الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 3925-3964

فهذا هو القول الذي نذهب إليه؛ أن الطهارة من الحدث الأصغر ليست بواجبة، لكنها سُنَّة وأفصل بلا شك، ولا ينبغي للإنسان أن يفرط بها مع هذا الخلاف من أهل العلم، لكن أحيانًا يكون لا بد من القول بهذا؛ أي: بأن الطهارة ليست بشرط.
قال المؤلف: (ثُمَّ يصلي ركعتين خلْف المقام).
(ثم) أي بعد الفراغ من الطواف يُصلي ركعتين خلف المقام؛ لفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وينبغي إذا تقدَّم أن يقرأ قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] كما قرأها النبي صلى الله عليه وآله وسلم (5)، ومن أجل أن يشعر بفائدة عظيمة بيناها لكم فيما سبق، وهي أن فعله للعبادة امتثالٌ لأمر الله عز وجل حتى تتحقق بذلك الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى والذل لأوامره.
وقوله: (خلف المقام) أي: مقام إبراهيم، وهو معروف، وسمي مقامًا؛ لأنه قام عليه عليه الصلاة والسلام حين ارتفع بناء الكعبة فبنى عليه.
وقد قيل: إن موضع قدميه كان بيِّنًا في هذا الحَجَر، لكن لطول السنين ولكثرة من يتمسح به الناس زال موضع القدمين.
واختلف المؤرخون: أين مكان هذا المقام في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ هل هو لاصقٌ بالكعبة، أو هو في مكانه الآن؟ فمنهم من قال: إنه لاصقٌ بالكعبة، وأن الذي قدمه إلى هذا المكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أجل التوسعة على الطائفين، ومنهم من قال: بل هذا مكانه.
وليس هناك عندي شيء يفصل بين القولين، فإن قوله -أي: قول جابر في حديثه الطويل المعروف: ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (6) - يحتمل أنه تقدم من منتهى الطواف -وهو الحجر- إلى مكان المقام -وهو خلف باب الكعبة- ويحتمل أنه تقدم إليه في مكانه الحاضر.

فإذا قلنا: إن مكانه الحاضر هو مكانه في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، فهل لنا فيما لو احتجنا إلى تأخيره ليتسع المطاف أن نُؤخره؟ الجواب: لا؛ لأنه توقيفي.
وإذا قلنا: إنه كان لاصقًا بالكعبة، ثم أخَّره عمر؛ فللاجتهاد في ذلك مجال، قد نقول بجواز تأخيره إذا دعت الضرورة إلى ذلك.
وقوله: (يصلي ركعتين خلف المقام) ظاهر كلامه أنه لا يشترط فيهما الدنو من المقام، وأن السنة تحصل بهما، وإن كان مكانهما بعيدًا من المقام، وهو كذلك، ولكن كلما قرب من المقام فهو أفضل، إلا أنه إذا دار الأمر بين أن يصلي قريبًا من المقام مع كثرة حركته لرد المارين بين يديه، أو مع التشويش فيمن يأتي ويذهب، وبين أن يصلي بعيدًا عن المقام، لكن بطمأنينة، فأيهما أفضل؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني أفضل؛ لأن ما يتعلق بذات العبادة أوْلى بالمراعاة مما يتعلق بمكانها كما سبق، وعلى هذا، فلو تأخر الإنسان إلى ما حول المسعى وصلاهما فقد أتى بالسنة.
ثم قال المؤلف: (فصل).
ولم يذكر الماتن -رحمه الله- ماذا يقرأ في هاتين الركعتين؛ لأنه مختصرٌ، لكن جاءت السنة بأنه يقرأ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (قل هو الله أحد) (7)؛ لأنهما سورتا الإخلاص، فـ (قل يا أيها الكافرون) فيها إخلاص القصد، و (قل هو الله أحد) فيها إخلاص العقيدة، فالتوحيد في (قل هو الله أحد) توحيدٌ علمي عقدي، وفي (قل يا أيها الكافرون) عملي إرادي.
قال: (فصل: ثم يستلم الحجر، ويخرج إلى الصفا من بابه).
(ثم) أي: بعد الصلاة يعود، ويستلم الحجر، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (5). والظاهر أن استلام الحجر لمن أراد أن يسعى، وأما من طاف طوافًا مجردًا، ولم يُرِدْ أن يسعى فإنه لا يُسنُّ له استلامه، وهذا الاستلام للحجر كالتوديع لمن قام من مجلس، فإنه إذا أتى إلى المجلس سلَّم، وإذا غادر المجلس سلَّم.
هذا الظاهر والله أعلم.

ولم يذكر المؤلف سوى الاستلام، وعليه فلا يُسنُّ تقبيلُه في هذه المرة، ولا الإشارة إليه، بل إن تيسر أن يستلمه فعل، وإلا انصرف من مكانه إلى المسعى.
يقول: (ويخرج إلى الصفا من بابه) (من بابه)؛ لأنه أيسر، وكان المسجد الحرام -فيما سبق- له أبواب دون المسعى؛ يعني أن حدوده دون المسعى، وله أبواب يخرج الناس منها.
فقوله: (يخرج إلى الصفا من بابه) نعلله بأن ذلك أسهل.
(فيرقاه) أي الصفا (حتى يرى البيت).
ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- ماذا يسن إذا قرب من الصفا؛ لأنه مختصر، ولكن يسن إذا دنا من الصفا أن يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» (5). وتلاوة هذه الآية كتلاوة: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، أي: أن الإنسان يشعر بأنه يفعل ذلك، أيش؟ طلبة: طاعة لله.
الشيخ: طاعةً لله وامتثالًا لأمره سبحانه وتعالى.
(فيرقاه) أي: يرقى الصفا.
(حتى يرى البيت) أي: الكعبة، فيستقبلها -يستقبل الكعبة- ويرفع يديه.
(ويكبر ثلاثًا، ويقول ما ورد) يعني يقول: الله أكبر وهو رافعٌ يديه ثلاث مرات (5). (ويقول ما ورد) ومنه: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قديرٌ، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعدَهُ، ونصر عبدَهُ، وهزم الأحزاب وحده.
ثم يدعو، ثم يعيد الذِّكْر مرةً ثانيةً، ثم يدعو، ثم يعيد الذكر مرةً ثالثةً، وينزل متجهًا إلى المروة (5). قال: (ثم ينزل ماشيًا إلى العَلَم الأول، ثم يسعى شديدًا إلى الآخر).
قوله: (ينزل ماشيًا إلى العلم الأول) (العَلَم) يعني ما جُعل علامة، وهو الشيء الشاخص البَيِّن، ومنه سُمِّي الجبل عَلَمًا، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ [الشورى: 32].

وكان فيه عمود أخضر في هذا المكان، ولا يزال الآن العمود الأخضر، والآن زاد وضوحًا بالأنوار التي تحيط بهذا المكان.
وقوله: (إلى العلم الأول)؛ لأن هناك علمين: علمًا جنوبيًّا، وعلمًا شماليًّا، فالذي يلي الصفا جنوبي، والذي يلي المروة شمالي، فيسعى.
(ثم يسعى شديدًا إلى الآخر) (شديدًا) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: سعيًا شديدًا، والسعي هنا بمعنى الركض، فيسعى سعيًا شديدًا بقدْر ما يستطيع، لكن بشرط ألا يتأذى أو يؤذي، فإن خافَ من الأذية عليه أو على غيره فليمشِ، ويسعى بقدر ما يتيسر له، وإنما قال: (شديدًا) لفعل الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان يسعى حتى تدور به إزاره من شدة السعي (8). فإن قال قائل: ما الحكمة؟ فالجواب: أنه في هذا المكان وادٍ؛ أي: مسيل مطر، والوادي في الغالب يكون نازلًا.

وأصل السعي أن يتذكر الإنسان حال أم إسماعيل، فإنها رضي الله عنها خلَّفها إبراهيم عليه الصلاة والسلام هي وابنها في هذا المكان، وجعل عندهما سقاءً من ماء، وجرابًا من تمر، فجعلت الأم تأكل من التمر، وتشرب من الماء، وتسقي اللبن لولدها، فنفد الماء، ونفد التمر، فجاعت وعطشت، ويبس ثديها؛ فجاع الصبي، وجعل يتلوَّى من الجوع، فأدركتها الشفقة، فرأت أقرب جبل إليها الصفا، فذهبت إلى الصفا، وجعلت تتحسس لعلها تسمع أحدًا، ولكنها لم تسمع، فنزلت إلى الاتجاه الثاني، إلى جبل المروة، ولما هبطت في بطن الوادي نزلت عن مشاهدة ابنها، فجعلت تسعى سعيًا شديدًا حتى تصعد لتتمكن من مشاهدة ابنها، وبقيت تتسمع –تتحسس- على المروة، ولم تسمع شيئًا، حتى أتمت هذا سبع مرات، ثم أحست بصوت لكن لا تدري من، فإذا هو جبريل نزل بأمر الله عز وجل، فضرب بجناحه أو برجله الأرض مكان زمزم الآن، فنبع الماء في الحال؛ ففرحت بذلك فرحًا شديدًا، وجعلت تحوش الماء -تُحجِّره- خافت أن يتسرب وينفد، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ لَكَانَ عَيْنًا مَعِينًا»، ولكن مِن رحمة الله عز وجل أنها حجرته، لو كان عينًا معينًا لصار فيه ضيق على الناس؛ لأن هذا المكان صار مسجدًا، فلو كان عينًا معينًا يجري لكان في ذلك مشقة، ولكن من رحمة الله أنها حجَّرته حتى صار كالبئر.
المهم أنها شرِبت من هذا الماء، وصار هذا الماء شرابًا طعامًا، ودرَّت على الولد، وهيَّأ الله لها قومًا من جرهم مروا بمكة، فتعجبوا أن تكون الطيور تأوي إلى هذا المكان، وقالوا: لا يمكن أن تأوي الطيور إلى هذا المكان إلا وفيه ماء، وكانوا لا يعهدون ماءً في هذا المكان، فجاؤوا نحو هذه الجهة فوجدوا إسماعيل وأمه، فنزلوا عندهم، والقصة مطولة في صحيح البخاري (9).

المهم أن هذا هو السبب في أن الناس يسعون سعيًا شديدًا إذا وصلوا هذا المكان، الآن ليس فيه وادٍ، لكن فيه علامة على مبتدأ الوادي، وهو هذا العلم الأخضر.
يقول: (ثم يمشي، ويرقى المروة، ويقول ما قاله على الصفا، ثم ينزل فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعل ذلك سبعًا: ذهابه سعيَة، ورجوعه سعيَة)، يعني فليس السعي هنا دورةً كاملةً، بل نصف دورة، من الصفا إلى المروة سعية، ومن المروة إلى الصفا سعية أخرى.
وقول المؤلف: (يرْقَى عليه، ويرْقَى على المروة) ليس بشرط، وإنما الشرط أن تستوعب ما بينَ الجبلين، ما بين الصفا والمروة، فما هو الذي بينهما الآن؟ هل هو مبتدأ الارتفاع أو ماذا؟ نقول: الذي بينهما هو هذا الذي جُعِل مَمَرًّا للعربات، هذا هو المكان الذي يجب السعي فيه، وأما ما بعد مكان الممر فإنه من المستحب، وليس من الواجب، فلو أن الإنسان اقتصر في سعيه من حد -ممر العربات- لأجزأه؛ لأن الذين وضعوا هذه العربات وضعوها على أن منتهاها من الجنوب والشمال هو منتهى المسعى.
يقول: (فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول)، لماذا؟ لأنه يشترط أن يبدأ بالصفا، فإذا بدأ بالمروة فإنه يسقط الشوط الأول ويلغيه، كما لو بدأ بالسجود في الصلاة فإنه يسقط ولا يعتبر، فلا بد أن يبدأ بالصفا.
(فإن بدأ بالمروة سقط الشوط الأول، وتُسن فيه الطهارة) بقي أن نقول: المؤلف لم يذكر فيه اشتراط النية، فهل النية فيه شرط؟ فالجواب أن يقال: النية في السعي كالنية في الطواف، وقد سبق أن القول الراجح أنه لا يُشترط له نية، يُشترط نية في الطواف، لكن لا يشترط أن يكون لعمرة أو لحج؛ لأن النسك الذي هو فيه يُعيِّن أنه للعمرة أو للحج، كذلك نقول في السعي.
والمؤلف -رحمه الله- أتى بالسعي بعد الطواف، فهل يشترط أن يتقدمه طواف؟ الجواب: نعم يُشترط، فلو بدأ بالسعي قبل الطواف وجب عليه إعادته بعد الطواف؛ لأنه وقع في غير محله.

