الشرح الصوتي لزاد المستقنع - ابن عثيمينصفحات 2980-3019

ولكن شيخ الإسلام رحمه الله تَبَعًا لابن عباسٍ ولظاهرِ القرآن يقول: إنَّ كلَّ طلاقٍ على عِوَضٍ فهو خلعٌ لا ينقص عدد الطلاق ولا يُحسَب عليه.
وذكرنا دليله وهو قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]، يعني: إنْ شاءَ راجَعَ وأَمْسَكَ وإنْ شاءَ سَرَّحَها، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وهذا يدل على أنها إذا افتدتْ نفسَها وفارقها الزوجُ فليس بطلاقٍ؛ لأنه قال بعده: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾، ولو كان الفداء طلاقًا لكان الطلاقُ أربعًا.
لكن كيف نواجه ربَّنا عز وجل يوم القيامة وقد قال رسوله صلى الله عليه وسلم: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (9)؟ إذَنْ إذا وقع الخلعُ بلفظ الطلاق صار طلاقًا وإنْ كان على عِوَض، أفهمتم يا جماعه؟ وعلى هذا ينبغي للإنسان إذا أراد أن يكتب المخالَعة ألَّا يقول: طلَّقَ زوجتَه بعِوَضٍ قدره كذا وكذا.
وإنما يقول أيش؟ طالب: خالَعَ.
الشيخ: خالَعَ زوجتَه.
ويستفيد من هذا فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: أن هذا لا يُحسَب عليه طلاقًا.
الفائدة الثانية: أنها تعتدُّ بحيضةٍ واحدةٍ، فالمخالعة لا تعتدُّ بثلاث حِيَض، وإنما تعتدُّ بحيضةٍ واحدةٍ ثم تنتهي عدَّتها وتحلُّ للأزواج؛ وذلك لأن المطلَّقة تعتدُّ بثلاث حِيَضٍ ليطول الوقت حتى يراجع المطلِّق نفسَه فيراجعها، والمختلعة ليس له رجوعٌ إليها، ولهذا ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أن المختلعة تعتدُّ بحيضةٍ واحدةٍ، وهو القول الراجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
هاتان فائدتان:

الفائدة الأولى: أنه لا يُحسب عليه من الطلاق.
والثانية: أنها تعتدُّ بحيضةٍ واحدةٍ.
لكن لو كان طلاقًا فإن الطلاق لا بدَّ أن تعتدَّ فيه بثلاثة قروءٍ؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. يقول رحمه الله: (وإنْ وقعَ بلفظ الخلعِ).
(إنْ وقعَ) الضمير يعود على الخلع، (بلفظ الخلعِ أو الفسخ) بأن قال: فسختُ زوجتي بعِوَضٍ قدره كذا وكذا، (أو الفداء) كأن يقول: فادى الرجلُ زوجتَه بعِوَضٍ قدره كذا وكذا، (ولم ينْوِهِ طلاقًا كان فَسْخًا لا ينقص عددَ الطلاق).
وعُلِم من قوله: (ولم ينْوِهِ طلاقًا) أنه لو نوى الطلاق بكلمة فَسْخٍ أو فداءٍ أو خلعٍ فإنه يكون طلاقًا؛ لعموم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» (12). وهذه الألفاظ: الفسخ والفداء والخلع، صالحةٌ لمعنى الطلاق، فإذا نوى بها الطلاق صار طلاقًا.
والخلاصة الآن: يقع الخلعُ طلاقًا: أولًا: إذا وقع بلفظ الطلاق.
ثانيًا: إذا وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ونواه طلاقًا.
ويقع فسخًا إذا لم يكن بلفظ الطلاق؛ (ولم ينْوِهِ طلاقًا كان فَسْخًا لا ينقص عددَ الطلاق).
والمرأة هذه المخالعة هل تحلُّ للزوج إذا راجعها؟ لا، لا تحلُّ؛ لأن فائدة الفداء ألَّا يملك الرجوع، وهي تريد أن تفدي نفسَها منه، ولو قلنا: له الرجوع، لضاعت الحكمة من الخلع، فنقول: إنه لا يملك الرجوعَ، لكن لو عقد عليها من جديد مَلَكَ ذلك، لو اتفق وإياها على أن يتزوجها من جديد فلا بأس؛ لأنها الآن تملك نفسها، إذا كان عقدًا جديدًا تستطيع أن تقول: لا، أو تقول: نعم.

وهذه البينونة تُسمَّى عند العلماء: البينونة الصغرى؛ لأنها لا تحلُّ له إلا بعقد، وأضرب لكم مثلًا يتبيَّن به الأمر: طلَّق رجلٌ زوجتَه أول طلقة بلا عِوَض، هذه أيش؟ هذه طلقة رجعيَّة، للزوج أن يراجعها ما دامت في العدَّة سواء رضيتْ أمْ كرهتْ، وبدون عقد، وبدون مهر، وبدون إشهاد، إلَّا أن الأفضل أن يُشهِد.
عرفتم هذه متى تكون؟ الطلبة: بالطلاق الرجعي.
الشيخ: بالطلقة الواحدة أو الثنتين بلا عِوَض.
ثانيًا: طلَّقها آخر ثلاث تطليقات؛ بأن يكون طلَّق أولًا ثم راجع، ثم طلَّق ثم راجع، ثم طلَّق الثالثة، ماذا تكون؟ طلبة: هذه بائنة.
الشيخ: هذه بائنةٌ بينونةً كبرى، لا تحلُّ له بالمراجعة ولا تحلُّ له بعقدٍ حتى تنكح زوجًا غيره.
ثالثًا: إذا خالعها أو طلَّقها على عِوَض فهذه ليس له رجعةٌ إليها إلا بعقدٍ جديدٍ سواء كانت في العدَّة أمْ بعد فراغ العدَّة.
فهمتم الآن؟ فصار من النساء من تبين من الزوج بمجرد الطلاق بينونةً كبرى، مَن هذه؟ طالب: المطلَّقة ثلاثًا.
الشيخ: المطلَّقة آخر ثلاث تطليقات.
ومِن النساء مَن يحلُّ له أن يراجعها بلا عقد، مَن هي؟ المطلَّقة قبل استكمال العدد بلا عِوَض؛ يعني المطلَّقة واحدة أو ثنتين.
الثالثة: مَن لا تحلُّ له برجعةٍ، ولكن تحلُّ له بعقدٍ، وهي المفسوخة بخلعٍ أو غيره إذا لم يكن بلفظ الطلاق أو نيَّته.
ثم قال: (ولا يقعُ بمعتدَّةٍ من خُلعٍ طلاقٌ ولو واجَهَهَا به).
المعتدَّة من الخلع لا يقع عليها الطلاق؛ لأنها بانت من زوجها، فلو أن الإنسان خالعَ زوجتَه على ألف ريال وتمَّ الخلع، وفي اليوم الثاني قال لها: أنتِ طالق، فالطلاق لا يقع، لماذا؟ لأنها أجنبيةٌ منه، قد بانت، حتى لو واجهها وقال: أنتِ طالق، يخاطبها فإنها لا تطلق؛ العِلَّة أن الطلاق إنما يقع على زوجةٍ، وهذه المرأة الآن ليست زوجةً حتى يقع عليها الطلاق.

وقوله: (ولو واجَهَهَا به) إشارة الخلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إذا واجهها بالطلاق طلقت، ولكنه قولٌ ضعيفٌ، والصواب ما مشى عليه المؤلف أن المختلعة لا يقع عليها الطلاق.
المطلَّقة الرجعية؛ إنسان طلَّق زوجتَه أول مرةٍ على غير عوض، وفي اليوم الثاني قال لها: أنتِ طالق، يقع الطلاق ولَّا لا؟ طالب: نعم.
الشيخ: يقع الطلاق، المؤلف يقول: (لا يقعُ بمعتدَّةٍ من خُلعٍ طلاقٌ)، الرجعية يقع عليها طلاق.
فهذه المرأة رجعية مثلًا طلَّقها أول مرة على غير عوض في أول يوم من الشهر، في اليوم الثاني كلَّمها وقال: أنتِ طالق، لا يريد خبرًا وإنما يريد إنشاءً: أنتِ طالق، تطلق ولَّا لا؟ طالب: نعم تطلق.
طالب آخر: نعم، ظاهر كلامه تطلق.
الشيخ: تطلق لأنها رجعية، والرجعية زوجة.
والدليل على أن الرجعية زوجة قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: 228] فسَمَّى الله المطلِّقين بُعُولةً.
في اليوم الثالث واجهها وقال: أنتِ طالق، تطلق أو لا؟ الطلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق.
قلنا: في اليوم الثاني طلَّقها، وقلتم: إنها تطلق.
في اليوم الثالث طلَّقها؟ الطلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، طيب، في اليوم الرابع؟ الطلبة: ما تطلق.
الشيخ: ما تطلق، ليش؟ لأنها؟ طالب: أجنبية.
الشيخ: بانت منه، هذا هو تقرير المذهب في هذه المسألة، وهو الذي عليه جمهور العلماء: أن الرجعية يلحقها الطلاق، فإذا طلَّقها أول مرةٍ وفي أثناء العدَّة طلَّقها ثانيةً ثم ثالثةً بانت منه.
ولكن شيخ الإسلام رحمه الله أَبَى ذلك وقال: إنها لا يقع عليها الطلاق، الرجعية لا يقع عليها الطلاق؛ لأنها الآن موصوفة بأنها مطلَّقة، ما هي زوجة، قد انحلَّ قيدُ النكاحِ، لكنه ليس انحلالًا كاملًا.
هذا من جهة المعقول.

من جهة المنقول قال: إن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1] وطلاق الرجعية ليس طلاقًا للعِدَّة.
وأنا أضرب لكم مثلًا يتبيَّن به الأمر: إنسانٌ طلَّق زوجتَه طلاقًا رجعيًّا، كم عِدَّتها؟ الطلبة: ثلاثة قروء.
الشيخ: ثلاث حِيَض.
حاضت الأولى، وحاضت الثانية، وقبل أن تحيض الثالثة قال: أنتِ طالق، فهل تستأنف العِدَّة ونقول: تعتدُّ حيضةً ثم حيضةً ثم حيضةً، أو تبني على الحيضةِ الأولى؟ طالب: تستأنف من جديد.
الشيخ: إي نعم، مقتضى قولنا: إنه يقع عليها الطلاق، أنْ تستأنف من جديد، لكنهم يقولون: لا، ما تستأنف، تبني على ما سبق، وعلى هذا فلا تحيض في الطلاق الثاني في المثال اللي قُلنا؟ طالب: إلا حيضة واحدة.
الشيخ: إلا حيضة واحدة، ولو كان الطلاق هنا طلاقًا للعِدَّة لوجب أن تحيض كم؟ طالب: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاث مرات، فلمَّا لم تُوجبوا عليها -نقول للذين قالوا: إن الطلاق يقع على الرجعية- نقول: فلمَّا لم توجبوا عليها إعادةَ الحيض علِمْنا أنها لم تُطلَّق للعِدَّة، والله عز وجل يقول: ﴿طَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، فإذا طلَّق في هذه الحال وقُلتم: إنها لا تستأنف العِدَّة، فقد حكمتم بأنها لم تُطَلَّق أيش؟ للعدة، وحينئذٍ يكون هذا الطلاق ليس عليه أمْر اللهِ ورسولِه، فيدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (13)، وهذه حُجَّةٌ قويةٌ لا محيد عنها.
ولهذا كان الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنَّ الرجعية لا يقع عليها طلاقٌ؛ لأنها توصَف الآن بأنها مُطَلَّقة، كيف يُطلِّقها وهي مُطَلَّقة قد انحلَّ قيد نكاحها.
والدليل من السمع قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.

