أو يطالب من هي بيده كما مر علينا.
طالب: له مطالبة الكفيل يا شيخ؟
الشيخ: إي، والكفيل؛ لأن الأصل أنه ما برئ، مثلًا أنا كفلت هذه الناقة، وجاء إنسان وأتلفها، الآن أنا لي حق أن أُطالِب.
باب الحوالة
ثم قال: (باب الحوالة) الحوالة معناها: التحويل أو التحول، تصح لهذا أو هذا، يعني تحول الحق من ذمة إلى ذمة، هذه الحوالة، وهو عبارة عن انتقال الحق من فلان إلى فلان، وهي من حُسن القضاء والاقتضاء منهما جميعًا؛ لأن المحال إذا قبِل فقد يسَّر الأمر على المحيل، ولأن المحيل أيضًا إذا أحال صاحب الدَّيْن بدينه، هذا أيضًا من التيسير؛ لأن المحيل قد يكون مُعسرًا فيحيله على موسر، وهي من الإحسان والمعروف، إذا كان فيها تيسير وتسهيل على المكلَّف، أما حكمها شرعًا فإنها جائزة، لكن بشروط، والدليل على جوازها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَمَنْ أُحِيلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَحْتَلْ» (4)، فهذا أصل في جواز الحوالة، لكنها لها شروط:
الشرط الأول: أنه لا بد من استقرار المحال عليه؛ وذلك أن الحوالة لها خمسة أركان: مُحيل، ومُحال، ومُحال به، ومحال عليه، وصيغة.
خمسة: مُحِيل، والثاني مُحال، ومُحال عليه، ومُحال به، وصيغة، خمسة أركان.
لا بد أن يكون الْمُحال عليه مستقرًّا؛ أي ثابتًا ثبوتًا ليس فيه فسْخ أو عُرْضة لفسخ، كثمن المبيع، والأجرة بعد تمام المدة، والقرْض، وغرم الجنايات، وما أشبهها.
المهم أن يكون على دَيْن مستقر، احترازًا من الدين غير المستقر كدَيْن الكتابة مثلًا: إنسان كاتب عبده بعشرة آلاف، العبد الآن صار عليه دين، حيث اشترى نفسه من سيده بكم؟ بعشرة آلاف، لا يملك السيد الآن أن يحيل على الدين الذي في ذمة المكاتب، لماذا؟ لأنه غير مستقر، ولهذا إذا كان هذا السيد عليه عشرة آلاف، وأراد أن يُحيل صاحب الدَّيْن على دَيْن الكتابة، فقد تحصل وقد لا تحصل، فيكون هذا الذي تحول إما سالِمًا وإما غارمًا، يعني المعنى أنه لا يدري هل يغرم أو يحصل على حقه؛ فلهذا لا بد من أن يكون المحال عليه مُستقرًّا.
أما المحال به فلا يُشترط استقراره، المحال به، وهو الدَّيْن الذي على المحيل، والمحال عليه هو الدَّيْن الذي على المحال عليه.
(ولا يعتبر استقرار المحال به) فهذان شرطان يعودان على ركنين من أركان الحوالة.
الشرط الأول يعود على أي ركن؟ المحال عليه، والثاني على المحال به، فلو أن المكاتَب أحال سيده بدَيْنه على من في ذمته دين مستقر للمكاتب فإن الحوالة صحيحة؛ لأنه لا يُشترط استقرار المحال به.
ومن الشروط أيضًا: اتفاق الدَّينين، أي المحال به والمحال عليه، اتفاقهما جنسًا ووصفًا ووقتًا وقدرًا، اتفاقهما في أربعة أمور:
الأول: الجنس، بأن يُحيل مئة صاع بُرٍّ في ذمته على مَنْ له في ذمته مئة صاع بُرٍّ، فإن أحال بمئة صاع بر على مئة صاع شعير فإنه لا يصح لاختلاف الجنسين.
أحاله بعشرة دنانير على مئة درهم؟ لا يصح؛ لاختلاف الجنسين، أو القدْر؟ الجنس، قبل كل شيء، الجنسين، والقدر أيضًا.
يُشترط أيضًا اتفاقهما وصفًا؛ بأن يكون كل منهما جيدًا أو رديئًا أو وسطًا، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح أن يُحيل جيدًا على رديء، ولا رديئًا على جيد، وفي هذا نظر؛ لأنه لا محظور من ذلك، فإذا أحال بجيد على رديء وقبل المحال الرديء عن الجيد فما المانع، ما دام الجنس واحدًا والقدر واحدًا فليس فيه ربا وليس فيه غرر، فهذا المحال الذي أُحِيل بالجيد على الرديء يقول: أنا أحب أن آخذ الرديء ولا يبقى حقي في ذمة هذا الرجل الفقير أو المماطل.
و(يُشْتَرَطُ) اتِّفاقُ الدَّيْنَيْنِ جِنْسًا ووَصْفًا ووَقْتًا وقَدْرًا، ولا يُؤْثَرُ الفاضلُ، وإذا صَحَّتْ نقِلتِ الحقُّ إلى ذِمَّةِ الْمُحالِ عليه وبَرِئَ الْمُحيلُ، ويُعتبَرُ رِضاهُ لا رِضَا الْمُحالِ عليه, ولا رِضَا الْمُحْتَالِ على مَلِيءٍ، وإن كان مُفْلِسًا ولم يكنْ رَضِيَ رَجَعَ به، ومَن أُحيلَ بثَمَنِ مَبيعٍ, أو أُحيلَ به عليه, فَبانَ الْبَيْعُ باطلًا فلا حَوالةَ، وإذا فُسِخَ البيعُ لم تَبْطُلْ، ولهما أن يُحِيلَا.
(باب الصلح).
إذا أَقَرَّ له بدَيْنٍ أو عَينٍ فأَسْقَطَ, أو وَهَبَ البعضَ وتَرَكَ الباقيَ صَحَّ إن لم يكنْ شَرَطَاه، ومِمَّنْ لا يَصِحُّ تَبَرُّعُه، وإن وَضَعَ بعضَ الحالِّ وأَجَّلَ باقِيَه صَحَّ الإسقاطُ فقط، وإن صالَحَ عن الْمُؤَجَّلِ ببعضِه حالًا أو بالعكسِ, أو أَقَرَّ له ببيتٍ فصالَحَه على سُكناهُ, أو يبني له فوقَه غُرْفةً, أو صالَحَ مُكَلَّفًا لِيُقِرَّ له بالعُبودِيَّةِ أو امرأةً لتُقِرَّ له بالزوجيَّةِ بعِوَضٍ لم يَصِحَّ، وإن بَذَلَاهُما له صُلْحًا عن دَعواهُ صَحَّ، وإن قالَ: أُقِرَّ بدَيْنِي وأُعطيكَ منه كذا ففَعَلَ صَحَّ الإقرارُ لا الصلْحُ.
فهذا المحال الذي أُحيل بالجيد على رديء، يقول: أنا أحب أن آخذ الرديء، ولا يبقى حقي في ذمة هذا الرجل الفقير أو المماطل.
وكذلك بالعكس: لو أحال بمئة صاع رديء على مئة صاع جيد فليس في ذلك شيء، ما هي محذورة؛ لأن المحيل الآن أحال بأيش؟ باختياره ولّا بإكراه؟ باختياره، كما لو أوفاه جيدًا عن الرديء، فالصواب أن الوصف إذا قُصد به الرداءة والجودة أنه لا بأس به.
وكذلك أيضًا (وقتًا)، وذلك فيما إذا كان الدَّينان مؤجلين، فلا بد من اتفاق الدينين في الأجل، فلا يحيل ما يَحِلُّ بعد شهر على ما يَحِلُّ بعد شهرين، أو ما يَحِلُّ بعد شهرين على ما يَحِلُّ بعد شهر؛ وذلك لعدم الاتفاق في الوقت.
وهذا أيضًا فيه نظر، أيُّ مانع يمنع إذا أحال بعشرة دراهم تحل بعد شهر على عشرة دراهم لا تحل إلا بعد شهرين ورضي المحال؟ ليس في ذلك أي ضرر، قد يقول قائل: إن هذه تشبه بيع الدراهم بالدراهم إلى أجل؟ فيقال: هذا ليس بيعًا، ولكنه استيفاء، ومن المعلوم أنه لو عجل المؤجَّل أو أجل المعجَّل، فإنه لا بأس به، فالصواب إذن أنه لا يشترط اتفاقهما في الوقت.
(وقَدْرًا) يُشترط أيضًا اتفاق الدَّينين قدرًا، فلا يحيل بعشرة على ثمانية، أما بثمانية على عشرة فلا بأس، ولهذا قال المؤلف: (ولا يؤثِّر الفاضل) يعني: الزائد في المحال عليه لا بأس به؛ لأنه كأنه أحاله على ثمانية من عشرة، وهذا لا بأس به.
فإن قال: أحلتك بثمانية على عشرة؛ ليقبض كل العشرة، فهذا لا يجوز؛ لأنه صار معاوضة، والمعاوضة بين جنسين ربويين لا بد أن يكون أحدهما مساويًا للآخر إذا كان الجنس واحدًا، ومعلومٌ أنه إذا اختلف الجنس فهو معاوضة من باب أوْلى.
فصار اتفاقهما في القدر التحويل بالناقص على الزائد، على أساس أنه يأخذ مقدار حقه والباقي يبقى في ذمة المحال عليه، جائز ولّا غير جائز؟ جائز.
والتحويل بالزائد على الناقص؛ على كلام المؤلف لا يصح، لكن ما هو الطريق؟ الطريق أن يبرئه من الزائد، ثم يحيله على المساوي؛ يعني مثلًا عنده عشرة آلاف في ذمته لفلان، وأراد أن يُحيله بالعشرة على ثمانية، قلنا: هذا لا يجوز، فإن أحاله بالعشرة على أساس أنه بثمانية من عشرة، أحاله بثمانية من العشرة على الثمانية جائز؛ لأن الدَّينين اتفقا قدرًا.
فإذا قال: أنا أريد أن أبرأ منه نهائيًّا؟ قلنا: الطريق إلى هذا أن يبرئه من الزائد ثم يحيله، وهذه حيلة لا بأس بها؛ لأنها حيلة على مباح، ولو قيل -إذا لم يكن في المسألة إجماع- لو قيل بأنه يصح بدون إبراء لكان له وجه؛ لأن حقيقة استحالة الدائن على ما هو أقل من حقه، حقيقته أيش؟ الإبراء، لكن بدلًا من أن يقول: أبرأتك ثم ذاك يقول: أحلتك، اكتفى بالحوالة.
والخلاصة: أن الحوالة من باب الاستيفاء، فإذا انقلبت إلى معاوضة صار لا بد من مراعاة شروط البيع المعروفة، هذه هي القاعدة، أما هذه الشروط التي ذكرها المؤلف فكما عرفتم أن بعضها فيه نظر.
قال: (وَإِذَا صَحَّتْ نَقَلَتِ الحقَّ إِلَى ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ وَبَرِئَ المُحِيلُ).
(إذا صحت) ومتى تصح؟ بتمام الشروط وانتفاء الموانع؛ لأن كُلَّ شيء من عبادة أو معاملة لا يَصِح إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، إذا صحت نَقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وبرئ المحيل براءة تامة، وهذا غير الضمان، الضمان سبق أنه لا ينقل الحق؛ يعني الضمان لا ينقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وكذلك الكفالة، لكن الحوالة تَنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويبقى المحيل بريئًا.
لو فرض أن المحال عليه أعسَر، فهل يرجع المحال على المحيل؟ لا، لماذا؟ لأن الحق انتقل، وبرئ المحيل براءةً تامة، أليس كذلك؟
(وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل)، ودليل ذلك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أُحِيلَ بِدَيْنِهِ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَحْتَلْ» (1)؛ أي: يتحول من المحيل إلى المحال عليه، فلو كان رجل عليه مئة ألف، وأحال بها على شخص، وتمت الشروط، ثم إن المحال عليه افتقر، ورجع المحال إلى المحيل، فإنه لا يملك ذلك، يقول المحيل: أنا أحلتك والحوالة تمت، وإذا تمت فإنها تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
قال: (ويعتبر رضاه، لا رضا المحال عليه، ولا المحتال على مليء).