فإن قال قائل: ما تقولون فيما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل، فقال له رجلٌ: سعيت قبل أن أطوف؟ قال: «لَا حَرَجَ» (10)؟ فالجواب: أن هذا في الحج، وليس في العمرة.
فإن قيل: ما ثبت في الحج ثبت في العمرة؛ لأن الطواف والسعي في الحج وفي العمرة كلاهما ركنٌ، فما ثبت في الحج ثبت في العمرة؟ فالجواب: أن يقال: إن هذا قياس مع الفارق؛ لأن الإخلال بالترتيب في العمرة يخل بها تمامًا؛ لأن العمرة ليس فيها إلا طواف وسعي وحلْق أو تقصير، لكن الإخلال بالترتيب في الحج لا يؤثر فيه شيئًا؛ لأن الحج يُفعل فيه خمسة أنساك في يوم واحد، ولهذا لا يصح قياس العمرة على الحج في هذا الباب.
ويُذكر عن عطاء بن أبي رباح عالم مكة -رحمه الله- أنه أجاز تقديم السعي على الطواف في العمرة، وقال به بعض العلماء، وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز مع النسيان أو الجهل، لا مع العلم والذكر.
ثم قال المؤلف: (وتسن فيه الطهارة) (تُسن فيه) أي في السعي (الطهارة) من أي شيء؟ طالب: الحدث.
الشيخ: من الحدث والنجس أيضًا، ولا تُشترط الطهارة، فلو سعى مُحدِثًا، أو سعى وهو جُنُب، أو سعت المرأة وهي حائض؛ فإن ذلك مجزِئ، لكن الأفضل أن يسعى على طهارة.
(والستارة) يعني ستْر العورة، ومن المعلوم أن الإنسان لا يمكن أن يسعى عريانًا عريًا كاملًا، لكن ربما يكون إزاره أو قميصه إذا كان في سعي الحج بعد التحلل الأول خفيفًا ترى من ورائه البشرة، أو يكون فيه شق -خرق- تُرى من ورائه العورة، ففي هذه الحال نقول: إن سعيه صحيح؛ لأن السترة فيه سنة.

(والموالاة) (الموالاة) يعني أن تكون الأشواط متواليةً، وليس ذلك بشرط، فلو سعى الشوط الأول في أول النهار، وأتم في آخر النهار فسعيه صحيحٌ، لكنه خلاف السنة، ولو سعى الشوط الأول في الساعة الواحدة، والثاني في الساعة الثانية، والثالث في الساعة الثالثة، والرابع في الساعة الرابعة، والخامس في الساعة الخامسة، والسادس في الساعة السادسة، والسابع في الساعة السابعة، أي: كل ساعة يأتي بشوط؛ لكان سعيه صحيحًا؛ لأن الموالاة سُنَّة وليست بشرط، لكن المذْهَب أن الموالاة فيه شرط كالطواف.
ومن ثم صرف الشارح عبارة الماتِن إلى هذا المعنى، فقال: (تُسَنُّ الموالاة بينه وبين الطواف)، وهذا صرفٌ للعبارة عن ظاهرها، وإنما صَرَفها الشارح عن ظهرها من أجل أن تطابق المذهب؛ لأن الماتِن اشترط في خطبة الكتاب أنه على قوْل واحد، وهو الراجح في مذهب أحمد، والراجح في مذهب أحمد أن الموالاة في السعي شرط، كما أن الموالاة في الطواف شرط.
وهذا القول أصح؛ أن الموالاة شرط في السعي، كما أنها شرط في الطواف.
ويدل لهذا القول أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سعى سعيًا متواليًا، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (11)، ويدل له أيضًا أن الإنسان لو فرق السعي كما صورنا قبل قليل لم يقل أحد: إنه سعى أيش؟ سبعة أشواط؛ لتفرق السعي.
نعم، لو فُرض أن الإنسان اشتد عليه الزحام فخرج ليتنفس، أو احتاج إلى بول أو غائط فخرج ليقضي حاجته، ثم رجع، فهنا نقول: لا حرج؛ لأن الموالاة هنا فاتت للضرورة، وهو حين ذهابه قلبه معلق بالمسعى، ففي هذه الحال لو قيل بذلك لكان له وجه.
أما أن يقول: سأطوف شوطًا اليوم، وشوطًا غدًا، وشوطًا بعد غد، أو شوطًا اليوم، وشوطًا بعد عشرة أيام، وشوطًا بعد عشرة أيام؛ يكون السعي كم في سبعين يومًا؟ فهذا قولٌ ضعيفٌ لا شك فيه.
يقول المؤلف رحمه الله: (ثم إن كان متمتعًا لا هدي معه قصَّر من شعره).

(إن كان) أي الساعي (متمتعًا لا هدي معه قصر من شعره)، والتقصير هنا أفضل من الحلق؛ من أجل أن يتوفر الحلق للحج.
وظاهر هذا التعليل أنه لو قدم مكة مبكرًا في شوال مثلًا، فالتقصير في حقه أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج.
طلبة: الحلق.. الشيخ: نعم، سوف يتوفر الشعر.. طلبة: الحلق أفضل إذا أتى في شوال.
الشيخ: نعم، إذا أتى متقدمًا فإن الحلق أفضل؛ لأنه سوف يتوفر الشعر للحلق في الحج.
ولكن اشترط المؤلف: (لا هدي معه)، فإن كان معه هدي فإنه لا يحل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لَأَحْلَلْتُ مَعَكُمْ» (12). وظاهر كلام المؤلف أنه يمكن أن يتمتع مع سَوْق الهدي؛ لأنه قال: (متمتعًا لا هدي معه)، ولكن كيف يمكن أن يتمتع وقد ساق الهدي، ومن ساق الهدي لا يحل إلا يوم العيد: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196]. يقولون في هذه الصورة: إذا طاف وسعى أدخل الحج؛ يعني أحرم بالحج بدون تقصير، وهل يكون قارنًا في هذه الحال؟ يقولون: إنه ليس بقارِن، ولهذا يلزمونه بطواف وسعي في الحج، كما طاف وسعى في العمرة، ولو كان قارنًا لكفاه السعي الذي كان عند قدومه، وعليه، فيُلغز بهذه المسألة، يقال: لنا مُتمتِّع حرم عليه التحلل بين العمرة والحج، فما الجواب؟ طلبة: ساق الهدي.
الشيخ: الجواب: أنه مُتمتِّع ساق الهدي.
يقول: (وإلا حل إذا حج) (وإلا) كلمة (وإلا) يدخل فيها ثلاث صور: يدخل ما إذا كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو متمتعًا ساق الهدي.
(وإلا) أي بأن كان مُفْرِدًا، أو قارنًا، أو متمتعًا ساق الهدي، يقول: حل إذا حج؛ لتعذُّر الحل منه قبل أن يبلغ الهدي محله.

ثم قال المؤلف: (والمتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية) المتمتع إذا شرع في الطواف قطع التلبية؛ لأنه شرع في الركن المقصود، ووصل إلى مقصوده، والتلبية إنما تكون قبل الوصول إلى المقصود، فإذا وصل إلى المقصود فلا حاجة إلى التلبية، فإذا شرع في الطواف فإنه يقطع التلبية.
وقيل: إن المتمتع يقطع التلبية إذا دخل حدود الحرم؛ لأن الحرم مقصوده وقد وصل إليه.
وقيل: إذا رأى البيت، ولكن المذهب في هذا أصح؛ أنه إذا شرع في الطواف يقطع التلبية.
وعُلِم من قوله: (والمتمتع) أن الْمُفْرِد والقارِن لا يقطعان التلبية، متى يقطعانها؟ عند رمي جمرة العقبة يوم العيد؛ لأنه صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لم يزل يُلبي حتى رمى جمرة العقبة (13)؛ لأنه برميه جمرة العقبة شرع فيما يحصل به التحلل، وهو الرمي، والله أعلم.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- المقدم فيما إذا قدم لو أراد ألا يطوف طواف القدوم، وأراد أن يسعى سعي الحج وحده، هل له ذلك؟ الشيخ: ليس له ذلك.
الطالب: كيف ذلك مع قولنا قبل قليل: بأنه في الحج يجوز له أن يقدم السعي على الطواف؟ الشيخ: إي نعم.
الطالب: والطواف هنا ليس بواجب، إنما هو سُنَّة.
الشيخ: إي نعم، طواف الإفاضة، والسعي لا بد أن يكون بعد طواف النسك، وهنا ما قدَّم النسك.
الطالب: شرح (... ). الشيخ: إي نعم، السعي -سعي الحج- لا بد أن يكون يعني بعد طواف الإفاضة أو معه، وهنا ما جاء وقت طواف الإفاضة، طواف الإفاضة ما يأتي إلا إذا رجع من عرفة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29].
الطالب: لكن طواف القدوم سُنَّة يا شيخ.
الشيخ: إي نعم، ما فيه شك أنه سُنَّة، لكن ما فعله، لو فعله لصح أن يأتي بالسعي بعده؛ لأنه طاف طواف نسك، أما الآن ما طاف طواف نُسك.

ولهذا لم يُرخِّص الرسول عليه الصلاة والسلام لعائشة أن تسعى؛ لأنها لم تطُف، ولا يمكن أن تسعى قبل طواف النسك.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- في رسالة للشيخ المعلمي قدم لها الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ في جواز نقل المقام من مكانٍ لمكان، وأثبت أن المقام الموجود أنه في عهد الدولة السعودية نقل من مكانه؛ لأن الآن موجود ما هو مكانه حتى في عهد الدولة السعودية.
الشيخ: لا، السعودية ما نقلته.
الطالب: الشيخ محمد بن إبراهيم قدمه وقال.. الشيخ: إي، المؤرخون اختلفوا في ذلك؛ منهم من قال: إنه منقول، وإنه كان لاصقًا بالبيت في الأول، ومنهم من قال: هذا مكانه من الأصل.
الطالب: لكن ذكر.. الشيخ: وذكرنا أن قوله: (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) ظاهره أنه في مكانه الآن، مع احتمال أن يكون معنى (تقدم) يعني لما انتهى طوافه آخر شوط تقدم إلى المقام؛ لأنه من وراء الباب.
الطالب: (... ) طُلب منه أن يبحث في هذا، فلما بحث وأثبت ذلك قدم له الشيخ محمد بن إبراهيم، وأجازه (... ). الشيخ: على كل حال، ما حصل من هذا شيء.
الطالب: ما حصل؟ الشيخ: أبدًا، ما أفهم.
طالب: بالنسبة لمن لم يستطع استلام الحجر بعد صلاة ركعتين خلف مقام إبراهيم، هل يسن له أن يرجع حتى يحاذي الخط، ثم ينطلق إلى الصفا.
الشيخ: يعني من لم يستطع الاستلام يعني؟ الطالب: نعم.
الشيخ: استلام الحجر بعد صلاة الركعتين.
لا، إذا علم أنه لن يستطيع لا حاجة أن يرجع.
الطالب: يستلمه يا شيخ؟ الشيخ: نعم.
الطالب: يعني ما يرجع؟ الشيخ: ما يرجع؛ لأنه ليس فيه إشارة حتى نقول: ارجع وأشِر، ينصرف من المكان الذي صلَّى فيه إلى المسعى.
الطالب: وإذا استطاع الاستلام يا شيخ يطوف ويستلم أم؟ الشيخ: لا، أبدًا، يتقدم إلى الحجر ويستلم وينصرف.
هذا يقول: هو لو خرج الحاج بعد أداء العمرة، وهو متمتع إلى القصيم مثلًا، فهل يلزمه طواف الوداع أو طواف القدوم إن ذهب ورجع؟ أفيدونا.