أيضا حديث ابن عباس في صحيح مسلم: كان الطلاقُ الثلاثُ على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكرٍ وسنتين من خلافة عمر طلاقُ الثلاثِ واحدة (14)، وهذا يشمل ما إذا قال لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا، أو قال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، في عهد الرسول هذه الثلاثُ: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، واحدةٌ، ولو كان الطلاق يقع على الرجعية لكان؟ طلبة: ثلاثًا.
الشيخ: الأخ.
طالب: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاث لأنهم قالوا: ثلاث، ما هو عن عِلْم، الظاهر أن صاحبك أعداك؛ الجارُ أحقُّ بسَقَبِهِ، اللهم اهدِنا، يا إخوان ترى الجلوس عند العلم أو التعلُّم لا بد كل قُوَاك تكون موجودة، وإلا تراك تبغي تسرح، الشيطان يحب أن يُغَفِّل الإنسان عند العلم، يحرص الشيطان على أن ينعس الإنسان أو يغفل في مواطن العلم والصلاة، يحاول بكل ما يستطيع أن يُغَفِّل الإنسان، لكن في الجهاد يجعل قلبه يرجف فلا ينام أبدًا، ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: 11]، على كل حال انتبهوا يا إخوان.
نحن ذكرنا أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: إن الرجعية لا يقع عليها الطلاق، الدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾، وإذا وقع الطلاق على الرجعية فإنها لا تستأنف العِدَّة، فيكون طلاقها لغير عِدَّة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (13)، هذا دليل من القرآن.
دليل من السُّنة: كان طلاقُ الثلاثِ واحدةً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر (14)، وإذا كان طلاق الثلاث واحدةً لَزِم ألَّا تقع الطلقتان الأُخريان، لماذا؟ لأنهما وقعا على رجعية.
دليله من النظر أن نقول: إن الطلاق المطْلَق هو حلُّ قيد النكاح المطْلَق..

بِمُعْتَدَّةٍ من خُلْعٍ طلاقٌ ولو وَاجَهَها به ولا يَصِحُّ شرطُ الرَّجْعَةِ فيه، وإن خالَعَها بغيرِ عِوَضٍ أو بِمُحَرَّمٍ لم يَصِحَّ، ويَقَعُ الطلاقُ رَجْعِيًّا إن كان بلَفْظِ الطلاقِ أو نِيَّتِه، وما صَحَّ مَهْرًا صَحَّ الْخُلْعُ به، ويُكْرَهُ بأكثرَ مما أَعْطَاهَا، وإن خَالَعَتْ حاملٌ بنفقةِ عِدَّتِها صَحَّ ويَصِحُّ بالمجهولِ، فإن خالَعَتْهُ على حَمْلِ شَجرَتِها أو أَمَتِها أو ما في يَدِها أو بيتِها من دِرهمٍ أو مَتاعٍ أو على عبدٍ صَحَّ، وله مع عَدَمِ الحمْلِ والمتاعِ والعبدِ أقلُّ مُسمَّاه، ومع عَدَمِ الدراهمِ ثلاثةٌ.
(فصلٌ) وإذا قالَ: متى أو إذا أو إن أَعْطَيْتِنِي أَلْفًا فأَنْتِ طالِقٌ طَلُقَتْ بعَطِيَّتِه وإن تَرَاخَى، وإن قالت: اخْلَعْنِي على أَلْفٍ أو بأَلْفٍ أو ولك ألْفٌ ففَعَلَ بانَتْ واسْتَحَقَّها، بانَتْ واسْتَحَقَّها، وطَلِّقْنِي واحدةً بأَلْفٍ فطَلَّقَها ثلاثًا اسْتَحَقَّها، وعَكْسُه بعَكْسِه، إلا في واحدةٍ بَقِيَتْ، وليس للأبِ خُلْعُ زوجةِ ابنِه الصغيرِ ولا طَلاقُها ولا خُلْعُ ابنتِه بشيءٍ من مالِها، ولا يُسْقِطُ الْخُلْعُ غيرَه من الحقوقِ، وإن عَلَّقَ طلاقَها بصفةٍ ثم أَبانَها فوُجِدَتْ ثم نَكَحَها فوُجِدَتْ بعدَه طَلُقَتْ كعِتْقٍ وإلا فلا.
وقع على رجع، على رجعية.
دليله من النظر أن نقول: إن الطلاق المطلق هو حل قيد النكاح المطلق، والرجعية قد انحل بعض قيدها، انحل بعض القيد، فلا يكون الطلاق الواقع عليها طلاقًا، وهذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام هو الذي نراه راجحًا، وعلى هذا فإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كم يكون؟ طلبة: واحدة.
الشيخ: واحد، قال لها: أنت طالق أول يوم من الشهر.
قال: أنت طالق في اليوم العاشر.
قال: أنت طالق في اليوم العشرين.
طلبة: واحدة.
الشيخ: واحدة؛ لأن الرجعية لا يقع بها طلاق.

يقول رحمه الله: ولا (بمعتدة من خلع طلاق ولو واجهها به، ولا يصح شرط الرجعة فيه) أي: في الخلع؛ يعني: لو قال الزوج: خالعتُكِ على ألف ريال، لكن لي الخيار والرجوع لمدة شهر.
فإن هذا لا يصح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد؛ إذ إن مقتضى عقد الخلع هو البينونة، والمرأة ما بذلت الدراهم إلا لتتخلص، فإذا شرطت الرجعة صار هذا مناقضًا لمقصود الخلع، الخلع يُقْصَد به البينونة، وشرط الرجعة فيه ينافي ذلك، وكل شرط ينافي مقتضى العقد فإنه لاغٍ.
(وإن خالعها بغير عوض أو بمحرم لم يصح، ويقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته) إن خالعها بغير عوض؛ بأن جاء باثنين وقال: اشهدا أني خالعت زوجتي، قالوا: بكم؟ قال: بدون شيء؛ خالعتها.
يقول المؤلف: إنه لا يصح، الدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] وهنا لا فداء.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا بأس بذلك؛ لأن غايته أَنّه فسخٌ لا رجعة فيه برضا الطرفين، وللبحث بقية لأنَّه مهم، وكأنه يبدو لي أنه ليس عندكم علم سابق في هذه المسائل.
طالب: البعض والبعض.
الشيخ: البعض هو الأكثر.
طالب: (... ) أول مرة.
الشيخ: إي نعم.
طالب: إذا طلق امرأته مرتين طلقتين ثم خالعها ثم عقد عليها بعقد جديد، فهل ترجع له على أنَّها بقي لها طلقة واحدة أو ثلاثة؟ الشيخ: ترجع المرأة المطلقة إلى زوجها على ما بقي من طلاق إلا إذا طلقها ثلاثًا ثم تزوجت آخر ثم عادت إلى الأول، فتعود على طلاق الثلاث، تبتدئ من جديد.
طالب: شيخ -بارك الله فيك- لو التزم الطالب مذهب من قالوا: إنه إذا أوقع عليها الطلقة الثانية في العدة أنها تعتد من جديد.
الشيخ: لا، المذهب لا، تبني على (... ). الطالب: شيخ، لو التزمت بذلك؟ الشيخ: ما التزمت، ما التزمت يا أخي، ما (... ) شيئًا عليها، ما التزمت؟

طالب: شيخ، بعض النساء يصرون إذا طلقتها التطليقة الأولى تقول: لا أرجع إليه، وهذا طلقني بلا سبب، هل نلزمها يعني إذا أراد أن يرجعها أم.. ؟ الشيخ: الحق لمن؟ الطالب: له الحق هو.
الشيخ: طيب.
الطالب: لكنها.. الشيخ: لكن الله اشترط (... ) أن الله اشترط إن أرادوا إصلاحًا ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228] أما إن أراد تطويل المدة عليها كما كانوا يفعلون في الجاهلية، في الجاهلية يطلق الرجل المرأة فإذا شارفت على العدة، أيش؟ راجَعَها، ثم طلقها من أجل أن تطول العدة فإذا شارفت العدة الثانية على الانتهاء راجعها ثم طلقها لتطول العدة، فإذا قاربت الانتهاء راجعها ثم طلقها قبل أن يدخل عليها وقبل كل شيء، فتعتد من جديد فإذا شارفت العدة.
طلبة: راجعها.
الشيخ: راجعها ثم طلقها، وتبقى أبد الآبدين هكذا فحدد الله ذلك بماذا؟ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: 230] بعد المرتين، وهذا رأفة بالزوج والزوجة؛ أمَّا الزوجة فلئلا تتضرر في الدنيا، وأما الزوج فلئلا يتضرر في الآخرة؛ ولهذا قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] متى؟ ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

طالب: شيخ -بارك الله فيك- ما اتضح لي الجمع بين قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «طَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً» (1)، وجعل عدتها الحيضة؛ امرأة ثابت بن قيس.
الشيخ: لا، اتضح لك هذا بأنَّه لم يصح ذاك؛ الصحة أن الرسول أمرها تعتدَّ بحيضة، وإلَّا لو صح هذا لكان فاصلًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد بالتطليقة مجرد الفراق؛ ولهذا نطالب منك أي نطلبك ونطالبك أن تأتي لنا بهذا الحديث على أنه صحيح، عرفت؟ طالب: أبحثه وآتيك إن شاء الله.

الشيخ: إي، إن شاء الله تأتي به متى؟ غدًا ولَّا في درس الليلة؟ الطالب: أو بعد غد.
الشيخ: كيف أو بعد غد؟ الطالب: ليومين.
الشيخ: لك يومان، طيب، اليوم الأحد، يوم الثلاثاء إن شاء الله تأتي به.
طالب: شيخ، عمر بن الخطاب لما جعل (... ) طلقات (... ) آن واحد، هل نرجع عن حكم عمر إلى ما كان (... ) الرسول صلى الله عليه وسلم (... ). الشيخ: إي، هذا -بارك الله فيك- يكون عمر رضي الله عنه، عمر رجل حازم ساسَ الأمَّةَ بالحزم والقوة؛ ولهذا كان يتفقد الصفوف فإذا رأى إنسانًا؛ المتقدم والمتأخر في الصف ضربه؛ لئلا يعود، فكان من حزمه أن الرجل إذا طلق زوجته ثلاثًا قال: تعالَ أنت اللي اخترتَ لنفسك وتعجلتَ البينونة فنجعلها عليك، نحن ما ظلمناك، وفعل هذا رضي الله عنه؛ لأن أصل طلاق الثلاث حرامٌ، محرمٌ، فلما تمادى الناس في هذا المحرم رأى عمر بثاقب عزيمته وسياسته أن يمضيه عليهم؛ ولهذا قال: أرى الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم (2). فأمضاه فيكون مَنعُهُم من الرجوع إلى الزوجة من باب.
طلبة: التعزير.
الشيخ: التعزير والعقوبة، كما أنه منع من بيع أمهات الأولاد؛ يعني المرأة المملوكة إذا جامعها سيدها وأتت بولد سُمِّيَت أم ولد وكانت في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام تباع أمهات الأولاد، وكذلك في عهد أبي بكر، في عهد عمر قال: لا تباع (3)؛ لأنه رأى الناس قلَّ فيهم الخوف، وصار الرجل يولد الأمة ثم يبيعها ويخلي ولدها عنده، فيُفَرَّق بين الوالدة وولدها، في عهد الرسول ما كان يُعْرَف هذا؛ لأن عندهم من التقوى ما يمنعهم، لكن في عهد عمر وبعد أن اتسعت الفتوحات ودخل في الإسلام من هو يَهُزُّ هزيزًا وصاروا يفرقون بين الوالدة وولدها رأى عمر رضي الله عنه أن من الحزم أن يمنع من بيع أمهات الأولاد فمنع.

