الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 1146-1185

لو قال: أنا أقبل البُرّ، لكن أعطني مئة صاع وعشرة أصواع، أيجوز أو لا يجوز؟ طالب: الصورة مرة ثانية.
الشيخ: الصورة: إنسان مطلوب مئة درهم، فجاء للطالب وقال: والله ما عندي مئة درهم، لكن عندي بُرّ، وهذه تقع كثيرًا فيما سبق، كان الفلاحون فيما سبق ليس عندهم نقود، لكن عندهم عيوش -بُرّ يعني، حبوب- قال: والله ما عندي فلوس لكن عندي بُرّ، قال: أنا أقبل البُرّ، كان الصاع يساوي درهمًا، فكم يكون عِوَض مئة درهم؟ مئة صاع، أعطاه مئة صاع وانتهى الموضوع، حلال ولّا حرام؟ الطلبة: حلال.
الشيخ: حلال، قال الدائن: أنا لا أقبل صاع بُرّ عن درهم؛ لأن البُرّ يحتاج إلى مؤونة، يحتاج إلى أن يبيعه، وما أشبه ذلك، لكن أريد أن تعطيني عن مئة الدرهم مئة صاع وعشرة أصواع، يجوز ولّا لا؟ طلبة: لا يجوز.
الشيخ: ليش؟ لأنه ربح فيما لم يضمن، ربح في شيء لم يدخل في ضمانه، فلا يجوز.
قال: أنا أرحمك، أنت فقير، أعطني بدل مئة درهم ثمانين صاعًا، يجوز؟ الطلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ليس في سعر يومها؟ لكنه أنزَل، وهذا يعتبر إحسانًا منه، حيث اقتصر على بعض حقه؛ إذ إن حقه أن يكون مئة صاع، لكنه اختار ثمانين صاعًا.
فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه: لا يصح بيع الدَّيْن بالدَّيْن، بل لا بد فيه من التفصيل.
(فصلٌ) ومتى افْتَرَقَ المتصارِفانِ قَبلَ قَبْضِ الكلِّ أو البعضِ بَطَلَ العَقْدُ فيما لم يُقْبَضْ، والدراهمُ والدنانيرُ تَتعيَّنُ بالتعيينِ في العَقْدِ, فلا تُبْدَلُ وإن وَجَدَها مَغصوبةً بَطَلَ، ومَعيبةً من جِنْسِها أَمْسَكَ أو رَدَّ، ويَحْرُمُ الربا بينَ المسلِمِ والحربيِّ, وبينَ المسلِمَيْنِ مُطْلَقًا بدَارِ إسلامٍ وحَرْبٍ.
(بابُ بيعِ الأصولِ والثمارِ)

إذا باعَ دَارًا شَمِلَ أَرْضَها وبِناءَها وسَقْفَها والبابَ المنصوبَ, والسُّلَّمَ والرَّفَّ الْمُسَمَّرَيْنِ, والخابيةَ المدفونةَ، دونَ ما هو مُودَعٌ فيها من كَنْزٍ وحَجَرٍ، ومُنفصِلٍ منها كحَبْلٍ ودَلْوٍ وبَكَرَةٍ وقُفْلٍ وفَرْشٍ ومِفتاحٍ، قال: أنا بأرحمك، أنت فقير، أعطني بدل مئة درهم ثمانين صاعًا؟ طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: ليس في سعر يومها، لكنه أنزل، وهذا يعتبر إحسانًا منه؛ حيث اقتصر على بعض حقه، إذ إن حقه أن يكون مئة صاع، لكنه اختار ثمانين صاعًا.
فصار كلام المؤلف ليس على إطلاقه (لا يصح بيع الدين بالدين)، بل لا بد فيه من التفصيل، وصار حديث ابن عمر رضي الله عنهما (1) ميزانًا في هذا الأمر؛ أي: في بيع الدين على مَنْ هو عليه.
أما بيع الدين على غير مَنْ هو عليه فقلنا: إنه لا يجوز إلا على قادر على أخذه، فهذا ربما يقال: إنه جائز، ولكن لاحظوا أننا إذا قلنا: يجوز إذا كان قادرًا على أخذه، لا بد أن يكون المدين قد أقر بالدين، أما إذا كان منكرًا، وجاء إنسان وقال: أنا بأشتري دين فلان الذي لك، ومنكر ما أقر، ولكن قال: أنا بخاطر، أنا بأشتريه وبأطالب الرجل عند القاضي ونشوف، فهذا لا يجوز؛ لأنه مخاطرة.
لكن كلامنا فيما إذا باع دينًا في ذمة مقِرٍّ على شخصٍ قادر على استخراجه فالصواب أنه جائز؛ لأنه لا دليل على منعه، والأصل حِلُّ البيع: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. طالب: (... ) فيأتي شخص آخر ويقول: أشتري منك التقاعد بخمسين ألفًا، هل يجوز بيع التقاعد وهو دين (... ) غير محدد وغير محسوب؟ الشيخ: تسألني عن هذا بعد هذا التقرير الطويل العريض، وأنت من أحسن الناس في فهمك وفي علمك؟ ! أسألك: هل تسألني عن هذا؟ الطالب: ولكن نقول: يا شيخ بأنه الغرر..

الشيخ: أولًا الغرر والمخاطرة، والثاني أن هذا ما هو دين على شخص ممكن مطالبته، هذا دين على جهة مسؤولة، لا يمكن مطالبتها، ثم هو أيضًا بيع دراهم بدراهم، فيه محاذير متعددة.
الطالب: وبيعه على جهة؟ الشيخ: ما تشتريه الجهة.
الطالب: بعض الجهات تشتريه.
الشيخ: لا ما تشتريه، الجهات التي تشتريه معناه أنها فعلت ما لا يسوغ لها.
طالب: شيخ، حديث سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بحيوان نسيئة (2)، هل هو ضعيف؟ الشيخ: ضعيف.
الطالب: وقول المؤلف في الباب السابق: (ولا يصح بيع لحم بحيوان من جنسه)، اقتضى هذا أن الحيوان يجري فيه الربا؟ والآن قلنا: الحيوان.. الشيخ: أما قلنا: القول الراجح أنه إن قصد بالحيوان اللحم هو حَرُم وإلا فلا؟ طالب: بلى.
الشيخ: إي نعم.
طالب: (... )؟ الشيخ: ما بعد جاء الكلام عليه، سيأتي إن شاء الله في الفصل اللي بعده.
طالب: هل يمكن نأخذ قاعدة على أنه لا خيار في الربا؟ الشيخ: ويش معنى لا خيار في الربا؟ الطالب: يعني: لا يدخل الخيار في بيع الربويات.
الشيخ: ويش معنى: لا يدخل الخيار؟ الطالب: يعني: حين يشتري سهمًا من آخر ويطلب الخيار.
الشيخ: يعني: خيار الشرط قصدك؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: إي، خيار الشرط لا يدخل في الربويات؛ لأنه يستلزم أن نتفرق قبل لزوم العقد، فلا يصح، لكن المسألة فيها خلاف؛ من العلماء من يقول: يجوز، وإذا تم العقد تم العقد؛ لأن كل واحد منهما قبض ما آل إليه؛ المشتري قبض السلعة والبائع قبض الثمن.

الطالب: (... ) تأخذ المرأة مثلًا ذهبًا ثم تقول: سأذهب به مثلًا إلى البيت فإن أعجبني وإلَّا أعدته؟ الشيخ: لا بأس؛ الصحيح أنه لا بأس به.
طالب: بالنسبة للحيوان (... ) وما جرى مجراه، لا يدخل في بيع الربا؟ الشيخ: نعم.
الطالب: لكن هناك عبارة لشيخ الإسلام يقول: إنه إذا بيع بجنسه... الشيخ: أنا فاهم لكلام شيخ الإسلام، لكنه قولٌ ضعيف؛ ولهذا لم أتعرض له.

الطالب: ما معنى قول شيخ الإسلام؟ الشيخ: معناه يقول: إن النَّساء جائز في غير الربويات بشرط التساوي، أن لا يزيد أحدهما على الآخر، يعني ما يكون هذا قيمته مئة وهذا قيمته مئتين، لكنه قوله ضعيف، الأصل الحل.
طالب: (... ). الشيخ: لا بأس، يعني: يأخذ من البقالة ويأتي بالثمن بعد؟ الطالب: ما قبض (... ). الشيخ: ما فيه شيء، إذا كان على فهمي الآن؛ أخذت منه هذه الحقيبة وقلت: أجيب لك الثمن بعد، ما فيه شيء.
(... ) طالب: (... ) نَساء؟ الشيخ: نَساء، لكن يلزم من التقابض قبل التفرق.
طالب: فإذا غادرا.
الشيخ: فلا يشترط التقابض؛ لأنه لا يجري ربا النسيئة بين البُرِّ والدراهم.
طالب: بالنسبة لمسألة البيع في المحل ويكون عنده البضاعة في المستودع ناقصة، معه عامل، هل يذهب مع العامل إن اشترى برًّا وشعيرًا، ثمن البر... الشيخ: لا بأس؛ يعني: وكيله يقوم مقامه.
الطالب: (... ) الوكيل؟ الشيخ: إي نعم.
طالب: الموظف انقطع له من راتبه مقدار من ماله، وبعد مدة إذا مرض أو مات أو نحو ذلك (... )، فهل هذا يُعد من ربا النسيئة؟ الشيخ: لا، هذا ليس ربا، هذا أصل، الدولة -جزاهم الله خيرًا ووفقهم- يجعلون الإنسان إذا انقطع لا بد أن يقوموا بحاجات أهله، أو بحاجته إن كان لم يمت، فهو من بيت المال، ما هو على سبيل المعاوضة.
الطالب: يأخذون من مرتبه كل شهر.
الشيخ: يأخذون تسعة في المئة.
الطالب: تقريبًا.
الشيخ: إي نعم، هذا لا يضر.
الطالب: أليس من باب التأمينات المحرمة.
الشيخ: لا؛ لأن هذا في بيت المال، ولهذا ربما إن الرجل هذا يبقى سنة موظفًا ويموت، فيُجرون لأهله التقاعد، يمكن يكون تقاعده خلال أربع سنوات يقابل كل راتبه.
الطالب: لكن (... ). الشيخ: المهم أنه لا بأس به، هذا ما هو من باب المعاوضة، هذا من باب قيام الدولة بحاجات الشعب.

الطالب: إنما أيش هي المعاوضة التي تحرم؟ الشيخ: المعاوضة بيني وبينك مثلًا، بين زيد وعمرو.

الطالب: ولا تحصل بين الدولة وبين الموظفين.
الشيخ: لا، بهذه الطريقة ما تحصل، تحصل في مقاولات بين الدولة وبين الشعب لا بأس، شراء، أما هذا فهو يعتبر رزقًا من بيت المال وليس معاوضة، وإلا لما جاز لنا أن نأخذ راتبًا على الصلاة، ولا المؤذن على الأذان، ولا المدرس على التدريس؛ تدريس القرآن مثلًا.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ» (3)، يعتبر -يا شيخ- أن ربا النسيئة أشد من ربا الفضل، مع أنه يا شيخ مؤدَّى ربا النسيئة يؤدي إلى التقابض، غايته (... ) التقابض، ذكرنا أن ربا الفضل وسيلة إلى... الشيخ: نحن تكلمنا على هذا، وبيَّنا السبب، وأنه في الجاهلية إذا تم الأجل ولم يوفِ قال: نزيد في الأجر ونزيد في الربا.
الطالب: الهدف، الغاية.
الشيخ: الغاية ظلم المدين.
الطالب: بالزيادة.
الشيخ: بالزيادة.
الطالب: التفاضل يا شيخ أشد من النسيئة.
الشيخ: لا، التفاضل اللي يدًا بيد ما هو بأشد، لكن التفاضل اللي يجمع بين النسيئة والتفاضل معلوم أنه أشد، والصورة التي تقول هي هذه، الصورة التي ذكرتها الآن فيها ربا فضل ونسيئة، واضح؟ الطالب: نعم.
الشيخ: طيب، إذن لا فرق.
طالب: الجواب الذي هو عن سؤالي ما فهمته.
الشيخ: أقول: جواب سؤالك -بارك الله فيك- هذا التقاعد ليس معاوضة عما أخذت الدولة من الموظف، بل هو التزام من الدولة أن تقوم بحاجات الورثة.
الطالب: والمال الذي اقتطعوه على أي أساس أخذوه؟ الشيخ: نظام عندهم، هم قدَّروا هذا.
طالب: شيخ، ما هو المذروع؟ الشيخ: المزروع حب يدفن في الأرض ويخرج.
الطالب: لا ما قصدي هذا، بالذال.
الشيخ: بالذال، إي، المذروع اللي ما يباع بالذرع.
الطالب: مثل؟ الشيخ: مثل: أتعرف ما تُرْبط به السفن؟ الطالب: نعم، حبال يعني.
الشيخ: حبال، هذه تباع بالذرع.
الطالب: والثياب أيضًا؟ الشيخ: وكذلك الثياب تباع بالذرع أحيانًا وأحيانًا تكون مخيطة معروفة.