هل القصيم بلده؟ إن كانت بلده فإنه لا يخرج حتى يُودِّع، وإن لم تكن بلده فالأحوط أن يُودِّع وليس بلازم؛ لأنه لم يُنهِ سفره، وإذا رجع فإنه إن كان بلده فلا يرجع إلا مُحرِمًا من الميقات؛ إما بعمرة، وإما بحج، وإن لم تكن بلده فلا يلزمه أن يحرم؛ وذلك لأنه ما زال في سفره.
طالب: السؤال يا شيخ.
الشيخ: السؤال: لو خرج الحاج بعد أداء العمرة وهو متمتع إلى القصيم مثلًا، فهل يلزمه طواف الوداع أو طواف القدوم إن ذهب ورجع؟

سؤال ثان: لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لِعَلِي: «فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ» (14) مع أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتحلل إلا من ساق الهدي، وكذلك قوله: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ» (15)؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أشرك عليًّا في هديه، فإن عليًّا من آل البيت، وهو أفضل آل البيت.
طالب: يعني نوى له أن.
الشيخ: إي نعم، أشركه فيه.
يقول: نقل بعض طلبة العلم عن الشيخ عبد العزيز بن باز أنه قال للجنة التي نصبت نفسها، قال لها: امضوا على ما أنتم عليه، فإنكم اجتهدتم، ونحن رددنا عليكم باجتهاد، والاجتهاد لا ينقض الاجتهاد، فما صحة هذا؟ هذا باطل، وكذب على الشيخ، الشيخ أنكر هذا إنكارًا عظيمًا، وصياغة البيان الخارج هو الذي صاغه بالتعاون مع الهيئة.
أبدًا، هو ينكر هذا، ولا يمكن أن يقول هذا الكلام، ثم إني أرى أنا بعد أن صدر من هيئة كبار العلماء مثل هذا ألا يتكلم أحد بما يناقضه وإن كان رأيه يخالف رأي العلماء، رأي الهيئة؛ لأن هذا يؤدي إلى عدم الثقة بالهيئة، وهذا له خطره العظيم؛ لأنها إذا نُزعت الثقة من كبار علماء البلد ومن أمراء البلد؛ صارت الفوضى، فالذي أرى أنه لا أحد يتكلم؛ يعني لا ينبغي أن يتكلم أحد، حتى وإن خالف رأيه فلا يتكلم علنًا بما يخالف هذا البيان، أما فيما بينه وبين أحد من الناس، يعني يخاطب ويبحث معه فلكلٍّ رأي.

هذا يقول: إذا لم يستلم الحجر، ما هو الدليل على الإشارة؟ الدليل على الإشارة: أنه ثبت في الصحيح -صحيح مسلم (16) - أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يشير إليه بيده ويُكبِّر.
وأما حديث عمر يقول: مع أن ظاهر حديث عمر أنه كان لا يشير، حيث قال: «وَإِلَّا فَاسْتَقْبِلْهُ، وَهَلِّلْ، وَكَبِّرْ» (17). نقول: هذا الحديث أولًا: بعض العلماء ضعَّفه.
وثانيًا: يُقال في الجواب عنه: أن الإشارة ليست واجبة، هذا من رحمة الله.
يقول: هل بين الطواف والسعي وجوب ترتيب، أم لا؟ فإن لم يكن فكيف نقول: إن فساد الطواف إن طاف أولًا مستلزمٌ لئلا يصح السعي، مع أن هذا لا يوجد إلا في المرتبين؟ السؤال مفهوم؟ طلبة: لا.
الشيخ: يعني هل يُشترط أن يكون السعي بعد الطواف -هذا معنى الترتيب- أو لا يشترط؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، بس السؤال جاء قبل أن نتكلم عليه.
نقول: العمرة لا بد مع الترتيب، أما الحج فالصحيح أنه لا يشترط.
طالب: النبي صلى الله عليه وسلم ما أذن لعائشة بالسعي قبل الطواف.
الشيخ: نعم.
طالب: ما فهمنا هذا.
الشيخ: ما فهمتموها.
عائشة -رضي الله عنها- حاضت -هي أحرمت بعمرة- وحاضت قبل أن تصل مكة بسرف، فأمرها النبي عليه الصلاة والسلام أن تفعل ما يفعله الحاج غير ألا تطوف بالبيت، ولم يأذن لها بالسعي، فلما طهرت طافت وسعت، وقال لها: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسَعُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ» (18). على أنه في الموطأ (19) لمالك قال لها: «عَلَى أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ، وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ»، واضح؟ يقول: قلنا إن زيادة: «وَأَنْتَ الْأَعَزُّ الْأَكْرَمُ» في السعي بين العلمين ليس لها أصل، ويقول صاحب الروض: قال أبو عبد الله -يعني الإمام أحمد-: كان ابن مسعود إذا سعى بين الصفا والمروة قال: رب اغفر وارحم، واعفُ عما تعلم، وأنت الأعز الأكرم (20). أقول: هذه يحتاج إلى إثباتها.
طالب: (... ).

الشيخ: بالسند.
طالب: لا.
الشيخ: وعلى كل حال، إذا ثبت عن ابن مسعود فيكون الاقتداء به سائغًا.
يقول: إنه يحدث في زحام الحاج مرور النساء أمام المصلي، فما حكم ذلك في الحرم المكي، وفي الحرم المدني؟ هذا لا شك أنه من الأمور المشكلة، مشكل، لكن إذا كان منع المار يؤدي إلى فساد الصلاة لكثرة الحركة فإنه لا يمنعه، وإن كان لا يؤدي إلى ذلك فليمنع.
طالب: مسألة المرأة يا شيخ، المرأة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: ما يقدر يمنعها.
الشيخ: كيف؟ طالب: يتعذر (... )، يتعذر المنع عليه.
الشيخ: يتعذر.
طالب: (... ). الشيخ: يمكن يتعذر إن صلى في هذا المكان، لكن ألا يمكن أن يصلي في مكان آخر؟ طالب: سجد مثلًا.
طالب آخر: الناس أكثر من المكان يا شيخ (... ). الشيخ: العلماء يقولون: إذا خاف بمدافعته بطلان صلاته بكثرة العمل فإنه لا يدافع.
طلبة: المرأة يا شيخ، مُر النساء يا شيخ.
طالب: النساء مرت.
الشيخ: حتى النساء، إي نعم، الرجل ما فيه إشكال كثير.
طالب: قد يخرجن مباشرةً فجأة عند إقامة الصلاة وفي أثناء الزحام تجد مجموعة من النساء.. الشيخ: هو -بارك الله فيك- إذا كان خلف الإمام فإن المرأة لا تضر ولو مرت.
طالب: ما تقطع الصلاة.
الشيخ: ما تقطع الصلاة، لو مرت بين الصفوف.
يقول: ذكرنا أن استلام الحجر بعد ركعتي الطواف للوداع، فما الفرق بين الطواف الذي بعده سعي أو لا وقد قلنا: إن الاستلام المذكور يكون إذا كان بعد الطواف سعي؟ نحن ما جزمنا بهذا، قلنا: لعل هذا هو السبب، ليس بجزم، والله أعلم.
وعلى كل حال، لاحظوا: أننا إذا ذكرنا حكمة أو عِلَّة في فعل، فهذا بالنسبة لفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، أما بالنسبة لفعلنا نحن فالعلة الاتباع.
طالب: فالآن الاستلام مسنون بعد (... ). الشيخ: لا، إذا كان بعده سعي فقط، لأنه ما ورد إلا بهذا.

يقول: هذا رجل من أهل مكة وهو خارج مكة يقول: إن 75 % يريد الحج، هل يدخل محرمًا أم يدخل حلالًا، ثم إذا أراد الحج أحرم من مكانه في مكة؟ الجواب: ما دام عنده ولو 1% إرادة الحج فإنه لا يتجاوز الميقات إلا محرمًا، بخلاف من يقول: لا أدري هل يمكنني بعد فراغ العمل أن آتي بالحج أو لا؟ يقول: لو قطع الساعي سعيه في منتصف السعية الرابعة للحاجة -كالصلاة- فهل يعيد السعية الرابعة من أولها أم من نصفها؟ إذا قطع الشوط سواء في الطواف أو في السعي قطعًا يبيح له المواصلة فيما بعد فإنه يبدأ من المكان الذي قطعه منه، ولا يلزمه إعادة الشوط.
طالب: (... ). الشيخ: لو النصف أو الربع أو أي شيء، حتى في الطواف مثلًا لو أُقيمت الصلاة وهو عند باب الكعبة؛ فإنه إذا فرغ من الصلاة يبتدئ من باب الكعبة، لا يلزمه أن يبتدئ من الحجر؛ لأنه لا دليل على بطلان ما سبق.
يقول: إذا سعى الحاج وصعد إلى الصفا والمروة، هل يشترط رؤية البيت؟ الجواب: لا، ليس بشرط، لكن جابر يقول: حَتَّى رَأَى البَيْت (6) يُبيِّن مقدار ارتفاعه فقط.
وإذا وصل هو وزوجته إلى العلم الأخضر، فهل يسعى شديدًا وزوجته معه؟ ماذا تقولون؟ طلبة: لا يسعى.
الشيخ: لا يسعى، لا سيما في أيام المواسم والزحام؛ لأنه لو سعى ضيعها.
ونقول في وقت المواسم والزحام: هذا إذا أمكن أن يسعى، أما مع عدم الإمكان فلا يسعى مطلقًا.
لكن هنا إشكال: إذا كان أصل سعينا بين العلمين من أجل سعي أم إسماعيل -وهي امرأة- فلماذا لا نقول: إن النساء أيضًا يسعين؟ واضح ولا ما هو بواضح؟ الإشكال؟ طالب: ليس بإشكال.
الشيخ: لا، هو فيه إشكال، لأن إذا كان أصل سعينا نحن تذكر حال امرأة سعت، فلماذا لا نقول: النساء من باب أولى أن يقتدين بها؟ طالب: (... ). الشيخ: إي نعم، الجواب من وجهين: الأول: أن أم إسماعيل سعت وحدها، ليس معها رجال.