هذه ثلاثة أركان:
(رضاه)، أي: المحيل.
(لا رضا المحال عليه)؛ هذا الركن الثاني.
(ولا المحتال على مليء)؛ هذا هو الركن الثالث، ولّا لا؟
يعتبر رضا المحيل، فلا يمكن أن يكرَه على الحوالة، لا بد من رضاه.
فإذا قال قائل: ما هو الدليل على رضاه؟
قلنا: الدليل على ذلك أن الله تعالى قال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، والرضا لا بد منه في جميع العقود، حتى عقد النكاح -على القول الراجح- فيما إذا كانت البنت بكرًا، لا بد من الرضا.
(لا رضا المحال عليه)، المحال عليه لا يعتبر رضاه، فلو أحال رجل بدينه على آخر، وقال المحال عليه: لا أقبل؛ لأن المحال رجلٌ سيئ الطلب، يُتعب المطلوب، وقال المحال عليه: أنا أريد الأول؛ لأنه أسهل وأيسر، هل يملك ذلك؟ لا، لماذا؟ قال العلماء: لأنه -أي: صاحب الحق- يملك استيفاءه بنفسه وبوكيله، والمحال كأنه وكيل، فكما أن لصاحب الحق أن يوكل رجلًا خَصِمًا لدودًا في استيفاء حقه فله أن يحيله.
إذا امتنع المحيل عن الحوالة لكونه فقيرًا، فهل يملك صاحب الدين أن يجبره على إحالته على دينه في ذمة غني؟
على كلام المؤلف لا؛ لأنه يشترط رضاه على كل حال، فلو قال الدائن: أنت الآن ليس عندك شيء، لكن لك في ذمة فلان الغني الباذل كذا وكذا، أحلني عليه، قال: لا أحيلك، فإنه لا يُلْزِمه، لكن لو رأى القاضي أن إحالته لا بد منها فله ذلك.
نظير هذا: لو أن الرجل غيَّبَ ماله؛ الرجل المدين غيَّبَ ماله وقال: ليس عندي شيء، وكان عنده مال لكنه غيبه وكتمه، فإنه يُلزم بأن يُظهر هذا المال ويوفي منه، فالقول بأنه في هذه الحال لا يعتبر رضاه، وأنه يجبَر على الإحالة قولٌ قوي؛ لئلا يضيع حق صاحب الدين.
قال: (لا رضا المحال عليه، ولا المحتال على مليء)، المحتال في رضاه تفصيل؛ إن كان على مليٍّ لم يعتبر رضاه، وإن كان على غير ملي اعتُبر رضاه.
فصار المحيل والمحال والمحال عليه باعتبار الرضا على ثلاثة أقسام:
الأول: من يعتبر رضاه بكل حال، مَنْ؟
طلبة: المحيل.
الشيخ: الثاني: من لا يُعتبر رضاه على كل حال؛ المحال عليه.
والثالث: من فيه التفصيل، وهو المحال، وكما عبر المؤلف نقول: المحتال؛ إن كان على ملي لم يشترط رضاه، وإن كان على غير ملي اشترط رضاه.
مَنْ هو الملي؟
الملي، قال العلماء: هو القادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه، هذا الملي.
الملي: هو القادر على الوفاء بقوله، والثاني؟ ماله، وبدنه.
أما (قوله): فألا يكون كاذبًا يَعِدُ ويُخْلِفُ، وهذا هو المماطل، فإذا أحاله على شخصٍ غني لا إشكال فيه، لكنه من عادَته أن يماطل فيَعِد ويكذب، فإنه يعتبر رضاه؛ رضا مَنْ؟ رضا المحتال، يعتبر رضا المحتال.
و(ماله): بأن يكون عنده مال يستطيع الوفاء منه، فإن كان فقيرًا اعتُبر رضا المحتال.
الثالث: (بدنه) وهو أن يمكن إحضاره عند المحاكمة إلى مجلس الحكم، فإن كان لا يمكن شرعًا أو لا يمكن واقعًا فإنه لا يلزمه أن يتحول، لا بد من رضاه.
الذي لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم شرعًا الأب، فإن العلماء رحمهم الله يقولون: لا تُمكِن مطالبة الأبِ بالدَّيْن إلا ما كان من النفقة فقط، أما غيره ما يمكن، فلو استقرض أبوك منك مالًا وطالبته به، لا يمكن أن تحضره لمجلس الحكم، ولو طالبته أن يحضر فإن القاضي لا ينظر في ذلك، فإذا أحالك إنسان على أبيك، قال: أنت تطلبني عشرة آلاف، وأنا أطلب والدك عشرة آلاف، أحيلك على أبيك.
لك أن ترفض؟
طلبة: (... ).
الشيخ: هذه مشكلة؛ لأنك إذا رَفَضْتَ، صار قدحًا عظيمًا في والدك، وإن قبِلت ربما يضيع حقك، فما هو حل هذه المشكلة؟ يعني واقعيًّا، وإلا حكمها فقهًا واضح.
طالب: توكيل.
الشيخ: يعني يقبل الحوالة على أبيه، ويوكِّل؟ أخشى أن القاضي يقول: الفرع له حكم الأصل، والوكيل فرعٌ عن موكِّله فلا يمكن تحضر والدك، لا بنفسك ولا بوكيلك، على كل حال نحن نعرف المسألة فقهًا الآن، أما واقعًا فينبغي للإنسان أن ينظر إلى ما يترتب على ذلك من مفاسد، قد يكون بِرّه بأبيه ورفع معنوية أبيه خيرًا من أن يحصل على مقصوده.
ومن لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم عادةً، مثل السلطان، إنسان يطلبك عشرة آلاف ريال، وأنت تطلب الأمير عشرة آلاف ريال، فقلت: أحلتك على الأمير، يلزمه القبول؟ لا يلزم، لا بد من رضاه؛ لأن الأمير لا تمكن مطالبته، فإذا ألزمناه بأن يتحول، صار هذا سببًا لضياع حقه، والظلم ظلمات يوم القيامة.
إذن رضا المحتال فيه تفصيل الآن.
طالب: (... ).
الشيخ: إن كان على مليِّ لم يُعتبر رضاه، وإن كان على غير ملي اعتُبر رضاه، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو الذي مشى عليه المؤلف، وعلى هذا فيُجبَر المحتال أن يتحول وتبرأ ذمة المحيل، إذا كان المحال عليه مليئًا.
وذهب أكثر العلماء إلى اعتبار رضاه حتى وإن أحيل على مليّ، وقالوا: إن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «فَلْيَحْتَلْ» (1) على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب، أفهمتم؟ يقولون: إن هذا على سبيل الاستحباب؛ لأنه من حُسن الاقتضاء، والوجوب لا يجب.
وأنا أميل إلى هذا القول، أميل إلى أنه لا يجب القبول -أي: قبول التحول- لأنه صاحب حق، وأنت ربما تُحيلني على مليٍّ قادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه، لكن له احترام عندي، أنا أستطيع أن أحضره إلى مجلس الحكم، لكن له احترام عندي، إما أنه أخ أو قريب أو صديق أو ذو شرف وجاه، فكيف تجبرني؟ أو بالعكس، فلا أُنَزِّل نفسي بمنزلة هذا السفيه مثلًا، والصواب أنه لا بد من رضاه؛ أي: رضا المحتال سواءٌ كان على مليّ أم على غير مليٍّ.
طالب: الشروط التي ذكرها المؤلف ألا تحمل على حال النزاع والخصومة؟ لأنها لو حملناها على هذا المحمل كُلّها متجهة إلى هذه الشروط، ولو حملناها على مَحْمَل آخر أنها حسب الاتفاق والرضا أنها كلها غير متجهة.
الشيخ: لا، هو المؤلف يقول: يشترط للصحة.
لا للإلزام، للصحة.
طالب: على فرض يا شيخ أن الحوالة (... ) تصير قريبة من القرض.
الشيخ: لا، ما هي قريبة من القرض؛ لأن القرض بين اثنين فقط، وهذه بين ثلاثة: محيل، ومحتال، ومحال عليه.
طالب: (... ).
الشيخ: ما سمعت.
طالب: (... ) وهو في الظاهر أنه مليٌّ، ثم تبين بعد..
الشيخ: نجيء به، في كلام المؤلف.
طالب: أحسن الله إليكم، هل تصح إحالة المحال عليه على محالٍ عليه آخر؟
الشيخ: كيف يعني؟ يعني: محال عليه أحالها على آخر؟ ما فيه بأس.
الطالب: (... ).
الشيخ: يقول لا، إذا تمت شروط الرفض يرفض.
الطالب: إذا اشترى -يا شيخ مثلًا- فقير اشترى شيئًا، ثم أحال البائع على مال الزكاة، يعني مثلًا عادة يأتيه زكاة (... ).
الشيخ: هذه ما أجيبك عنها، أنت تعرف أن هذا ما فيه دين أصلًا.
الطالب: ولو كان عارفًا نيته؟
الشيخ: ولو كان عارفًا، هل للفقير دين على بيت المال مثلًا؟ !
الطالب: لا، ليس بدين.
الشيخ: ليس بدين، إذا كان الدين اللي غير مستغل لا تقبل الحوالة عليه كيف على الدين اللي ما هو دين أصلًا.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، قال المصنف رحمه الله تعالى في باب الحوالة: ويُعتبرُ رضاهُ لا رِضَا المُحَالِ عليه، ولا رضا المُحْتالِ على مَلِيء، وَإِنْ كَانَ مُفْلِسًا وَلَمْ يَكُنْ رَضِيَ رَجَعَ بِهِ، وَمَنْ أُحِيلَ بِثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ أُحِيلَ بِهِ عَلَيْهِ فَبَانَ البَيْعُ بَاطِلًا فلا حَوَالَةَ، وإذا فُسِخَ البيعُ لم تَبْطُلْ، ولَهُمَا أَنْ يُحِيلا..
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الضمان والكفالة والحوالة كلها من حسن القضاء والاقتضاء، فما هو الذي يعتبر استقراره؛ الدين المحال عليه ولّا المحال به؟
طالب: الدين المحال عليه.
الشيخ: المحال عليه، أما المحال به؟
الطالب: فلا يعتبر استقراره.
الشيخ: فلا يشترط.
ما هو الفرق بين الدين المحال به والمحال عليه؟
الطالب: الدين المحال عليه هو الحق الذي للمحيل على المحتال عليه، أما دين المحال به فهو الحق الذي على المحيل للمحتال.
الشيخ: نعم، صح.
ما معنى قول المؤلف: (ولا يؤثِّر الفاضل)؟
طالب: إذا أحال المحيل على الدين الأكثر، على حدٍّ له أكثر، فلا يؤثر هذا، إذا كان ليس بهم جميعًا.
الشيخ: يعني إذا كان لزيد على عمرو مئة، وأحال شخصًا ثالثًا بثمانين على هذه المئة، فإن كان على كُلِّ المئة حرام، وإن كان على ثمانين منها جاز ذلك، وهذا معنى قوله: (ولا يؤثِّر الفاضل).
ما هو القول الراجح فيما إذا أحال بجيد على رديء؟
طالب: على قول المؤلف لا يجوز.
الشيخ: ما هو القول الراجح؟
الطالب: القول الراجح يجوز إذا رضي.
الشيخ: إذا رضي بذلك، ما هو الدليل على رجحانه؟
الطالب: لأن الحق له.
الشيخ: لأن الحق له، وقد رضي بالرديء عن الجيد، والأصل في المعاملات الإباحة، ولهذا من أباح شيئًا لا يحتاج إلى أن يقال: ما دليلك؛ لأنه هو الأصل.
أحيل برديءٍ على جيد.
طالب: (... ).
الشيخ: والأصل في المعاملات الحِلُّ والصحة إلا ما قام عليه الدليل.
أركان الحوالة؟
طالب: خمسة يا شيخ.
الشيخ: خمسة، ما هي؟
الطالب: المحيل والمحال.
الشيخ: المحيل، والمحال؛ يعني: المحتال.
الطالب: والمحال عليه، والمحال به، و...
الشيخ: والخامس؟
طالب: الصيغة.