الطالب: غالبًا ما تباع بالذرع.
الشيخ: والله الآن ما أدري، كان فيما سبق تباع بالذرع.
طالب: (... ). الشيخ: نعم، الآن تباع الظاهر جزافًا، لكن المذروع ما فيه ربا، يجوز أبيع عليك غترتين بغترة واحدة.
(... )


الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فصل

ومتى افترق المتصارفان قبلَ قبضِ الكل أو البعض بطل العقد فيما لم يقبضَ، والدراهم والدنانير تتعيَّن بالتعيين في العقد فلا تُبدَّل، وإن وجدها مغصوبة بطل، ومعيبة من جنسها أمسك أو ردَّ، ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين مطلقًا بدار إسلام وحرب.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال رحمه الله تعالى: (فصل، ومتى افترق المتصارفان).
هذا الفصل ذكر فيه المؤلف حكم الصرف، وهو بيع النقد بالنقد، وهذا لا يخرج عما سبق من القواعد في الربا، لكن خصُّوه بفصلٍ لطول فروعه والكلام عليه.
يقول: (متى افترق المتصارفان قبلَ قبضِ الكلِّ أو البعض بطل العقد فيما لم يقبضَ).
(المتصارفان) هما المتبايعان بالصرف، والصرف بيع نقد بآخر، وسُمِّي صرفًا؛ لأن النقدين عند وزنهما أو عدِّهما يُسمع لهما صوت، وهذا لما كان النقد ذهبًا وفضة.
(إذا افترقا قبل قبض البعض أو الكل بطل العقد فيما لم يقبضْ) يعني: وصح فيما قبض، مثال ذلك: اشترى مئة درهم بعشرة دنانير؛ هذا صرف، إذا استلم كل واحد منهما ما آل إليه صح العقد؛ يعني: تبين أن العقد صحيح، وإذا سلمه خمسين درهمًا فقط وتفرقا صح العقد في خمسين درهمًا ويقابلها خمسة دنانير والباقي لا يصح، وهذا بناءً على تفريق الصفقة وأنه يمكن أن يصحَّ بعضها دون بعض؛ لأن الحكم يدور مع علته، فما وُجد فيه شرط الصحة فهو صحيح، وما لم يوجد فيه شرط الصحة فليس بصحيح.
مثالٌ آخر: أعطاه دينارًا يصرفه بعشرة دراهم فلم يجد إلا خمسة دراهم، فهل يصح؟

نقول: يصح العقد فيما قُبض، ولا يصح فيما لم يقبض، فكم الذي يصح العقد فيه من الدينار؟ نصف الدينار، وماذا يفعل بنصفه؟ يبقى نصفه أمانةً عند البائع؛ فيكون هذا الدينار مشتركًا بين البائع وبين المشتري.
وفائدة ذلك أنه لو زاد سعر الذهب فيما بين هذه الصفقة، وبين استلام حقه إذا وجد بقية الدراهم عند الآخر، إذا تغيَّر السعر فهو على حساب مَنْ؟ على حساب صاحبه، فمثلًا لو كان حين صَرْف الدينار بالدراهم يساوي الدينار عشرة دراهم، ثم صار يساوي عشرين درهمًا، فإنه يبقى نصفُ الدينار بكم؟ بعشرة دراهم؛ لأن ما بقي من الدينار بقي عند الآخَر وديعة، ولا يصح العقد فيه.
(بطل العقد فيما لم يقبض) وجه ذلك أن القبض شرط لصحة العقد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «بِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ» متى؟ «إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (4). ثم قال: (والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد).
وهذه مسألة خلافية، ويترتب على الخلاف فيها عدة فروع، بل عدة مسائل، ذكرها ابن رجب رحمه الله في آخر كتاب القواعد، هل الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين بالعقد أو لا؟ في ذلك خلاف بين العلماء؛ منهم من قال: إنها لا تتعين لأن المقصود واحد، المقصود بالدينار هذا والدينار هذا واحد، إنما اختلفا في عينهما فقط، وهذا لا يدل على أن الدراهم تتعين بالتعيين بالعقد، ومنهم من قال: بل تتعين.
مثال ذلك: اشتريت منك هذا الثوب بهذا الدرهم، الثوب الآن متعين ولا إشكال فيه، ولهذا لو أراد البائع أن يبدِّل الثوب لم يستطع ذلك إلا بموافقة المشتري، لكن المشتري عيَّن بهذا الدرهم، فهل يتعين هذا الدرهم؟ على الخلاف؛ منهم من قال: إنه يتعين، ومنهم من قال: إنه لا يتعين، فتنعكس الأحكام.

فإذا قلنا بالتعيين فإن المشتري لا يمكنه أن يبدِّلها؛ لأنه لما عيَّنَها ووقع العقد على عينها وتم العقد صارت ملكًا لِمَنْ؟ للبائع، فلا يمكن أن يبدِّلها المشتري، كما أن البائع لا يمكن أن يبدل الثوب.
أما إذا قلنا بأنها لا تتعين فله أن يبدلها، ويأخذ من جيبه درهمًا غير الذي عيَّنه ويسلمه للبائع.
هذا مما يترتب على الخلاف؛ إن قلنا: إنها تتعين بالتعيين بالعقد فإنها لا تُبدَّل، وإن قلنا: إنها لا تتعين فإنها تُبدَّل؛ لأنه لا فرق بين هذا الدرهم وهذا الدرهم.
في الأوراق النقدية كذلك؛ لو قال: اشتريت منك هذا الثوب بهذه العشرة، العشرة رقمها مليون وخمس مئة وسبعون، ثم أراد أن يعطيه بدلًا عنها ما رقمه مليون وخمس مئة وستين مثلًا، هل له أن يبدل؟ على الخلاف؛ إن قلنا: إنها تتعيَّن بالتعيين لم يملك أن يبدل، وإن قلنا: لا تتعين مَلَك، أيهما أقرب إلى مقصود الناس؟ الثاني؛ عدم التعيين؛ إذ إن البائع لا يهمه أن يكون رقم هذه الورقة كذا وكذا أو الرقم الثاني، لا يهمه، ثم إنه -أيضًا- يمكن أن يختلف.
لو أنه اختلف بأن أخرج العشرة فإذا هي ورقة جديدة فأراد أن يغيِّرها إلى ورقة أخرى قديمة قد تكون آيلة إلى التلف عن قرب، فهل له أن يغيِّر؟ هو على الخلاف، لكن حتى إذا قلنا: إنها لا تتعين، فإنه في هذه الحال للبائع أن يقول: لا أريد هذا، فرق بين ورقة قديمة آيلة للتلف عن قرب، وورقة جديدة، فهنا الغرض يختلف، فالظاهر أنه حتى لو قلنا: إنها لا تتعين، فإنها في هذه الصورة تتعين؛ لأن الرغبة عند الناس تختلف بين هذا وهذا.
قال: (وإن وجدها مغصوبة بطل) (إن وجدها) الضمير يعود على الدراهم أو الدنانير التي عيَّنها في العقد (مغصوبة بطل).
ومعنى (وجدها مغصوبة) أي: تبين أنها مغصوبة، فإن العقد يبطل، لماذا؟ لأنه وقع العقد على عينٍ مغصوبة لا يملك الغاصب أن يتصرف فيها، وتصرُّفُه فيها باطل، فيبطل العقد.

مثال ذلك: إنسان سرق درهمًا من شخص، ثم جاء إلى صاحب الدكان وقال: اشتريت منك هذا الثوب بهذا الدرهم، فتبين أن الدرهم مغصوب، أما كيف يتبين؟ هذا ليس إلينا، المهم أنه تبيَّن أنه مغصوب، فمَنْ مَالِكُ هذا الدرهمِ؟ المشتري أو صاحبه؟ صاحبه.
إذن نقول: هذا المشتري أجرى العقد على ما لا يملكه، والعقد على ما لا يملكه باطل، فيكون العقد باطلًا؛ كما لو كان الأمر بالعكس؛ اشترى ثوبًا بدرهم فتبين أن الثوب مغصوب فهل يصح العقد؟ لا؛ لأن المبيع يتعيَّن بالتعيين، ما فيه إشكال.
على القول بأن الدراهم لا تتعين بالتعيين؛ إذا تبين أن الدراهم التي عيَّنها مغصوبة أو مسروقة أو ما أشبه ذلك، هل يبطل العقد؟ لا يبطل، ويُرد المغصوب إلى مالكه ويُلزَم المشتري ببدله.
إذا قال البائع: أنا بِعْتُ عليك بثمن معيَّن وقبضتُه، والآن لما تبين أنه مُلك للغير ورُدَّ إليه فإني أريد أن أفسخ العقد؛ لأني أخشى أن تماطل بي، فما الجواب؟ على الخلاف أيضًا؛ هل يَفسخ لإعسار المشتري أو لا؟ لكن في هذه الصورة ينبغي أن يقال بأن له الفسخ قولًا واحدًا؛ وذلك لأن هذا الرجل خدَعَه وغرَّه وخانه، ولا ينبغي أن يُعامَل الخائن إلا بما يردعه عن خيانته.
إذن إذا وجدها مغصوبة بطل، أو مسروقة بطل، أو منهوبة، المهم إذا تبين أنها ليست ملكًا للمشتري فإن العقد يبطل.
قال: (ومعيبة من جنسها أمسك أو رَدَّ) (معيبة من جنسها أمسك) يعني: بلا أرش، (أو رَدَّ) أي بأرش.

مثال ذلك: اشترى دينارًا بدينار آخر، ثم وجد أن الدينار مَعِيب من جنسه، يعني: مخلوط معه ذهب رديء، فالآن البيع واقع على دينار بدينارٍ، ويُشترط في بيع الدينار بالدينار التساوي، هذا الرجل وجد أن الدينار الذي عينه معيبًا من جنسه، فماذا نقول؟ نقول: أنت الآن بالخيار، إن شئت أمسك بلا أرش، وإن شئت فرُدَّ؛ أما كونه يرد فواضح لأنه معيب، وله أن يرد، هو لم يشترِ إلا شيئًا سالمًا.
وأما كونه بلا أرش؛ فلأن الأرش يستلزم زيادة في بيع الجنس بجنسه.
ومعلوم -حسب ما مر علينا من القواعد- أن بيع الجنس بجنسه يُشترط فيه التماثل، ولهذا قال: (أمسك) أي: بلا أرش (أو رَدَّ).
وعُلم من قول المؤلف رحمه الله: (من جنسه) أنه إذا كان من غير الجنس فإنه لا يصح العقد، إذا وجدها معيبةً من غير الجنس فإنه لا يصح العقد أصلًا، ما فيه خيار؟ نقول: ليس فيه خيار، بل هو باطل.
مثال ذلك: باع درهمًا بدرهم ووجد أن أحد الدرهمين معيب بنحاس، فهنا يبطل العقد، ليش؟ لأن العيب من غير الجنس، فيكون من باب (مد عجوة ودرهم)؛ لأنه باع جنسًا بجنسه ومع أحدهما من غير الجنس، فلا يصح.
هذا كله بناءً على أن الدراهم والدنانير تتعيَّن بالتعيين بالعقد، أما إذا قلنا: إنها لا تتعين، فإنه إذا وجدها معيبة يبقى العقد على ما هو عليه، ويطالِب ببدله سليمًا.


ثم قال المؤلف رحمه الله: (ويحرُم الربا بين المسلم والحربي، وبين المسلمين مطلقًا بدار إسلامٍ وحربٍ).
(يحرُم الربا)، وتحريم الربا ثابت بالكتاب والسُّنَّة وإجماع المسلمين، وهذا من حيث الجملة؛ إذ إن العلماء يختلفون في بعض المسائل اختلافًا كثيرًا، لكن من حيث الجملة الربا محرم بالكتاب والسُّنَّة والإجماع.
أما الكتاب فنصٌّ صريح في قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275].