وثانيًا: أن بعض العلماء كابن المنذر حكى الإجماع على أن المرأة لا ترمل في الطواف، ولا تسعى بين العلمين.
وحينئذٍ لا يصح القياس؛ أولًا: لأنه قياس مع الفارق، والثاني؟ طالب: مخالفة.. الشيخ: مخالفة الإجماع، إن صح.
هذا يقول: ذكرنا أن أصل مشروعية السعي هو ما فعلته أم إسماعيل عليها السلام، فهل نقول: إن ما كان أصل مشروعيته المرأة فإنه يشرع للمرأة أن تسعى سعيًا شديدًا بين العلمين الأخضرين؟ أجبنا على ذا.
وهذه ورقة صغيرة جدًّا: لماذا قلنا: لا يدعو بعد التكبيرة الثالثة عندما يصعد الصفا؟ لأن حديث جابر قال: ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ (6)، ولم يقل: ثم دعا بعد ذلك.
طالب: (... ). الشيخ: كيف؟ مثل الصفا.
طالب: (... ). الشيخ: إي نعم.
يقول: رجل أحرم مفردًا بحج، ثم طاف طواف القدوم، ثم أراد أن يسعى سعي الحج، وأخبروه بأن التمتع أفضل؛ فسعى بنية العمرة وقصَّر وتحلَّل، علمًا بأنه في الطواف نوى طواف القدوم، فهل عمرته صحيحة؟ الجواب: نعم، حتى لو طاف وسعى وبعد السعي قيل له: الأفضل التمتع؛ فقصَّر وحلَّ، فهذا هو الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه إلا من ساق الهدي (21). طالب: هو نوى بعد الطواف.
الشيخ: إي، ما يضر.
من كان عنده وصايا ضحايا والمال كثير، فهل يشتري بعيرًا أو ضأنًا، علمًا أن الموصي لم يُحدد عددًا؟ وما الجواب لو حدد فما يُصنع بالمال المتبقي؟ يشتري أضحية واحدة من الضأن، والباقي يجعله في أعمال الخير إذا كانت الزيادة مستمرة كل عام، أما إذا كانت توجد عامًا وتتخلف عامًا آخر فيرصد الباقي.
طالب: فيه إشكال.
الشيخ: وهو؟ طالب: إحنا ذكرنا في الموالاة بين السعي.
الشيخ: اصبروا يا جماعة، (... ) على هذا السؤال.
طالب: باقٍ الزكاة يا شيخ، المال الباقي عنده.
الشيخ: لا، ما عليه زكاة؛ لأنه ليس له مالك.
رجل سعى، مثل أنه بدأ بالصفا ويرجع من المروة يعتبره شوطًا واحدًا وهو جاهل، هل يجوز سعيه؟

إي نعم، يجوز، نأخذ منه السبعة والباقي له، يأجره الله على التعب.
مع أن ابن القيم -رحمه الله- ذكر أن بعض العلماء توهَّم في هذا، وظن أن السعي دورة كاملة، فعلى هذا يسعى؟ طلبة: أربعة عشر.
الشيخ: أربعة عشر شوطًا.
وقد اشتهر بين الطلبة أن هذا عن ابن حزم، وليس كذلك، والذي عن ابن حزم أن الرَّمَل في الأشواط الثلاثة فقط في السعي كالطواف.
وسبب وهمه -رحمه الله- أنه لم يحج، ابن حزم، والإنسان اللي ما يحج ما يتصور الحج كما يمكن.
والعجب أنه لم يحج، ويتكلم عن أحكام الحج بأحسن ما يكون من الكلام، (... ). وليس بغريب على فطاحلة العلماء، فها هو شيخ الإسلام -رحمه الله- لم يتزوج، وإذا تكلم فيما يتعلق بالنساء وعِشرتهن وغير ذلك، قلت: هذا من المتزوجين.
طالب: المتمتع الذي ساق الهدي، ما الفرق بينه وبين القارِن؟ الشيخ: الفرق بينه وبين القارن؛ أن القارِن يكفيه طواف واحد وسعي واحد، والمتمتع يجب عليه طوافان وسعيان.
طالب: قلنا: إن الذي يأخذ.. المريض الذي لا يرجى برؤه، مالًا ويحج به فالزيادة له -للوكيل- وإذا كانت الزيادة هذه مطردة كل سنة؟ الشيخ: لا بأس، بيعطيها الولي.
طالب: أو يأخذها له؟ الشيخ: من؟ طالب: الوكيل.
الشيخ: له، انتبهوا إلى هذه المسألة.. قلت لرجل: حُجَّ بهذا الألف، وقلت لآخر: حج من هذا الألف، فالأول له الألف كله، ولو حج بنصفه، والثاني لا يزيد على ما أنفق؛ لأني قلت له: حج من هذا الألف.
طالب: شيخ، السؤال اللي قرأته يقول: إذا اطردت الزيادة.
الشيخ: هذا في مغل الوقف.
طالب: في الوقف.
الشيخ: الوقف، إنسان أوقف وقال: يخرج من مَغَلِّه أضحية، والزيادة مطردة كل سنة، فالزيادة هذه نصرفها في وجوه الخير، ما نعطلها.
أما إذا كانت تأتي سنة وسنة ما تأتي فإننا نرصدها خوفًا من القصور في السنوات المقبلة.
طالب: الزكاة فيها يا شيخ؟ الشيخ: ما فيها زكاة.
طالب: (... ). طالب آخر: (... ). الشيخ: سمعتم سؤاله؟

يقول: قلنا: إن السترة في الطواف واجبة وفي السعي غير واجبة؛ لأنهم يقولون: الطواف صلاة، والرسول -عليه الصلاة والسلام- قال: «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ»، ولا قال: ولا بين الصفا والمروة، «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» (22). طالب: يرى الشيخ ابن تيمية أن هذا الحديث ضعيف.
الشيخ: لا، «لَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ» صحيح.
طالب: لا يصح مرفوعًا.
الشيخ: هذا إنما «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ» (23)، هذا اللي يضعفه مرفوعًا.
عرفت؟ وأنا قلت لكم: لا يمكن الإنسان يخلع ثيابه ويسعى بين الصفا والمروة، لكن قد يكون فيه خرق على العورة ما أحس به، أو يكون عليه إزار خفيف.
طالب: شيخ، ذكرت -حفظك الله- في الموالاة قلت: برأي المذهب أن الصحيح في اشتراط الموالاة في السعي، استدلالًا بفعل الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (11)، يا شيخ، ألا يمكن أن نفعل مثلما فعلنا أيضًا في الطواف؟ وأن ظاهر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم أنه سعى طاهرًا.
الشيخ: نعم، إحنا نقول: أفضل.
الطالب: نشترط يا شيخ؟ الشيخ: لا؛ لأننا لم نشترط الطهارة في الطواف فضلًا عن السعي، على القول الراجح.
أما الفرق بينهما على الذين يقولون: إن الطهارة شرط في الطواف دون السعي، فالفرق هو أنهم استدلوا بالنسبة للطواف بقوله: «الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ».
طالب: شيخ، (... ) إذا انتهى من الطواف فأُقيمت الصلاة، وصلَّى الفريضة، ما تُجزئ عن الركعتين ركعتي الطواف؟ الشيخ: ما تقولون؟ طلبة: لا.
الشيخ: هل تجزئ الفريضة عن ركعتي الطواف أو لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: اختلف فيها العلماء، فإن قيل: المراد إيجاد صلاة بعد الطواف كتحية المسجد؛ فإنها تجزئ، وإذا قيل: إنها صلاة مستقلة مطلوبة فإنها لا تجزئ، والاحتياط أن يصلي الركعتين.
طالب: شيخ، إذا لم يصح الاستدلال بقول ابن عباس على وجوب الطهارة في الطواف، فما فائدة كلامه؟ الشيخ: كلام مَنْ؟

الطالب: ابن عباس.
الشيخ: هو يرى هذا الرأي، أنه يرى هذا الرأي كما يراه غيره من العلماء.
طالب: هل جهل ابن عباس (... ) يعني في كلامه؟ الشيخ: هذا إذن معناه على هذا التقدير يكون حتى لا يصح ولا عن ابن عباس، لكن كوننا مثلًا نقول: إن ابن عباس يخطئ، هذا وارد، أما النبي عليه الصلاة والسلام لا يخطئ بالتشريع.
طالب: الدعاء بعد الركعتين.
الشيخ: منين؟ الطالب: ركعتي الطواف.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل بعدهما دعاء؟ الشيخ: لا.
الطالب: أو في التشهد فقط.
الشيخ: أبدًا، حتى يسن تخفيفهما؛ تخفيف الركعتين خلف المقام أفضل، والحكمة من ذلك ظاهرة، لأجل أن يُخلي المكان لمن هو أحق به منه.
الطالب: لأننا نلاحظ الناس -يا شيخ- يقفون ويدعون طويلًا، بعضهم وهو جالس، أغلب الناس.
الشيخ: هذا كله من الجهل.
الآن نجد ناسًا يقفون على ما يُقال: إن هذا بئر زمزم، ويدعون دعاءً طويلًا.
وبالمناسبة قال لي بعض الناس -اليوم نحن في كلية الزراعة- قال: بعض الناس إذا فرغ من الصلاة قال لصاحبه: تقبَّل الله، حَرَمًا، فقال الثاني: تقبَّل الله، جمعًا.
طالب: ما في الكلمة الأولى: تقبَّل الله.
الشيخ: ما فيها تقبل الله؟ الطالب: حرمًا، جمعًا.
الشيخ: فسألته: ما معنى حرم وجمع؟ هل جمع يعني مزدلفة؛ لأنها تسمى جمعًا؟ قال: لا، جمعًا يعني نحن وإياك نصلي في الحرم.
إذن الصواب أن تقول: جميعًا.
طالب: على حسب الوزن يا شيخ.
الشيخ: وقال أيضًا إنه: سألونا إذا توضأ يقول: زمزمًا.
ويش معنى (زمزمًا)؟ طلبة: شربت من زمزم.
الشيخ: يعني نتوضأ من زمزم؟ طالب: شربت يعني.
الشيخ: أو نشرب.
طالب: يكون صحبة إن شاء الله.
الشيخ: صحبةً.
طالب: غالبًا تأتي من المصريين عفا الله عنهم! طالب آخر: هذه بدعة يا شيخ؟ الشيخ: ما وردت هذه؛ لأنهم يتخذونها دائمًا، كلما شربوا، أو كلما صلوا.
طالب: دعاء يا شيخ هذا، يعني يدعو له أن يتوضأ أو يشرب من زمزم، وأن يصلي في الحرم.

الشيخ: بس كونها تتخذ راتبة خلف الصلاة بدون دليل ما هو صحيح.
طالب: أحسن الله إليك، عند استلام الحجر يا شيخ بعض العلماء ذكر استلام الحجر بعد الركعتين تحية للمسعى، ما توجيه هذا القول؟ الشيخ: هذا غير صحيح، كيف يحيا السعي في مكان ليس هو السعي؟ نعم، لو فُرض أنه يستلم الصفا قلنا: تحية للسعي (... ).


[باب صفة الحج والعمرة] طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب صفة الحج والعمرة

يُسن للمُحِلِّين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية قبل الزوال منها، ويُجزئ من بقية الحرم، ويبيت بمنى، فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة.
ويُسن أن يجمع بين الظهر والعصر، ويقف راكبًا عند الصخرات وجبل الرحمة، ويكثر من الدعاء بما ورد، ومن وَقَف ولو لحظةً من فجر يوم عرفة إلى فجر يوم النحر وهو أهلٌ له صح حجه، وإلا فلا.
الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
متى يقطع المتمتع التلبية؟ سبق لنا أنه يقطعها إذا شرع في الطواف، وأن المسألة ذات خلاف بين العلماء، ولكن الراجح هو هذا؛ أنه يقطعها إذا شرع في الطواف؛ لأنه وصل إلى الغاية، وهو البيت، فقطع التلبية.
وسبق لنا أيضًا أنه يُسنُّ في السعي: الموالاة، على ما ذهب إليه الماتِن، والصحيح أن الموالاة شرْط؛ لأن السعي عبادة واحدة، لا يُمكن أن تتفرق أجزاؤه إلا لعذر.
وسبق لنا أن الموالاة بين الطواف والسعي سُنَّة وليست بواجبة، وأنه لو طاف في أول النهار وسعى في آخره، أو طاف في يوم وسعى في يوم فلا بأس.
وسبق لنا أن الأشواط السبعة لا يُشترط فيها إكمال ما بين الصفا إلى الصفا، وإنما هي من الصفا إلى المروة شوْط، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر.