الشيخ: الصيغة، من الذي يشترط للرهن من هؤلاء؟
طالب: الذي يُشترط للرهن: المحيل.
الشيخ: المحيل، والثاني؟
الطالب: على القول الراجح المحال عليه.
الشيخ: لا، ما رجحنا هذا.
الطالب: لا يا شيخ، المحيل والمحال عليه.
طالب آخر: المحتال، وفيه تفصيل.
الشيخ: لا، أعطني الذي يشترط رضاه.
الطالب: على المذهب أنه المحيل فقط.
الشيخ: المحيل فقط، لا.
طالب: اشترط رضا المحيل والمحتال على مليٍّ.
الشيخ: المحتال على مليٍّ؟
الطالب: (... ).
الشيخ: نحن نقول: اللي يشترط رضاه مَنْ؟
طالب: المحيل، والمحتال على غير ملي.
الشيخ: أحسنت، المحيل والمحتال على غير ملي.
وهل يشترط رضا المحال عليه؟
طالب: لا يشترط.
طالب آخر: المحال عليه لا يعتبر رضاه.
الشيخ: المحال عليه لا يعتبر رضاه.
لو فرضنا أن المحيل أحال شخصًا عدوًّا للمحال عليه، بمعنى أن هذا المحتال سوف يُتعب المحال عليه.
طالب: هنا يعتبر رضاه؛ لأنه يترتب عليه عدم أخذ حقه.
الشيخ: لا، بيأخذ حقه بالدبوس بعد.
طالب: لا يُعتَبَر رضاه في كل حال، سواء كان عدوًّا أو غير عدو.
الشيخ: يعني مثلًا لو جاء صاحب الدين المحال عليه، وقال للمحيل: لماذا تحيل عليَّ هذا الرجل وهو عدو لي، سوف يقلقني ويبقى على عتبة بابي حتى أوفيه.
طالب: لا يعتبر رضاه.
الشيخ: لا يعتبر؟ ما تقولون؟
طلبة: صحيح.
الشيخ: صحيح؛ لأنه يقول له: أوفه و (... ) من شره.
الظاهر انتهت المناقشة، ونبدأ الآن بالدرس الجديد.
يقول: (وإن كان مفلسًا ولم يكن رضي رجع به).
(إن كان) يعني: المحال عليه (مفلسًا ولم يكن) أي: المحتال (رضي) أي: بالحوالة عليه (رجع به) رجع بأيش؟ أي: بما أحيل به.
مثال ذلك: أحلت فلانًا على زيدٍ، ثم تبين أنه مفلس، فإنه يرجع بذلك؛ لأن صاحبه كان مفلسًا، لكن إن رضي فإنه لا يرجع؛ إن رضي المحتال وتبين أن المحال عليه مفلس، فإنه لا يرجع.
وهذه المسألة لها ثلاث حالات:
الحال الأول: ألا يكون رَضِيَ؛ ألا يكون المحتال رَضِيَ، بأن قال المحيل للمحتال: أحلتك على فلان، وهو مفلس ليس عنده دراهم، فقال: لا أقبل، فهنا يرجع قولًا واحدًا، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه يشترط للمحتال على غير مليٍّ أن يكون راضيًا، وهنا لم يرضَ، فيرجع بلا خلاف.
الثانية: أن يَعلم أنه مُفلس ويرضى بذلك، فهنا أيش؟ لا يرجع بلا خلاف؛ لأنه رضي به فلا يرجع.
الحالة الثالثة: أن يرضى وهو لا يعلم بحاله، ثم يتبين أنه مفلس، فعلى كلام المؤلف لا يرجع؛ لأنه قيد ذلك بما إذا لم يكن رَضِيَ، وهذا الرجل رَضِيَ، فإن قال المحتال: أنا رضيت، أحسب أن فلانًا غني، فلما تبين أنه مفلس أنا أريد أرجع إلى الذي أحالني، وآخذ حقي منه؟ قلنا: لا رجوع لك؛ لأنك فَرَّطْتَ، لماذا لم تشترط حين أحالك -وأنت لا تدري عن صاحبك المحال عليه- لماذا لا تشترط الملاءة؟ ما دام لم تشترطها أنت الذي فرطت، فلا رجوع لك.
فالأحوال إذن كم؟ الأحوال ثلاثة: حالان لا خلاف فيهما، وحال فيها تفصيل:
إذا كان يعلم أنه مفلس ورضي، فلا رجوع، قولًا واحدًا.
إذا كان لم يرض، والمحال عليه مفلس، فيرجع بكل حال.
إذا كان رَضِيَ ولم يعلم عن حال المحال عليه، ثم تبين أنه مفلس، فيقول المؤلف: إنه لا يرجع، لماذا؟ لأنه مفرِّط، لماذا لم يشترط أن يكون المحال عليه مليًّا حين كان يجهل حاله؟ !
وقيل: إنه يرجع في هذه الحال؛ لأن كثيرًا من الناس قد يستحيي أن يستفصل أو يشترط عند الحوالة، ويُحسن الظن بالمحيل والمحال عليه ويسكت، فإذا تبين أنه مفلس فإنه يرجع، ولا سيما إذا غلب على ظننا أن المحيل قد غرَّه، وهو يعلم أنه مفلس ولم يخبره، فهنا يتوجه القول بالرجوع.
كذلك أيضًا: لو كانت حال المحال عليه جيدة، وكان غنيًّا بالأمس، وقَبِلَ المحتال الحوالة دون اشتراط الملاءة، بناءً على حال المحال عليه، وأنه غني، ثم تبين أن المحال عليه قد أصيب بجائحة، وأنه لا يمكن الاستيفاء منه، فحينئذٍ يتوجه القول بأنه يرجع؛ لأن المحتال إنما قبِل بناءً على ما كان من حال المحال عليه.
فتبين الآن أن ما ذهب إليه المؤلف الراجح أن فيه تفصيلًا، وهو أننا إذا علمنا أن المحيل قد غَرّ المحتال بحيث يكون عالمًا بإفلاس المحال عليه ولكن لم يخبره، أو كان المحتال قد بنى على حال المحال عليه من قبل، حيث كان غنيًّا ثم اجتيح ماله؛ فإن له أن يرجع، وإلا فإن ما ذهب إليه المؤلف وجيه؛ لأن المحتَال مفرِّط؛ إذ كان يلزمه أن يسأل ويبحث عن المحال عليه، أو على الأقل يشترط عند التحويل أن يكون مليًّا.
ثم قال: (ومن أحيل بثمن مبيع، أو أحيل به عليه فبان البيع باطلًا فلا حوالة، وإذا فُسِخ البيع لم تَبْطل، ولهما أن يحيلا).
(من أحيل بثمن مبيع) المسألة الآن عندنا بائع ومشترٍ ومحال عليه؛ ثلاثة، فمَنِ الذي يُحال بثمن المبيع؟
طالب: (... ).
الشيخ: البائع؛ يعني أن المشتري أحال البائع على مدين له، فَقَبِل الحوالة، ولكن تبين أن البيع باطل، فالحوالة باطلة؛ وذلك لأن المبني على باطل يكون باطلًا.
مثال ذلك: عبد الرحمن اشترى من الطاهر، اشترى كتابًا بعشرة ريالات، فأحال الطاهرَ على سامي؛ لأنه كان مدينًا له، فتبين بطلان البيع؛ لكون الكتاب وقفًا، والوقف لا يُباع، فهنا تبطل الحوالة ولّا لا؟ تبطل الحوالة، والبائع يرجع بالمبيع، والثمن لا ثمن، البائع من هو الآن؟ الطاهر، يرجع ويأخذ الكتاب، وتنتهي المسألة.
لكن إذا فُسِخ البيع فإنها لا تبطل، كيف فُسِخ؟ يعني مثلًا لما اشترى عبد الرحمن من الطاهر الكتاب وجد أن فيه عيبًا، فرده لِعَيبه، فهل هذا بطلان للعقد ولّا فسخ؟ فسخ للعقد، فالحوالة لا تبطل، وللطاهر أن يطالب سامي بالثمن؛ لأنه أُحيل عليه به، فله أن يطالبه، ولكنه إذا قبضه يرده إلى مَنْ؟ إلى المشتري؛ لأن المشتري فسخ العقد، واضح؟
إذن إذا كانت الحوالة مبنية على باطل فهي باطلة، وإن كانت مبنية على صحيح لكن فُسخ هذا الصحيح، فالحوالة صحيحة ولا تبطل.
فإن طالب الطاهر -الذي هو البائع- طالب المحال عليه، -وهو سامي- بالثمن، وقال: ما دام البيع قد انفسخ فلا حق لك أيضًا، أنا أعطي ديني الذي عليَّ لصاحبي، فهل يملك ذلك؟ لا يملك هذا؛ لأن المفروض أن الذي يسلم الثمن بعد الفسخ هو البائع، فالبائع يقول: إنه لما فُسخ البيع فإن المشتري سوف يطالبني، فأعطني الدراهم التي أحلت بها عليك وأنا أسلمها للمشتري.
لكن يقول: (أو أحيل به عليه) الآن الطاهر أحال بثمن المبيع، (أو أحيل به عليه) يعني أن البائع -عكس المسألة الأولى- البائع -وهو الطاهر- أحال شخصًا يطلبه؛ يطلب البائع على المشتري؛ يعني عكس الصورة الأولى، واضحة؟
طالب: غير واضحة.
الشيخ: الآن اشترى منك عبد الرحمن كتابًا بعشرة ريالات، الصورة الأولى الذي أحيل بثمن المبيع كيف هي عندك؟
الطالب: (... ) أحالني على سامي الذي (... ).
الشيخ: أحالك على سامي الذي يطلبه هو عشرة ريالات، أفهمت الأولى؟ الثاني بالعكس: أحيل به عليه، أنت الآن مطلوب؛ يطلبك سامي عشرة ريالات، وبِعت الكتاب على عبد الرحمن، فأحلت سامي على عبد الرحمن، مفهومة هذه؟ يعني عكس الأولى.
طالب: ما وضحت.
الشيخ: باع عليك جابر كتابًا بعشرة ريالات، ثبت في ذمتك له عشرة ريالات.
عمران يطلب جابرًا عشرة ريالات، فقال جابر لعمران: أحولك على عبيد الله، جابر الذي باع الكتاب على عبيد الله قال لعمران وهو يطلبه قال: أحيلك على عبيد الله؛ هذا أحيل بالثمن عليه.
فالمسألة صورتان، تارة يحيل المشتري البائعَ على مدين له، وتارة يحيل البائعُ مدينَه على المشتري، الصورة واضحة للجميع ولّا لا؟ ولا كل صف نعطيه مثالًا، واضحة؟
يقول المؤلف: إن الحوالة لم تبطل (ولهما أن يحيلا)، لمَن؟ للمشتري في الأولى، والبائع في الثانية.
مثلًا، الآن في المثال الأول: عبد الرحمن اشترى من الطاهر كتابًا بعشرة ريالات، وأحال الطاهرَ على سامي بالعشرة، كذا ولّا لا؟ الآن العشرة اللي في ذمة سامي ثبتت لمَنْ؟ للطاهر، للطاهر لما فُسخ البيع أن يحيل مَنْ؟ أن يحيل المشتري عبد الرحمن؛ أن يحيله على سامي، أفهمتم هذا ولّا لا؟
نعيد من الأول، المثال الأول: اشترى عبد الرحمن من الطاهر كتابًا بعشرة ريالات، ثبتت في ذمة عبد الرحمن للطاهر عشرة ريالات، وكان سامي مدينًا لعبد الرحمن بعشرة ريالات، فأحال عبد الرحمن الطاهر على سامي بعشرة ريالات، واضح الآن؟ فُسخ البيع، مَنِ الذي يستحق أن يقبض العشرة من سامي، هل هو عبد الرحمن ولّا الطاهر؟
طالب: عبد الرحمن.