في شرب الخمر كان في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام لا يوجد للجلد عددًا معيَّنًا؛ يُضرَب بالجريد، جاء أمام الناس، هذا يضرب بيده، وهذا بثوبه، وهذا بنعله، وهذا بعصاه، ثم في عهد أبي بكر حدَّد أربعين جلدة، ثم في عهد عمر كثر الشرب والسبب أن الناس انفتحوا ودخل في الإسلام من كان يَهُزُّ هزيزًا، وكثُر شرب الخمر، فرأى عمر رضي الله عنه أن يزاد الحد ضعفًا ورفعه إلى ثمانين (4). فالطلاق الثلاث لا شك أن السنة أنه واحدة؛ الطلاق الثلاث واحدة، وفعل عمر رضي الله عنه بإمضائه (2)، ومنع المطلق ثلاثًا من المراجعة قلنا: إنه على سبيل التعزير ثم تبعه الناس في ذلك، تبعه الأئمة في ذلك وصار العمل حتى أن بعضهم حكى الإجماع على أن الطلاق الثلاث طلاق بائن، لكن قال شيخ الإسلام رحمه الله، وابن القيم وغيرهما لو قيل: إن الإجماع على أن الطلاق الثلاث واحدة لكان أولى ليش؟ لأنه في عهد الرسول وعهد أبي بكر وسنتين من خلافة عمر الطلاق الثلاث واحدة، أَيُّ إجماع أقوى من هذا الإجماع؟ لكن فعله عمر تعزيرًا، وبناء على ذلك رأينا أن الإنسان أنا شخصيًّا إذا جاء إنسان وطلق ثلاث في الأول، ثم طلق في الثاني ثلاثًا، ما أرد عليه زوجته؛ لأنه متهاون، فإذا كان لأول مرة أردُّ عليه زوجته اتباعًا لسنة الرسول عليه الصلاة والسلام وسنة أبي بكر، إذا كرر واستهان بحرمات الله أمنعه من الرجوع اتباعًا لمن؟ لسنة عمر فأكون آخذًا بالسنتين بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر حين كان عند الإنسان خوف من الله ولم يكرر، وبسنة عمر حين كان يلزم الناس بذلك لما (... ) فيه.
طالب: احتالوا.
طالب: (... ) وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسمّاه ومع عدم الدراهم ثلاثة.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

سبق لنا أن الخلع هو فراق الزوجة بعوض بألفاظ معلومة، وأنه لا ينقص عدد الطلاق أي: لا يحسب منه وأنه فراق بائن بمعنى أن الزوجة لا تحل لزوجها ولو في أثناء العدة إلا بعقد جديد، وهذا هو فائدة الخلع أنها لا تحل له إلا بعقد جديد؛ لأن المرأة حين بذلت العوض افتدت نفسها بذلك، ولو قلنا بأن لزوجها الرجوع لم يكن للخلع فائدة.
إذن الخلع -خلاصة يعني ما سبق- الخلع هو فراق الزوجة بعوض بألفاظ معلومة.
الخلع فراق بائن لا تحلُّ به المرأة ولو في العدة إلا بعقد جديد.
ثالثًا: الخلع لا يحسب من الطلاق؛ فلو طلق الرجل امرأته مرتين ثم خلعها فإنها لا تَبِينُ منه بينونة كبرى؛ لأن الخلع ليس بطلاق.
إذا وقع الخلع بلفظ الطلاق فهو طلاق يُحْسَب منه على رأي جمهور العلماء، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية تبعًا لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه لا يكون طلاقًا (5)، ولو وقع بلفظ الطلاق اعتبارًا بالفدية التي افتدت نفسها بها.
وسبق لنا أنه لو طلقها وهي في عدتها من الخلع فإنه لا يقع الطلاق عليها؛ لأن الخلع أيش؟ فراق بائن، فلو طلق المختلعة في العدة لم تحسب.
وإن طلق المطلقة في العدة فجمهور العلماء على أنه يقع، والصحيح أنه لا يقع الطلاق في أثناء العدة.
ثم قال المؤلف رحمه الله: (وان خالعها بغير عوض أو بِمُحَرَّم لم يصح) إن خالعها بغير عوض لم يصح؛ مثل أن يقول: أشهدكم أني خالعت زوجتي بدون عوض؛ يعني: لم يعطه أحد عوضًا فإنه لا يصح ولا يكون فراقًا ولا طلاقًا ولا شيئًا؛ لأن الخلع فراق بأيش؟ بعوض، فإذا قال: خالعت زوجتي.
ولم يكن هناك عوض فإنه لا يصح.
كذلك أيضًا إذا خالعها بِمُحَرَّم مثل أن خالعها بخمر؛ يعني: أنها بذلت له خمرًا ليخالعها ففعل فإن الخلع لا يصح، ولو خالعته على كراتين من الدخان، الدخان معروف؟ طلبة: نعم.
الشيخ: حرام ولَّا غير حرام؟ طلبة: حرام.

الشيخ: فإن الخلع لا يصح؛ لأن عوضه محرم، طيب وهل يقع طلاقًا؟ بيَّن المؤلف ذلك؛ قال: (ويقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته) يقع الطلاق رجعيًّا إن كان بلفظ الطلاق أو نيته؛ يعني مثلًا هو بذلت له عوضًا محرمًا، ولكن كان لفظ العقد الذي جرى بينهما: خالعت زوجتي على كرتون من الدخان فالخلع غير صحيح، وهل يكون طلاقًا؟ لا؛ لأنه ليس بلفظ الطلاق، ولا نيته فإن كان بلفظ الطلاق أو نيته يقول المؤلف: وقع رجعيًّا، ومعنى قولهم: (رجعيًّا) أن للزوج أن يراجع زوجته ما دامت في العدة، وهذا ما لم يكن هذا آخر طلقة، فإن كان آخر طلقة وقع طلاقًا بائنًا لاستكمال الثلاثة.
قال: (وما صحَّ مهرًا صحَّ الخلعُ به) كل ما صحَّ مهرًا فإن الخلع يصح به من مال أو منفعة، فإذا خالعته على أن تخدمه لمدة شهر فالخلع صحيح ولَّا غير صحيح؟ طلبة: صحيح.
الشيخ: لأنه يجوز أن تكون الخدمة مهرًا؛ فموسى عليه الصلاة والسلام كان مهر بنت صاحب مدين أن يرعى الغنم.
طلبة: (... ). الشيخ: ثماني حجج؛ يعني ثماني سنين، فإن أتمَّ عشرًا فمن عنده.
خالعته بدرهم.
طلبة: يصح.
الشيخ: يصح؛ لأنه يصح أن يكون صداقًا.
المهم ما صح مهرًا صحَّ الخلع به.
قال: (ويُكْرَه بأكثر مما أعطاها) يعني: يُكْرَه أن يأخذ الزوج أكثر مما أعطاها، فإذا كان المهر الذي دفع لها عشرة آلاف وطلبت الخلع، وقال: لا أخالع إلا بأحد عشر ألفًا قلنا: هذا صحيح؛ الخلع، ولكنه مكروه.
انتبه، يعني: يجوز أن يكون مهره أقل من عوض الخلع لكنه يُكْرَه.

وقال بعض العلماء: إنه لا يصح بأكثر مما أعطاها وإنه يحرم عليه ذلك كقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] فقوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ إن نظرنا إلى اللفظ وجدنا أنه عام يشمل القليل والكثير وما كان مثل المهر أو أكثر أو أقل، وإن نظرنا إلى أول الآية ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229] قلنا: فيما افتدت به مما أعطاها؛ ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة؛ منهم من قال: إنه يصح بأكثر مما أعطاها لكن مع الكراهة، ومنهم من يقول: إنه لا يحل له أن يأخذ أكثر مما أعطاها؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا» (6)، وقد استحلَّ فرجها فاستحقت المهر كاملًا، فإذا تضررت بالبقاء معه ودفعت له عوضًا فلا ينبغي أن يأخذ أكثر مما أعطاها؛ لأنه حينئذ يكون كأنه مُتَّجر بفرج هذه المرأة.
قال: (وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صحَّ) معنى ذلك أن الإنسان إذا طلَّق زوجته وهي حامل وجب عليه أيش؟ أن ينفق عليها؛ لقوله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] فإذا قالت امرأة لزوجها: خالعني ولا تتحمل نفقة حملي.
يقول المؤلف: إن هذا صحيح؛ لأنها خالعته بعوض في الواقع؛ إذ إنه لو لم تخالعه لوجب عليه أن ينفق.

(ويصح بالمجهول) يعني: يصح الخلع بالعوض المجهول؛ ووجه ذلك أنه ليس المقصود بالعوض عوض الخلع المتاجرة المالية وإنما المقصود الفراق، بخلاف البيع والشراء فإنه يُقْصَد به العوض؛ ولهذا كان لا بد فيه من العلم والتحرير، أما هذا فلا.
مثال المجهول قال: (فإن خالعته على حَمْلِ شجرتها) (حمل شجرتها) يعني: قالت: خالعتك على ما تحمله نخلتي هذا العام.
فهنا العوض مجهول لا شك، ما ندري هل تحمل كثيرًا أو قليلًا أو لا تحمل.
(فإذا خالعته على حمل شجرتها) صح؛ قالت: خالعتك على ما تحمله شجرة البرتقال -شجرتها- يصح، أفهمتم يا جماعة؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، كذلك لو قالت.. لو خالعته على حمل أَمَتِهَا؛ أمتها يعني مملوكتها، المرأة لها أمة مملوكة وقالت: خالعتك على حمل أمتي، الحمل مجهول ولهذا لا يصح بيعه لكن الخلع به يصح؛ لماذا؟ لأن المقصود من الخلع هو الفراق وليست المعاوضة والمتاجرة؛ ولهذا لا يُشترَط فيه التحرير.
(أو ما في يدها أو بيتها من دراهم أو متاع) أمسكت بدراهم بيدها وقالت: خالعتك على ما في يدي، كم؟ طلبة: غير معلوم.
الشيخ: مجهول، قال: لا بأس.
أخالعك على ما في يدك من الدراهم يصح، فيه معها ربطة دراهم ورق قالت: خالعتك على هذه الربطة من الدراهم وهو لا يدري كم عددها، يصح.
العلة أن المقصود بالخلع هو الفراق لا المعاوضة.
كذلك ما في بيتها من دراهم أو متاع، وقوله: (من دراهم) يعود على قوله: (ما في يدها)، (أو متاع) يعود على قوله: (ما في بيتها).
قالت: خالعتُكَ على ما بيتي من المتاع؛ يعني: أواني، قدور، أباريق، فناجيل، فرش، وهو يجهل ذلك.
نقول: إن هذا صحيح والعلة ما سمعتم.
(أو على عبد) خالعتْهُ على عبد.
طيب أيش العبد؛ كبير، صغير، متعلم، أمي، كاتب، غير كاتب؟ طالب: مجهول.
الشيخ: مجهول، لا بأس، ما فيه مانع، والعلة أيش؟ أن المقصود بالخلع هو الفراق دون الاتجار.

(وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسماه ومع عدم الدراهم ثلاث) (له مع عدم الحمل) أيُّ حَمْلٍ؟ يعني ما تحمل شجرتها أو أمتها (أقل مسماه) فمثلًا إذا قيل: هذه الشجرة في العادة تحمل مئة كيلو فأقل ما تحمل عشرة كيلو مثلًا، يقول: يُعْطَى عشرة كيلوات؛ لأن هذا هو المتعين وما زاد فهو مظنون قد تحمله وقد لا تحمله، فيُعْطَى أقلَّ مسمى الحمل.
وكذلك يقال فيما تحمله شاتُها أو أَمَتُها أو ما أشبه ذلك.
(مع عدم الحمل) المتاع، الحمل، (والعبد أقلَّ مسماه) المتاع؛ أقل ما يُسَمَّى متاعَ بيت يعطى إياه مثلًا لو فرضنا أن قالت: خالعتك على ما في بيتي من متاع.
دخلنا البيت ما وجدنا فيه شيئًا، وجدنا أنها قد نقلت جميع المتاع.
نقول: تُعطَى أقل ما يكون من أمتعة البيت من فُرُش وأوانٍ ونحو ذلك.
(ومع عدم الدراهم ثلاثة) ليش الدراهم قلنا: ثلاثة؛ لأنها أقل جمع، وهي قالت: ما في يدها من دراهم.
فنقول: أقل الجمع ثلاثة.
لو أنها قالت: هكذا خالعتك على ما في يدي من الدراهم.
ثم فتحت اليد ولا ما فيها شيء يلزمها ثلاث دراهم؛ لأن هذه أقل الجمع.
وقيل: لا يلزمها إلا درهم واحد؛ لأن (مِن) هنا لبيان الجنس لا لبيان العدد، (على ما في يدها من الدراهم) ما فيه إلا درهم واحد يمكن؛ يعني: لو لم يوجد في يدها الآن إلا درهم واحد، هل نقول: كملي الثلاثة.
أجيبوا يا جماعة.
طلبة: لا.
الشيخ: لا، إذن أقل مُسَمًّى درهم واحد، وهذا القول هو الراجح.
ثم قال: (فصل: وإذا قال: (متى)، أو: (إذا)، أو: إن أعطيتِني ألفًا فأنتِ طالقٌ طَلَقَتْ بِعَطِيَّتِهِ وإن تراخى) إذا قال: متى أعطيتِني ألفًا فأنت طالق، أعطيتِني ولَّا أعطيتيني؟ أعطيتِني، والياء توجد لكن اللغة قليلة، واللغة الفصحى أعطيتِني؛ لأنه يُفَرَّق بين المذكر والمؤنث بكسر التاء أو فتحها؛ بكسر التاء أو فتحها تقول في الرجل: أعطيتَني، في المرأة: أعطيتِني.
أما أعطيتيني فهي قليلة جدًّا.

متى أعطيتِني ألفًا فأنت طالق.
ذهبت واستقرضَتْ وأتَتْ بألف بعد يوم أو يومين، يصح؟ طلبة: (... ). الشيخ: لأنه لم يقيد؛ قال: متى أعطيتِني ألفًا فأنت طالق.
فأعطته ألفًا.
قال لها: إذا أعطيتني ألفًا فأنت طالق.
أعطته ألفًا حالًّا تطلق، بعد يوم، أو يومين، أو شهر، أو شهرين؛ تطلق.
طيب، إن أعطيتِني ألفًا فأنت طالق.
الحكم واحد كالأول، لكن هل له أن يرجع أو لا؟ ليس له أن يرجع؛ لأن هذا طلاق معلق، والطلاق ينفذ، فلا رجوع فيه، وهذا هو الذي عليه جمهور العلماء؛ أنه لا يملك الرجوع.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يملك الرجوع ما لم تُعْطِه، فإن أعطته وقع الطلاق ولا يمكن الرجوع.
يقول: (طَلَقَتْ بعطيته وإن تراخى) وقال: (وإن قالت: اخلعني على ألف، أو بألف، أو ولك ألفٌ ففعل بانت واستحقها) إذا قالت: (اخلعني على ألف أو بألف أو ولك ألف ففعل بانت) أيش معنى بانت؟ طلبة: طَلَقَت.
الشيخ: لا.
طلبة: خلعت.
الشيخ: حصل الفراق البائن؛ لأن الخلع ليس طلاقًا، وهي تقول: اخلعني على ألف فإذا بانت استحق الألف؛ لأنه أعطاها ما شرطت.
(وطلقني واحدة بألف فطلقها ثلاثًا استحقها، وعكسه بعكسه، إلَّا في واحدة بقيت) قالت له: طلقني واحدة بألف.
قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يريد ثلاثًا، يستحق الألف؟ طلبة: نعم.
الشيخ: نعم يقول المؤلف: يستحق الألف؛ لأنه طلقها واحدة وزاد فتبين ويستحقها، تبين منه بينونة كبرى ويستحقها، يستحق أيش؟ الألف؛ لأنه زادها عما طلبت هي، طلبت طلاقًا وهو أعطاها طلاقًا وبينونة فقد وَفَّى لها بما ذكرت (... ). وقيل: إنه إذا طلقها ثلاثًا لا يستحقها؛ لأن طلاق الثلاث تكون به بينونة كبرى، والزوجة قد لا تريد البينونة الكبرى، قد تريد أن تتخلص منه الآن وفيما بعد يقلب الله القلب، فاهم يا عبد الله؟ طالب: نعم.
الشيخ: أيش قلنا؟ الطالب: (... ) واحدة.. الشيخ: واحدة بألف.
الطالب: (... ). الشيخ: ماذا يقول المؤلف؟

الطالب: (... ) تستحق.. الشيخ: تستحق الألف وتبين.
القول الثاني؟ الطالب: أنه لا يستحق الألف.
الشيخ: أنه لا يستحق الألف؛ لأنها هي قالت: طلقني واحدة وهو طلقها.
طلبة: ثلاثًا.
الشيخ: ثلاثًا فلم يأتها على ما طلبت، فإن قيل -كما علل الفقهاء- إن قيل: إنه زادها عما طلبت.
قلنا: هذه الزيادة قد تكون ضارة لها؛ لأنه إذا طلقها ثلاثًا بانت منه، وهي تريد واحدة فقط؛ لأنها ربما تريد أن تتخلص منه الآن، وفي المستقبل يقلب الله الأمور، تختلف الأمور، والصحيح أنه لا يستحقها.
ولكن هل تبين أو نقول: إن هذا الطلاق معلق على استحقاق الألف، هو الآن لا يستحقها فلا يقع الطلاق؟ طالب: الأول.
الشيخ: يحتمل وجهين يحتمل أن يقال: إنه طلق ثلاثًا فتطلق، ويحتمل أن يقال: إنه طلقها ثلاثًا بناءً على أنه يستحق الألف والآن حرمناه منه، والطلاق المعلق على شيء لا يقع حتى يوجد الشيء.
يقول رحمه الله: (وعكسُه بعكسِه) كيف (عكسه بعكسه) يعني: لو قالت: طلقني ثلاثًا بألف.
فطلقها واحدة.
فإن الطلاق يقع، لكن لا يستحق الألف، كيف؟ لأنها هي طلبت طلاقًا ثلاثًا، ولكن هل يقع الطلاق؟ نقول: نعم يقع إلا على القول الذي أشرنا إليه آنفًا وهو أنه إنما طلق أيش؟ طلبة: على ألف.
الشيخ: على عوض، فإذا لم يحصل له ذلك فلا طلاق.
قال: (إلا في واحدة بقيت) يعني: إلا إذا كان لم يبق إلا واحدة، وطلق واحدة وهي قد قالت: طلقني ثلاثًا.
مثال ذلك: امرأة كان زوجها قد طلقها مرتين سابقتين، كم بقي عليها؟ طلبة: طلقة واحدة.
الشيخ: قالت له: طلقني ثلاثًا بألف.
فطلقها واحدة، يستحق الألف؟ طلبة: يستحق الألف.
الشيخ: إي نعم، يستحق الألف لأنها الآن بانت، حتى لو طلقها ثلاثًا فالطلقتان الأُخْرَيان لغو لا فائدة منها؛ ولهذا قال: (إلا في واحدة بقيت) يعني: فإنه يستحق الألف.

(وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها) يعني: ليس للأب أن يخلع زوجة ابنه الصغير؛ رجل زوَّج ابنَه وله أربع عشرة سنة ثم رأى أن الزوجة ما فيها خير وأنها تتعب الولد وربما تضره، مع التعب تضره، فخالعها على أن تبذل عوضًا وتفارق الزوج.
يقول المؤلف: لا يصح، ليش؟ لأن الخلع إنما هو مِن حق مَن؟ طلبة: الزوج.
الشيخ: الزوج، لا من حق أبيه ولا من حق ابنه ولا أخيه ولا غير ذلك من حق الزوج، الزوج صغير ما خالع.
فإذا قال قائل: العوض من الزوجة للولد، قلنا: ولو كان؛ لأن الولد قد يكون له رغبة في هذه الزوجة فلا يمكن أن يخلعها أحد منه، حتى أبوه، ولا طلاقها أيضًا؛ يعني: لو رأى أبو الزوج الصغير أن هذه المرأة أصبحت نكدًا على زوجها وعلى أهله أيضًا أتعبتهم لسوء أخلاقها، فهل له إن يطلقها؟ طلبة: ليس له.. الشيخ: يقول المؤلف: لا ما له يطلق، فصار الأب وهو أقرب الناس لا يملك أن يطلق زوجة ابنه ولا أن يخالعها؛ لأن الطلاق لمن أخذ بالساق وهو الزوج.
وقال بعض أهل العلم: بل له أن يطلق وله أن يخالع إذا رأى في ذلك دفع الأذى والضرر على الابن، وهذا القول هو الراجح، لكن ينبغي قبل أن يطلق على الابن أن يأمره بالطلاق كما فعل مَن؟ طلبة: عمر.
الشيخ: عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع ابنه عبد الله (7)، فإذا أبى أن يطلق وعرفنا أن هذه الزوجة لا خير فيها تَجُرُّ الويلات على الولد، وتَجُرُّ الويلات على أهله والسمعة السيئة، فحينئذ لا بد أن نقول: إن الأب له أن يطلق زوجة ابنه.
ما الذي قلنا؟ هل يجوز للوالد أن يطلق زوجة ابنه؟ طالب: لا.
الشيخ: لا يجوز، طيب هل يجوز للوالد أن يخالع زوجة ابنه؟ الطالب: يجوز للوالد أيش؟ الشيخ: أن يخالع زوجة ابنه؛ يعني: معناها يفارقها بعوض؟ الطالب: لا.
الشيخ: لا، لماذا التعليق عند الأخ؟ طالب: لأن، بالقول الأول لا يجوز.
الشيخ: لماذا؟ الطالب: لأن هذا حق الزوج.
الشيخ: حق الزوج، ليس لأبيه ولا لأخيه ولا لأحد، تمام.

الطالب: القول الأول هذا.
الشيخ: هذا القول الأول، القول الثاني اللي وراك؟ طيب، القول الثاني: أنه يجوز للأب أن يخالع زوجة ابنه وأن يطلقها إذا كان يدفع بذلك ضررًا على الابن؛ لأن الابن صغير لم يبلغ والزوجة تلعب عليه، فإذا رأى الأب من المصلحة أن يطلق زوجة ابنه فلا بأس، وهذا القول هو الراجح.
لكن هل إذا طلقها هل يلزمه أن يزوج الابن؟ الطلبة: نعم.
الشيخ: الجواب: نعم يلزمه أن يزوج الابن من مال الابن إن كان له مال أو من مال أبيه إن كان ليس للابن مال.
قال المؤلف: (ولا يُسْقِط الخلع غيرَه من الحقوق) يعني: لو أن المرأة خالعت زوجها بعوض قدره عشرة آلاف ريال، استلم العشرة آلاف وكان له دين عليها؛ أي: على المرأة، أي: زوجته، هل هذا الخلع يسقط الدين الذي عليها؟ طلبة: لا.
الشيخ: يقول المؤلف: إنه لا يسقطه؛ لأن الخلع عقد مستقل لا يسقط شيئًا من الواجبات.
ولو خالعته أي الزوجة على عشرة آلاف ريال وكانت تطلب الزوج عشرة آلاف ريال فهل يسقط دينه؟ لا، لا يسقط دينه ولا يسقط الخلع غيره من الحقوق، فالحقوق الثابتة على الزوج باقية، والثابتة على الزوجة باقية.
(وإن عَلَّقَ طلاقها بصفة ثم أبانها فَوُجِدَتْ، ثم نكحها فوُجِدَتْ بَعْدَهُ طَلَقَتْ كعِتْقٍ، وإلَّا فَلا).
طالب: ما شرحنا: (ولا خلع ابنته بشيء من مالها).
الشيخ: إي نعم، طيب.