وسبق لنا بيان أصل مشروعية السعي، وأنه تذكر حال أم إسماعيل، وليس المراد مجرد التذكر كما سلف، إنما المراد أن يشعر الإنسان بأنه في حالة إلى التخلص من الذنوب وإلى الفرج الذي جعله الله عز وجل لتلك المرأة.
وسبق لنا أنه إذا بدأ بالصفا سقط الشوط الأول.
طلبة: لا، بالمروة.
الشيخ: إذا بدأ بالمروة سقط الشوط الأول.
وسألنا سائل، يقول: إذا طاف وجعل من الصفا إلى الصفا شوطًا، فما الحكم؟ طلبة: صح.
الشيخ: نقول: السعي صحيح، سبعة هي المشروعة، والباقي يؤجر عليها إذا كان مجتهدًا؛ لأنه تعب فيها.
ثم قال المؤلف: (باب صفة الحج والعمرة)، وهذا الحقيقة هو المقصود بالمناسك (صفة الحج والعمرة)، يعني الكيفية التي ينبغي أن يُؤدَّى عليها الحج، وكذلك العمرة.
قال المؤلف: (يُسنُّ للمُحلِّين بمكة الإحرام بالحج يوم التروية) (يُسن للمُحلِّين) فمن المحل؟ المحل هو المتمتع؛ لأنه حل من إحرامه، أو من كان من أهل مكة فإنه مُحِل؛ لأنه باقٍ في مكة حلالًا، فيسن لهم الإحرام بالحج يوم التروية، لا قبله ولا بعده.
واستثنى بعض العلماء المتمتع إذا لم يجد الهدي، فإنه يصوم السابع والثامن والتاسع، قالوا: وينبغي أن يُحرم في اليوم السابع ليكون صوم الثلاثة كلها في الحج.
ولكن هذا القول ضعيف، والصحيح أنه لا يتقدم بالإحرام عن اليوم الثامن، وما ذكروه من التعليل فإنه مقابلٌ بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» (24)، ولهذا هم يُجوِّزون أن يصوم من حين أن يُحرم بأيش؟ طلبة: بالعمرة.
الشيخ: بالعمرة.
وعلى هذا، فلا وجهَ لتقديم الإحرام بالحج على اليوم الثامن، مع أنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أصحابه.
وعليه، فهل يُستثنى شيءٌ على هذا القول الراجح؟ هل يُستثنى أحدٌ يُحرم قبل اليوم الثامن؟ لا، لا يُستثنى أحدٌ.

قال: (يوم التروية) وهو اليوم الثامن، وسُمِّي بذلك؛ لأن الناس كانوا -فيما سبق- يتروون الماء فيه؛ لأن منى في ذلك الوقت ليس فيها ماء، وكذلك مزدلفة وعرفة، فهم يتأهبون بسقي الماء للحج في المشاعِر من هذا اليوم، من اليوم الثامن.
ومن اليوم الثامن إلى الثالث عشر كلها لها أسماء، فالثامن يوم التروية، والتاسع يوم عرفة، والعاشر يوم النحر، والحادي عشر يوم القر، والثاني عشر يوم النفر الأول، والثالث عشر يوم النفر الثاني.
يقول: (قبل الزوال)، يعني يُسنُّ أن يُحرِم قبل الزوال.
(منها) أي من مكة.
والصواب أنه لا يُحرم من مكة، يُحرم من مكانه الذي هو نازلٌ فيه، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما فرغ من الطواف والسعي خرج بظاهر مكة في الأبطح، ونزل هناك، وأحرم الناس من هذا المكان.
وعلى هذا فنقول: يسن أن يحرم من المكان الذي هو فيه، سواء في مكة أو في غيرها.
والعجب أن بعض العلماء قال: يُسنُّ أن يحرم من تحت ميزاب الكعبة.
أين ميزاب الكعبة؟ يُصب في.
طالب: الحجر.
الشيخ: في الحجر.
وعلى هذا فنقول لمليون وخمس مئة نفر: يُسن لكم إذا كنتم مُحلِّين أن تحرموا من الحجر، تحت الميزاب.
وعلى كل حال، القائل بهذا القول مجتهد، ولم يخطر بباله أن الحجيج يبلغ هذا المبلغ، ثم إنه مخالفٌ لظاهر السنة؛ لأن الصحابة أحرموا منين؟ من الأبطح، من مكانهم.
قال: (ويُجزئ من بقية الحرم) (يجزئ) يعني الإحرام بالحج.
(من بقية الحرم)، وهل هنا مكة وحرم؟ نعم، هنا مكة، وحرم مكة القرية؛ البيوت، والحرم كل ما أدخلته حدود الحرم فهو حرم، لكن في وقتنا الآن صارت مكة خارج الحرم من جهة التنعيم؛ فإنها من جهة التنعيم خرجتْ عن الحرَم؛ لأن البيوت صارت في الحِلّ.
وعلى هذا، فهنا جاران في هذا المكان: أحدهما: يحل له أن يقطع الشجر اللي في بيته، والثاني؟ الطلبة: لا يحل.
الشيخ: لا يحل، لماذا؟ لأن الثاني داخل حدود الحرم، والأول خارج حدود الحرم.

يقول المؤلف: (ويُجزئ من بقية الحرم)، وفُهِم من كلامه أنه لا يجزئ الإحرام بالحج من الحِلِّ، فالحرم ميقات من في مكة في الحج، والحِلُّ ميقات من في مكة في العمرة، فكما أنه لا يجوز أن يُحرم بالعمرة من الحرَم، فكذلك لا يجوز أن يُحرِم بالحج من الحِلِّ.
هذا مفهوم كلام المؤلف، وهو أحد القولين في المسألة.
وقيل: يُجزئ أن يُحرِم مَنْ في مكة بالحج من الحِلِّ، وعلى هذا، فإذا كان نازلًا في مكة، وأحرم من عرفة فإنه يُجزئ، وهذا هو المشهور من المذهب، والماتِن مشى في هذا على خلاف المذهب.
طالب: الراجح؟ الشيخ: الراجح: أنه لا ينبغي أن يخرج من الحرم، وأن يحرم من الحرم، ولكن لو أحرم من الحِلِّ فلا بأس؛ لأنه سوف يدخل إلى الحرم.
قال: (ويَبيت بمنى): يبيت بمنى ليلة التاسع.
وعلى هذا فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كلها في منى، جمعًا بلا قَصْر.
طلبة: لا، قصرًا.
الشيخ: قصرًا بلا جمع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يجمع في منى، وإنما جمع في عرفة، وفي مزدلفة.
قال: (ويبيت بمنى فإذا طلعت الشمس) يعني من اليوم التاسع، (سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة) (سار إلى عرفة) رأسًا؟ لا، ينزل أولًا بنمرة، ونمرة قرية قرب عرفة، وليست من عرفة، هذا النزول هل هو نزول نسك أو نزول راحة؟ المعروف عند العلماء أنه نزول نسك، ويحتمل أنه نزول راحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ضُربت له القبة في نمرة (5)، ولما طُلب منه أن تُضرب له قبة في مِنى قال: «مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ» (25)؛ لأن منى مشعر، ونمرة ليست بمشعر على هذا القول.
لكن المعروف أن النزول بها سنة، وليس من أجل الراحة، لكن ينزل بها إن تيسر.
وهي معروفة الآن، بعض الحجاج ينزلون فيها، ويحدثوننا أنهم يجدون راحةً بالغة، ولا سيما فيما سبق، لما كان الناس يحجون على الإبل، فإنهم يحتاجون إلى الراحة.
ينزل بها، إلى متى ينزل؟

إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس ركب من نمرة إلى عرفة، ورسول الله عليه الصلاة والسلام ركب من نمرة حتى أتى بطن الوادي -بطن عرنة- فنزل في بطن الوادي.
والظاهر منه -والله أعلم- أن نزوله في بطن الوادي؛ لأن بطن الوادي في الغالب يكون رمليًّا، فيكون فيه لين وسهولة على الناس للجلوس وللصلاة.
نزل -عليه الصلاة والسلام- في بطن الوادي، ثم خطب الناس خُطبةً بليغةً قرر فيها قواعد الإسلام وشيئًا كثيرًا من أحكامه (5). وأعلن في تلك الخطبة أن ربا الجاهلية موضوع، وأن أول ربا يضعه ربا العباس بن عبد المطلب؛ لأنه عمه.
وفي هذا دليل على أن الربا الثابت في ذِمم الناس يجب وضعه، ولا يجوز أخذه، حتى وإن عُقد قبل الإسلام فإنه يجب وضعه، ولا يجوز أخذُه، أما ما قُبض من قبل من الرِّبا، وأتى الإنسان موعظةٌ من الله فإنه له، لكن ما بقي في ذمم الناس فإنه لا تتم التوبة منه إلا إذا تركه ولم يقبضه.
وتأمل قول الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الموقف العظيم، قال: «أَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَا الْعَبَّاسِ» (5)؛ لأنه قريبه، والحاكم لا يُحابي أقاربه في حُكم الله، بل يبدأ بهم قبل الناس، حتى يُعلم أنه ليس عنده محاباة في دِين الله.
كان عمر رضي الله عنه إذا منع الناس من شيء جمع أهله وأقاربه، وقال لهم: إن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وإني أمرت بكذا أو نهيت عن كذا، فلا أجد أحدًا منكم خالف إلا ضاعفت عليه العقوبة (26) رضي الله عنه.

والنبي عليه الصلاة والسلام قال في هذا الموقف العظيم والمجمع الكبير: «أَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ مِنْ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، وقال في موضع آخر: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» (27)، أقسم -وهو الصادق البار بلا قسم- أنه لو سرقت فاطمة بنت محمد -سيدة نساء أهل الجنة، وأشرف النساء نسبًا ما هي المخزومية فقط- لو أنها سرقت: «لَقَطَعْتُ يَدَهَا».
وهنا قال: «لَقَطَعْتُ» يحتمل: لقطعت يدها مباشرةً، أو أمرت بقطع يدها.
وأيهما أبلغ؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول: يقطع يد ابنته إذا سرقت.
فالحاصل أن الرسول صلى الله عليه وسلم يضع للحكام منهجًا لو ساروا عليه لأفلحوا؛ أن يكون أقاربهم وحاشيتهم عندهم كسائر الناس.
خطب الناس هذه الخطبة، ثم أمر بلالًا فأذَّن، وأقام وصلى الظهر، ثم أقام وصلى العصر، ولم يُسبِّح بينهما شيئًا (5). وفي تقديمه الخطبة على الأذان، والجمع بين الظهر والعصر دليل على أنه لم يقصد بذلك صلاة الجمعة، صح؟ طالب: نعم.
الشيخ: لأن صلاة الجمعة تكون الخطبة فيها بعد الأذان، وهنا الخطبة قبل الأذان، وإلا فإن اليوم كان هو يوم الجمعة في حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم خطب الناس، وصلى الظهر والعصر، وركب حتى أتى آخِر عرفة من الناحية الشرقية، فوقف هناك.
وكان من عادته أنه يكون في أُخريات قومه، لا يكون في المتقدمين؛ لأجل يتفقد من كان محتاجًا، لو كان موقفه في أدنى عرفة مما يلي مكة لكان يدْفع قبل الناس، لكن تأخَّر في آخر عرفة من الناحية الشرقية لهذا الغرض، والله أعلم.
وقف هناك وقال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (28)، فكأنه عليه الصلاة والسلام يشير إلى الأمة: ألا تكلف نفسها هذا الموقف الذي وقفه الرسول صلى الله عليه وسلم، بل كل إنسان يكون في مكانه؛ لئلا يحصل الزحام والأذى، يؤذي الناس بعضهم بعضًا.