وأما السُّنَّة فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله سلم أنه لعن آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه (5)، وهذا يقتضي أن يكون الربا من كبائر الذنوب.
وأما الإجماع فلم يختلف المسلمون في أن الربا محرم وإن اختلفوا في بعض المسائل؛ مثل اختلافهم في علة الربا وهل يتعدى الحكم إلى غير المنصوص عليه أو لا؟ وكما مر علينا فيما سبق أن هناك اختلافًا، لكن في الجملة هم مجمعون على تحريم الربا، كما نقول مثلًا: إن العلماء مجمعون على وجوب الزكاة وإن كانوا يختلفون في بعض الأشياء هل فيها زكاة أو ليس فيها زكاة؟ وقول المؤلف: (يحرُم الربا بين المسلم والحربي) كما يحرم بين المسلمين؛ الحربي مباح الدم والمال بالنسبة لنا، فماله حلال، لو أخذناه قهرًا فهو لنا، لكن عند المعاملة تُجرى المعاملة على ما تقتضيه الشريعة، والربا في الشريعة محرم، والنصوص عامة، فيحرم الربا بين المسلم والحربي، فلو أن إنسانًا وجد حربيًّا ومعه مال وليس بقادر على أخذه منه قهرًا، فقال: أنا أريد أن أشتري منك مئة دينار بخمسين دينارًا؛ فإن ذلك لا يجوز، أو مئة صاع برٍّ جيد بخمسين صاعًا رديئًا مثلًا أو بالعكس فإنه حرام؛ لأنه متى جرى الأمر بصورة العقد وجب أن يطبَّق على ما تقتضيه الشريعة.
(بين المسلم والحربي)، طيب، بين المسلم والذمي من باب أوْلى أن يكون الربا جاريًا؛ لأن مال الذمي محترم.
(وبين المسلمين مطلقًا) يحرم أيضًا الربا بين المسلمين مطلقًا، وهذا الإطلاق فسَّره بقوله: (بدار إسلام وحرب)؛ (بدار إسلام) كالبلاد الإسلامية، ودار (حرب) كالبلاد الحربية إذا دخلها المسلم بأمان وتبايع مع حربي أو مع مسلم فإنه يحرم الربا؛ وذلك لعموم الأدلة.
ومن العلماء من اعتبر الدار وقال: إن الدار إذا كانت دار حرب فلا ربا فيها بين المسلمين وأهل الحرب، ولكن لا دليل على هذا، النصوص عامة، والعقود يجب أن تجرى على ما تقتضيه الشريعة.

انتهى الباب، لكن عندي بالشرح مسائل مهمة: يقول: (لا ربا بين السيد ورقيقه) فيجوز للإنسان أن يشتري ثلاثة دراهم بدرهمين من رقيقه، لماذا؟ لأن المال ماله؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ» (6). وهل يجري بين الأب وابنه؟ نعم يجري بين الأب وابنه؛ لأن مال الابن مستقل، ومال الأب مستقل، وكون الأب يملك أن يتملك من مال ولده ما شاء لا يعني أن مال ولده ملكٌ له، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» (7)، فمراده أن لأبيك أن يتصرف في مالك، وليس معناه أنك ملكٌ لأبيك، أو أن مالك ملكٌ له، فإن هذا يمنعه الإجماع، فالابن ليس ملكًا لأبيه.
إذا كان ليس ملكًا لأبيه إذن ماله ليس ملكًا له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، فجعل الله الميراث جاريًا بين الآباء والأبناء، ولو كان ملك الأبناء للآباء لم يكن هناك جريان للإرث.
هل يجري الربا بين الزوج وزوجته؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، بين الأختين في الحليِّ؟ تشتري الأختان حليًّا، ثم إذا وصلتا إلى البيت قالت إحداهما: هذا الحلي لا أريده، فقالت الأخرى: أنا أريده، فقالت: نتبادل، هل يجري الربا بينهما؟ طالب: (... ). الشيخ: يا إخوان! هذه مبادلة وتنازل عن الزائد، أين الفقه؟ ! طالب: لا، ما يجوز.
الشيخ: أين الفقه؟ ! الآن هذه أخذت أُسورة وهذه أخذت أسورة، بعد الرجوع إلى البيت رغبت إحداهما أسورة الأخرى وبينهما تفاضل، يعني هذه أسورتها واسعة وثقيلة وهذه بالعكس، فقالت: ليس بيننا حساب، خذي الأسورة التي لي، وآخذ الأسورة التي لكِ، تنازُل، يجوز أو لا يجوز؟ طلبة: يجوز.
طلبة آخرون: لا يجوز.
الشيخ: اختلف العلماء على قولين.
طالب: (... ) الوزن.
الشيخ: لا، الوزن بينهما فرق، هذا أكثر، واحدة أكثر من الثانية.
طالب: (... ).

الشيخ: كيف مخلوطة؟ هذه أسورتها مثلًا كم نقول؟ عشر أواقٍ، وهذه خمس عشرة أوقية، لكن ما هو على سبيل البيع على سبيل التنازل.
طالب: لو كان على سبيل (... )؟ الشيخ: طيب، على سبيل المبادلة؟ طلبة: (... ). الشيخ: إي صحيح، تمام، علمكم راسخ والحمد لله، لا يجوز البيع؛ لأن التبادل بيع، الفقهاء يقولون: البيع مبادلة مال بمال، فهذا تبادل، فإن قالوا: تنازل، قلنا: التنازل لا يجوز إذا أدى إلى فعلٍ محرم، وهذا يؤدي إلى فعل محرم، تريدين أن تتنازلي عن الحلي لأختك مجانًا لا مانع، لكن بعوَض والتفاضل بينهما ممنوع لا ينفع كلمة (تنازل)، والحقائق إذا سُميت بغير اسمها لا تتغير، وإلا لكن الكفار يُسمُّون الخمر الشراب الروحي، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك إلى قوم يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها (8)، فالأسماء لا تغيِّر حقائق المسميات.
إذن يجري الربا بين الأقارب كلهم، وليس أحد يعامل أحدًا بربا، وليس بينهما ربًا إلا السيد مع رقيقه، وحقيقة الأمر أن تعامل السيد والرقيق ليس معاملة حقيقية؛ وإنما هي صورة معاملة؛ إذ إن مال الرقيق للسيد.


ثم قال الشارح رحمه الله: (وإذا كان له على آخر دنانير فقضاها دراهم شيئًا فشيئًا فهل يصح؟ ). إنسان في ذمته عشرة دنانير لشخص فقضاها دراهم شيئًا فشيئًا، ولنقل: إن هذه العشرة دنانير تساوي مئة درهم، فصار كل يوم يجيب له عشرة دراهم، حتى أتمت المئة، عشرة أيام تمت المئة، هل يصح هذا؟ طلبة: (... ). الشيخ: إن قلتم: يصح، فخطأ، وإن قلتم: لا يصح، فخطأ.
نقول: هل إنه إذا جاء بالدراهم يقول: هذه عشرة ريالات في مقابل دينار، إن كان يقول هكذا فصحيح، وإن كان لا يقول هكذا ففيه تفصيل، فهذا ليس بصحيح لكن إذا انتهت مئة الدراهم يصارفه من جديد.
ولهذا يقول رحمه الله: (فإن كان يعطيه كُلَّ درهم بحسابه من الدينار صح)، واضح هذا؟ طالب: ما هو بواضح.

الشيخ: قلنا: الدنانير كم؟ عشرة، تساوي مئة، فصار هذا المطلوب كلما جاء بعشرة دراهم قال: هذه مقابل دينار، يصح أو لا يصح؟ يصح؛ لأن صاحب الدنانير قد قبضها في الواقع، أليس كذلك؟ لأنه قبضها في الواقع إذ هي عنده، وإن كان لا يقول هكذا، بس يأتي كل يوم بعشرة دراهم حتى انتهى وسلمه مئة فإنه لا يصح.
(وإن لم يفعل ذلك ثم تحاسبا بعدُ فصارفه بها وقت المحاسبة لم يجز؛ لأنه بيع دين بدين، وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمة صحَّ).
(إن لم يفعل) ويش معنى (يفعل)؟ يعني: إن لم يعطه كل درهم بحسابه يقول: هذا في مقابل كذا، (ثم تحاسبا بعد) يعني: بعد أن تمت الدراهم تحاسبا، وصارفه بها وقت المحاسبة لم يَجُز؛ لأنه بيع دين بدين.
كيف بيع دين بدين؟ ! نعم بيع دين بدين، صار يأتي الآن كل يوم بعشرة دراهم، انتهت المئة، قال: الآن نصارف، فما عندك من المئة مقابل ما عليَّ من الدنانير، نقول: ما حضر لا دنانير ولا دراهم، إذن هو بيع دين بدين، بيع ما في ذمة المطلوب دنانير بما استلمه صاحب الطلب الذي يطلب الدنانير، فهو بيع دين بدين، فلا يصح.
إذن ما هو الطريق؟ الطريق أنك تحضر (... )؛ ولهذا قال: (وإن قبض أحدهما من الآخر ما له عليه، ثم صارفه بعين وذمة صحَّ).
نقول: حضِّر (... )، حضر عشرة دنانير ثم بعد ذلك قل: هذه الدنانير هي مقابل ما عندك من الدراهم، كم اللي عنده من الدراهم؟ مئة، فيكون الصرف الآن؟ طالب: يجوز؟ الشيخ: إي نعم، هو صحيح، لكن يكون بأيش؟ عين بذمة.
وإن أحضر كل واحد ما عنده يصح أو لا يصح؟ يصح من باب أوْلى؛ لأنه الآن صرْف عينٍ بعين.
هذه الصورة، عندك لزيد عشرة دنانير، واتفقتما على أنك تعطيه بدلها دراهم، فصرت كل يوم تأتي بعشرة دراهم حتى انتهت، كم تكون؟ طالب: مئة.
الشيخ: حضَّرت مئة درهم لكنك تحضر كل يوم عشرة أو خمسة المهم انتهت، وقلت: هذه الدراهم اللي أنا حضرتها لك عن الدنانير التي لك في ذمتي، يصح ولّا ما يصح؟

الطالب: ما يصح.
الشيخ: كنت كلما أحضرت عشرة دراهم قلت: هذه مقابل دينار؟ أيش تقول؟ طالب: يصح.
الشيخ: أيش؟ الطالب: يجوز البيع لأنه.. الشيخ: أنت تفقه ما تقول الآن ولّا لا؟ كل ما جئت بعشرة دراهم قلت: هذه عشرة في مقابل الدينار، يصح؟ الطالب: يصح.
الشيخ: كيف المصادفة هذه ويش نوعها؟ ذمة بذمة ولَّا عين بعين؟ طالب: عين بذمة.
الشيخ: عين بذمة.
توافقون على هذا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، انتهت الدراهم ثم صارفه بما في ذمته من الدنانير، أيش تقول؟ طالب: إن أحضر أحدهما.. الشيخ: لا، ما أحضر شيئًا أبدًا.
الطالب: إذا صارف دينًا بدين، ما يجوز.
الشيخ: قال: الآن أنت أخذت مني مئة درهم وأنا في ذمتي عشرة دنانير، خلاص اللي الآن استملتَ مني عِوض عن العشرة دنانير اللي في ذمتي؟ الطالب: هذا لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز! كل واحد استلم اللي وقع عليه العقد! الطالب: ولكن البيع حدث بعد الاستلام.
الشيخ: إي نعم، بعد الاستلام.
الطالب: ما يجوز هذا.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأنه بيع دين بدين.
الشيخ: ويش تقولون يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: صحيح، أحضر أحدهما ما عنده، يعني: صاحب الدنانير اللي عليه عشرة دنانير جاب عشرة دنانير، وقال: هذه العشرة عن الدراهم التي عندك لي، يصح؟ طالب: يصح؛ لأنه بيع دين بعين.
الشيخ: بيع دين بعين، طيب، صحيح هذا ولَّا غير صحيح؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: إي.
طالب: (... ).