يقول المؤلف: (وليس للأب خلع زوجة ابنه الصغير ولا طلاقها، ولا خلع ابنته بشيء من مالها) يعني: وليس للأب أن يخلع ابنته من زوجها بشيء من مالها؛ لأنه ليس له أن يتبرع بشيء من مالها لكن إذا أراد أن لا يخسر شيئًا نقول: تملك أولًا من مال ابنتك ما شئت ثم خالع به أمَّا أن تخالع بشيء من مالها بدون تملك فلا، فإن قال: أنا خالعتها من زوجها فداء لها؛ لأن زوجها أتعبها، وخلعي إياه من المصلحة قلنا: في هذا الحال لا بأس، إذا رأى الأب أن ابنته لا يمكن أن تبقي مع زوجها ورأى من مصلحتها ودفع الضرر عنها أن يخالعها بشيء من مالها هي فالصواب أن ذلك جائز؛ لأنه لدفع الأذى عن البنت أو للمصلحة.
أما على المذهب فلا يصح، لكن طريق ذلك على المذهب أن أيش؟ طلبة: يتملك.
الشيخ: يتملك من مالها ما يكون به الخلع ثم يخالع عليه، انتبه للمسألة الأخيرة يقول: (وان علَّق طلاقها بصفة ثم أبانها فوُجِدَت ثم نكحها فوُجِدَت بعده طَلَقَتْ كعتق وإلا فلا) رجل قال لزوجته: إن كلمتِ فلانًا فأنت طالق، كلمته قبل أن يطلقها، تطلق؟ طلبة: نعم.
الشيخ: طيب، كلمته بعد الطلاق لكن في حال العدة، تطلق؟ طلبة: لا (... ). الشيخ: كيف؟ طالب: على قول الجمهور.
الشيخ: الرجعية زوجة، هو طلقها وهي الآن في العدة فكلمت الرجل، تطلق؟ كلمت الرجل بعد أن انتهت العدة، تطلق؟ طلبة: (... ). الشيخ: رجل قال لزوجته: إن كلمتِ فلانًا فأنت طالق، كلمته قبل أن يطلقها؟ طالب: تطلق على الراجح.
الشيخ: تطلق ولَّا لا؟ طالب: تطلق.
الشيخ: تطلق على الراجح والمرجوح قبل أن يطلقها.
طيب طلَّقها طلاقًا رجعيًّا ثم كلمته في العدة، تطلق؟ طلبة: نعم.
الشيخ: تطلق.
طيب، طلَّقها واعتدت وانتهت العدة ثم كلمته، (... ) ثم كلمته؛ أي: كلمت الرجل بعد العقد عليها، تطلُق أو لا؟ طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق يا إخوان؟ طالب: نعم.
طالب آخر: العقد جديد؟

الشيخ: هو عقد جديد هذا هو، اسمع المؤلف أيش يقول؟ (إن علَّق طلاقها بصفة) يعني بأي شيء، (ثم أبانها فوُجِدَت) متى وجدت؟ بعد البينونة (فوجدت ثم نكحها) من جديد (فوجدت بعده) أي بعد النكاح الثاني (طَلَقَت) واضح يا جماعة؟ طالب: كيف وُجِدَت؟ الشيخ: يعني: وُجِدَت الصفة، قلناها، قال لها: إن كلمتِ فلانًا فأنت طالق.
هذه الصفة، الصفة هي تَكْلِيمُها فلانًا، عرفت؟ بعد أن تزوجها يقول: (وجدت بعده)؛ أي: بعد النكاح الثاني فإنها تطلق، تطلق ليش؟ لأن الواقع أنها وجدت وهي زوجته فتطلق.
وقيل: إنها لا تطلق؛ لأن الطلاق إنما كان في نكاح سابق، والنكاح السابق بانت منه وهذا نكاح جديد فلا تطلق؛ لأن الله تعالى إنما جعل الطلاق بعد النكاح ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] فلا طلاق بدون نكاح، وهذا قد عَلَّق الطلاق في نكاح سابق قبل النكاح الثاني، وهذا أصح، هذا القول أرجح؛ أنها لا تعود الصفة في النكاح الثاني؛ لأنه منفصل عن الأول تمامًا.
فصار الآن إذا علَّق الرجل طلاق امرأته على صفة ولتكن مكالمة زيد، فقال: إن كلمت زيدًا فأنت طالق.
فكلمته قبل أن يطلقها؟ طلبة: تطلق.
الشيخ: هذه واحدة.
كلمته بعد أن طلقها طلاقًا رجعيًّا في أثناء العدة؟ طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، كلمته بعد انقضاء العدة؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق، تمام، تزوجها بعد ذلك ثم كلمته؟ طلبة: لا تطلق على الراجح.
الشيخ: على ما ذهب إليه المؤلف؟ طلبة: تطلق.
الشيخ: تطلق، وعلى القول الراجح؟ طلبة: لا تطلق.
الشيخ: لا تطلق.
تمام.
كالعتق يقول: (كعتق)، كما أنه لو علق عتق عبده بشيء، قال لعبده: إن فعلتَ كذا فأنت حر، فَعَلَه، يكون حُرًّا؟ طلبة: نعم.
الشيخ: تمام، باعه ثم فعل العبد ما قال سيده الأول وهو عند السيد الثاني، يعتق ولّا لا؟ طلبة: لا.
الشيخ: ليش.
طلبة: انتقل عن ملكه.

الشيخ: لأنه خرج عن ملكه، اشتراه من المشتري بائعه الأول، اشتراه من المشتري، ثم إن العبد فعل ما قال سيده، يعتق ولا ما يعتق؟ طلبة: يعتق.
الشيخ: يعتق، كالمرأة إذا طلقها ثم تزوجها من جديد، ولهذا قال (كعتق وإلا فلا) فصار الآن العتق والطلاق يستويان في أنه إذا تجدد الملك وعادت الصفة فإنه يقع ما علق على هذه الصفة، واضح؟ طيب مسألة العتق قد يكون ما قاله المؤلف صوابًا؛ لأن العبد فعل هذا في ملكه أي في ملك سيده، وربما لا يكون عند السيد فرق بين أن يفعله في ملكه الأول أو ملكه الجديد بخلاف النكاح.
قال: (وإلَّا فلا) يعني: وإلا توجد الصفة بعد عودها إلى زوجها فإنها لا تطلق، ويشير إلى أنه إذا وجدت الصفة بعد بينونتها من الزوج وقبل أن يتزوجها مرة أخرى فإنها لا تطلق؛ لأنها وجدت الصفة وهي خارجة عن ملكه.
طالب: أحسن الله إليك، إذا خالع على مجهول ثم فسد هذا المجهول، ما الحكم؟ الشيخ: كيف فسد؟ طالب: إذا كانت شجرة لم تثمر، وإذا كان جنينا من أمة.. الشيخ: هذه ذكرها المؤلف وشرحناها.
طالب: (... ) ما الحكم إذا لم يأت به؟ الشيخ: (... ) ماذا قال المؤلف؟ الطالب: أقل مسمى.
الشيخ: أقل مسمى، يعطى أقل مسمى، يعطى أقل مسماه.
الطالب: من (... ). الشيخ: إي نعم.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعليقه على صفة العطاء؛ مثلًا إذا أعطيتِني ألفًا، إن أعطته ألفًا وقع قال: إنه إذا لم يحصل هذا فله الرجوع عن ذلك، فله أن يلغي هذا ما دام لم تعطه ذلك، هل هذا قاعدة مطردة في كل تعليق؟ الشيخ: إي نعم، هذا يرى كل تعليق له أن يرجع فيه.
الطالب: طيب ما رجع.
ما الذي نرجحه؟ الشيخ: يجوز أن يذكر الرجل القولين، ولا يرجح.
الطالب: نعم يجوز لكن ما الذي.. الشيخ: انتهى، ما دام يجوز أنا في حِل.
طالب: علَّق الطلاق على شيء (... )؟ الشيخ: يقع في الحال، قال لها: إن طرت.. الطالب: لا أنا أقصد يا شيخنا (... ).

الشيخ: يعني: على شيء لا بد منه، ما هو على شيء مستحيل؟ الطالب: نعم.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: (... ). الشيخ: ما يخالف، إذا أكلت.
الطالب: (... ). الشيخ: يتأخر الطلاق يعني مثلًا إذا كان لو هو عارف أنها لا بد أن تأكل إذن لا بد من الطلاق، فبدل من أن يقول: أنت طالق الآن يؤجله حتى تجوع وتأكل.
لكن لو قال: إن طرت فأنت طالق؟ طالب: تطلق.
الشيخ: في الحال؟ لكن يقول: إن طرت؟ طالب: (... ). الشيخ: ما يمكن؟ طالب: نعم.
الشيخ: صحيح، تمام.
لا، شوف إذا عُلِّق الطلاق -أخطأنا- إذا عُلِّق على المستحيل فمعناه أن الطلاق مستحيل، ما عُلِّق على المستحيل فهو مستحيل، إن طرت فأنت طالق، ما يمكن تطلق؛ لأنه علقه على شيء مستحيل.
طالب: شيخ -بارك الله فيكم- (... ) الزوجة على عوض (... )؟ الشيخ: الفرق بينهما أن الطلاق يحسب من الطلاق، هذا أهم الفروق؛ يعني مثلًا إذا كان طلقها قبل ذلك مرتين ثم خالعها، خالعها بلفظ الطلاق الآن تبين منه، ولا تحل إليه إلا بعد زوج، وإذا قلنا: إنه فسخ، فله أن يراجعها بعقد بدون زوج، هذا أهم الفروق، وإلا هناك فروق أخرى مثل العدة.
طالب: شيخ، المسألة الأخيرة اللي ذكر المؤلف، إن (... ) فأنت طالق، على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية يقول طبعًا، يكون طلاقًا؟ الشيخ: أيش.
الطالب: على رأي شيخ الإسلام ابن تيمية.
الشيخ: شيخ الإسلام رحمه الله يقول: كل شيء فيه عوض فهو خلع سواء بلفظ الطلاق أو بغير لفظ الطلاق وسواء كان مُعَلَّقًا أو مُنَجَّزًا.
الطالب: يصح أن يكون طلاق العوض على كلام الفقهاء؟ الشيخ: على كلام مَنْ؟ الطالب: (... ). الشيخ: إي، ما في (... ) يصح.
الطالب: قلنا: إذا علق الطلاق بصفة معينة فوقعت هذه الصفة بعد طلاق (... ) عدتها.
الشيخ: نعم.
الطالب: قلنا: يقع وتطلق.
الشيخ: نعم.
الطالب: هل هذا الوقوع مبني على الخلاف في مسألة الطلاق الثلاث؟ الشيخ: على أيش.