يقول المؤلف هنا: (فإذا طلعت الشمس سار إلى عرفة، وكلها موقف إلا بطن عرنة).
(كلها موقف)، وهل عرفة معلومة بالحد؟ نعم، معروفة، لها حدود معروفة تكلم عليها الأولون، والحكومة السعودية وفقها الله جعلت أعلامًا.
وكُلُّها مَوْقِفٌ إلا بَطْنَ عُرَنَةَ، وسُنَّ أن يَجْمَعَ بينَ الظُّهْرِ والعصرِ، ويَقِفَ راكبًا عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ الرحمةِ ويُكْثِرُ من الدعاءِ بما وَرَدَ، ومَن وَقَفَ ولو لَحْظَةً من فَجْرِ يومِ عَرفةَ إلى فَجْرِ يومِ النحْرِ وهو أَهْلٌ له صَحَّ حَجُّه وإِلَّا فَلا ومَن وَقَف نهارًا ودَفَع قبلَ الغُروبِ ولم يَعُدْ قَبلَه فعَلَيْه دَمٌ وَمَن وَقَفَ لَيْلًا فقط فَلَا، ثم يَدفعُ بعدَ الغُروبِ إلى مُزدَلِفَةَ بسَكِينَةٍ ويُسْرِعُ في الفَجوةِ ويَجمَعُ بها بينَ العِشاءَيْنِ ويَبيتُ بها، وله الدَّفْعُ بعدَ نِصْفِ الليلِ، وقَبْلَه فيه دَمٌ، كوُصولِه إليها بعدَ الفَجْرِ لا قَبْلَه، فإذا صَلَّى الصبْحَ أتى الْمَشْعَرَ الحرامَ فَرَقَاهُ، أو يَقِفُ عندَه ويَحْمَدُ اللهَ ويُكَبِّرُه ويَقْرَأُ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآيتين، ويَدْعو حتى يُسْفِرَ، فإذا بَلَغَ مُحَسِّرًا أَسرعَ رَمْيَةَ حجَرٍ «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (1)، فكأنه عليه الصلاة والسلام يُشير إلى الأُمَّة ألَّا تُكلِّف نفْسها هذا الموقِف الذي وَقَفَهُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم، بلْ كلُّ إنسانٍ يكون في مكانه؛ لئلَّا يَحصُل الزحامُ والأذى، يؤذي الناسُ بعضهم بعضًا.
يقول المؤلف هنا: (فإذا طَلَعَتِ الشمسُ سار إلى عَرَفَةَ، وكلُّها موقفٌ إلا بطْنَ عُرَنَةَ).

(كلُّها موقف) وهلْ عرفة معلومةٌ بالحدِّ؟ نعم، معروفة، لها حدودٌ معروفةٌ تكلَّم عليها الأوَّلون، والحكومة السعودية -وفقها الله- جعلتْ علامةً بعد التحرِّي والضبط، جعلتْ أعلامًا عليها، وفي السنوات الأخيرة لَمَّا كَثُرَ مخالفةُ الناسِ في الموقف ووقوفُهم خارجَ حدودِ عَرَفَةَ جعلت العلامات واضحةً بيِّنةً كبيرةً.
يقول: (كلُّها موقِفٌ إلا بطْنَ عُرَنَةَ)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ» (2). وظاهر كلام المؤلف أنَّ بطْن عُرَنة -وهو بطْن الوادي- أنه من عرفة، وجْهُ ذلك استثناؤه منها؛ لأنه لو لم يكن من عرفة ما احتيجَ إلى استثنائه، وعليه فنقول: بطْنُ عُرَنة من عرفة، ولكنْ مع ذلك لا يجوز الوقوفُ به، ولهذا قال: (كلُّها موقِفٌ إلا بطْنَ عُرَنة)، لو وَقَفَ في الوادي ودَفَعَ منه فحجُّه غير صحيح؛ لأن هذا ليس مِن عرفة شرعًا وإنْ كان منها تاريخيًّا.


قال: (ويُسَنُّ أنْ يجمعَ بين الظُّهرِ والعصرِ).
يُسَنُّ أن يجمع بين الظهر والعصر تقديمًا أو تأخيرًا؟ طلبة: تقديمًا.
الشيخ: تقديمًا، وعُلِم من قوله: (يُسَنُّ) أنه لو لم يجمع بينهما فلا حرج، فهُما صحيحتانِ، ولكن السُّنة الجمعُ.
لماذا كانت السُّنة الجمع مع أن الناس نازلون، والمسافر النازل لا يُسَنُّ له أن يجمع؟

الجواب على هذا أن يقال: إنما جَمَعَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم في عرفة بين الظهر والعصر (3) لاجتماع الناس؛ لأنهم لو تفرَّقوا بعد صلاة الظهر ما اجتمعوا هذا الجمع الكبير، والجمعُ لأجْل تحصيلِ الجماعةِ مشروعٌ كما يُشرع في أيام المطر؛ يُشرع في أيام المطر المؤذي الجمعُ بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء من أجْل تحصيل الجماعة، وإلَّا فبالإمكان أنْ يُصَلِّي الظهر ويُقال للناس صلُّوا العصر في رِحالكم، أو يصلِّي المغرب ويُقال للناس صلُّوا العِشاء في رِحالكم، لكن اجتماع الناس على العبادة له شأنٌ كبيرٌ ومراعاةٌ في الشريعة الإسلامية.
هنا يقول: (يُسَنُّ أنْ يجمعَ بين الظهر والعصر، وأنْ يقِفَ راكبًا مستقبِلَ القِبْلةِ عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة).
(أنْ يقِفَ راكبًا)؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَقَفَ على بعيرِهِ راكبًا رافعًا يديه يدعو اللهَ عز وجل، ولَمَّا انفلتَ الزِّمام أخذه بإحدى يديه وهو رافعٌ الأُخرى، وَقَفَ راكبًا (4) وعلى هذا فيُسَنُّ أنْ يقِفَ الإنسانُ راكبًا.
كيف يقِفُ راكبًا؟ المراد بالوقوف هنا الْمُكْثُ، لا الوقوفُ على القدمين؛ فالقاعد يُعتبر واقفًا، ومعلومٌ أنَّ الراكب على البعيرِ جالسٌ عليها، ليس واقفًا عليها، بلْ هو جالسٌ.
وهذه المسألة مختلَفٌ فيها هل الأفضل أنْ يقِفَ راكبًا أو أنْ يقِفَ غيرَ راكبٍ؛ منهم مَنْ يقول: الأفضل أنْ يقِفَ راكبًا؛ لأن ذلك فِعْلُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبناءً على هذا يُسَنُّ لنا أنْ نقِفَ من بعد صلاة الظهر والعصر جمْع تقديمٍ إلى الغروب في السيَّارات؛ نركبُ في السيارات ونبقى فيها إلى الانصراف؛ لأن هذا هو الركوبُ، كلُّ شيءٍ بحسبه.

ولو قال قائلٌ: الأفضلُ راكبًا، إلَّا إذا كان وُقوفه على الأرض أخشعَ له وأَحْضرَ لقَلْبه فإنه يكون على الأرض، وهذا لا يُنافي القواعد الشرعية؛ لأن من القواعد ما قرَّرْناه ونُقَرِّره أنَّ الكمالَ الذاتيَّ للعبادة أَوْلى بالمراعاة من الكمال في المكان، وعليه فنقول: إنْ كان الأخشع لك والأحضر لقَلْبك أنْ تقِفَ في السيارة فافعلْ، وإلَّا ففي الأرض.
(ويقِف عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة)، وهي صخراتٌ معروفةٌ لا تزالُ إلى الآن موجودة، لكن الآن كانتْ مزارات للناس في غير موسم الحج، للبسطاء من الناس يذهب يزورها وحولها إبل مشدودة، يأتي الإنسان ويركب على البعير المشدودة عند الصخرات ثم تُلتقط له صورة فيذهب بها إلى بلده ويقول هذه صورتي عند جبل عرفات كل هذا من أجْل الدنيا من أجْل أن يحشو دراهم مِن ها البسطاء.
يقول: (يقِف راكبًا عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة).
(جبل الرحمة)، ويُقال له: جبل الدعاء، والمناسبةُ ظاهرةٌ أنَّ هذا المكان -أعني عرفة كلَّها- موطنُ رحمةٍ وموطنُ دعاء، ولكنه ليس معروفًا بهذا الاسم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن العلماء -رحمهم الله- جعلوا له لهذه المناسبةِ هذا الاسم: جبل الرحمة، أو: جبل الدعاء.
وقول المؤلف: (يقِف راكبًا عند الصخراتِ وجبلِ الرحمة) لم يُبَيِّن أين يكون اتجاهُهُ، ولكن نقول: يكون اتجاهُهُ إلى القِبْلة؛ لأن كلَّ العبادات الأفضلُ أنْ تستقبِلَ بها القِبلة، إلَّا ما قام الدليلُ على خِلافه؛ كما قال ابن مفلحٍ -رحمه لله- في الفروع لَمَّا ذكر بعضُ العلماء أنَّه يُشرع أنْ يستقبِلَ القِبلة حالَ الوضوءِ، قال: وهو متوجِّهٌ في كلِّ طاعةٍ إلَّا بدليل.

ولا شكَّ أنه في الدعاء ينبغي أنْ يستقبِلَ الإنسانُ القِبلة، أمَّا في الوضوء وشِبْهه ففي النفْس من هذا شيءٌ؛ يعني كونُنا نقول لإنسانٍ: إذا أردتَ أن تتوضأ فاستقْبِل القِبلة، هذا يحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ؛ لأن الظاهر مِن حال الرسول عليه الصلاة والسلام أنَّه لا يتعمَّد ذلك.
المهمُّ أنه يستقبل القِبلة.
ماذا تكون الحالُ لو كان إذا استقبلَ القِبلةَ صار الجبلُ خَلْفه أو صار عن يمينه أو شِماله؟ لا يضُرُّ؟ طلبة: لا يضُرُّ.
الشيخ: لا يضُرُّ، حتى لو كان الجبلُ خَلْف ظَهْرِك لا يضُرُّ؛ لأن الكعبة أفضل من الجبل، وعند العامَّةِ تستقبل الجبلَ، ولكن هذا ناتجٌ عن الجهل، وعلى طلبةِ العلم أنْ يُبَيِّنوا للناس أنَّ المشروعَ استقبالُ القِبْلة.
(ويُكثِرُ الدعاءَ).
بقي علينا أنْ نقول: نرى الناسَ في يوم عرفة يصعدون هذا الجبلَ، فهلْ صُعوده مشروعٌ أو ممنوعٌ أو جائزٌ أمْ ماذا؟ نقول: أمَّا مَن صعده تعبُّدًا فصُعوده ممنوعٌ؛ لأنه يكون أتى ببدعةٍ، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وأمَّا من صعده تفرُّجًا فهذا جائزٌ ما لم يكنْ قدوةً يقتدي به الناسُ فيكون أيش؟ طلبة: ممنوعًا.
الشيخ: يكون ممنوعًا، وأمَّا من صعده إرشادًا للجُهَّال فصُعوده؟ طلبة: مشروع.
الشيخ: مشروعٌ أو واجبٌ حسب الحال؛ لأننا نسمعُ أنَّ بعض الجهَّالِ إذا صعد الجبلَ هذا كتب به كتابات، ويضع فيه خِرَقًا وأشياءَ مُنكَرة، فإذا ذهبَ طالبُ علمٍ يُرشد الناسَ ويقول: هذا مبتدَعٌ وهذا لا ينبغي، فهذا طيِّبٌ.
نقول: إنه مشروعٌ إمَّا وُجوبًا وإمَّا استحبابًا.
يقول: (ويُكثِر الدعاءَ) عندي (مِمَّا وَرَدَ)، كذا عندكم؟ طلبة: (بما وردَ).
طلبة آخرون: (مِمَّا وردَ).
الشيخ: (بما) ولَّا (ومِمَّا)؟ الطلبة: (... ). الشيخ: اختلطت الأصوات عليَّ، الآن ما أدري ويش اللي عندكم؟ الطلبة: (بما ورد).. (مما ورد).
طالب: هذه وهذه (... ). طالب: أنا عندي (... ). الشيخ: إي، طيب.