الشيخ: لا يا أخي الطاهر، الحوالة باقية، الذي يستحق أن يستلم العشرة من المحال عليه هو البائع، كذا ولّا لا؟
لما فُسخ البيع، عبد الرحمن الآن ما يملك يطالب سامي، لماذا؟ لأن الحق انتقل إلى البائع، لكن للبائع أن يحيل عبد الرحمن على سامي، يعني اعكس القضية، خط رجعي، ولهذا يقال: واحد جاي يستفتي أحد العلماء، يقول: إنه طاف بين الصفا والمروة ثمانية أشواط، والطواف سبعة، قال: لا شيء عليك، الشوط هذا يعتبر لاغيًا ولا شيء عليك، فكأنه ما قنع، كَبُر عليه، قال: إذن ارجع من المروة إلى الصفا على وَرَاك، علشان ينقص.
القضية الآن: للطاهر أن يحيل مَنْ؟ عبد الرحمن على سامي؛ لأن الآن لما فسخ البيع، ثبت في ذمة الطاهر لعبد الرحمن عشرة ريالات، فللطاهر أن يحيل المشتري على من أحاله عليه في هذه المسألة، واضحة هذه ولّا مو بواضحة؟ وهي الحقيقة؛ يعني لو لم يقلها المؤلف هي واضحة في الواقع، واضحة جدًّا؛ لأن الطاهر الآن صار مدينًا للمشتري فأحاله على مدينه، وسامي كان مدينًا بالأول للمشتري ثم صار مدينًا للبائع، فأحال البائع بدينه عليه، واضح؟
المسألة الثانية بالعكس، إذا صار بالعكس الآن: الذي أحال البائع أحال المشتري على مدينه، فهمتم؟
(أو أحيل به عليه) أحال مدينه على المشتري، البائع أحال مدينه على المشتري، أفهمتم الآن؟
لا نزال على هذا المثال ما فيه مانع، اشترى عبد الرحمن من الطاهر كتابًا بعشرة ريالات، ثبت في ذمة عبد الرحمن للطاهر عشرة ريالات، كان سامي يطلب الطاهر عشرة ريالات، فقال له الطاهر: أحلتك على عبد الرحمن الذي هو المشتري، فصارت الصورة الثانية أن البائع يحيل مدينه على المشتري، إذا فُسخ البيع فإن مدين الطاهر سوف يستلم من المشتري، مع أن البيع قد فسخ، يقول: لهما أن يحيلا، من الذي يحيل في هذه الصورة؟ يحيل..
طالب: (... ).
الشيخ: الآن من الذي ثبت عليه الحق بعد الفسخ؟ البائع، ففي هذه الصورة للبائع -وهو الطاهر- أن يحيل المشتري على مدينه؛ يعني يرده عليه مرة ثانية.
نعيدها للمرة الثانية: الآن الطاهر باع لعبد الرحمن كتابًا بعشرة، فهمنا الحين، ثم إن الطاهر لم يستلم العشرة، بل أحال دائنًا يطلبه على المشتري، صح ولّا لا؟
طلبة: صح.
الشيخ: لا، الدراهم لم تقبض حتى الآن، فسخ البيع قبل التقابض، في هذه الصورة الآن من الذي يستلم العشرة من المشتري؟ أهو البائع أو دائنه؟
طلبة: دائنه.
الشيخ: دائنه، كذا ولّا لا؟ هو الدائن.
لما فسخ العقد فإن المشتري الذي أُخذ منه الكتاب وأحيل عليه الدائن له أن يحيل على البائع، من أجل فسخ البيع، فهي عكس المسألة الأولى بالضبط، ونجعل فيها إن شاء الله تعالى امتحانًا إلى الدرس القادم.
وبهذا انتهت الحوالة.
طالب: بارك الله فيكم، الصورة الأخيرة (... ) ما دام أن البيع فسخ؛ لأنه لم يثبت في حق المشتري شيء، فلماذا..
الشيخ: ألسنا قلنا: إذا صحت الحوالة نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه؟
الطالب: بلى.
الشيخ: طيب.
الطالب: ولكن لما فسخ، ما ترتبت عليه فسخ..
الشيخ: لا ما يثبت.
طالب: كيف يا شيخ يثبت في ذمته شيء وقد برئت ذمة الآخر؟
الشيخ: سهلة، هذا يُحَوّل، تأتي الحوالة.
الطالب: يا شيخ لن يعطيه شيئًا بكل حال.
الشيخ: يعني لو فرضنا أن المحال عليه امتنع فأمامه الشكوى.
الطالب: (... ).
الشيخ: أقول: لو فرضنا أن المحال عليه امتنع فأمام المحتال الشكوى.
الطالب: يشتكي من؟
الشيخ: يشتكي المحال عليه، (... ) يحول عليه وأَبَى.
الطالب: الصورة الآن المحال عليه الآن لم يثبت في ذمته شيء، فلن يوجد أحد في الدنيا يقبل هذا.
الشيخ: لا، سبحان الله، ثابت في ذمته؛ لأنه لما حوله عليه صار الحق اللي كان على المحيل انتقل إلى ذمة المحال عليه، صار ثابتًا، ولا بد من دينٍ ثابت أولًا، على كل حال صَوِّرْها إن شاء الله أنت وتأتي بها في الدرس القادم.
طالب: الفرق بين الآثار المترتبة على فسخ البيع وعلى بطلان البيع؟
الشيخ: الفسخ هو ما أشار إليه الأخ، يعني لو حصل إفلاس أو نحوه سيلاحق المحيل.
طالب: (... ).
الشيخ: إي نعم، الحوالة هو أنه إذا بطل العقد لم يترتب عليه أي شيء، وإذا فُسخ فإن ما بين العقد إلى الفسخ تترتب عليه الآثار، مثلًا لو نما أو حمل إذا كان دابة أو ما أشبه ذلك.
طالب: هل يقع الربا في الحوالة؟
الشيخ: يقع، إلا في الإبراء، على القول الراجح كما سبق، يعني لو أحال ثمانية على عشرة، أحال بثمانية على عشرة ما يجوز.
الطالب: ولو أحال بمئة صاع من البُرِّ على ثمانين صاع (... ).
الشيخ: لا بأس به؛ لأن هذا إبراء، على القول الراجح لا بأس به.
طالب: وعلى (... ) الدراهم.
الشيخ: ويش لون؟
الطالب: الدراهم.
الشيخ: كيف يعني؟
الطالب: يعني أحال ثمانين على مئة.
الشيخ: لا، ما هو إبراء؛ لأن المحتال الآن أخذ أكثر من حقه.
طالب: وإذا أحال (... ) على ثمانين.
الشيخ: لا بأس، على القول الراجح لا بأس به.
طالب: كيف يحال على ثمن المبيع (... ) إذا احتمل الفسخ (... )؟
الشيخ: لا يا أخي، هذا فُسخ من جديد، إما عيب، أو تَقَايَلَا، أو ما أشبه ذلك.
طالب: شيخ أحسن الله إليك، إذا اختلفا فقال أحدهما: أحلتك، وقال الآخر: وكلتني، فالقول قول مَن؟
الشيخ: الأصل عدم الحوالة؛ لأن الحوالة تنقل الحق، والوكالة ما فيها إلا التصرف.
طالب: أحسن الله إليكم، إذا أحال المحيل على المحال عليه والمحال عليه غائب، هل يجوز هذا؟
الشيخ: الجواز يجوز، لكن هل يُلزم المحتال أن يتحوَّل؟ ما يُلزَم؛ لأن الغائب كالمفلس أو أشد.
طالب: أحسن الله إليك، هل يعتبر سبق الحوالة على الفسخ أو لا يعتبر؟
الشيخ: هي سابقة على الفسخ؛ لأنه بعد الفسخ ما يمكن يكون حوالة، بعد الفسخ انتهى، برئ كُلٌّ منهما من الآخر.
الطالب: بأن فسخ العقد يا شيخ ثم أحاله.
الشيخ: كيف؟
الطالب: انفسخ العقد والمحتال لم يدرِ أن العقد انفسخ، ومع ذلك أحاله.
الشيخ: المهم إذا كانت الإحالة بعد الفسخ فلا حوالة أصلًا؛ يعني ما فيه دين.
طالب: يا شيخ، الحوالة مرة أخرى أو إعادة المحيل مرة أخرى (... ) بدين ثابت.
الشيخ: إي نعم، بدين ثابت؛ لأنه إذا فُسخ العقد استقر الدين على البائع الذي قبض الثمن.
طالب: الراجح إذا أحال بغير جنس الدين، إذا أحال ببُرٍّ على شعيرٍ أو عكسه؟
الشيخ: ما يجوز.
الطالب: لماذا؟
الشيخ: لأنه صار معاوضة، والمعاوضة إذا بعتَ شعيرًا ببُرٍّ فلا بد من التقابض قبل التفرق، وهنا لا قبض، ولهذا جاء في حديث ابن عمر: كنا نأخذ الدراهم بالدنانير والدنانير بالدراهم، قال: لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء (2).
طالب: إذا كان لرجل على رجلٍ حق فأحاله على (... ) حرام.
الشيخ: هذا توكيلٌ في الاقتراض، وهذه تقع كثيرًا، يقول: روح لفلان خذ منه مئة ريال اشتر بها كذا وكذا، والمحال عليه ما عنده شيء للمحيل، نقول: هذا توكيلٌ في الاقتراض، يعني كأنه وكله يقترض له.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
باب الصلح
بَابُ الصُّلح
إذا أقرَّ له بدَينٍ أو عَيْنٍ فأسقطَ أو وهبَ البعضَ وتركَ الباقي صحَّ إن لم يكن شَرَطاه، وممن لا يصحُّ تبرُّعُه، وإن وضَعَ بعضَ الحالِّ وأجَّلَ باقِيَه صحَّ الإسقاطُ فقط، وإن صالحَ عن المؤجَّلِ ببعضِه حالًّا أو بالعكس، أو أُقِرَّ له ببيتٍ فصالحَه على سُكْناه، أو يبني له فوقَه غُرفةً، أو صالحَ مُكلَّفًا لِيُقرَّ له بالعبوديةِ، أو امرأةً لتُقِرَّ له بالزوجيةِ بعوضٍ لم يصحَّ، وإن بذلاهما له صُلْحًا عن دَعْواه صحَّ، وإن قال: أَقِرَّ بِدَيْني وأُعطيكَ منه كذا، فَفَعَلَ، صحَّ الإقرارُ لا الصُّلحُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (باب الصلح).
الصلح مصدر صَالَحَ يصالح صُلْحًا، ويُشتق منه أيضًا: أصلح يُصْلِح إصلاحًا، والصلح عقدٌ يحصل به قطع النزاع بين المتخاصِمين؛ هذا هو الأصل، وله أنواعٌ كثيرة، ويتعلق بجميع الحقوق المالية وغيرها، كلها يمكن أن يقع فيها الصلح، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء: 128]، وهذا فيما بين الزوجين من حقوق، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صالح المشركين في غزوة الحديبية، وهذا فيما يقع بين المسلمين والمشركين من العهود.
المهم أن الصلح جارٍ في كل شيء، بين كل متعاقدين، وهو كما جاء في الحديث المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ» يعني: في كل شيء، و «جَائِزٌ» بمعنى: نافذ، «إِلَّا صُلْحًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (3)؛ يعني: فإنه لا ينفذ.
وهو أنواع، منها: الصلح على إقرار، وقد بيَّنه المؤلف رحمه الله بقوله: (إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صَحَّ).
(إِذَا أقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ) بأن قال: في ذمتي لك ألف ريال، (أو عين) بأن قال: هذا المسجِّل لك، (فأسقط) يعود على الدين، (أو وهب) يعود على العين، ففيه لفٌّ ونشر مرتَّب؛ لأنه أعاد الأول على الأول والثاني على الثاني، وهناك لفٌّ ونشر غير مرتب، بأن يُذكَر ما بعده، فيبدأ بما يعود على الثاني، ثم بما يعود على الأول، قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 105، 106]، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: 108]، هذا يسمى لفًّا ونشرًا مرتَّبًا.
ومن ذلك أيضًا: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106]، هذا لفٌّ ونشر غير مرتب.
وهذه كلها من أساليب البلاغة، ولا بد لكل ما خالف الأصل من فائدة، وإلا فالأصل أن يكون اللف والنشر مرتَّبَيْن.