الطالب: هل هذا الوقوع وقوع الطلاق الثاني يعني: إذا حصلت الصفة وهي في عدتها بعد أن طلقها.. الشيخ: نعم.
الطالب: هل نحن قلنا بأنها تطلق؟ هل هذا مبني على الخلاف في مسألة الطلاق الثلاث؛ لأننا قلنا سابقًا إن الصحيح.. ؟ الشيخ: الصحيح أن الطلاق في أثناء العدة ليس كذلك، هذا يفارق ما سبق، بأن قوله: إن فعلت كذا فأنت طالق؛ لم يتعين أن يكون في العدة، بخلاف ما إذا نجزه فيتعين؛ ولهذه لا يمكن أن نبنيه على ذلك (... ) محل تردد.
الطالب: (... ) وما صح أن يكون (... ) صح الخلع به، هل القرآن يدخل في هذا؟ الشيخ: هل أيش؟ الطالب: القرآن يدخل في هذا؟ الشيخ: ويش لون القرآن؟ الطالب: يا شيخ أن يكون مهرًا.
الشيخ: هو يصح أن يكون مهرًا القرآن.
الطالب: (... ) أن الرسول عليه الصلاة والسلام سأل واحدًا من الصحابة «هَلْ تَحْفَظُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ» (8) (... ). الشيخ: لكن المؤلف أيش يقول؟ هل قال: إن القرآن يصح أن يكون مهرًا؟ الطالب: هو قال: (ما صح).
الشيخ: ما هو هنا إلا في الصداق؛ لأنه لما قال: (ما صح مهرًا صح الخلع به) يعني: إذن لا بد نرجع للصداق، هل المؤلف يرى أنه يصح أن يكون تعليم القرآن صداقًا؟ الطالب: لا أدرى.
الشيخ: لا تدري، ماذا تقولون؟ طالب: لا.
طالب آخر: يرى ذلك.
الشيخ: يرى أنه لا يصح أن يكون تعليم القرآن صداقًا.
هو ما مر علينا؟ طالب: ما هو؟ منفعة القرآن؟ الشيخ: إي هو منفعة، لكن القرآن يقولون: إن تعليم القرآن من القُرَبِ، والقُرَب لا يصح أن تكون عوضًا؛ لأنها لا بد أن تكون خالصة لله.
وهذا مر علينا يا إخوان.
طلبة: (... ). الشيخ: إي نعم، وذكرنا الخلاف في هذه المسألة، وأن القول الراجح أنه يصح؛ لأن الرسول قال: «زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» (9).

وأيضًا المعلم ليس كالتالي، المعلم يحصل منه جهد وتعب بخلاف الأجرة على قراءة القرآن؛ ولذلك يجب أن تعرفوا الفرق؛ الأجرة على تعليم القرآن لا بأس بها يعني: لو جئت بشخص استأجرته أن يعلم ابني القرآن قلت: يا فلان، أريد أن تعلم ابني القرآن.
قال: ما يخالف، أعلمه القرآن بألف ريال.
ما فيه مانع، أعطيه ألف ريال.
لو جئت بقارئٍ يقرأ فقط بعوض هذا لا يجوز؛ لأن القراءة نفعها غير متعد نفعها لا يتعدى بخلاف.
طلبة: التعليم.
الشيخ: التعليم، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» (10)، فالصواب أن تعليم القرآن يصح أن يكون مهرًا ويصح أن يكون عوض خلع؛ يعني: هو منفعة، ويصح الاستئجار عليه؛ لأنه منفعة، بخلاف قراءة القرآن؛ لو أتيت بإنسان وقلت: أريد أن تقرأ القرآن، أنا أطرب لصوتك، اقرأ القرآن.
قال: ما أقرأه إلا بألف ريال.
هذا لا يصح؛ لأن مجرد القراءة ليس فيها عمل وتعب؛ ولهذا نعرف أن ما يفعله بعض الناس إذا مات الميت أَتَوْا بالقراء يقرؤون في بيت الميت أنهم غالطون؛ لأن هذه القراءة ليس فيها أجر ولا ثواب؛ لماذا؟ طالب: (... ) عوض.
الشيخ: لأن القارئ لم يرد بها وجه الله، والقراءة عبادة، فكما أنه لا يصح أن أقول: تعال يا فلان، صلِّ وأعطيك فلوسًا.
قال: ما يخالف، كل ركعة بعشرة ريالات.
الركعتين بكم؟ طلبة: بعشرين.
الشيخ: بعشرين ريالًا، يصح هذا ولا ما يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ما يصح؛ يعني: أنا ما انتفعت بشيء وهو أيضًا إنما عمل عبادة لا يستحق أن يأخذ عنها عوضًا.
طالب: (... ). الشيخ: طيب.
الطالب: (... ) قول المؤلف رحمه الله: (وإن علق طلاقًا بصفة ثم أبانها فوُجِدَت ثم نكحها فوُجِدَت) هل لهذا مفهوم أنه إذا أبانها.. ؟ الشيخ: لأن بعض العلماء يقول: إذا وُجِدَت بعد البينونة انحلت، فإذا نكحها من جديد لا تعود الصفة فقوله: (فوُجِدَت) لأجل فرض المسألة مع المخالفين.

طالب: حديث عدة المختلعة..

﴿كتاب الطلاق﴾ يُباحُ للحاجةِ، ويُكْرَهُ لعَدَمِها، ويُسْتَحَبُّ للضَّرَرِ، ويَجِبُ للإيلاءِ، ويحرُم للبِدعةِ، ويَصِحُّ من زوجٍ مكَلَّفٍ ومُمَيِّزٍ يعقله، ومَن زالَ عَقْلُه مَعذورًا لم يَقَعْ طلاقُه وعَكْسُه الآثِمُ، ومَن أُكْرِهَ عليه ظُلْمًا بإيلامٍ له أو لولدِه أو أَخْذِ مالٍ يَضُرُّه أو هَدَّدَه بأَحَدِها قادرٌ يَظُنُّ إيقاعَه به فطَلَّقَ تَبَعًا لقولِه لم يَقَعْ، ويَقَعُ الطلاقُ في نِكاحٍ مختلَفٍ فيه، ومن الغَضبانِ،

مدخل

طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب الطلاق، يباح للحاجة، ويكره لعدمها، ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء، ويحرم للبدعة، ويصح من زوج مكلف ومميز يعقل، ومن زال عقله معذورًا لم يقع طلاقه، وعكسه الآثم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال رحمه الله تعالى: (كتاب الطلاق) الطلاق هو فراق الزوجة، ويكون قبل الدخول، ويكون بعد الدخول، ولا يكون قبل العقد.
فهنا ثلاثة أزمنة: قبل العقد وبعده، وقبل الدخول، وبعد الدخول.
أما قبل العقد فلا يقع؛ لأنه طلاق، حل قيد النكاح، الطلاق: حل قيد النكاح، وإذا وقع قبل العقد فإنه ليس هناك عقد يُحلُّ، فلا يقع قبل العقد، حتى وإن خص المرأة فقال: يا فلانة، إن تزوجتك فأنت طالق، وتزوجها فإنها لا تطلق، لماذا؟ لأن هذا قبل العقد.
ولو قال لها: يا فلانة، إن كلمتِ فلانًا فأنتِ طالق، ثم تزوجها فكلَّمت فلانًا، فإنها لا تطلق؛ لأن هذا قبل العقد.
والطلاق حل قيد النكاح، يعني حل العقد؛ عقد النكاح، وهذا ليس هناك عقد حتى يقال إنه حلَّه.

إذا وقع بعد العقد وقبل الدخول فهو واقع؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، فإذا عقد على امرأة وقبل أن يراها وقبل أن يخلو بها قال: هي طالق، تطلق.
الثالث، الزمن الثالث: إذا كان بعد العقد والدخول، يقع أو لا؟ يقع، ولا إشكال فيه.
طيب، لو قال: إن تزوجتك فأنتِ طالق، ما تقولون؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع، لماذا؟ لأنه قبل العقد.
ولو قال لرقيق، عبد مملوك: إن ملكتك فأنت حُر، فملَكَه؟ لا يقع، قياسًا على الطلاق.
فالطلاق قبل عقد النكاح لا يقع، والعتق قبل الملك لا يقع، وإلى هذا ذهب كثير من العلماء وقالوا: إن الإنسان ليس عليه عِتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك.
ولكن الإمام أحمد رحمه الله ذهب إلى أن العتق يقع، إذا قال للعبد: إن ملكتك فأنت حر، فملكه، صار حُرًّا، وفرَّق بينه وبين الطلاق؛ لأن الملك يراد للعتق؛ يعني أن الإنسان يشتري العبد ليعتقه، لكن النكاح لا يراد للطلاق، يعني لا يمكن أن يقول إنسان: إنه نكح فلانة ليطلقها، أو لا؟ الطلبة: لا.
الشيخ: لا يمكن أبدًا، اللهم إلا في مقام التحريم، إذا أراد أن يتزوج امرأة طلقها زوجها ثلاثًا من أجل أن يحللها له، وهذا النكاح لا يصح أصلًا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن المحلِّل والمحلَّل له (1). على كل حال الطلاق يُشترط أن يكون بعد عقد النكاح، فإن وقع قبله فلا طلاق سواء كان معلقًا أو منجزًا.

أما حكمه فقال المؤلف: (يُباح للحاجة)، يعني يجوز أن يطلق الإنسان زوجته عند الحاجة، ومتى يكون عند الحاجة؟ إذا عرف الرجل أن زوجته قد سئمت البقاء معه، وأنها ترغب أن يطلقها رغبة حقيقية، فنقول هنا: لا بأس، لكنه كما سيأتي يُستحب إذا كان لحاجة الزوجة، وإن كان لحاجة الزوج فهو مباح، وعلى هذا فنقول: (للحاجة) أي: لحاجة الزوج إلى ذلك.
كيف الحاجة؟ مثل أن يرى أن المقام معها سيكون نكدًا صعبًا، فهنا يُباح له أن يطلق، وإن كانت تكره المرأة الطلاق؟ نعم، وإن كانت تكره؛ لأنه أحيانًا يتزوج الإنسان امرأة على زوجته الأولى، فيجد نكدًا وتنغيصًا، فيرى أن الحاجة داعية إلى أن يطلق إحدى المرأتين، فهنا نقول: لا بأس، ولكن الأفضل مع هذا أن يصبر، وألا يتعجل بالطلاق؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]، ينبغي أن يصبر ويحتسب، والله تبارك وتعالى مُقلِّب القلوب، فربما يكون بغضه إياها محبة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً»، أي: لا يبغضها «إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا خُلُقًا آخَرَ» (2). الخلاصة: الحكم الأول في الطلاق أنه مُباح، متى؟ إذا احتاج الزوج إلى ذلك.
قال: (ويُكره لعدمها) يعني مع استقامة الحال وعدم الحاجة إلى الطلاق يُكره أن يطلق، لما في ذلك من كسْر قلب المرأة ومفارقتها، ولا سيما إن كانت (... )، لا سيما إن كان معها أولاد، أو كانت فقيرة، أو ليس لها أحد في هذا البلد، فإنه يتأكد كراهة طلاقها، فلا ينبغي أن يطلق.