طالب: (... ) الدعاء.
الشيخ: أنا حافظه: (ويُكثِر الدعاءَ ومِمَّا وَرَدَ)؛ يعني (مِن) هنا للجنس؛ يعني يكون دعاؤه مِمَّا وَرَدَ عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يُكثر الدعاءَ بما يريد ومِمَّا وَرَدَ، أو يُكثر الدعاءَ بما وَرَدَ؛ أي: بالذي وَرَدَ، والمعنى متقارِبٌ، المهم أنَّه ينبغي للإنسانِ أنْ يُكثر من الدعاء ومن الذِّكر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (5). فإنْ قال قائل: الوقت طويلٌ، ولا سيَّما في أيام الصيف، وربما يَلْحق الإنسانَ مللٌ؛ لأنه لو بقي يدعو من صلاة الظُّهر -يعني جمْع تقديم- إلى الغروب لَحِقَه المللُ، فهل اشتغاله بغير الدعاء والذِّكر جائز؟ نقول: نعم، وربما يكون مطلوبًا إذا كان وسيلةً للنشاط، والإنسانُ بَشَرٌ يَلْحقه المللُ، ونبيُّنا صلى الله عليه وسلم لا نَصِل إليه أو لا نكون مِثْله ولا قريبًا منه بالنسبة لتحمُّله للعبادة؛ فقد كان يقوم في الليل حتى تتورَّم قدماه وتتفطَّر قدماه عليه الصلاة والسلام (6)، ونحن لا نُطيق هذا.
على أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام خطبَ بعد الزوال، وليس بعد الزوال مباشرةً؛ لأنه لَمَّا زالت الشمسُ كان في نَمِرة، فأَمَر بناقته فرُحِلَتْ له، ثم سار على الإبل حتى أتى بطْنَ الوادي ونَزَلَ وخَطَبَ الناسَ خُطبةً طويلةً مفيدةً، ثم أَمَر بلالًا فأذَّنَ ثم أقامَ، فصلَّى الظهر ثم العصر، ثم ركبَ حتى أتى الموقِف (3)، والموقف من بطنِ عُرَنة طويلٌ بعيدٌ، في ظَنِّي والعِلم عند الله أنَّه سيكون المدة ساعتين أو قريبًا من ذلك بعد الزوال، ثم وقف هناك.

على كلِّ حالٍ المهمُّ بالنسبة لنا الآن إذا لَحِقَ الإنسانَ مللٌ فلا حرجَ أنْ يستريح إمَّا بنومٍ أو بقُرآنٍ أو بمذاكرةٍ مع إخوانه أو بِمُدارسةِ القرآنِ أو في أحاديث تتعلَّق بالرحمةِ والرجاءِ والبعثِ والنشورِ وأحوالِ الآخرةِ حتى يلينَ قلبُه ويرقَّ قلبُه، والإنسانُ طبيبُ نفْسِهِ في هذا المكان، لكنْ ينبغي أنْ يغتنمَ آخِرَ النهارِ بالدعاء أخِرَ النهارِ، ينبغي أنْ يغتنمه بالدعاء ويتفرَّغ له تفرُّغًا كاملًا.
وهنا نسأل: هل الأفضل أن يدعو كلُّ واحدٍ مِنَّا لنفسه أو أن نجعل لنا إمامًا يدعو بنا؟ طلبة: الأول.
الشيخ: الأول، كلُّ إنسانٍ يدعو لنفسه، لكنْ لو جاءك إنسانٌ وقال: ادعُ اللهَ لنا.
ورأيتَ منه التشوُّفَ أنْ تدعو له -ما هو له تقول: اللهم اغفِر له.
لا، تدعو له مِثل أنْ تصلِّي له؛ يعني تدعو وهو يؤمِّن- فإنَّه لا بأسَ في هذا الحال تطييبًا لقَلْبه، وربما يكون فيه خشوعٌ أيضًا إذا شَعَرَ الإنسانُ بالناس كلِّهم يلتفُّون حوله ويؤَمِّنون على دعائه، وربما يكون بعضُهم قريبَ الخشوعِ يَخْشع ويَبْكي فيُخَشِّع الناسَ، هذا لا بأس به فيما يظهر لي.
طالب: الدليل يا شيخ؟ الدليل على هذا؟ الشيخ: الدليل أنَّه ما فيه منع، وهذا يحصُل أحيانًا من الصحابة؛ يطلبون من الرسول أنْ يدعو لهم.
طالب: (... ) الموقف ما (... ). الشيخ: لا، في هذا الموقف ما أعلم أنَّه دعا بالناس، ولهذا نقول: الأفضل أنْ يدعو كلُّ إنسانٍ لنفسه.


يقول: (ويُكثر من الدعاء ومما وردَ.
ومَنْ وقفَ ولو لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له صَحَّ حجُّه).
(مَنْ وقفَ) (مَنْ) هذه اسم شَرْط، فهلْ يعُمُّ كلَّ واقفٍ أو يخصُّ مَنْ كان مُحرِمًا بحجٍّ؟ أيهما؟ طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني لا شك، ولهذا لو وقف بعرفة ولم يُحرِم إلَّا بعد أنْ غادَرَها لم ينفعه الوقوف.

(مَنْ وقفَ) محرمًا (بعرفة ولو لحظةً).
قوله: (ولو لحظة) يحتمِل أنه إشارة خلافٍ، ويحتمِل أنه للمبالغة وأنه لو وقفَ ولو أدنى وقفةٍ، وهذا الأقرب.
(مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر) أفادنا المؤلف -رحمه الله- أنَّ وقت الوقوفِ من فجر يوم عرفة، وهذا من مفردات مذهب الإمام أحمد، وجمهور العلماء على خلافه؛ على أنَّ وقت الوقوفِ من الزوال.
حُجَّة الإمام أحمد -رحمه الله- حديثُ عُروة بنِ الْمُضَرِّس أنَّه وافَى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم في مزدلفة لصلاةِ الصبح، وأخبره ما صَنَعَ وأنَّه أَتْعَبَ نفْسَه وأَكَلَّ راحِلتَه ولَمْ يَدَعْ جبلًا إلَّا وقفَ عنده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (7). فالشاهد قوله: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»، ولم يقيِّده بما بعد الزوال، هذا ما استدلَّ به الإمام أحمد -رحمه الله- في المشهور عنه.
أمَّا جمهور العلماء -وهو رواية عن أحمد- فإنَّ وقت الوقوفِ يكون مِن زوال الشمس، ويحتجُّون لذلك بأنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقِفْ قبل الزوالِ، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (8)، وعليه فيُحمَل قولُه لعروة بن المضرِّس: «لَيْلًا أَوْ نَهَارًا»؛ أي: نهارًا مما يصِحُّ الوقوفُ فيه، فيكون مطْلقًا مقيَّدًا بالسُّنة الفعلية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا شكَّ أنَّ هذا القول أَحْوط من القول بأنَّ النهار يشمل ما قبل الزوال.
يقول: (ومَنْ وقفَ ولوْ لحظةً مِن فَجْرِ يوم عرفةَ إلى فَجْرِ يوم النحر وهو أهلٌ له) أي: للحجِّ، جملة: (وهو أهلٌ) حالٌ من فاعل (وقفَ)؛ يعني: والحالُ أنه أهلٌ للحج.
فمَنْ هو الذي هو أهلٌ للحج؟

المسلم؛ لا شكَّ أنه لا بُدَّ أنْ يكون مسلمًا؛ فغير المسلم ليس أهلًَا للحج، وعلى هذا فلو كان لا يُصَلِّي ووقفَ بعرفةَ وبعدَ الدفْعِ منها -وهو حاجٌّ، وقفَ بعرفةَ حاجًّا- ومَنَّ اللهُ عليه بعد الدفْعِ منها فصلَّى، فهلْ يصِحُّ حَجُّه؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه حين الوقوف ليس أهلًا للحج.
الثاني: لا بدَّ أن يكون مُحرِمًا كما أشرْنا؛ لأن غير الْمُحْرِم ليس أهلًا للحج، لم يكنْ في إحرامٍ حتى يصِحَّ وقوفه.
الثالث: ألَّا يكون مجنونًا، فإنْ كان مجنونًا لم يصِحَّ وقوفه.
(... )


إذَنْ جملة (وهو أهلٌ له) في موضع نصبٍ على الحال.
فمَنْ هو الأهل؟ أنْ يكون مسلمًا، وأنْ يكون عاقلًا، وألَّا يكون سكرانًا ولا مُغْمًى عليه، أربعةُ أوصافٍ: وصْفانِ ثُبوتيَّانِ ووصْفانِ سَلْبيَّانِ؛ أنْ يكون مسلمًا، عاقلًا، غير سكرانٍ ولا مُغْمًى عليه.
طالب: مُحرِمًا.
الشيخ: مُحرِمًا بحجٍّ، إذَنْ ثلاثةٌ ثُبوتيَّة، واثنانِ سَلْبيَّان.
كيف يكون مُغْمًى عليه؟ لنفرِضْ أنَّه حصلَ عليه حادِثٌ وهو متَّجِهٌ إلى عرفة، فأُغْمِيَ عليه قبلَ أنْ يَصِل إلى عرفة، وبقي مُغْمًى عليه حتى انصرفَ الناسُ وانصرفوا به، فنقول: هذا الرجُل لم يصِحَّ وقوفُه لأنه كان مُغْمًى عليه.
ونقول: إنَّه فاته الحجُّ، فإذا أفاقَ تحلَّل بعمرةٍ ثم قضاهُ إذا كان فَرْضًا من العام القادم.
(صَحَّ حَجُّه وإلَّا فلا) قوله: (وإلَّا) (إنْ) هذه شرطية، و (لا) نافية، وفِعْل الشرطِ محذوفٌ، وليست (إلَّا) استثنائية، بلْ هي مركَّبة مِن حرفين: من (إنْ) و (لا)، لكنْ أُدغِمت إحداهما في الأخرى، والتقدير: وإلَّا يكن الأمرُ كذلك فلا؛ أي: فلا يصِحُّ حجُّه.
لننظر (وإلَّا): المؤلف قال: (ومَنْ وقفَ بعرفة)، يعني: وإلَّا يقفْ بعرفة.
وقوله: مِن طلوع الفَجْر إلى طلوع النَّحر.
يعني: وإلَّا يقفْ في هذه المدَّة لم يصِحَّ حجُّه.

المؤلف قال: (وهو أهلٌ له)، يعني: وإلَّا يكنْ أهلًا لم يصِحَّ حجُّه.
فصار الذي يدخل في قوله: (وإلَّا) ثلاثة أشياء: وإلَّا يقفْ، وإلَّا يقفْ في الزمن؛ زمنِ الوقوف، وإلَّا يقفْ وهو أهلٌ للحج.