(إِذَا أقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أوْ عَيْنٍ فَأسْقَطَ) يعود على أيش؟ على الدين، (أو وهب) على العين، (البَعْضَ وَتَرَكَ البَاقِيَ صَحَّ) بأن قال حينما أقر له بمئة ريال قال: أسقطتُ عنك خمسين ريالًا، يصح؛ لأن هذا إبراء محض، وإحسان، ومطلوب، وكذلك لو أقر له بعين فقال: وهبتُك نصفها أو ربعها أو ما أشبه ذلك فإنه جائز، لكن بشروط.
قال المؤلف: (إن لم يكن شرطاه) هذا شرط؛ يعني: بشرط ألا يكون الْمُقِر أقر للشخص بهذا الشرط؛ يعني: بأن منعه حقه إلا بالشرط، إلا بأن يُسقِط أو يهب، فإن كان كذلك فإنه لا يصِحُّ، ولكن هل هو لا يصح للمُسقِط أو لا يصح للمسقَط عنه؟ أيهما الظالم؟
الظالم هو المسقَط عنه، يعني مثلا إذا..، بل الظالم المسقِط، إذا قال: أنا أقِر لك بهذا الدين بشرط أن تُسقِط كذا وكذا، فالظالم المسقَط عنه، إذا كان الدَّين حقيقة ثابتًا، فيشترط ألا يكون شرطاه، فإن شرطاه فإنه لا يصح، لكن في حق مَنْ؟ في حق المعتدي منهما، لا يصح؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر.
قال: (وممن لا يصح تبرعه) يعني: ويشترط أيضًا أن لا يكون ممن لا يصح تبرعه، (تبرعه) يعني بذله المال مجانًا، وهناك فرق بين من يصح تبرعه ومن يصح تصرفه، الذي يصح تصرفه أوسع من الذي يصح تبرعه، فمثلًا ولِي اليتيم يصح تصرفه ولا يصح تبرعه.
إذن يشترط ألا يكون الإسقاط أو الهبة ممن لا يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط.
عندهم يقولون أيضًا للشرط: ألا يقع بلفظ الصلح، فإن وقع بلفظ الصلح فإنه لا يصح، هكذا قالوا، قالوا: لأنه لا يصح أن يُصالِح بشيءٍ من ماله على ماله؛ يعني: بأن يقول: أقررت لك مئة درهم فصالحني على بعضها، فيقول: صالحتك.
هذا لا يصح، هكذا قالوا رحمهم الله.
ولكن ينبغي أن يقال: إذا فُهم من هذه المصالحة أنها إسقاط في دين أو هبة في عين، فينبغي قَبول ذلك؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، فإذا علمنا أن مرادهما بالمصالحة الهبة في العين والإسقاط في الدين، فلا مانع، صحيح أن المصالحة لا تكون إلا بعد نزاع، ولا تكون إلا لفض النزاع، وهنا لا نزاع في المسألة؛ لأنه إقرار وهبة، لكن يقال: ما دمنا عرفنا أن المقصود بالمصالحة هنا، الإسقاط في الدين والهبة في العين، فإن الألفاظ قوالب في الواقع، والعبرة بالمعاني.
إذن هذا يسمى الصلح على إقرار، شرطه ألا يكون مشروطًا، والثاني: أن يكون ممن يصح تبرعه، ومن باب أوْلى ألا يمنعه حقه بدونه، فإن منعه حقه بدونه، قال: لا أقر لك إلا أن تُسقط، فإنه لا يصح، وهذا هو بمعنى قولنا: ألا يكون شرطًا.
ثم قال: (وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الحَالِّ وَأجَّلَ بَاقِيَهُ صَحَّ الإسْقَاطُ فَقَطْ) إن وضع بعض الحال وأجَّل باقيه صح الإسقاط دون التأجيل، مثال ذلك: إنسان عنده لشخص مئة درهم قد أقر بها، ولا إشكال عنده فيها، فقال له: ليس عندي شيء الآن، أريد أن تسقط عني خمسين درهمًا وتؤجل الباقي، أفهمتم؟ رجل في ذمته لشخص مئة درهم، فقال: أرجو منك أن تؤجل عليَّ خمسين درهمًا وتسقط عني خمسين درهمًا، قال: لا بأس أفعل، ففعل، يقول المؤلف: يصح الإسقاط ولا يصح التأجيل، يصح الإسقاط؛ لأنه أسقط عنه، قال: وضعت عنك خمسين درهمًا، وفي ذمتك خمسون درهمًا، لكن التأجيل لا يصح، لماذا؟ لأن عندهم قاعدة -الفقهاء رحمهم الله- وهي أن الحال لا يمكن أن يتأجل، ولا يقبل التأجيل، ولهذا مر علينا في القرض أنه إذا استقرض شيئًا وأجَّل وفاءه، فإنه لا يصح التأجيل ولا يلزم.
ولكن الصحيح في هذه المسألة وفي مسألة القرض أنه يصح، فإذا قال: وضعت عنك خمسين درهمًا وأجَّلتُ الخمسين، فإنه يجب أن يفي بوعده؛ لأن إخلافَ الوعدِ، ولا سيما في مثل هذه الأمور المالية التي قد يترتب عليها ضمان أو نقص محرمٌ؛ أعني: إخلاف الوعد؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال محذرًا منه: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ» ومنها: «إِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ» (4)، والصواب أنه يصح الوضع ويصح التأجيل، فماذا يلزمه على هذا؟ يلزمه خمسون مؤجلة.
(وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا أو بالعكس أو أقرَّ له) إلى آخره.
إن صالح عن المؤجل ببعضه حالًّا فإنه لا يَصِحُّ، مثاله: رجل في ذمته لآخر مئة درهم مؤجلة إلى سنة، وفي أثناء السنة جاء الدائن للمدين، وقال: أعطني خمسين منها وأبرئك من الباقي.
يقول المؤلف: لا يصح؛ لأن هذا يشبه الربا، حيث أخذ عن المئة كم؟ خمسين، وإن وقع بلفظ الصلح، فالصلح لا يصح؛ لأنه لا يمكن أن يصالح ببعض ماله عن بعضه، هكذا قال المؤلف رحمه الله تعالى، والصواب أنه جائز، وأن الإنسان إذا أخذ البعض في المؤجل وأسقط الباقي فإن ذلك صحيح؛ لأنه وردت به السُّنَّة في غرماء عبد الله بن حرام أبي جابر رضي الله عنه؛ حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» (5)؛ ولأن فيه مصلحة للطرفين، أما الطالب فمصلحته التعجيل، وأما المطلوب فمصلحته الإسقاط.
ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بمنع عقد فيه مصلحةٌ للطرفين، وليس فيه غرر ولا جهالة، لكن لو أجبَر أحدهما الآخر على هذا الفعل فإنه لا يصح، يعني لو قال الدائن المطلوب للطالب: هذه نصف حقك أُعجِّله لك وأَسقِطْ عني الباقي.
قال: لا، أنا أريد حقي كاملًا متى حلَّ.
فإنه لا يُجْبر.
فإن أعطاه حقه كاملًا عن المؤجَّل فهل يجبره أو لا؟ في هذا خلاف، فالمذهب: لا يُجْبر، والصواب: أنه يجبره ما لم يكن عليه ضرر، مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مئة درهم تحل بعد سنة، قبل تمام السنة جاء المطلوب إلى الطالب بمئة الدرهم، وقال: خذ، قال: لا، حتى تَحِل، فهل يُجبر الطالب؟
في هذا خلاف، كما سمعتم، فالمشهور من المذهب أنه لا يجبر؛ لأنه حقٌّ مؤجل لا يلزم قبل أجله، والصحيح أنه يجبر، إلا إذا كان في ذلك ضرر عليه، ووجه ذلك أنه إذا عُجل له دينه فهو مصلحة بلا مضرة، وفيه مصلحة للمطلوب؛ لأن المطلوب يقول: الآن توفر عندي المال، المال عندي متوفر، وأخشى إذا جاء أجل الدين ألا يكون عندي مال، فيكون في هذا ضرر عليَّ.
فالصواب أنه إذا عَجل المؤجَّل فإنه يلزمه -أي: يلزم الطالب- القبول، ويُجْبَر عليه؛ لأنه زاده خيرًا، إلا إذا كان فيه ضرر، بأن قال الطالب: نحن الآن في وقت خوف، وأخشى أن آخذ المال منك يُسرق، أو أني على سفر، وليس عندي ما أودِعه به، وما أشبه ذلك، فإنه لا يُلزم بالقبول.
(أو بالعكس) ما هو العكس؟ إذا صالح عن الحال بزائد عليه مؤجَّل، فإنه لا يصح، مثال ذلك: رجل في ذمته لشخص مئة درهم حالَّة، فقال المطلوب: أصالِحك على أن تؤجِّل الحق وتكون بمئة وعشرة، فهذا لا يجوز، ووجه ذلك أنه ربا، وهذا هو الربا الذي كانوا يتعاطونه في الجاهلية، والذي قال الله فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130].
فإن صالح عن بعضه مؤجَّلًا؟
طالب: (... ).
الشيخ: مؤجَّلًا، فهي المسألة الأولى، ولهذا اضطررنا إلى أن نقول: (العكس) أن يصالح عن الحال بأكثر منه مؤجلًا؛ لا ببعضه مؤجلًا، بل بأكثر منه مؤجلًا، فإنه لا يصح، والعلة واضحة.
قال: (أَوْ أَقَرَّ لَهُ بِبَيْتٍ فَصَالَحَهُ عَلَى سُكْناهُ)، (أَقَرَّ لَهُ) أي: لشخص (ببيت) وصالحه على أن يسكنه، فهذا صلح على إقرار ولّا على الإنكار؟
على إقرار، قال: هذا البيت لك، ولكن صالحني على أن أسكنه لمدة سنة، فإنه لا يصح، كذا؟ نعم لا يصح؛ لأنه صالح عن بعض ماله ببعضه، ولكن يمكن أن نقول في مثل هذا: إذا أقر له بالبيت فللمُقَرِّ له أن يمنحه إياه لسكناه سنة مثلًا أو أقل أو أكثر، أما أن يُجعل ذلك صلحًا فلا يصح.
(أو على أن يبني له فوقه غرفة)، كيف؟
طالب: (... ).
الشيخ: على أيش؟
طالب: إذا (... ).
الشيخ: لا.
طالب: (... ).
الشيخ: تمام، هذا لا يصح أيضًا، لماذا؟ لما ذكرنا قبل قليل أنه صالح عن ماله ببعض ماله، والغالب أن مثل هذا لا يتأتى إلا إذا امتنع المُقِر من الإقرار إلا أن يبني له، أما أن يُقر ويقول: البيت بيتك، ثم يقول: صالحني على أن أبنيه، هذا ما يستقيم في الغالب إلا إذا منعه، وسبق لنا أن الصلح على إقرار إذا كان بشرط أو منع حقه بدونه فإنه لا يصح.
(أو صالح مُكلفًا ليقر له بالعبودية)، وهذا يقع، حيلة في الغالب، قال: تعال يا فلان، أريد أن أدعي أنك عبدي، وأَقِر عند القاضي، ففعل، ذهب إلى القاضي وقال: هذا عبدي وأريد أن توثِّق ملكي به، فقال: طيب، كتب وثيقة بأن فلانًا بن فلان عبدٌ لفلان، يصح ولّا لا؟ أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: أجيبوا يا جماعة؟
طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأن الحر لا يمكن أن يكون عبدًا، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتِهِ أَجْرَهُ» (6)، هذا لا يصح، فإن قال قائل: وهل يمكن هذا؟
قلنا: يمكن، يتفق اثنان على أن يُقر أحدهما للآخر بالعبودية، ثم إن المقَرَّ له يبيعه، ويأخذ الثمن ويقول للذي أقر بالعبودية، يقول: الثمن بيني وبينك، ثم يوصيه، ويقول: إذا بعتك على فلان وأخذت الثمن فعليك بالإباق، يمكن هذا، أليس كذلك؟
إذن نقول: هذه المصالحة لا تصح، حرام، وهي من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إن الله خصم هؤلاء؛ أخبر عن الله أنه قال: إنه خصمهم، وهذا وعيد.