الشيخ: والصحيح أنه يصح في هذه المسألة وفيما إذا تصارفا في الذمة؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نبيع الإبل بالدراهم ونأخذ الدنانير، ونبيع بالدنانير ونأخذ الدراهم (9)، أنه لا تُحضر الدراهم ويقع العقد على عينها؛ هذا ظاهر الحديث؛ ولأن المقصود من التقابض قبل التفرق قد حصل، الدراهم الآن في ذمتك والدنانير في ذمتي، نتفرق وليس بيننا شيء، فالصحيح أنه يصح، وأنه ليس من باب بيع الدين بدين، وإنما المنهي عنه -أي بيع الدين بالدين- ما سبق تصويره ومر علينا.
إذا إنسان يشتري حاجات من بقالة، ويحاسبه كُلَّ شهر، إذا انتهى الشهر قال: كم عليَّ؟ قال: كذا وكذا، فسَلَّمَه دون أن يعيِّن الدراهم حين تسليمها، يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، وهذا مما يؤيِّد القول بأنهما إذا تصارفا في الذمة، وكان كل واحد منهما قد قبض ما يؤول إليه فإنه صحيح.
ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب بيع الأصول والثمار).


طالب: بالنسبة للدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد، مو بالأقرب أنها فعلًا لا بد أن تتعين بالتعيين.
الشيخ: أيش؟ الطالب: أقول: ما هو بالمذهب هنا هو الأقرب إلى الصحة؟ الشيخ: لا.
الطالب: يا شيخ، يعني السؤال يا شيخ... الشيخ: إذا كان لا يختلف المراد؟ الطالب: هذا هو السؤال، الدراهم والدنانير عادة كانت عندهم تختلف، ليست كعملتنا الآن، عملتنا الآن مئة الريال معروفة لا تزيد ولا تنقص؟ الشيخ: هم مرادهم أيضًا الدراهم والدنانير التي لا تختلف.
الطالب: فإن كان فيه (... )؟ الشيخ: حتى التي تختلف أيضًا، هل تتعين أو يجوز أن يعطيه من جنسها من مكان آخر؟ الطالب: لو أعطاه من مكانٍ آخر لا بد أن يحدث فرق بين (... ). الشيخ: لا، ما يحدث فرق، الدراهم معروفة، والدنانير معروفة.

طالب: بالنسبة لمسألة التعامل بين الأختين في الذَّهب، المبادلة، هل نقول: إن العرف جار أن الذهب يكون في ملك الأب وإنما يكون يعني ينتقل الملك إليهم، يعني انتقال صوري مثلًا، يعني ليس انتقالًا مقصودًا؟ الشيخ: هذا يقول: إن الحلي الذي في يد الأختين ملك للأب، مَنْ قال هذا؟ الطالب: عُرف الناس.
الشيخ: أبدًا، ولا عُرف الناس، هذا الذي تقول: إنما يكون بالنسبة للبنات الصغار، البنات الصغار ربما أنه يكون الوالد قد أعطاهم هذا على سبيل العارية، ما هو على سبيل التمليك، فإذا كان على سبيل العارية فإنه لا ربا؛ لأن لباس هِند ولباس سلمى كله للأب.
الطالب: مثلًا نقول يا شيخ: إذا أعطاها الأبُ فقال: أعطيها لأختك ونشتري لكِ بدلها، فهل يكون (... )؟ الشيخ: لا هذا غيره، ما هو بمبادلة، هذا وعد من أبيها أنه يشتري بدلها، ما هو مبادلة.
طالب: قلنا: إن المسدد يعني بكل عشرة عن دينار لا بد أن يصرح كل مرة أن هذه العشرة عن دينار.
الشيخ: نعم.
الطالب: يا شيخ إذا كان في أوَّل مرة يقول: أنا سأعطيك كل مرة عشرة عن دينار، وأتت كل المرات ولم يصرِّح له أن هذه العشرة عن دينار، كان بسابق علم؟ الشيخ: إي، لا بد، ليش؟ لأن الذهب والفضة قد يزيد وينقص.
طالب: التحويل بالعملة الأخرى إلى البلاد الأخرى.
الشيخ: أفهمتم السؤال؟ يقول: هل يجوز أن أحول عملة إلى بلدٍ آخر، مثلًا أسلِّم البنك هنا دراهم سعودية وأقول: سلمني إياها في بلدي من نقد البلد، هل يجوز أو لا؟ طالب: التقابض.
الشيخ: نقول: يجوز إذا قال: تُحوَّل هذه الدراهم السعودية على أنها دراهم سعودية هناك، ثم يحصل المصارفة هناك بما يساوي الريال السعودي، واضح؟ طالب: كيف يا شيخ؟ الشيخ: مثلًا حولتُ ألف ريال سعودي إلى بلدٍ آخر، نقول: الذي يتحول كم؟ ألف ريال سعودي إلى هناك، ثم إذا جاء القابض لها نقول: إن شئت أن تأخذها ريالًا سعوديًّا خذها، وإن شئت أن تصرفها فإنك تصرفها بسعر يومها.

طالب: ما يحصل.
الشيخ: اصبروا يا جماعة، عرفتم ولّا لا؟ إذن (... ) لنفرض أنه مثلًا حول من بنك في السعودية إلى بنك القاهرة في القاهرة، نقول: تتحول الآن الدراهم إلى أيش؟ إلى بنك القاهرة سعودية، ثم عند قبض عوضها يقال: كم تساوي هذه الدراهم السعودية بالجنيه المصري؟ ويتم العقد على هذا الوجه، واضح؟ طلبة: ما يحصل.
الشيخ: لماذا؟ طالب: لأن السعوديين في البنك ولهم نائب هناك آخر يتعاملون معه بحيث يرسلون الرقم، رقم ألف ريال عندنا استلمناه أعطه المقابل، وهات ما يعادله.
الشيخ: ما يخالف، إذا جاء التحويل مقابله هناك ما هو هنا، يعني: لنفرض ألف ريال سعودي يساوي مثلًا ألف جنيه مصري هنا، لكن في مصر يساوي ثمان مئة جنيه، يأخذ بثمان مئة جنيه، ما هو بألف؛ لأنها تؤخذ بسعرها هناك، لكن مع ذلك سمعت أن هذا أيضًا لا يمكن، يقولون: إن هذا لا يمكن.
طالب: (... ) الريال السعودي بالعملة الأخرى هنا، يعني الألف ريال تحول إلى عملة أخرى وتعطى الشيك، ثم ترسل أنت إلى هناك فتستلم المبلغ.
الشيخ: هذا غير صحيح.
الطالب: هذا هو الحادث.
الشيخ: ليش؟ لأن الشيك ليس قبضًا، الشيك تحويل، لكني أقول: إنه إذا صُرفت بشيك بما تساوي هنا، وصُرفت بشيك مصدق، واتُّصِل بالبنك الذي هناك وقال: نعم الرصيد المطلوب موجود عندي ولن أصرفه، فهذه ربما نقول: للضرورة إذا لم يمكن إلا هذه الحال فلا بأس بها؛ لأن الناس لا يمكن أن تتعطل مصالحهم، وكونه يحول دراهم سعودية إلى هناك ثم يجري التصارف هناك، ما يطيعوه، الحكومات ما تطيع.
إذن ما فيها الآن إلا للضرورة؛ انتبهوا: للضرورة يأخذ شيكًا مصدقًا ويتصل بالبنك الآخر ويقول: هل عندك رصيد لهذا الرقم، إذا قال: نعم، يقول: احبسه أو احبس منه المقدار المعين، حينئذٍ نقول: للضرورة لا بأس، جائز، فهمتم ولّا لا؟ وهذا ممكن ولّا غير ممكن؟ طالب: غير ممكن.
الشيخ: لا، ممكن.
طالب: هذا ممكن.

طالب: (... ) نأخذ الشيك ونذهب إلى البنك المحول عليه ويقول الموظف مثلًا: الرصيد غير موجود، تعالَ بعد أسبوع أو عشرة أيام (... ). الشيخ: أحسنت، ولهذا قلنا: لا بد أن يكون مصدقًا، ولا بد يتصل على البنك المحوَّل عليه.
طالب: هذا غير منطقي أني أقول للموظف مثلًا: اتصل لي بالبنك في القاهرة لأعرف الرصيد موجودًا ولَّا غير موجود.
الشيخ: لا، ممكن، هذا ما فيه مانع.
الطالب: ما يطيعه يا شيخ.
الشيخ: إذا ما أطاعه ندور غيره، ندور على بنك ثان، هم يطيعون، ما يحتاج.
طالب: ما يطيعون يا شيخ.
طالب آخر: المكالمة الواحدة يا شيخ تتكلف خمسين ريالًا.
الشيخ: أقول: عليَّ أنا، تكلم.
طالب: ما يقبل هو.
طالب آخر: ما يمكن.
الشيخ: والله ما أعرف إلا... طالب: البنك لا يفعل هذا إلا إذا كان عنده الرصيد في البنك الآخر اللي هو في مصر، هذا أمر مرتب يا شيخ، لا يحتاج أني أنا مثلًا أتصل عليهم من هناك.
الشيخ: يعني: أنه ما يصدقه إلا بعد أن يتيقن أن هناك رصيد؟ الطالب: ما يصدر الشيك إلا بعد أن يكون هناك مقابل.
الشيخ: أنا قلت هذا: إنه لا بد من الاتصال بالبنك؛ لأن أحيانًا تُحال الشيكات ولا يصرف رصيد، وهذا كثير.
(... ) طالب: (... ). الشيخ: أقول: لم أفهم سؤالك.
ما هو سؤالك؟ الطالب: إذا كان جنسان ربويَّان.. الشيخ: نعم، اتفقا في علة ربا الفضل.
الطالب: لم يتفقا في علة ربا الفضل.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: يجوز أنه (... ). الشيخ: لا، إذا لم يتفقا.
الطالب: نعم إذا لم يتفقا (... ). الشيخ: إي نعم، صح.
الطالب: وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِه الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (4)؟ الشيخ: أجبنا عنه، ما أجبنا عنه يا جماعة؟ «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ»، أجبنا عنه.
الطالب: أقول يا شيخ: إذا كان (... ) وهذا ربا.
الشيخ: ما ذكرنا هذا؟ ذكرنا هذا، وقلنا: السَّلَم يدل على ذلك.

الطالب: في غير النقد يا شيخ.
الشيخ: حتى في غير النقد؛ ولهذا قال العلماء رحمهم الله: إنه إذا باع مكيلًا بموزون جاز كُلُّ شيء.
طالب: يقول: إن العلة في جريان الربا في الذهب والفضة كونهما ذهبًا وفضة، ليس كونهما نقدين، فما هي العلة في الأوراق نقدية؟ الشيخ: إي، هذه مشكلة، هذه لا تنطبق إلا إذا قلنا: إن العلةَ الثَّمَنيَّةُ، فقد أصبحت الأوراق النقدية الآن ثمنًا، تُشترى به الأشياء، وتدفع به الأجور وما أشبه ذلك، ويبقى علينا إذا قلنا: العلة الثمنِيَّة يُشكِل علينا حديث القلادة (10)، فإنها ليست ثمنًا، بل ذهبًا، ويُشكل علينا أيضًا عموم قوله: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» (11) هو عام، سواء كان نقدًا أو غير نقد، فلهذا (... ) الأوراق النقدية بالذهب والفضة في النفس منه شيء، لكن الإنسان يستعظم أن يقول للناس: هذه الأوراق النقدية عروض مطلقًا؛ لأننا لو قلنا بهذا لأصبحت البنوك الآن التي تتعامل بالربا أيش؟ حلالًا لا ربا فيها، هذه واحدة.
الشيء الثاني: لو قلنا بهذا قلنا: لا زكاة في هذه الأوراق ولو بلغت الملايين إلا إذا عدَّها للتجارة، تكون عروض تجارة، وقد قال بهذا بعض العلماء، حتى الفقهاء قالوا: لا زكاة في فلوسٍ مطلقًا؛ لأن الفلوس عروض، حتى لو كان الإنسان عنده ملايين من الفلوس اللي هي النقود المعدنية فليس عليه زكاة.
لكن هذا ما يستطيع الإنسان يتجاسر فيه.
كل الناس اللي عندها ملايين من هذه الأوراق يقولون: ما أردنا التجارة فلا زكاة علينا، وكل البنوك تقول: خلاص الحمد لله أن (... ) ويقول: أنتم تحاربون الله ورسوله، الآن لسنا نحارب الله ورسوله.