(ويستحب للضرر) (يستحب) يعني يُطلب من الإنسان أن يطلق إذا كان هناك ضرر، كيف الضرر؟ يعني ضرر عليه أو على المرأة، أو عليهما جميعًا؟ عليهما جميعًا، إذا كان بقاء الزوجة معه يسبب ضررًا عليه في ماله، أو بدنه، أو سمعته، أو ما أشبه ذلك فليُطلق استحبابًا، وكذلك إذا كان على المرأة ضرر، مثل أن يراها متألمة، كلما دخل عليها وجدها تبكي، يا بنت الحلال، ويش فيكِ؟ قالت: أنا أريد الطلاق، أنا عجزت أن أبقى معك، فهنا نقول: الأفضل أن يطلق، لما في ذلك من إزالة الضرر.
(ويجب للإيلاء) يعني يجب الطلاق عند الإيلاء، أيش معنى الإيلاء؟ الإيلاء أن بعض الأزواج يُسلَّط فيحلف ألا يجامع زوجته، يقول: والله لا أجامعها، الزوجة تريد الجِماع كما أن الرجل يريد الجماع، فقيل له: لك مدة أربعة أشهر، إذا تمت الأربعة، فإما أن تطلق وإما أن ترجع؛ لقول الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾ أي رجعوا إلى زوجاتهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 226، 227]، وعلى هذا نقول للزوج الآن: تمت أربعة أشهر، يجب عليك أن تطلق أو ترجع، إذا قال: ما أنا راجع، نقول: يجب أن يطلق، فإن أبى أن يطلق طلَّق عليه القاضي.
إذن يجب متى؟ للإيلاء.
لو قال قائل: هل يجب بالنذر؟ يعني لو نذر الإنسان أن يطلق زوجته، هل يجب أن يطلق؟ لا، بل نقول: لا تُطلِّق، وكفِّر عن النذر؛ لأن هذا النذر أدنى أحواله أن نقول: إنه نذر مكروه، والنذر المكروه لا يوفى به، لكنه يكفر كفارة يمين.
(ويحرم للبدعة) يعني يحرم أن يطلق طلاق بدعة.
وهنا تعبير غريب: الفقهاء لا يتكلمون عن الشيء من حيث البدعة والسنة، الذي يتكلم عن البدع والسنن وأقسامها هم أصحاب العقائد والتوحيد، لكن في هذا الباب جعلوا سنة وبدعة رحمهم الله.

الطلاق البدعي الذي يكون حرامًا: إذا طلق من عليها العدة وهي حائض، أو في طُهر جامعها فيه.
انتبه: إذا طلق من تلزمها العدة في حيض، أو طُهر جامع فيه.
أعيد مرة ثانية، أزيد القيد: إذا طلق من تلزمها العدة بالحيض، في حيض، أو في طهر جامعها فيه.
فقولنا: إذا طلق من تلزمها العدة، خرج به إذا طلق من لا تلزمها العدة، وهي التي لم يدخل بها، فإذا طلق من لم يدخل بها وهي حائض فالطلاق طلاق سُنَّة وليس ببدعة، لماذا؟ لأنه لا عِدَّة عليها، وعلى هذا فلو تزوج إنسان امرأة وبعد مدة رغب عنها قبل أن يدخل بها، ثم طلقها فقيل: إنها حائض، فالطلاق واقع وليس حرامًا؛ لأنه ليس عليها عدة.
طيب، قولنا: من تلزمها العدة بالحيض، خرج به الحامل، الحامل تلزمها العدة بماذا؟ بوضع الحمل، وخرج به مَنْ عدتها بالأشهر، من هي التي عدتها بالأشهر؟ هي الصغيرة والآيسة، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، فإذا طلق الحامل، ولو كان قد جامعها فالطلاق سُنَّة، يعني طلاق سُنَّة ليس ببدعة؛ لأنه لا يلزمها العدة بالحيض.
طيب، ولو طلَّق آيسة وهي حائض؟ يصح ولَّا ما يصح؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ هي آيسة، كيف يُطلقها وهي حائض؟ لو طلَّقها بعد جماعها، هل هو بدعة ولَّا غير بدعة؟ غير بدعة؛ لأنها ممن لا تلزمها العدة بالحيض.
طيب، في حال الحيض أو الطهر الذي لم يجامعها فيه، لو طلقها وهي طاهر طُهرًا لم يجامعها فيه فالطلاق سُنَّة وليس ببدعة.
إذن الطلاق البدعة ما هو؟ أن يطلق من تلزمها العدة بالحيض، في حال الحيض أو الطهر الذي جامعها فيه.
هذا حرام.

طيب، هذا حرام طلاق بدعة بالزمن، هناك طلاق بدعة بالعدد: وهو أن يطلقها أكثر من مرة بأن يقول: أنتِ طالق، أنتِ طالق، إذا لم يرد التوكيد فهذا الطلاق مُحرَّم، يعني إرداف الطلاق بالطلاق حرام، وهو بدعة، لكن هل يقع أو لا يقع؟ أكثر العلماء على أنه يقع، والقول الراجح أنه لا يقع، يعني لو الإنسان طلق زوجته وقال: أنتِ طالق، أنتِ طالق، كم تطلق على القول الراجح؟ واحدة فقط؛ لأن الثانية بِدعة، والبدعة لا يجوز إقرارها، ولو قلنا بوقوع الطلاق لزم من ذلك إقرار البدعة، وإقرار البدعة منكر، ثم إن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (3) يقتضي أن الطلقة الثانية مردودة لا تقع؛ لأنها غير مأمورين بها.
طيب، طلَّقها اليوم، قال: أنتِ طالق، غدًا قال: أنتِ طالق.
كم تقع؟ طالب: طلقتان.
طلبة: (... ). الشيخ: واحدة أمس وواحدة اليوم؟ ! الجميع واحدة، لماذا؟ لأن الطلقة الثانية طلقة بدعة، والبدعة لا يمكن أن تقع، كُل بدعة ضلالة، و «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (3)، واضح ولَّا غير واضح؟ واضح.
هذا ما أقرره، وهو الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره شيخنا عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله، وقال: إن من تأمل هذا القول وجد أنه القول الذي لا يسوغ القول بخلافه؛ لأن أدلته قوية واضحة.
قال لزوجته: أنتِ طالق، ثم حاضت، وحاضت الثانية وقال: أنتِ طالق، يقع أو لا يقع؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: لا يقع؛ لأن هذا طلاق بدعة، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، الطلقة الأخيرة هذه التي بين الحيضة الثانية والثالثة ما هي طلقة لعدة؛ لأنه لو طلقها لم تستأنف العدة، إذا طلقها بين الحيضة الثانية والثالثة، وحاضت الثالثة انقضت عدتها، كما قاله الفقهاء رحمهم الله.

فهذا الرجل ما طلق لعدة، لو طلق للعدة لكان تستأنف العدة، وإذا لم يكن طلق للعدة فقد خالف أمر الله عز وجل، وإذا خالف أمر الله فقد عمل عملًا ليس عليه أمر الله ورسوله فيكون مردودًا، هذا قول قد تتعجبون منه، لكنه كما قال شيخنا: إذا تأمل الإنسان الأدلة وجد أنه القول الذي لا يسوغ خلافه؛ لأنه واضح، وإن كان هذا خلاف رأي الجمهور.
إذن يحرم لأيش؟ يحرم إذا كان بدعة، يُباح، ويُكره، ويُستحب، ويجب، ويحرم، كم من الأحكام؟ خمسة، هذه هي الأحكام الخمسة، وقَلَّ أن تجد مسألة تجري فيها الأحكام الخمسة، لكن الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة، النكاح تجري فيه الأحكام الخمسة أيضًا، لكننا قد تجاوزناه وذكرناه فيما سبق.
قال: (ويصح من زوج) مفهومه: غير الزوج لا يصح منه، لا بد من زوج، فلو طلق قبل أن يتزوج؟ طالب: لا يقع.
الشيخ: نعم، لا يقع؛ لأنه من غير زوج.
لو قال الزوج: أنتِ، وقال صاحبه الذي إلى جنبه: طالق، المرأة الآن أمامهما، فقال الزوج: أنتِ، فقال ذاك: طالق، يقع الطلاق؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟ ليس من زوج، هذا طلاق مُركَّب من زوج وأجنبي، لا يقع.
وكما سمعنا أن رجلًا طلَّق زوجته ببيت، وكانت البيوت فيما سبق صغيرة، فقعدت الزوجة تصيح وتقول: أنا أم أولادك، كيف تطلقني، فأطلت من السطح امرأة الجار، وقالت: يا أبا فلان، كيف تطلق امرأتك أم الأولاد؟ فقال: وأنتِ طالق أيضًا! ! لكنه قيل: إنه قال: أنت طالق على (... ) زوجتي، هل يقع الطلاق؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟ ليس من زوج، فلا يقع الطلاق، لا بد أن يكون من زوج.
طيب، رجل تزوج امرأة بدون ولي وطلقها، هل يقع الطلاق؟ لا يقع الطلاق؛ لأن هذا النكاح غير صحيح، فلم تكن المرأة به زوجة، وهو لا بد أن يكون من زوج.
طيب، رجل تزوج امرأة بدون شهود، ثم طلقها؟ إن قلنا: إن الإشهاد شرط في الصحة لم يقع الطلاق؛ لأن النكاح لم يصح أصلًا، ولا بد أن يكون من زوج.

رجل تزوج امرأة في عدتها من الوفاة، امرأة تُوفي عنها زوجها، فقام رجل وتزوجها في العدة، ثم طلقها، يصح الطلاق؟ طلبة: لا يصح.
الشيخ: ليش؟ لأنه ليس من زوج؛ إذ إن العقد في العدة غير صحيح.
رجل تزوج امرأة بنكاح شغار، ثم طلقها، يصح؟ لا يصح الطلاق، لماذا؟ لأن العقد غير صحيح، فهي ليست زوجة.
لعلكم تظنون أن قولنا: لا يصح الطلاق يعني لا يُفرَّق بينهما، وليس كذلك.
أصلًا هي ليست زوجة، هي حكمًا مُفرَّق بينها وبين زوجها، فأنا شفت بعضكم يتلكأ إذا قلنا: لا يصح الطلاق يظن أنها لا تفارقه، لا بد أن تفارقه، لكن هذا الطلاق لا يُعتبر، فلا يُحسب عليه فيما لو تزوجها فيما بعد.
إذن يصح من أيش؟ (من زوج).
(مُكلَّف)، أي: بالغ عاقل، هذا معنى المكلف البالغ العاقل.
وبماذا يحصل البلوغ؟ طالب: بإنبات شعر العانة.
الشيخ: إنبات شعر العانة.
الطالب: أو غلظ الصوت.
الشيخ: أيش؟ أو غلظ الصوت.
طيب، وإن كان رجال له صوت دقيق من حين وُلد إلى أن يموت، ما يبلغ؟ الطالب: إذا احتلم.
الشيخ: إذا احتلم، إذا أنزل منيًّا بشهوة.
الطالب: إي.
الشيخ: طيب، هذه واحدة، ثنتان، الثالث؟ يعني أضربت عن غِلظ الصوت الآن؟ الطالب: لا، ما أضربت.
الشيخ: ما أضربت؟ ! الطالب: ما أضربت.
الشيخ: طيب، ما يخالف.
الطالب: لكن (... ). الشيخ: غلظ الصوت، إنزال المني بشهوة.
الطالب: إنبات شعر العانة.
الشيخ: هذه ثلاثة: إنبات شعر العانة، غلظ الصوت، إنزال المني بشهوة.
الطالب: إي، تجاوز العمر يا شيخ.
الشيخ: تجاوز العمر كم؟ عشرين؟ الطالب: لا.
الشيخ: كم؟ الطالب: ثمانية عشر.
الشيخ: ثمانية عشر! هذا بلوغ نظامي يا شيخ! ! طالب: أن يبلغ خمس عشرة سنة.
الشيخ: إذا بلغ خمس عشرة سنة.
طيب، وماذا تقول في غلظ الصوت؟ الطالب: غير صحيح.
الشيخ: غير صحيح؟ يعني معناه ممكن يبلغ ولو كان صوته دقيقًا؟ الطالب: إي.