(أو امرأة لتقر له بالزوجية) هذا لا يصحّ؛ يعني مثلًا: الدولة فرضت للإنسان الأعزب شيئًا من بيت المال وللمتزوج ضعفه، فطلب إنسان من امرأة أن تقِر بأنها زوجته؛ ليش؟ ليُعْطى مكافأة متزوج، وفَعَلَتْ، فهذا لا يجوز، حرام؛ لأنه يترتب على هذا أمورٌ كثيرة، لو أنه مات لورثته، ولو ماتت لورثها، ثم لو أتت بولد زنا لأُلحق بمن؟ بهذا الرجل الذي أقرَّت له بالزوجية، ويترتب عليه مسائل كثيرة، فلا يحل أن يصالح امرأة لتقر له بالزوجية.
طالب: (... )؟
الشيخ: بعوضٍ لم يصح.
قوله: (أو صالح مكلفًا)، لماذا قال: (مكلفًا)؟
لأن غير المكلف لا يصح إقراره أصلًا، فإذا كان لا يصح إقراره فإنها لا تصلح المصالحة معه.
يصالح امرأة لتقر له بعوض، لو صالحها بغير عوض فالحكم كذلك؟ نعم، الحكم كذلك، لكن في الغالب أنه لا يكون إلا بعوض، إما عين وإما منفعة أو غير ذلك.
يقول: (وَإِنْ بذَلاهُمَا لَهُ صُلْحًا عَنْ دَعْوَاهُ صَحَّ).
(بذلاهما له) يعني بذلا المُدَّعى عليه العبودية والمُدَّعى عليها الزوجية، والضمير في (هما) للعوضين، و (له) الضمير يعود على من؟ على المدعي.
(صلحًا عن دعواه صح)؛ لأن المراد بذلك دفع الدعوى فقط، فإنه فيصح، مثال ذلك: رجل قال لآخر: أنت عبدي، وأَلَحَّ عليه، وقال: يلَّا، إلى المحكمة لأثبت أنك عبدي، فهمتم؟ هذا الرجل الذي ادعيت عليه العبودية لا يريد المشاكل، قال: تعال، أنت ويش تبغي؟ قال: إما أن نذهب إلى القاضي أو تعطيني ألف درهم، ففعل، قال: خذ ألف درهم ولا نروح للقاضي، يصح ولّا لا، ما يصح؟
طالب: يصح.
الشيخ: لا، لا يصح، الإقرار غير صحيح ظاهرًا، أما في الآخرة فالظالم منهما لا يصح الإقرار في حقه، ويصح في حق المظلوم.
وكذلك بالنسبة للزوجية، رجل أمسك امرأة وقال: تعالي أنت زوجتي، أنكرت، قالت: لست زوجة لك، فأصرَّ إلا أن تُقر أو المحكمة، فقالت: يا رجل ماذا تريد؟ أتريد مالًا؟ خذ؛ قال: نعم، أريد ألف درهم، قالت: هذه ألف درهم، صلحًا عن دعواه، فهنا يصح في حقها هي ظاهرًا وباطنًا، ويصح في حق المدعي ظاهرًا لا باطنًا، ولهذا يحاسب عند الله عزّ وجل على كذبه على هذه المرأة.
(وإن قال: أَقِرَّ بديني وأعطيك منه كذا، ففعل؛ صح الإقرار لا الصلح) هذا إنسان له غريم منكر (... ).
طالب: شيخ بارك الله فيكم، في بعض البلاد الأوربية تمنح الإقامة لمن أراد الإقامة فيها -الإقامة النظامية- إذا تزوج الرجل من امرأة منهم، فيعمد بعضهم إلى تزوج هكذا؛ يعني تقر المرأة منهم أنها زوجة هذا الرجل، صوريًّا فقط، فيمنح هذه الإقامة، وغالبًا ما يفعل هذا المضطرون إلى الإقامة في هذه البلاد، يعني كأن يكون مثلًا لا يستطيع الإقامة في بلده الأصلي، فهل هذا يكون..
الشيخ: هذا جائز، لكن بشرط أن يعقد عليها عقدًا صحيحًا.
الطالب: لا، العقد هذا غير صحيح، ولا يُراد منه النكاح.
الشيخ: لا، أقول: هو يعدل عن هذا المحرم؛ لأن هذا حرام لا شك، لكن يعدل عن هذا المحرم إلى أن يعقد عليها عقدًا صحيحًا، ويش المانع؟
الطالب: ولكن لا بد -وإن كان متزوجًا في بلده- لا بد أن يقر بأنه غير منزوج؛ لأنهم لا يسمحون هناك بتعدد الزوجات، يعني لا بد أن يكتب أو يقر أنه غير متزوج ببلده.
الشيخ: يكتب: لا زوجة معي.
الطالب: وهو كذلك، ليس معه زوجته.
الشيخ: إي، وهو كذلك، وينتهي الموضوع.
طالب: شيخ قول المؤلف: (إن لم يكن شرطاه)، وجه اشتراط المسقَط عنه واضح، لكن وجه اشتراط المسقِط، صورته؟
الشيخ: إي نعم، المسقِط؛ لأنه مضطر لهذا.
الطالب: هل يشترط (... )؟
الشيخ: إي نعم، لو ترافعوا إلى القاضي وثبت أصل الدين ما صح الصلح، حكم بنقضه، هذا هو الفائدة من أن نقول: صح، أما في الآخرة فالحساب على ما في نفس الآخر.
طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، إذا أقر لآخر بالعبودية فباعه ولم يستطع الإباق من المشتري، والمشتري اشتراه على أنه عبدٌ حقيقة، ثم بعد ذلك تبين -أو تبين للحاكم- أنه ليس عبدًا إنما كانت حيلة، فماذا يفعل المشتري؟ هل يقال: إن هذا الرجل يعاقب؛ لأنه رضي على نفسه بذلك فيبقى ضمانًا لمال..
الشيخ: لا، ما يمكن؛ هو لا يمكن أن يبقى عبدًا، لا بد أن يكون حرًّا لكن يؤدب هو، وهذا يَكِرُّ من المال الذي أخذه.
الطالب: أين هو؟ هو هرب.
الشيخ: من؟ البائع؟
الطالب: البائع هرب.
الشيخ: هذه من جملة الأشياء التي يقدرها الله على الإنسان بتلف ماله، وإن الله يسر واطلعت عليه، فهذا المطلوب وإلا راح.
طالب: ما المطلوب في أن يصالح البعض مال الفاضل؟
الشيخ: كما قلنا قبل قليل: إن المصالحة ما تأتي في الغالب إلا عن منازعة، وأن الإنسان كيف ينازعني في مالي؟ !
الطالب: (... ).
الشيخ: وعلى كلِّ حال إذا لم يمكن الوصل إلى حقه إلا بهذا فهو صحيح في حق الثاني، في حق من له الحق، لكن عندما ترفع للقاضي يحكم بالظاهر.
طالب: (... ).
الشيخ: (إن بذلا) أي: من ادُّعِيَ عليها الزوجية، ومن ادُّعِيَ عليه الرق، فالفاعل هو من ادُّعِيَ عليه الرق، ومن ادُّعِيَ عليها الزوجية، والهاء في قوله: (هما) للعوضين، العوض من المدَّعَى عليه العبودية، والعوض من المدَّعَى عليها الزوجية، (له) أي: للمدعي.
طالب: الصورة؟
الشيخ: ما صورناها يا جماعة؟
طالب: صورناها.
الشيخ: صورناها، ادعى عليك صالح أنك عبد له، فهمت؟ ولا عنده بينة وأنت أنكرت، وهو مُلِحٌّ أنك عبده، لما رأيت الأمر اشتد وأنه لا بد أن يرافعك إلى القاضي قلت: يا فلان هذه ألف ريال، ودعني من الدعوة، أخذ الألف وأسقط الدعوة، هذه هي، وكذلك بالنسبة للزوجية.
(... )
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في باب الصلح: (وإن قال: أقرَّ بديني وأُعطيك منه كذا، ففعل، صَحَّ الإقرار لا الصلح.
فصلٌ
وَمن ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِعَيْنٍ أَوْ دَيْنٍ فَسَكَتَ، أَوْ أَنْكَرَ وَهَوَ يَجْهَلُهُ ثُمَّ صَالَحَ بِمالٍ صَحَّ، وَهُوَ للْمُدَّعِي بَيْعٌ، يَرُدُّ مَعِيبَهُ وَيَفْسَخُ الصُّلْحَ وَيَأْخذُ مِنْهُ بِشُفْعَةٍ، وَللآخَرِ إِبْراءٌ فَلا رَدَّ وَلاَ شُفْعَةَ، وَإِنْ كَذَبَ أَحَدُهُمَا لَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّهِ بَاطِنًا وَمَا أَخَذَهُ حَرَامٌ، ولا يصح بعوضٍ عن حدِّ سرقةٍ وقذفٍ ولا حق شُفعةٍ وتركِ شهادةٍ، وتسقطُ الشفعةُ والحدُّ).
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الصلح بالمعنى العام؟
طالب: الصلح مصدر صالح يصالح صُلْحًا، وهو التوفيق بين شيئين.
الشيخ: إي، ما في أخص من هذا؟
طالب: هو عقد يُتَوَصَّل به إلى الصلح بين متخاصمين.
الشيخ: إي نعم، إلى التوفيق بين متخاصمين، هذا أخص.
الصلح في الأموال ينقسم إلى قسمين؟
طالب: ينقسم إلى: صلح على إقرار، وصلح على إنكار.
الشيخ: الإقرار تارة يكون؟ الصلح على إقرار تارة يكون؟
طالب: (... ).
الشيخ: إيش؟ زين، وتارة؟
طالب: (... ).
الشيخ: إيش؟ لا.
طالب: تارة يكون عن دين وتارة يكون عن عين.
الشيخ: تمام، إذا كان عن دين فماذا نسميه؟
طالب: يُسَمَّى إقرارًا يا شيخ.
الشيخ: لا، هو إقرار؛ أقر بدينه، ثم صالح عن بعضه.
طالب: يسمى إسقاطًا.
الشيخ: إسقاطًا أو إبراءً، هذا أو هذا.
مثاله؟
طالب: أن يكون لزيد على عمرو دين؛ ألف ريال مثلًا.
الشيخ: أن يقر زيد لعمرو..
الطالب: أن يقر زيد لعمرو بدين ألف ريال مثلًا، فيسقط عمرو عن زيد خمس مئة ريال.
الشيخ: زين، خمس مئة ريال، هذا صحيح؟
طلبة: نعم.
الشيخ: له شروط؟
طالب: الشرط الأول ألا يمنعه حقه بهذا الشرط.
الشيخ: بدونه، ألا يمنعه الحق بدونه؛ يعني: أن لا يقول: لا أعطيك حتى تُسْقط عني، فإن فعل؟
الطالب: لم يصح.
الشيخ: لم يصح، إذا قال صاحب الحق: أنا لا أتوصل، أنا كوني أتوصل إلى بعض مالي أهون من أن يفوتني كله، وصَالَحَ.
الطالب: هو هنا صالح عن بعض ماله ببعض ماله.
الشيخ: إي، لكن يقول: ويش أسوِّي، هذا الرجل أبى أن يقر إلا إذا أعطيته بعضه.
الطالب: يكون (... ).
الشيخ: هو راضٍ غصبًا عليه.
طالب: يصح في حقه يا شيخ.
الشيخ: حق من؟
الطالب: في حق صاحب الحق.
الشيخ: إي، صاحب الحق؟
الطالب: نعم، يصح.
الشيخ: يصح، وفي حق الآخر إذا كان مبتلى؟
الطالب: يصح ظاهرًا.
الشيخ: هو ظاهر، عند التحاكم يصح، لكن فيما بينه وبين الله ما يصح.
كيف صورة الإقرار بالعين والمصالحة عن بعضها؟
طالب: من يقر له أن عليه..؛ يعني أقر زيد لعمرو أن في ذمته سيارة.
الشيخ: خطأ، كيف يقول: في ذمته، والمطلوب عين؟
الطالب: أن عليه سيارة أخذها منه، فيقر له أن هذه السيارة له.