فالحقيقة إن القول بأن العلة الثمنية قول قوي جدًّا؛ لأنه لا فرق بين أن تدفع مثلًا دينارًا أو أن تدفع ورقة فئة خمس مئة ريال بالنسبة لقيم الأشياء، لا فرق، لكن حديث فضالة هو الذي يُشكِل على هذا، إلا أن يقال: إذا كان أحدهما نقدًا، وهو من جنسه جرى الربا، حينئذٍ ننفك من هذا الإشكال.
(... ) هذا يقول: استدللنا بحديث ابن عمر (9) على جواز بيع ما في الذمة بما في الذمة فلم أفهم هذا، بارك الله فيكم، وفهمت أن أحد النقدين حاضر؟ مثلًا باع الإبل بدراهم، فقال: أعطني بدل الدراهم دنانير.
ليس في الحديث دليل على أنه أحضر الدنانير، بل قال: أعطني بدلها دنانير، ثم ذهب وجاء إليه بالدنانير، فيكون هنا بيع دين بدين.
(... ) ما معنى قوله: (يحرُم ربا النسيئة)؟ طالب: النسيء معناه التأخير؛ يعني: يحرم التأخير.
الشيخ: تأخير القبض؟ الطالب: تأخير القبض نعم.
الشيخ: إذا باع؟ الطالب: إذا باع جنسين اتفقا في علة ربا الفضل.
الشيخ: أحسنت، إذا باع الإنسان جنسين اتفقا في علة ربا الفضل حرُم النسيئة، وهو أن يتفرقا قبل القبض.
المثال؟ طالب: مثل: باع البر بشعير.
الشيخ: مثل أن يبيع بُرًّا بشعير أو؟ الطالب: أو ذهبًا بفضة.
الشيخ: أو ذهبًا بفضة.
هل يستثنى من هذا شيء؟ طالب: نعم، يستثنى (... ). الشيخ: وهي؟ الطالب: وهي إذا كان بينهما نقد.
الشيخ: كيف إذا كان بينهما نقد؟ الطالب: يستثنى إذا كان أحدهما نقدًا.
الشيخ: يستثنى ما إذا كان أحدهما نقدًا.
هل هناك دليل على هذا الاستثناء؟ طالب: نعم، حديث القلادة (10). الشيخ: لا.
طالب: حديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنِ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» (12). الشيخ: وجه الدلالة؟ الطالب: وجه الدلالة أن السَّلَم هو تقديم الثمن (... ).

الشيخ: لكن هذا يقول: «فِي كَيْلٍ»، يقول: كيلٌ لا يتفق مع النقدين في علة ربا الفضل؟ الطالب: في رواية: «فِي شَيْءٍ».
الشيخ: و «فِي شَيْءٍ»، وفي بعض الروايات «فِي ثَمَرٍ» (13). الطالب: هذا وجه استدلال؟ الشيخ: إي ما هو؟ من دليلك، الآن أنت أتيت بالدليل، لكن لا ندري هل أتيت به تقليدًا أو أنك تعرف وجه الدلالة، والمطلوب الآن أن تبين لنا وجه الدلالة؟ الطالب: وجه الدلالة أن السَّلم في كل الثمن غير مثمن، هو قدم ثمن أحد النقدين.
الشيخ: الثمن أحد النقدين، وإذا كان المثمَن - وهو المسلم فيه - مكيلًا لم يتفقا في علة ربا الفضل.
الطالب: قد يكون ليس ذهبًا وفضة.
الشيخ: ويش يكون؟ الطالب: قد يكون بُرًّا أو تمرًا.
الشيخ: ما يصلح.
طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: «أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ».
الشيخ: قوله: «أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ»، والدنانير والدراهم موزونة.
هذا الدليل، فيه تعليل أيضًا.
هذا الاستثناء له دليل وله تعليل؟ طالب: الدليل ما ذكره الأخ، أما التعليل فلئلا يسد باب السلم.
الشيخ: في؟ الطالب: في الموزونات.
الشيخ: دائمًا؟ الطالب: لا، غالبًا.
الشيخ: غالبًا.
طيب، ما الذي أخرجه قوله (غالبًا)؟ الطالب: لأنه في المكيلات قد يكون في غير النقد.
الشيخ: صحيح؛ لأنه إذا جعل الثمن مكيلًا في الموزون لم يسدَّ باب السلم، وهذا كما تعرفون على الخلاف اللي مر.
هل يجوز للإنسان أن يتعامل بالربا مع رجلٍ حربي؟ طالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز! حربي يا رجال! حربي؟ الطالب: ما يجوز.
الشيخ: حربي مباح المال؟ الطالب: ما يجوز.
الشيخ: ما يجوز؟ أجب.
الطالب: الربا حرام سواء مع حربي أو مع غيره.
الشيخ: سؤالي هل يجوز الربا في معاملة الحربي أو لا؟ الطالب: لا يجوز.
الشيخ: لا يجوز.
إذا قال لك قائل: أليس ماله حلالًا؟ الطالب: بلى.
الشيخ: إذن ليش ما آخذ ماله بأيِّ وسيلة؟ طالب: لأن الربا محرم لذاته، الله تعالى حرَّمه.

طالب آخر: لأن المعاملات خلاف ذلك (... ) البيع، خلاف غيرها.
الشيخ: إي، معناه إذا كان خلاف غيرها يجوز الربا معه.
الطالب: الحربي أو غير الحربي لا تعامل إلا بوفق الشرع.
الشيخ: يعني: المعاملات يجب أن تكون على وفق الشريعة ولو كان مع الحربيين؛ لأنه لما جرى البيع بينك وبين هذا الحربي فقد أعطيته أمانًا، لاحظوا هذه المسألة، ما دمت عقدت عقدًا بينك وبين الحربي فقد أعطيته أمانًا، وإذا أعطيته أمانًا صار ماله معصومًا.


باب بيع الأصول والثمار

قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب بيع الأصول والثمار).
أفرد المؤلف رحمه الله بيع الأصول والثمار ببابٍ مستقل لكثرة فروعه، وإلا فهو داخل في ضمن باب البيوع.
فالأصول جمع أصل، والثمار جمع ثمرة.
فما هي الأصول؟ الأصول هي الأشياء الثابتة من العقار والأشجار والدور والأرض، وهذا هو مرادنا بقولنا: العقار، هذه هي الأصول: الشيء الثابت من أرضٍ أو دارٍ أو أشجار، والثمار ما ينتج من الأشجار، فالنخلة تعتبر أصلًا، وثمرها ثمر؛ لأنه نامٍ منها.
والمقصود بهذا الباب، ليس المقصود الكلام على شروط البيع؛ لأن شروط البيع قد سبقت، ولا على موانع البيع؛ لأن موانع البيع أيضًا سبقت، ولكن المقصود بيان ما يدخل في البيع وما لا يدخل.
فيقول المؤلف رحمه الله: (إذا باع دارًا شمل أرضها، وبناءها، وسقفها، والباب المنصوب، والسلم والرف المسمرين، والخابية المدفونة) إلى آخره.
(إذا باع دارًا) فقال: بعت عليك هذه الدار بكذا، فلا بد أن يكون الثمن معلومًا كما هو ظاهر، ولا بد أن تكون الدار ملكًا للبائع أو له ولاية عليها أو وكالة، لكن المهم إذا باع دارًا فما الذي يدخل في الدار؟ يقول: (يشمل الأرض)، إلى أين؟ إلى الأرض السابعة، ويشمل أيضًا الهواء؛ هواءها إلى أين؟ إلى السماء الدنيا، أما ما وراء السماء الدنيا فلا يملك ذلك؛ لأن السماء الدنيا سقف فليست ملكًا.

كذلك أيضًا يشمل (بناءها)، (بناءها) أي: ما بُني فيها من الحُجَر والسور وما أشبه ذلك، ويشمل (سقفها)؛ لأنه تابِع لما بُني فيها، ويشمل أيضًا (الباب المنصوب)، الباب المنصوب يعني المركب، فإذا باع عليَّ دارًا ثم أراد أن يأخذ أبوابها، قلنا: لا؛ لأن الباب داخل في الدار، هذا إذا كان منصوبًا، إما مسمَّرًا إن كان مما يُنصب بالتسمير أو مبنيًّا عليه، المهم إذا كان منصوبًا، فإن لم يكن منصوبًا؛ بأن كان هذا الباب على فوهة الحجرة، يأخذه بيديه إذا أراد يدخل، وإذا دخل الحجرة وأراد يغلقه رده إلى مكانه، فالباب هنا منصوب أو غير منصوب؟ غير منصوب، هل يدخل في البيع؟ يقول المؤلف: إنه لا يدخل، فللبائع أن يأخذه؛ لأنه ليس منصوبًا؛ إذ لو أراد البائع أن يكون هذا تابعًا للدار لنَصَبَه، فهو كالخِرقة مثلًا إذا كانت الخرقة أيضًا غير مسمرة يأخذها البائع.
(والباب المنصوب والسلم والرف المسمرين) السُّلَّم الذي يُصعد به إلى السَّقف إذا كان مسمَّرًا يدخل، فإن لم يكن مسمَّرًا فإنه لا يدخل، وكذلك الرف إن كان مسمَّرًا دخل وإلا فلا.
إذا كانت أيدي الرف مُسمَّرة والخشبة التي هي الرف موضوعة على هذه العضائد، فهل يدخل في البيع؟ نقول: أما العضائد فتدخل؛ لأنها مسمرة، وأما الخشب الموضوع فإنه لا يدخل؛ لأنه غير مُسمَّر.
ومثل ذلك الرَّحَى، البيت فيه رحى أسفلها يدخل في البيع؛ لأنه مبنيٌّ ثابِت، والرحى الفوقاني لا يدخل في البيع؛ لأنه يُنزع.
(والخابية المدفونة) الخابية مجمع الماء وشبهها، إذا كانت مدفونة دخلت، وإن كانت موضوعة على سطح الأرض فإنها لا تدخل كسائر الأواني.
وما ذكره المؤلف رحمه الله ليس له دلالة شرعية، وإنما له دلالة عُرفية، فهذه الأمور في أعرافهم لا تدخل، فلا يكون البيع شاملًا لها، لكن لو اختلف العُرف وصار الباب داخلًا في المبيع سواءٌ كان منصوبًا أو غير منصوب، فهل يدخل؟

نعم، كذلك أيضًا مسألة الرف الذي مثَّلنا به، عضائد الرف مسمَّرة وثابتة، ولكن الخشب الذي يوضع على هذه العضائد غير مسمَّر، جرت العادة أنه تَبَع، العرف أنه تبع فيدخل.
أيضًا الرَّحى الطبقة السفلى منها مسمرة بالأرض أو مبنية، والعليا غير مسمَّرة.
يقول المؤلف: إن العليا لا تدخل، ولكن لا شك أن الطبقة العليا تدخل؛ لأنه هل يمكن أن تكون رحى بدون طبقٍ أعلى؟ لا يمكن، ثم هو إذا أخذ هذه العليا لن ينتفع بها إلا بسفلى.
فالصواب أيضًا في مسألة الرَّحى أنها داخلة إذا كانت منصوبة بالأرض؛ يعني: مثبتة يدخل الأعلى كما يدخل الأسفل.
قال: (دون ما هو مودع فيها من كنز وحجر) الكَنْز مُودَع في الأرض، فلا يدخل في البيع؛ لأنه منفصل، فإذا وَجد المشتري في هذه الأرض كَنْزًا فإنه لا يدخل في البيع، بل يكون لصاحبه، إذا كان مكتوبًا عليه أو ما أشبه ذلك يُردُّ إلى صاحبه، وإن لم يكن مكتوبًا عليه فإنه لمن وجده؛ لأنه ليس داخلًا في البيع؛ وعلى هذا فلو وجد المشتري كنزًا مدفونًا، فليس للبائع أن يطالبه وأن يقول: إن الكنز لي، حتى يثبت ببينة أنه له؛ لأن الكنز لا يتبع الأرض، سواء جاءت من البائع أو وجدها المشتري أو باع الدار بعد ذلك، المهم أن الكنز لا يدخل.
وقوله: (وحجر)، كيف (حَجر)؟ ربما بعض الأحجار يكون لها قيمة، فتدفن في الأرض، فيجدها هذا الرجل، فنقول: إن هذا الحَجر لا يدخل في الدار، لماذا؟ لأنه مودَع فيها، فإذا كان مودعًا فيها فإنه لا يدخل.
أما الحَجر الذي من طبيعة الأرض، فهل يدخل أو لا؟ نعم يدخل؛ لأنه من طبيعة الأرض.
كذلك لا يدخل فيها ما هو منفصل، المنفصل عن البيت لا يدخل؛ مثاله: (كحبل ودَلْوٍ وبَكْرة وقُفل وفُرش ومفتاح) لا يدخل في البيع، لماذا؟ لأنه منفصل.