الشيخ: طيب، صحيح.
انتبه يا أخي، الآن ما تعرف البلوغ؟ ! مشكلة هذه.
إذن البلوغ يحصل بأيش؟ بواحد من ثلاثة أمور: إما إنزال المني بشهوة، وإما إنبات شعر العانة، وإما تمام خمس عشرة سنة.
(مكلف) يعني بالغ عاقل، عاقل يعني يدرك ما يقول، فيفهم الخطاب، ويرد الجواب، ويتصرف تصرف العقلاء، احترازًا من المجنون، المجنون لا يقع طلاقه.
ولهذا قال رحمه الله: (ومميز يعلقه) يأتي الكلام.
إذن المكلف مَنْ؟ البالغ العاقل.
إذا لم يكن بالغًا، فهل يقع طلاقه؟ بيَّن المؤلف الحكم، قال: (ومميز يعقله)، يعني ويصح الطلاق من مميز يعقل الطلاق، يعني يفهم ويش معنى الطلاق، فلو تزوج إنسان له عشر سنوات بامرأة وقال لها: أنتِ طالق، نسأل، نقول: هل تدري ويش معنى أنت طالق؟ قال: نعم، معنى أنتِ طالق يعني أنها غير مقيدة، تعمل بيديها، وتمشي، وتذهب، وتجيء؛ هذا معنى أنت طالق، هل يقع الطلاق؟ طلبة: لا.
الشيخ: لا؟ لماذا؟ الطلبة: لأنه لا يعقل.
الشيخ: لأنه لا يعقل، ولا يدري ما هو.
لكن لو قال: نعم، أنا أدري ما معنى أنتِ طالق، أي: أنك مفارقة لي، يقع أو لا يقع؟ يقع؛ لأنه مميز.
ثم قال: (ومن زال عقله معذورًا لم يقع طلاقه، وعكسه الآثم)، هذا محترز قوله: (مُكلَّف)؛ لأن المكلف قلنا هو البالغ العاقل.
إذا زال العقل فإما أن يكون معذورًا، وإما أن يكون غير معذور، المعذور كالذي أصابه جنون؛ هذا معذور لا يقع الطلاق، فلو أن الإنسان أُصيب بصرع -نسأل الله العافية- وفي أثناء ذلك جعل يقول: زوجتي طالق، زوجتي طالق، يقع طلاقه؟ لا؛ لأنه زال عقله معذورًا، ولو أنه نام، سمعناه في النوم يحلم، يهاوس زوجته: يا فلانة، أنت ما صلحتِ كذا، ما زيَّنتِ كذا، ليس تطلعين، أنت طالق مني بالثلاثة، يقع الطلاق؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ نائم ما عنده عقل.
وكذلك لو أُغمي عليه، وفي أثناء الإغماء جعل يقول: زوجته طالق؛ فإنها لا تطلق.

(وعكسه الآثم)، يعني عكسه من زال عقله وهو آثم فإنه يقع طلاقه، مثاله: رجل شرب الخمر -والعياذ بالله- عالمًا أنه حرام، وفي أثناء سكره قال: زوجته طالق، يقع الطلاق؟ على كلام المؤلف يقع الطلاق؛ لأنه آثم.
من الذي أباح له أن يشرب الخمر؟ لا أحد، وعلى هذا فإنه يقع طلاقه.
لو غص بلقمه وعنده كأس خمر، وشرب الكأس لأجل أن يدفع اللقمة؛ لأنه إن لم يفعل هلك مات، فشرب، ثم سكر، يقع طلاقه أو لا يقع؟ طلبة: لا يقع.
الشيخ: ليش؟ لأنه معذور، يجوز هنا أن يشرب الخمر ليدفع اللقمة التي غص بها، فيكون معذورًا.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، ويأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه في الدرس القادم.
طالب: المؤالي من زوجه؟ الشيخ: المؤلي.
الطالب: المؤلي نعم، هل (... ). الشيخ: من الإيلاء (... ) لا، بالأقراء.
كل من ارتفع حيضها لسبب معلوم فإنها تنتظر حتى يعود الحيض.
طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بالنسبة لطلاق الحائض، شيخ، القائلون بأن طلاق الحائض لا يقع، كيف يجيبون على رواية ابن عمر لما سئل: أحُسبت عليك؟ أجاب بأنه نعم حُسبت (4). الشيخ: نعم، حُسبت عليه في الإثم، ويدل لهذا ما رواه أبو داود (5) بسند صحيح: أنه لم يرها شيئًا.
وهذا هو الراجح ، والأدلة تدل على هذا، لكن جمهور العلماء على أنه يقع الطلاق، بالنسبة للإفتاء والعمل لا ينبغي أن نطلق بأنه لا يقع، أو بأنه يقع، لو جاءنا إنسان، وقال: إنه طلق زوجته الآن، وكانت أول طلقة قبل عشر سنوات في حيض، والطلقة الثانية قبل خمس سنوات بطُهر جامعها فيه، وهذه الطلقة الثالثة في طهر لم يُجامعها فيه، ماذا يريد من هذا الكلام؟ يريد أن نلغي الطلقة الأولى والثانية لأجل أن يصح أن يراجع، هذا لا نفتيه بأن الطلاق لا يقع، بل نقول: الطلاق واقع؛ لأنه حين طلق أول مرة كان ملتزمًا بأيش؟ بوقوع الطلاق، بدليل أنه لو تزوجت بعد انتهاء العدة أيهاجم الزوج ويقول: هذه زوجتي؟ أبدًا، وكذلك في الطلاق الثاني.

لكن لو جاءنا وهي في العدة وقال: إنه طلق وهي حائض، حينئذٍ نأمره كما أمر الرسول عليه الصلاة والسلام ابن عمر أن يراجعها.
انتبهوا لهذا؛ لأن العلم شيء والتربية شيء آخر، ولهذا كان عمر رضي الله عنه يمنع من رجوع الرجل إذا طلق ثلاثًا أن يرجع إلى زوجته (6)؛ تربية للناس.
وهذه مسألة يغفل عنها كثير من العلماء، لا أقول من طلبة العلم، بل حتى من العلماء، لا يسوسون الناس حتى يلتزموا بشريعة الله، خلاص: طلق وهي حائض ما يقع الطلاق! يا رجل، الآن، فكر أنه طلقها وهي حائض بالأول، أيش؟ ما فكر ولا (... )؛ ولهذا رأيت كلامًا للشيخ عبد الله أبابطين العالم المشهور الذي يسمى مفتي الديار النجدية يقول: إن بعضهم إذا طلق الثالثة قال: والله النكاح ما فيه شهود، عقد النكاح ما فيه شهود، أو فيه شهود يشربون الدخان، وشرب الدخان يوجب الفسق إذا أصر عليه الإنسان، وشهادة الفاسق غير معتد بها.
يقول: ما شاء الله، الآن تدري أن شرب الدخان حرام، وأنها لا تصح شهادة شاربه؟ ! هذا غير صحيح، ولا يمكن الإنسان؛ لأن هذا تلاعب بالشرع.
فأقول الآن: إذا كان الشيخ عبد الله أبابطين رحمه الله قال: إنهم يقدحون في العقد، فنحن نقول: إنهم يلعبون بالطلاق.
بالأمس كان الطلاق بالحيض جائزًا وواقعًا، ولو تزوجت امرأته ما راح يطالب، واليوم يقول: إنه طلق وهي حائض؛ ولهذا كثير من الناس الآن يأتوننا، يكون طلق زوجته الطلقة الثالثة، وكانت الأولى في حيض وهي حائض، يقول: والله أنا طلقتها وهي حائض، ما شاء الله! الآن صِرت فقيهًا، تعرف أن طلاق الحائض حرام وغير واقع؟ !

لذلك يجب يا إخواننا، أنتم طلبة علم، وإن شاء الله يُرجى لكم أن تكونوا من أهل الفتوى، انتبهوا لهذه المسألة: سياسة الخلق بالحق، فالعلم ليس هو العلم النظري، العلم نظري وتربوي، والنظر للتربية أمْر مهم، وأنا ذكرت لكم أنه من السياسة الشرعية سياسة عمر بن الخطاب، بل حتى القرآن ما هو سياسة عمر بن الخطاب، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ [الأنعام: 108]، يعني لا يجوز أني أسب بوذا مثلًا لرجل يعبده، لماذا؟ إذا سببته جعل يسب الله، وسبه الله عدوًا بغير علم، وسبي لصنمه حق، لكنه لما كان يترتب عليه محرم مُنِع.
إذن انتبهوا لهذه المسألة.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رأى الناس كثُر فيهم: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق، قال: إن الناس قد تعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم (6). فأمضاه عليهم، وقال: ما يمكن ترجع لزوجتك، لماذا؟ لأنه هو الذي فعل ذلك بنفسه، طلقها ثلاثًا.
بيع أمهات الأولاد، يعني بيع السُّرية إذا جاءت بولد من سيدها، في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام حلال، لكن الناس عندهم خشية من الله، لا يُمكن أن يبيع هذه السرية ولها أولاد منه، فيفرق بينها وبين أولادها، فكانوا لا يبيعون أمهات الأولاد إذا كان هناك ولد يُخشى أن يُفرَّق بينها وبينه، لكن في عهد عمر تجرؤوا، وصاروا يبيعون أمهات الأولاد مع وجود أولادهن الصغار، فمنع من ذلك (7)، مع أن البيع في الأصل حلال، لكن منع منه؛ لأن الناس تجرؤوا على فعل المحرم به، فمنعه.
هذه سياسة شرعية مستقاة من الكتاب والسنة وسنة الخلفاء الراشدين، وأكثر طلبة العلم لا يهتمون بهذا، ينظرون إلى صورة الواقع بقطع النظر عما يترتب عليه.
وهذا نقص في العلم والتوجيه والتربية.
نسأل الله لنا ولكم الهداية والتوفيق.

وأنا أهم شيء عندي هو تربية الخلق ليقوموا بالحق؛ هذا أهم شيء، لكن بشرط ألا يكون فيه تجاوز وتعدٍّ لحدود الله، فهذا لا يمكن أن يقول به أحد.


بسم الله الرحمن الرحيم سبق لنا أن الطلاق تجري فيه الأحكام الخمسة، أي أنه يكون واجبًا، ومحرمًا، ومندوبًا، ومكروهًا، ومباحًا.
وسبق أنه يصح من الزوج دون غيره، وأن الرجل لو قال لامرأة: إن تزوجتكِ فأنتِ طالق، ثم تزوجها فإنها لا تطلق؛ لأنه حين قوله ليس زوجًا لها.
وسبق أنه لا يصح إلا من مُكلَّف أو مميز يعقله، والمكلف هو البالغ العاقل، لكن من دون البلوغ إذا كان يعقل الطلاق فإنه يقع منه.
لو طلق الرجل زوجة ابنه، أيقع الطلاق؟ طلبة: لا.
الشيخ: لماذا؟ لأنه ليس زوجًا، حتى لو كان الابن مميزًا يعقل الطلاق، وطلق عنه أبوه وقال: إن هذه المرأة سيطرت على عقل ولدي، فأريد أن أطلقها؛ لأن بقاءها يضره، فإنها لا تطلق؛ لأن الطلاق لمن أخذ بالساق، أي للزوج فقط.
إذا طلَّق وهو غير عاقل؛ بمعنى أن عقله زال، فإنه لا يقع الطلاق إن كان معذورًا، ويقع إن لم يكن معذورًا.
وعلى هذا فإذا طلق وهو نائم لا يقع الطلاق، وإذا طلق وهو سكران فيه تفصيل؛ إن كان قد شرب الخمر يعلم أنها خمر فإن طلاقه يقع، وإن كان شرب الخمر لا يعلم أنها خمر، فإن طلاقه لا يقع؛ لأنه معذور، وكذلك لو أُكرِه على شُرب الخمر فشرب، ثم طلَّق وهو سكران فإن طلاقه لا يقع؛ لأنه معذور.
طيب، لو بُنِّج، وفي أثناء البنج طلق، فطلاقه لا يقع؛ لأنه معذور.
ولهذا قال المؤلف: (ومن زال عقله معذورًا لم يقع طلاقه، وعكسه الآثم) يعني غير المعذور.

جارٍ التحميل