الشيخ: يقول: هذه السيارة لك، وأصالحك على بعضها، أو: هذه الأرض لك، وأصالحك على بعضها، كذا؟ ماذا نسمي هذا الصلح؟ هذا يُسمى هبة؛ يعني: يعطى حكم الهبة، كأنه وهبه بعض العين، ما شرطه؟
طالب: شرطه أن لا يَشْتَرط عليه.
الشيخ: ألا يشترط؛ يعني: أن لا يكون مشروطًا، بأن يقول: لا أقر بأن هذه لك إلا إذا أعطيتني بعضها.
فيه شرط آخر أهمله من تكلم؟
طالب: أن يكون ممن يصح تبرعه.
الشيخ: صحيح، أن يكون هذا الإسقاط في الدين أو الهبة في العين ممن يصح تبرعه.
لو وقع (... ) هذا من ولي يتيم، لو وقع من ولي يتيم؟
طالب: لا يَصِحُّ.
الشيخ: يعني مثلًا أقر شخص أن هذا الكتاب لليتيم، فصالحه على بعضه، الولي يجوز ولّا لا؟
الطالب: لا، ما يصح.
الشيخ: لا يصح، ويش يسوي الولي؟ يقول: إن لم أفعل راح الكتاب كله؟
الطالب: يصح من جانبه.
الشيخ: هو الآن هذا الولي لا يصح أن يتبرع بشيء من مال اليتيم.
طالب: حينئذٍ يصح، إن لم يزل ذلك الضرر إلا بإذنه.
الشيخ: يعني إن لم يحصل على حقه إلا به فهو جائز؟
وكيف نقول: أن يكون ممن يصح تبرعه؟
الطالب: هذا ما تبرع لمصلحة نفسه وإنما مصلحة المال، الذي هو مصلحة اليتيم، فجاز له التبرع.
طالب آخر: نقول: إن هذا ليس تبرعًا، وإنما التبرع في حال السعة والاختيار.
الشيخ: وهذا إيش هو؟
الطالب: وإنما هو اضطر اضطرارًا فيكون كاستنقاذ بعض ماله في حالة عدم القدرة على استنقاذ جميعه.
الشيخ: إي، يعني من باب الاستنقاذ، استنقذ ماله ببعضه، ونظير ذلك قصة الخضر، خرق السَّفينة لإبقائها، لاستبقائها، وقد نص على هذا شيخ الإسلام رحمه الله بأن ولي اليتيم إذا لم يتمكن إلى الوصول على حقه إلا بالإبراء من بعضه أو بهبة بعضه فإنه لا بأس، وهذا هو الحق، وهو الفقه.
صَالَحَ رجلًا ليقر له بالعبودية؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: كيف لا يصح؟ على طول، بدون تفصيل.
الطالب: أن يقر له بالعبودية..
الشيخ: وهو؟
الطالب: وهو حر.
الشيخ: هذه هي؛ ركِّز على هذه، فإن صالحه على الإقرار؛ لأنه عبده لكنه أنكر العبودية؟
الطالب: فلا يصح.
الشيخ: لكنه لا يكون من باب صلح الإقرار، ولكنه من باب صلح الإنكار، انتبهوا، يعني مثلًا إنسان أمسك شخصًا، وقال: أنت عبدي.
وهو عبده حقيقة، قال: لا، فقال: أقر لي بالعبودية وأعطيك ألف درهم.
(فصلٌ)
ومَن ادَّعَى عليه بعينٍ أو دَيْنٍ فسَكَتَ أو أَنْكَرَ وهو يَجْهَلُه ثم صالَحَ بمالٍ صَحَّ، وهو للمُدَّعِي بيعٌ يُرَدُّ مَعيبُه, ويُفْسَخُ الصلْحُ, ويُؤْخَذُ منه بشُفْعَةٍ، وللآخَرِ إبْراءٌ, فلا رَدَّ ولا شُفعةَ، وإن كَذَبَ أحدُهما لم يَصِحَّ في حَقِّه باطِنًا, وما أَخَذَه حرامٌ، ولا يَصِحُّ بعِوَضٍ عن سَرِقَةٍ وقَذْفٍ ولا حَقِّ شُفعةٍ وتَرْكِ شَهادةٍ، وتَسْقُطُ الشُّفعةُ والْحَدُّ.
وإن حَصَلَ غُصنُ شَجرتِه في هواءِ غيرِه أو قَرارِه أَزَالَه، فإن أَبَى لَواهُ إن أَمْكَنَ، وإلا فله قَطْعُه، ويَجوزُ في الدَّرْبِ النَّافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودِكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في مِلْكِ جارٍ ودَرْبٍ مُشتَرَكٍ بلا إِذْنِ الْمُسْتَحِقِّ، وليس له وَضْعُ خَشَبِه على حائطِ جارِه إلا عندَ الضرورةِ إذا لم يُمْكِنْه التسقيفُ إلا به
الشيخ:.. بالعبودية؟
طالب: لا يصح.
الشيخ: كيف لا يصح؟ ! على طول بدون تفصيل؟
الطالب: لا يصح أن يقر له بالعبودية.
الشيخ: وهو؟
الطالب: وهو حر.
الشيخ: هذه هي، رَكِّز على هذا، فإن صالحه على الإقرار لأنه عبده لكنه أنكر العبودية؟
الطالب: فيصح.
الشيخ: لكنه لا يكون من باب صلح الإقرار، ولكنه من باب صلح الإنكار، انتبهوا، يعني مثلًا: إنسان أمسك شخصًا وقال: أنت عبدي، قال: لا، -وهو عبده حقيقة- فقال: أَقِرّ لي بالعبودية وأعطيك ألف درهم، يصح هذا، لكنه ليس من باب الصلح على إقرار؛ لأن هذا الرجل مُنْكِر أنه العبد، انتبهوا لهذا.
أما لو أمسك حرًّا وقال: تعال، أَقِرَّ بأنك عبدي؛ لأبيعك والثمن بيننا أنصافًا، أو لأرهنك في دَيْن أستدينه من شخص، قال: ما فيه مانع، قال: أبغي أعطيك ألف ريال وأبغي أرهنك عند هذا الشخص، أبغي آخذ منه مئة ألف ريال، ولو قال: أعطِ الرهن، قلت: هذا العبد، ولو قال لك: أنت عبد فلان، قل: نعم، وأنت إذا قبضك فباب البلدة واسع، هل هذا جائز؟ لا.
طيب، إذا قال: أَقِرَّ بدَيْنِي وأعطيك منه كذا؟
طالب: (... ).
الشيخ: لا، شرحناه.
طالب: (... ).
الشيخ: طيب كل حال ما تبغي شرحًا، هذا واضح؛ رجل قال: أَقِرَّ بِدَيْنِي ولك نصفه، فأَقَرَّ، قال: أنا أطلبك عشرة آلاف ريال، أَقِرَّ بها ولك منها خمسة، قال: نعم، فأَقَرَّ بها عند القاضي بأن في ذمتي لفلان عشرة آلاف ريال، على أنه سيعطيه منها أيش؟ خمسة آلاف، يصح الإقرار ولا يصح الصلح؛ لأنه صالَح عن ماله ببعضه.
ولكن الصحيح أن في هذا تفصيلًا: إذا كان الْمَدِين أبى أن يُقِرّ إلا بهذا فالصلح باطل، والإقرار ثابت يطالَب به ظاهرًا، وأما إذا كان غير ممانع وهو مُقِرّ فإن إسقاط بعضه يكون من باب الوعد، والصحيح: أن الوفاء بالوعد واجب، وأنه لا يجوز للإنسان أن يخلف الوعد؛ لأن إخلاف الوعد من صفات المنافقين، ما لم يكن هناك ضرر.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (فصلٌ).
وهذا الفصل فيه الصلح على إنكار، وفيه أيضًا بيان حقوق الجيران بعضهم على بعض، وإنما جعل الفقهاء رحمهم الله حقوق الجيران بعضهم على بعض في هذا الباب؛ لكثرة المصالحة بين الجيران في حقوقهم.
يقول: (فصل، ومن ادُّعِيَ عليه بدَيْن أو عين فسكت أو أنكر وهو يجهله ثم صالَح بمال صحَّ).
إذا ادُّعِيَ عليه بدَيْن أو عين بأن قال شخص لآخر: أنا أطلبك مئة ألف ريال، (فسكت)، لم يُقِرَّ ولم ينكِر، ثم صالح بمال عِوَضًا عن مئة الألف فهو صحيح.
فإن أقر وصالح عنه بمال فهو من أيِّ الأبواب؟ من أيِّ الأقسام؟ من باب الصلح على الإقرار، وسبق.
(أو أنكر) أنكر المدَّعَى عليه، قال: ليس في ذمتي لك شيء، ثم صالح بمالٍ، فالمصالحة صحيحة.
وكذلك لو ادُّعِيَ عليه بعين، بأن قال شخصٌ لآخر: هذا المسجِّل لي، فقال لمن بيده المسجل: لا، ليس لك، فهذا إنكار أو لا؟ إنكار.
ثم صالح عنه بمالٍ، تصالَحَا على أنه يعطيه مئة ريال عن هذا المسجل، فهو صحيح، ولكن هل يدخل في باب الإبراء أو في باب البيع؟
يقول المؤلف رحمه الله: (وَهُوَ للْمُدَّعِي بَيْعٌ وَللآخَرِ إِبْراءٌ).
فإذا ادَّعَى عليه بأن هذا المسجِّل ملكه، وقال: ليس ملكك، ثم تصالَحَا على مال، فالمدَّعِي الآن يعتقد أنه أدخل ملكه على هذا الشخص بأيش؟ بعِوَض، ما فهمتم الصورة؟ ادعى أن هذا المسجل له، ثم أنكر المدَّعَى عليه الذي بيده المسجل، وقال: ليس هذا لك، وبعد أخذٍ وردّ اصطلحَا على أن يعطيه عِوَضًا عنه مئة ريال، كذا ولَّا لا؟
هذا الصلح صحيح، لكن هو للمدَّعِي بيع؛ لأنه يعتقد أن ملكه انتقل إلى هذا بأيش؟ بعِوَض، وهذا هو حقيقة البيع، فهو له بيع.
إذا كان له بيع فإنه (يَرُدّ مَعِيبَه ويفسخ الصلح)، يعني إذا رد العيب، (ويُؤْخَذ منه بشفعة)؛ لأنه بيع، فيعامَل المدَّعِي معاملة البائع تمامًا أو المشتري، المهم أنه يكون في حقه بيع.
ولنفرض أن هذا الذي ادعى المسجل، وأنكر مَن هو بيده، صالحه على راديو، ما هو على مئة ريال، صالحه على راديو، قال: أنا بأعطيك عنه الراديو، أخذ الراديو، ثم إنه -أي الذي ادعى أن المسجل له- وجد في الراديو عيبًا، يقول المؤلف: (يرد مَعِيبَه)، له أن يرده، يقول: والله أنا أخذت الراديو، ولكن تبيَّن أن به عيبًا، وأنا قد أخذته منك على أنه عِوَض عن ملكي، فأنا أعتبر نفسي بائعًا، فوجدت هذا العيب في هذا الراديو فلي أن أرده، إذا رده تبقى دعواه على ما هي عليه أولًا قبل الصلح.
قال: (يرد معيبه ويفسخ الصلح ويُؤْخَذ منه بشُفْعَة)، يعني لو أن الذي ادُّعِيَ عليه العين أو الدَّيْن؟
طلبة: العين.
الشيخ: إي نعم، كله واحد، ادُّعِي عليه بدَيْن أو بعين.
طالب: المثال العين.
الشيخ: المثال انتهى، لو أنه صالَح بنصيبه من أرض، يعني بأن كان المدَّعَى به ثمنه كثير، ادَّعَى عليه بسيارة بأنها ملكه، قال: هذه ليست ملكك، هذه لي، ثم صالحه -أي مَن بيده السيارة صالَح المدَّعِي- بنصيبه من أرض، فهنا نقول: للشركاء في الأرض أن يأخذوا هذا النصيب بشُفْعَة، ليش؟ لأن المصالِح يعتقد أنه أخذ هذا الشِّقْص عِوَضًا عن ملكه، وهذا هو البيع، فيكون في حقه بيعًا يُؤْخَذ منه بشفعة.