الأمثلة؛ يقول رحمه الله: الحبل والدلو والبَكْرة، كل هذا تتعلق بالبئر، فإذا باع دارًا فيها بئر وهذا البئر فيه بَكْرة، وفيه حبل؛ الرِّشا، وفيه دلو؛ فإن البكرة لا تدخل، أتدرون ما هي البكرة؟ المَحَّالة، أتدرون ما المَحَّالة؟ التي يدور عليها الرِّشا -بالكسر-.
الرِّشا أيضًا لا يدخل، الدلو لا يدخل.
وظاهر كلام المؤلف أن البكرة لا تدخل ولو كانت مسمَّرة، وفي هذا نظر؛ لأنها إذا كانت مسمرة فقد أُعدِّت أيش؟ للبقاء فهي كالرفِّ المسمَّر ولا فرق، أمَّا الرِّشا والدَّلو فنعم منفصل لا يدخل البيع.
كذلك القفل ليس داخلًا في بيع الدار، لماذا؟ لأنه منفصل، وأما الكالون الذي في نفس الأبواب فهو تبعٌ للأبواب، إن دخلت دخل وإن لم تدخل لم يدخل.
الفُرُش أيضًا لا تدخل؛ لأنها منفصلة، وظاهر كلام المؤلف: حتى وإن كانت ملصقة كما يوجد في الفرش الآن، فيه فرش ملصقات بالأرض، وفرش تُحمَل، منفصلة.
لكن قد يقال: إن الفرش الملصقة كالرَّف المسمَّر، تدخل في البيع ولا تُنزع.
المفتاح لا يدخل في البيع، وعلى هذا فإذا بعت عليك دارًا أخذت المفاتيح، وهذا يقولون: لأنه منفصل، ولكن هذا خلاف العادة والعرف، ولا شك أن المفاتيح داخلة، وأن الفرش فيها تفصيل؛ ما كان ملصقًا ثابتًا فهو داخل وما كان منفصلًا ينقل فهو غير داخل.
(... )


طالب: اشترى رجل من صائغ مجوهرات، ثم بدا له أن يرجعها ويأخذ ثمنها، فأرجعها ويريد أن يأخذ بثمنها غيرها، فهل يأخذ النقود من البائع أو يشتري (... ). الشيخ: قال الإمام أحمد رحمه الله: يبيعها على هذا الصائغ ثم يأخذ الثمن ثم يبحث في السوق فإن وجد شيئًا وإلا رجع واشترى منه.
الطالب: وإذا اشترى منه مباشرة؟ الشيخ: فلا بأس، لكن الأحسن ألا يكون.
الطالب: وإذا اشترى منه مباشرة؟ الشيخ: هذا إذا باعها عليه بيعًا، أما إذا فُسخ البيع الأول وهو ما اتفقا عليه ولا قُصد به الحيلة، فليشترِ فورًا منه ولا بأس.

الطالب: ولكن المشتري يقول: لا أفسخ العقد حتى تشتري؟ الشيخ: إي، إذن معناه أنه لا بد من هذا، يقال: والله أنا ما يصلح؛ لأنه إذا اشترط أن يشتري منه لزم أن يأخذ عوضًا عن هذه الدراهم ذهبًا يحرُم فيه التفاضل بينه وبين الذهب الأول.
الطالب: ولكن يا شيخ (... ) ويأخذ ذهبًا جديدًا يرجع الأفضل.
الشيخ: لكن مشروط عليه، حيلة.
الطالب: وإذا لم يشترط؟ الشيخ: كما قلت لك: إذا لم يشترط وأعطاه الدراهم ثم يذهب ويبحث في السوق إن وجد وإلا رجع إليه.
الطالب: ولكن الآن (... )؟ الشيخ: هو على كُلِّ حال الأحوط ما قاله الإمام أحمد، لكن إذا لم يكن مواطأة ولا اتفاق ولا شرط، فلا بأس، إلا أنه لا بد من إحضار الدراهم.
الطالب: ويقبضها يا شيخ؟ الشيخ: إذا أحضرها فهذا قبض، ما يحتاج.
طالب: (... )؟ الشيخ: يعني: يقرضه علشان يكمل؟ الطالب: إي نعم، ولكن مثلًا يعيدها بضاعة؟ الشيخ: ما يصلح هذا، لكن يعطيه الدراهم اللي هي ورق، ويأخذ الموزون ويقول الباقي ما عليه عقد، الباقي يبقى عندك أمانة.
الطالب: يأخذ يا شيخ الخمسين ورقة يا شيخ ثم يبيعها مثلًا؟ الشيخ: الآن هو أعطانا خمسين يريد أن يأخذ عشرة، يعني: عشرة معناه خمس أفراد من العشرات ولّا لا؟ ما وجد إلا ثلاثًا، نقول: خذ ثلاثة الآن وما زاد يبقى أمانة عند البائع.
طالب: (... ) من الذهب ونحوه وليس عنده مال، فيذهب إلى الصائغ ويأخذ منه كقرض أو ذهب ثم يقول له بعد أن تأتي القوائد بعد الزواج.
الشيخ: بعد أيش؟ الطالب: بعد الزواج تأتي القوائد.
الشيخ: تأتي أيش؟ الطالب: القوائد؛ التي تسمى بالقوائد.
الشيخ: ويش القوائد؟ الطالب: ظروف تأتي فيها أموال كهدايا أو مساعدات لهذا المتزوج من قِبل الناس، فيأخذ هذا المال... الشيخ: لا، الأحسن يأخذ ذهبًا بسيارة.
الطالب: كيف ذهبًا بسيارة؟ الشيخ: إي نعم، يشتري ذهبًا بسيارة، يعني: يأخذ ذهبًا عوضه خمسون ألفًا، بسيارة تساوي ستين ألفًا.
الطالب: ما فهمت؟

الشيخ: ما تفهم هذا؟ الطالب: لا.
الشيخ: أفهمتم يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: أنا جئت للصائغ وقلت: أريد ذهبًا قيمته خمسون ألفًا، لكن ما معي فلوس إلا أني أبغي أشتريه منك بسيارة، أحضرها لك بعد ستة أشهر أو بعد سنة، صفتها كذا وكذا، واضح؟ ليش؟ لأن السيارة مع الذهب ليس بينهما ربا.
طالب: إذا باع سيارة ما الذي يدخل في البيع وما الذي لا يدخل؟ الشيخ: إذا باع السيارة؟ الطالب: إي نعم.
الشيخ: كل السيارة تدخل.
الطالب: يكون فيها أشياء منفصلة.
الشيخ: مثل؟ الطالب: الكَفَر (... ) السبير.
الشيخ: السبير، على كلام الفقهاء ما يدخل؛ لأنه منفصل.


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصاحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
ما هي الأشياء التي إذا تلفت فهي من ضمان البائع؟ طالب: سبعة يا شيخ، المكيل، والموزون، والمذروع، والمعدود، وما بيع برؤية سابقة، والثمر على رؤوس النخل، وما منع المشتري البائع من (... ). الشيخ: إذا تلف المبيع بكيل أو نحوه بآفة سماوية، الحكم؟ طالب: هنا (... ). الشيخ: ماذا يكون؟ الطالب: إن كان قبل القبض فيكون بضمان الـ.. الشيخ: إي ما قبضه، معلوم، بعد القبض دخل في ضمانه.
الطالب: يرجع المشتري على البائع.
الشيخ: يعني: انفسخ البيع ولّا إيه؟ الطالب: ينفسخ البيع.
الشيخ: ينفسخ البيع؛ لأنه على ضمان البائع فتلِف فينفسخ البيع.
إذا أتلفه آدمي؟ طالب: هذا من باب الربا (... ). الشيخ: عجيب! طالب: (... ). الشيخ: يعني: قل لي كلامًا من عندك.
الطالب: (... ). الشيخ: إذا فسخ العقد يرجع على البائع بالثمن.
الطالب: (... ). الشيخ: يُمضي العقد ويطالب ببدله.
المؤلف قال: (ببدله)، ولم يقل: بقيمته؟ طالب: (... ). الشيخ: لأنه.
الطالب: (... ). الشيخ: ضمنه بمثله.
الطالب: إذا كان مقومًا فبقيمته.
الشيخ: فبقيمته.
إذن تكون كلمة بدل أعم من كلمة قيمة مثلًا.

ضمان البائع لِما منع قبضه، ما نوعه؟ من أي أنواع الضمانات؟ طالب: ضمان غصب.
الشيخ: ضمان غصب، صح؛ لأنه غاصب حيث منع صاحبه من قبضه.
ما حكم الإقالة بالنسبة لطالبها، وبالنسبة لمجيزها؟ طالب: بالنسبة لطالبها مباحة، وبالنسبة لمجيزها سُنَّة.
الشيخ: بالنسبة لطالبها مباحة، يعني: يجوز للإنسان أن يقول للبائع: أقلني البيعة، أو البائع يقول للمشتري: أقلني البيعة، وبالنسبة لمجيزها سُنَّة.
ما هو الدليل على سُنِّيَتها؟ طالب: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ» (14). الشيخ: طيب هذا الدليل، التعليل؟ طالب: لأن المشتري الذي اشترى سلعةً لم يتغير رأيه.. الشيخ: ما يحتاج، تعليل؟ الطالب: (... ). طالب: لأنها إحسان.
الشيخ: أحسنت؛ لأنها من الإحسان، والإحسان أمرٌ مطلوب، أما ما أردت أن تتحدث عنه يا فؤاد، فأنت الآن تتحدث عن سبب الإقالة أو سبب طلبها، نحن لا نسأل عن ذلك، نسأل أنها من الإحسان.
يقول المؤلف: (إنه لا خيار فيها ولا شفعة)، فما معنى هذا الكلام؟ طالب: لأنها ليست من البيع وكذا.
الشيخ: لكن ما معناه؟ أنا ما أريد تعليله.
ما معناه؟ (لا خيار فيها ولا شفعة).
الطالب: أي ليس فيها خيار؛ لا خيار شرط.
الشيخ: وخيار مجلس؟ الطالب: وخيار مجلس.
الشيخ: ولا شفعة؟ الطالب: ولا شفعة.
الشيخ: طيب.
هات مثلًا لهذا؟ الطالب: لو أقال البائع المشتري أو العكس.
الشيخ: ما يحتاج (أو العكس).
الطالب: لو أقال أحدهما الآخر قبل أن ينفصل.. الشيخ: هما في مكان واحد الآن.
الطالب: قبل أن ينفسخ المجلس، فيرجع عليه بالثمن.
الشيخ: فهل له الخيار بعد أن أقاله؟ الطالب: ليس له الخيار.
الشيخ: ليش؟ لأنها ليست بيعًا بل هي فسخ.
الطالب: فسخ، وليست بيعًا.
الشيخ: ولا شفعة؟ صورة المسألة؟ طالب: مثل: زيد وعمرو شريكان في أرض، فجاء بكر واشترى من زيد هذه القطعة.
الشيخ: نصيبه من الأرض.