ثم قال: (وإلَّا فلا.
ومَنْ وقفَ نهارًا ودفعَ قبلَ الغروبِ ولم يَعُدْ إليها قَبْله فعليه دمٌ، ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا).
يقول: (مَنْ وقفَ نهارًا) ولو قبل الغروب بلحظةٍ ثم دفعَ بعد الغروبِ فحجُّه صحيحٌ، وإنْ وقفَ نهارًا ثم دفعَ قبْلَ الغروبِ نظرتَ؛ فإنْ عاد إليها قبل الغروب صحَّ حجُّه، وإن غابت الشمسُ قبل أنْ يعود صحَّ حجُّه وعليه دمٌ، لماذا؟ لأنه تَرَكَ الواجبَ وهو الوقوفُ بعرفة إلى الغروب.
وظاهِرُ قولِ المؤلف: (ولم يَعُدْ قَبْله) أنه لو عاد بَعْد الغروبِ فعليه الدمُ، مع أنَّ ما بَعْد الغروبِ وقتٌ للوقوفِ، ولهذا كان قولُ المؤلف -رحمه الله- فيه شيءٌ من مخالفةِ القواعد؛ لأنه إذا عاد بعد الغروب فهلْ عاد في وقتِ الوقوفِ أو في غير وقتِ الوقوفِ؟ طلبة: في وقت الوقوف.
الشيخ: في وقت الوقوف، فمقتضى القياسِ أنه لا شيء عليه كما لو عاد قبل الغروب، المؤلف يقول: لو دَفَعَ ثم عاد قبل الغروب فلا شيء عليه؛ لأنه عاد في وقت الوقوف، وإنْ رجع بعد الغروب فعليه دمٌ.
فإنْ قال: كيف نُلزمه بالدم مع أنه عاد في وقت الوقوف؟ ! ولهذا كان المذهب طرد هذه المسألة؛ أي إن مَن رجع قبل أنْ يطلع الفجر فليس عليه شيء؛ لأنه رجع في وقت الوقوف.
وذهبَ بعضُ العلماء أنه يَلْزمه الدمُ بمجرَّد الدفع قبل الغروبِ سواءٌ رجعَ أمْ لَمْ يرجع؛ لأنه دَفَعَ مُنْهِيًا الوقوفَ، فحصلت المخالفةُ بذلك، فلَزِمه الدمُ.
ولا شكَّ أنَّ هذا أو المذهب هو المطَّرد، أمَّا كلامُ المؤلف ففيه شيءٌ من التناقض.

فالاطِّراد إذَنْ أنْ نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ لَزِمه الدمُ.
أو نقول: مَنْ دفعَ قبل الغروبِ وعادَ قبل الفَجْرِ فلا دمَ عليه.
أمَّا أنْ نقول: إنْ رجع قبل الغروب فلا دمَ عليه، وإنْ رجع بعده فعليه دمٌ.
مع قولنا بأنَّ الكُلَّ وقتٌ للوقوف؛ ففيه شيءٌ من التناقض.
ولو قيل بالقول الثالث الذي يُلْزمه الدمُ إذا دفعَ قبل الغروب مُطْلقًا، إلَّا إذا كان جاهلًا ثم نُبِّهَ فرجعَ ولو بعد الغروب فلا دم عليه، لو قيل بهذا القول لكان له وجْهٌ؛ وذلك لأنه إذا دفع قبل الغروب فقد تعمَّد المخالفةَ، فيَلْزمه الدمُ بالمخالفة، ورجوعه بعد أنْ لَزِمه الدمُ بالمخالفةِ لا يؤثِّر شيئًا، أمَّا إذا كان جاهلًا -كما لو دفعَ قبل الغروبِ ثم قيل له: إنَّ هذا لا يجوز، فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه، ثم رجع ولو بعد الغروب- فإنه ليس عليه دمٌ، لو قيل بهذا القولِ لكان له وجهٌ، وهو أقربُ إلى القواعدِ مما ذهب إليه المؤلف.
يقول: (ومَنْ وقفَ ليلًا فقطْ فلا) ويش معنى (فقطْ)؟ أي: دون النهار؛ بأنْ لم يأتِ إلى عرفة إلَّا بعد غروب الشمسِ، فإنه يُجزِئه؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (9).

(ثم يَدْفعُ بَعْد الغروبِ إلى مُزدلفةَ بسَكِينةٍ، ويُسرِعُ في الفَجْوةِ، ويَجْمَعُ بين العِشاءينِ)؛ لأن النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم دَفَعَ بعد الغروبِ وأردفَ أسامةَ بن زيدٍ خَلْفه، ودَفَعَ صلى الله عليه وسلم بسَكِينةٍ، وقد شَنَقَ الزِّمامَ لناقته حتى إنَّ رأسها من شِدَّة الشنق لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، قد عنَّها عنًّا شديدًا، وهو يقول بيده اليُمنى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ» (10). وسبحان الله! التاريخ يُعيد نفسه؛ يعني من عهد الرسول وربما من قبل أيضًا كان الناسُ إذا نَفَروا أسرعوا، وفي ذلك الوقت الإسراعُ له وجْهٌ؛ لأن الدروب وعرةٌ، والليل قد أسدلَ ظلامه، فكانوا يحرصون على السرعة من أجْل مبادرةِ الوقتِ، بل قد كانوا في الجاهلية يدفعون قبل أنْ تغرب الشمس؛ إذا صارت الشمسُ على الجبال كالعمائم على رؤوس الرجال دفعوا اغتنامًا لوقتِ السفر؛ يعني الإضاءة.
قال: (ويُسرع في الفَجْوة) يعني المتَّسع؛ يعني إذا أتى متَّسعًا أسرعَ؛ لأن ذلك أرفقُ به حتى يَصِل إلى مزدلفة مبكرًا، وكان من هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم في دفْعِهِ أنَّه إذا أتى حبلًا من الحِبال أَرْخَى لناقته قليلًا من أجْل أنْ تصعد؛ لأن الناقة إذا كانتْ قد عُنَّتْ بالزمام يشقُّ عليها الصعود، فإذا أُرْخِيَ لها سَهُلَ عليها الصعود، فكان من هَدْيِهِ عليه الصلاة والسلام أنَّه إذا أتى حبلًا من الحبال أَرْخَى لها قليلًا حتى تصعد (11)، وإذا وجد فجوةً أسرع (12). يقول: (ويجمع بين العشاءينِ) متى يجمع؟

إذا وصلَ إلى مزدلفة، ولا يَصِل إلى مزدلفة إذا دَفَعَ على صفةِ دفْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام إلَّا بعد دخول وقت العِشاء، ولهذا كان جمْعُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم في مزدلفةَ جمْعَ تأخيرٍ؛ لأنكم تصوَّروا أنَّه في أقصى عرفة من جهة الشرق، سيمُرُّ بجميع عرفة وهي واسعة، ويَمُرُّ بالطريق الذي بينها وبين مزدلفة، ثم إنَّه ثبت في الصحيح أنَّه عليه الصلاة والسلام نزلَ في الشِّعب -شِعب المأزِمَيْنِ- وبال، وتوضَّأ وضوءًا خفيفًا، وقال له أسامة: الصلاةَ يا رسول الله.
قال: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» (13). وهذا يقتضي وقتًا طويلًا، فلهذا كان وصولُه إلى مزدلفة إلى مَقَرِّه هناك بعد دخول وقت صلاةِ العِشاء بلا شك.
فإنْ قال قائل: هلْ يُسَنُّ أنْ ينزلَ الإنسانُ في أثناء الطريقِ وفي المكان الذي نزلَ فيه الرسولُ عليه الصلاة والسلام إنْ كان سار معه، ويبول ويتوضَّأ وُضوءًا خفيفًا أو لا؟ نقول: لا؛ لأنَّ هذا وقعَ اتفاقًا بمقتضى الطبيعة؛ احتاجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أنْ يبول فنزلَ فبالَ بمقتضى الطبيعة، لو أنَّه احتاجَ إلى أنْ يبول في غير هذا المكانِ لَنَزَلَ، ولو لم يحتجْ لم ينزلْ، والدليلُ على هذا أنَّه صلى الله عليه وسلم لَمَّا وصلَ إلى مزدلفة ووقفَ صلَّى المغرب قبل حَطِّ الرِّحال، ثم بَعْد صلاةِ المغرب حَطُّوا رِحالهم، ثم صلَّوا العِشاء (13)، فهذا دليلٌ على أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم نزلَ هناك لا تعبُّدًا، ولكن اتفاقًا.
قال المؤلف: (ويبيتُ بها).
لو صلَّى المغربَ والعِشاءَ في الطريقِ، فهلْ يجوزُ أو لا؟ ذهب ابنُ حزمٍ مِنْجنيقُ العربِ إلى أنَّه لو صلَّى في الطريقِ لم يُجزِئه؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأُسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ».

ولكن الصحيح قول الجمهور: أنَّه لو صلَّى في الطريق لأجزأه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «جُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (14). وأمَّا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأسامة: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فوجْهُهُ ظاهرٌ؛ لأنه لو أَوْقفَ الناسَ في هذا المكان؛ لو وقفَ ليُصلِّي وقفَ الناسُ، فلو أَوْقفهم في هذا المكانِ وهُم مُشْرَئِبُّون (15) إلى أنْ يَصِلوا إلى مزدلفة لكان في ذلك مشقَّةٌ عليهم ربما لا تُحتَمل، فكان هَدْيُه عليه الصلاة والسلام هَدْيَ رِفْقٍ وتيسيرٍ، لكنْ لو أنَّ أحدًا صلى فإنَّ صلاته تصِحُّ لعموم الحديث الذي ذكرْنا: «وجُعِلَتِ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا».
لكنْ ربما يجب أنْ يصلِّي في الطريق، متى؟ إذا خَشِيَ خروجَ وقتِ صلاةِ العِشاء بمنتصف الليل، فإنه يجب أنْ يصلِّي في الطريق؛ ينزل ويصلي.
فإنْ لم يُمْكنه النزول للصلاة فإنه يصلِّي ولو على السيارة إذا كان لا يُمْكنه؛ لأنه ربما يكون الخطُّ يمشي لكن مشيًا ضعيفًا لا يُمْكنه أن يَصِل إلى مزدلفة قبل منتصف الليل، وليس الخطُّ واقفًا حتى يمكن أنْ ينزل ويصلِّي ثم يركب، ففي هذا الحالِ إذا اضطُرَّ إلى أنْ يصلِّي في السيارة فلْيُصَلِّ، وعليه أنْ يأتي بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
قال المؤلف رحمه الله: (ويبيتُ بها).
يبيتُ بها وجوبًا أو استحبابًا؟ ظاهر كلام المؤلف أنه يبيتُ بها وجوبًا؛ بدليل قوله فيما بعد: (فعَليه دمٌ) إذا لم يفعل.

(ويبيت بها).
واختلف العلماء رحمهم الله في البيتوتةِ في المزدلفة؛ فمنهم مَن قال: إنها سُنَّة، ومنهم مَن قال: إنها واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ومنهم مَن قال: إن المبيتَ فيها ركنٌ كالوقوف بعرفة؛ لأن الله نصَّ عليه وقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم سوَّاها في عرفة حينما قال: «وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» (1). ولكن القول الوسط لعله أحسن الأقوال: أنَّه واجبٌ يُجبَر بدمٍ، ولا يُقتصر فيه على السُّنة.
قال المؤلف: (وله الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ).
(له) الضمير يعود على مَن؟ على الحاجِّ مُطْلقًا؛ قويًّا كان أَمْ ضعيفًا، رجُلًا كان أَمِ امرأة.
(له الدَّفْعُ بعد نصفِ اللَّيلِ) ما الدليل؟ الدليل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أذِنَ للضَّعَفةِ أنْ يدفعوا من مزدلفة ليلًا (16)، قالوا: وإذا انتصفَ الليلُ فقد أمضى أكثرَ الليلِ في مزدلفة، وإذا أمضى أكثرَ الليلِ أجزأه.
ولكن في هذا الحكم نظرٌ لأنه لا يُطابِق الدليل، فالدليل هو أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعث الضَّعَفَةَ مِن أهله بليلٍ، وكلمة (ليل) تَصْدق على النصف الأول، والنصف الثاني، والسَّحَر، وتعيينها بما بعد النصف يحتاج إلى دليل، ومن المعلوم أننا لو أخذنا بظاهر اللفظ لقُلنا: يجوز الدفعُ قبل منتصف الليل؛ لأنه دفع بليل.
وهذا لا يقول به المؤلف رحمه الله.

جارٍ التحميل