الآخر (إبراء، فلا رَدَّ ولا شفعة)، مَن الآخر؟ المدَّعَى عليه، يعني المنْكِر، هو في حقه إبراء، فلا رد ولا شفعة.
نمثِّل لقوله: (فلا رد)، هذا الذي ادُّعِيَ عليه أن المسجل للمدَّعِي، وأنكر، ثم صالح براديو مثلًا، وبعد ذلك وجد في المسجل عيبًا، فإنه لا يرده على ذاك؛ لأنه لا يعتقد أنه مَلكه من قِبَلِهِ، أليس كذلك؟ هذا المنكِر يعتقد أنه ملكه من الأصل، وأن ذاك ليس له به ملك، ولكنه أبرأه من المطالبة بما صالَحَه عليه من الراديو، فإذا وجد المنكِر أن في المسجل عيبًا فإنه لا رد له.
قال: ليش إذا كان الراديو معيبًا يرده عليّ، وإذا كان المسجل معيبًا فلا أرده عليه؟
نقول: هذا مقتضى الإقرار والإنكار، أنت حينما أنكرت أن هذا المسجل له تعتقد أنه أيش؟ أنه ملكك، وأنك لم تملكه من قِبَلِهِ، فكيف ترده عليه؟ ! فهو في حقك إبراء، فلا رَدَّ لك.
كذلك لا شفعة فيما لو كان المدَّعَى به شِقصًا من أرض، ثم إن المدَّعِي قال له -أي: للذي تولى على هذا الشقص–: أصالحك عنه بعِوَض، أخذ عنه عِوَضًا، عشرة آلاف ريال مثلًا، فلا شفعة، لا شفعة لِمَن؟ لشركاء المنكِر؛ لأن هذا الشِّقْص لم ينتقل إلى المنكِر، وإنما هو باقٍ على ما هو عليه، على ملكه حسب إنكاره، واضح؟
طالب: نعم، واضح.
طالب آخر: غير واضح.
الشيخ: توضيح المسألة، قوله: (فلا رد) عرفتم المثال بين مسجل مدَّعًى به وراديو مصالَحًا به، إذا تبين في الراديو عيب هل يُرَدّ أو لا؟ يُرَد، في المسجل؟ لا يُرَدّ.
الشُّفعة؛ ادَّعَى فلان على فلان بأن نصيبه من الأرض له؛ للمدَّعِي، والعقد بين شركاء عشرة مثلًا، ادعى شخص على أحدهم بأن نصيبه له، فأنكر، فصالَحَه، مَن اللي صالَح؟ صالح المدَّعِي المنكِرَ على عِوَض، فأعطاه عشرة آلاف ريال عن النصيب هذا، فهنا لا شفعة؛ لا شفعة لِمَن؟ للشركاء التسعة، ليس لهم أن يأخذوا نصيب هذا الذي صالَح بالشفعة؛ لأنه لم ينتقل إليه بأيش؟ ببيع، أصله ملكه ما انتقل، فلهذا لا يكون هناك شفعة، واضح الآن المسألة؟
الآن فيه أرض بين سامح وبين أحمد، وادَّعَيْتَ أنت على سامح أن نصيبه من الأرض اللي بيده لك، وأنكر سامح، فصالحتَه، أعطاك مئة ألف ريال عن هذه الدعوى، انتهيت أنت، هل لأحمد أن يأخذ نصيب سامح بالشفعة؟
طالب: لا.
الشيخ: ليش؟
الطالب: لأن الملك ما انتقل.
الشيخ: إي، لأن ما فيه انتقال للملك الآن، سامح يقول: ما زال الملك باقيًا، واضح؟ هذا معنى قوله: (فلا رد ولا شفعة).
طالب: من صالح يا شيخ، كأن تنازع اثنان مثلًا في سيارة، ثم صالح بماله بسيارة أخرى؟
الشيخ: بمال وسيارة أخرى؟
الطالب: لا، بسيارة أخرى، ثم قبل أن يستلمها المدَّعِي.
الشيخ: المدَّعِي ولّا المدَّعَى عليه؟
الطالب: المدَّعِي الذي يقول: إن هذه السيارة لي، أراد المدَّعَى عليه أن يقبضها، فهي بمنزلة الهبة، إذا لم تُقْبَض فإنه (... ).
الشيخ: لا لا، إبراء، ما هي هبة، الهبة إنما هي في صلح الإقرار، الإنكار ما فيه شيء يسمى هبة، إما بيع وإما إبراء.
طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وإن كذبَ أحدُهما لم يصح في حقِّهِ باطنًا، وما أَخَذَه حرامٌ، ولا يصح بعوضٍ عن حدِّ سرقةٍ وقذفٍ ولا حقِّ شُفعةٍ وتركِ شهادةٍ، وتسقطُ الشفعةُ والحدُّ, وإن حصلَ غصنُ شجرتِه في هواءِ غيرِه أو قرارِه أَزالَه، فإن أَبَى لَوَاهُ إنْ أَمْكَنَ وإلا فله قَطْعُه.
ويجوز في الدَّرْبِ النافذِ فتحُ الأبوابِ للاستطراقِ، لا إخراجُ رَوْشَنٍ وساباطٍ ودَكَّةٍ ومِيزابٍ، ولا يَفعلُ ذلك في مُلْكِ جارٍ ودربٍ مُشْتَرَكٍ بلا إذنِ المُستَحِقِّ، وليس له وضعُ خشبه على حائطِ جارِه إلا عند الضرورة إذا لم يُمْكِنْه التَّسْقيفُ إلا به، وكذلك المسجدُ وغيرُه، وإذا انهدمَ جدارُهما أو خِيفَ ضررُه فطلبَ أحدُهما أن يَعْمُرَه الآخرُ معه أُجْبِر عليه، وكذا النهرُ والدُّولابُ والقناةُ.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هو الصلح على إنكار؟
طالب: الصلح على إنكار مثلًا إذا كان رجل ادَّعَى على رجل مئة ألف ريال، وأنكر ذلك الرجل أن يكون عليه مئة ألف ريال، فقال: نذهب إلى المحكمة، فصالحه على أن يدفع ألف ريال على ألَّا يذهبَا، فهذا جائز.
الشيخ: هذا الإنكار، ما الفرق بينه وبين الصلح على إقرار؟
الطالب: الإقرار هو أن يُقِرَّ بأن هذا الدَّيْن عليه فعلًا، فهذا لا يجوز الصلح عليه؛ لأنه صلح ببعض ماله عن بعضه الآخر.
الشيخ: تمام، الصلح على إنكار تارة يكون على عين، وتارة يكون على دَيْن؟ مثِّل لما إذا كان على عين.
طالب: إذا كان على عين: ادعى عينٌ لفلان، يعني بيد فلان.
الشيخ: ادعى عينٌ؟ !
الطالب: الصلح على..
الشيخ: لكن ادعى عينٌ، تشكيلها هكذا؟
الطالب: ادعى على إنسان عينًا وأنكر.
الشيخ: نعم، المدَّعَى عليه، فحينئذٍ له أن يصالح عن هذا..
الطالب: يسقط.
الشيخ: ما فيه إسقاط يا أخي، عين.
الطالب: على الهبة، على أن يصالحه على بعضه.
الشيخ: صالحه على بعضه.
الطالب: هذا يسمى هبة.
الشيخ: هل يجوز هذا الصلح في حق المدَّعِي والمدَّعَى عليه أو لا يجوز؟
طالب: يجوز في حق المدَّعِي.
الشيخ: يجوز؟
الطالب: نعم.
الشيخ: ولا يجوز في حق المدَّعَى عليه؟
الطالب: يجوز في حقهما جميعًا.
الشيخ: في حقهما جميعًا؟
الطالب: نعم.
الشيخ: خطأ.
طالب: إن كان يجهله جاز في حقهما، وإن كان يعلمه فلا يجوز في حقه، ويجوز في حق المدَّعَى عليه.
الشيخ: يعني يجوز في حق المظلوم؛ القاعدة هذه: يجوز في حق المظلوم دون حق الظالم، هذا باعتبار ما عند الله عز وجل، أما باعتبار الظاهر فإنه يجوز، باعتبار الظاهر يُنَفَّذ الصلح.
لو صالحه عن العين بعينٍ أخرى، يجوز أو لا يجوز؟
طالب: يجوز.
الشيخ: يجوز، مثاله؟
الطالب: أخذ عينًا منه وأبدله بدل هذه العين بصلح.
الشيخ: لا ما يصح، كيف أخذ عينًا؟ ! مثِّل بينك وبين جار.
الطالب: أخذت من صالح..
الشيخ: ادعيتَ على صالح أن الكتاب الذي بيده لك، وهو الكتاب اللي معاه الآن ما هو؟ زاد المستقنع؛ ادعيت أنه لك فأنكر، ثم صالحك على متن الألفية، يصح أو لا يصح؟
طالب: (... ).
الشيخ: ماذا يكون حكم هذا الصلح باعتبار المدَّعِي والمدَّعَى عليه؟
الطالب: بالنسبة للمدَّعَى عليه يكون في حقه..
الشيخ: هذا موجود بالمتن، لكن يبدو أنك ما حفظت المتن.
طالب: بالنسبة للمدَّعِي يجوز له ذلك.
الشيخ: لكن ماذا يكون في حقه؟ حكم هذا الصلح في حق المدَّعِي؟
الطالب: عِوَض.
الشيخ: هو عِوَض، حتى عن ذاك عِوَض.
طالب: بالنسبة للمدَّعِي بَيْع.
الشيخ: يكون بيعًا؛ لأن المدَّعِي يعتقد أن هذه العين التي ادَّعَاها مُلكه، وأنه أخذ عنها عِوَضًا، وهذا هو حقيقة البيع.
الطالب: والمدَّعَى عليه إبراء.
الشيخ: بالنسبة للمدَّعَى عليه إبراء؛ لأن ما فيه إلا أنه أبرأه من الدعوى.
ما الذي يترتب على هذا؟
طالب: يترتب عليه إذا كان فيه عيب فإنه يردها.
الشيخ: إذا كانت العين التي أخذها المدَّعِي معيبة فإنه يردها بالعيب كأنه اشتراها.
والثاني لو وجد عيبًا بما ادُّعِيَ به عليه؟
طالب: لا، ليس له أن يرده.
الشيخ: لأنه يعتقد أن العين له، لم يملكها من قِبَلِه.
يقول المؤلف في إذا كان بيعًا فإنه يؤخَذ بالشفعة بالنسبة للمدَّعِي، ولا يؤخذ بالشفعة بالنسبة للمنكِر، فمَن يصور هذا؟
طالب: بأن يدَّعِي على رجل مثلًا عَيْنًا، ويصالحه الثاني على قطعة من أرض، هذه الأرض شركاء فيها، فيصالحه على قطعةٍ منها..
الشيخ: فللشركاء أن يأخذوها؟
الطالب: بالشفعة.
الشيخ: بالشفعة.
واضح يا جماعة؟ إنسان ادَّعَى على شخص بأن السيارة اللي عنده له، قال: أبدًا ما هي لك، ثم اتفقا على أن المدَّعَى عليه الذي بيده السيارة يعطي المدَّعِي قطعة من أرض مشتركة، أفهمتم الآن؟ انتقلت هذه القطعة من الأرض إلى المدَّعِي بعِوَض، فتكون بيعًا، فللشركاء أن يأخذوها بالشُّفْعة.
بالنسبة للآخر؟
يكون المدَّعِي ادَّعَى أرضًا بيد المدَّعَى عليه وهي مشتركة، فصالحه المدَّعَى عليه بعِوَض، دراهم أو غير دراهم، فهل للشركاء أن يأخذوها من المدَّعَى عليه بالشفعة؟
طالب: ليس لهم ذلك؛ (... ) الملك على أصله.
الشيخ: صحيح؛ لأن حقيقة الأمر أنه استبقى ملكه فقط ودفع الدعوى.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (إن كَذَبَ أحدُهما لم يصح في حقه باطنًا وَلَا يَصِحُّ بِعِوَضٍ).
(إن كذب أحدهما) أي: المدَّعَى عليه أو المدَّعِي.