الطالب: نصيبه من الأرض، ثم قال بكر لزيد: أقلني الأرض، ما أريد أن أشتريها، فأقاله، فلا يجوز لعمرو أن يُشَفِّع نصيبه من عمرٍو بعد أن أقال البائع المشتري.
الشيخ: إي، فهمتم الصورة؟ وإن باعَ أَرْضًا - ولو لم يَقُلْ بحقوقِها - شَمِلَ غَرْسَها وبِناءَها، وإن كان فيها زَرْعٌ كَبُرٍّ وشَعِيرٍ فلبائعٍ مُبْقًى، وإن كان يُجَزُّ أو يُلْقَطُ مِرارًا فأُصولُه للمُشْتَرِي, والْجِزَّةُ واللُّقَطَةُ الظاهرتان عندَ البيعِ للبائعِ، وإن اشْتَرَطَ المشتَرِي ذلك صَحَّ.
(فصلٌ) ومَن باعَ نَخْلًا تَشَقَّقَ طَلْعُه فلبائعٍ مُبْقًى إلى الجِذاذِ إلا أن يَشترِطَه مُشْتَرٍ، وكذلك شجرُ العِنَبِ والتوتِ والرُّمَّانِ وغيرِه، وما ظَهَرَ من نَوْرِه كالْمِشْمِشِ والتُّفَّاحِ وما خَرَجَ من أَكمامِه كالْوَرْدِ والْقُطْنِ وما قَبلَ ذلك والوَرَقُ فلِمُشْتَرٍ، ولا يُباعُ ثَمَرٌ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه ولا زَرْعٌ قبلَ اشتدادِ حَبِّه ولا رَطْبَةٌ وبَقْلٌ ولا قِثَّاءٌ ونحوُه كباذنجانٍ دونَ الأصْلِ إلا بشَرْطِ القَطْعِ في الحالِ أو جزَّةً جزَّةً، أو لُقْطَةً لُقْطَةً، والحصادُ والجِذاذُ واللُّقاطُ على الْمُشْتَرِي، وإن باعَه مُطْلَقًا أو بشَرْطِ البقاءِ الشيخ: خيار مجلس.
الطالب: خيار مجلس؛ لأنها فسخ.
الشيخ: ولا شفعة.
الطالب: ولا شفعة.
الشيخ: هات مثلًا لهذا؟ الطالب: لو أقال البائع المشتري أو العكس.
الشيخ: ما يحتاج (أو العكس).
الطالب: يعني لو أقال أحدهما الآخر قبل أن ينفصل.. الشيخ: هما في مكان واحد الآن.
الطالب: قبل أن ينفسخ المجلس، فيرجع عليه بالثمن.
الشيخ: فهل له الخيار بعد أن أقاله؟ الطالب: ليس له الخيار.
الشيخ: ليش؟ الطالب: لأنه فسخ.
الشيخ: لأنها ليست بيعًا، بل هي فسخ.
الطالب: فسخ، وليست بيعًا.
الشيخ: طيب، ولا شفعة؟ صورة المسألة؟ طالب: مثل: زيد وعمرو شريكان في أرض، فجاء بكر واشترى من زيد هذه القطعة.

الشيخ: نصيبه من الأرض.
الطالب: نصيبه من الأرض، ثم قال بكر لزيد: أقلني الأرض، ما أريد أن أشتريها.
فأقاله، فلا يجوز لعمرو أن يُشَفِّع نصيبه من عمرٍو بعد أن أقال البائع المشتري.
الشيخ: إي، فهمتم الصورة؟ الصورة ثلاثية: باع زيدٌ على عمرٍو نصيبًا من أرض يشاركه فيها بكر، فالأصل أن زيدًا وبكرًا شريكان، فباع زيدٌ على عمرو نصيبه، ولم يُشَفِّع بكرٌ، أجاز البيع وملكها المشتري، ثم بعد ذلك رغب أن يقيله، فأقاله، فهل لشريكه الأول أن يُشَفِّع أو لا؟ لا؛ لأن هذا ليس ببيع، لكن لو باعها المشتري على الذي باعها عليه أولًا، فهل لشريكه أن يُشَفِّع؟ نعم؛ لأنه انتقل في بيع.


طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى في باب بيع الأصول والثمار: وَإِنْ بَاعَ أرْضًا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا شَمِلَ غَرْسَهَا وَبِنَاءَها، وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ كَبُرٍّ وشَعِيرٍ فَلِبَائِعٍ مُبَقًّى، وإن كان يُجَزُّ أو يُلْقَطُ مِرارًا فأصولُه للمشتري، والجَزَّةُ واللَّقْطَةُ الظاهرتان عند البيع للبائع، وإن اشترطَ المُشتري ذلك صحَّ.
الشيخ: بسم الرحمن الرحيم، قال المؤلف رَحِمَهُ اللَّهُ: (باب بيع الأصول والثمار).
ما الفرق بين الأصول والثمار؟ طالب: الأصول جمع أصل، والمقصود بها الأراضي والأشجار والدور.
الشيخ: والدور، وسميت أصلًا؛ لأنها تبقى.
الثمار؟ الطالب: ما ينتجه الشجر.
الشيخ: نعم، نتاج الشجر والزرع، إذن الفرق أن الأصول هي الشيء الثابت كالأراضي والدور والعقارات وما أشبهها، وأما الثمار فهو نتائج الأشجار والزروع.
إذا باع دارًا وأراد البائعُ أن يأخذ الباب؛ أحد أبواب الحُجَر، هل يملك ذلك أو يشمل البيع؟ طالب: إن كان الباب منصوبا فلا يملك.
الشيخ: معنى منصوب؟ الطالب: يعني مُركَّب.
الشيخ: إن كان الباب مركَّبًا فإنه يدخل في البيع فلا يأخذه البائع، وإن كان.. الطالب: غير مركب فللبائع.

الشيخ: لو قدرنا أن الباب مسنَّد الآن، سيُركب غدًا وباعها في الليل.
الطالب: يأخذه البائع.
الشيخ: يأخذه البائع، ما لم يشترط؟ الطالب: المشتري.
الشيخ: المشتري، تمام.
هل الكنز يدخل في بيع الدار؟ طالب: لا يدخل في بيع الدار.
الشيخ: لا يدخل في البيع.
الطالب: فإن كان عليه اسم فأعطي لمن عليه.. الشيخ: لا، بس، السؤال محدد، إذن الكنز في الأرض لا يدخل، لماذا؟ الطالب: لأنه غير مقصود بيعه (... ). الشيخ: لا.
الطالب: غير متصل.
الشيخ: إي نعم؛ لأنه منفصل، بائن عن الأرض وليس عن الدار، وليس جزءًا من أجزاء الأرض.
إذا باع دارًا وفيها رحًى فأراد البائع أن يأخذ الحَجر الفوقاني.
طالب: على المذهب أنه له ذلك؛ لأنه منفصل، وعلى الراجح والصحيح -إن شاء الله- أنه ما يأخذه؛ لأنه لا يمكن أن يستفيد بهذه الرحى إلا بالذي فوقها.
الشيخ: إلا بالحجر الفوقاني، صحيح، المذهب يقول: الحجر الفوقاني من الرحى لا يدخل في البيع؛ لأنه منفصل، والصحيح أنه يدخل في البيع؛ لأنه تابع لأصله، وهو الحجر المثبَّت، أما إذا كانت رحى موضوعة على الأرض ولم تُبْنَ فإنها لا تدخل في البيع؛ لأنها منفصلة.


قال المؤلف: (وإن باع أرضًا ولو لم يقل بحقوقها شمل غرسها وبناءها).
إذا باع الأرض وفيها غرس فإن الغرس يتبع الأرض؛ لأن الغرس بالنسبة للأرض يعتبر فرعًا تابعًا لأصله، وكذلك البناء، إذا باع أرضًا وفيها بناء فإنه يدخل في بيع الأرض؛ لأن البناء بالنسبة للأرض فرع، فيتبع الأصل.
وقوله: (ولو لم يقل بحقوقها) إشارة إلى خلاف في هذه المسألة، وأنه إذا لم يقل بحقوقها فإن البناء والغِراس لا يدخل في الأرض، وعلى هذا فيُقدَّر له قيمة من جديد، وإلا فللبائع أخذُه، والصواب: أنه داخل في الأرض تبعًا لها.
وإن باع غرسًا فهل تدخل الأرض؟ إذا باع نخلًا –مثلًا- قال: بِعتُ عليك هذا النخل، فهل تدخل الأرض؟

لا، لماذا؟ لأن النخل فرع فلا يتبعه الأصل، الأرض أصل والنخل فرع، ولا يمكن أن يتبع الأصلُ الفرعَ، ولكن في عرفنا نحن وإلى عهد قريب، إذا قال: باع عليه نخله، أو باع عليه أثله، أو ما أشبه ذلك، فإنه يشمل الأرض، ولا يعرف الناس إلا هذا، وعليه فيجب أن تنزل الألفاظ على الحقائق العرفية، ما لم يُنص على أن المراد بها الحقائق اللغوية، فيتبع ما نصَّ عليه، وأما عند الإطلاق فالواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف.
وهذه قاعدة مطردة: أن الواجب حمل الألفاظ على لسان أهل العرف، فما اقتضاه لسان أهل العرف وجب حمل اللفظ عليه، وما لا فلا.
(وإن كان فيها زرع كَبُرٍّ وشعير فلبائع مبقًّى، وَإِنْ كَانَ يُجَزُّ أَوْ يُلْقَطُ مِرَارًا فَأَصُولُهُ لِلْمُشْتَري، وَالجَزَّةُ وَاللَّقْطَةُ الظَّاهِرتَانِ عِنْدَ البيعِ للبائِعِ).
إذا كان في الأرض زرع فهو على نوعين: إما أن يؤخذ مرةً واحدة كالبرِّ والشعير، فهذا يبقى للبائع؛ أي: لا يشمله البيع، كلامنا الآن فيما إذا باع أرضًا، فإن الزرع الذي لا يؤخذ إلا مرة واحدة؛ هذا يكون للبائع ما لم يشترطه المشتري، ويبقى –أيضًا- للبائع إلى الحصاد، فلو طلب المشتري أن يُخْلِيَ الأرض منه فليس له الحق في هذا، بل يقال: أنت اشتريتها وفيها الزرع، ومعلومٌ أن الزرع يبقى إلى الحصاد والجذاذ.
فإذا قال المشتري للبائع: احصده علفًا؛ لأن الزرع يصلح أن يكون علفًا للبهائم، وقال البائع: لا، أنا أريد أن أبقيه حتى يكون سنبلًا وحبًّا، فمَنْ نتبع؟ نتبع قول البائع؛ لأن البائع يملك إبقاء هذا الزرع إلى الحصاد.
القسم الثاني من الزرع: (إِذا كَانَ يُجَزُّ أَوْ يُلْقَطُ مِرَارًا فَالأصُولُ لِلْمُشْتَري، وَالجَزَّةُ وَاللَّقْطَةُ الظَّاهِرتَانِ عِنْدَ البيعِ للبائِعِ).

إذا كان هذا الزرع الذي في الأرض يُجز مرارًا، مثل البرسيم -القت- هذا يُجز مرارًا، يحصد اليوم ثم ينمو فيما بعد، ويحصد مرة ثانية وثالثة، ويبقى سنة أو سنتين على هذه الحال، وربما يبقى أكثر من ذلك حسب طيب الأرض ورداءتها، فهذا يقال: الأصول للمشتري، الأصول -يعني: العروق والجذوع- للمشتري، والجَزَّة الظاهرة تكون للبائع مبقَّاةً إلى أوانِ جزِّها عادة.
اللقطة كذلك: إذا كان هذا الزرع مما يلقط مرارًا مثل الباذنجان، واللوبيا، والملوخية والطماطم، وما أشبهها، فهذا الأصول للمشتري تبعًا للأرض، واللقطة الموجودة تكون للبائع مبقَّاةً إلى أوان أخذها.
فتبين بهذا أن الأرض إذا بيعت وفيها غراس؛ أي: غراس شجر، فهو تابع للأرض، تابعٌ لأصله، وإذا بيعت وفيها زرع لا يُحصد إلا مرة فإنه لا يتبع الأرض، بل يكون لِمَنْ؟ للبائع، وإذا كان فيها زرعٌ أو شجر صغير يُلقط مرارًا أو يُجز مرارًا، فالأصول للمشتري، والجَزة الظاهرة واللقطة الظاهرة تكون للبائع، هذا هو التفصيل.
كُلُّ هذا ما لم يشترط أحدهما على الآخر شرطًا يخالف ذلك، فعلى ما شُرط، ولهذا قال المؤلف: (وإن اشترط المشتري ذلك صح)، (إن اشترط ذلك) المشار إليه اللقطة الظاهرة والجزة الحاضرة، إذا قال المشتري: أنا لا أريد أن تدخل عليَّ كل يوم تلقط الثمرة الظاهرة أو تجز الحَصْدة الظاهرة، أنا أشترط عليك أن يكون لي، فقَبِل البائع فلا بأس، ودليل هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (1) أي: المشتري، وكذلك قوله: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا لَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (2).

كذلك نقول: من باع أرضًا وفيها زرعٌ يُجز مرارًا، واشترط المشتري أن تكون الجزة الظاهرة له فله ذلك؛ لأن المسألة حق لآدميِّ، وحق الآدميِّ له إسقاطه إذا لم يتضمن شيئًا محرمًا.
اتضح المقام الآن؟ فصارت الأشجار والزروع التي على الأرض المبيعة تنقسم إلى؟ طالب: إلى قسمين.
الشيخ: خطأ.
طالب: إلى ثلاثة.
الشيخ: إلى ثلاثة أقسام، الأول؟ الطالب: الأشجار (... ). الشيخ: الأول الأشجار، فما حكمها إذا بيعت الأرض وفيها أشجار؟ الطالب: حكمها: للبائع.
الشيخ: الأشجار للبائع؟ الطالب: (... ). الشيخ: أشجار، نخيل، عنب.
الطالب: تبعًا للأرض.
الشيخ: تبعًا للأرض؟ لِمَنْ تكون؟ الطالب: للمشتري.
الشيخ: للمشتري.
إذا كان فيها زرعٌ يُجز مرارًا؟ طالب: هناك فرق، الجزة الأولى للبائع.
الشيخ: الجزة الموجودة تكون للبائع.
الطالب: وما بقي للمشتري.
الشيخ: والأصول للمشتري.
لو أن المشتري اشترط الجزة الظاهرة أن تكون له؟ الطالب: يصح.
الشيخ: يصح.
إذا باع أرضًا وفيها زرعٌ لا يحصد إلا مرة، كالبُرِّ والشعير.
طالب: فهو للبائع.
الشيخ: للبائع، إلى متى؟ الطالب: إلى حصاده.
الشيخ: نعم، إلى حين حصاده، بارك الله فيك.
وهل يلزم البائع في هذه الحال أجرةٌ للمشتري أو لا؟ طالب: لا يلزم.
الشيخ: لا يلزم، صحيح، لا يلزم؛ لأن له حقًّا ثابتًا.
الطالب: لأنه ظاهر.
الشيخ: نعم، ظاهر يعني: موجود.
الطالب: الناضجة.
الشيخ: لا، ليس الناضجة.


يقول: (فصلٌ: وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا تَشَقَّقَ طَلْعُهُ فَلِبَائِعٍ مُبَقًّى إِلَى الْجذَاذِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ مَشْتَرٍ).
هذا بيعُ النخل وليس بيعَ الأرض، إذا (باع نخلًا) النخلة نفسها باعها، (تشقق طلعه) يعني: انفرج؛ وذلك لأن النخلة أول ما تظهر ثمرتها تكون مغطاة بماذا؟ طالب: بالكافور.
الشيخ: نعم، بالكُفُرَّى، اسمها الكُفُرَّى، وعندنا نسميه باللغة العامية: الكافور.

مغطى، ثم إذا نما هذا العذق داخله انشق وانفرج، فإذا باع نخلًا تشقق طلعه فالطلع هنا يكون للبائع، إلا إذا اشترطه المبتاع، وإن لم يَتشقق فهو لِمَنْ؟ للمشتري؛ لأنه تبعٌ للشجرة.
الدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ» (1)، هذا هو الدليل، ولننظر هل الدليل مطابق للمدلول أو لا؟ الجواب: لا؛ لأن المؤلف -رحمه الله- علَّق الحكم بالتشقق سواء أبَّره البائع أو لا، والتَّأبير التلقيح، وما هو التلقيح؟ أن يؤخذ من طلع الفحل شيء يوضَع في طلع النخلة، فإذا وُضع صلحت الثمرة وإن لم يُوضع فسدت.
ولهذا لما قدم النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم المدينة وجدهم يؤبِّرون، فيرقى الفلاح إلى الفحل ويأخذ العِذْقَ ويجعل منه على ثمرة النخلة، فيصعد مرة وينزل ويصعد مرة وينزل مع التعب، فقال عليه الصلاة والسلام كلمةً معناها: لا أرى ذلك يغني شيئًا، فلما قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم هذا الكلام تركوه، لم يؤبروا النخل، فصارت النتيجة أن النخل فسد، ثم قال النبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بعد ذلك: «أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» (3)، وتركهم يؤبِّرون، ومراده «أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ» ليس بالأحكام الشرعية فيها، ولكن بتصريفها والتصرف فيها، فنحن أعلم بالدنيا من حيث الصناعة، أما من جهة الأحكام فهي إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم.

ولهذا أخطأ من قال: إن الدين الإسلامي لا ينظِّم المعاملات، واستدل بهذا الحديث، فنقول: هذا غلطٌ عظيم، الحديث ينظِّم حتى الثمر، أليس الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى أن تُباع الثمار قبل بدوِّ صلاحها؟ ! (4) أليس قال: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا»؟ ! (1) هذا حكم، أحكام شرعية، لكن مسألة التأبير وعدم التأبير داخل في الصناعة، وهذا يرجع إلى التجارب، والناس يعرفون إذا كانوا مجربين أكثر ممن لم يكن مجربًا.
إذن ننظر، كلام المؤلف علق الحكم بماذا؟ طالب: بالتشقق.
الشيخ: بالتشقق، فمتى باع البائع نخلًا متشققًا طَلْعُه، فالطلع له، سواءٌ أبَّره أم لم يُؤبّره، لكن الحديث قال فيه الرسول صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ» (1)، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث على ما حكم به المؤلف رحمه الله، والصواب أن الحكم معلق بماذا؟ بالتأبير، هذا هو الصواب.
أولًا: لأن النبي صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم علقه به، وليس لنا أن نتجاوز ما حده الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام.
ثانيًا: أن البائع إذا أبَّره فقد عمِل فيه عملًا يُصلحه وتعلقت نفسه به، بخلاف ما إذا لم يؤبره، لم يصنع شيئًا فيه، وعلى هذا فالصواب: أنه إذا باع نخلًا تشقق طلعه قبل أن يؤبره فالثمر للمشتري، وإن أبَّره فهو للبائع.
إذا أبر نخلة ولم يؤبر الأخرى فلكُلٍّ حكمه، تكون ثمرة النخلة المؤبَّرة للبائع، وثمرة النخلة غير المؤبرة للمشتري.

إن أبر بعض النخل؛ لأن الطلع قد لا يكون متساويًا كما هو الواقع، إن أبَّر البعض دون البعض فلِمَنْ؟ فللبائع، تغليبًا للتأبير؛ ولأنه من المعلوم أنه لا يمكن أن يؤبَّر النخلُ جميعًا إلا في هذه السنوات الأخيرة بالنسبة لبلادنا، فإنهم كانوا يؤبرونها جميعًا، ينتظرون قليلًا بعد أن تتشقق الأولى، ويشقون الصغار قبل أن تتشقق؛ ليوفر عليهم الطلوع والنزول للنخلة، كانوا في الزمن السابق -لما كان الناس نشطاء ومتفرغين- كان يمكن يصعد للثمرة -ثمرة النخلة- عدة مرات، يلقح أول الثمر ووسطه وآخره، أما الآن يقول: خلي، فاصبر شوي، الطلع المبكر، والطلع المتأخر يشقونه، ويلقحونها مرة واحدة.
على كُلِّ حال إذا كانت نخلة قد أُبِّر بعضها ولم يُؤبَّر الآخر فإنها تتبع المؤبَّر، وتكون لِمَنْ؟ وتكون للبائع.
إذا قال قائل: لماذا عدل الفقهاء -رَحِمَهُم اللَّهُ- أو من عدل من الفقهاء عن التأبير إلى التشقق؟ قالوا: لأن التشقق هو سبب التأبير، فعلق النبي صلّى الله عليه وسلّم الحكم بالتأبير والمراد سببه.
فيقال: من أين الدليل على أن هذا هو مراد الرسول عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام؟ وكلامه صريح واضح، فكيف يجوز لنا أن نحرِّفه إلى معنى آخر خلاف ظاهر اللفظ؟ ثم إن العلة في كون الثمر للبائع بعد التأبير واضحة، ولا تنطبق على ما إذا تشقق بدون تأبير، وحينئذ لا يصح القياس، ولا تحريف الحديث إلى معنى آخر.
قال: (إلا أن يشترطه مشترٍ)، فإن اشترطه المشتري؟ طالب: يكون له.
الشيخ: يكون له، الدليل عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والأمر بالوفاء بالعقد أمرٌ به وبأوصافه وشروطه التي تُشترط فيه؛ هذا دليل.
دليل آخر: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34]، والشرط الذي التزمه الإنسان هو عهدٌ على نفسه.

الدليل الثالث: ما جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا أَحَلَّ حَرَامًا أَوْ حَرَّمَ حَلَالًا» (5)، وهذا لا يُحرِّم حلالًا، ولا يُحلِّلُ حرامًا.
فإذا قال قائل: أيُّها أوْلى للمشتري؛ أن يشترط أن تكون الثمرة المؤبرة أو التي تشقق طلعها -على الخلاف- له أو أن يبقيها للبائع؟ أيُّها أحسن؟ طالب: أن يشترط المؤبرة.
الشيخ: إي، أن يشترط أنها له؛ لأنه يسلَم من تردد هذا البائع على الثمرة، نلاحظ أن البائع إذا باع النخلة صارت ملكًا للمشتري ما له عليها سبيل إطلاقًا، فإذا كان فيها ثمرة مؤبرة، ولم يشترطها المشتري، صار البائع يتكرر على هذه الثمرة.
ويقال: إن جحا -ما أدري أسطورة أو حقيقة- إنه باع بيتًا على شخص، واشترط منفعة الوتد، تعرفون الوتد؟ الوتد عود يُضرَب بالجدار تعلَّق به الأشياء، اشترط على المشتري -مشتري الدار- الوتد، قال: بشرط، هذا الوتد لي، أنا أنتفع به.
المشتري قال: ويش يضرني إذا صار الوتد له؟ ! فوافق على الشرط، فبدأ هذا الرجل كُلَّ يوم يجيب أشياء معلقات يعلقها على هذا الوتد، يجيب اللحم، يجيب الثياب؛ يعني يُكثِر، فسأم المشتري، وقال: أنا لا أوافق على هذا، حتى فسخ.
فهذا الذي اشترط، الذي كانت الثمرة له -أعني البائع بعد التأبير- ربما يتضرر المشتري -أو على الأقل يتأذى- بتردده، فنَرى أن الأوْلى في هذه الحال أن يشترط الثمرة أن تكون له؛ إبعادًا عن النزاع وعن العداوات والمشاكل.

وهذه مسألة ينبغي لطالب العلم –أيضًا- أن يفهمها؛ الحقوق التي يذكرها الفقهاء -رحمهم الله- أنها حقٌّ للإنسان أو ليست حقًّا؟ هم يذكرونها على أنها حق أو غير حق على سبيل البيان، لكن ينبغي للإنسان تربيةً للعالَم أن يقول: الأفضل كذا، إذا رأى أن هذا الشرط يُبعدهم عن الخصومة وعن النزاع، فلا تكن فقيهًا كالقاضي، بل كن فقيهًا مُربيًا، فإذا جاء إنسان يستشيرك، يقول: هل ترى أن الأفضل أن أشترط أن تكون الثمرة لي وقد أبرها البائع أو أن أدعها له؟ نقول: الأفضل أن تكون لك، تسلم من التردد والتأذي، وربما تكون النخلة هذه في بيت، إنسان يتردد على البيت؛ مشكلة.


ثم قال رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: (وكذلك شجر العنبِ والتوت والرمان وغيرِه) يعني: وشجر غيره (وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ كَالمِشْمِشِ وَالتُّفَّاحِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ كَالْوَرْدِ وَالقُطْنِ).
كل هذا يكون لِمَنْ؟ للبائع إذا كان قد ظهر، إذا كان قد ظهر فهو للبائع؛ لأنه يشبه النخل المؤبَّر على القول الراجح، أو النخل الذي تشقق طلعه.
يقول: (وما قبل ذلك والورق فلمشتر).
قوله: (وما قبل ذلك)، (ما): اسم موصول مبتدأ، وقوله: (فلمشتر) خبر المبتدأ، وقوله: (والورق) معطوف على (ما)؛ يعني: والذي قبل ذلك والورق للمشتري، ولكن حَسُنَ أن يقرن الخبر بالفاء لفائدتين: الفائدة الأولى: أن (ما) الموصولة تفيد العموم فهي كالشرط، ومن المعلوم أن الشرط إذا كان جوابه جملة اسمية فإنه تُقرَن بالفاء، واسم الموصول يشبه الشرط في العموم، فلذلك تقترن الفاء في خبره دائمًا.
الفائدة الثانية: أنه أوضح في المعنى؛ لأنه لو قال: وما قبل ذلك، والورق لمشترٍ، لربما يتطلع الإنسان، فيظن أن قوله: (لمشترٍ) متعلق بمحذوف حالًا من الورق؛ يعني: والورق حال كونه لمشترٍ، فإذا جاءت الفاء قطعت هذا الاحتمال.
على كل حال ما كان قبل التشقق -على ما مشى عليه المؤلف- أو قبل أيش؟ طالب: قبل ظهوره في (... ).

جارٍ التحميل